مباحث الأصول/ الصفحة 13/ الجزء الأول
بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد للّه ربّ العالمين. و صلّى اللّه على محمّد و آله الطيّبين الطاهرين. وَ لا تَحْسَبَنَّ الّذينَ قُتِلُوا في سَبيلِ اللَّهِ أَمواتاً بَل أَحياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ صدق اللّه العلي العظيم. أرى لزاما عليّ في مقدّمة هذا الكتاب الذي هو تقرير لبحث الأصول لأستاذنا الشهيد آية اللّه العظمى السيد محمّد باقر الصدر - رضوان اللّه عليه - أن أكتب ترجمة متواضعة عن حياة هذا الشهيد العظيم الذي أنار درب العلم للعلماء، و درب الشهادة للشهداء، و شق السبيل أمام العالمين للإسلام. فبأبي هو و أمّي و نفسي من قائد فذّ لا يجارى، و مرجع كبير لا يضاهي، و سلام عليه يوم ولد و يوم استشهد و يوم يبعث حيا. أفتتح ترجمتي لحياة أستاذي الشهيد - رحمه اللّه - بحديث مختصر عن أسرته الكريمة استللت عمدة ما فيه من رسالة بعثها لي المرحوم العلاّمة المجاهد السيّد عبد الغني الأردبيلي - قدّس سرّه - و كانت هذه الرسالة مشتملة على ترجمة حياة الأستاذ و أسرته كتبها في النجف الأشرف بقرب المترجم له. و هو تلميذ من تلامذة هذا الأستاذ قد توفي قبل استشهاد أستاذنا و ذلك بتاريخ 28 - رجب - 1397 ه. و قد رثاه أستاذنا في ضمن ما رثاه بقوله: »إذا كان القدر الذي لا رادّ له قد أطفأ في لحظة أملي في أن أمتد بعد وفاتي و أعيش في قلوب بارة كقلبه، و في حياة نابضة بالخير كحياته، فإنّي أتوسّل
مباحث الأصول/ الصفحة 14/ الجزء الأول
إليك يا ربّي بعد حمدك في كلّ يسر و عسر أن تتلقّاه بعظيم لطفك، و تحشره مع الصدّيقين من عبادك الصالحين و حسن أولئك رفيقا، و أن لا تحرمه من قربي و لا تحرمني من رؤيته بعد وفاته و وفاتي بعد أن حرمت من ذلك في حياته و أرجو أن لا يكون انتظاري طويلا للاجتماع به في مستقر رحمتك« [1]. سبحانك يا ربّ ما أسرعك في استجابة هذا الدعاء النابع من قلب مفجوع بوفاة تلميذه العزيز عليه فألحقته به في مستقرّ رحمتك، و فجع بذلك المسلمون جميعا على الخصوص العارفون بالله العاملون في سبيل اللّه. و هم لا يملكون شيئا إزاء هذه الفاجعة المؤلمة عدا أن يقولوا: »اللّهمّ تقبل منّا هذا القربان«.
____________________________
[1] دروس في علم الأصول - الحلقة الأولى ص 6.
