الفهرس

   
   
 
  • الظهور

  • الإجماع

  • خبر الواحد الثقة

  • الظن

 

 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  11/ الجزء الثاني

 

 

 

مباحث الأصول.

 

 

الأمارات الظنّيّة

 

 

 

1 - المقدمة

2 - الظهور

3 - الإجماع

4 - خبر الواحد الثقة

5 - الظن (مقدمات الانسداد)


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  13/ الجزء الثاني

 

بسم اللّه الرحمن الرحيم

 

الحمد للّه ربّ العالمين، و أفضل الصلوات على أفضل النبيّين (محمّد) و على آله الطّيبين الطاهرين.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  15/ الجزء الثاني

 

الأمارات الظنّيّة

 

 

المقدّمة

 

 

1 - حجّيّة الظن ذاتا و عدمها

2 - استحالة جعل الحجّيّة للظنّ و عدمها

3 - مقتضى الأصل عند الشك في الحجّيّة

4 - بحث السيرة


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  17/ الجزء الثاني

 

المقدّمة

 

 

بحث المحقّق الخراسانيّ (رحمه اللَّه) قبل شروعه في بيان الأمارات الظنّيّة التي ثبتت حجّيّتها أمورا ثلاثة:

 

1 - حجيّة الظنّ ذاتا و عدمها.

2 - استحالة جعل الظن حجّة و عدمها.

3 - ما هو مقتضى الأصل عند الشك في الحجّيّة.

و الأوّلان بحثان ثبوتيّان و الأخير بحث إثباتي.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  19/ الجزء الثاني

 

حجّيّة الظنّ ذاتا و عدمها

 

أمّا الأمر الأوّل: فقد أفاد المحقّق الخراسانيّ رحمه اللّه: أنّ الظنّ ليس حجّة بالذات لكونه مشوبا بالشك و عدم تماميّة الوصول. و الشي‏ء ما لم يتمّ وصوله إلى العبد لا يتنجّز عليه. هذا في مرحلة ثبوت التكليف، و كذلك الأمر في مرحلة سقوطه، فإنّه إذا صار الاشتغال يقينيّا استدعى ذلك البراءة اليقينيّة و لا يمكن الاكتفاء في البراءة بغير العلم.

أقول: أمّا مسألة لزوم تحصيل العلم في جانب البراءة فسيأتي بحثها - إن شاء اللّه - في مبحث البراءة و الاشتغال، حيث نبحث هناك: أنّه متى يتنجّز التكليف بمرتبة وجوب الموافقة القطعيّة؟. فإذا تنجّز التكليف بهذه المرتبة لم يبق إشكال في عدم جواز الاكتفاء بالامتثال الظنّي أو الاحتمالي، إذ هو خلف.

و أمّا مسألة لزوم العلم في تنجّز التكليف و عدم حجّيّة الظنّ ذاتا الّذي هو محل الكلام. فما أفاده (قدّس سرّه) فيها مبتن على الفكرة المشهورة في باب حجّيّة القطع من أنّ القطع حجّة ذاتا لكونه عين الوصول، و أنّه مع عدمه تجري قاعدة قبح العقاب بلا بيان، و قد بنوا على هاتين القاعدتين


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  20/ الجزء الثاني

 

أعني قاعدة حجّيّة القطع ذاتا و قاعدة قبح العقاب بلا بيان تمام المباحث العقليّة في علم الأصول.

و قد مضى منّا أنّه لا أساس لقاعدة قبح العقاب بلا بيان، و أنّ قاعدة حجّيّة القطع ذاتا لا تتمّ إلاّ على شكل الضروريّة بشرط المحمول، إذ ما لم تفرض مولويّة المولى في أحكامه المقطوعة لا معنى لحجّيّة القطع بأحكامه، كما لا يقول أحد بحجّيّة القطع بحكم زيد أو عمرو أو غيرهما من الناس من الذين لا مولويّة لهم علينا. و إذا فرضت مولويّة المولى في أحكامه المقطوعة فقد فرضت في الموضوع تماميّة التنجيز، فالقول بحجّيّة القطع ليس إلاّ ضروريّة بشرط المحمول. و بهذا يظهر أنّ رأس الخيط في التفكير يجب أن يكون عبارة عن مولويّة المولى، و المفروض أنّ أصل مولويّة المولى مفروغ عنها قبل الشروع في علم الأصول، و يبقى هنا التفكير في مدى سعة دائرة هذه المولويّة و ضيقها.

