| الفهرس | |||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
مباحث الأصول/الصفحة17/ الجزء الثالث
مباحث الأصول الجزء الثالث مبحث أصول العملية
تمهيد في ذكر مقدّمات
1 - الأصول العمليّة في الفقه الشيعي. 2 - روح الحكم الظاهري. 3 - الفرق بين الأمارات و الأصول. 4 - نتائج الفهم الخاطئ للأمارات و الأصول 5 - الفرق بين الأصول العقليّة و غيرها. 6 - الأصول التنزيليّة.
7 - حصر الأصول العمليّة. مباحث الأصول/الصفحة19/ الجزء الثالث
الأصول العمليّة في الفقه الشيعي:
المقدمة الأولى: أنّ الرجوع إلى الأصول العمليّة في الفقه من المميّزات
الجوهريّة بين الفقه الشيعي و الفقه السنّيّ، و توضيح المقصود: أنّ المدار
في الفقه السنّي دائما هو التوصل إلى الحكم الواقعي، و بهذا الصدد
يتمسّكون أولا بالأدلة المشروعة من الكتاب و السنّة، فإن لم يوجد ذلك
تمسّكوا بمطلق الأمارات من الظنّ و القياس و نحو ذلك، و إن لم يوجد ذلك
تمسّكوا بأيّ مناسبة و اعتبار. و أمّا الفقه الشيعيّ فقد قام على مرحلتين
من الاستنباط، ففي المرحلة الأولى يفتّش الفقيه عن الدليل على الحكم
الشرعيّ، فإن وجد دليلا مشروعا على الحكم أخذ به، و إلاّ لم يفكّر في
التعويض عن الدليل المشروع بنطاق أوسع من الأدلّة من الأمارات، أو
التخمينات و الترجيحات، بل انتقل إلى المرحلة الثانية و هي الأخذ بما هو
مقتضى الوظيفة العمليّة في مقام الخروج عن عهدة التكليف المحتمل، و هذا ما
يتعيّن بمباحث الأصول العمليّة. إلاّ أنّ هذا المميّز الأساس للفقه
الشيعيّ لم يطرح من أوّل مباحث الأصول/الصفحة20/ الجزء الثالث
الأمر بصيغة محدّدة دقيقة كما يعرف اليوم، بل الأصل العمليّ الّذي كان
يبنى عليه الاستنباط في الفقه الإمامي كان مندرجا من أوّل الأمر تحت عنوان
دليل العقل الّذي يورث القطع، و من هنا ذكر السيّد علم الهدى و ابن إدريس
-قدّس سرّهما- في مقام بيان المصادر و الأدلّة التي يعتمدون عليها في مقام
الاستنباط: إنّنا نعتمد على أدلّة كلّها علميّة، و لا يجوز إعمال دليل لا
يفيد العلم كخبر الواحد و القياس و نحو ذلك من الأدلّة الظنّية، و الأدلّة
القطعيّة عندهما هي الكتاب و السنّة و الإجماع و العقل، ثمّ يطبّقان
الدليل العقليّ في الفقه على أصل البراءة. فجوهر الأصل العمليّ كان
موجودا عندهم، فكانوا يرجعون لدى عدم الأمارة المشروعة إليه لا إلى أمارة
غير مشروعة أو المناسبة و التخمين، لكن كانوا يسمّون ذلك بالدليل العقليّ
و كانوا يجعلونه في عرض الكتاب و السنّة، و مقصودهم بالبراءة التي جعلوها
من الدليل العقليّ البراءة العقليّة - طبعا - لا الشرعية. ثمّ حينما
توسّع البحث في الدليل العقليّ ذكروا تحته عنوانا مستقلا و هو الاستصحاب،
و جعلوا البراءة ترجع بنحو من الأنحاء إلى الاستصحاب، لأنّ البراءة عبارة
عن استصحاب براءة الذّمّة الثابتة بحكم العقل، و سمّوها باستصحاب حال
العقل. و أيضا وجد في كلماتهم تقريب البراءة بحكم العقل بقبح التكليف
بما لا يطاق، لكون التكليف بغير المعلوم تكليفا بما لا مباحث الأصول/الصفحة21/ الجزء الثالث
يطاق كما هو الحال في كلمات المحقّق -قدّس سرّه-. و أضيف بعد ذلك (كما في
المعتبر و الدروس) إلى تقريبات البراءة: التقريب بأنّ عدم الدليل دليل على
العدم، لأنّ المبلّغين بلّغوا الأحكام الشرعيّة، ففي المورد الّذي لا نجد
دليلا على الحكم الشرعيّ يستكشف من عدم الدليل عدمه، و كلّ هذا كان بروح
المعاملة مع أصالة البراءة معاملة دليل عقليّ قطعيّ. ثمّ لمّا شاع العمل
بالأمارات الظنّيّة و بخبر الواحد، و توسّع البحث في نطاق الأمارات
الظنّيّة تدريجا، جعل أصل البراءة دليلا ظنّيا و أمارة ظنّيّة، و ميّزوا
بينها و بين الاستصحاب، و جعلوا الاستصحاب أيضا حجّة بملاك الظّن. حتى
أنّه في كتاب المعالم توجد تصريحات تدل على أنّ بناءهم على حجّيّة أصالة
البراءة كان من باب الظنّ، بل مثل هذه الفكرة امتدت إلى بعض المتأخّرين
كصاحب القوانين -قدّس سرّه- على ما ينقل عنه الشيخ الأعظم رحمه اللّه -
مستغربا منه هذا الكلام. و قد بدأ علم الأصول يحدّد مفهوم الأصل العمليّ
و الوظيفة العمليّة على يد المتأخّرين عن صاحب المعالم و الشيخ البهائي
(قدّس سرّهما). و لعلّ من أوائل من تنبّه إلى ذلك - كما أشار إليه الشيخ
الأعظم رحمه اللّه - صاحب شرح الوافية السيّد جمال الدين رحمه اللّه.