مباحث الأصول/ الصفحة 15/ الجزء الأول
أسرة الشهيد الصدر معروفون بالفضل، و التقى، و العلم، و العمل، و مكارم الأخلاق. و قد كانوا مشعلا للهداية و النور، و مركزا للزعامة و المرجعيّة الدينية، و مدارا للإفادة و الإفاضة في مختلف الأجيال. و قد انحدروا من شجرة الرسالة و السلالة العلوية من أهل بيت أراد اللّه ليذهب عنهم الرجس و يطهرهم تطهيرا. و هذه الأسرة العريقة قد اتخذت ألقابا مختلفة باختلاف العصور طيلة ما يزيد على قرنين فكانوا يلقّبون: تارة بآل أبي سبحة. و أخرى بآل أبي حسين القطعي. و ثالثة بآل عبد اللّه. و رابعة بآل أبي الحسن. و خامسة بآل شرف الدين. و أخيرا بآل الصدر. و ها نحن نشير إلى عدد من الفحول العظام من سلالة هذه الشجرة الطيّبة التي أنجبت أخيرا قائدا فذّا و مرجعا عبقريّا لم ترعين الزمان مثله. ألا و هو شهيدنا الغالي السيّد محمد باقر الصدر رضوان اللّه تعالى عليه:
مباحث الأصول/ الصفحة 16/ الجزء الأول
1 - السيد صدر الدين: السيد صدر الدين محمّد بن السيّد صالح بن السيّد محمّد بن السيّد إبراهيم شرف الدين بن زين العابدين بن السيّد نور الدين الموسويّ العاملي. هو فخر من مفاخر الشيعة، و عالم فذ من كبار علماء المسلمين، و من نوابغ العلم و الأدب قلّ من يضاهيه في الفضيلة و التقوى. ولد في قرية (معركة) من قرى جبل عامل. و نشأ و نما علميّا في النجف الأشرف، ثم هاجر إلى الكاظميّة، و منها إلى أصفهان، ثم عاد إلى النجف الأشرف، و توفي و دفن في النجف الأشرف. والده (السيّد صالح) من أكابر العلماء، كان مرجعا للتقليد، و زعيم الطائفة الإماميّة في بلاد الشام، هاجر من جبل عامل إلى النجف الأشرف فرار من الحاكم الظالم في جبل عامل وقتئذ (أحمد الجزار)، و توفي في سنة (1217) هجرية.
والدته: بنت الشيخ علي بن الشيخ محيي الدين من أسباط الشهيد الثاني. ولد السيّد صدر الدين في 21 من ذي القعدة من سنة (1193 ه) في جبل عامل. و هاجر في سنة (1197 ه) مع والده إلى العراق، و سكن النجف الأشرف، و اهتم بتحصيل العلوم الإسلاميّة و المعارف الإلهيّة في صغر سنّة، حتّى أنه كتب تعليقة على كتاب قطر الندى و هو ابن سبع سنين. و قد قال هو إني حضرت بحث الأستاذ الوحيد البهبهاني في سنة (1205 ه) و كنت أبلغ من العمر اثنتي عشرة سنة، و كان الأستاذ معتقدا بحجّية مطلق الظنّ و مصرّا على ذلك. و حضرت في نفس السنة بحث العلاّمة الطباطبائي السيّد بحرا العلوم. و قد قالوا إن السيّد بحر العلوم كان ينظم آنئذ ما أسماه بالدّرة، و كان يعرضها على السيّد صدر الدين لما لاحظ فيه من كماله في فنّ الشعر و الأدب. و قد ذكر السيد حسن الصدر في تكملة أمل الآمل: إن الشيخ جابر الشاعر الكاظمي - مخمّس القصيدة الهائية الأزريّة - قال: ان السيّد الرضي أشعر شعراء قريش و السيّد صدر الدين أشعر من السيّد الرضيّ. بلغ السيّد صدر الدين مرتبة الاجتهاد قبل بلوغه سن التكليف. و قد أجازه
مباحث الأصول/ الصفحة 17/ الجزء الأول
