مباحث‏ الأصول/الصفحة151/ الجزء الثالث

 

لكن هذا لا يعني التسليم بكون الحديث ظاهرا في الحكم الواقعيّ،  إذ بالإمكان تطعيم الظاهريّة في نفس الرفع - كما هو ظاهر  عبارة الكفاية - لا في المرفوع، و بيان ذلك: أنّ الحكم الواقعيّ له  وضعان: أحدهما نفس جعله الواقعيّ و ثبوته في ظرف الشكّ و إن  كان المكلّف غير ملزم به و مرخّصا في تركه، و الآخر جعل ثقله  على المكلّف و وضعه على عاتقه بمعنى إلزامه بالإتيان به احتياطا،  و في قبال كلّ وضع رفع، فللحكم الواقعيّ رفعان: أحدهما رفعه  بمعنى نفيه حقيقة، و الآخر رفعه بمعنى تنحية ثقله عن عاتق  المكلّف و عدم إلزامه بالعمل به و ترخيصه في مخالفة التكليف  عند الشكّ، و تطعيم الظاهريّة في نفس الرفع عبارة عن تعلّق  الرفع بذلك الحكم بالمعنى الثاني.   الثاني: أن يقال: إنّه إذا طعّمت الظاهريّة في نفس الرفع كان ذلك  خلاف ظاهر كلمة الرفع، و مشتملا على عناية زائدة، و ذلك لأنّ  المعنى الحقيقيّ لرفع الحكم هو نفيه واقعا لا تنحية ثقله عن عاتق  المكلّف و عدم إلزامه به، و لهذا نحمل الرفع على الرفع الواقعيّ  الّذي ليس الرفع الحقيقيّ فيه بحسب الواقع رفعا لبعض شئون  الحكم، و إنّما هو رفع حقيقة لنفس الحكم.   و الجواب: أنّه لا بدّ من إعمال هذه العناية في الرفع و إن فرض  رفعا حقيقيا، و هي عناية تعلّق الرفع الحقيقي ببعض شئون الحكم  الواقعيّ، و ذلك لاستحالة كون العلم بشي‏ء موضوعا لنفس ذلك  الشي‏ء، لا لما مضى من الدور، بل بقطع النّظر عن الدور كما بيّنّاه  في باب أخذ العلم بالحكم في موضوع   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة152/ الجزء الثالث

 

ذلك الحكم، فلا بدّ أن يكون الرفع الواقعيّ للتكليف بحسب الدقّة  راجعا إلى أخذ العلم بشي‏ء في موضوع شي‏ء آخر، كأخذ العلم  بالجعل في موضوع الفعليّة، فبالأخرة قد تعلّق الرفع بنفس متعلّق  الشكّ و عدم العلم باعتبار الرفع الحقيقيّ لبعض شئون ذلك  كفعليّته مثلا.   إذن، فثبوت هذه العناية في الرفع الظاهريّ لا يجعل الحديث  ظاهرا في الرفع الواقعي، بل غاية الأمر كون الحديث مجملا و  مردّدا بين الرفع الواقعيّ و الظاهريّ.   و أمّا الأمر الثاني: و هو اقتناص جميع النتائج المطلوبة للأصولي  من معنى البراءة من الحديث على تقدير إجماله و تردّده بين  البراءة و رفع الحكم الواقعيّ، فتوضيحه: أنّ النتائج المطلوبة  للأصولي من هذا الحديث أمور ثلاثة:   

1 - التأمين في الجملة.   

2 - إطلاق التأمين، بحيث يشمل فرض العلم باشتراك الحكم  الإلزاميّ بين العالم و الجاهل على تقدير ثبوته في نفسه.   

3 - جعل هذا الحديث معارضا لأدلّة الاحتياط. و جميع هذه النتائج  تثبت في المقام بمجرّد الإجمال.   أمّا الأولى: فواضح، إذ لا فرق في تحقّق التأمين بين جعل البراءة و  رفع أصل الحكم الواقعيّ، فثبوت أحدهما بالإجمال كاف في  المقام.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة153/ الجزء الثالث

 

و أمّا الثانية: فلأنّه بعد أن فرض إجمال الحديث فلا يقطع بكونه  مبتلى بمعارضة الدليل القطعيّ الدالّ على اشتراك ذلك التكليف -  على تقدير ثبوته - بين العالم و الشاكّ حتى يسقط عن الحجّية،  فلئن لم يمكن رفع إجمال الحديث بدلالة ذلك الدليل القطعيّ على  بطلان أحد محتمليه - على ما بيّنّاه في بحث المجمل و المبيّن [1] -،  يكفينا أنّ التأمين أثر مترتّب على الجامع بين المحتملين، فالحديث  حجّة في إثبات هذا الأثر لعدم ثبوت معارض له. فالمكلف يجمع  بين أثر ذاك الدليل القطعيّ و أثر هذا الحديث ما دام التعارض  بينهما غير ثابت، فمثلا لو علم بعد انتهاء الوقت بثبوت الحكم  المشكوك و كان قد ترك العمل به، و كان ممّا يقضى، كان عليه  القضاء عملا بالدليل الدالّ على اشتراك الحكم بين العالم و الشاكّ،  و لكنّه كان في نفس الوقت معذورا في تركه للامتثال في داخل  الوقت بحكم حديث الرفع.   فكما لو قطع بكون الرفع ظاهريّا جمع بين الأثرين كذلك الحال  على تقدير الإجمال.   و أمّا الثالثة: و هي معارضة هذا الحديث لأدلّة الاحتياط، فلأنّ  وجوب الاحتياط كما يكون منافيا للرفع الظاهريّ كذلك يكون  منافيا للرفع الواقعيّ، إذ لو فرضنا أنّ الأحكام الواقعيّة مخصوصة  بالعالمين بها، إذن فلما ذا يوجب الاحتياط؟ فهذا الحديث على  إجماله يعارض أدلّة الاحتياط.    

_____________________________________________

 

[1] و هذا ما عدل عنه الأستاذ الشهيد رحمه اللّه في الدورة الأخيرة  من بحثه.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة154/ الجزء الثالث

 

و أمّا الأمر الثالث: و هو ظهور الحديث في البراءة على بعض  التقادير، فنقول: إنّ في الحديث قرينة على كون المراد من الرفع  فيه هو الرفع الظاهريّ على تقدير أن يقال: إنّ معنى العلم في  الحديث هو القطع من دون تطعيمه بفرض الإصابة، فإنّه على هذا  يكون مقتضى إطلاق الحديث شمول الرفع لكلّ ما لا يقطع به من  تكليف، سواء فرض ذلك التكليف ثابتا في الواقع أو غير ثابت.   و هذا إنّما يناسب الرفع الظاهريّ، لا الرفع الواقعيّ، فإنّ رفع  التكليف واقعا عن الشاكّ معناه ثبوت تكليف في نفسه خصّص  بالعالم. و أمّا لو فرض عدم التكليف حتى على العالم فلا معنى  لرفعه عن الشاكّ، فيكون الرفع واقعيّا لا يناسب شمول الرفع  للتكليف الثابت في الواقع و التكليف غير الثابت في الواقع.   و أمّا الرفع الظاهريّ فهو مناسب لكليهما، فإنّ الرفع الظاهريّ  كالوضع الظاهريّ مناسب للتكليف المشكوك الثابت في الواقع و  التكليف المشكوك غير الثابت في الواقع.   أمّا التكليف الثابت في الواقع المشكوك للمكلّف فإذا وضع على  المكلّف بما هو تكليف مشكوك، فالوضع الحقيقيّ و إن توجّه إلى  إيجاب الاحتياط إلاّ أنّه يصحّ أن ينسب الوضع بالعناية إلى الواقع  بنكتتين:   الأولى: أنّ إيجاب الاحتياط مسبّب عن ذلك التكليف الواقعيّ،  فكأنّ وضعه وضع للتكليف الواقعيّ، و يضاف الوضع   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة155/ الجزء الثالث

 

إلى المؤثّر بمناسبة ثبوت الوضع للأثر. و في مقابل هذا الوضع  أيضا ينسب الرفع إلى المؤثّر بمناسبة ثبوت رفع الأثر.  

و الثانية: أنّ إيجاب الاحتياط تحميل للواقع على المكلّف و تنجيز  له عليه، فكأنّه بإيجاب الاحتياط قد وضع التكليف الواقعيّ على  المكلّف، و بذلك صار له وجود. و في مقابله أيضا ينسب الرفع إلى  الواقع باعتبار أنّ رفع وجوب الاحتياط تنحية للواقع عن ابتلاء  المكلّف به، فكأنّه إعدام للواقع.   و أمّا التكليف غير الثابت في الواقع فيعقل أيضا وضعه الظاهريّ و  رفعه الظاهريّ، فإنّه و إن كانت النكتة الأولى غير ثابتة هنا، إذ  ليس هناك إيجاب الاحتياط مسبّبا عن التكليف الواقعيّ، لأنّ  المفروض عدمه، لكنّ النكتة الثانية ثابتة هنا، فإنّ إيجاب  الاحتياط تحميل للواقع المحتمل على المكلّف، و رفعه رفع لهذا  الوجود التحميليّ للواقع المحتمل.   إذن فإطلاق الموصول و شموله لكلا قسمي التكليف قرينة على  كون الرفع رفعا ظاهريّا بناء على عدم تطعيم العلم في الحديث  بالإصابة.   و بكلمة أخرى: أنّ التكليف المشكوك بما هو مشكوك - أي الأعمّ  من أن يكون ثابتا في الواقع أو غير ثابت - لا يقبل إلاّ الرفع  الظاهري، و إنّما الّذي يقبل الرفع الواقعيّ هو التكليف الواقعيّ بما  هو تكليف واقعيّ ثابت في نفسه. فإطلاق الموصول الدالّ على أنّ  المرفوع هو التكليف المشكوك بما هو مشكوك لا   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة156/ الجزء الثالث

 

بما هو ثابت في الواقع دليل على ظاهريّة الرفع.   و العمدة [1] في المقام ما عرفته من كفاية الإجمال في استنتاج  النتائج المقصودة.  

 

 شمول الحديث للموضوعات و الأحكام:  

 و أمّا المقام الثاني: و هو شمول الحديث للشبهة الموضوعيّة و  الحكميّة معا و عدمه، فشموله لهما معا موقوف على أمرين:   

الأوّل: ثبوت جامع بينهما يجعل مصبّا للرفع.  

 و الثاني: عدم قرينة فيه للاختصاص بإحداهما.  

 

 تصوير الجامع:  

 أمّا الأمر الأوّل: فقد صوّر في المقام الجامع بعدّة وجوه»«، و ما  ينبغي التعرّض له منها و جهان:    

_____________________________________________

 

[1] لعلّه إشارة إلى أنّ كون المقصود من العلم ما يشمل القطع  الخاطئ غير ثابت، أو إشارة إلى أنّ إطلاق الموصول لا يرفع  إجمال كلمة (الرفع)، بل إجمال كلمة (الرفع) و تردده يجعل هذه  الكلمة صالحة للقرينيّة على نفي الإطلاق، فالعمدة في المقام كفاية  الإجمال.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة157/ الجزء الثالث

 

 

1 - ما ذكره المحقّق الخراسانيّ رحمه اللّه و غيره من أنّ الجامع  هو التكليف المشكوك، فإنّه أعمّ من كونه تكليفا كلّيا منشأ الشكّ  فيه فقد النصّ، أو إجماله، أو تعارض النصّين، كما في الشبهة  الحكميّة، و كونه تكليفا جزئيّا منشأ الشكّ فيه الاشتباه في الأمور  الخارجيّة.   

2 - ما ذكره أيضا المحقّق الخراسانيّ رحمه اللّه و غيره من  المحقّقين من عنوان الشي‏ء الشامل.   و قد أورد المحقّق الخراسانيّ رحمه اللّه على هذا الجامع - أعني  إرادة الشي‏ء - بأنّه يلزم من ذلك الجمع بين أمرين متقابلين، و  ذلك لأنّ نسبة الرفع إلى الحكم نسبة للشي‏ء إلى ما هو له، و نسبته  إلى الموضوع نسبة له إلى غير ما هو له»«.   و أجاب السيّد الأستاذ»« على ذلك بأنّ الإسناد إلى مجموع ما هو  له و ما ليس له إسناد إلى ما ليس له، لأنّ النتيجة تتبع أخسّ  المقدّمتين، و المجموع المركّب من الداخل و الخارج خارج - أي  أنّ المجموع المركّب من الذاتيّ و العرضيّ عرضيّ - فلم يلزم  اجتماع الوصفين.   و أجاب المحقّق الأصفهانيّ رحمه اللّه»« على إشكال   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة158/ الجزء الثالث

 

المحقّق الخراسانيّ بما يرجع حاصله إلى أنّه لا مانع من اجتماع  هذين الوصفين - أعني كون الإسناد إسنادا إلى ما هو له و إسنادا  إلى غير ما هو له - فإنّ هذين الوصفين ليسا من الأوصاف  الحقيقيّة المتقابلة كالسواد و البياض حتى يستحيل ثبوتهما  لموجود واحد، و إنّما هما من الأوصاف الاعتباريّة المتقابلة. إذن  يكفى في مقام اجتماعهما تعدّد الحيثيّة الاعتبارية التي بها يوصف  بهذا الوصف أو بذاك الوصف. فهذا الإسناد الواحد باعتبار كونه  إسنادا إلى الشي‏ء القابل للانطباق على الحكم إسناد إلى ما هو له،  و باعتبار كونه إسنادا إلى الشي‏ء القابل للانطباق على الموضوع  إسناد إلى غير ما هو له.  

 و التحقيق: أنّه ينبغي أن يكون نظر المحقّق الخراسانيّ رحمه اللّه  من الإشكال في المقام إلى ذات الإسناد الموصوف بوصف كونه  لما هو له، أو لغير ما هو له، لا إلى الوصفين - أي أن لا يكون  الإشكال عنده عبارة عن مجرّد تقابل الوصفين - كي يرد عليه  أحد الجوابين، بل يكون الكلام في الموصوف في المرتبة السابقة  على تعدّد الوصفين و تقابلهما - أي ذات الإسناد و النسبة - و ذلك  لأنّ نسبة الفعل إلى مفعوله و هو (الموصول) في الحديث، إن  كانت إلى ما هو له فهي مغايرة ذاتا، لنسبته إلى غير ما هو له، إذا  لو حظت العناية في حاقّ النسبة المستعمل فيها الهيئة، فعندئذ  يقال: إنّ الهيئة استعملت في نسبة واحدة لاستحالة الاستعمال في  معنيين، أو عدم مقبوليّته عرفا، و لا يعقل أن تكون هي النسبة  الأولى و الثانية معا، و لا يعقل   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة159/ الجزء الثالث

 

الاستعمال في الجامع بين النسبتين، فإنّ النسب كلّها متباينة ذاتا.   نعم، لو كانت هويّة النسبتين واحدة و تعدّد النسب إنّما جاء من  تعدّد الطرف، أمكن فرض نسبة ثالثة بجعل طرفها الجامع بين  الطرفين، فتكون تلك النسبة الثالثة شاملة لموارد النسبتين  الأوليين في الصدق - أي أنّها تصدق على جميع موارد صدق  الأوليين - و إن كانت متباينة في مفهومها مع الأوليين، و لكن  فيما نحن فيه ليس منشأ تعدّد النسبتين تعدّد الطرفين فحسب، بل  هناك تباين بين النسبتين في أنفسهما بقطع النّظر عن الطرفين،  على أنّه لو صوّرت نسبة جامعة بين النسبة الحقيقيّة و النسبة  العنائيّة في المقام، كما تصوّر الجامع بين النسبتين في موارد  نشوء تعدّدهما من تعدّد الطرفين فحسب، كان الاستعمال عندئذ  مجازيّا لمكان العناية، و لا يمكن إثبات ذلك بالإطلاق.   هذا كلّه على تقدير ملاحظة العناية في حاقّ النسبة بلحاظ غير ما  هو له.   و قد يقال: لا نلحظ عناية في حاقّ النسبة، و نفترض إسناد الرفع  للحكم و الموضوع معا بنسبة واحدة، و ذلك بأن يفرض ادّعاء  ثبوت النسبة الحقيقيّة بين الرفع و الموضوع كما هو الحال  بالنسبة للحكم، فتستعمل الهيئة حقيقية في نسبة الرفع إلى جامع  الموضوع و الحكم على حدّ الحقيقة الادّعائيّة عند السكّاكي.   و لكن لا يخفى أنّ هذا الفرض و الادّعاء الّذي هو مئونة زائدة لا  يمكن إثباته بالإطلاق، فإنّ دلالة الموصول بالإطلاق   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة160/ الجزء الثالث

 

على شموله للحكم و الموضوع معا فرع ادّعاء نسبة حقيقيّة بين  الرفع و الموضوع من قبل المتكلّم، فيجب أن يثبت ذلك أوّلا حتى  يترتّب عليه الإطلاق، و لم يثبت ذلك [1].  

 و التحقيق: في مقام الجواب على إشكال المحقّق الخراسانيّ رحمه  اللّه ما انقدح من بحثنا في المقام الأوّل من أنّ نسبة الرفع إلى  الحكم أيضا تحتاج إلى العناية بأحد الوجهين الماضيين، فمثلا  يقال: إنّ نسبة الرفع إلى الحكم الواقعيّ بمناسبة رفع ما ينشأ منه  من وجوب الاحتياط، و نفس هذه العناية ثابتة في الموضوع،  فخمريّة المائع المجهول الخمريّة مثلا، ينسب الرفع إليها بمناسبة  رفع ما ينشأ منها بالتالي من وجوب الاحتياط الناشئ من الحرمة  الفعليّة الناشئة من خمريّته، فنسبة الرفع إلى كلّ من الموضوع و  الحكم تكون بمعنى واحد.    

_____________________________________________

 

[1] و للسيّد الخوئي رحمه اللّه في المقام جواب آخر كما ورد في  مصباح الأصول ج 2، ص 261. على الإشكال، غير الجواب الّذي  يبطل بحمل كلام المحقّق الخراسانيّ على تباين ماهويّ بين  النسبتين، و ذلك الجواب الآخر هو أنّ هذا الإشكال إنّما يتمّ لو  أريد بالرفع الرفع التكوينيّ فيقال عندئذ: إنّ إسناد الرفع إلى  الفعل الخارجيّ يكون مجازا. أمّا لو أريد به الرفع التشريعيّ  فإسناد الرفع إلى الفعل الخارجيّ أيضا حقيقيّ.   أقول: سيأتي البحث - إن شاء اللّه - في المتن عن أنّ الرفع في  المقام هل هو تكوينيّ، أو حقيقي؟ و سيتّضح أيضا في التعليق الآتي  أنّه لو فرض الرفع تكوينيّا لكنّه كان رفعا للوجود التشريعيّ كفى  ذلك أيضا في رفع الإشكال، فالإشكال إذن منحصر في فرض  حمل الحديث على الرفع التكوينيّ للوجود التكويني.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة161/ الجزء الثالث

 

بقي لنا كلام فيما أفاده السيّد الأستاذ بقطع النّظر عن كونه جوابا  لإشكال المحقّق الخراسانيّ -قدّس سرّه- و عدمه، و هو ما مضى  ذكره من (أنّ إسناد الرفع إلى المجموع المركّب ممّا هو له و ممّا  ليس هو له يكون إسنادا إلى ما ليس هو له)، فإنّ هذا التعبير لا  يخلو من مسامحة. فإنّ النتيجة في المجموع المركّب منهما تتبع  أشرف المقدّمتين، و رفع المجموع المركّب ممّا يكون رفعه  حقيقيّا و ما لا يكون رفعه حقيقيّا رفع حقيقيّ، لأنّه يكفي في رفع  المركّب رفع أحد جزئيه. نعم رفع الجامع [1] بين ما يكون رفعه  حقيقيّا و ما لا يكون رفعه حقيقيا تابع لأخسّ المقدّمتين، و يكون  رفعا غير حقيقيّ، لأنّ رفع الجامع لا يكون إلاّ برفع كلا فرديه، و  على عكس ذلك ما ذكره من مثال الذاتيّ و العرضيّ [2]..  فالمجموع المركّب من الذاتيّ و العرضيّ عرضيّ، و لا يكون ذاتيّا،  فإنّه ليس من ذاتيّات الشي‏ء أن يثبت له ذاتيّة و عرضيّة معا و إن  كان قد يثبت له ذلك. و الجامع بين الذاتيّ و العرضيّ قد يكون  ذاتيّا للشي‏ء، كما إذا كان الجامع ذاتيّا لا عرضيّا، فإنّ الذاتيّ لذاتيّ  شي‏ء ذاتي لذلك الشي‏ء.   ثمّ إنّ المحقّق العراقيّ رحمه اللّه»« ذكر أوّلا تقريب شمول الحديث  للشبهة الحكميّة و الموضوعيّة معا بفرض إرادة هذا  

 

_____________________________________________

 

[1] و هو المقصود في المقام.   

[2] مثال الذاتيّ و العرضيّ، أو الداخل و الخارج غير موجود في  مصباح الأصول، و لعلّه موجود في الدراسات، و لا يحضرني فعلا  هذا الكتاب.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة162/ الجزء الثالث

 

الجامع، و هو الشي‏ء من الموصول الشامل للحكم و الموضوع معا.  ثمّ أشكل على شمول الحديث للشبهة الحكميّة و الموضوعيّة معا بما  نقلناه عن المحقّق الخراسانيّ رحمه اللّه من أنّه يلزم من ذلك الجمع  بين الإسناد الحقيقيّ و العنائي. ثمّ أجاب على ذلك بتفسير  الموصول بالتكليف الشامل للتكليف الكلّي كما في الشبهات  الحكميّة، و الجزئيّ كما في الشبهات الموضوعيّة، و هذا هو الجامع  الأوّل من الجامعين الذين ذكرهما المحقّق الخراسانيّ رحمه اللّه.   و التحقيق في المقام: أنّ الإشكال الّذي مضى عن المحقّق  الخراسانيّ له مركزان: أحدهما جملة: (رفع ما لا يعلمون)، و الآخر  ما في صدر الحديث من قوله: (رفع عن أمّتي تسعة).   و الالتزام بالجامع الأوّل و هو التكليف إنّما يرفع الإشكال عن  جملة: (رفع ما لا يعلمون) و يبقى الإشكال متمركزا في صدر  الحديث، فأنّه نسب فيه الرفع إلى تسعة أشياء بنسبة واحدة، و  نسبة الرفع إلى التكليف نسبة للشي‏ء إلى ما هو له، و نسبته إلى ما  اضطرّوا إليه مثلا نسبة إلى غير ما هو له [1]. فإنّ ما اضطرّوا إليه  

 

_____________________________________________

 

[1] هذا بقطع النّظر عمّا سيأتي من أنّ الرفع رفع حقيقيّ للوجود  التشريعيّ، و إلاّ فنسبة الرفع إلى الجميع نسبة للشي‏ء إلى ما هو له.   إن قلت: إذا كان الرفع رفعا للوجود التشريعيّ عاد الإشكال  بشكل منعكس.   فنسبة الرفع إلى باقي التسعة نسبة للشي‏ء إلى ما هو له، و نسبته  إلى ما لا يعلمون نسبة له إلى ما ليس له بناء على عدم مرفوعيّة  التكليف في عالم التشريع كي لا يلزم   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة163/ الجزء الثالث

 

موجود بحسب الخارج. و التحقيق في الجواب ما ذكرناه.   ثمّ إنّ هذا الجامع الأوّل في نفسه أيضا لا بأس به، و لا يرد عليه  إشكال. و خير إشكال يمكن إيراده عليه هو أنّ هذا الجامع إنّما  يتصوّر بناء على القول بأنّ للحكم وجودين، وجود الجعل و وجود  المجعول، فوجوده الجعليّ يتحقّق بمجرّد تشريع الحكم في  الشريعة. و أمّا المجعول فإنّما يوجد بفعليّة موضوع الحكم في  الخارج، و على هذا يقال: إنّه كما يكون المكلّف في الشبهة  الحكميّة شاكّا في التكليف، كذلك في الشبهة الموضوعيّة أيضا  شاكّ فيه، فإنّه و إن كان عالما بالجعل لكنّه ليس عالما  بالمجعول، فإذا كان المقصود بالموصول مطلق وجود التكليف  سواء كان وجوده الجعليّ أو المجعوليّ، أو كان المراد به خصوص  المجعول فالشكّ فيه يكون ثابتا في الشبهة الحكميّة و الموضوعيّة  معا. و أمّا بناء على ما حقّقناه في محلّه من أنّ الحكم ليس له إلاّ  وجود واحد، و هو وجود الجعل ففي الشبهة الموضوعيّة ليس  هناك شكّ في التكليف، و إنّما الشكّ في الموضوع الخارجيّ، فإنّ  الجعل معلوم.    - التصويب.   قلت: إنّ ما لا يعلمون له وجود عنائيّ في عالم التشريع بلحاظ  إيجاب الاحتياط و الرفع الحقيقيّ للوجود التشريعيّ رفع حقيقي  لوجود عنائيّ، و هذا متحقّق حتى بالنسبة لما لا يعلمون و لو  بلحاظ وجوب الاحتياط. هذا كلّه ما استفدته منه رحمه اللّه بالسؤال  و الجواب بعد أن بيّن ما سيأتي في المتن من كون الرفع رفعا  حقيقيّا للوجود التشريعيّ.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة164/ الجزء الثالث

 

و الجواب: أنّ هذا الكلام إنّما يكون صحيحا في تحقيق حقيقة  الحكم فلسفيّا، و لا يكون مرتبطا بما نحن فيه، فإنّ الفهم العرفيّ  ينتزع عنوان الإلزام و التكليف في مقامين:

الأوّل: جعل الحكم في  الشريعة على عنوان كلّي كإيجاب الحج على المستطيع، فينتزع  العرف منه الإلزام و التكليف بالنسبة لذلك العنوان. و الثاني:  انطباق ذلك العنوان بحسب الخارج على شخص، و تماميّة  الموضوع في حقّه خارجا، فإنّ العرف ينتزع هنا أيضا الإلزام و  التكليف بالنسبة لذلك الشخص من دون أيّ مئونة أو عناية في  نظره، فيصحّ أن يقال بلا عناية: إنّه قد وجب على زيد مثلا  باستطاعته الحج بعد أن لم يكن واجبا عليه، و صار مكلّفا بهذا  التكليف الشرعيّ بعد أن لم يكن كذلك. فنقول عندئذ: إنّ  المقصود بالموصول هو التكليف بمعناه العرفيّ الّذي ينتزع عند  العرف في كلا المقامين، فيشمل الحديث - بحسب الفهم العرفيّ -  الشبهة الموضوعيّة و الحكميّة معا، فهذا الجامع في نفسه لا بأس به.   نعم، لا داعي للمصير إليه في قبال الجامع الآخر و هو الشي‏ء، فإنّ  (ما) الموصولة معناها هو الشي‏ء و مساوق له في الإبهام، و حملها  على معنى أخصّ و هو التكليف خلاف الظاهر.   و قد يقال: إنّ جامع الشي‏ء لو لم يفد في المقام فجامع التكليف لا  يفيدنا شيئا، فإنّنا لو رفعنا يدنا عن جامع الشي‏ء الّذي هو ظاهر  الموصول بحدّ ذاته في الحديث فحمله على جامع التكليف حتى  يشمل الشبهة الموضوعيّة و الحكميّة معا ممّا لا   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة165/ الجزء الثالث

 

دليل عليه، فمن المحتمل أن يكون المراد بالموصول هو الفعل  الّذي لا يعلم عنوانه فيختصّ بالشبهة الموضوعيّة، فإنّ تفسير  الموصول بذلك و تفسيره بالتكليف كلاهما خلاف الظاهر الأوّلي  للموصول، و ليس أحدهما أولى من الآخر، فإن فرض رفع اليد عن  الظاهر الأوّلي لجهة من الجهات فالمصير إلى خصوص تفسيره  بالتكليف لا شاهد له.   و يمكن دفع الإشكال بأن يقال: إنّ الرفع الصادر من الشارع  ألصق بالتكليف منه بالفعل، و إنّما يصحّ إسناده إلى الفعل باعتبار  التكليف، فهذا يصبح نكتة في ظهور الموصول - بعد رفع اليد عن  ظاهره الأوّلي - في إرادة التكليف في قبال إرادة الفعل.  