ثمّ تحدّد هذا المفهوم الموجود عندنا اليوم بشكل دقيق مضبوط على يد
الأستاذ الوحيد البهبهانيّ -قدّس سرّه- و مدرسته مباحث الأصول/الصفحة22/ الجزء الثالث
خصوصا الشيخ محمّد تقيّ صاحب الحاشية رحمه اللّه، و بعده تحدّد على يد الشيخ الأعظم و بلغ تحقيقه بيده الشريفة إلى الغاية التي بلغها اليوم في الدقّة، فأصبح مفهوم الأصل العمليّ عبارة عن وظيفة عمليّة لا يطلب فيها الفقيه العلم أو الظنّ بالحكم الشرعي الواقعي، بل يطلب فيها ما هي الوظيفة العمليّة التي يخرج بها عن عهدة التكليف عند عدم معرفته. و الشيخ الأعظم رحمه اللّه ينقل عن الوحيد البهبهانيّ في أوّل أصل البراءة: أنّه أطلق اسم الأدلّة الفقاهتيّة على الأصول العمليّة، و اسم الأدلّة الاجتهاديّة على الأمارات، و يقول -قدّس سرّه-: إنّ النكتة في ذلك هي تعريف الفقه و الاجتهاد، حيث عرّف الاجتهاد باستفراغ الوسع لتحصيل الظنّ بالحكم الشرعيّ، و عرّف الفقه بأنّه العلم بالحكم الشرعيّ. و الأستاذ الأكبر رحمه اللّه حمل الحكم الشرعيّ في تعريف الاجتهاد على الحكم الواقعيّ، و الظنّ به عبارة عن الأدلّة و الأمارات الظنّيّة التي تؤدي إليه من قبيل الظّواهر و خبر الواحد و نحو ذلك، و لهذا أسماها بالأدلّة الاجتهاديّة، و حمل الحكم الشرعيّ في تعريف الفقه على الحكم الشرعيّ الظّاهري، فأطلق على الأصول العمليّة اسم الأدلّة الفقاهتية، لأنّها تؤدّي إلى العلم بالحكم الشرعيّ الظاهريّ.
و الخلاصة: أنّ تحديد مفهوم الأصل العمليّ بهذا
الطرز الدّقيق وجد بعض التمهيدات له قبيل العصر الثالث من عصور علم
الأصول، و دقّق في العصر الثالث الّذي نسمّيه بعصر الأستاذ مباحث الأصول/الصفحة23/ الجزء الثالث
الوحيد البهبهانيّ رحمه اللّه على يد هذا الأستاذ الأكبر و من جاء من بعده
و ساهم و شارك في تكوين العصر الثالث، و هذا أحد الأمور التي دعتنا إلى أن
نجعل ظهور الأستاذ الوحيد و مدرسته و ما تلاه من البحث العلميّ عصرا برأسه
في قبال ما قبله، فإنّ تحدّد فكرة الأصل في قبال فكرة الدليل مطلب أساس في
عمليّة الاستنباط، و هو من المظاهر الرئيسة لهذا العصر الثالث، و التي
بها و بأمثالها استحق أن يكون عصرا جديدا من عصور هذا العلم، و لهذا ذكر
صاحب الحدائق -قدّس سرّه- في كتاب الدرر النجفيّة في درة عقدها لبحث أصالة
البراءة، و تكلم عن أصالة البراءة بالمعنى الّذي يناسب كونها دليلا، و
ناقش في ذلك و أبطل كونها دليلا. ذكر بعد ذلك: أنّه لأجل هذا ذهب بعض
فضلاء متأخّري المتأخّرين إلى أنّ أصالة البراءة مرجعها إلى نفي تكليفنا
بالحكم، لا إلى كونها دليلا على نفي الحكم، و هذا مرجعه إلى ما قلناه، و
لعلّه يقصد ببعض فضلاء متأخّري المتأخرين بعض مشايخ الأستاذ الوحيد، لأنّ
صاحب الحدائق معاصر للأستاذ الوحيد. ثمّ إنّ الأصل العمليّ كان يكتب في
الأصول بحسب الترتيب السابق ضمن الدليل العقلي، حتى عند من ميّز ثبوت
الفرق الجوهريّ بينه و بين أدلّة الحكم الواقعيّ، إلى أنّ بنى الشيخ
الأعظم -قدّس سرّه- ترتيب علم الأصول على هذا الأساس، فجعل في ترتيب العلم
و تبويبه مائزا بين الأمارات و الأصول، فكان هذا تحوّلا للعلم بحسب
الترتيب. مباحث الأصول/الصفحة24/ الجزء الثالث
المقدمة الثانية: قد عرفت فيما مضى من مبحث الجمع بين الحكم الظاهريّ و
الواقعيّ. أنّ روح الحكم الظاهري في الأمارات و الأصول عبارة عن إبراز
المولى لدرجة اهتمامه و عدم اهتمامه بأغراضه الواقعيّة الإلزاميّة و
الترخيصيّة عند التزاحم في مقام الحفظ و المحركيّة، حيث إنّ الترخيص كثيرا
مّا ينشأ من مصلحة في الترخيص لا مجرد عدم ملاك للإلزام، فإن قدّم جانب
الأغراض الإلزاميّة أوجب الاحتياط، و إن قدّم جانب الأغراض الترخيصيّة
رخّص في المخالفة. هذا هو روح المطلب، و للمولى أن يتفنّن في التعبير، كأن
يعبّر تارة بجعل الحجّيّة، و أخرى بجعل العلم، و ثالثة بقوله: (أخوك دينك،
فاحتط لدينك)، و رابعة بقوله: (صدّق العادل) و ما إلى ذلك ممّا تساعد عليه
اللغة و الفهم العرفيّ. و في هذه الروح لا فرق بين الأمارات و الأصول
أصلا، و يظهر الفرق بينهما ممّا يأتي. مباحث الأصول/الصفحة25/ الجزء الثالث
المقدّمة الثالثة: في بيان الفارق الواقعيّ بين الأمارات و الأصول. قد
مضى أنّ جعل الأمارات، و جعل الأصول كلاهما نتيجة للتزاحم بين الأغراض
اللزوميّة و الترخيصيّة في مقام حفظ المولى لأغراضه و تحريكه للعبد نحوها،
و عندئذ نقول: إنّ تقديم أحد الغرضين على الآخر في هذا المقام تارة ينشأ
من قبل المحتمل، و أخرى ينشأ من قبل الاحتمال، فتارة يقدّم المولى الغرض الترخيصيّ
على اللزوميّ، أو بالعكس من باب أهميّة إحدى المصلحتين من الأخرى في دائرة
من الشبهات كمّا أو كيفا، و أخرى يقدّم أحدهما على الآخر من باب قوّة
الاحتمال و رجحانه، فلمّا كان خبر الثقة مثلا احتمال صدقه أقوى من كذبه و
أرجح منه عبدنا بجانب الصدق، و لم يجعلنا مخيّرين بينه و بين نقيضه، و لم
يعبّدنا بجانب الكذب، فكلّما كانت حجّيّته ناشئة من الترجيح من قبل