بالاجتهاد صاحب الرياض (رحمه اللّه) في سنة (1210 ه) و صرّح بأنّه كان مجتهدا قبل أربع سنين. و هذا يعني أنه قد بلغ الاجتهاد في السنة الثالثة عشرة من عمره الشريف. و هذا ما لم يسمع نظيره إلاّ بشأن العلامة الحلي و الفاضل الهندي، على أنه كان يفوقهما في فنّ الشعر و الأدب. و قد ذكر السيّد حسن الصدر في تكملة أمل الآمل: إن الشيخ محمّد حسن صاحب الجواهر و الشيخ حسن بن الشيخ جعفر كاشف الغطاء - و هما من أكابر أساتذة النجف الأشرف - كانا يدينان بالفضل للسيّد صدر الدين عند رجوعه من أصفهان إلى النجف الأشرف، و كانا يجلسان لديه جلسة التلميذ لدى أستاذه. دخل يوما السيّد صدر الدين على المحقّق صاحب الجواهر (رحمه اللّه) فأقبل صاحب الجواهر إليه آخذا بعضده و أجلسه محلّه و جلس أمامه و تذاكرا في العلم و الفقه، و انجرّ الكلام إلى اختلاف الفقهاء في مسألة ما، فبيّن السيد ببيان فائق اختلاف الآراء الفقهيّة في تلك المسألة مع اختلاف طبقاتهم من العصر الأوّل إلى زمانه، و فرّع الخلاف في ذلك على اختلافهم في المباني و المسالك، و شرح تلك المباني و الفروق فيما بينهما. فتعجّب الشيخ صاحب الجواهر من تبحّر السيد، و قال بعد ذهاب السيد: (يا سبحان اللّه السيّد جالس جميع العلماء و بحث معهم و وقف على أذواقهم و مسالكهم. هذا و اللّه العجب العجاب، و نحن نعدّ أنفسنا من الفقهاء. هذا الفقيه المتبحر). و قد روى في تكملة أمل الآمل عن الشيخ الجليل عبد العلي النجفي الأصفهاني: أنّه دخل السيّد صدر الدين في ليلة من ليالي شهر رمضان المبارك حرم الإمام أمير المؤمنين (ع)، و بعد أن أنهى زيارته للإمام جلس خلف الضريح المقدّس لكي يقرأ دعاء أبي حمزة، و حينما قرأ الجملة الأولى: »إلهي لا تؤدبني بعقوبتك« أخذه البكاء و كرّر الجملة مرارا و هو يبكي إلى أن غشي عليه فحملوه من الحرم الشريف إلى بيته. و كانت للسيد (رحمه اللّه) كلمات و مقاطع خاصّة لدى مناجاته للّه تعالى منها قوله:
مباحث الأصول/ الصفحة 18/ الجزء الأول
»رضاك رضاك لا جنات عدن× و هل عدن تطيب بلا رضاكا« تزوّج السيّد صدر الدين - رحمه اللّه - ببنت الشيخ الأكبر صاحب كشف الغطاء، و ولدا ابنا اسمه السيد محمد علي المعروف ب (آقا مجتهد) و كان من أكابر عصره و نوادره. و قد ابتلي السيّد (رحمه اللّه) في أواخر حياته في أصفهان باسترخاء في بدنه شبه الفالج. و رأى ذات يوم في عالم الرؤيا الإمام أمير المؤمنين (ع) قال له: أنت ضيفنا في النجف الأشرف. و عرف من هذه الرؤيا أنّ وفاته قد اقتربت، فهاجر إلى النجف الأشرف، و توفي في ليلة الجمعة أوّل شهر صفر من سنة (1264) ه و دفن في حجرة في الزاوية الغربيّة من الصحن الشريف قريبا من الباب السلطاني (رضوان اللّه عليه). مؤلفات السيد صدر الدين: 1 - أسرة العترة، كتاب فقهي استدلالي. 2 - القسطاس المستقيم، في أصول الفقه. 3 - المستطرفات في فروع لم يتعرض لها الفقهاء. 4 - شرح منظومة الرضاع، و هي ما نظم بها هو (رحمه اللّه) كتاب الرضاع بأسلوب رائع، ثمّ شرحها. كما شرحها أيضا آية اللّه الميرزا محمد تقي الشيرازي (رحمه اللّه). 5 - التعليقة على رجال أبي علي. 6 - قرّة العين، كتاب في علم العربيّة كتبه لبعض أولاده، و قد ذكر تلميذه في أوّل معدن الفوائد: إنّ كتاب قرّة العين على صغره تفوق المغني لابن هشام على طوله. 7 - شرح مقبولة عمر بن حنظلة. 8 - رسالة في حجيّة الظنّ. 9 - رسالة في مسائل ذي الرئاستين.