 

 نفي القرينة على الاختصاص:  

 و أمّا الأمر الثاني: فقد ادّعيت القرينة على اختصاص الحديث  بالشبهات الموضوعيّة، و ادّعيت أيضا القرينة على اختصاص  الحديث بالشبهات الحكميّة فنتكلّم في جهتين:  

 الجهة الأولى: في اختصاص الحديث بالشبهات الموضوعيّة  بالقرينة و عدمه، و قد ذكروا في المقام قرينيّة وحدة السياق في  جملة: (ما لا يعلمون) مع مثل جملة: (ما اضطرّوا إليه) و (ما أكرهوا  عليه)، إذ لا شكّ في أنّ المقصود بالموصول في تلك الجمل هي  الموضوعات الخارجيّة لا الأعمّ منها و من   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة166/ الجزء الثالث

 

الأحكام الشرعيّة، فكذلك الحال في (ما لا يعلمون) بقرينة وحدة  السياق.   أقول: إنّ وحدة السياق في الكلمة المتكرّرة لا شكّ أنّها تؤثّر  بلحاظ المراد الاستعماليّ، أي أنّ حمل تلك الكلمة بمدلولها  الاستعماليّ تارة على معنى، و أخرى على معنى آخر يكون خلاف  ظهور وحدة السياق، فلو قال مثلا: (أكرم الإمام و أطع الإمام) كان  فرض حمل المراد الاستعماليّ في الأوّل على إمام الجماعة و في  الثاني على إمام المسلمين خلاف مقتضى وحدة السياق.   و هناك إشكال في تأثير وحدة السياق بالنسبة للمراد الجدّي و  عدمه بعد فرض اتّحاد الكلمتين في المراد الاستعماليّ، فمثلا لو  قال: (أكرم كلّ عالم و قلّد كلّ عالم) و كان المراد الجدّي له من  الأوّل ما يعمّ العالم العادل و العالم الفاسق، و من الثاني خصوص  العالم العادل، فهل هذا ينافي ظهور وحدة السياق بعد فرض اتّحاد  الكلمتين في المراد الاستعماليّ، أو لا؟ يمكن الاستشكال فيه و إن  كان الصحيح عندنا عدم منافاته لظهور وحدة السياق.   و أمّا إذا فرض أنّه لم يكن اختلاف في مفاد الكلمتين بلحاظ المراد  الاستعماليّ، و لا بلحاظ المراد الجدّي، و إنّما كان الاختلاف بينهما  بلحاظ المصداق الخارجيّ، فهنا لا إشكال في عدم تأثير وحدة  السياق و عدم اقتضائها لاتّفاق الكلمتين في   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة167/ الجزء الثالث

 

المصداق، فلو قال مثلا: (لا تغصب ما تأكل، و لا تغصب ما تطالع، و  لا تغصب ما تلبس) فالمراد الاستعماليّ و الجدّي من (الموصول)  في هذه الجمل هو مفهوم الشي‏ء، إلاّ أنّ المصداق الخارجيّ للشي‏ء  الّذي يقبل الأكل هي الأطعمة، و للشي‏ء الّذي يقبل المطالعة هي  المكاتيب، و للشي‏ء الّذي يقبل اللبّس هي الثياب المحيطة بجسم  الإنسان، و هذا الاختلاف في المصاديق الخارجيّة ليس خلاف  مقتضى وحدة السياق جزما، لأنّ عدم الاتّحاد في عالم التطبيق  يكون مربوطا بماهيّات تلك الأشياء لا بعناية من قبل المتكلّم  بوجه من الوجوه.   و ما نحن فيه من هذا القبيل، حيث إنّ ما لا يعلم قابل للانطباق على  الموضوع و على الحكم، و مثل (ما اضطرّوا إليه) إنّما ينطبق على  الموضوعات و الأفعال الخارجيّة دون الأحكام، و ليس هنا  اختلاف في المدلول الاستعماليّ أو المراد الجدّيّ، فالمقام أجنبيّ  عن مسألة تأثير وحدة السياق.   الجهة الثانية: في اختصاص الحديث بالشبهات الحكميّة بالقرينة و  عدمه. قد ذكر المحقّق العراقيّ رحمه اللّه»« قرينة على اختصاص  الحديث بالشبهة الحكميّة، و جعل ذلك ردّا على ادّعاء اختصاص  الحديث بالشبهة الموضوعية بالقرينة السابقة، فإنّه -قدّس سرّه-  أجاب على ذلك بجوابين، أحدهما جواب مستقلّ عن قرينة العكس  - أعني قرينة الاختصاص بالشبهة   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة168/ الجزء الثالث

 

الحكميّة - و هو جواب غير صحيح، و نحن تركنا ذكره [1] و  اقتصرنا على الجواب الصحيح الّذي مرّ بنا في الجهة الأولى.   و الثاني الجواب بمعارضة تلك القرينة بقرينة أخرى توجب  الاختصاص بالشبهة الحكميّة، و قال: إنّ هذه القرينة أقوى من تلك  القرينة و مقدّمة عليها، و تلك القرينة عبارة عن أنّ تطبيق (ما لا  يعلمون) على الحكم صحيح بلا عناية، فإنّه في الشبهات الحكميّة  يكون الحكم غير معلوم حقيقة، فتكون داخلة في مفاد الحديث. و  أمّا إضافة عدم العلم إلى الموضوع الخارجيّ، كالمائع المردّد بين  كونه ماء، أو خمرا، فتكون بضرب من المسامحة و العناية، لأنّ  المجهول ليس هو ذات الموضوع، بل هو عنوانه، فإنّ ذات  الموضوع عبارة عن ذات هذا المائع، و هو ليس مجهولا، و إنّما هو  مجهول العنوان، فتوصيف ذات 

 

_____________________________________________

 

[1] و ذلك الجواب هو: أنّه لا يوجد اتّحاد في السياق يقتضي كون  المراد بالموصول في (ما لا يعلمون) الفعل لا الحكم، و ذلك لأنّ من  الفقرات في الحديث:   (الطيرة و الحسد و الوسوسة) و لا يكون المراد منها الفعل، و مع  هذا الاختلاف كيف يمكن دعوى ظهور السياق في إرادة الموضوع  المشتبه.   أقول: ينبغي أن يكون مقصود من يتمسّك بوحدة السياق لإثبات  اختصاص (ما لا يعلمون) بالفعل، أو الموضوع و عدم شموله  للحكم أنّ (ما) الموصولة تكرّرت في سياق واحد عدّة مرّات، و  أريد بها في بعض المرّات الفعل، أو الموضوع دون الحكم، فيحمل  الباقي أيضا على ذلك. أمّا وجود كلمات أخرى غير الموصول إلى  جنب الموصول أريدت بها معانيها لا الفعل، أو الموضوع، و لا  الحكم، فهذا لا ارتباط له بوحدة السياق بالنسبة للكلمة المكرّرة و  هي الموصول، خاصّة و أنّها لم تقع بين الموصولات، بل وقعت على  طرف منها.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة169/ الجزء الثالث

 

الموضوع بالجهل يكون من باب توصيف الشي‏ء بحال متعلّقه،  فهذا غير مشمول لإطلاق الحديث، فإنّ الإطلاق إنّما يتكفّل شمول  المفهوم لأفراده الحقيقيّة، لا لأفراده العنائيّة [1].   و يرد عليه

أولا: أنّه قد يكون في الشبهة الموضوعيّة ذات  الموضوع مجهولا كما لو فرض الشكّ في وجوب الحج للشكّ في  أصل وجود الاستطاعة و مالكيّته لمال مّا مثلا. و إذا ثبت شمول  البراءة لمثل هذه الشبهات تعدّينا إلى غيرها لعدم  

 

_____________________________________________

 

[1] الموجود في نهاية الأفكار يختلف عمّا نقله أستاذنا الشهيد  رحمه اللّه في المقام من وجهين:   

الأوّل: أنّه لم يجعل إضافة عدم العلم إلى الموضوع الخارجيّ خلاف  الظاهر بنكتة كون توصيف الشي‏ء بحال متعلّقه خلاف الظاهر، بل  جعله خلاف الظاهر بنكتة وحدة السياق باعتبار أنّ المراد  بالموصول في غير (ما لا يعلمون) من العناوين هو ما كان بنفسه  معروضا للوصف من الاضطرار أو غيره، فلو حمل (ما لا يعلمون)  على ما لا يكون بنفسه معروضا لوصف عدم العلم و إنّما  المعروض له هو عنوانه، كان هذا خلاف وحدة السياق. إذن لا  ينبغي حمل الموصول في (ما لا يعلمون) على الفعل، لأنّه ليس  بنفسه غير معلوم، و إنّما يكون عنوانه غير معلوم.   و الثاني: أنّه لم يجعل هذا قرينة على اختصاص الحديث بالشبهات  الحكميّة، و إنّما جعله قرينة على عدم اختصاصه بالشبهات  الموضوعيّة، باعتبار أنّ فرض اختصاصه بالشبهات الموضوعيّة  يتطلّب تفسير الموصول بمعنى الفعل، و هو مجهول بعنوانه لا  بنفسه، و هذا خلاف مقتضى وحدة السياق، فلا بدّ من تفسير  الموصول بمعنى الحكم، و الحكم بنفسه مجهول في الشبهات  الحكميّة و في الشبهات الموضوعيّة معا، إلاّ أنّ منشأ الشكّ في  الشبهات الحكميّة فقد النصّ، أو إجماله، أو تعارض النّصين، و في  الشبهات الموضوعيّة الاشتباه في الأمور الخارجيّة.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة170/ الجزء الثالث

 

احتمال الفرق بين شبهة موضوعيّة و شبهة موضوعيّة أخرى.   

و ثانيا: أنّه لا حاجة إلى انطباق عنوان (ما لا يعلمون) على ذات  الموضوع، فلو أردنا مثلا تطبيق الحديث على المائع المردّد بين  كونه خمرا، أو ماء طبّقناه على عنوان الخمر في هذا المثال لا على  ذات المائع، فنقول: إنّ خمريّة هذا المائع غير معلومة، فهي  مرفوعة، و عنوان الخمر هو المناسب أن يكون مصبّا للرفع و  الوضع باعتباره موضوعا للحكم الشرعي لا ذات المائع، لأنّ  الحرمة إنما جعلت على عنوان الخمر لا على ذات المائع. إذن فليس  المقصود تطبيق عدم العلم على الذات كي يقال: إنّه تطبيق عنائيّ،  و إنّ الذات ليس مجهولا حقيقة، و إنّما المقصود التطبيق على  العنوان، فإنّه الموضوع للحكم الشرعيّ و القابل للوضع و الرفع من  قبل الشارع، و المفروض أنّ العنوان مجهول حقيقة.  

 و قد تحصّل: أنّ الحديث يشمل الشبهات الحكميّة و الموضوعيّة  معا، و لا موجب لاختصاصه بأحد القسمين دون الآخر.  

 

 فقه الحديث:  

 

 و أمّا المقام الثالث: و هو في فقه هذا الحديث، ففيه جهات عديدة  من البحث:   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة171/ الجزء الثالث

 

نسبة الرفع إلى المرفوعات:   

الجهة الأوّلي: في تصوير نسبة الرفع إلى المرفوعات في هذا  الحديث، حيث إنّ ما فيه من الخطأ، و النسيان، و ما اضطرّوا إليه، و  ما استكرهوا عليه، و نحو ذلك ليست أمور مرفوعة حقيقة، و إنّما  هي أمور محقّقة و ثابتة في الخارج و مع ذلك نسب الرفع إليها،  فلا بدّ عندئذ من تصوير وجه لتصحيح هذا النسبة فنقول:   الّذي يظهر من كلام الشيخ الأعظم -قدّس سرّه- هو الالتزام  بالتقدير. و أصحاب هذا الوجه وقعوا في البحث عن أنّ المقدّر هل  هو المؤاخذة، أو مطلق الآثار، أو بعض الآثار دون بعض؟ و ما هو  الضابط في هذا التبعيض؟ و ذكر المحقّق النائينيّ رحمه اللّه: أنّه لا  حاجة إلى التقدير الّذي هو خلاف المتفاهم العرفيّ جدّاً، بل يسند  الرفع إلى نفس الأمور المذكورة في الحديث، إلاّ أنّ العالم الّذي لو  حظ الرفع بالنسبة إليه هو عالم التشريع لا عالم التكوين، فيكون  الرفع رفعا تشريعيّا لا رفعا تكوينيّا. و ادّعى جملة من المحقّقين  (قدّس اللّه أسرارهم) أنّ الرفع في المقام يكون رفعا تنزيليّا لا  رفعا حقيقيّا، و تشوّشت جملة من الكلمات، فوقع الخلط فيها بين  الرفع التشريعيّ و الرفع التنزيليّ.  

 و التحقيق: أنّ العناية المتصوّرة في المقام تتصوّر بأحد وجوه  ثلاثة:

الأوّل: أن تكون هي عناية التقدير من دون تدخّل و إعمال   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة172/ الجزء الثالث

 

عناية في نفس الرفع، أو المرفوع، فيكون المقصود من الرفع هو  الرفع الحقيقيّ، و المقصود من العناوين المرفوعة وجوداتها  الخارجيّة الحقيقيّة، إلاّ أنّ المرفوع في الحقيقة ليس منتسبا إلى  نفس تلك العناوين ممّا اضطرّوا إليه، أو استكرهوا عليه، و نحو  ذلك، و إنّما هو منتسب إلى العقاب، أو إلى أثر آخر من آثارها.   و ترجع إلى ذلك دعوى نسبة الرفع الحقيقيّ إلى الوجود الحقيقيّ  لتلك العناوين نسبة مجازيّة، فإنّ معنى ذلك أنّه في عالم المراد  الجدّيّ يكون الرفع الحقيقيّ لأثر من آثار تلك العناوين لا لنفس  تلك العناوين، فهناك شي‏ء في عالم المراد الجدّيّ للكلام لم يذكره  في الكلام، و هو المقصود من التقدير.   الثاني: أن تكون العناية في الرفع بأن لا يقدّر شي‏ء، و ينسب الرفع  إلى نفس العناوين الخارجيّة، و يكون المقصود من تلك العناوين  وجوداتها الخارجيّة، إلاّ أنّ رفع تلك الوجودات الخارجيّة ليس  رفعا حقيقيّا، و إنّما المقصود الرفع التنزيليّ، أو الاعتباريّ من  باب رفع موضوعات بعض الأحكام تعبّدا الّذي يكون حاكما على  تلك الأحكام كقوله: (لا ربا بين الوالد و ولده) [1]، و قوله: (لا شكّ  لكثير الشكّ)، و قوله: (لا سهو مع  

 

_____________________________________________

 

[1] أفاد (رضوان اللّه عليه): أنّ ظاهر هذا كونه رفعا عنائيّا  للوجود الحقيقيّ للربا، لا رفعا حقيقيّا للوجود التشريعيّ للربا،  فإنّه على الثاني تلزم إرادة عالم معيّن من التشريع هو عالم  الحرمة، و هي خلاف الظاهر، فإنّ معنى رفع الوجود التشريعيّ  للربا عدم كونه مشرّعا، فيحمل على الرفع العنائيّ للوجود  الحقيقيّ.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة173/ الجزء الثالث

 

حفظ الإمام)، و قوله: (الطواف بالبيت صلاة) و نحو ذلك، و هذه  حكومة في مستوى عقد الوضع.   الثالث: عكس الثاني، ففي الثاني فرض قصد الرفع التشريعيّ  للوجود الحقيقيّ لتلك العناوين، و هنا يفرض قصد الرفع الحقيقيّ  للوجود التشريعيّ لها، حيث إنّ موضوع الحكم كما يكون له  وجود حقيقيّ في عالم الخارج، كذلك يكون له وجود عنائيّ في  عالم التشريع و الحكم، لأنّ الحكم متقوّم بموضوعه بوجه من  الوجوه، فقد يرفع حقيقة هذا الوجود العنائيّ عن عالم التشريع  كقوله: (لا رهبانيّة في الإسلام)، فإنّ معناه بقرينة (في الإسلام) هو  رفع الرهبانيّة عن صفحة التشريع الإسلاميّ، و هذا ليس رفعا  تعبّدا للوجود الحقيقيّ للموضوع، و إنّما هو راجع إلى رفع الحكم  عن الموضوع، فإنّ رفع وجوده في عالم التشريع و الحكم يعني  نفي كونه مشرّعا، و رفع كونه موضوعا للحكم، و رفع موضوعيّته  للحكم مساوق لرفع الحكم، و هذه حكومة في عقد الحمل، و إن  شئت فقل: إنّها تشبه الحكومة في عقد الحمل لا أنّها هي بالذات، إذ  ليس ذلك عينا من قبيل (لا ضرر و لا ضرار) بناء على تفسير  الشيخ الأعظم -قدّس سرّه- له من كونه رفعا للحكم الضروريّ، بل  يشتمل المقام على شي‏ء من الالتواء [1].    

_____________________________________________

 

[1] ففي مثال (لا ضرر) على تفسير الشيخ رحمه اللّه فرض  المرفوع و هو الضرر عنوانا للحكم، بينما في ما نحن فيه فرض  المرفوع هو الموضوع، و لكنّه رفع   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة174/ الجزء الثالث

 

و على أيّة حال، فالوجه الثاني و الثالث متعاكسان، و لا بدّ من  التمييز بينهما و عدم الخلط في المقام، و عبائر التقريرات  مشوّشة، فبعضها يناسب الثاني، و بعضها يناسب الثالث. و الّذي  كنت أقدّره - لو لا التزامه ببعض النتائج المناسبة للوجه الثاني -  أنّ مقصود المحقّق النائينيّ -قدّس سرّه- كان هو الثالث.   و قد تحصّل ممّا ذكرناه أنّه مهما تعلّق الرفع بموضوع من  الموضوعات فضابط كونه حكومة في مستوى عقد الوضع، أو  حكومة في مستوى عقد الحمل، هو أنّه إن كان رفعا تشريعيّا  للوجود الحقيقيّ فهي حكومة في مستوى عقد الوضع، و إن كان  رفعا حقيقيّا للوجود التشريعيّ، فهي حكومة في مستوى عقد  الحمل.   إلاّ أنّ السيّد الأستاذ جعل الضابط شيئا آخر، و هو أنّه إذا تعلّق  الرفع بالعنوان الأوّليّ كما في (لا ربا بين الوالد و ولده) كانت  حكومة على عقد الوضع، و إذا تعلّق بالعنوان الثانوي كالاضطرار  في قوله: (رفع ما اضطرّوا إليه) كانت حكومة على عقد الحمل.   و توضيح مرامه: أنّه إن رفع العنوان الأوّلي للموضوع فهذا رفع  لنفس الموضوع، فتكون حكومة على عقد الوضع. و إن رفع  العنوان الثانوي و هو الاضطرار مثلا، فهذا عند التدقيق ليس  - عن صفحة التشريع. و لعلّه لهذا ورد في تقرير الشيخ النائينيّ  رحمه اللّه عدّ ذلك من الحكومة على عقد الوضع. راجع فوائد  الأصول، ج 3، ص 127.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة175/ الجزء الثالث

 

رفعا للموضوع، إذ لو فرض رفعا للموضوع فلا يخلو الحال من أن  يكون المرفوع إمّا هو ذات الموضوع من دون أن يكون  الاضطرار حيثيّة تقييديّة في المرفوع، و إنّما هو حيثيّة تعليليّة، أو  هو العنوان الثانويّ بأن يتحفّظ على تقييديّة الاضطرار، فرفع (ما  اضطرّوا إليه) مثلا، رفع للاضطرار لا لذات الموضوع.   فإن فرض الأوّل صحّت الحكومة على عقد الوضع، إلاّ أنّه خلاف  ظهور الكلام في تقييديّة العنوان الثانويّ في المرفوع. و إن فرض  الثاني، بان يكون المرفوع هو العنوان الثانويّ، فهذا يعني - كما  قلنا - أن يكون رفع (ما اضطرّوا إليه) رفعا للاضطرار لا لذات  الموضوع، و معنى ذلك أنّ الفعل الحرام الّذي ارتكبه المكلّف  اضطرارا قد حكم الشارع تعبّدا بعدم كونه اضطرارا، لا بعدم  صدور الفعل منه، و هذا لا يؤدّي إلى رفع الحرمة برفع الموضوع،  و إنّما يؤدّي إلى فرض كون الفعل الحرام غير اضطراريّ، و هذا  خلاف المقصود. إذن فلا بدّ أن يكون معنى رفع (ما اضطرّوا إليه)  رفع الحكم و هو الحرمة عمّا اضطرّوا إليه، و هذه حكومة على عقد  الحمل.   أقول: قد ظهر ممّا مضى أنّه إن تعلّق الرفع الحقيقيّ بالوجود  التشريعيّ، فهي حكومة على عقد الحمل، و لو كان المرفوع  العنوان الأوّليّ كقوله: (لا رهبانيّة في الإسلام)، فإنّ هذا رفع  للموضوع عن صفحة الحكم، و ليس رفعا له بقول مطلق بمعنى  نفيه و إنهائه. و إن تعلّق الرفع التشريعيّ بالوجود الحقيقيّ، فهي  حكومة على عقد الوضع و لو كان المرفوع العنوان الثانويّ   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة176/ الجزء الثالث

 

كقوله: (رفع ما اضطرّوا إليه)، فإنّه قابل لتفسيره بكونه رفعا  للوجود الحقيقيّ بقطع النّظر عن نكتة سوف نذكرها - إن شاء  اللّه - لاستظهار المعنى الثالث من الحديث و هو رفع الوجود  التشريعيّ.   و أمّا مسألة أنّ المرفوع هل هو ذات الموضوع أو العنوان الثانويّ؟  و الاستشكال على كلّ من التقديرين، فتارة نختار التقدير الأوّل  و ندفع الإشكال، و أخرى نختار التقدير الثاني و ندفع الإشكال،  فتتمّ الحكومة على عقد الوضع على كلا التقديرين.   أمّا التقدير

الأوّل: و هو رفع ذات الموضوع فالاستشكال فيه  بكونه خلاف ظهور كون العنوان الثانويّ جهة تقييديّة في  المرفوع مدفوع:   

أولا: بمنع هذا الظهور في نفسه، فإنّه إنّما يكون ظاهرا في كون  العنوان الثانويّ قيدا في الرفع و ليس ظاهرا في كونه قيدا في  المرفوع لا جهة تعليليّة فيه.   