فإن فرض اختصاص دائرتها بالأحكام المقطوعة لم يكن الظن أو الشك منجزا للحكم على العبد، لانتفاء المولويّة في موردهما. و إن فرضت سعة دائرة المولويّة لموارد الأحكام المظنونة و المشكوكة كان الظنّ و الشك أيضا حجّة على حدّ حجّيّة القطع. و بين الفرضين فروض متوسّطة كثيرة، فإذا فرض مثلا أنّ دائرة المولويّة تشمل الأحكام المقطوعة و المظنونة دون المشكوكة كان القطع و الظن حجّة دون الشك.

و التحقيق عندنا - كما مضى في بحث القطع و يأتي (إن شاء اللّه) في بحث البراءة العقليّة -: أنّ العقل العملي يحكم بثبوت المولويّة و حقّ الطاعة للّه تعالى في التكاليف المشكوكة بشرط احتمال اهتمام المولى بهذا التكليف إلى حد لا يرضى بفواته في حال الشك، فيكفي في تنجّز التكليف احتماله مع احتمال كونه على فرض وجوده مهمّا عند المولى إلى حد لا يرضى بفواته عند الشك.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  21/ الجزء الثاني

 

و قد تحصّل أنّ بحثهم عن حجّيّة القطع و حجّيّة الظنّ ذاتا و عدمها لا أساس له أصلا.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  23/ الجزء الثاني

 

استحالة جعل الحجّيّة للظن و عدمها

 

و أمّا الأمر الثاني: فتارة يستشكل في جعل حجّيّة الظن من باب منافاته لحكم العقل بقاعدة قبح العقاب بلا بيان باعتبار أنّ حكم العقل لا يقبل التخصيص، و أخرى يستشكل فيه من باب منافاته للحكم الواقعي في مورده. فهنا مقامان:

 

منافاة الحجّيّة لقبح العقاب بلا بيان:

أمّا المقام الأوّل: فقد مضى البحث عنه مفصّلا فيما سبق و حاصله:

إنّه بناء على المبنى المختار لا موضوع لهذا الإشكال رأسا، إذ نحن نقول بثبوت حقّ المولويّة بمجرد احتمال التكليف مع احتمال اهتمام المولى به إلى حدّ لا يرضى بفواته في فرض الشكّ، و عدم ثبوت هذا الحقّ عند القطع بعدم اهتمام المولى به إلى هذا الحدّ. و شأن الأدلّة الملزمة هو إثبات اهتمام المولى فيدخل التكليف في موضوع حق المولويّة. و شأن الأدلّة المرخّصة إثبات عدم اهتمام المولى، فيخرج التكليف عن موضوع حق المولوية، و ليس هناك تخصيص لقاعدة عقليّة أصلا. يبقى هنا شي‏ء واحد و هو أنّه كيف يمكن فرض عدم اهتمام المولى بتكليفه في حال الشك


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  24/ الجزء الثاني

 

و رضاه بتركه رغم بقاء أصل التكليف في هذه الحال؟ و لكنّ هذا رجوع إلى بحث المقام الثاني من المنافاة للحكم الواقعي، و سنبحثه إن شاء اللّه.

هذا كله بناء على مبنانا من إنكار قاعدة قبح العقاب بلا بيان.

أمّا بناء على تسليم تلك القاعدة فيتجه الإشكال و لو صوريّا في خصوص الحكم الظاهري الإلزاميّ، أمّا الترخيص فهو مطابق للحكم العقلي.

و الصحيح في الجواب: أنّ القاعدة لو تمّت فإنّما تتمّ في ما لو شككنا في الحكم و شككنا أيضا في اهتمام المولى به على تقدير وجوده، فيكون لنا شك في شك. أمّا إذا علمنا باهتمام المولى به على تقدير ثبوته فالحكم على تقدير وجوده يكون منجّزا، و احتمال التكليف المنجّز منجّز.

و على هذا نقول: إنّ الحكم الظاهري الإلزاميّ - سواء كان بلسان جعل الطريقيّة، أو جعل المنجّزيّة أو بأيّ لسان آخر - يدلّ بالدلالة العرفيّة على اهتمام المولى بالحكم على تقدير وجوده، كدلالة الإنشاء الواقعي بالدلالة العرفيّة على ثبوت روح الحكم في نفس المولى فارتفع الإشكال.