مباحث الأصول/ الصفحة 19/ الجزء الأول
10 - (قوت لا يموت) رسالة عمليّة باللغة الفارسيّة. مشايخه: روى السيد صدر الدين (رحمه اللّه) عن أكثر من أربعين عالما نشير إلى بعضهم: 1 - روى عن والده و أستاذه السيّد صالح عن جده السيّد محمّد عن أستاذه الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي. بجميع طرقه المذكورة في آخر الوسائل. و أيضا روى عن والده عن الشيخ يوسف البحراني صاحب الحدائق عن المولى محمّد رفيع عن العلاّمة المجلسي رحمه اللّه. 2 - روى عن العلاّمة الطباطبائي بحر العلوم المتوفّى سنة (1212 ه) و كان يعبّر عنه بالأستاذ الشريف. 3 - روى عن العلاّمة المير علي صاحب الرياض المتوفى سنة (1231 ه). و كان السيّد معجبا بصاحب الرياض و كان يعتقد أنه يفوق المحقّق القمّي صاحب القوانين (قدس سرّه) في الفقه و قوّة النظر. 4 - روى عن المحقّق السيّد محسن الأعرجي صاحب المحصول (رحمه اللّه) و كان السيّد (رحمه اللّه) معجبا بزهده و تحقيقاته توفي في سنة (1228 ه). 5 - روى عن شيخ الطائفة الشيخ جعفر كاشف الغطاء المتوفّى سنة (1228 ه). 6 - روى عن السيد الجليل المتبحّر الميرزا مهدي الشهرستاني الموسوي الحائري المتوفى سنة (1218 ه). 7 - روى عن الشيخ الجليل الفقيه الشيخ سليمان معتوق العاملي المتوفى سنة (1228) ه.
قد ربّى السيّد صدر الدين (رحمه اللّه) علماء تخرجوا على يده منهم: 1 - السيّد ميرزا محمّد هاشم، صاحب كتاب أصول آل الرسول.
مباحث الأصول/ الصفحة 20/ الجزء الأول
2 - السيّد محمد باقر الموسوي، صاحب كتاب روضات الجنات. 3 - شيخ الفقهاء و المجتهدين الشيخ مرتضى الأنصاري (رحمه الله) صاحب كتاب المكاسب و الرسائل. 4 - حجّة الإسلام السيّد محمّد حسن المجدّد الشيرازي (قدّس سرّه). 5 - الشيخ شريف العلماء. رئيس الأمّة، و زعيم الملّة، مربّي الفقهاء، و صدر العلماء، أستاذ المجتهدين و المحقّقين، نائب الإمام، سيّد الأنام، حامي الشريعة، و فخر الشيعة، حسنة دهره، و جوهرة عصره، الإمام الزاهد، الورع التقيّ، آية اللَّه العظمى و الحجّة الكبرى (السيّد إسماعيل الصدر) الأصفهاني (قدس سرّه). سيد جليل، و عالم كامل، و خبير ماهر، فقيه أصوليّ، محقّق عبقريّ، واحد زمانه في الزهد، و نادرة دهره في التقوى. كان أحد مراجع الشيعة في التقليد. ولد في أصفهان في سنة (1258 ه). والده السيد صدر الدين العاملي الأصفهاني الذي مضت ترجمته. حينما توفي والده في سنة (1264 ه) تربى في كنف أخيه السيد محمد علي المعروف ب (آقا مجتهد) و كان متمتّعا بالذكاء الخارق حتى عدّ في أوائل بلوغه سنّ التكليف من الفضلاء و العلماء. هاجر في سنة (1280 ه) من أصفهان إلى النجف الأشرف لغرض التتلمذ على يد الشيخ الأنصاري (رحمه اللَّه). و لكن حينما وصل إلى كربلاء توفّي الشيخ (قدّس سرّه) فلم ينثن السيّد (رحمه اللَّه) عن عزمه للهجرة إلى النجف الأشرف. فسافر إلى النجف فتتلمذ على يد الفقهاء و العلماء آنئذ، كما و اشتغل بالتدريس و تربية الطلاب أيضا. اكتسب السيّد (رحمه اللَّه) في فترة بقائه في النجف الأشرف إضافة إلى الفقه و الأصول و الحديث معلومات أخرى عقليّة، كعلم الكلام و الفلسفة، و الرياضيات كالهندسة و الهيئة و النجوم على النسق القديم، مع الاطلاع على
مباحث الأصول/ الصفحة 21/ الجزء الأول