و ثانيا: أنّه لو سلّم هذا الظهور، وجب رفع اليد عنه حتى على  تقدير حمل الحديث على الحكومة في مستوى عقد الحمل، فإنّ  المرفوع إنّما هو المحمول و الحكم الثابت على الموضوع، لا حكم  الاضطرار الّذي هو العنوان الثانويّ - أي أنّ المرفوع إنّما هو  حرمة الفعل في حال الاضطرار لا حكم الاضطرار - كما ذكر ذلك  جملة من المحقّقين، و سيأتي نقله عن   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة177/ الجزء الثالث

 

السيّد الأستاذ. إذن فهذا الظهور المدّعى في المقام لا يناسب  الحكومة على عقد الحمل أيضا، فلا مورد لجعله إشكالا على فرض  الحكومة على عقد الوضع.   و أمّا التقدير الثاني: و هو رفع العنوان الثانويّ، فلو حمل الحديث  على رفع العنوان الثانويّ لم يرد الإشكال عليه بأنّه يساوق رفع  الاضطرار لا رفع ذات الموضوع، و ذلك لأنّ رفع العنوان الثانويّ،  و هو شرب الخمر المضطر إليه مثلا، يكون بنحوين: برفع وجود  أصل الشرب، و برفع اضطراريّته، بان يكون الشرب موجودا لا  بنحو الاضطرار، و ظهور الحديث في كونه مسوقا مساق الامتنان  الّذي هو إحدى القرائن في الحديث على تقييده في كثير من  المجالات - كما سيأتي - إن شاء اللّه - يعيّن الأوّل، فتتمّ الحكومة  على مستوى عقد الوضع.   و بعد أن اتّضحت لك الاحتمالات الثلاثة في الحديث و هي التقدير،  و العناية في الرفع، و العناية في المرفوع، يقع الكلام في مقامين:  أحدهما تعيين ما هو الأظهر في الحديث، و الآخر بيان الثمرات  المترتّبة على هذه الاحتمالات، و أنّ الفرق بينها ليس مجرّد فرق  عنواني، بل يختلف الأمر باختلاف تلك الحالات.  

 أمّا المقام الأوّل:

و هو تعيين ما هو الأظهر من الاحتمالات الثلاثة،  فلنا فيه دعويان: الأولى تعيّن الاحتمالين الأخيرين في قبال  الاحتمال الأوّل، و الثانية تعيّن الاحتمال الثالث في قبال الثاني.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة178/ الجزء الثالث

 

أمّا الدعوى الأولى: و هي تعيّن الاحتمالين الأخيرين في قبال  الأوّل، فهي و إن كانت خلاف ما قد يتراءى في النّظر من كون  الاحتمالات الثلاثة في عرض واحد، إذ المفروض أنّه لا يمكن الأخذ  بالمقتضى الأوّلي للظهور في الحديث و لا بدّ من إعمال عناية، و لا  فرق بين فرض العناية في التقدير، أو في الرفع، أو في المرفوع،  فيقع التعارض بين أصالة عدم التقدير و أصالة الظهور في جانب  الرفع و أصالة الظهور في جانب المرفوع، لكنّها تظهر بالالتفات  إلى نكتة، و هي أنّ ظاهر حال الشارع عند تكلّمه بمثل هذا الكلام  هو أنّه يتكلّم متقمصا قميص المولويّة بوصفه صاحب الشريعة، و  بلحاظ هذه الحال ليست إرادة الرفع التشريعيّ، أو رفع الوجود  التشريعيّ خلاف ظاهر الكلام و إن كانت خلاف ظاهر الكلام  بقطع النّظر عن هذه الحال، لكون مقتضى الطبع الأوّلي لكلّ  مفهوم في مقام الاستعمال فناءه في الفرد الحقيقيّ لذلك المفهوم  دون الفرد العنائيّ، و هذا بخلاف الحذف و التقدير، فإنّه خلاف  ظاهر الحال، و إن فرض تقمّص المتكلّم بقميص المولويّة، فإنّ  المتكلّم في أيّ مجال، و بأيّ حال من الأحوال يكون ظاهر حاله أن  يذكر في مقام الإثبات كلّ ما يقصده في مقام الثبوت و لا يحذف  منه شيئا، فتجري أصالة عدم التقدير من دون معارضة بأصالة  الظهور في جانب الرفع، أو المرفوع.   و أمّا الدعوى الثانية: و هي تعيّن الرفع الحقيقيّ للوجود التشريعيّ  في قبال الرفع التشريعيّ للوجود الخارجيّ، فهي و إن   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة179/ الجزء الثالث

 

كانت خلاف ما قد يتراءى من أنّه بعد أن كانت العناية في الرفع و  العناية في المرفوع كلتاهما على طبق الطبع الثانويّ لكلام المولى  - كما عرفت - فلا موجب لتقديم إحداهما على الأخرى، فلو فرض  على أحد التقديرين وجود فائدة زائدة - كما سيأتي إن شاء اللّه -  وجب الاقتصار على القدر المتيقّن، و لكنّها تظهر بالالتفات إلى  نكتة، و هي أنّ الرفع التشريعيّ للوجود الخارجيّ للشي‏ء يتوقّف  على ثبوت وجود خارجيّ لذلك الشي‏ء، و العناوين المذكورة في  الحديث ليست جميعها من هذا القبيل، فإنّ واحدا منها و هو (ما لا  يطيقون) غير موجود بحسب الخارج، لفرض تركه بعدم الطاقة،  و كذلك النسيان إن جعل كناية عن المنسيّ - كما يفسّره  الأصوليون (قدّس سرّهم)، و يأتي الكلام فيه إن شاء اللّه - و بما  أنّ ظاهر الحديث كون الرفع في الجميع بنهج واحد، فلا بدّ من  حمل الحديث على رفع وجود تلك العناوين في عالم التشريع لا  رفع وجودها الخارجيّ.   و ليكن المراد من عالم التشريع هو عالم المسئوليّة المولويّة و  حساب المولى، لا عالم الجعل بالخصوص حتى لا يستشكل من  حيث إنّ بعض الأشياء ليس له وجود في عالم الجعل، فمثلا لو أنّ  إنسانا اضطرّ إلى ترك واجب فالمضطرّ إليه، و هو ترك الواجب  ليس موضوعا لحكم شرعيّ و لا متعلّقا لحكم شرعيّ - بناء على أنّ  الأمر بالشي‏ء لا يقتضي النهي عن ضدّه العام - فكيف يفرض في  المقام نفي موضوعيّته، أو متعلّقيته مع أنّ الفهم العرفيّ لا يفرّق في  مقام فهمه للحديث بين ترك   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة180/ الجزء الثالث

 

الواجب، و فعل الحرام؟ فيظهر أنّ العرف يفهم من رفع الشي‏ء  بحسب عالم التشريع رفعه في عالم المسئوليّة المولويّة، و عالم  حساب المولى بنحو ينطبق على فعل الحرام و ترك الواجب و إن  فرض أنّه بالتدقيق الأصولي يفترق فعل الحرام عن ترك الواجب،  بأنّ الأوّل وقع موضوعا لحكم شرعيّ و الثاني لم يقع موضوعا  لحكم شرعي.   و أمّا المقام الثاني: و هو بيان الثمرة العمليّة للاحتمالات، فيذكر  فيه أمران: أحدهما في الفرق من حيث الثمرة العمليّة بين الاحتمال  الأوّل و هو التقدير، و الآخرين، و هما العناية في الرفع، أو  المرفوع، و الثاني في الفرق من حيث الثمرة بين الاحتمال الثاني  و الثالث.   أمّا الأمر

الأوّل: فالفرق بينهما هو تماميّة الإطلاق على الأخيرين، و  عدم تماميّته على الأوّل. توضيح ذلك: أنّه بناء على الاحتمال الأوّل  و هو التقدير لا ندري ما هو المقدّر، و لا يتعيّن كون المقدّر مثلا  عنوان (جميع الآثار)، أو شيئا يثبت بالإطلاق إرادة جميع الآثار  منه، كعنوان (الأثر)، فإنّه ليست هناك مناسبات عرفيّة تعيّن ذلك،  كتعيّن الشرب بالمناسبات العرفيّة للتقدير في مثل (حرّمت عليكم  الخمر)، فمن المحتمل أن يكون المقدّر مثلا كلمة (المؤاخذة) و مع  تردّد المقدّر بين أمور عديدة يجب الاقتصار في الأثر على القدر  المتيقّن، و لا يمكن التمسّك بالإطلاق، فأنّ الإطلاق و مقدّمات  الحكمة، وظيفتها إنّما هي نفي القيد الزائد عن المفهوم المعيّن  الّذي أطلقه   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة181/ الجزء الثالث

 

المتكلّم، لا تعيين المفهوم، أو اللّفظ المردّد بين أمرين، فمثلا لو  تكلّم المولى بكلام و لم نسمعه هل قال: (أكرم العالم)، أو قال:   (أكرم الفقيه)، و المفروض أنّ العالم أعمّ من الفقيه لم يمكن تعيين  إرادة العالم بالإطلاق و مقدّمات الحكمة. و ما نحن فيه من هذا  القبيل، فإنّ المفروض أنّ في الكلام كلمة مقدّرة، و المقدّر  كالمذكور، و لا يمكن تعيين تلك الكلمة بالإطلاق و مقدّمات  الحكمة.   أمّا إذا أعملت العناية في المرفوع و أريد رفع الوجود التشريعيّ -  كما هو المختار - فمن الواضح أنّ مقتضى الإطلاق هو رفع تمام  الأحكام، فإنّ الفعل المضطرّ إليه مثلا، له وجودات تشريعيّة بعدد  الأحكام التي تترتّب عليه، فحينما ينصبّ الرفع على وجوده  التشريعيّ يكون مقتضى الإطلاق رفع تمام وجوداته التشريعيّة، و  معنى ذلك رفع تمام الأحكام المتعلّقة به.   نعم ما يكون رفعه غير موافق للامتنان يخرج عن الإطلاق بقرينة  الظهور الامتنانيّ للحديث - كما سوف يأتي إن شاء اللّه -.   و أمّا إذا أعملت العناية في الرفع، و كانت الحكومة في مستوى عقد  الوضع، فنقول: إنّ هناك بحثا في كلّيّة الحكومات التي تكون في  مستوى عقد الوضع - أشرنا إليه في مسألة قيام الأمارات مقام  القطع الطريقيّ، أو الموضوعيّ - و حاصله: أنّ قوله مثلا: (لا ربا  بين الوالد و ولده) و (الطواف بالبيت صلاة) و نحوهما هل هو  تنزيل، أو اعتبار؟ و الفرق بينهما أنّ التنزيل أمر إضافيّ فلا محالة  يجب أن يكون بلحاظ أثر يكون منزّلا   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة182/ الجزء الثالث

 

بالإضافة إليه، فالطواف منزّل منزلة الصلاة بالإضافة إلى أثر لها،  و الرّبا منزّل منزلة عدمه بالإضافة إلى عدم الحرمة. و أمّا الاعتبار  فهو عبارة عن أن يجعل الطواف مثلا صلاة على طريقة المجاز  السكّاكي، و هذا في هويّته لا يحتاالصفحةإلى أثر، فإنّ الاعتبار سهل  المئونة، إذ مرجعه إلى الفرض و الخيال، و يمكن فرض الطواف  صلاة و إن لم يكن للصلاة أثر أصلا، و ليس الاعتبار أمرا إضافيا لا  يتصوّر إلاّ بالإضافة إلى أثر بخلاف التنزيل الّذي لا يكمل في عالم  اللحاظ إلاّ بملاحظة أثر يكون التنزيل بلحاظه. و لعلّ أوّل من تنبّه  إلى الفرق بينهما هو المحقّق النائينيّ -قدّس سرّه- على ما سبقت  الإشارة إليه في بحث جعل الطريقيّة، حيث إنّ جعل الطريقيّة في  باب الأمارات تارة يتصوّر بنحو التنزيل، و أخرى بنحو الاعتبار.   و يعتقد صاحب مبنى الاعتبار أنّ دليل الحكم على موضوع يشمل  كلّ فرد من أفراد ذلك الموضوع حقيقية و اعتباريّة، فمجرّد أن  يعتبر المولى شيئا مّا ذلك الموضوع يصبح داخلا تحت إطلاق  ذلك الدليل، و يكون ذلك الاعتبار إيجادا لفرد لذلك الموضوع،  و كذلك اعتبار فرد من أفراد ذلك الموضوع معدوما إعدام لحصّة  من حصص موضوع ذلك الحكم، فلا يشمله ذلك الحكم. إذا عرفت  ذلك قلنا في المقام:   إنّنا إن فرضنا أنّ الحكومة كانت بنحو الاعتبار لا بنحو التنزيل -  و قد عرفت أنّه لا حاجة في عمليّة الاعتبار إلى ملاحظة الأثر - فمن  الواضح تماميّة الإطلاق، فمثلا مقتضى   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة183/ الجزء الثالث

 

الإطلاق إذا قال: (الطواف بالبيت صلاة) هو ثبوت تمام أحكام  الصلاة للطواف، و هذا - في الحقيقة - تمسّك بإطلاق أدلّة تلك  الأحكام، حيث يقال: إنّها تشمل بالإطلاق الفرد الحقيقيّ و  الاعتباريّ للصلاة معا، و هذا الإطلاق يتمسّك به بالنسبة لكلّ حكم  من أحكام الصلاة، فيثبت المطلوب من ترتّب تمام الأحكام. و الأمر  فيما نحن فيه يكون - في الحقيقة - على عكس التمسّك بالإطلاق -  أي أنّه إعدام للإطلاق لا إثبات للإطلاق - فالفعل المضطرّ إليه  يرفع عنه تمام أحكامه باعتبار أنّ هذا الفعل اعتبر معدوما،  فتنعدم بهذا الاعتبار حصّة من حصص موضوع جميع أدلّة أحكام  ذلك الفعل.   و أن فرضنا أنّ الحكومة كانت بنحو التنزيل فعندئذ قد يتوهم أنّ  هذا حاله حال التقدير، فإنّنا نحتاج في التنزيل إلى الأثر، و هو  أمره مردّد بين جميع الآثار و بعض الآثار، كما هو الحال في  التقدير، لكن الصحيح أنّ قياسه بالتقدير قياس مع الفارق، فإنّنا  في مورد التقدير نحتاج إلى المقدّر في نفس الكلام حذف إثباتا،  و هو موجود في عالم الثبوت، و هو - في الحقيقة - قرينة متّصلة  أمرها مردّد بين الأقل و الأكثر، و في مثل ذلك يتحقّق الإجمال  للكلام لا محالة [1]. و أمّا فيما نحن فيه فلا نحتاج إلى ملاحظة الأثر  في عالم مدلول الكلام، و إنّما نحتاج  

_____________________________________________

 

[1] نعم لو لم يكن هناك قدر متيقّن في مقام الخطاب فكان عدم  الإطلاق مساوقا للإهمال، فظهور حال المتكلّم في عدم كونه في  مقام الإهمال يثبت الإطلاق.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة184/ الجزء الثالث

 

إليها في عالم نفس عمليّة التنزيل. و الرفع التنزيليّ حقيقة يكون  متعلّقا بوجود نفس العناوين المذكورة في الحديث، و لمّا كانت  للرفع التنزيليّ لوجودها الخارجيّ حصص عديدة بعدد أحكام  تلك الموضوعات، إذ رفعها بلحاظ أيّ واحد من تلك الأحكام حصّة  من الرفع التنزيليّ، فالعرف يعتبر وجود تلك العناوين متعدّدا  بتعدد رفعه، أي أنّه بارتكاز تقابل الرفع و المرفوع يرى العرف  المرفوع متعدّدا إذا تصورت للرفع حصص عديدة، فكأنّ  للمرفوع حصصا عديدة بعدد حصص الرفع. فإذا شككنا في أنّ  الرفع في الحديث هل يشمل جميع حصص الرفع التنزيليّ، و  بالتالي شككنا في أنّ الرفع هل تعلّق بجميع حصص وجودات تلك  العناوين؟ كان مقتضى إطلاق رفع وجوداتها رفع جميع حصص  تلك الوجودات، فيثبت تحقّق جميع حصص الرفع، و لهذا لا يشكّ  أهل العرف في التمسّك بجميع إطلاقات أدلّة التنزيل ما لم يكن  هناك ظهور عرفيّ ناشئ من المناسبات الارتكازيّة يقتضي  صرف التنزيل إلى جهة مخصوصة [1].    

_____________________________________________

 

[1] إنّما التجأ رحمه اللّه إلى ذكر مئونة فرض تعدّد المرفوع  بتعدّد الرفع، لأنّ تعدّد الرفع لم يكن كافيا لإجراء الإطلاق لإثبات  إرادة كلّ حصصه، فإنّ الإطلاق الشموليّ يعني ثبوت المحمول  لجميع حصص الموضوع، و لا يعني ثبوت جميع حصص المحمول  للموضوع، فلو قال: (النار حارّة) دلّ الإطلاق على ثبوت الحرارة  لكلّ حصّة من حصص النار لا على ثبوت جميع حصص الحرارة  للنار، و توضيح ذلك موكول إلى محلّه. و الرفع فيما نحن فيه  محمول على المرفوع، فلو لا فرض تعدّد   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة185/ الجزء الثالث

 

 

_____________________________________________

 

..........  - المرفوع بتعدّد الرفع لا يتمّ القول بأنّ مقتضى الإطلاق ثبوت  جميع حصص الرفع التنزيليّ للمرفوع.   أقول: لا يخفى أنّنا لو سلّمنا بما أفاده رحمه اللّه في المقام من  فرض تعدّد المرفوع في منظار التنزيل بتعدّد الرفع فإنّما يؤدّي  هذا إلى تماميّة الإطلاق في مثل حديث الرفع ممّا تفترض دلالته  على الرفع التنزيليّ، و لا يؤدّي إلى تماميّة الإطلاق في جميع  التنزيلات من قبيل (الطواف بالبيت صلاة) فإنّه إن كان تعدّد  الرفع التنزيليّ موجبا لفرض تعدّد المرفوع بمنظار التنزيل  بنكتة أنّ تعدّد الرفع الحقيقيّ يوجب تعدّد ما يقابله من المرفوع،  فهذه النكتة غير موجودة في تنزيل شي‏ء منزلة شي‏ء آخر، و إنّما  تختصّ بالرفع، فلو كانت من الواضح عرفا تماميّة الإطلاق في  تمام موارد التنزيل حتى مع وجود قدر متيقّن في مقام الخطاب،  فلا بدّ من التماس نكتة أخرى لها.   و لا يبعد أن يقال: إنّ قاعدة (حذف المتعلّق يفيد العموم) صحيحة  رغم مناقشة أستاذنا رحمه اللّه فيها، بأنّ الإطلاق يدفع القيد الزائد  على المفهوم المحدّد في كلام المتكلّم، و لا يحدّد المفهوم في  دائرة واسعة عند تردّده بينها و بين دائرة ضيقة، و ذلك بدعوى  أنّ العرف يرى أنّ المتعلّق الخاصّ كأنّه قيد، و كأنّه عند العموم  ليس قيدا فيحذف. و يقال بمثل ذلك في باب التنزيل، فإذا قال:  (الطواف بالبيت صلاة) فالأثر الخاصّ لو كان منظورا في التنزيل  كان بمنزلة القيد، فعدم ذكره يكون عرفا بمنزلة الإطلاق.   و لو لم يتمّ هذا لم يكن لنا تخريج للإطلاق في موارد التنزيل إلاّ  إذا لم يكن في البين قدر متيقّن في مقام الخطاب، فكان عدم  الإطلاق مساوقا للإهمال و الدوران بين المتباينين. فعندئذ قد  يقال: إنّ نفس لزوم الإهمال و الدوران بين المتباينين نكتة لفهم  الإطلاق عرفا.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة186/ الجزء الثالث

 

و أمّا الأمر الثاني - فيتصوّر الفرق و الثمرة بين الرفع التشريعيّ  للوجود الحقيقيّ الّذي تكون الحكومة فيه حكومة في مستوى عقد  الوضع، و الرفع الحقيقيّ للوجود التشريعيّ الّذي تكون الحكومة  فيه حكومة في حكومة في مستوى عقد الحمل من ناحيتين:   الناحية الأولى: أنّه هل يختصّ الرفع بالأمور الوجوديّة، كما لو  اضطرّ المكلّف إلى شرب الخمر مثلا، فتنتفي منه الحرمة و وجوب  الحدّ، أو يشمل الأمور العدميّة أيضا، فلو حلف على إكرام فقير ثمّ  ترك إكرامه اضطرارا لا تجب عليه الكفّارة؟ و قد ذهب المحقّق  النائينيّ رحمه اللّه إلى أنّ حديث الرفع لا يشمل الأمر العدميّ، لأنّ  الرفع لا يناسب تعلّقه بالأمر العدميّ، فإنّ رفع الأمر العدميّ إنّما  هو وضع للوجود، فمرجعه - بحسب الحقيقة - إلى الوضع لا الرفع  و ارتكاز التقابل بين الرفع و الوضع - بحسب الفهم العرفيّ -  يقتضي عدم شمول الرفع للأمور العدميّة، لأنّ شموله لها يطعمه  معنى الوضع و هو خلاف ارتكاز  - و خلاصة الكلام في موارد حذف المتعلّق و موارد التنزيل: أنّه لو  لم يكن قدر متيقّن في مقام الخطاب تمّ الإطلاق حتى على مبنى  أستاذنا رحمه اللّه، و لو كان قدر متيقّن في مقام الخطاب، فإن لم  تكن هناك مناسبة عرفيّة تشير إلى تقديره، أو إلى كونه أثرا كان  التنزيل بلحاظه تمّ الإطلاق - بناء على البيان الّذي أشرنا إليه -، و  لم يتمّ - بناء على مبنى أستاذنا رحمه اللّه - و إن كانت هناك  مناسبة عرفيّة تشير إلى ذلك، فإن كانت المناسبة تنفي غير ذلك  فلا كلام في عدم الإطلاق، و إلاّ فالظاهر أيضا عدم الإطلاق حتى  بناء على البيان الّذي أشرنا إليه، لأنّ تلك المناسبة تجعل ذاك  المحذوف، أو الأثر بمنزلة المذكور، و لا يبقى دليل على إرادة  غيره.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة187/ الجزء الثالث

 

كما لو اضطرّ المكلّف إلى شرب الخمر مثلا، فتنتفي منه الحرمة  التقابل بينهما»«.   أقول: إن بنينا على ما هو المختار من كون الرفع رفعا حقيقيّا  للوجود التشريعيّ لتلك العناوين فلا مجال لشبهة اختصاص  الحديث بالأمور الوجوديّة، إذ كما أنّ الأمر الوجوديّ إذا صار  موضوعا لحكم كان له وجود بحسب عالم التشريع، كذلك الأمر  العدميّ إذا صار موضوعا لحكم كان له وجود بحسب عالم  التشريع، كذلك الأمر العدميّ إذا صار موضوعا لحكم كان له  وجود بحسب عالم التشريع، فلا مانع من تعلّق الرفع به، فيشمل  حديث الرفع بإطلاقه الوجوديات و العدميّات معا و هو المناسب  لارتكاز العرف، فلا ينبغي الإشكال في أنّ العرف لا يخطر بباله  من هذا الحديث الفرق بين الأمر العدميّ و الأمر الوجوديّ، و لا  نحتمل أنّ أصحاب الرسول صلى اللّه عليه و آله و سلّم حينما  سمعوا هذا الحديث خطر ببالهم الرفع بلحاظ مثل شرب الخمر  المضطرّ إليه دون ترك الواجب المضطرّ إليه.   و أمّا إذا بنينا على أنّ الرفع رفع تشريعيّ للوجود الحقيقيّ،  فعندئذ يوجد مجال لما أفاده المحقّق النائينيّ رحمه اللّه من  التفصيل بدعوى أنّ رفع العدم مساوق لوضع الوجود، فشمول  الإطلاق له خلاف ارتكاز التقابل بين الرفع و الوضع.   و هذا أيضا لا يتمّ على الإطلاق، فإنّ الرفع التشريعيّ تارة نختار  تعلّقه بالعنوان الأوّلي - أي بذات ما اضطرّوا إليه - و عنوان   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة188/ الجزء الثالث

 

الاضطرار مشير إلى الذات، و أخرى نختار تعلّقه بالعنوان الثانويّ  - أي بالمضطرّ إليه بما هو مضطرّ إليه -.   فعلى الثاني لا تأتي الشبهة أيضا في المقام لأنّ (ما اضطرّوا إليه)،  و إن كان مصداقه هو الأمر العدميّ لكن نفس هذا العنوان عنوان  ثبوتيّ و ليس عنوانا عدميّا، إذ لم يستبطن أداة من أدوات النفي و  لا مفهوما عدميّا، لا بنحو المفهوم الاسميّ (كمفهوم العدم)، و لا  بنحو المفهوم الحرفيّ (كمفهوم لا)، فهو مفهوم ثبوتيّ و عنوان  ثبوتيّ فلا عناية في نسبة الرفع إليه، و إن كان منطبقا على أمر  عدميّ، فمثلا لو ورد شخص على شخص فلم يقم له، فعدم القيام  أمر عدميّ لكن قد ينتزع منه عنوان الإهانة و هو عنوان ثبوتيّ  منطبق على أمر عدميّ، و يصحّ إسناد الرفع إليه بأن يقال: (رفعت  عنك الإهانة) من دون أيّ مئونة أو عناية.   نعم على الأوّل و هو تعلّق الرفع بذات المضطرّ إليه قد يقال  بالتفصيل بالتقريب الّذي ذهب إليه المحقّق النائينيّ -قدّس سرّه-  [1].   و بهذا البيان كما ظهرت حال هذه الثمرة التي يمكن ادّعاؤها في  المقام كذلك ظهر أنّ ما اختاره المحقّق النائينيّ رحمه اللّه في  المقام إنّما يناسب فرض الإيمان في فهم معنى الحديث  