المحتمل كان أصلا، و كلّما كانت حجّيّته ناشئة من الترجيح من قبل الاحتمال
كان أمارة، و لا فرق في ذلك بين أن يبيّن الترجيح بلسان جعل العلم، أو جعل
الاحتياط، أو جعل الحكم الظاهري، أو أيّ لسان آخر. نعم، هناك مناسبة
عرفيّة بين بعض البيانات و بعض المبيّنات، فالتعبير بجعل العلم أو
الكاشفيّة مثلا يناسب الترجيح بقوّة مباحث الأصول/الصفحة26/ الجزء الثالث
الاحتمال، لأنّ هذا ترجيح بنكتة الكشف، بينما لا يناسب هذا التعبير
الترجيح الناشئ من قوّة المحتمل، فلو قال مثلا: »متى احتملت الوجوب فقد
جعلت هذا الاحتمال علما في حقّك، أو ليس لك التشكيك في الوجوب« صحّ ذلك، و
لكن لم يكن في هذا التعبير ذاك الجمال اللغوي، و تلك الحلاوة التعبيريّة
الموجودة في مثل قوله: (ليس لأحد التشكيك فيما يروي عنّا ثقاتنا). و ليس
مقصودنا من الترجيح في جانب المحتمل هو الترجيح الكيفيّ فحسب، بل قد يكون
الترجيح بلحاظ الكمّ. و لا ينبغي الخلط بين الترجيح بأقوائيّة المحتمل
بلحاظ الكمّ، و الترجيح بأقوائيّة الاحتمال. و توضيح ذلك: أنّنا لو
فرضنا أنّ المولى عالم بالغيب، و بان على إعمال علمه الغيبيّ في تشريعه
للحكم الظاهريّ، فهنا لا يتصور فرض إعمال الترجيح بقوّة الاحتمال، و إنّما
الّذي يتصوّر هو الترجيح بقوّة المحتمل كمّا أو كيفا، فلو كان المحتمل
لدينا المعلوم لدى المولى دائما هو الإلزام، أو دائما هو الترخيص، أو لم
تكن لدينا عدا شبهة واحدة، و الحكم الواقعيّ فيها عند اللّه هو الإلزام،
أو هو الترخيص، و لم ير المولى من المصلحة إعلامنا بالواقع، و قرّر جعل
الحكم الظاهريّ لنا، و كان الحكم الظاهريّ طريقيّا صرفا، فهنا لا يبتلي
المولى أصلا بالتزاحم بين أغراضه في الحفظ، بل يحفظ أغراضه تماما، إمّا
بجعل الاحتياط لو كانت أغراضه جميعا إلزاميّة، أو بجعل الترخيص و البراءة
لو مباحث الأصول/الصفحة27/ الجزء الثالث
كانت أغراضه جميعا ترخيصيّة، و إنّما يقع له التزاحم بين أغراضه في الحفظ
حينما يفترض أنّه في موارد الشبهة للعبيد توجد أغراض إلزاميّة أحيانا، و
أغراض ترخيصيّة أحيانا أخرى. و لم يرد المولى من المصلحة إيصال الحكم
الواقعيّ إلى العبد، فهنا يقع التزاحم بين مصالحه الإلزاميّة و الترخيصيّة،
إذ لو جعل الاحتياط خسر المصالح الترخيصيّة، و لو جعل البراءة خسر المصالح
الإلزاميّة، و هنا يحسب المولى حسابين: الأوّل حساب الأهميّة الكيفيّة. و
الثاني حساب أكثريّة أحد سنخي الأغراض من الآخر، و يقدّم ما هو الأرجح بعد
الكسر و الانكسار. و قد تختلف النتيجة باختلاف دوائر الشبهات، فيرى أنّ
الأغراض الترخيصيّة في غير دائرة خبر الثقة أهمّ من الأغراض اللزوميّة،
فيجعل الأصل الأوّلي هو البراءة، لكن لو عمّم هذا الأصل لدائرة أخبار
الثقات الدالّة على الإلزام خسر مصالحه الإلزاميّة في تلك الدائرة، و هو
يعلم أنّها أهمّ كمّيّة من مصالحه الترخيصيّة فيها التي سيخسرها بسبب كذب
الثقات مثلا، فيجعل خبر الثقة حجّة تحفظا على هذه النكتة، و على هذا لا
موجب لحجّيّة مثبتات خبر الثقة بمقتضى القاعدة، أي انه لو لم نستفد من
دليل جعل الحجّيّة التوسعة في الجعل التعبّدي بأن تكون اللوازم أيضا
بذاتها مشمولة لدليل الجعل، فمجرّد حجّيّة الدلالة المنطوقيّة لا تستلزم
حجّيّة اللوازم، إذ من المحتمل أن يكون الأهمّ في نظر المولى في دائرة
المنطوق بعد ملاحظة الكمّ و الكيف معا هي الأغراض اللزوميّة، و لا يكون
الأهم في مباحث الأصول/الصفحة28/ الجزء الثالث
نظره في دائرة اللوازم لوازم الغرض اللزوميّ، بل يكون العكس مثلا. و أما
لو فرضنا أنّ المولى لا يعلم الغيب، فلا يدري أين تقع الشبهة في الحكم لدى
عبده، فيتصور بشأنه التزاحم في حفظ الغرض حتى لو لم تتّفق في الواقع لعبده
عدا شبهة واحدة، أو اتّفقت له شبهات متماثلة في حكمها الواقعيّ لزوما أو
ترخيصا، و يتصور بشأنه - إضافة إلى ما مضى من المرجّح المحتمليّ كمّا و
كيفا - مرجّح آخر: و هو المرجّح الاحتمالي، فإنّ نسبة الشبهة إلى الجانبين
قد تكون على حدّ سواء، و قد لا تكون على حدّ سواء، و من المعلوم أنّ ذلك
دخيل في التحريك نحو الأغراض، فالإنسان لو دار أمره بين غرضين أحدهما
أهم، و لكن احتمال الآخر كان أقوى بكثير من احتمال الغرض الأهمّ، فقد تراه
يقدّم جانب الغرض الآخر رغم أهمّية مزاحمه، و ذلك لقوّة الاحتمال في
جانبه، و كذلك نفترض فيما نحن فيه: أنّه و إن كانت الأغراض الترخيصيّة في
نفسها في نظر المولى أهمّ من الأغراض اللزوميّة لكن النسبة الاحتماليّة
تتغيّر بقيام خبر الثقة على حكم إلزامي، فقد تتغيّر النتيجة، إذ يصبح
جانب الإلزام أرجح من جانب الترخيص بالمرجّح الاحتمالي، إذ خبر الثقة أقرب
إلى الصدق منه إلى الكذب، و هذا المرجّح ثابت. و لو فرض أنّه لم تكن هنا
إلاّ شبهة واحدة، أو كانت الشبهات في الحكم الواقعيّ متماثلة، فتحفظا على
هذه النكتة يجعل المولى خبر الثقة حجة، و تترتب على هذا حجّيّة مثبتاته
بالنحو الّذي مباحث الأصول/الصفحة29/ الجزء الثالث