آراء جديدة. و لم نعرف أنّه من أين أخذ هذه العلوم، و على من تتلمذ فيها، و لم يكن يعرف أنّه مطلع على هذه العلوم إلاّ حينما كان يتعرّض لها بالمناسبة ضمن أبحاثه الأصوليّة و الفقهيّة. و أخيرا أصبح من خواصّ تلاميذ و أصحاب المجدّد الشيرازي (قدّس سرّه). ثم هاجر أستاذه المجدّد الشيرازيّ إلى سامراء و بقي السيّد الصدر يمارس نشاطه العلمي في النجف الأشرف. ثم سافر في النصف من شعبان من سنة (1309 ه) إلى كربلاء لزيارة الحسين (ع)، و وصلته رسالة في كربلاء من أستاذه الشيرازي يطالبه فيها بالسفر الى سامراء بلا توان أو تأخر، فاستجاب إلى دعوة أستاذه، و ذهب إلى سامراء و كان عازما على الرجوع إلى دار هجرته النجف الأشرف. لكنه حينما وصل إلى سامراء ألزمه أستاذه على الإقامة فيها، و كان السبب في ذلك أنّ السيد المجدّد الشيرازي كان قد ترك التدريس من سنة (1300) تقريبا لكثرة الاشتغال و المراجعين و ضعف المزاج، فأحلّ السيّد الصدر في سنة (1309) محلّه في التدريس، فأصبح محورا للتدريس في الحوزة في سامراء، و كانت محاور التدريس آنئذ في حوزة سامراء ثلاثة: 1 - السيد إسماعيل الصدر الأصفهاني. 2 - الميرزا محمد تقي الشيرازي. 3 - السيد محمد الفشاركي. و كان اجتماع أهل الفضل و العلم في درس السيّد الصدر أكثر من غيره. و هكذا استمرت سامراء محورا لإشعاع العلم و كعبة لآمال العلماء و محطّ أنظار الفضلاء في التعليم و التعلّم و تربية الأخلاق و تهذيب النفس إلى أن فجع العالم الإسلامي و المسلمون بوفاة السيد المجدّد الشيرازي (ره). و انتقلت المرجعيّة و الزعامة للشيعة من بعد المجدّد الشيرازي إلى السيّد الصدر. و سلّم أولاد المجدّد الشيرازي ما بقي من أموال و حقوق شرعيّة بحوزة السيّد الشيرازي إلى السيّد الصدر. و كان السيّد الصدر (رحمه اللَّه) زاهدا في الزعامة و المرجعيّة و لهذا عزم بعد
مباحث الأصول/ الصفحة 22/ الجزء الأول
وفاة أستاذه المجدّد الشيرازي بسنتين على ترك بلد مرجعيّته وقتئذ و هو سامراء فترك سامراء مهاجرا إلى النجف الأشرف و طلب من العلماء و الأكابر أن لا يتركوا سامراء. و حينما وصل في سفره إلى كربلاء استخار اللَّه تعالى على الإقامة في النجف الأشرف، فكانت الاستخارة تدل على النهي فاتخذ من كربلاء مقرّا له. و قد هاجر من سامراء عدد من العلماء و الأكابر رغم طلبه منهم عدم المهاجرة، و التحق بهم بعد ذلك آخرون، و أصبحت كربلاء كعبة آمال العلماء و الفضلاء إلى أن تمرض السيّد الصدر في سنة (1334 ه) فسافر إلى الكاظميّة للعلاج و تحسّن حاله في أوّل الأمر، و لكن تدهورت صحّته بعد ذلك على أثر كبر السنّ و ضعف المزاج و حوادث الدهر و توفي - رضوان اللَّه عليه - بتاريخ (12 - جمادى الاولى - 1338 ه) و دفن بجوار جدّه موسى بن جعفر عليه السلام في مقبرة عائليّة لآل الصدر. و رثاه الشعراء و الأدباء و الفضلاء بقصائد و أبيات كثيرة و قال المرحوم آية اللَّه الشيخ مرتضى آل ياسين رحمه اللَّه: لئن يك أخفى اللَّه شخصك في الثرى فهيهات ما أخفى فضائلك القبر لقد كنت سرّ اللَّه بين عباده و من سنن العادات أن يكتم السرّ فطوبى لقبر أنت فيه مغيّب فقد غاب في (أحشاء) [1] تربته البدر
سيرته و أخلاقه: كان رحمه اللَّه آية في العفّة و علوّ الهمّة و الاعتماد على النفس و التوكّل على اللَّه و حسن الأخلاق و الزهد في الزعامة و الرئاسة، كان مروّجا للدين مربّيا للعلماء مساعدا للمشتغلين بالعلم عونا للفقراء و المساكين يوصل الأموال إلى
____________________________
[1] هذه الكلمة غير موجودة في النسخة التي أرسلها لي المرحوم السيد عبد الغني الأردبيلي، و لعلها ساقطة من القلم إذ بدونها لا يستقيم البيت.