 

_____________________________________________

 

[1] و إن كان فيه إشكال أيضا لعدم وضوح الانصراف العرفيّ  للرفع عن رفع العدم لمجرّد كونه مساوقا للوضع المقابل للرفع.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة189/ الجزء الثالث

 

بالرفع التشريعيّ للوجود الحقيقيّ، فلو كان مبناه هو العكس أي  الرفع الحقيقيّ للوجود التشريعيّ - فالذي اختاره هنا لا يناسب  مبناه.   الناحية الثانية: أنّ الحديث هل يفيد نفي آثار متعلّق الاضطرار مثلا  فحسب، أو يثبت أحكام نقيضه أيضا، فمثلا لو فرض أنّ موضوع  جواز الائتمام هو العادل الّذي لم يشرب الخمر، فوجدنا عادلا  شرب الخمر اضطرارا، فهل يثبت بحديث الرفع جواز الائتمام به  الّذي هو أثر عدم شرب الخمر، أو لا يثبت به عدا نفي الحرمة و  الحدّ، و لا يجوز الائتمام به لأنّه لا يصدق عليه أنّه لم يشرب الخمر؟  إن بنينا على أنّ الرفع رفع تشريعيّ للوجود الخارجيّ ثبت ترتّب  أثر عدم المضطرّ إليه أيضا، إذ المفروض أنّه نزّل وجوده منزلة  عدمه في الأثر، أو أنّه اعتبر هذا الموجود معدوما و مرتفعا. أمّا إذا  بنينا على أنّه رفع حقيقيّ للوجود التشريعيّ فلا يقتضي ذلك إلاّ  رفع آثار وجود المضطرّ إليه و أحكامه، إذ بوجود أحكامه يكون  للمضطرّ إليه وجود تشريعيّ و المفروض رفعه. و أمّا ثبوت أثر  نقيضه - أي أثر عدم المضطرّ إليه - و هو جواز الائتمام مثلا، فلا  يدلّ عليه الحديث. و لمّا كان المختار هو الثاني - أعني كون الرفع  رفعا حقيقيّا للوجود التشريعيّ - فنحن نبني على أنّ حديث الرفع  ينفي أحكام ما وقع تحت الاضطرار و لا يثبت أحكام نقيضه.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة190/ الجزء الثالث

 

و هذا البحث يترتّب عليه أثر مهمّ في باب العبادات فيما إذا اضطرّ  إلى ترك جزء مثلا، فلو بنينا على المبنى الأوّل و هو تنزيل  المضطرّ إليه منزلة نقيضه، أو اعتباره معدوما و مرتفعا صحّ  الإتيان بالباقي، فإنّ ترك الجزء الّذي تركه اضطرارا و هو  الفاتحة مثلا منزّل منزلة الإتيان به مثلا - بناء على شمول الحديث  للأعدام كما يشمل الوجودات - فهذه صلاة واجدة للفاتحة تنزيلا،  أو اعتبارا، فقد تحقّقت بالحكومة توسعة لدائرة الواجب في  (أقيموا الصلاة)، فتصحّ الصلاة على القاعدة بموجب حديث الرفع  بلا حاجة إلى التمسّك بدليل خاصّ. و إن بنينا على المبنى الثاني -  و هو المختار - من الرفع الحقيقيّ للوجود التشريعيّ، فغاية ما  يدلّ عليه الحديث عدم وجوب الصلاة مع الفاتحة، و عدم حرمة  ترك ذلك لكونه مضطرّا إليه.   أمّا وجوب باقي الأجزاء فلا يدلّ عليه.   لا يقال: أنّ الفاتحة قد رفع وجوبها الضمنيّ و جزئيّتها و مبطلّية  تركها بالاضطرار إلى الترك، فيصحّ الباقي.   لأنّا نقول: إنّ الوجوب الضمنيّ لا يرتفع إلاّ بارتفاع وجوب أصل  الواجب الّذي هو في ضمنه، فالحديث يدلّ على عدم وجوب الصلاة  مع الفاتحة. أمّا وجوبها بلا فاتحة فلا يدلّ عليه، و جزئيّة الفاتحة  تنتزع من وجوبها ضمن وجوب الكلّ، و كذلك مبطليّة تركها.   إن قلت: إنّ لترك الفاتحة وجودا في عالم المبطليّة،   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة191/ الجزء الثالث

 

و لشرب الإمام الخمر في المثال السابق وجودا في عالم مبطليّته  لصلاة المأموم. و هذا يمكن رفعه حقيقة و لو بتغيير في منشأ  انتزاع المبطليّة. و هذا يشبه ما مضى من دعوى شمول الحديث  لترك الواجب و إن قلنا إنّ الأمر بالشي‏ء لا يقتضي النهي عن ضده  العامّ مع أنّ ترك الواجب - في الحقيقة - ليس موضوعا لحكم  شرعيّ، لكنّه بوجه من الوجوه داخل في حساب المولى.   قلت: بعد أن فرض أنّ الرفع حقيقيّ، و أنّه ليس رفعا للوجودات  الخارجيّة للعناوين المذكورة في الحديث، و إنّما هو رفع حقيقيّ  لشي‏ء قابل للرفع الحقيقيّ، فظاهر حال المتكلّم بوصفه مشرّعا  كون مقصوده رفع وجود تلك الأشياء في عالم تشريعه للأحكام.  و المبطليّة و نحوها ليست من عالم تشريعه، و إنّما هي منتزعة  عن أحكامه و تشريعاته. نعم تعدّينا إلى ترك الواجب من باب أنّ  العرف يرى وجوب الشي‏ء مساوقا لحرمة تركه، و كأنّهما شي‏ء  واحد، و لا نتعدّى إلى ما هو أبعد من ذلك عن عالم التشريع من  قبيل المبطليّة. و مقتضى الجمود على مفاد الحديث حرفيا هو عدم  التعدّي حتى إلى ترك الواجب، و إنّما تعدّينا إليه في طول القطع  بأن العرف لا يفرّق في فهم الحديث بين فعل الحرام و ترك  الواجب، و لم نكن استفدنا عدم الفرق و شمول الحديث لترك  الواجب بسبب قولنا بالتعدّي. و أمّا في مثل موضوع المبطليّة فعدم  تفرقة العرف في مفاد الحديث بينه و بين موضوعات أحكام  الشارع و تشريعاته غير مسلّم.   و قد تحصّل ممّا ذكرناه: أنّ الحديث - بناء على المبنى   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة192/ الجزء الثالث

 

المختار - لا يدلّ على صحّة الصلاة و غيرها من الواجبات مع ترك  بعض الأجزاء اضطرارا.  

 

 دلالة الرفع على ثبوت الملاك:  

 الجهة الثانية: أنّه هل يستفاد من حديث الرفع ثبوت ملاكات  الأحكام المرفوعة و مقتضياتها في حالات الاضطرار و الإكراه و  نحو ذلك أو لا؟ و استفادة ذلك تؤثّر أثرا فقهيّا في تصحيح العمل  المأتيّ به في هذه الحالات، فلو أكره المكلّف مثلا على ترك  الوضوء، فتحمل مشقّة الإكراه و توضّأ و لم يكن الإكراه بدرجة  يحرم الاقتحام حتى يبطل الوضوء من باب النهي في العبادة، صحّ  وضوؤه بنكتة اشتماله على الملاك بناء على استظهار ذلك من  حديث الرفع، و إلاّ فغاية ما يتحصّل للفقيه من هذا الحديث عدم  وجوب الوضوء على هذا المكره، و بعد انتفاء الوجوب لا يبقى  دليل على أصل وجود الملاك حتى يحكم بصحّة وضوئه في هذه  الحال. و ما يمكن أن يحاول إثبات هذه النكتة به من الحديث أحد  تقريبين:  

 التقريب الأوّل: أنّ ظاهر الحديث - كما أشرنا إليه سابقا و يأتي  تفصيله إن شاء اللّه - هو كونه مسوقا مساق الامتنان، و الحكم  الّذي ليس له مقتض في نفسه ليس رفعه امتنانا، و إنّما الامتنان في  رفع الحكم يكون عند فرض وجود المقتضي للحكم.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة193/ الجزء الثالث

 

أقول: إنّ هذا التقريب إنّما يتمّ بالنسبة للموالي العرفيّين الذين  يلاحظون في أوامرهم على عبيدهم مصالح أنفسهم لا مصالح  العبيد، فيصحّ للمولى أن يمتنّ على عبده برفع اليد عن تلك  المصلحة و ينتفي هذا الامتنان في فرض عدم الملاك و انتفاء  المصلحة في ذاتها. و أمّا بالنسبة للمولى الحقيقيّ (تعالى شأنه) فلا  يتصوّر أن يمنّ على العباد برفع حكم عنه بعنوان أنّه رفع اليد عن  تحقيق مقتضي الحكم و تحصيل مصلحته، فإنّ مصلحته راجعة إلى  العباد أنفسهم لا إلى المولى.   و إنّما الامتنان المعقول في حقه في هذا الرفع هو أن يمنّ عليهم  برفع الحكم عنهم بعنوان أنّ هذا الرفع كان في صالحهم فحقّق لهم  مصلحتهم بهذا الرفع سواء فرض أنّه كانت في الحكم مصلحة و  كان الرفع مفوّتا لها لكنّه كانت مصلحة الرفع أقوى من المصلحة  الفائتة، أو أنّه لم تكن في الحكم مصلحة أصلا، و كانت المصلحة في  الرفع فحسب، و لا معنى لصحّة الامتنان في خصوص فرض مفوّتيّة  الرفع لمصلحة أدنى دون فرض عدم مفوّتيّة لها.   التقريب الثاني: أنّ الشارع قد بيّن النفي في هذا الحديث بلسان  الرفع، و هذا اللّفظ إنّما يستعمل حقيقة في النفي بعد الوجود، فإنّ  الرفع نفي و إعدام للموجود، لا نفي للوجود من أوّل الأمر. و من  المعلوم أنّ الحكم في الحصّة التي تكون موردا لهذه العناوين،  كالاضطرار و الإكراه منفيّ من أوّل الأمر، لا أنّه يحرم أوّلا إتيان  ما اضطرّوا إليه، أو، أكرهوا عليه ثمّ ترفع الحرمة.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة194/ الجزء الثالث

 

و يحتاج استعمال لفظ الرفع في مثال هذا المورد إلى علاقة  مصحّحة، و هي في هذا المقام عبارة عن الوجود الاقتضائيّ و  الملاكيّ للحكم، فكأنّه رفع للشي‏ء الموجود و إن لم يصدق الرفع  حقيقة لعدم وجوده.   و تحقيق الحال في هذا المقام أن يقال: إنّه إن بنينا على المبنى غير  المرضيّ عندنا من أنّ الرفع رفع تشريعيّ للوجود الخارجيّ، أمكن  أن تكون العلاقة الملحوظة المصحّحة لاستعمال كلمة (الرفع) نفس  الوجود الخارجيّ لتلك الأشياء و هذا و إن لم يكن خاليا من  العناية، لأنّ الرفع الحقيقيّ نفي بعد الوجود - أي نفي في الآن  الثاني - و هذا نفي ثابت في الآن الأوّل، لكنّ هذه العلاقة كافية  لتصحيح استعمال الرفع في المقام بلا حاجة إلى مسألة الملاك و  المقتضي.   و أمّا إذا بنينا على المبنى المرضيّ عندنا من أنّ الرفع رفع حقيقيّ  للوجود التشريعيّ، فالوجود الخارجيّ ليس مصحّحا للرفع، إذ  ليس رفعا له - حسب الفرض -، فلا بدّ من تصوير وجود آخر  لتصحيح كلمة (الرفع) و ذلك يتصوّر بوجوه ثلاثة:   

الأوّل: أن يفرض أنّ هذه العناوين كان الحكم فيها ثابتا في أوّل  الشريعة، فكان يجب ترك المحرّم المكره عليه، أو المضطرّ إليه و  نحو ذلك، ثمّ رفع ذلك و نسخ بحديث الرفع.   الثاني: أن يفرض أنّ الحكم فيها كان ثابتا في الشرائع السابقة،  فرفع و نسخ في هذه الشريعة، و يصحّ إطلاق كلمة   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة195/ الجزء الثالث

 

)الرفع) عن هذه الشريعة، لأنّ الحكم المشرّع في أيّة شريعة لا  يشرّع بنحو مقيّد و ذي أمد من أوّل الأمر، بل يشرّع بنحو الإطلاق  ثمّ ينسخ، فحاله حال حكم جعل في نفس هذه الشريعة ثمّ نسخ.   الثالث: أن يفرض للحكم وجود اقتضائيّ و ملاكيّ كما هو  المقصود.  

 أمّا الوجه الأوّل: فهو قطعيّ البطلان، إذ لا نحتمل ثبوت هذه  الأحكام في الشريعة يوما مّا.   و أمّا الوجه الثاني: فلو احتملنا عقلائيّا ثبوت تكاليف شاقّة في  غاية الضيق في الأمم السابقة - كما يحتمله بعض و كما يظهر من  بعض الروايات في كتاب الطهارة»« - أصبح الحديث مجملا مردّدا  أمره بين الوجه الثاني و الثالث. لكن الإنصاف أنّه لا ينبغي أن  يكون من المحتمل احتمالا عقلائيا ثبوت تكاليف في الأمم السابقة  من هذا القبيل، كالتكليف بما لا يطيقون، و ما اضطرّوا إلى خلافه،  أو أكرهوا على ذلك، فيتعيّن بذلك الوجه الثالث، و نستظهر من  الحديث الوجود الاقتضائيّ و الملاكيّ لتلك الأحكام، و ترتّب على  ذلك ما يناسبه من الآثار و الثمرات في الفقه [1].    

_____________________________________________

 

[1] لا يخفى أنّنا لو شككنا في مورد مّا، كالوضوء مثلا بعد طروّ  بعض هذه   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة196/ الجزء الثالث

 

إن قلت: لعلّه أطلق الرفع باعتبار وجود تلك الأشياء قبل طروّ  تلك العناوين، فمثلا الوضوء يرفع في الوقت الّذي لا يطاق، و  استعمال كلمة (الرفع) يكون بمناسبة ثبوت الوضوء قبل طروّ  عدم الطاقة.   قلت: لم يلحظ في الحديث المكلّف و ثبوت حالين له كما  - العناوين في أنّه هل الملاك موجود فيصحّ العمل لو تحمّل المكلّف  الحرج أو لا؟ فإنّما يمكن إثبات الملاك بالتمسّك بإطلاق حديث  الرفع لو قلنا: إنّ موضوع الحكم في حديث الرفع هو مطلق ما  أكرهوا عليه مثلا، أو ما اضطرّوا إليه، أو ما لا يطيقون، فيقال إنّ  التعبير بالرفع دلّ على ثبوت الملاك في مطلق تلك الموارد. أمّا لو  قلنا: إنّ التعبير بالرفع دلّ على اختصاص الحديث بفرض ثبوت  الملاك، فالتمسّك بإطلاق الحديث لإثبات الملاك تمسّك بالعامّ في  الشبهة المصداقيّة للعامّ، و التردّد بين الاحتمالين كاف في عدم  جواز التمسّك بالإطلاق. إذن فالتمسّك بالإطلاق يتوقّف على  تعيين الاحتمال الأوّل.   نعم هناك طريق لتصحيح مثل الوضوء الحرجي رغم التردد بين  الاحتمالين، و هو ان احتمال ثبوت الملاك يساوق احتمال التخيير  بين الوضوء و التيمم، و احتمال عدمه يساوق احتمال تعين التيمم -  و سيأتي في محله - إنّ الأصل لدى دوران الأمر بين التعيين و  التخيير هو البراءة عن التعيين.   نعم لو كان دليل البدل الاضطراري ظاهرا في التعين لم يجز  الاكتفاء بالأصل الضرري كما هو الحال في الصوم على ما يبدو  من ظاهر قوله تعالى: فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة  من أيّام أُخر»« و قوله تعالى: و من كان مريضاً أو على سفر فعدة  من أيّام أُخر»«   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة197/ الجزء الثالث

 

فعل ذلك في دليل الاستصحاب، و إنّما لو حظ فيه عالم التشريع. و  من المعلوم أنّ الوضوء في حال الطاقة و الوضوء في غير حال  الطاقة يكونان بحسب عالم التشريع حصّتين في عرض واحد [1]،  و وجود أحدهما لا يصحّح إطلاق الرفع على نفى الآخر، و إنّما  الرفع يطلق على نفي ما كان بنفسه موجودا، لا على نفي ما كان  أمر آخر في عرضه موجودا.  

 

 الآثار المقيّدة بالعنوان المرفوع:   

الجهة الثالثة: أنّ الآثار المقصود رفعها تارة يفرض ترتّبها على  العناوين الأوّليّة بقطع النّظر عن العناوين الثانويّة المأخوذة في  حديث الرفع وجودا و عدما، و أخرى يفترض تقيّدها بعدم تلك  العناوين، و ثالثة يفرض تقيّدها بتلك العناوين.   و القسم الأوّل هو القدر المتيقّن رفعه من الحديث بلا إشكال.  

 و القسم الثاني لا إشكال في عدم شمول الحديث له، إذ بطروّ تلك  العناوين ينتفي موضوع تلك الأحكام في نفسه بقطع النّظر عن  حديث الرفع..  

 

_____________________________________________

 

[1] و قد يكون عدم الطاقة بالنسبة لمكلّف مّا ثابتا من أوّل الأمر،  و هو مشمول لهذا الحديث. و هذا شاهد على أنّ الحديث لم يلحظ  حالة عدم الطاقة كحالة ثانية للمكلّف - كما لاحظ دليل  الاستصحاب حالة الشكّ كحالة ثانية له - كي يكون الرفع بلحاظ  وجود الحكم في الحالة الأولى، و هي حالة وجود الطاقة.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة198/ الجزء الثالث

 

و يقع الكلام في القسم الثالث هل يشمله حديث الرفع أو لا؟ فمثلا  لو وقع نسيان في الصلاة فهل يدلّ حديث الرفع على أنّ هذا  النسيان لا يوجب سجدتي السهو، فإن ورد دليل على وجوب  سجدتي السهو في هذه الحالة كان معارضا لحديث الرفع و يتقدّم  عليه بالأخصّيّة، و إن لم يرد على ذلك و شككنا في وجوب  سجدتي السهو عليه كان إطلاق دليل رفع النسيان دليلا على عدم  الوجوب بلا حاجة إلى الأصل، أو أنّ حديث الرفع لا يدلّ على مثل  ذلك، فلو ورد دليل على وجوب سجدتي السهو في هذه الحالة قلنا  بالوجوب، لا لأجل تخصيص حديث الرفع بهذا الدليل، بلا للأخذ  بدليل غير مبتلى بالمعارض و لو بنحو العموم. و لو لم يرد دليل  على وجوبهما و شككنا في وجوبهما واقعا احتجنا في نفي  الوجوب إلى الأصل.   المشهور بين المحقّقين هو أنّ حديث الرفع لا يشمل حكما يفرض  تقيّده بنفس هذه العناوين. و ذكر المحقّق الخراسانيّ و المحقّق  العراقي (قدّس سرّهما) - و وافقهما السيّد الأستاذ - في وجه  ذلك: ما يكون بعد التوجيه متألّفا من أمرين:  

 الأمر الأوّل: ما ظهر فيما سبق من أنّ حديث الرفع يدلّ بنفسه على  ثبوت المقتضي للحكم تصحيحا لاستعمال كلمة الرفع.  

 الأمر الثاني: أنّ ظاهر حديث الرفع كون هذه العناوين بنفسها  سببا للرفع، لا ملازمة لشي‏ء آخر هو السبب للرفع.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة199/ الجزء الثالث

 

إذا عرفت هذين الأمرين قلنا: إن فرض الحكم مترتّبا على عنوان  أوّلي لا على هذه العناوين، فلا إشكال في شمول حديث الرفع له،  و يكون كلا الأمرين ثابتا في المقام، فذاك العنوان الأوّليّ مقتض  للحكم، و العنوان الثانوي كالنسيان مثلا رافع له. و أمّا إن فرض  الحكم مترتّبا على نفس هذه العناوين الثانويّة فلا يمكن شمول  حديث الرفع له، إذ يلزم من ذلك كون المقتضي للحكم نفس ذلك  العنوان، و الرافع له أيضا نفس ذلك العنوان، و يستحيل اتّحاد  المقتضي و الرافع و كون شي‏ء واحد مقتضيا للنقيضين. نعم لو  أنكرنا الأمر الثاني و فرضنا الرافع شيئا آخر ملازما لهذا العنوان  ارتفع هذا الإشكال لعدم اتّحاد المقتضي و الرافع، كما أنّنا لو  أنكرنا الأمر الأوّل ارتفع الإشكال أيضا، فإنّ حديث الرفع بإطلاقه  يدلّ عندئذ على عدم وجوب سجدتي السهو مثلا للنسيان و لو من  باب عدم المقتضي له، إذ المفروض أنّ نفس حديث الرفع لا  يفرض وجود المقتضي، فدليل وجوب سجدتي السهو يصبح  معارضا لحديث الرفع و مقدّما عليه بملاك الأخصّيّة.   هذا توضيح ما يستفاد من كلام الأعلام (قدّس سرّهم) بعد توجيهه.   و إنّما نقول: بعد توجيهه لأنّ ظاهر كلامهم هو المفروغيّة عن  اقتضاء هذه العناوين للحكم لكونه هو مفروض الكلام، لأنّنا نتكلّم  في أنّ حديث الرفع هل يشمل آثار نفس هذه العناوين أو لا؟ فلم  يحتاجوا إلى الأمر الأوّل من الأمرين اللذين قدّمناهما من   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة200/ الجزء الثالث

 

استفادة ثبوت الاقتضاء من نفس حديث الرفع.   لكنّك ترى أنّ هذا الكلام لا يرجع إلى محصّل، فإنّنا لو غضضنا  النّظر عن دلالة نفس حديث الرفع على ثبوت الاقتضاء، أصبح دليل  وجوب سجدتي السهو مثلا معارضا لحديث الرفع و مقدّما عليه  بالأخصّيّة، فإنّه و أن دلّ على اقتضاء النسيان لوجوب سجدتي  السهو و تحقّق الوجوب بسبب هذا المقتضي، لكن حديث الرفع  يدلّ على انتفاء الوجوب و لو بانتفاء الاقتضاء، فلم يتحقّق ما هو  مقصودهم من خروج مثل هذا الفرض عن مورد حديث الرفع  تخصّصا لا تخصيصا.   و بكلمة أخرى: أنّ مجرّد فرضنا لاقتضاء هذه العناوين للحكم لا  يمنع عن دلالة حديث الرفع على نفي الحكم و لو بعدم المقتضي،  غاية الأمر أنّ هذا الاقتضاء المفروض و فعليّة تأثيره لو دلّ عليهما  دليل كان ذاك الدليل مخصّصا لإطلاق حديث الرفع.   و توجيه كلامهم هو ما ذكرناه من استفادة ثبوت الاقتضاء من  نفس الحديث، فيلزم من شمول الحديث لأحكام نفس هذه  العناوين اتّحاد المقتضي و الرافع.   و بكلمة أخرى: أنّه إذا كان مفاد الحديث هو الرفع على تقدير  ثبوت الاقتضاء، فمفاده حتما هو الرفع على تقدير ثبوت الاقتضاء  في عنوان آخر غير نفس هذه العناوين، لعدم إمكان رافعيّة هذه  العناوين ما تقتضيه نفسها، ففرض اقتضاء نفس هذه   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة201/ الجزء الثالث

 

العناوين لحكم مّا يعني فرض خروالصفحةذلك عن مورد الحديث  تخصّصا. و هذا بخلاف ما إذا كان مفاد الحديث مجرّد النفي  المنسجم مع عدم المقتضي. فعندئذ ليس فرض اقتضاء نفس هذه  العناوين لحكم مّا مساوقا لفرض خروج ذلك عن مورد الحديث  تخصّصا، و غاية ما هناك فرض خروجه عنه تخصيصا.   