يأتي تحقيقه في مبحث مثبتات الأمارات و الأصول -إن شاء اللّه-. و مولانا - سبحانه و تعالى - و إن كان عالما بالغيب، لكن قد يفترض أنّ مصلحة مّا اقتضت أن يجعل تشريعه وفق حالة مولى لا يعلم الغيب. و الدليل على إعمال المرجّح الاحتمالي في خبر الثقة هو ظاهر دليل الحجّيّة، فإنّ قوله مثلا: (اسمع له و أطع، فإنّه الثقة المأمون). ظاهر في أنّ موضوع الحجّيّة هو الوثاقة و الأمانة الموجبة لقوّة الاحتمال، بحيث لو لم تكن في البين عدا شبهة واحدة كانت الوظيفة فيها هي قبول خبر الثقة لوثاقته و أقربيّة قوله إلى الواقع [1]. _____________________________________________
[1] لا يخفى أنّ ما أفاده (رضوان اللّه تعالى عليه) في المقام، من أنّ
مقياس أماريّة الأمارة الموجب لاستلزام حجّيّة المطابقيّة لثبوت اللوازم
كون حجّيّتها على أساس قوّة الاحتمال، لا على أساس قوّة المحتمل كيفا و لا
كمّا هو المطابق لما ذكره (رضوان اللّه عليه) أيضا في أوّل بحث الاستصحاب،
حيث أفاد هناك: أنّ الترجيح إن كان بملاك أقوائيّة المحتمل كيفا، كما إذا
كانت الأغراض اللزوميّة للمولى أهمّ من الأغراض الترخيصيّة فأوجب الاحتياط
عند الشكّ، لم يستلزم ذلك حجّيّة المثبتات و إن كان بملاك أقوائيّة
الاحتمال بلحاظ النّظر المجموعيّ إلى الأحكام، و يرجع ذلك في الحقيقة إلى
أقوائيّة المحتمل كمّا، كما إذا كانت الأغراض اللزوميّة أكثر من الأغراض
الترخيصيّة و ان تساوتا كيفا فقدّم جانب الأغراض اللزوميّة بجعل وجوب
الاحتياط و نحوه، لم يستلزم ذلك أيضا حجّيّة المثبتات و إن كان بملاك
أقوائيّة الاحتمال بلحاظ النّظر الاستغراقيّ و الأفراديّ، بحيث إنّ المولى
يحسب حساب خبر مباحث الأصول/الصفحة30/ الجزء الثالث
_____________________________________________
.......... - ثقة في نفسه بقطع النّظر عن وجود أيّ خبر آخر في الأحكام و عدمه، فيجعله حجّة لأقوائيّة احتمال صدقه الثابتة حتى مع فرض أنّه لم يوجد في الفقه أيّ خبر ثقة آخر غير هذا الخبر، استلزم ذلك حجّيّة المثبتات بلا حاجة إلى مئونة زائدة تثبت إطلاق دليل الحجّيّة للدلالة الالتزاميّة. أقول: كأنّ مقصوده رحمه اللّه: أنّ قوّة الاحتمال في الدلالة المطابقيّة تستلزم لا محالة قوّة الاحتمال في اللوازم، فتسري الحجّيّة إليها. أمّا قوّة المحتمل كيفا في المطابقيّة فلا تستلزم قوّة المحتمل كيفا في اللوازم، فقد يكون نقيض الالتزاميّة الكاذبة أهمّ من الالتزاميّة الصادقة، بينما كان الغرض المحفوظ بالظهورات الصادقة أهمّ من الغرض الّذي يخسره المولى بسبب الظهورات الكاذبة. و أمّا قوّة المحتمل كمّا في المطابقيّة كما إذا كانت الأغراض اللزوميّة أكثر من الأغراض الترخيصيّة فأيضا لا تستلزم قوّة المحتمل كمّا في اللوازم، إذ قد تكون الأغراض اللزوميّة في المطابقيّة أكثر من الأغراض الترخيصيّة عددا، و تكون في اللوازم أقلّ من الأغراض الترخيصيّة عددا، إذن فلا تكون حجّيّة المطابقيّة إذا كانت على أساس قوّة المحتمل كيفا أو كمّا مستلزمة لحجّيّة المثبتات. أقول: إنّ تأثير الترجيح الكمّيّ في الحجّيّة يتصوّر على نحوين:
الأوّل:
أنّ يفترض أنّ الأخبار الإلزاميّة مثلا كانت حجّيّتها في صالح المولى من
باب أنّ الأحكام الواقعيّة الإلزاميّة الموجودة في موارد الأخبار الصادقة
منها كلّها قائمة على أساس مصلحة في الإلزام، و لكن الأحكام الواقعيّة
الترخيصيّة الموجودة في موارد الأخبار الكاذبة منها لم تكن كلّها قائمة
على أساس مصلحة في الترخيص، بل قسم منها قائم على أساس عدم مصلحة في
الإلزام، فبهذه النكتة أصبحت عدد المصالح الإلزاميّة أكثر من عدد المصالح
الترخيصيّة. و الثاني: أن يفترض أنّ الأخبار الصادقة منها أكثر من
الكاذبة. مباحث الأصول/الصفحة31/ الجزء الثالث
_____________________________________________
.......... - فإن فرض الترجيح الكميّ قائما على الأساس الأوّل، فحجّيّة المطابقيّة لا تستلزم حجّيّة اللوازم، إذ قد تكون الترخيصات في موارد الالتزاميات الدالّة على الإلزام كذبا كلّها قائمة على أساس مصلحة في الترخيص مثلا، بينما الترخيصات في موارد المطابقيّات الدالّة على الإلزام كذبا قسم منها قائم على أساس عدم المصلحة في الإلزام، فقد يوجب هذا اختلاف حساب اللوازم من المطابقيّات. و إن فرض الترجيح الكمّي قائما على الأساس الثاني فحسب، و هو أكثريّة الصدق دون الأول، فهذا يوجب استلزام حجّيّة المطابقيّة لحجّيّة المثبتات، لأنّ أكثريّة الصدق في المطابقيّة تلازم لا محالة أكثريّة الصدق في المثبتات، و افتراض أنّ مصالح الترخيص في جانب المثبتات أكثر من مصالح الإلزام بخلاف المطابقيّة لا منشأ له إلاّ أحد أمور ثلاثة: الأوّل: كون الترخيصات المخالفة للدلالة الالتزاميّة قائمة على أساس مصالح في الترخيص مثلا، بينما الترخيصات المخالفة للمطابقيّة قسم منها قائم على أساس عدم مصلحة الإلزام. و قد فرضنا أنّ هذا لم يكن دخيلا في الحساب. و الثاني: كون الكذب في الالتزاميّة أكثر منه في المطابقيّة، و هذا مستحيل.