أمّا ما أفاده المحقّق النائيني رحمه اللّه في مقام حل الإشكال من أنّ الصحيح هو جعل العلم و الطريقيّة، و به يتمّ البيان و يرتفع موضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان، و هذا بخلاف فرض كون مفاد الحكم الظاهري هو جعل المنجّزيّة، فإنّ تنجيز الحكم الّذي لم يتمّ بيانه ليس بيانا له، بل هو تخصيص لقاعدة قبح العقاب بلا بيان، فالتخلّص من الإشكال إنّما يكون بجعل البيان و العلم تعبّدا.

أقول: ما أفاده رحمه اللّه قد مضى فيما سبق مع دفع ما أورد عليه و تسجيل الإيراد الصحيح عليه.

و حاصل الإيراد الصحيح عليه هو: أنّه إن فرض رفع موضوع القاعدة بلسان جعل الطريقيّة من ناحية دلالته العرفيّة على اهتمام المولى بالحكم، فلا فرق في هذه الدلالة بين لسان جعل الطريقيّة و لسان جعل المنجّزيّة و غير


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  25/ الجزء الثاني

 

ذلك. و إن أنكرنا اختصاص القاعدة بفرض عدم العلم باهتمام المولى، فلا محيص - في مقام فرض تنجّز الحكم في بعض الأوقات بدون ثبوت العلم التكويني - عن دعوى توسعة ما في الغاية، بأن يكون الغاية عبارة عن الجامع بين العلم التكويني و شي‏ء آخر. و ليست دعوى التوسعة من ناحية جعل العلم الّذي ليس إلاّ عبارة عن فرض العلم و اعتباره، بأولى من دعوى التوسعة من ناحية أخرى كجعل المنجزيّة و فرضها.

 

الجمع بين الحكم الظاهريّ و الواقعيّ

و امّا المقام الثّاني: فالإشكال في الجمع بين الحكم الظاهريّ و الواقعيّ تارة ينشأ من ناحية العقل النظريّ، و أخرى ينشأ من ناحية العقل العمليّ:

أمّا الأوّل، فبأحد بيانين:

الأوّل: لزوم اجتماع الضدّين أو المثلين، فلو كان الحكم الظاهري مطابقا للحكم الواقعي لزم اجتماع المثلين، و لو كان مغايرا له لزم اجتماع الضدّين. لتضادّ الأحكام من حيث المبادئ.

و الثاني: لزوم نقض الغرض و هو محال لاستحالة انفكاك المعلول عن علّته، فإنّ الغرض علّة غائيّة لما اشتمل عليه من فعل أو ترك، و الالتفات إليه يحرّك الفاعل نحو الفعل أو الترك، فإذا التفت المولى إلى غرضه الواقعي الّذي يفوت بجعل الحكم الظاهري و لم يتحرك نحو ترك هذا الجعل كان هذا يعني انفكاك المعلول عن علته.

و أمّا الثاني، فبيان أنّ الترخيص في مقابل الأحكام الواقعيّة تفويت للمصلحة على العبد و إضرار به لأدائه إلى فوات ملاكات الأحكام الواقعيّة الناشئة عن المصالح و المفاسد، و هذا قبيح لا يصدر من المولى الحكيم. نعم لا استحالة في صدوره من المولى غير الحكيم. و هذا بخلاف الوجهين الأوّلين غير المربوطين بالعقل العملي، فإنّ اجتماع المثلين أو الضدّين أو انفكاك


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  26/ الجزء الثاني

 

المعلول عن العلة محال حتى لو كان المولى غير حكيم.

هذا. و كأنّ الشيخ الأعظم رحمه اللّه شعر بأنّ من المناسب أن يذكر وجه لإمكان الحكم الظاهري في قبال ما فعل من ذكر وجه لاستحالته، فذكر (قدّس سرّه) ما يرجع إلى مقدمتين:

الأولى: إنّا لم نجد وجها للاستحالة لما سوف يأتي من دفع شبهة ابن قبة للاستحالة.

الثانية: إنّ العقلاء يبنون - في مورد عدم وجدان نكتة للاستحالة - على الإمكان و يرتّبون آثاره.

و أورد المحقّق الخراسانيّ رحمه اللّه على الشيخ وجوها ثلاثة، نذكرها على غير ترتيب الكفاية من حيث التقديم و التأخير.