و التحقيق: أنّ هذا الكلام بعد هذا التوجيه أيضا غير تامّ، فإنّ  اقتضاء هذه العناوين كالنسيان للحكم ليس من قبيل اقتضاء  المقتضي الفاعليّ التكوينيّ لشي‏ء، و إنّما معنى اقتضائها للحكم  إيجابها لاتصاف الشخص أو الفعل بخصوصيّة توجب كون  سجدتي السهو مثلا صلاحا للعبد و كمالا له، فالسهو مثلا يوجب  منقصة في العبد يكون جبره بسجدتي السهو، أو يوجب اتّصاف  هذا الفعل بخصوصيّة يصبح بها كمالا للعبد فيجب.   و أيّ مانع من افتراض شي‏ء واحد كالنسيان مثلا مقتضيا لدخول  خصوصيّتين في الفعل مثلا غير متنافيتين في أنفسهما، و يكون  بلحاظ إحدى الخصوصيّتين إيجاب الفعل صلاحا للعبد، و بلحاظ  الأخرى فسادا بالنسبة له، و يفرض أنّه بعد الكسر و الانكسار  تغلّب جانب الفساد، فرفع الشارع الإيجاب مع وجود المقتضي له  من دون أن يلزم تأثير شي‏ء واحد في أمرين متنافيين.   و الّذي ينبغي أن يقال في مقام إثبات عدم شمول الرفع لآثار  نفس هذه العناوين هو أنّ ما اضطرّوا إليه مثلا و نحوه إمّا أن  يفرض أخذه في الحديث بنحو المعرفيّة إلى ذلك الفعل، أو   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة202/ الجزء الثالث

 

يفرض أخذه بنحو الموضوعيّة، و يستحيل الجمع بين اللّحاظين.  فإنّ فرض لحاظ المعرفيّة هو فرض ملاحظة الذات بما هي، و  فرض الموضوعيّة هو فرض ملاحظة الذات المقيّدة، و الذات  الواحدة لا يمكن أن تلحظ مطلقة و مقيّدة في استعمال واحد و  بإنشاء واحد. فإن فرض أخذه بنحو المعرفيّة اختصّ الرفع برفع  آثار ذات الشي‏ء بعنوانه الأوّلي دون آثار هذه العناوين الثانويّة،  و كون الذات دخيلا بنحو جزء الموضوع في أثر العناوين الثانويّة  و إن كان يصحّح عقلا فرض كون رفعه بلحاظ هذا الأثر أيضا،  لكنّه لا يبرّر فهم ذلك من الحديث عرفا.   و إن فرض أخذه بنحو الموضوعيّة اختصّ الرفع بخصوص آثار  نفس هذه العناوين الثانويّة، فيتحصّل أنّه لا يصحّ الجمع بين كلا  قسمي الأثر في الرفع. و بما أنّه لا إشكال - بحسب الفهم العرفي -  في شمول الحديث للقسم الأوّل من الأثر في مثال رفع ما اضطرّوا  إليه، فلا نشكّ في أنّ الصحابة حينما سمعوا هذا الحديث فهموا منه  أنّ من يضطرّ إلى شرب الخمر ترتفع حرمة شرب الخمر عنه مثلا،  و لا نحتمل فهم العرف لرفع خصوص القسم الثاني من الأثر في  قبال القسم الأوّل. إذن نستنتج أنّ هذا الحديث لا يشمل القسم  الثاني من الأثر [1].   هذا مضافا إلى بعض الروايات التي استشهد فيها  

 

_____________________________________________

 

[1] هذا بيان إنّيّ لإثبات المقصود، و سيأتي - إن شاء اللّه - بيانه  اللمّي في آخر الجهة الخامسة.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة203/ الجزء الثالث

 

الإمام عليه السلام بحديث الرفع، فإنّه عليه السلام طبّق حديث  الرفع على ما كان من قبيل القسم الأوّل، فطبّقه على ما إذا حلف  بالطلاق و نحو ذلك مكرها»«. و من الواضح أنّ الأحكام التي  رفعها الإمام عليه السلام بتطبيق حديث الرفع في مثل الطلاق و  العتاق ليست مترتّبة على عنوان الإكراه، فإذا ثبت بذلك شمول  الرفع للقسم الأوّل من الأثر ثبت عدم شموله للقسم الثاني، لما  عرفت من عدم صحّة الجمع بينهما.  

 

 اختصاص الحديث بما في رفعه التخفيف:   

الجهة الرابعة: أنّ ظاهر الحديث اختصاص ما دلّ عليه من الرفع  بخصوص الأحكام التي يكون في رفعها تخفيف على العباد، و  القرينة على ذلك أمران:   

الأوّل: تعدية الرفع ب (عن)، فالرفع عن شخص إنّما هو بمعنى إزالة  الأمر الثقيل عنه.   و الثاني: سوق الحديث مساق الامتنان و التحبّب من قبل سيّد  الأنبياء صلى اللّه عليه و آله و سلّم حيث إنّه أضاف الرفع إلى أمّة  أضافها إلى نفسه. و هذا اللّسان لسان مشعر بالتحبّب و التمنّن  عليهم. و هذا قرينة على أنّ الرفع سنخ رفع يتودّد به إلى الأمّة،   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة204/ الجزء الثالث

 

و يتحبّب إليهم، و هذا معنى قولهم: (إنّه مسوق مساق الامتنان)  فيختصّ بخصوص ما إذا كان في نفع الأمّة و رفعا لأمر ثقيل عنهم.   و هاتان القرينتان و إن كانتا مشتركتين في إثبات المدّعى، و  لكنّهما بالدقّة تختلفان في بعض الخصوصيّات، و ذلك لأنّ القرينة  الأولى لا تكون قرينة على أزيد من اشتراط التخفيف بالنسبة  للشخص المرفوع عنه، حيث إنّ الرفع في قوله: (رفع عن أمّتي.).  رفع انحلاليّ، ينحلّ إلى الرفع عن كلّ فرد فرد، فكلّ شخص يكفي  في صحّة رفع حكم عنه كون رفعه تخفيفا بالنسبة له. و إن فرض  ثبوت تحميل في هذا الرفع بالنسبة لشخص آخر فإنّ هذا أيضا  داخل في الإطلاق، لكن هذا الإطلاق انهدم بالقرينة الثانية، حيث  إنّه أضاف صلى اللّه عليه و آله و سلّم الرفع إلينا بعنوان مجموعي  بما نحن أمّة بنسبة واحدة بينه صلى اللّه عليه و آله و سلّم و بين  أفراد الأمّة، فلا بدّ أن لا يكون ذلك تحميلا على شخص آخر [1].    

_____________________________________________

 

[1] قد يقال: إنّ كلمة الأمّة إن كانت تعطي معنى المجموعيّة إذن لا  بدّ من فرض عدم كون الرفع عن شخص تحميلا على شخص آخر.  و إن حملت على الاستغراق و الانحلال كفى في شمول الرفع كونه  تخفيفا عن شخص المرفوع عنه و امتنانا عليه، فالمقياس في ذلك  ليس هو كون القرينة على شرط التخفيف كلمة (عن) أو الامتنان،  و إنّما المقياس هو استظهار المجموعيّة، أو الانحلال من كلمة  (أمّتي). و لكن لا يبعد أن يكون مقصوده رحمه اللّه أنّنا لو كنّا و  كلمة (عن)   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة205/ الجزء الثالث

 

و ترتّب على هذا الّذي استفيد من الحديث ثمرات:   منها: التفصيل بين المعاملات الإكراهيّة و المعاملات الاضطراريّة،  فالمعاملات الإكراهيّة باطلة، لأنّ في رفعها امتنانا على العباد  بخلاف المعاملات الاضطراريّة، كمن اضطرّ إلى بيع داره لتحصيل  مال ينفعه في علاج ولده مثلا، فإنّ رفع ذلك تثقيل عليه و ليس  تخفيفا عنه. فعلى سبيل الإجمال نقول هنا: إنّ هذا هو سرّ تفصيل  الفقهاء بين بيع المكره عليه و بيع المضطرّ إليه بالبطلان في الأوّل  و الصحّة في الثاني. أمّا البحث عن خصوصيّات ذلك من قبيل أنّه لو  أكره على دفع مال و لم يكن يمتلك المال فباع داره لأداء ذلك،  فهل يلحق بالقسم الأوّل، أو القسم الثاني؟ فهو موكول إلى بحث  المكاسب.   و منها: أنّ هذا الحديث لا يشمل الإكراه على إيذاء شخص مثلا، أو  قتله، إذ هو تحميل على ذلك الشخص و إن كان تخفيفا للمكره،  فهذا ليس داخلا في باب حديث الرفع، و إنّما  - فحسب لحملت كلمة (أمّتي) على الانحلال لا المجموعيّة، كما يقال  في (اغسلوا وجوهكم): إنّ مقابلة الجمع بالجمع تفيد التوزيع، و  هذا مقتضى الطبع الأوّلي لكلّ العمومات و الألفاظ الدالّة على  الشمول، فإنّها تحمل عادة على الانحلال، و لكن قرينة الامتنان و  التحبّب و إظهار الرحمة و الوداد تمنع عرفا عن الحمل على  الانحلال و تكون قرينة على المجموعيّة، لأنّ نسبة عطوفة مقام  النبوّة و الحنان المرتبط بعلاقة النبوّة بين النبيّ و أمّته إلى جميع  أفراد الأمّة على حدّ سواء، فلا معنى للتضحية براحة فرد منهم في  سبيل راحة الفرد الآخر بملاك العطوفة و الحنان المرتبطين بتلك  العلاقة.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة206/ الجزء الثالث

 

هو داخل في باب التزاحم، فمثلا لو قال الظالم له: (لو لم تضرب  زيدا لقتلتك) فدار الأمر بين ضرب ذلك الشخص الّذي هو حرام  في نفسه و تعريض نفسه للقتل الّذي هو حرام أيضا في نفسه، قدّم  الأوّل على الثاني بقوانين باب التزاحم.   و قد ذكر المحقّق العراقي -قدّس سرّه- هنا ثمرة أخرى و هي أنّ  الحديث لا يشمل ما إذا حصل الاضطرار مثلا، أو النسيان بسوء  الاختيار، لأنّ عدم الرفع في هذا الفرض لا يكون خلافا  للامتنان»«.   أقول: لا إشكال في أنّ إطلاق الحديث بمعناه الحرفي شامل لهذا  الفرض - بقطع النّظر عن النكتة التي سوف نبيّنها -إن شاء اللّه-،  و إنّما الكلام في أنّ سوق الحديث مساق الامتنان هل هو قرينة  على تقييد هذا الإطلاق أو لا؟ و لمعرفة ذلك لا بدّ أن نرى أنّه هل  يكون في الرفع بالنسبة لهذا الشخص امتنان أو لا؟ و من الواضح  ثبوت الامتنان في ذلك، إذ أنّ رفع ما اضطرّ إليه مثلا - و إن كان  بسوء اختياره - يريحه و يرفع ثقلا عن كاهله بلا إشكال، فإخراج  هذا الفرض من الحديث بهذه القرينة في غير محله.   نعم، الصحيح أنّ فرض الاضطرار بسوء الاختيار خارج عن  الحديث في نفسه و بقطع النّظر عن هذه القرينة، و ذلك لأنّ مثل  هذا الفعل لا يعدّ اضطراريّا في قبال أصل الاختيار، إذ هو   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة207/ الجزء الثالث

 

ناشئ عن اختياره و إن كان اضطراريّا في قبال الاختيار في  نفس ساعة الاضطرار، فمن ألقى نفسه مثلا من شاهق فمات يقال  عنه:   إنّه قتل نفسه باختياره، لا أنّه هلك اضطرارا و من دون قدرته و  إن كان بعد إلقاء نفسه لا يكون في الهواء قادرا على إيقاف نفسه  و إنجائها من الهلاك. فالمفهوم عرفا من الاضطرار إنّما هو  الاضطرار في قبال أصل الاختيار، لكن هذا البيان - كما ترى - لا  يأتي في باب النسيان، فإنّه يقال عمّا نسيه: إنّه منسيّ حتى مع  فرض كون ذلك بسوء اختياره، فالعرف لا ينفي هنا النسيان كما  كان ينفي الاضطرار [1]. إذن فمدّعاه رحمه اللّه في باب الاضطرار  صحيح دون النسيان. و دليله على مدّعاه غير صحيح.    

_____________________________________________

 

[1] لا يبعد أن يقال: إنّ من ألقى نفسه من شاهق فهو في حين  الإلقاء قد خالف باختياره دليل حرمة إلقاء النّفس في التهلكة، أو  دليل حرمة قتل النّفس، أو حرمة الإضرار بالنفس. و هذا خارج  موضوعا عن دليل نفي الاضطرار و لو فسّر ذلك بمعنى الاضطرار  في ساعة الاضطرار. أمّا لو فرضنا أنّه حين ألقى نفسه من شاهق لم  يكن بعد قد نزل الحكم بتحريم الإلقاء في التهلكة و قتل النّفس و  حرمة الإضرار بها، و بعد أن ألقى نفسه نزل الحكم بتحريم  الإضرار بالنفس، و بترتّب بعض التبعات على ذلك من كفّارة، أو  حدّ، أو تعزير و نحو ذلك، ثمّ سقط على الأرض و انكسرت رجله،  كان ذلك داخلا تحت دليل نفي الاضطرار، لأنّه من حين نزول  الحكم كان مضطرّا و لم يكن له مناص. و كذلك نقول في النسيان:  إنّه لو وجبت المحافظة من ناحية النسيان لإحرازنا لأهميّة  الموضوع، أو لاقتضاء إطلاق دليل وجوب ذلك الواجب المحافظة  عليه في داخل الوقت، أو لأي دليل آخر، ثمّ ورّط نفسه في النسيان  فقد خالف - في ساعة ترك المحافظة - الحكم متذكّرا و هو  خارج عن حديث رفع النسيان موضوعا، و إلاّ فهو مشمول  للحديث.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة208/ الجزء الثالث

 

وقفة حول الخطإ و النسيان:  

 الجهة الخامسة: ذكر المحقّق النائينيّ رحمه اللّه: أنّه شذّت في هذا  الحديث كلمة (الخطإ و النسيان) ففي مثل ما اضطرّوا إليه ذكر  الشي‏ء بصياغة طروّ العنوان الثانوي عليه، و لكن في هاتين  الكلمتين ذكر نفس الخطإ و النسيان، لا المخطيّ أو المنسيّ، فهل  المرفوع هو المخطيّ أو المنسيّ - كما هو الحال في مثل ما  اضطرّوا إليه -، أو نفس الخطإ و النسيان؟ أفاد المحقّق النائيني  -قدّس سرّه-: أنّ المرفوع هو المخطيّ و المنسيّ لا نفس الخطإ و  النسيان، إذ لو رفع نفس الخطإ و النسيان كان ذلك خلاف  الامتنان و تحميلا على العبد، إذ معنى ذلك أنّ ما ارتكبه من الحرام  خطأ، أو نسيانا كأنّه ارتكبه عمدا»«.   أقول: هذا أيضا ممّا لا ينسجم مع مبنى كون الرفع في هذا الحديث  رفعا حقيقيّا للوجود التشريعيّ، و إنّما ينسجم مع العكس و هو  كون الرفع رفعا تشريعيّا للوجود الحقيقيّ، إذ عندئذ يقال: إنّ  رفع الخطإ و النسيان يعني فرض انتفائهما خارجا، و افتراض  الفعل الصادر بمنزلة الفعل العمدي الّذي لا خطأ فيه و لا نسيان، و  هذا خلاف الامتنان. أمّا بناء على الرفع الحقيقيّ للوجود التشريعيّ  فمعنى رفع الخطإ و النسيان رفعهما عن صفحة التشريع بلحاظ ما  يفترض لهما من أحكام ثقيلة على   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة209/ الجزء الثالث

 

العبد، كوجوب سجدتي السهو مثلا، و هذا موافق للامتنان.   نعم، مع ذلك نقول: إنّ المرفوع هو المخطيّ و المنسيّ لا نفس  الخطأ و النسيان، و ذلك لوجهين:  

 الوجه الأوّل: وحدة السياق، حيث إنّك عرفت [1] أنّ العنوان  الثانويّ في مثل (ما اضطرّوا إليه) أخذ بنحو المعرفيّة و مشيرا إلى  ما طرأ عليه الاضطرار. و بما أنّ الخطأ و النسيان أيضا يصلحان  لفرضهما عنوان مشيرا و معرّفا للمخطيّ و المنسيّ باعتبارهما  شأنا من شئونهما، و مقتضى وحدة السياق كونهما ملحوظين  كذلك، فهما أيضا كالاضطرار و نحوه أخذا جهة تعليليّة.   إن قلت: فكيف نصنع بالحسد و الطيرة و الوسوسة، حيث إنّ  المرفوع نفس هذه الأمور و لم تؤخذ معرفّا و مشيرا؟ قلنا: إنّ  هذه الأمور ليست عناوين ثانويّة كالاضطرار و الإكراه و الخطأ و  النسيان، ممّا لا بدّ من فرض عنوان أوّلي سابق عليها، فوحدة  السياق المقتضية لمشيريّة العنوان الثانويّ إلى الذات الثابتة في  الرتبة السابقة تختصّ بغيرها و تؤثّر في ما عداها.   الوجه الثاني: أنّ ظاهر الحديث - كما مضى - هو كون  

 

_____________________________________________

 

[1] بالوجه الإنّيّ الماضي في آخر الجهة الثالثة، و بما أشير إليه  هناك من بعض الروايات.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة210/ الجزء الثالث

 

هذه العناوين رافعة. و مقتضى مناسبات الحكم و الموضوع و  الارتكاز العرفي هو أنّ مثل الاضطرار [1] و الخطأ و النسيان  تصلح رافعة لآثار ما تطرأ عليها، لا رافعة لآثار نفسه، و هذه  المناسبة العرفيّة تصبح قرينة على أنّ الخطأ و النسيان أخذا  معرّفين و مشيرين إلى ذات المخطيّ و المنسيّ، و جهة تعليليّة  لرفعها.  

 

 ما لا يشمله الرفع:  

 الجهة السادسة: أنّ هناك آثارا لا يشكّ فقيه في عدم شمول الرفع  لها من قبيل حصول النجاسة بملاقاة النجس، و الجنابة بتحقّق  موضوعها و نحو ذلك، فإنّه لو حصل ذلك - و لو اضطرارا مثلا -  ترتّبت الآثار من النجاسة و الجنابة و نحوهما لا محالة، و يقع  الكلام في أنّ خروج ذلك عن الحديث هل هو بالتخصيص أو  بالتخصّص؟ ذهب المحقّق النائيني رحمه اللّه إلى أنّ خروج ذلك  بالتخصيص بالإجماع»«.   و ذهب السيّد الأستاذ إلى أنّ ذلك خارج عن مفاد الحديث  

 

_____________________________________________

 

[1] هذا هو البيان اللمّيّ الّذي و عدناه في ذيل الجهة الثالثة.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة211/ الجزء الثالث

 

تخصّصا، لأنّ الاضطرار في نظر العرف صفة للفعل المضطرّ إليه،  فإن كان هناك حكم مترتّب على نفس الفعل، كالكفّارة المترتّبة  على الإفطار ارتفع بالاضطرار و الإكراه. و أمّا إذا كان الحكم  مترتّبا على عنوان الملاقاة مثلا كما في النجاسة، أو أيّ عنوان آخر  غير الفعل، فهو لا يرتفع بحديث الرفع، لأنّ ما يتّصف بالاضطرار  و هو الفعل ليس هو موضوعا للحكم، و ما يكون موضوعا للحكم  ليس متّصفا بالاضطرار إليه [1]»».   أقول: إنّ هذا الكلام و إن كان لا يخلو من و جاهة إلاّ أنّه لا يأتي  في النسيان، فلئن كان مثل الاضطرار يتعلّق بفعل المكلّف دون  شي‏ء آخر، فالنسيان يتعلّق بالفعل و بغير الفعل، فإذا نسي  الملاقاة للنجاسة فقد أصبح موضوع الحكم منسيّا، و مع ذلك لا  يحكم بعدم النجاسة. و لا يمكن التمسّك بوحدة السياق لأنّنا قلنا:  إنّ وحدة السياق لا ترتبط بباب التطبيق، و هذا بابه باب التطبيق،  فالاضطرار لا ينطبق إلاّ على الفعل، و النسيان ينطبق على غيره  أيضا، نظير أنّ (ما لا يعلمون) كان ينطبق على الحكم الّذي هو فعل  المولى و غيره لم يكن كذلك.   و الصحيح مع هذا أنّ خروج مثل ذلك يكون بالتخصّص لا  بالتخصيص، و الوجه في ذلك هو أنّ مقتضى مناسبات الحكم  

 

_____________________________________________

 

[1] و العبارة قابلة للحمل على معنى آخر، و هو الوجه الّذي اختاره  أستاذنا الشهيد و ان كان أظهر في المعنى المذكور هنا، و لا  يوجد عندي فعلا تقرير آخر من تقارير بحثه.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة212/ الجزء الثالث

 

و الموضوع و الارتكاز العرفي، هو أنّ الاضطرار و النسيان و  نحوهما من العناوين إنّما تصلح لرفع الأثر الّذي يترتّب على ما  يسند إلى الشخص، حيث إنّ هذه العناوين تجعل إسناد الشّي‏ء إلى  الشخص و انتسابه إليه ضعيفا في نظر العرف، و النجاسة لا  تترتّب على الملاقاة باعتبار الإسناد إلى الشخص، بل على ذات  الملاقاة و لو من دون توسط فعل الشخص، كأن يقع الثوب على  النجاسة بواسطة تحريك الهواء له، فما يكون من هذا القبيل لا  يرفع بحديث الرفع.  

 

 تطبيق الحديث على أقسام الحكم:  

 الجهة السابعة: في تطبيق حديث الرفع على أقسام الحكم، أعني  التكليفيّ الاستقلاليّ، و التكليفيّ الضمنيّ، و الوضعيّ على ضوء  النكات الماضية فنقول:   يشترط في إمكان التمسّك بحديث الرفع - على ضوء ما مضى -  أمور ثلاثة:   

1 - كون الشي‏ء معروضا للحكم في عالم التشريع بأن يكون  موضوعا أو متعلّقا له.   

2 - كون الرفع توسعة على المكلّف من دون أن يستلزم تحميلا  على غيره.   

3 - كون الحكم مترتّبا على الشي‏ء بما هو منتسب إلى   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة213/ الجزء الثالث

 

المكلّف. فنتكلّم في الأقسام الثلاثة للحكم على ضوء هذه الشروط  الثلاثة:   القسم

الأوّل: هو الحكم التكليفيّ الاستقلاليّ، و نقسّم ذلك  بتقسيمين:   التقسيم

الأوّل: أنّ الحكم قد يكون مترتّبا على الشي‏ء بما هو  منتسب إلى العبد، و قد يكون مترتّبا عليه بقطع النّظر عن  الانتساب إليه، فموضوع وجوب الصدقة مثلا، قد يكون عبارة عن  فتح العبد للباب، كأن يقول المولى: (إن فتحت الباب فتصدّق)، و  أخرى يكون عبارة عن انفتاح الباب و لو بواسطة الهواء مثلا،  كأن يقول المولى: (إذا انفتح الباب فتصدّق)، ففي الأوّل يجري  حديث الرفع، و في الثاني لا يجري لانتفاء الشرط الثالث.  

 التقسيم الثاني: أنّ الحكم قد يكون انحلاليّا و قد يكون متعلّقا  بصرف الوجود.   أمّا

الأوّل: كما لو قال: (أكرم كلّ عالم) فقد يفرض تعلّق الاضطرار،  أو الإكراه فيه بترك العمل على وفق هذا الأمر في فرد من الافراد،  و أخرى يفرض الاضطرار، أو الإكراه على العمل على وفقه كما لو  أكره على إكرام زيد العالم مثلا، ففي الأوّل يجري حديث الرفع، و  في الثاني لا يجري لفقدان الشرط الثاني.   و أمّا الثاني: كما لو قال: (أكرم عالما)، فإن أكره على   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة214/ الجزء الثالث

 

العمل بما يوافق الأمر فأيضا لا يجري حديث الرفع لفقدان الشرط  الثاني. و إن أكره على الترك، فإن فرض إكراهه على ترك  الطبيعي جرى فيه حديث الرفع، و إن فرض إكراهه على ترك  إكرام عالم بعينه لم يجر حديث الرفع لانتفاء الشرط الأوّل، لأنّ  إكرام هذا بالخصوص ليس معروضا للحكم، و إنّما معروض  الحكم طبيعي إكرام العالم، و هو لم يكره على تركه و يمكنه  إكرام فرد آخر. و قد مضى أنّ الحديث رفع حقيقيّ للوجود  التشريعيّ، و ليس لترك إكرام هذا الفرد وجود تشريعيّ حتى  يرفع. نعم لو قلنا: إنّه رفع تنزيلي للوجود الحقيقيّ أمكن أن يقال  في المقام بصدور الامتثال تنزيلا، بأن يدّعى أنّ عدم الترك الّذي  نزّل الترك منزلته يكون عرفا عبارة عن الفعل.   و هنا تقسيم ثالث و هو كون الإكراه على أمر وجوديّ كفتح الباب  الموضوع لوجوب التصدّق مثلا، أو على أمر عدميّ كعدم الفتح مع  فرض إيجاب المولى التصدّق عند عدم الفتح.   و قد مضى عن المحقّق النائيني رحمه اللّه دعوى التفصيل بين  القسمين بجريان الرفع في الأوّل دون الثاني، لأنّ رفع العدم  مساوق للوضع، و هو لا يستفاد عرفا من حديث الرفع. و قد مضى  أيضا دفعه بأنّه بناء على المبنى الصحيح من كون حديث الرفع  رفعا حقيقيّا للوجود التشريعيّ لا صورة لهذا الإشكال، لأنّ العدم  الموضوع لحكم شرعيّ له وجود تشريعيّ، و بناء على المبنى  الآخر هناك مجال لهذا الإشكال على كلام فيه.   القسم الثاني: و هو الحكم التكليفيّ الضمنيّ كما لو حصل   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة215/ الجزء الثالث

 

الاضطرار إلى ترك جزء، أو شرط، أو إتيان مانع، و الكلام فيه  يقع في مقامين:   المقام

الأوّل: في جريان الرفع في ذلك و عدمه.   و الصحيح: أنّ الاضطرار إن لم يكن مستوعبا لتمام الوقت لم يجر  الرفع، لاختلال الشرط الأوّل، لأنّ الفاتحة في الساعة الأولى مثلا  المضطرّ إلى تركها ليست هي الموضوع، و إنّما الموضوع هو  الطبيعي و هو غير مضطرّ إلى تركه، و إن استوعب تمام الوقت  جرى الرفع، و لا وجه معتدّ به لعدم الجريان إلاّ من ناحية أنّ رفع  العدم وضع، فلا يجري في ترك الجزء أو الشرط، و قد عرفت  جوابه.   المقام الثاني: في أنّه بعد جريان الرفع هل يصحّ الباقي أو لا؟  التحقيق: أنّه لا يصحّ كما ذهب إليه مشهور المحقّقين، إذ غاية الأمر  هو رفع الوجوب الضمنيّ، و الوجوب الضمنيّ لا يرتفع إلاّ بارتفاع  وجوب المركّب للترابط بين الوجوبات الضمنيّة. و عندئذ إن تعلّق  الأمر بالباقي صحّ، و إلاّ فلا، و حديث الرفع حياديّ من هذه  الناحية.   و لا يقاس الحديث بدليل تخصيص الجزئيّة، كأن يقول مثلا:  المستعجل لا يقرأ السورة، إذ ذلك ناظر إلى مسألة الجزئيّة،  فالأمر بالباقي يثبت بنفس الدليل السابق، و حديث   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة216/ الجزء الثالث

 

الرفع لا ينظر إلى الجزئيّة، و إنّما ينظر إلى الوجود التشريعيّ  لموضوع الحكم فيرفعه، و الحكم الّذي تكون السورة موضوعا له  هو الوجوب الضمنيّ لا الجزئيّة، و إنّما الجزئيّة من منتزعات عالم  التشريع، و غاية ما يمكن أن يقال في تصحيح الباقي أو النتيجة  المطلوبة من ذلك و جهان:

 

  الوجه الأوّل: ما مضى من فرض كون مفاد الحديث الرفع التنزيليّ  للوجود الخارجيّ بضمّ دعوى أنّ العرف يرى رفع العدم مساوقا  للوجود، فيحصل وجود تنزيليّ للسورة المتروكة، و قد عرفت  بطلان المبنى.  