و الثالث: كون اللوازم أكثرها ترخيصيّة،
بينما مطابقيّاتها كانت في الغالب إلزاميّة مثلا، و هذا لا يضرّ بحجّيّة
المثبتات كما هو واضح. و عليه، فما قاله أستاذنا الشهيد رحمه اللّه من
أنّ الترجيح الكمّي إن كان هو الأساس للحجّيّة لم يستلزم حجّيّة المثبتات
إن قصد به الترجيح الكمّيّ بالمعنى الأوّل، و ذلك بأن يكون مقصوده بقوّة
الاحتمال ما يشمل الترجيح الكمّيّ بالمعنى الثّاني، فهو صحيح و إن قصد به
الترجيح الكمّيّ حتى على أساس أكثريّة الصدق من الكذب فهذا غير صحيح. و
كلامه رحمه اللّه قابل للحمل على ذلك الأمر الصحيح لو لا ما ذكره في
المقام من أنّ الترجيح بقوّة الاحتمال لا يتصوّر في المولى إلاّ إذا كان
مباحث الأصول/الصفحة32/ الجزء الثالث
_____________________________________________
.......... - لا يعلم الغيب، أو رأى من المصلحة أن يتصرف تصرف من لا
يعلم الغيب، و ذلك لأنّ الترجيح الكمّيّ بمعنى ملاحظة أكثريّة الصدق من
الكذب، و النّظر المجموعيّ إلى الأخبار لا الاستغراقي الأفرادي معقول حتى
بالنظر إلى عالم الغيب. و من حسن الحظّ أنّ هذا الجزء من الكلام - أي شرط
افتراض المولى غير عالم بالغيب واقعا، أو تنزيلا غير موجود في كلامه رحمه
اللّه في بحث الاستصحاب -. و ممّا يشهد لحمل كلامه رحمه اللّه و لو
ارتكازا على المعنى الصحيح، و هو إلحاق الترجيح بأكثريّة الصدق بالترجيح
بقوّة الاحتمال ما جاء منه في بحث الأصل المثبت في باب الاستصحاب من
الاستدلال على عدم كون نظر المشرّع في حجّيّة خبر الثقة إلى الترجيح بقوّة
المحتمل، بأنّه لم يؤخذ في دليل حجّيّة الخبر سنخ معيّن من المحتمل من حلّ
أو حرمة، أو أي شيء آخر. و هذا - كما ترى - لا ينسجم إلاّ مع إلحاق
المرجّح الكمّيّ للصدق بقوّة الاحتمال دون قوّة المحتمل، و إلاّ فعدم أخذ
سنخ معيّن من المحتمل في دليل حجّيّة الخبر لا يدلّ على أنّ الملحوظ فيها
قوّة الاحتمال دون قوّة المحتمل، إذ من المعقول افتراض أنّه إنّما جعل خبر
الثقة حجّة بقطع النّظر عن كون المفاد هو الحلّ، أو الحرمة، أو أيّ شيء
آخر، لما في خبر الثقة من غلبة كمّيّة الأفراد الصادقة منها و أكثريّتها
من الأفراد الكاذبة. و لا يخفى أنّنا لو جعلنا المقياس في أماريّة
الأمارة و حجّيّة مثبتاتها كون ملاك الحجّيّة أقوائيّة الاحتمال بالمعنى
المقابل للترجيح الكمّيّ بغلبة الصدق، ورد النقض على ذلك بأنّه لو ثبتت
حجّيّة لوازم خبر الثقة ببيان أنّ تمام الملاك في حجّيّته كان هو الكشف،
و هو ثابت في اللوازم بنفس درجة ثبوته في الدلالة المطابقيّة، للزمت من
ذلك حجّيّة كلّ ظنّ يساوي الظنّ الناشئ من خبر الثقة، أو كلّ أمارة تساوي
خبر الثقة في الكشف، لأنّ الملاك للحجّيّة كان هو الكشف الموجود هنا أيضا.