الأوّل: إنّه لا ثمرة لهذا البحث إذ لو قام دليل قطعيّ على الحكم الظاهريّ كان هو دليلا على الإمكان، فإنّ الدليل على الوقوع الّذي هو أخصّ من الإمكان دليل لا محالة على الأعم و هو الإمكان. و لو لم يقم دليل قطعيّ على الحكم الظاهريّ فلا ثمرة لإثبات إمكانه.

و الثاني: إنّ كون بناء العقلاء على أصالة الإمكان عند الشك في ذلك و عدم وجدان ما يدلّ على الاستحالة ممنوع.

و الثالث: إنّه بعد تسليم ثبوت هذا البناء من العقلاء، فغاية ما يمكن افتراضه هي الظن بالإمضاء من قبل الشارع و حجّيّة الظن أوّل الكلام.

و هذا هو المقدار الموجود في عبارة الكفاية في هذا الإشكال.

و التقريب التّام له أن يقال: إنّه لو فرض القطع بإمضاء هذه السيرة فهو قطع بالحكم بأصالة الإمكان من قبل الشارع، و هذا بنفسه حكم ظاهريّ فهذا يعني القطع بإمكان الحكم الظاهري، و هو خلف فرض الشك في الإمكان و البناء على أصالة الإمكان. و إن فرض الظن بإمضائها فحجّيّة الظن أوّل الكلام.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  27/ الجزء الثاني

 

و الوجه في هذا التتميم إنه مع قطع النّظر عنه يقال: لما ذا فرض في المقام الظن بالإمضاء؟ و أيّ فرق بين هذه السيرة و مثل السيرة القائمة على حجّيّة الظهورات التي سلّم المحقّق الخراسانيّ رحمه اللّه في محله إفادتها للقطع؟.

فتتميم الإشكال يكون ببيان الفارق بأن يقال: إنّ إفادتها للقطع فيما نحن فيه خلف الفرض.

هذا. و جاء في الدراسات: إنّ إشكالات المحقّق الخراسانيّ رحمه اللّه إنّما ترد على الشيخ لو كان مراده دعوى أصالة الإمكان مطلقا، لكن من المحتمل أو المطمئنّ به أنّ مراده دعوى أصالة الإمكان عند ما تقوم أمارة ظنيّة معتبرة على الحكم الظاهريّ، كما إذا دلّ ظاهر كلام المولى على جعل حكم ظاهريّ، فإنّه لا إشكال - عندئذ - في أنّ العقلاء يأخذون بهذا الظاهر و لا يرفعون اليد عنه بمجرّد احتمال الاستحالة. و هذا كلام صحيح، فوزان ما نحن فيه وزان ما إذا قال المولى مثلا: (أكرم العلماء) و احتملنا عدم وجود الملاك في إكرام العالم الفاسق المساوق لاحتمال استحالة وجوب إكرامه.

و من الواضح أن العقلاء يأخذون بمدلول هذا الكلام حتى بالنسبة للعالم الفاسق و لا يعتنون باحتمال الاستحالة.

أقول: لعل هذا من سهو القلم، لأنّه لا يعقل جعل البحث في خصوص فرض قيام الأمارة الظنّيّة المعتبرة على الحكم الظاهري، إذ ننقل الكلام عندئذ إلى تلك الأمارة الظنّيّة و نقول: هل ثبتت حجّيّتها بالقطع أو الظنّ، و هكذا إلى أن يتسلسل أو ينتهي الأمر إلى القطع بالحجّيّة. و إذا قطعنا بالحجّيّة فقد قطعنا بتحقّق الحكم الظاهريّ.

و قياس ما نحن فيه بمثال الأمر بإكرام العلماء في غير محله إذ في هذا المثال إنّما فرض الشك في إمكان مدلول الدليل، لا في حجّيّة الدليل التي هي مدلول دليل آخر و المفروض الفراغ عن إمكانها و وقوعها و ثبوت المصلحة في جعل الظهور حجّة و طريقا إلى مقاصد المولى. بينما في ما نحن فيه


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  28/ الجزء الثاني

 

تكون نكتة الشك في إمكان مدلول الدليل سارية إلى حجّيّته التي هي مدلول دليل آخر، لأنّ حجّيّة هذا الدليل بنفسها حكم ظاهريّ شككنا في إمكانه.

أمّا التحقيق في المقام - بغضّ النّظر عمّا أفاده الأعلام - فهو أنّ بإمكاننا دعوى أصالة الإمكان بنحو تسليم عن جميع تلك الإشكالات.