 الوجه الثاني: ما يثبت بحسب الحقيقة نتيجة الصحّة لا نفسها، و  ذلك في فرض الاستيعاب، و هو أن يقال: إنّ المقصود من إثبات  الصحّة رفع وجوب القضاء، و نحن نثبت هذه النتيجة بإجراء حديث  الرفع في موضوع هذا الوجوب، فإنّ موضوع وجوب القضاء هو  ترك الفريضة الكاملة، و قد تحقّق ذلك عن اضطرار فلا يجب  القضاء.   و تحقيق الحال في ذلك: هو أنّه لا بدّ أن يرى ما هو الموضوع  لوجوب القضاء، هل هو الترك، أو عدم الإتيان، أو الفوت؟ و هي  أمور ثلاثة بعضها غير بعض. فالأوّل هو الترك بنحو العدم  النعتيّ، و الثاني يكون بنحو العدم المحمولي، و الثالث عنوان  ثبوتي منتزع من الأمر العدمي. فعلى الأوّل يصحّ التمسّك بحديث  الرفع، و على الأخيرين لا يصحّ لانتفاء الشرط   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة217/ الجزء الثالث

 

الثالث، و هو كون الأثر مترتّبا على الشي‏ء باعتبار جهة انتسابه  إلى المكلّف.  

 

 القسم الثالث: هو الحكم الوضعيّ.  

 فإن ترتّب الأثر الوضعيّ على الشي‏ء في نفسه كالنجاسة المترتّبة  على الملاقاة بقطع النّظر عن جهة الانتساب إلى الشخص، فلا  يجري حديث الرفع لفقد الشرط الثالث. و إن ترتّب الأثر بالنظر  إلى جهة الانتساب كما في المعاملات جرى حديث الرفع مع  ملاحظة الشرطين الآخرين.   و قد ينفقد أحد الشرطين الآخرين فلا يجري حديث الرفع، و لذا لا  نقول بالرفع في الاضطرار إلى المعاملة لفقد الشرط الثاني  بخلاف الإكراه عليها، و أيضا لا نقول بالرفع في الإكراه على ترك  المعاملة، أو أن يجعلها بشكل فاسد كإجراء الصيغة بالفارسية بناء  على اشتراط العربية و إن كان هناك امتنان في تحقّق نتيجة  المعاملة الصحيحة، و ذلك لاختلال الشرط الأوّل، إذ المعاملة  الفاسدة أو ترك المعاملة ليس موضوعا لحكم.   و هنا شبهة، و هي أنّ ترك المعاملة الصحيحة موضوع لبقاء الملك،  فإنّ بقاءه مشروط بعدم إيقاع المعاملة الصحيحة، فلم لا يصحّ  إجراء حديث الرفع لنفي بقاء الملكيّة بلسان رفع الوجود  التشريعيّ لموضوع ذلك؟ فإن لم تتصوّر منّة في نفي هذه الملكيّة  نقلنا الكلام إلى نتيجة المعاملة المقصودة للمتعاملين   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة218/ الجزء الثالث

 

و قلنا: إنّ عدم هذه المعاملة موضوع لعدم تحقّق تلك النتيجة، و  رفع هذا العدم و إثبات تلك النتيجة موافق للامتنان.   و الاستشكال في ذلك بأنّ عدم تلك النتيجة ليس حكما شرعيّا و  إنّما هو عدم لحكم شرعيّ يمكن دفعه بأنّ هذا يشبه ما مضى من  ترك الواجب، و قد قلنا هناك: إنّ ترك الواجب و إن لم يكن  موضوعا لحكم شرعيّ بناء على أنّ الأمر بالشي‏ء لا يقتضي النهي  عن ضدّه العامّ، لكنّ المقصود من عالم التشريع عالم حساب  المولى بمعنى يشمل هذا المورد، و يمكن أن يقال بمثل ذلك فيما  نحن فيه.   إلاّ أنّ الإنصاف أنّ كون ما نحن فيه مثل ترك الواجب الّذي يترتّب  عليه العقاب و يعدّ عرفا حراما في مساعدة الفهم العرفي على عدّ  ذلك من عالم التشريع غير معلوم.   و لكن مع هذا لا نتخلّص بذلك عمّا عرفتها من الشبهة، بل يبقى لها  مجال في بعض الموارد، فمن فرض مثلا مبتلى بزوجة مؤذية  فاضطر إلى طلاقها، لكن ظالما أكرهه على ترك الطلاق، فانتفاء  الزوجيّة يكون امتنانا له بلا إشكال، و بقاء الزوجيّة موضوعه عدم  الطلاق، فأيّ مانع من إجراء حديث الرفع و نفى بقاء الزوجيّة  بلسان رفع الوجود التشريعيّ لموضوعه؟ و هذه شبهة مستعصية.   و حل هذه الشبهة يكون بالالتفات إلى الشرط الثالث و أن ترك  المعاملة، و كذلك ترك الطلاق بما هو عدم نعتي ليس   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة219/ الجزء الثالث

 

موضوعا لبقاء الملكيّة أو الزوجيّة، و إنّما الموضوع لذلك بحكم  الجمع بين دليل الملكيّة الأولى أو الزوجيّة و دليل نفوذ البيع أو  الطلاق هو عدم البيع أو الطلاق بنحو العدم المحمولي و عندئذ  نقول: إن أريد تطبيق حديث الرفع على العدم النعتيّ، فالشرط  الأوّل مفقود، و إن أريد تطبيقه على العدم المحمولي فالشرط  الثالث و هو الانتساب إلى المكلّف مفقود.  

 

 سند الحديث:  

 و أمّا المقام الرابع: و هو في سند الحديث. فقد أورد صاحب  الوسائل في كتاب الجهاد عن الصدوق في الخصال، و عنه في  التوحيد عن أحمد بن محمد بن يحيى، عن سعد بن عبد اللّه، عن  يعقوب بن يزيد، عن حمّاد بن عيسى، عن حريز بن عبد اللّه، عن  أبي عبد اللّه عليه السلام قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و  سلّم: (رفع عن أمّتي تسعة أشياء: الخطأ، و النسيان، و ما أكرهوا  عليه، و ما لا يعلمون، و ما لا يطيقون، و ما اضطرّوا إليه، و الحسد،  و الطيرة، و التفكّر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطقوا بشفة(»«.  و الظاهر أنّ هذه الرواية بهذا السند هي منشأ الصيغة المعروفة  على الألسن، أعني (رفع عن أمّتي تسعة)، إلاّ أنّ هذه الرواية  اشكالها هو أنّ الصدوق -قدّس سرّه- ينقلها عن   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة220/ الجزء الثالث

 

أحمد بن محمد بن يحيى و هو لم يثبت توثيقه إلاّ بناء على أنّ  مشايخ الثلاثة كلّهم ثقات، فأحمد بن محمد بن يحيى عندئذ يصبح  ثقة، لأنّه من مشايخ الصدوق رحمه اللّه الّذي روى عنه هذا الحديث.  و أمّا بناء على عدم ثبوت مثل هذه القاعدة فتكون هذه الرواية  ضعيفة سندا بقطع النّظر عمّا يأتي من بحث نظريّة التعويض، فلا  بدّ من التفتيش عن طريق آخر لإثبات حديث (رفع ما لا يعلمون).   و قد ذكر الصدوق رحمه اللّه في من لا يحضره الفقيه»« في باب  الوضوء أنّه قال أبو عبد اللّه عليه السلام: إنّه قال رسول اللّه صلى  اللّه عليه و آله و سلّم و ذكر نفس الصيغة [1]»» الواردة في التوحيد  و الخصال مع حذف السند، و من المحتمل قويّا أنّ نظره إلى ذلك  السند الّذي سجّله مفصّلا في الخصال و التوحيد. و على أيّ حال  فمثل هذا المرسل - و إن فرضت نسبة الصدوق -قدّس سرّه- له  ابتداء إلى الإمام - لا يمكن الاعتماد عليه بناء على ما نبني عليه من  عدم الفرق في عدم حجّيّة المرسل بين إرساله بعنوان (روي) و  إرساله بعنوان (قال الإمام)، و أنّ المناط في سقوط المرسل عن  الحجّيّة هو وجود واسطة محذوفة لا يعرف حالها.    

_____________________________________________

 

[1] هناك فرق مختصر لفظي بينهما كتبديل رفع بوضع، و  الاختلاف في ترتيب ذكر بعض العناوين التسعة، و فرق مختصر  معنوي و هو حذف ما اضطرّوا إليه و إضافة السهو،   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة221/ الجزء الثالث

 

و روي في الوسائل في كتاب الأيمان بسنده عن كتاب أحمد بن  محمد بن عيسى، عن الحلبي، عن أبي عبد اللّه عليه السلام أنّه قال:  قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلّم: (وضع عن أمّتي الخطأ،  و النسيان، و ما استكرهوا عليه(»«، و هذه الرواية لو تمّت سندا و  غضضنا النّظر عن عدم إمكان نقل أحمد بن محمد بن عيسى، عن  الحلبي مباشرة [1] لا تنفعنا في المقام، إذ ليس فيها عنوان (ما لا  يعلمون).   و هناك رواية أخرى أيضا في الوسائل في كتاب الأيمان تنتهي  إلى أحمد بن محمد بن عيسى، عن ربعي، عن أبي عبد اللّه عليه  السلام قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلّم: (عفي عن  أمّتي ثلاث:   الخطأ، و النسيان، و الاستكراه). قال أبو عبد اللّه عليه السلام:   و هنا رابعة و هي (ما لا يطيقون(»«. و هذه الرواية أيضا لا تنفعنا  لعدم وجود عنوان (ما لا يعلمون) فيها.    

_____________________________________________

 

[1] هذا الإشكال يقوى لو حملنا الحلبي على الحلبي المعروف -  أعني محمد بن عليّ بن أبي شعبة - أو على أخيه - أعني عبد اللّه بن  عليّ بن أبي شعبة - أمّا لو حمل على يحيى بن عمران الحلبي الّذي  يروي عن الصادق و الكاظم (عليهما السلام) فالإشكال يكون  أخف، و لكن الإنصاف أنّ نقل أحمد بن محمد بن عيسى، عن  الصادق عليه السلام بواسطة واحدة بعيد في الغاية، و هذا العيب  موجود في حديث ربعي أيضا.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة222/ الجزء الثالث

 

نعم هنا رواية أخرى في الوسائل تنتهي إلى أحمد بن محمد بن  عيسى، عن إسماعيل الجعفي، عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال:  سمعته يقول: (وضع عن هذه الأمّة ستّ خصال: الخطأ، و النسيان،  و ما استكرهوا عليه، و ما لا يعلمون، و ما لا يطيقون، و ما  اضطرّوا إليه(«« [1] و هذا الحديث مشتمل على  

 

_____________________________________________

 

[1] و هناك روايات أخرى في حديث الرفع كلّها غير مفيدة في  المقام.   فقد روي في الوسائل في نفس الباب الحديث السادس، عن أحمد  بن محمد بن عيسى في نوادره، عن أبي الحسن عليه السلام قال:  (سألته عن الرّجل يستكره على اليمين فيحلف بالطلاق و العتاق و  صدقة ما يملك أ يلزمه ذلك؟ فقال: لا، ثمّ قال، قال: رسول اللّه صلى  اللّه عليه و آله و سلّم: وضع عن أمّتي ما أكرهوا عليه، و ما لم  يطيقوا، و ما أخطئوا)، و هذا الحديث و إن كان تامّا سندا إلاّ أنّه  غير مشتمل على (ما لا يعلمون). و روي في الوسائل ج 11، ب 56  من جهاد النّفس، ص 295 الحديث الثاني، عن عمرو بن مروان  بسند فيه معلّى بن محمد، عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال، قال  رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: (رفع عن أمّتي أربع خصال:  خطاؤها، و نسيانها، و ما أكرهوا عليه، و ما لم يطيقوا.).، و هذا  أيضا غير مشتمل على (ما لا يعلمون). و روي في نفس الباب  الحديث الثالث، و هي مرفوعة محمد بن أحمد النهدي، عن الصادق  عليه السلام عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله: (وضع عن أمّتي  تسع خصال: الخطأ، و النسيان، و ما لا يعلمون، و ما لا يطيقون، و  ما اضطرّوا إليه، و ما استكرهوا عليه، و الطيرة، و الوسوسة في  التفكر في الخلق، و الحسد ما لا يظهر بلسان أو يد)، و هذا و إن  كان مشتملا على (ما لا يعلمون) لكنّه ساقط سندا.   و خير الروايات المشتملة على (ما لا يعلمون) سندا هي الرواية  التي مضت عن الوسائل عن الخصال و التوحيد، و عيبها السنديّ  الوحيد هو أنّ الصدوق رواها   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة223/ الجزء الثالث

 

_____________________________________________

 

..........  عن أحمد بن محمد بن يحيى العطّار الّذي لم يرد نصّ على توثيقه.   

 

 توثيق أحمد بن محمد بن يحيى:

 و هنا طريق لإثبات توثيق  أحمد بن محمد بن يحيى العطّار لو تمّ ينتفي بذلك إشكال سند  حديث الرفع، و هو أنّ الشيخ الطوسيّ رحمه اللّه نقل بشكل مكثّف  في الجزء الأوّل من الاستبصار - بحسب الطبعة الجديدة  المطبوعة في أربع مجلّدات - روايات يكون المقطع الأوّل من  سندها ما يلي: (أخبرنا الحسين بن عبيد اللّه، عن أحمد بن محمد  بن يحيى، عن أبيه(»«، و اقتصر على ذكر هذا السند فحسب.   و لو لم تكن له شهادة حسّيّة بوثاقة الحسين بن عبيد اللّه  الغضائري و أحمد بن محمد بن يحيى كان من المستبعد إلى حدّ  الاطمئنان أن يقتصر في كلّ هذه الروايات على هذا السند مع  امتلاكه لما لا شكّ في صحّته من سند إلى محمد بن يحيى العطّار،  و هو سنده إلى الكليني، عن محمد بن يحيى العطّار كما ورد في  المشيخة. و لئن اختصّ هذا السند بكلّ ما رواه في التهذيبين عن  كتب محمد بن يحيى العطّار فإنّنا لا نشكّ أنّ أكثر هذه الروايات،  أو جميعها قد أخذها من كتب محمد بن يحيى العطّار، إذ لا يوجد  قبله عدا الحسين بن عبيد اللّه الغضائري و أحمد بن محمد بن  يحيى. و الأوّل قد نقل الشيخ عنه بعنوان (أخبرنا)، و هذا يعني أنّه  لم يأخذها من كتابه على أنّ الحسين بن عبيد اللّه ليست له كتب  روائيّة، و الثاني ليس له كتاب. و أمّا من بعد محمد بن يحيى فهو  ليس شخصا معيّنا في جميع تلك الروايات، فإنّ السند من بعد   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة224/ الجزء الثالث

 

 

_____________________________________________

 

..........  - محمد بن يحيى العطّار يختلف كثيرا باختلاف تلك الروايات، و  إنّما القاسم السنديّ المشترك فيما بينهما هو المقطع الأوّل من  السند، و هو الحسين بن عبيد اللّه، عن أحمد بن محمد بن يحيى،  عن أبيه محمد بن يحيى العطّار، و هذا يدلّ على أنّه أخذ كلّ تلك  الروايات أو جلها من كتاب محمد بن يحيى العطّار لا ممّن قبله و لا  ممّن بعده، و من البعيد أن يكون له سند واضح الصحّة إلى كتاب  محمد بن يحيى العطّار ثمّ يترك ذكره صدفة في كل تلك  الروايات المكثّف وجودها في الجزء الأوّل من الاستبصار، و  يقتصر فيها جميعا على ذكر سند يوجد فيه من ليست له شهادة  حسّيّة بوثاقته، أ فلا يعني هذا أنّ الشيخ الطوسي يشهد بوثاقة  الحسين بن عبيد اللّه الغضائري و أحمد بن محمد بن يحيى؟ فلو لم  يكن يشهد بوثاقتهما فلما ذا هذا الإصرار على ذكر سند غير  صحيح و ترك السند الصحيح؟ و لو كان يشهد بوثاقتهما عن  حدس فلما ذا هذا الإصرار على ذكر سند يكون صحيحا عنده عن  حدس و اجتهاد و ترك سند يكون صحيحا عنده بالشهادة الحسّيّة  أو ما يقرب من الحسّ؟ على أنّه من البعيد جدّاً كون وثاقتهما ثابتة  عند الشيخ بالحدس لا بالحسّ، فإنّ أحدهما شيخه، و الثاني قريب  من زمانه لأنّه شيخ شيخه.   و يؤيّد المطلوب: أنّ السند الوحيد الّذي ذكره الشيخ في مشيخته  إلى كتاب عليّ بن جعفر هو الحسين بن عبيد اللّه، عن أحمد بن  محمد بن يحيى، عن أبيه محمد بن يحيى العطّار، عن العمركي بن  عليّ النيسابوري البوفكي، عن عليّ بن جعفر مع أنّ له سندا تامّا  إلى كلّ من محمد بن يحيى العطّار و عليّ بن جعفر.   و بإمكاننا أن نثبت أيضا بنفس هذا المنهج وثاقة أحمد بن محمد  بن الحسن بن الوليد، لأنّ الشيخ الطوسي رحمه اللّه أكثر في الجزء  الأوّل من التهذيب و الجزء الأوّل من الاستبصار روايته عن محمد  بن الحسن بن الوليد بواسطة المفيد عن أحمد بن محمد بن الحسن  بن الوليد، عن أبيه»« مقتصرا على ذكر هذا السند مع أنّ   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة225/ الجزء الثالث

 

الجملة المقصودة - أعني رفع ما لا يعملون - فإن أمكن تصحيح  سنده نفعنا في المقام.   و الإشكال في سند هذا الحديث يكون من جهتين:   الجهة الأولى: أنّ الراوي عن الإمام في هذا الحديث هو إسماعيل  الجعفي. و تحقيق الحال بلحاظ هذا الراوي ما يلي:   ذكر النجاشي في فهرسته: إسماعيل بن جابر الجعفي روي عن  أبي جعفر و أبي عبد اللّه عليهما السلام، و هو الّذي روى حديث  الأذان»«، له كتاب ذكره محمد بن الحسن بن الوليد في فهرسته  أخبرنا أبو الحسين عليّ بن أحمد قال: حدّثنا محمد بن الحسن، عن  محمد بن الحسن، عن محمد بن عيسى، عن صفوان  له في الفهرست سندا لا شكّ في تماميّته إلى محمد بن الحسن بن  الوليد الّذي أخذ تلك الأحاديث من كتابه أو من كتاب من قبله، لا  من كتاب أحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد، إذ لم يعرف له  كتاب، و لا من كتاب المفيد، إذ نقل عنه بعنوان (أخبرني) مع أنّ  أكثر كتب المفيد ليست روائيّة، و مع أنّ القاسم المشترك في هذه  الأسانيد الكثيرة إذا كان عبارة عن المفيد، عن أحمد بن محمد بن  الحسن بن الوليد، عن أبيه فهذا دليل على أنّ كلّ تلك الروايات، أو  جلّها مأخوذة من كتاب محمد بن الحسن بن الوليد.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة226/ الجزء الثالث

 

بن يحيى عنه.   و ذكر الشيخ الطوسي في فهرسته إسماعيل بن جابر من دون  توصيف له بالجعفي أو بغيره، و قال: له كتاب أخبرنا به ابن أبي  جيد عن ابن الوليد، عن الصفّار، عن محمد بن عيسى بن عبيد، عن  صفوان، عن إسماعيل بن جابر، و رواه حميد بن زياد عن القاسم  بن إسماعيل القرشي عنه.   و ذكر الشيخ الطوسي في رجاله عنوان (إسماعيل بن جابر) من  دون توصيف في أصحاب موسى بن جعفر عليه السلام و قال:  (روي عنهما - يعني الباقر و الصادق عليهما السلام - أيضا).   و ذكر أيضا في رجاله عنوان (إسماعيل بن جابر الخثعمي  الكوفي) تارة في أصحاب الصادق عليه السلام من دون توثيق له،  و أخرى في أصحاب الباقر عليه السلام قائلا عنه: (ثقة ممدوح، له  أصول رواها عنه صفوان بن يحيى).   و قد ظهر بهذا العرض أنّ النصّ على التوثيق إنّما ورد بشأن  إسماعيل بن جابر الخثعمي، بينما راوي الحديث في المقام إنّما  ذكر بعنوان إسماعيل الجعفي، فلو استبعدنا خروج إسماعيل  الجعفي من دائرة هذه العناوين الثلاثة التي نقلناها عن النجاشي و  الشيخ فهو ينطبق على إسماعيل بن جابر الجعفي لا على إسماعيل  بن جابر الخثعمي، فكيف نثبت وثاقته؟ و طريق حلّ هذا الإشكال  هو تبعيد احتمال التعدّد في   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة227/ الجزء الثالث

 

المقام بافتراض انطباق الجعفي على الخثعمي، كما لو فرض أنّ  خثعم حيّ من الأحياء و أنّ الجعفي نسبة إلى رأس تلك القبيلة مثلا،  أو فرض أنّ كلمة الخثعمي تصحيف لكلمة الجعفي [1].   و الواقع أنّ استبعاد احتمال التعدّد في المقام في محله، فإسماعيل  بن جابر الخثعمي مع إسماعيل بن جابر الجعفي منطبقان على  شخص واحد و ليسا شخصين، لأنّنا لو بنينا على تعدّدهما فلا يخلو  الأمر من أحد فرضين:   

الأوّل: أن يفترض أنّ مراد الشيخ من إسماعيل بن جابر الخثعمي  الّذي ذكره في رجاله و إسماعيل بن جابر الّذي ذكره في فهرسته  واحد، و أنّ إسماعيل بن جابر الجعفي الّذي ذكره النجاشي  شخص آخر.   و الثاني: أن يفترض أنّ إسماعيل بن جابر الخثعمي الوارد في  رجال الشيخ مغاير لإسماعيل بن جابر الوارد في فهرسته، و  لإسماعيل بن جابر الجعفي الوارد في فهرست النجاشي، و لكلّ  من هذين الفرضين مبعّدات إلى حد يحصل الظنّ الاطمئنانيّ  بعدمه.   أمّا الفرض

الأوّل: و هو اتّحاد إسماعيل بن جابر و إسماعيل بن  جابر الخثعمي الواردين في كلام الشيخ مع  

 

_____________________________________________

 

[1] أو أنّ كلمة الجعفي هي الخطأ، و الصحيح هو الخثعمي، كما  اعتقده الشيخ التستري في قاموس الرّجال.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة228/ الجزء الثالث

 

مغايرته لإسماعيل بن جابر الجعفي الوارد في كلام النجاشي،  فيبعّده أمور:   

الأوّل: أنّه - بناء على التعدّد - يلزم افتراض أنّ النجاشي لم يذكر  في المقام إسماعيل بن جابر الخثعمي الّذي شهد الطوسي بوثاقته  و ممدوحيّته، و له أصول، و يروي عنه المشايخ من قبيل صفوان. و  عدم ذكر النجاشي لشخص من هذا القبيل مع تمام تتبّعه و اهتمامه  بعيد خصوصا - على ما يقال - من أنّ النجاشي أوسع و أدقّ من  الشيخ باعتبار اختصاصه بهذا الفنّ.   و الثاني: أنّه يلزم - على التعدّد - أنّ الشيخ أهمل في كلا كتابيه  الفهرست و الرّجال مثل إسماعيل بن جابر الجعفي الّذي ذكره  النجاشي، و هو كثير الرواية جدّاً، و كان الشيخ رحمه اللّه معاصرا  للنجاشي، و على علاقة به، فكيف لم يطّلع على إسماعيل بن جابر  الجعفي، و قد تعهّد في مقدّمة كل من كتابيه ببذل قصارى جهده و  طاقته في الاستقصاء، خصوصا أنّ إسماعيل بن جابر الجعفي  مذكور في رجال الكشيّ الّذي لخّصه الشيخ الطوسي و ذكر عنه  بعض الروايات - و لا يوجد في رجال الكشيّ إسماعيل بن جابر  الخثعمي -. و حينما نلاحظ التهذيب و الاستبصار للشيخ الطوسي  نرى أنّه يروي فيهما عن إسماعيل الجعفي تارة، و عن إسماعيل  بن جابر أخرى، و لا يذكر و لا مرة واحدة عن إسماعيل الخثعمي  - في حدود فحصي لهذين الكتابين -، و كيف نحتمل أنّ الشيخ  ذكر في كتابيه في الرّجال الخثعمي الّذي لم يرو عنه و لا مرّة  واحدة، و لا يذكر الجعفي   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة229/ الجزء الثالث

 

الّذي روى عنه روايات كثيرة؟ و الثالث: أنّ طريق النجاشي إلى  إسماعيل بن جابر الجعفي، و طريق الشيخ إلى إسماعيل بن جابر  متّحد في جميع رجاله، فمن البعيد جدّاً تعدّدهما، و اتّحاد  الطريقين في جميع رجاله صدفة.   و هنا وقع سقط في كتاب الشيخ المامقاني»« حيث نقل سند  النجاشي إلى إسماعيل بن جابر الجعفي هكذا: أخبرنا أبو الحسين  عليّ بن أحمد قال: حدّثنا محمد بن الحسن، عن محمد بن عيسى،  عن صفوان بن يحيى عنه. و نقل سند الشيخ إليه هكذا:   أخبرنا به ابن أبي جيد، عن ابن الوليد، عن الصفّار، عن محمد بن  عيسى بن عبيد، عن صفوان عنه. فيتراءى أنّ السندين يختلفان في  وجود الصفّار و عدمه، لكن الواقع أنّ المذكور في رجال النجاشي  هكذا: (محمد بن الحسن عن محمد بن الحسن) و الأوّل هو ابن  الوليد، و الثاني هو الصفّار، و في كلام الشيخ حيث لم يذكر  بالاسم فلم يقع تكرار في اللّفظ لم تبتل عبارة كتاب الشيخ  المامقاني بالسقط، و لكن ابتلت بالسقط عند نقل كلام النجاشي.   و أمّا الفرض الثاني: و هو فرض كون الخثعمي غير الجعفي و غير  إسماعيل بن جابر الّذي جاء في كلام الشيخ مطلقا - أي من دون  توصيف - فهذا أيضا يبعّده أمور:   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة230/ الجزء الثالث

 

 

الأوّل: نفس المبعّد الأوّل في الفرض الأوّل.  