مباحث الأصول/ الصفحة 23/ الجزء الأول
مستحقيها بلا منّ أو شرط، و أحيانا لم يكن يعرف أنّ المال من قبله. كان (رحمه اللَّه) يتتلمذ على يد السيّد المجدّد الشيرازي الذي هو تلميذ لأبيه السيد صدر الدين و لأخيه السيّد محمّد علي المعروف ب (آقا مجتهد)، و لكن لم يكن يعرّف نفسه لدى السيّد المجدّد فهو لم يكن يعلم أنه ابن أستاذه، ذلك لأنه حينما هاجر من أصفهان إلى النجف الأشرف عزم على أن لا يعرّف نفسه لأحد حتى على أولاد عمّه و أسرته في بغداد و الكاظمية كي يبقى مجهولا و يكون أكثر قدرة على التكامل. إلى أن صادف أنّه تشرّف إلى الحج ثمّ رجع إلى النجف الأشرف فأخبر السيّد الشيرازي بعض تلاميذته ممّن كان يعرف السيّد الصدر بأنّه قد قدم من الحجّ السيّد إسماعيل بن السيّد صدر الدين الأصفهاني، فعزم السيّد الشيرازي (قدّس سرّه) على زيارة ابن أستاذه و هو لا يعلم أنّه تلميذه المحبوب لديه، فحينما زاره في بيته فوجئ بأنّ هذا هو ذاك التلميذ الذي كان موردا لإعجاب الأستاذ، فوقف متعجّبا قائلا: أنت السيّد إسماعيل الصدر ابن السيد صدر الدين الأصفهاني؟ قال: بلى، فيزداد الأستاذ إعجابا بهذا التلميذ و بمكارم أخلاقه. و قد روي أن السيّد إسماعيل الصدر كان عازما على أن لا يقترض من أحد مالا مدى العمر. و كان وفيا بعهده رغم معاناته في أيام دراسته في النجف الأشرف من الفقر و الفاقة إلى أن صادف ذات يوم أن أصبحت والدته البالغة حد الشيخوخة في حالة لا تطاق فخاف السيّد (رحمه اللَّه) على سلامتها و ذهب إلى الصحن الشريف و هو حائر بين أمرين: بين التكليف الشرعي الذي يطالبه بالمحافظة على أمّه و الذي قد يكون متوقّفا على الاقتراض، و بين عهده الذي عاهد نفسه عليه من عدم الاقتراض مدى العمر، فجلس جلسة المتحير المتفكّر في أمره أمام حجرة من حجرات الشمال الغربي، و إذا برجل غير معروف لديه يتمثل أمام السيّد و يسأله هل أنت سيد موسويّ النسب؟ قال: بلى، فأعطاه خمسة توامين، و قال: هذا نذر للسيّد الموسوي النسب. فأخذها السيد و بقي وفيا بعهده مدى العمر.
مباحث الأصول/ الصفحة 24/ الجزء الأول
|