أمّا إذا أدخلنا في الحساب المرجّح الكمّيّ في الصدق فقد انتفى هذا النقض،
إذ يجاب عليه مباحث الأصول/الصفحة33/ الجزء الثالث
_____________________________________________
.......... - عندئذ، بأنّ من المحتمل أن يكون الحساب الكمّيّ في
الشهرات مثلا، بعد جعل الحجّيّة لخبر الثقة قد اختلف عنه لو لا حجّيّة خبر
الثقة، فصحيح: أنّ الشهرة كخبر الثقة تصيب الواقع في ثمانين بالمائة من
مواردها مثلا، لكن بعد جعل الحجّيّة لخبر الواحد قد انحفظت بسببها الأغراض
الكامنة في الشهرات المطابقة لأخبار الثقات، و لم تبق عدا الأغراض الكامنة
في موارد الشهرات التي لم يرد على طبقها خبر ثقة، و لا نعلم أنّ تلك
الشهرات أيضا تكون نسبته الصادقة منها إلى الكاذبة ثمانين بالمائة مثلا،
فمن المحتمل أنّ حساب الكمّ قد انقلب في نظر المولى عمّا كان عليه قبل
حجّيّة خبر الثقة، و لهذا اكتفي المولى بجعل الحجّيّة لخبر الثقة، و كانت
الغلبة في ما بقي من الشهرات لملاك الترخيص، فلم يجعل الشهرة حجّة كي
نرجع إلى البراءة و نثبت بها الترخيص. و لا يأتي عين هذا البيان في جانب
لوازم خبر الثقة بأن يقال: لعلّ حجّيّة الدلالة المطابقيّة لم تبق مجالا
لجعل الحجّيّة في المثبتات، لأنّ قسما من مواردها صادفت التطابق مع دلالات
مطابقيّة أخرى، فلعلّ نسبة الكمّيّة فيما في ما بقي منها قد انقلبت، فلم
يبق مبرّر لجعل الحجّيّة للمثبتات. فإنّه يقال في مقام الجواب على ذلك:
إنّنا نشير إلى ذاك العدد من أخبار الثقات التي لم ترد دلالة مطابقيّة في
روايات أخرى على طبق مثبتاتها. و نقول: إنّ هذا العدد من الأخبار نسبة
مساهمة مداليلها المطابقيّة في خلق المرجّح الكمّيّ لجانب الصدق في أيّ
دائرة تفترض لا تكون أكبر من نسبة مساهمة مثبتاتها في خلق ذاك المرجّح
حينما تجعل في نفس تلك الدائرة بدلا عن الدلالات المطابقيّة، إذ المفروض
أنّه لا يحتمل كذب اللوازم مع صدق المطابقيّة، فنستدلّ بحجّيّة دلالاتها
المطابقيّة على حجّيّة اللوازم. و لا يقال: إنّ هذا استدلال بلوازم دليل
حجّيّة المطابقيّة بينما دليل حجّيّة مباحث الأصول/الصفحة34/ الجزء الثالث
_____________________________________________
.......... - المطابقيّة بنفسه أمارة من الأمارات، و التمسك بلازمها أوّل الكلام. فإنّه يقال: أولا: أنّ دليل حجّيّة الخبر و إن فرض - بغضّ النّظر عن نكتة الفرق بين الأمارة و الأصل - عدم شمول إطلاقه للوازم الخبر، و إلاّ فلسنا بحاجة في إثبات حجّيّة مثبتاته إلى التمسك بنكتة الفرق الجوهريّ بين الأمارة و الأصل، و لكن بالنظر إلى هذه النكتة نقول: إنّ تمام الموضوع للحجّيّة في منطوق هذا الدليل هو قوّة الاحتمال - و لو بالمعنى الشامل للترجيح الكمّيّ -، و هذا ثابت في اللوازم. إذن فدليل الحجّيّة بمدلولها المطابقي - أي بظهوره شمل اللوازم لا بالملازمة -. هذا إذا كان دليل الحجّيّة عبارة عن ظهور من الظهورات. أمّا إذا كان دليل الحجّيّة عبارة عن السيرة، فهي من أوّل الأمر تشمل المطابقيّة و اللوازم معا بلا حاجة إلى البحث عن الفارق الجوهريّ بين الأمارة و الأصول.
و ثانيا:
أنّنا في إثبات الحجّيّة يجب أن ننتهي أخيرا إلى دليل قطعيّ و لو بوسائط،
و متى ما انتهينا إلى دليل قطعيّ فهو أمّا أن يكون شاملا ابتداء
للمطابقيّة و اللوازم، كما لو كان ذاك الدليل هو السيرة، فلا يبقى إشكال
عندئذ، و إمّا أن لا يكون شاملا ابتداء للوازم، كما لو كان ذاك الدليل
عبارة عن نصّ قطعيّ الصدور و الدلالة، دلّ بمدلوله المطابقي على حجّيّة
المطابقيّة فحسب، و عندئذ يكون إيماننا بالملازمة بين حجّيّة المطابقيّة و
حجّيّة اللوازم سببا للتعدّي إلى اللوازم، لأنّ دليل حجّيّة المطابقيّة
كان قطعيّا. و القطع بالملزوم يؤدي إلى القطع باللازم بلا إشكال. و على
أيّة حال، فتفصيل أستاذنا الشهيد رحمه اللّه بين مثبتات خبر الثقة و أمارة
أخرى تساوي أو تفوق خبر الثقة في الكشف بتعدّيه من المطابقيّة إلى
المثبتات، و عدم تعدّيه من خبر الثقة إلى أمارة أخرى شاهد آخر على حمل
كلامه رحمه اللّه على المعنى الصحيح، و هو إلحاق المرجّح الكمّيّ على أساس
أكثريّة الصدق بقوّة الاحتمال في استلزامه لحجّيّة المثبتات. مباحث الأصول/الصفحة35/ الجزء الثالث
ثمّ إنّ موارد الأمارات الترخيصيّة يكون المرجّح الاحتماليّ و المحتمليّ كلاهما ثابتا فيها، و ليس الثابت خصوص المرجّح الاحتماليّ الّذي أوجب أماريّة الأمارة. و الدليل على ذلك أمور: _________________________________________
....... - و استظهار أستاذنا الشهيد من مثل قوله: (فاسمع له و أطعه،
فإنّه الثقة المأمون) كون موضوع الحجّيّة هو قوّة الاحتمال شاهد ثالث على
حمل كلامه على المعنى الصحيح، فإنّ هذا الاستظهار إنّما يتمّ بناء على
إلحاق قوّة المحتمل من ناحية غلبة الصدق بقوّة الاحتمال. أمّا لو جعلت
قوّة الاحتمال أمرا في مقابل أكثريّة الأخبار الصادقة من الكاذبة، فهذه
العبارة و أمثالها لا تعيّن الأولى في مقابل الثانية، إذ لو كان المقصود
أنّ الوثوق أو الأمانة باعتباره سببا واضحا في نظر العقلاء لقوة الاحتمال
يكون أخذه في الموضوع دالاّ عرفا على أنّ المقياس هو قوّة الاحتمال. قلنا:
إنّ الوثوق أو الأمانة سبب واضح أيضا لغلبة الصدق في الخبر من حيث الكمّ
على الكذب. و لو كان المقصود: أنّ هذا الحديث يشمل بإطلاقه فرض انحصار
خبر الثقة بخبر واحد مثلا، و في هذا الفرض ليس الوثوق إلاّ سببا لقوة
الاحتمال لا للترجيح الكمّي بغلبة الصدق. قلنا: لو سلّمنا تماميّة الإطلاق
بالنسبة لفروض خياليّة من هذا القبيل بعيدة عن طبيعة وضع العالم من دون
وجود ارتكاز خاصّ يتمّم الإطلاق. لقلنا في خصوص المقام: إنّ الإطلاق غير
تامّ، لأنّ احتمال كون الوثوق أو الأمانة إشارة إلى ما يستلزمه في الوضع
الحقيقيّ الخارجيّ من الترجيح الكمّي بغلبة الصدق يكون صالحا للقرينيّة
على عدم هذا الإطلاق. مباحث الأصول/الصفحة36/ الجزء الثالث
أولا: أنّنا لا نحتمل الفرق بين موارد الأخبار المرخّصة و موارد الشبهات التي لم يرد فيها خبر، بأن تكون الأغراض الترخيصيّة في موارد تلك الشبهات أهمّ، و لا تكون في موارد تلك الأخبار أهمّ. و ثانيا: أنّ دليل أصالة البراءة شامل لمورد الأخبار المرخّصة على ما هو مختارنا من أنّ حكومة الأمارة على الأصل إنّما هي في مورد التخالف بينهما لا في مورد التطابق. و ثالثا: أنّ نفس دليل حجّيّة الخبر ظاهر في أنّه جعل الخبر حجّة لتغيير الوظيفة - أي أنّ الوظيفة بقطع النّظر عن حجّيته و أماريّته تكون هي الرجوع إلى الأصول الفوقانيّة -، و إنّما جعل الخبر حجّة لأنّ ذلك قد يغيّر الوظيفة كما لو كان الأصل ترخيصيّا و الخبر إلزاميّا، إذن فالوظيفة في الخبر الترخيصيّ بقطع النّظر عن أماريّة الخبر و ما يشتمل عليه من المرجّح الاحتمالي هي الرجوع إلى البراءة، و هذا دليل على ثبوت المرجّح المحتملي لجانب الترخيص. و رابعا: أنّنا إذا استظهرنا من الدليل أنّ مصلحة مّا اقتضت أن يجعل المولى تشريعه وفق حالة مولى لا يعلم الغيب [1]، و لذا وصلت النوبة إلى جعل الأمارة، إذن فكأنّه غير عالم بأنّه من باب الصدفة وجدت الترخيصات الأهمّ كمّا أو كيفا في غير موارد الخبر لا في الأخبار المرخّصة. _____________________________________________
[1] قد مضى في التعليق السابق النقاش في هذا الاستظهار. مباحث الأصول/الصفحة37/ الجزء الثالث
نتائج الفهم الخاطئ للأمارات و الأصول:
المقدّمة الرابعة: أنّ الاتجاه السائد في العصر الثالث من عصور علم الأصول
الّذي دقّق في التفرقة ما بين الأصل و الأمارة هو الاتّجاه الّذي تمسّك
بالقشر، و تناسى اللبّ، ففرض أنّ الفرق بين الأمارة و الأصل يكون على أساس
ما هو المجعول في عالم إنشاء الحكم. و قد بيّنا أنّ الفرق الواقعيّ إنّما
هو في طريقة إعمال قوانين باب التزاحم، و أنّ ألسنة الحكم لا تجعل شيئا
أمارة أو أصلا، غاية الأمر أنّ اللسان قد يختلف بحسب المناسبة نتيجة لما
عرفته من الفرق الواقعيّ الثبوتيّ، و من الممكن أن لا يختلف. و أعلى
مراتب هذا الاتّجاه السائد تحقّق على يد المحقّق النائينيّ -قدّس سرّه- و
مدرسته، فذكر: أنّ الفرق بين الأمارات و الأصول هو أنّ المجعول في باب
الأمارات هو الطريقيّة و العلم و الكاشفيّة، و في باب الأصول هو الجري
العمليّ و البناء العملي، فجعل هذه الألسنة روح الفرق، بينما هي مجرّد
ألسنة. و هذا الخلط بين مقام الثبوت و الإثبات ترتّبت عليه عدة مطالب في
الأصول، فجعل بعض الأشياء المترتّبة على الفرق الثبوتي آثارا للفرق
الإثباتي، مع أنّها في الواقع آثار للفرق الثبوتيّ، و بعض الأشياء التي هي
آثار لصياغتين للسان دليل الحجّيّة فرض آثارا للأمارة و الأصل بما هما
أمارة و أصل. مباحث الأصول/الصفحة38/ الجزء الثالث
و فيما يلي نذكر نموذجا من الفوارق التي ذكروها بين الأمارات و الأصول بالشكل المشتمل على ما ذكرناه من الخلط:
1 - حول المثبتات:
الفرق الأوّل:
ما استقرّ عليه بناء الفقهاء في العصر الثالث منذ عصر الشيخ الأعظم -قدّس
سرّه- و قبيله إلى أيّام المحقّق النائينيّ رحمه اللّه من أنّ مثبتات
الأمارات حجّة، و مثبتات الأصول ليست بحجّة، فجعل هذا الفرق في كلام من
فلسف ذلك من لوازم فرق بين الأمارة و الأصل لا يعدو في واقعه أن يكون من
الفوارق الصياغيّة و الشكليّة، و أوصل المحقّق النائينيّ رحمه اللّه هذا
الاتّجاه إلى آخره، و برهن على ذلك: بأنّ أماريّة الأمارة تكون بكون
المجعول فيها هو العلم، و من الواضح أنّ العلم بشيء يستلزم العلم
بلوازمه. و أمّا في باب الأصل فالمجعول هو الجري العمليّ، و لا يلزم من
الجري العمليّ على طبق الأصل الجري العمليّ على لوازمه. و جاء السيّد
الأستاذ و رأى أنّ هذا البرهان غير صحيح، لأنّ العلم التعبّديّ بشيء لا
يستلزم العلم التعبّديّ بلوازمه، كما يستلزم العلم الوجداني بشيء العلم
الوجداني بلوازمه، و إنّما يكون ثبوت اللوازم و عدمه تابعا لإطلاق دليل
الاعتبار للوازم و عدمه، فأنكر هذا الفرق بين الأمارة و الأصل. مباحث الأصول/الصفحة39/ الجزء الثالث
و تحقيق صحّة هذا الفرق و عدمه يأتي -إن شاء اللّه- في بحث الأصل المثبت
في الاستصحاب، و إنّما المقصود هنا: أنّ الفرق - بناء على صحّته - مرتبط
بجوهر الفرق بين الأمارة و الأصل، لا بكون اللسان في الأولى جعل العلم و
في الثانية جعل الجري العمليّ مثلا، فالواقع أنّ إعمال قوانين باب التزاحم