 و الثاني: أنّ الشيخ لما ذا لم يذكر الخثعمي في فهرسته مع كونه  صاحب أصل مع اطّلاعه عليه، و تعهّده في مقدّمة الكتاب  بالاستيعاب بقدر الإمكان.   و الثالث: وحدة الراوي المباشر عن جابر بعناوينه الثلاثة  المذكورة في كتاب النجاشي و كتابي الشيخ، و هو صفوان.   و قد نقل الشيخ المامقاني رحمه اللّه في رجاله عن جملة من  المدقّقين أيضا الجزم بالوحدة»«.   و هناك طريق آخر لتوثيق إسماعيل بن جابر الجعفي بقطع النّظر  عن اتّحاده مع الخثعمي، و هو أنّ سند النجاشي إليه ينتهي  بصفوان - كما عرفت -، و صفوان أحد الثلاثة الذين شهد الشيخ  الطوسي رحمه اللّه بأنّهم لا يروون إلاّ عن ثقة.   بقي في المقام احتمال أن يكون إسماعيل الجعفي الّذي روي عنه  أحمد بن محمد بن عيسى شخصا آخر غير إسماعيل بن جابر، و  إسماعيل بن جابر الجعفي أو الخثعمي، فلعلّ إسماعيل الجعفي في  المقام عبارة عن إسماعيل بن عبد الرحمن الجعفي [1].    

_____________________________________________

 

[1] و يوجد أيضا في أصحاب الباقر عليه السلام إسماعيل بن عبد   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة231/ الجزء الثالث

 

و ما ذكره النجاشي في ترجمة إسماعيل بن جابر الجعفي من أنّه  (هو الّذي روى حديث الأذان) مشيرا بذلك إلى حديث عن الأذان  مروي عن (إسماعيل الجعفي) لا يدلّ على أنّه متى ما ذكر عنوان  (إسماعيل الجعفي) كان المقصود به إسماعيل بن جابر الجعفي،  بل لا يبعد أنّ النجاشي إنّما نبّه على كونه هو راوي رواية الأذان  بنكتة أنّ المقصود من عنوان (إسماعيل الجعفي) في الروايات  عادة هو إسماعيل بن عبد الرحمن الجعفي، فلمّا كان المقصود في  خصوص هذه الرواية ابن جابر احتاج ذلك إلى التنبيه عليه حتى لا  يحمل على ما هو المتعارف، فنبّه النجاشي على ذلك.   و يشهد لكون المقصود من إسماعيل الجعفي حينما يطلق هو  إسماعيل بن عبد الرحمن أنّه لا توجد رواية - بعد التتبّع في  الكتب الأربعة - لإسماعيل الجعفي يروي عن غير الإمام الباقر  عليه السلام.   نعم إسماعيل بن جابر يروي في المائة خمسا و تسعين عن الإمام  الصادق عليه السلام، فلو ضممنا هذه الملازمة الاتّفاقيّة إلى ما  نعرفه من أنّ ابن عبد الرحمن هو من أصحاب الإمام الباقر عليه  السلام، و أنّه بقي إلى حياة الإمام الصادق عليه السلام، و لا يذكر  في تاريخه أنّه روى شيئا عن الإمام الصادق عليه السلام بخلاف  ابن جابر، فإنّه من أصحاب الصادق عليه السلام لاستبعدنا هذه  - الخالق الجعفي، إلاّ أنّه قد يقال باستبعاد حمل إسماعيل الجعفي  عليه، حيث لم تعرف رواية لهذا الاسم إلاّ رواية واحدة.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة232/ الجزء الثالث

 

الصدفة. فلو فرض أنّ إسماعيل الجعفي هو ابن جابر فكيف اتّفق  صدفة أنّه متى ما عنون بعنوان إسماعيل الجعفي يروي عن الإمام  الباقر عليه السلام، و متى ما عنون بعنوان إسماعيل بن جابر ففي  المائة خمسا و تسعين يروي عن الإمام الصادق عليه السلام و  تكون روايته عن الباقر عليه السلام قليلة جدّاً. و حلّ هذه الصدفة  هو إبداء احتمال أن يكون المراد بإسماعيل الجعفي عادة هو  إسماعيل بن عبد الرحمن الجعفي الراوي عن الباقر [1]. و في  

 

_____________________________________________

 

[1] قد يكون هذا قرينة ناقصة على صحة حدس الشيخ التستري  الّذي ادّعى في رجاله أنّ إسماعيل بن عبد الرحمن هو الجعفي. و  أمّا إسماعيل بن جابر فهو خثعميّ و ليس جعفيّا، و أنّ السبب في  هذا الاشتباه أنّ جابر الجعفي مشهور فتخيّل أنّ إسماعيل بن  جابر هو ابن لجابر الجعفي. و لو صحّ هذا الكلام فقول النجاشي  رحمه اللّه: »هو الّذي روى حديث الأذان« اشتباه. و يبعّد ذلك أنّ  هذا الكلام عناية خاصّة من النجاشي بالموضوع، فيستبعد خطأه،  ففرق بين أن يعبّر صدفة عن الخثعمي بالجعفي خطأ و بين أن  يتقصد حديثا لإسماعيل الجعفي كي يوضّح أنّه إسماعيل بن جابر.  هذا و للشيخ الصدوق رحمه اللّه رواية عن إسماعيل بن جابر  الجعفي، راجع الفقيه، ج 3، ص 1615. و ممّا يؤيّد كون الخثعمي  تصحيفا للجعفي أنّ ما ورد في رجال الشيخ بعنوان (إسماعيل بن  جابر الخثعمي) قد ورد في كتاب المولى القهبائي نقلا عن رجال  الشيخ بعنوان (إسماعيل بن جابر الجعفي) فيحتمل أنّ النسخة التي  كانت من رجال الشيخ لدى المولى القهبائي كانت بعنوان الجعفي  لا الخثعمي.   و لكن يحتمل أيضا أن يكون هذا تصحيحا من قبل نفس المولى  القهبائي.   و الظاهر أنّ أقوى الاحتمالات كون الخثعمي تصحيفا للجعفي و لو  على أساس التشابه بينهما في الخطّ الكوفي.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة233/ الجزء الثالث

 

خصوص رواية الأذان يعرف أهل الخبرة أنّ إسماعيل الجعفي هو  ابن جابر، فنبّه النجاشي على ذلك.   فإذا احتملنا أنّ إسماعيل الجعفي الراوي لحديث الرفع هو ابن عبد  الرحمن فقد سقط الحديث عن الاعتبار، لأنّ ابن عبد الرحمن لم  يوثّق من قبل أحد ممّن يكون توثيقه حجّة [1]، و لا طريق إلى  توثيقه إلاّ رواية صفوان عنه، حيث شهد الشيخ الطوسي بأنّ  صفوان لا يروي إلاّ عن ثقة، لكن رواية صفوان عنه إنّما وقعت في  سند الصدوق في مشيخته إلى إسماعيل بن عبد الرحمن الجعفي، و  قد وقع في السند قبل صفوان من لم يثبت توثيقه.   و لكن يمكن أن يقال في المقام: إنّ رواية أحمد بن محمد بن  عيسى، عن إسماعيل بن عبد الرحمن الجعفي غير محتملة، لأنّه قد  نصّ في ترجمة إسماعيل بن عبد الرحمن الجعفي على أنّه مات في  حياة الإمام الصادق عليه السلام، و أحمد بن محمد بن عيسى و إن  كنّا لم نضبط تاريخ وفاته، و لكن ورد في ترجمته أنّه حضر  جنازة أحمد بن محمد بن خالد حافيا حاسرا [2]. و قد جاء في  ترجمة أحمد بن محمد بن خالد أنّه توفّي في سنة 274، إذن  

 

_____________________________________________

 

[1] ذكر النجاشي في ترجمة بسطام بن الحصين بن عبد الرحمن  الجعفي بن أخي خثيمة: (و إسماعيل كان وجها في أصحابنا، و  أبوه و عمومته، و كان أوجههم إسماعيل، و هم بيت بالكوفة من  جعفي..). فقد تدّعى دلالة ذلك على وثاقته.   

[2] هذا غير ثابت، إذ لم يرو إلاّ من قبل العلاّمة رحمه اللّه في  الخلاصة نقلا عن كتاب مجهول.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة234/ الجزء الثالث

 

فأحمد بن محمد بن عيسى كان حيّا في سنة 27

4 - أي بعد وفاة  الإمام الصادق عليه السلام بمائة و ستّ و عشرين سنة - فلو فرض  أنّه كان يروي عن إسماعيل بن عبد الرحمن الجعفي الّذي توفّي  في حياة الإمام الصادق عليه السلام للزم أن يكون عمره - على  الأقلّ - مائة و خمسا و أربعين سنة مثلا، و هذا مضافا إلى بعده في  نفسه مطمأنّ بعدمه بلحاظ عدم النصّ عليه في كتب الرّجال، و هم  ينصّون عادة على المعمّر كي لا يقع الاشتباه من هذه الناحية. فنحن  و إن كنّا نميل ميلا قويّا بلحاظ ما مضى إلى أنّ إسماعيل الجعفي  متى ما يطلق يراد به إسماعيل بن عبد الرحمن الجعفي، لا  إسماعيل بن جابر الجعفي [1] لكن في خصوص حديث الرفع قد  يجعل ما ذكرناه من عدم إمكان رواية أحمد بن محمد بن عيسى  عنه قرينة على كون المقصود به ابن جابر الجعفي لا ابن عبد  الرحمن.   و لكن الواقع أنّ هذا لا يشفع لتصحيح سند الحديث في المقام، فإنّ  رواية أحمد بن محمد بن عيسى، عن إسماعيل بن جابر الجعفي  الّذي هو من أصحاب الباقر و الصادق عليهما السلام من دون  واسطة يطمأنّ بخلافه، فإمّا أنّ إسماعيل الجعفي هنا شخص آخر  لا نعرفه، و أمّا أنّ الواسطة بينه و بين أحمد بن  

 

_____________________________________________

 

[1] و إن كان يطلق أيضا نادرا على إسماعيل بن جابر الجعفي كما  في رواية الأذان - على ما قاله النجاشي -، و كما فيما رواه الكليني  في الكافي، ج 6، الباب 20، من كتاب الطلاق، ح 1 و 3

عن إسماعيل  الجعفي، و رواه الصدوق بعينه في الفقيه، ج 3، ح 1615 عن  إسماعيل بن جابر الجعفي.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة235/ الجزء الثالث

 

محمد بن عيسى محذوف. و يؤيد عدم كون أحمد بن محمد بن  عيسى هو الراوي المباشر لحديث الرفع عن إسماعيل بن جابر  الجعفي المعروف أمور:   

الأوّل: أنّ أحمد بن محمد بن عيسى روى في روايات عديدة عن  إسماعيل بن جابر بواسطة البرقي.   الثاني: أنّه لم ينقل عن أحمد بن محمد بن عيسى في الفقه كلّه في  غير المقام أنّه روى عن الإمام الصادق عليه السلام بواسطة  واحدة، بل في جميع رواياته - بمقدار تتبّعي في الكتب الأربعة -  يروي أمّا بواسطتين أو بثلاث وسائط عن الإمام الصادق عليه  السلام. و في هذه الرواية يروي بواسطة واحدة و هي إسماعيل  الجعفي، و تاريخ أحمد بن محمد بن عيسى يقتضي أن يروي  بأكثر من واسطة، لأنّ الإمام الصادق عليه السلام توفّي سنة 148 و  أحمد بن محمد بن عيسى كان حيّا إلى سنة 274، فالفارق بينه و  بين الإمام الصادق عليه السلام يكون 126 سنة، فمن المستبعد جدّاً  وحدة الواسطة بينه و بين الإمام الصادق عليه السلام، إلاّ أن  يفرض طول عمر مهمّ في الواسطة.   الثالث: أنّ أحمد بن محمد بن عيسى ينقل في كتاب النوادر الّذي  أخذ عنه صاحب الوسائل هذا الحديث ينقل فيه حديث الرفع أيضا  بصيغة أخرى عن الحلبي، و هذا أشكل. فإنّنا إن لم نعثر على  تصريح بزمان وفاة إسماعيل بن جابر فقد صرّح بعض علماء  الرّجال بأنّ الحلبي توفّي في أيّام الإمام الصادق عليه السلام،   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة236/ الجزء الثالث

 

فالحلبي يكون من قبيل إسماعيل بن عبد الرحمن الجعفي الّذي لا  نحتمل رواية أحمد بن محمد بن عيسى عنه، و قد نقل حديث الرفع  عن الحلبي و عن إسماعيل الجعفي في سياق واحد، فكون هذه  الرواية مردفة برواية أخرى يقطع فيها بالإرسال، و إسقاط  الواسطة يقوّي احتمال إسقاط الواسطة في المقام [1].   الرابع: أنّ الشيخ و النجاشي طريقهما إلى إسماعيل بن جابر يمرّ  بمحمد بن عيسى بن عبيد، عن صفوان، عن إسماعيل بن جابر، و  محمد بن عيسى بن عبيد من مشايخ أحمد بن محمد بن عيسى، فإذا  كان شيخه يروي عن إسماعيل بن جابر بالواسطة فكيف أصبح  هو يروي عنه بلا واسطة؟ و قد تحصّل بكلّ ما ذكرناه: أنّ الحديث  ساقط سندا.   الجهة الثانية: أنّ هذا الحديث يرويه صاحب الوسائل  

 

_____________________________________________

 

[1] لا يخفى أنّنا لو كنّا نقبل رواية أحمد بن محمد بن عيسى عن  الإمام الصادق عليه السلام بواسطة واحدة، و كانت المشكلة في  روايته عن الحلبي منحصرة في مشكلة التصريح بوفاة الحلبي في  زمان الإمام الصادق عليه السلام أمكن ان يدّعى أنّ انصراف كلمة  (الحلبي) إلى الحلبي المشهور و هو محمد بن علي بن أبي شعبة  إنّما يكون حينما يرد على لسان من ينقل عنه ممّن أدركه، أمّا  حينما يرد على لسان من ينقل عنه ممّن لم يدرك محمد بن علي بن  أبي شعبة فهو محمول على غيره، فليحمل في المقام على يحيى بن  عمران الحلبي، و هو أيضا ثقة و هو يروي عن الصادق و عن  الكاظم عليهما السلام، و حديث الرفع الّذي رواه الحلبي مرويّ عن  الصادق عليه السلام. و على أيّ حال فالمهمّ في المقام أنّ فرض نقل  أحمد بن محمد بن عيسى عن الصادق عليه السلام بواسطة واحدة  يطمأنّ بخلافه.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة237/ الجزء الثالث

 

بسنده إلى أحمد بن محمد بن عيسى. و من هنا يتوجّه الإشكال  الثاني، و هو أنّ سند صاحب الوسائل إلى أحمد بن محمد بن  عيسى إنّما يكون بواسطة سند الشيخ إليه، و سند الشيخ إلى كل  روايات أحمد بن محمد بن عيسى ليس سواء، فله عدّة أسانيد كلّ  منهما سند إلى طائفة من رواياته، بعضها تامّ، و بعضها غير تامّ  لوجود أحمد بن محمد بن يحيى فيه [1]، و هو لم يثبت توثيقه إلاّ  بناء على قاعدة أنّ مشايخ الثلاثة - أعني مشايخ الصدوق و الكليني  و الشيخ - ثقات، و هذه القاعدة غير تامّة عندنا، فمن هنا يقع  الإشكال.   و الكلام في رفع هذا الإشكال يقع على مستويين:    

_____________________________________________

 

[1] يوجد في أحد تلك الأسانيد الحسين بن عبيد اللّه عن أحمد بن  محمد بن يحيى، لكنّه - بناء على ما مضى منّا في ذيل حديث الرفع  المنقول في الخصال و التوحيد من بيان لتوثيق أحمد بن محمد بن  يحيى و الحسين بن عبيد اللّه الغضائري - يكون الإشكال محلولا  بلحاظهما، لكنّه يبقى الإشكال من ناحية وجود ابن أبي جيد في  سند آخر له. و هذا أيضا يمكن حلّه بأنّ الشيخ الطوسي ذكر في  الفهرست سندين له إلى جميع كتب و روايات أحمد بن محمد بن  يحيى:   أحدهما: عدّة من أصحابنا منهم الحسين بن عبيد اللّه و ابن أبي  جيد، عن أحمد بن محمد بن يحيى العطّار، عن أبيه، و سعد بن عبد  اللّه عنه.   و الثاني: عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن الحسن بن  الوليد، عن أبيه، عن محمد بن الحسن الصفّار، عن محمد بن يحيى،  و الحسن بن محمد بن إسماعيل، عن أحمد بن محمد. و قد مضى  منّا في ذيل حديث الرفع المنقول في الخصال و التوحيد توضيح  وثاقة الحسين بن عبيد اللّه، و أحمد بن محمد بن يحيى، و أحمد بن  محمد بن الحسن بن الوليد. و لو وسوسنا في السند الثاني لعدم  معرفتنا للعدّة التي نقلت عن أحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد  كفانا السند الأوّل.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة238/ الجزء الثالث

 

 

الأوّل: رفعه على مستوى هذا الحديث الموجود فيه (رفع ما لا  يعلمون).  

 و الثاني: رفعه على مستوى مطلق ما ينقله الشيخ بإسناده عن أحمد  بن محمد بن عيسى.  

 أمّا على المستوى الأوّل: فهذا الإشكال مرفوع في المقام، لأنّ  صاحب الوسائل صرّح بأنّ هذا الحديث مأخوذ من كتاب النوادر  لأحمد بن محمد بن عيسى [1]، و قد صرّح الشيخ الطوسي رحمه  اللّه في مشيخته بسند تامّ له إلى نوادر أحمد بن محمد بن عيسى.  

 

 نظريّة التعويض:   

و أمّا على المستوى الثاني: فحلّ الإشكال يكون عن طريق ما  نسمّيه بنظرية التعويض، و هي فرض التصرّف في  

 

_____________________________________________

 

[1] و حتى لو لم يصرّح صاحب الوسائل بذلك يكفينا أن لا يذكر  اسم كتاب آخر، إذ يظهر من كلامه في خاتمة الوسائل أنّ الكتب  التي نقل عنها في الوسائل و لم يسمّها منحصرة في كتب سمّاها  في آخر الوسائل، و ليس فيها كتاب لأحمد بن محمد بن عيسى  عدا النوادر. و من هنا يتّضح أنّنا لو وجدنا حديثا في الوسائل عن  أحمد بن محمد بن عيسى من دون ذكر الكتاب الّذي أخذ منه  يكون الحديث تامّا سندا، بخلاف ما لو وجدنا حديثا في التهذيب  أو الاستبصار عنه من دون ذكر كتابه، فإنّه عندئذ لا يكون تامّا  سندا إلاّ بلحاظ ما سيشرح في المتن من نظرية التعويض.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة239/ الجزء الثالث

 

السند، إمّا باعتبار المقطع الأوّل بما فيه من نقطة الضعف، أو  باعتبار المقطع الثاني بما فيه من نقطة الضعف، أو باعتبار تمام  السند و استبداله بسند آخر. و هذه النظرية لها عدّة وجوه  نذكرها لأنّها مفيدة جدّاً في تصحيح كثير من الروايات التي قد  يعسر تصحيحها بالصورة الابتدائية، و نرى أنّه هل يأتي بعض  هذه الوجوه في روايات أحمد بن محمد بن عيسى أو لا؟ الوجه  

الأوّل: أن يفرض أنّ سند الشيخ إلى أحمد بن محمد بن عيسى مثلا  و إن كان ضعيفا بشخص لكنّه وقع بعد ذلك الشخص ثقة، أي أنّه  كان ذاك الثقة أقرب من ذاك الضعيف إلى الإمام و كان للشيخ  إلى روايات ذلك الثقة سند صحيح فيعوّض بذلك السند عن  المقطع الأوّل من سند الشيخ.   و هذا الوجه منطبق في ما نحن فيه، لأنّه في إحدى طائفتي أخبار  [1] أحمد بن محمد بن عيسى التي يرويها الشيخ بسند ضعيف  يوجد بعد الضعف محمد بن عليّ بن محبوب، و الشيخ له طريق تامّ  مصرّح به في الفهرست إلى جميع كتبه و رواياته، و في الطائفة  الأخرى [2] يوجد بعد الضعف محمد بن الحسن  

 

_____________________________________________

 

[1] يقصد بها رحمه اللّه ما رواه الشيخ عن الحسين بن عبيد اللّه،  عن أحمد بن محمد بن يحيى العطّار، عن أبيه محمد بن يحيى، عن  محمد بن عليّ بن محبوب، عن أحمد بن محمد بن عيسى.   

[2] يقصد بها رحمه اللّه ما رواه الشيخ عن أبي الحسين بن أبي جيد،  عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد بن الحسن الصفّار، عن  أحمد بن محمد.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة240/ الجزء الثالث

 

الصفّار [1]، و الشيخ له طريق تامّ مصرّح به في الفهرست إلى  جميع كتبه و رواياته [2].   و تحقيق الكلام في هذا الوجه مبنيّ على معرفة معنى قول الشيخ:  (أخبرنا بجميع كتبه و رواياته فلان عن فلان)، إذ توجد في المراد  منه بدوا احتمالات عديدة:   

الأوّل: أن يكون المقصود جميع الكتب و الروايات التي تكون في  علم اللّه لمحمد بن الحسن الصفّار مثلا.   و الثاني: أن يكون المقصود جميع الكتب و الروايات التي ينسبها  الشيخ إليه، و يعتقد وجدانا و تعبّدا أنّها له.    

_____________________________________________

 

[1] و كذلك محمد بن الحسن بن الوليد.   