أما إشكال اللغويّة، فبالإمكان علاجه في المقام سواء فرضنا عدم قيام دليل قطعيّ على الحكم الظاهريّ أو فرضنا قيامه عليه.

أمّا على الفرض الأوّل، فتظهر الثمرة فيما إذا كان عدم قطعيّة الدليل الدال على الحكم الظاهريّ من ناحية احتمال عدم الإمكان بحيث لو لا هذا الاحتمال لكان قطعيّا بالفعل، كما إذا كان الدليل عبارة عن السيرة العقلائيّة و عدم ردع الشارع، و كانت السيرة بمستوى نحتمل اكتفاء الشارع في مقام ارتداع الناس باحتمال عدم الإمكان عن التصريح بالردع، فإذا فرض عندئذ جريان أصل عقلائي يقتضي الإمكان بنحو يثبت اللوازم أيضا ثبت بهذا ذاك الحكم الظاهريّ تعبّدا، كما ثبت أصل الإمكان تعبّدا.

و أمّا الإشكال بأنّنا ننقل الكلام إلى نفس هذا التعبّد إذ هو حكم ظاهريّ و القطع به خلف الفرض و حجّيّة الظن به أوّل الكلام، فهذا راجع إلى الإشكال الثالث.

و أمّا على الفرض الثاني، فبيان الثمرة أنّه إذا افترضنا قيام دليل قطعيّ على الحكم الظاهريّ - على أن نقصد بالحكم الظاهريّ الحكم المختص بفرض الشك - فمرجع احتمال عدم إمكان الجمع بين الحكم الظاهريّ و الواقعيّ هو احتمال عدم إمكان بقاء الحكم الواقعيّ في حال الشك، فيتمسك في إثبات بقائه الّذي تترتب عليه ثمرات كعدم الإجزاء - على ما قيل في بحث الإجزاء - بإطلاق دليل الحكم الواقعيّ. و حجّيّة الإطلاق و إن كانت حكما ظاهريا لكنّا فرغنا عن إمكان الحكم الظاهريّ بمعنى


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  29/ الجزء الثاني

 

الحكم المختص بفرض الشك، و إنّما نحتمل استحالة مدلول هذا الإطلاق، فهذا يكون عينا من قبيل مثال الأمر بإكرام العلماء مع احتمال استحالة وجوب إكرام العالم الفاسق الّذي مضى أنّ بناء العقلاء فيه على ترتيب آثار الإمكان و الأخذ بظاهر كلام المولى، إذ الشك إنّما هو في إمكان مدلوله، و يكفي في الحجّيّة احتمال الصدق.

و أمّا الإشكالان الأخيران فلا محيص عنهما بناء على المبنى المتعارف في الأصول من أنّ حجّيّة غير القطع يجب أن تكون بجعل من الشارع.

و لكنّنا نقول: إنّ دائرة حقّ المولويّة أوسع من دائرة الأحكام الواصلة بطريق القطع، و تشمل الأحكام الواصلة بالطريق الّذي اتخذه المولى عادة له في مقام إيصال أحكامه. و لا إشكال في أنّ ظهور الكلام من هذا القبيل، فيكون الظهور حجّة لا بمعنى جعل الحجّيّة له كي يتكلّم في إمكان ذلك و استحالته، بل بمعنى أنّ من حقّ المولى امتثال ظاهر كلامه. و عندئذ إذا فرضت دلالة ظاهر كلام المولى على جعل طريق و حكم ظاهريّ، فلا إشكال في أنّ بناء العقلاء على ترتيب أثر إمكان ذلك الحكم الظاهريّ و الأخذ بظاهر كلام المولى، لأنّ الشك إنّما هو في إمكان مدلول ذلك الظاهر لا في حجّيّته، و يكون من قبيل مثال الأمر بإكرام العلماء مع احتمال استحالة وجوب إكرام العالم الفاسق [1]..

________________________

[1] و بهذا يندفع الإشكال الأوّل أيضا و هو إشكال عدم الثمرة.