من قبل المولى بين أغراضه في مقام حفظها التشريعيّ بالحكم الظاهريّ إن كان
بلحاظ ما للأمارة من حظّ من الكاشفيّة التكوينيّة، فهذه الكاشفيّة نسبتها
إلى المدلول المطابقي و الالتزاميّ على حدّ سواء، فإن تكن هذه الكاشفيّة
هي المرجّحة في مقام الحفظ فنسبة هذا الترجيح إليهما على حدّ سواء، فبعد
فرض الفراغ عن الإيمان بأنّ الأحكام الظاهريّة طريقيّة محض، و ليست ناشئة
من مصالح في أنفسها، أو مصالح زائدة على ملاكات الواقع في متعلقاتها، و
إنّما هي وليدة لقوانين التزاحم بين ملاكات الواقع فحسب. و عدم الإيمان
بمثل السببيّة و الفراغ عن عدم وجود نكتة نفسيّة أثّرت في جعل الحجّيّة
لأمارة مّا، و أنّ ملاك حجّيّة الخبر مثلا. إنّما هو قوّة الكشف، يكون هذا
أساسا لحجّيّة مثبتات الأمارات، و يأتي تحقيقه في محلّه -إن شاء اللّه-، و
هذا بخلاف الأصول، ففي بعض الشبهات إن كان جانب الإباحة أهمّ بنظر المولى
من جانب الحرمة مثلا، فجعل البراءة لا تلزم من ذلك أهميّة لوازم تلك
الإباحات من لوازم تلك الحرمات. هذا هو الّذي أوجب بحسب الحقيقة ارتكاز
حجّيّة مثبتات الأمارات دون الأصول في العصر الثالث. مباحث الأصول/الصفحة40/ الجزء الثالث
الفرق الثاني: ما يقال من أنّه في فرض الشكّ لا يتصوّر جعل الحجّيّة الأماريّة، كما صرّح بذلك الشيخ الأعظم -قدّس سرّه-»«. و صرّح به أيضا المحقّق النائينيّ رحمه اللّه»«. و فلسفه أيضا على طريقته بأنّ الشكّ نسبته إلى الطرفين على حدّ سواء فكيف يفرض جعله كاشفا و علما بالنسبة لأحد الطرفين دون الآخر؟ و أورد عليه المحقّق العراقيّ، و السيّد الأستاذ: بأنّه لا موجب لاشتراط إفادة الأمارة للظنّ، لأنّ الملحوظ في باب الأمارات هو الطريقيّة الاعتباريّة، و اعتبار العلم أمر سهل المئونة. لكنّ الصحيح: أنّ هذا الفرق إنّما يرتبط بالفارق الجوهريّ بين الأمارة و الأصل، حيث إنّه في الأمارة قد فرض الترجيح بواسطة الاحتمال، و إذا كانت نسبة الكاشفيّة إلى الطرفين على حدّ سواء لم يعقل هذا الترجيح، و هذا بخلاف الأصل الّذي يكون الترجيح فيه بلحاظ المحتمل [1]. _____________________________________________
[1] قد يقال: إنّ هذا الكلام يتوقف على فرض كون الحجّيّة للأمارة على
مباحث الأصول/الصفحة41/ الجزء الثالث
3 - أخذ الشك في موضوع الحجّيّة:
الفرق الثالث: ما ذكر من أنّ الأصل يؤخذ في موضوع حجّيّته الشكّ،
بخلاف الأمارة. و هذا إن أريد به أنّ حجّيّة الأمارة لا يؤخذ في موضوعها
الشكّ بحسب عالم الجعل فهذا غير معقول، لأنّ فرض عدم أخذ الشكّ في موضوعها
هو فرض إطلاقها و شمولها لفرض العلم بخطئها، و هذا محال، فلا بدّ أن يكون
نظرهم في التفرقة إلى أنّه في دليل الأمارة لم يؤخذ - أساس قوّة الاحتمال
بالمعنى المقابل للترجيح الكمّيّ للصدق على الكذب. أمّا على ما اخترناه من
إلحاق الترجيح الكمّيّ للصدق على الكذب بقوّة الاحتمال، و إمكان جعله
ملاكا في حجّيّة الأمارة، فهذا يتصور في فرض الشكّ أيضا، و ذلك لأنّ
المعتبر في الترجيح الكمّيّ إنّما هو الترجيح الكمّيّ عند المولى لا
الترجيح الكمّي عند العبد، لأنّ المولى يلحظ حساب تزاحم أغراضه في الحفظ
في نظره لا في نظرنا. فقد تكون الأمارة المفيدة للشكّ نوعا عندنا أقرب
إلى الصدق منها إلى الكذب عند المولى لغلبة صدقها على كذبها في علم
المولى. و لكنّ الواقع: أنّ ما في المتن يتمّ حتى على إلحاق الترجيح
الكمّيّ للصدق بقوّة الاحتمال، و ذلك لأنّ المولى لو أخبرنا بأنّ هذه
الأمارة صدقها غالب في علمه على كذبها، إذن تصبح مورثة للظنّ لنا لا
الشك، و إلاّ فهذه الحجّيّة لا تفيد فائدة الأمارة، لأنّنا لا نعلم أنّ
حجّيّتها كانت على أساس الترجيح الكمّيّ كي نتعدّى إلى اللوازم، فالمقصود
من الترجيح بقوّة الاحتمال و بالكمّ في الصدق الّذي جعلناه مقياسا
لأماريّة الأمارة، إنّما هو الترجيح المفهوم لنا لا الترجيح المفهوم عند
المولى المخفيّ علينا. مباحث الأصول/الصفحة42/ الجزء الثالث
الشكّ، و في دليل الأصل أخذ الشكّ. و هذا المطلب إن أردنا أن نعبّر عنه بعبارة واضحة قلنا: إنّ الشكّ أخذ بنحو القرينة المتّصلة في دليل الأصل، و أخذ بنحو المخصّص اللبّيّ في دليل الأمارة بلحاظ حكم العقل باستحالة شمول الحجّيّة لفرض العلم بالخطإ، و أنت ترى أنّ مثل هذا مربوط بلسانين لدليل الحجّيّة، و ليس مربوطا بالأمارة و الأصل و لو فرض تماميّة ذلك في دليل الأمارة و الأصل فإنّما هو على سبيل الصدفة و الاتّفاق، لا أنّ أماريّة الأمارة تكون بعدم أخذ الشك في موضوعها، و أصليّة الأصل تكون بأخذ الشك في موضوعه، فلو فرض أنّ شخصا لم يثبت حجّيّة خبر الواحد إلاّ بقوله تعالى: فاسألوا أهل الذّكر إن كنتم لا تعلمون لم ينقلب على هذا الأساس من الأمارة إلى الأصل. نعم هذه الخصوصيات الاتفاقيّة في لسان الدليل قد تنفع في مقام تقديم أحد الدليلين على الآخر، فلو بني مثلا على أنّ دليل الأمارة و دليل الاستصحاب كلاهما متكفّلان لجعل الطريقيّة، لكنّ الأوّل لم يؤخذ في موضوعه الشكّ، و الثاني أخذ فيه الشكّ، فقد ينفع ذلك في تقديم الأوّل على الثاني.
| |||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||