و واقع الحال أنّنا بالنسبة لإمكان أصل الحكم الظاهري (بمعنى الحكم المختصّ بظرف الشك) في الجملة لسنا بحاجة إلى أصالة الإمكان، لأنّ الحكم الظاهريّ الأوّل في تسلسل الأحكام الظاهريّة و هو حجّيّة الظهور قطعيّ نأخذ به حتى على مبنى القوم من اختصاص الحجّيّة الذاتيّة بالقطع. و بعد ذلك يصبح دليل الأحكام الظاهريّة الأخرى و بقاء الحكم الواقعيّ في ظرف الشكّ حالهما حال مثال الأمر بإكرام العلماء. أي أنّ الشك يكون في المدلول لا في حجّيّة الدليل.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  30/ الجزء الثاني

 

بقي الكلام في تحقيق الحال فيما مضت من وجوه استحالة الجمع بين الحكم الظاهريّ و الواقعيّ. و قد عرفت أنّها على قسمين إذ بعضها يرجع إلى الإشكال من ناحية العقل النظريّ، و بعضها يرجع إلى الإشكال من ناحية العقل العملي.

 

الإشكال من ناحية العقل النظريّ

أمّا القسم الأوّل، فقد عرفت أنّ له تقريبين: أحدهما: لزوم اجتماع الضدّين أو المثلين. و الثاني: لزوم نقض الغرض. و قد ذكر في مقام الجواب عن هذا القسم وجوه. و لا أقصد بذلك أنّهم أرادوا الجواب عن كلا الإشكالين، إذ لم يذكر كلا الإشكالين بهذا الشكل في كلام كلّ من تعرّض للإشكال و الجواب. و إنّما المقصود: أنّهم دفعوا إشكال استحالة الجمع بين الحكمين من وجهة العقل النظريّ و لو في الجملة بأحد وجوه:

الوجه الأوّل: منع كون الحكم الظاهريّ حكما تكليفيّا كي ينافى الحكم الواقعيّ، و إنّما هو عبارة عن جعل الطريقيّة، أو جعل المنجّزيّة، أو جعل الحجّيّة، أو غير ذلك. على اختلاف تعبيراتهم و تقريباتهم لذلك.

فذكر المحقّق النائيني رحمه اللّه جعل الطريقيّة [1]، و ذكر المحقّق الخراسانيّ رحمه اللّه جعل المنجّزيّة [2]، و نحن جعلنا الجميع جوابا واحدا باعتبار ما عرفته من الجامع بينها.

و الواقع إنّ هذا الوجه لا يدفع شيئا من الإشكالين.

أمّا إشكال نقض الغرض، فلأنّ الحكم الظاهريّ بأيّ لسان كان إن لم تترتب عليه صيرورة المكلّف في سعة من ناحية مخالفة الحكم الواقعيّ

 

_______________________

[1] في الأمارات أو فيها و في الأصول المحرزة أيضا بمعنى من المعاني.

[2] و استثنى في كفايته من هذا الجواب مثل أصالة الإباحة.


 

 

 مباحث ‏الأصول/ الصفحة  31/ الجزء الثاني

 

كان هذا خلفا، و كان الحكم الظاهريّ لغوا، و لم يكن منتجا للأثر المقصود و النتيجة المطلوبة من الأحكام الظاهريّة. و إن ترتبت عليه هذه السعة لزم نقض الغرض، لأنّ المكلّف يترك الواقع المطلوب اعتمادا على هذه السعة الثابتة له من قبل المولى.

و أمّا إشكال اجتماع الضدّين، فلأنّ الإشكال لم يكن متمركزا في نفس صياغة الحكمين التكليفين و كيفيّة الجعل و الاعتبار، كي يقال: إنّ الحكم الظاهريّ ليس حكما تكليفيّا و إنّما هو حكم وضعيّ و جعل للطريقيّة أو لغيرها من الأمور الاعتباريّة. و إنّما التضاد متمركز في مبادئ هذه الاعتبارات من المصالح و المفاسد و ما في نفس المولى من الحبّ و البغض، و لا تؤثّر في حساب ذلك صيغة الجعل و الاعتبار. فما أفادوه في المقام من بيان أقسام جعل الحكم الظاهريّ من جعل الطريقيّة و المنجّزيّة و الحجّيّة و غير ذلك غير مرتبط بالمقام أصلا، و إن أثّر ذلك في تصعيد مستوى علم الأصول على أساس ما ترتبت عليه من ثمار في مقامين:

أحدهما: في تقديم أحد الأدلّة على غيره في مقام التعارض و عدمه، إذ التعارض مربوط بباب اللّفظ و التعبير و تؤثّر فيه الصياغات. و يأتي الكلام في ذلك إن شاء الله.