[2] و قد يناقش أحد في الجزم بكون مجموع الأسانيد المختلفة  الواردة في مشيخة الشيخ الطوسي رحمه اللّه إلى المجموعات  المتعدّدة من رواياته عن أحمد بن محمد بن عيسى مستوعبا  لجميع ما في كتبه من روايات عن أحمد بن محمد بن عيسى.   و هذا النقاش و إن كنّا نطمئنّ بخلافه، و لكن لو أنّ أحدا احتمله و  أراد أن يتخلّص منه فعلاجه هو الانتقال عن تصحيح سند الشيخ  إلى أحمد بن محمد بن عيسى في المشيخة إلى تصحيح سنده إليه  في الفهرست، فإنّ أسانيد الشيخ إليه في الفهرست مستوعبة  لجميع كتبه و رواياته، و قد وقع فيها سعد بن عبد اللّه، و كذلك  محمد بن الحسن بن الوليد، و كذلك محمد بن الحسن الصفّار عنه،  و للشيخ الطوسي رحمه اللّه سند تامّ إلى كلّ هؤلاء الثلاثة، لأنّه  يروي جميع كتبهم و رواياتهم عن عدّة من الأصحاب عن الصدوق  عنهم، و من تلك العدّة الشيخ المفيد بدليل ما صرّح به الشيخ في  سنده إلى الصدوق في الفهرست.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة241/ الجزء الثالث

 

و الثالث: أن يكون المقصود جميع الكتب و الروايات التي تنسب  إليه.   و الرابع: أن يكون المقصود جميع الكتب و الروايات التي تنسب  إليه، و وصلت إلى الشيخ.   أمّا الاحتمال

الأوّل: فلا يكون عقلائيّا كما هو واضح، إذ لا يمكن  عادة للشيخ -قدّس سرّه- أن يعلم جميع ما صدر في علم اللّه من  أخبار عن الصفّار، و يعلم أنّه ليس له غير ما علمه هو.   و لو تمّ هذا الاحتمال تمّ هذا الوجه من نظرية التعويض، إذ أنّ هذا  الحديث لا نحتمل كون الشيخ قاطعا بعدم صدوره من الصفّار، و  إلاّ لما كان ينقله في كتابه، و المفروض أنّه لا يوجد حديث يشكّ  الشيخ في أنّه صادر من الصفّار أو لا، فينحصر في أنّه كان قاطعا  بصدور هذا الحديث من الصفّار، فهو داخل في عموم قوله:  (أخبرنا بجميع كتبه و رواياته فلان عن فلان) [1].   و من هنا ظهر حال الاحتمال الثالث، فإنّه أيضا ليس عقلائيّا، إذ  عادة لا يمكن للشيخ أن يعلم بجميع ما ينسب إلى الصفّار، و يعلم  أنّه لا ينسب إليه غير ما علم به.   و لو تمّ هذا تمّ هذا الوجه من نظرية التعويض أيضا، إذ  

 

_____________________________________________

 

[1] أو يقال: إنّ هذا الحديث لو لم يكن قد وصله عن هذا الطريق  لقطع بكذبه، لعلمه بأنّ جميع كتبه و رواياته وصلته عن هذا  الطريق، و لو قطع بكذبه لما رواه في كتابه.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة242/ الجزء الثالث

 

المفروض أنّ هذا الحديث ينسب إلى الصفّار، فهو داخل في عموم  قوله: (أخبرنا بجميع كتبه و رواياته فلان عن فلان).  

 و بعد وضوح بطلان الاحتمال الأوّل و الثالث يدور الأمر بين  الاحتمال الثاني و الرابع.   و بناء على الاحتمال الثاني لا يتمّ هذا الوجه من النظريّة، إذ كون  هذا الحديث ممّا يعتبره الشيخ وجدانا و تعبّدا صادرا من الصفّار  حتى يكون داخلا في عموم (أخبرني بجميع كتبه و رواياته) أوّل  الكلام، و هذا بخلاف الاحتمال الرابع، فإنّ المفروض وصول هذا  الحديث إلى الشيخ، فهو عليه داخل في عموم ذاك الكلام.   و الاحتمال الثاني خلاف الظاهر، فإنّ الظاهر أنّ الشيخ إنّما يقول  هذا الكلام، أي قوله: (أخبرنا بجميع كتبه و رواياته فلان عن  فلان) بما هو من أهل الرواية و الحديث، لا بما هو مجتهد في  الأحاديث يحكم بأنّه حقّا حديثه أو لا، و إنّما قال الشيخ رحمه اللّه  هذا الكلام لإمكان تصحيح روايات ذلك الشخص و كتبه لنا و  إخراجها عن الإرسال، و لو فرض أنّ مقصوده خصوص الكتب و  الروايات التي يعتبرها الشيخ كتبا و روايات له لم يفد هذا الكلام  في نفسه شيئا، إذ لعلّ هذا الخبر الّذي يرويه الشيخ عنه ليس له  علم وجدانيّ، أو تعبّديّ بأنّه له، و لا ينافي ذلك ذكره إيّاه، لكون  هذا الحديث مرويّا عنه.   

و الخلاصة: أنّ الظاهر عرفا من هذا الكلام إنّما هو المعنى   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة243/ الجزء الثالث

 

الرابع دون الثاني، و لذا لو رأينا في مكتبة الشيخ كتابا للصفّار و  علمنا بأنّ هذا الكتاب قد رآه الشيخ و وصله نحكم بكونه للصفّار،  لأنّ الشيخ ذكر لنفسه طريقا صحيحا إلى جميع كتب الصفّار و  رواياته [1]. أمّا فرض تقييد الاحتمال الرابع بما إذا لم  

 

_____________________________________________

 

[1] و قد يفترض أنّ المقصود بقوله: (أخبرنا بجميع كتبه و  رواياته) هو كلّما رواه الشيخ عنه، و عليه تتمّ نظريّة التعويض في  المقام، لأنّ المفروض أنّ الحديث الفلاني قد رواه عنه، و لكن لا  يتمّ سند كتاب يفترض أنّنا رأيناه في مكتبة الشيخ و علمنا أنّه  وصله، لأننا لا نعلم أنّه قد رواه.   إلاّ أنّ الوجه الّذي اختاره أستاذنا رحمه اللّه و هو كون المقصود  كلّما وصله عنه أقوى من هذا الاحتمال، و هو كون المقصود كلّما  رواه عنه، فإنّ الرواية أخصّ من الوصول، فكلّما رواه قد وصله، و  ليس من الضروري أنّ كلّما وصله قد رواه، إذن فعنوان ما رواه  مشتمل على قيد زائد منفي بالإطلاق، أي أنّ قوله: (أخبرنا بجميع  كتبه و رواياته) كان مقتضى أصالة الإطلاق أن يحمل على جميع  كتبه و رواياته في علم اللّه، لكن علمنا بقرينة مّا أنّ هذا غير  مقصود، فدار الأمر بين أن يكون المقصود هو الإخبار بجميع ما  وصله، أو يكون هناك قيد إضافيّ لم يبيّن و هو قيد رواياته عنه،  و القيد الإضافي منفيّ بالإطلاق.   لا يقال: إنّه دار الأمر بين قيد الوصول و قيد الرواية. و صحيح أنّ  دائرة الوصول أوسع من دائرة الرواية، لكن الإطلاق لا يعيّن  المفهوم الواسع في مقابل المفهوم الضيّق، و إنّما ينفي القيد الزائد  على مفهوم فرض تعيّنه.   فإنّه يقال: إن قوله (أخبرنا بجميع كتبه و رواياته) لم يكن قضيّة  حقيقية حتى يمكن تقييده بأحد العنوانين بنحو القضيّة الحقيقية، بل  هو قضيّة خارجيّة، و تقييده إنّما يتصور بنحو القضيّة الخارجيّة و  حتى لو أخذ العنوان في التقييد كان في واقعه مشيرا إلى الأفراد  الخارجيّة، و الأفراد الخارجيّة التي خرجت بالتقييد، أو التخصيص   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة244/ الجزء الثالث

 

يروه الشيخ في كتابه بسند آخر فتقييد بلا موجب، و مخالف  للظاهر و المتفاهم عرفا.   الوجه الثاني: عكس الوجه الأوّل، ففي الوجه الأوّل كنّا نستبدل  المقطع الأوّل من السند بسند صحيح، و في هذا الوجه نستبدل  المقطع الثاني منه بسند صحيح، و هذا الوجه هو أن يفرض أنّ في  سند الحديث الضعيف الّذي رواه الشيخ عن أحمد بن محمد بن  عيسى مثلا، وقع شخص ثقة قبل الضعف، و لا يوجد ضعف بين  الشيخ و ذاك الثقة، و يفرض أنّنا عثرنا على طريق تامّ لذلك الثقة  يذكره إلى جميع ما وصله من كتب و روايات ثقة وقع بعد  الضعف، و هو نفس أحمد بن محمد بن عيسى مثلا، أو إلى الإمام  رأسا، أي أن يكون له طريق تامّ لجميع ما وصله من الإمام الّذي  روى عنه أحمد بن محمد بن عيسى مثلا، فنعوّض المقطع الثاني من  السند إلى أحمد بن محمد بن عيسى، أو إلى الإمام بذلك، إذ قد  ثبت - و لو تعبّدا بنقل الثقات الذين وقعوا قبل هذا الثقة - أنّ هذا  الحديث يكون ممّا وصله، فيدخل في إطلاق السند الّذي فرض له  إلى جميع ما وصله من روايات أحمد بن محمد بن عيسى مثلا إذا  عرفنا أنّ هذا الحديث لم يحصل عليه أحمد بن محمد بن عيسى بعد  قوله: (أخبرنا بكتبه و رواياته فلان عن فلان)، كما إذا علمنا أنّ  - مردّدة بين الأقل و الأكثر، فيقتصر على الأقل بحكم الإطلاق.   و على أيّة حال فهذان الاحتمالان سيّان في ملائمتهما لنظريّة  التعويض، فلا يؤثر تعيين أحدهما و عدمه.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة245/ الجزء الثالث

 

هذا الكلام صدر منه بعد استكمال أمره في تحصيل الروايات.   و هذا الوجه جوهره في الحقيقة هو جوهر الوجه الأوّل، و لكن  يختلف عنه في أسلوبه.   الوجه الثالث: عبارة عن تعويض سند الشيخ مثلا إلى صاحب كتاب  في رواية ينقلها عن ذاك الكتاب إذا كان ضعيفا بسند النجاشي  إليه مثلا إذا كان صحيحا، فلو فرضنا أنّ الشيخ مثلا، روى عن عليّ  بن الحسن بن فضّال حديثا و كان في سند الشيخ إليه ضعف، و  للنجاشي سند تامّ إليه فبالإمكان تعويض سند الشيخ بسند  النجاشي بشرط أن يكون الشخص الّذي وقع بعد الشيخ مباشرة  ثقة، و نفترض أنّ للنجاشي مثلا، الّذي هو ثقة يوجد - من حسن  الصدفة - طريقان إلى عليّ بن الحسن بن فضّال، أحدهما نفس  طريق الشيخ المشتمل على الضعف، و الآخر طريق صحيح، و  نفترض أنّ النجاشي لم يكتف بقوله بنحو الإجمال: (أخبرنا بجميع  كتبه فلان عن فلان)، بل صرّح باسم الكتب، و كذلك الشيخ، و  رأينا أنّ الكتب التي سمّاها الشيخ -قدّس سرّه- قد سمّاها أيضا  النجاشي، فعندئذ نبدّل سند الشيخ الّذي فيه ضعف بسند النجاشي  الصحيح. و الوجه في هذا الاستبدال هو أنّ ظاهر كلام النجاشي  الّذي ذكر طريقين إلى كتب علي بن الحسن بن فضّال أنّ تلك  الكتب نقلت له بالطريق الصحيح بنفس النسخة التي نقلت له  بالطريق الضعيف، و لا يحتمل عقلائيّا أنّ النسخة التي نقلت له  بالطريق الضعيف تختلف عن النسخة التي وصلت إلى الشيخ بنفس  ذلك الطريق،   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة246/ الجزء الثالث

 

فإنّ المفروض أنّ من وقع بعد الشيخ بلا فاصل ثقة، فلا يحتمل أنّه  أعطى نسخة إلى الشيخ و رواها عن علي بن الحسن بن فضّال، و  نسخة أخرى إلى النجاشي فرضها كذبا نفس ذلك الكتاب و  رواها عنه، كما لا يحتمل عادة عقلائيّا أنّ ذاك الثقة كانت عنده  نسختان مختلفتان من ذلك الكتاب، و لم ينبّه الشيخ و لا النجاشي  إلى اختلاف النسختين، أو هو لم ينتبه إلى اختلاف النسختين مع  وجودهما عنده رغم ما كان متعارفا وقتئذ لديهم من التدقيق في  متون الأخبار و القراءة و المقابلة و نحو ذلك [1].   و بهذا الوجه يمكن تصحيح طريق الشيخ إلى علي بن الحسن بن  فضّال الّذي هو ضعيف بالزبيري، حيث قال الشيخ:   (أخبرنا بكتبه قراءة عليه أكثرها و الباقي إجازة أحمد بن عبدون  عن علي بن محمد بن الزبير سماعا و إجازة عن علي بن الحسن  بن فضّال)، و الزبيري لم تثبت و ثاقته، لكن النجاشي له في  فهرسته طريقان إلى كتبه، أحدهما نفس طريق الشيخ [2]، و  الآخر طريق  

 

_____________________________________________

 

[1] لا يخفى أنّ هذا الكلام يتمّ كلّما كان الثقة المباشر للشيخ  مباشرا للنجاشي أيضا بالنسبة لنفس الكتب، سواء فرضنا أنّ  النجاشي كان يمتلك سندين أحدهما هو عين السند الضعيف الّذي  كان يمتلكه الشيخ، أو فرضنا أنّ النجاشي كان يمتلك سندين  كلاهما غير سند الشيخ و كان أحدهما صحيحا، و كان الشخص  المباشر للنجاشي في السند الآخر هو نفس ذاك الثقة، أو فرضنا  أنّ النجاشي كان يمتلك سندا صحيحا إلى نفس الكتب، و كان  الشخص المباشر فيه للنجاشي هو ذاك الثقة من دون فرق بين أن  يمتلك أو لا يمتلك سندا آخر أصلا.   

[2] لا يخفى أنّ الشخص المباشر في هذا الطريق للشيخ و النجاشي  هو   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة247/ الجزء الثالث

 

آخر صحيح و هو: محمد بن جعفر [1] في آخرين عن أحمد بن  محمد بن سعيد، عن عليّ بن الحسن، و قد سمّى النجاشي جميع  - أحمد بن عبدون، و لا دليل على وثاقته إلاّ على مبنى السيّد  الخوئي رحمه اللّه القائل بوثاقة مشايخ النجاشي، فإن لم نقبل بهذا  الكلام فالشرط الأوّل و هو وثاقة الراوي المباشر مفقود في  المقام.   نعم قد يستغنى من هذا الشرط أساسا، و ذلك بتقريب أنّ ما ورد  في مشيخة التهذيبين بعد ذكره جملا من الطرق إلى المصنّفات و  الأصول من الإرجاع إلى الفهارس المصنّفة للشيوخ لمعرفة باقي  الطرق دليل على أنّه لم تكن وقتئذ مشكلة الاختلاف في ما بين  نسخ الكتب التي يكون للشيخ طريق إليها إلاّ ما ينصّ عليه، إذن  فلو كان للشيخ طريق صحيح أو ضعيف إلى أحد الأشخاص  الواقعين في الطريق الصحيح للنجاشي الّذي يمتلكه إلى تلك الكتب  تمّ سند الحديث المطلوب بلا حاجة إلى افتراض سند آخر  للنجاشي، و إلاّ فلو كان للشيخ طريق صحيح أو ضعيف إلى أحد  الأشخاص الواقعين في الطريق الآخر للنجاشي الضعيف كفى ذلك  أيضا في إثبات وحدة النسختين، و بالتالي الأخذ بالطريق  الصحيح للنجاشي لتصحيح سند الحديث المطلوب، و بما أنّه في  مثال عليّ بن الحسن بن فضّال كان سند النجاشي الضعيف و سند  الشيخ إلى كتبه واحدا، إذن فالنسختان واحدة، إذ كان يكفي  لإثبات وحدة النسختين الاشتراك في شيخ واحد كما عرفت،  فكيف بالاشتراك في كلّ السند؟ و النسخة الواصلة إلى النجاشي  بالسند الضعيف و بالسند الصحيح أيضا واحدة. فبهذا تتمّ كل  الأحاديث التي يرويها الشيخ عن عليّ بن الحسن بن فضّال.   

_____________________________________________

 

[1] و محمد بن جعفر و إن لم يثبت توثيقه إلاّ على مبنى وثاقة  مشايخ النجاشي، و لكن المفروض أنّ محمد بن جعفر معه آخرون  من مشايخ النجاشي، فإن لم نقل بالاطمئنان بأنّ أحدهم - على  الأقلّ - كان ثقة فلا أقلّ من الاطمئنان، أو القطع بعدم تواطئهم على  الكذب في المقام، فإنّ مشايخ النجاشي إن لم نقل بوثاقتهم فلا  شكّ في أنّهم لم يكونوا من الكذّابين.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة248/ الجزء الثالث

 

الكتب التي سمّاها الشيخ [1].   إلاّ أنّ في هذا المثال طريقا للمناقشة، و ذلك لأنّ النجاشي قال:  (أخبرنا فلان عن فلان بكتبه) و لم يعطف على كتبه رواياته، فقد  يبدي أحد احتمال كون المقصود أخبرنا بعناوين كتبه لا  

 

_____________________________________________

 

[1] إلاّ أنّه ورد في ما عدّه الشيخ كتاب صفات النبيّ صلى اللّه عليه  و آله و سلّم و لم يرد هذا الاسم عن النجاشي، و لكن النجاشي عدّ  كتبا عديدة ممّا لم يعدّه الشيخ، و منها كتاب وفاة النبيّ صلّى اللّه  عليه و آله و سلّم، فيحتمل قويّا أنّ هذا هو كتاب صفات النبيّ، و  أنّ إحدى الكلمتين تصحيف عن الآخر، أو أنّ الكتاب مشتمل على  صفات النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و وفاته، فسمّي تارة بهذا  الاسم، و أخرى بذاك الاسم، و لو فرض التعدّد فالحديث الّذي لم  يرد في صفات النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم نطمئنّ - بحساب  الاحتمالات - بكونه مأخوذا من كتاب آخر غير كتاب صفات النبيّ  صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.   و من الكتب التي ذكرها الشيخ رحمه اللّه هو كتاب (الأصفياء)، إلاّ  أنّ النجاشي ذكر ما نصّه: (و رأيت جماعة من شيوخنا يذكرون  الكتاب المنسوب إلى عليّ بن الحسن بن فضّال المعروف بأصفياء  أمير المؤمنين عليه السلام، و يقولون إنّه موضوع عليه لا أصل له،  و اللّه أعلم، قالوا: و هذا الكتاب ألصق رواية إلى أبي العباس بن  عقدة و ابن الزبير، و لم نر أحدا ممّن روى عن هذين الرجلين  يقول قرأته على الشيخ، غير أنّه يضاف إلى كلّ رجل منهما  بالإجازة حسب). و هذا الكلام يعني أنّ هذا الكتاب لم يصل إذن  إلى النجاشي عن طريقه الصحيح، لأنّ هذا الكتاب لم تعرف  روايته عن غير ابن عقدة و ابن الزبير. فأحمد بن محمد بن سعيد  الّذي روى عنه كتب ابن فضّال محمد بن جعفر في آخرين لم يرو  هذا الكتاب، و لو فرض أنّه رواه فروايته تعارض ما قاله جماعة  من شيوخ النجاشي من أنّ هذا الكتاب موضوع على ابن فضّال. و  على أيّة حال فحينما نرى الرواية أجنبيّة عن مسألة الأصفياء  نطمئنّ - بحساب الاحتمالات - بأنّها مأخوذة من كتاب آخر غير  كتاب الأصفياء.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة249/ الجزء الثالث

 

بواقع كتبه.   كما أنّ هذا الإشكال - إن تمّ - يأتي حتى في تصحيح طرق الشيخ  إذا كان طريقه في المشيخة ضعيفا و في الفهرست صحيحا.  فنقول: إن لم يعطف في الفهرست رواياته على كتبه جاءت فيه  نفس هذه المناقشة [1]. نعم حينما تعطف الروايات على الكتب لا  نحتمل أن يكون المراد عناوين الروايات، إذ لا معنى للعناوين في  قبال الواقع بالنسبة للروايات، فبقرينة وحدة السياق يكون ظاهر  الكلام هو الإخبار عن واقع الكتب أيضا.   و على أيّة حال، فهذا إشكال صغروي - إن تمّ - لم يضرّ بأصل  الكبرى، فهذا الوجه من التعويض صحيح و لو في خصوص فرض  عطف الروايات على الكتب.   الوجه الرابع: أوسع من الوجوه الماضية، و حاصله: أنّنا إذا وجدنا  طريقا ضعيفا من الشيخ إلى أحمد بن محمد بن عيسى مثلا، و لكن  طريق الصدوق رحمه اللّه إليه كان صحيحا في المشيخة، نحكم  بصحّة الحديث الّذي يرويه الشيخ عن أحمد بن محمد بن عيسى  بذاك الطريق الضعيف، سواء كان الصدوق داخلا في طريق الشيخ  أو لا، و ذلك باعتبار أنّ طريق الشيخ إلى الصدوق صحيح، فيتلفّق  من طريق الشيخ إلى الصدوق  

 

_____________________________________________

 

[1] لا يبعد القول بأنّ التتبّع في فهرست الشيخ الطوسي يوجب  استظهار أنّ هدفه في قوله: (أخبرني بكتبه فلان عن فلان) هو  إعطاء السند للكتب لا مجرّد سرد أسماء الكتب.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة250/ الجزء الثالث

 

و الصدوق إلى أحمد بن محمد بن عيسى طريق صحيح.   و هنا إشكال واضح، و هو أنّ الصدوق في المشيخة يذكر طرقه  إلى الروايات التي رواها في من لا يحضره الفقيه، و هذه الرواية  الضعيفة التي نريد تصحيحها غير موجودة في من لا يحضره  الفقيه، و إلاّ لعملنا بها ابتداء، و إنّما هي موجودة في كتاب  التهذيب للشيخ الطوسي رحمه اللّه فكيف نعرف أنّ هذه الرواية  الموجودة في كتاب التهذيب يرويها الصدوق أيضا بذلك الطريق  الصحيح؟ بل و حتى لو كان الصدوق يصرّح في مشيخة الفقيه بأنّ  هذه الطرق طرق إلى جميع كتب و روايات من يروي عنه كان هذا  الإشكال أيضا واردا، لما عرفت من أنّ معنى هذا الكلام هو أنّ  جميع الكتب و الروايات الواصلة إليه يرويها بالسند الفلاني، و لا  سبيل لنا لمعرفة أنّ هذا الحديث وصل إلى الصدوق رحمه اللّه.   و لدفع هذا الإشكال لا بدّ أن يتمسّك بما ذكره الشيخ الطوسي من  الحوالة في آخر مشيخته في التهذيب، و الاستبصار على فهارس  الشيوخ حيث قال في آخر مشيخته في التهذيب:   (قد أوردت جملا من الطرق إلى هذه المصنّفات و الأصول، و  لتفصيل ذلك شرح يطول، هو مذكور في الفهارس المصنّفة في  هذا الباب للشيوخ (رحمهم اللّه)، من أراده أخذه من هناك - إن شاء  اللّه - و قد ذكرنا نحن مستوفي في كتاب فهرست الشيعة).   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة251/ الجزء الثالث

 

و قال في آخر مشيخته في الاستبصار: (قد أوردت جملا من  الطرق إلى هذه المصنّفات و الأصول، و لتفصيل ذلك شرح  يطول، هو مذكور في الفهارس للشيوخ، فمن أراده وقف عليه من  هناك (إن شاء اللّه تعالى).   و من هنا ظهر أنّ تماميّة الرجوع في مقام تصحيح سند خبر ذكره  الشيخ إلى مشيخة الصدوق مبنيّة على دعوى أنّ المقصود من كلام  الشيخ في آخر كتابيه ليس هو الحوالة على خصوص فهارس  الشيوخ التي يذكر فيها طرقهم إلى أصحاب الكتب و الأصول  بلحاظ كلّ ما وصل إليهم من كتبهم و رواياتهم، و استظهار أنّ  كلامه -قدّس سرّه- في كتابيه حوالة على القضيّة الخارجيّة من  الفهارس الموجودة للشيوخ و من أجلى مصاديقها مشيخة الصدوق  و إن كانت - بحسب مدلولها اللّفظي - مشيخة لخصوص الروايات  المذكورة في الفقيه، فإطلاق كلام الشيخ شامل لذلك، و يدلّ على  أنّ نفس الطرق التي للصدوق إلى أصحاب هذه المصنّفات هي  موجودة له أيضا بالنسبة للروايات التي ذكرها في التهذيب، فإن  لم يقطع بهذا الظهور لم يتمّ ذلك.   إن قلت: إنّ هذا الإطلاق معارض بقوله: (و قد ذكرنا نحن  مستوفي في كتاب فهرست الشيعة (فإنّ ظاهره أنّه ذكر جميع  طرقه في فهرسته، فالحديث الضعيف في مشيخته إن وجدنا سندا  صحيحا له في فهرسته فلا حاجة إلى الرجوع إلى مشيخة الصدوق،  و إلاّ فمقتضى إخباره بذكر جميع طرقه في فهرسته أنّ الطريق  الموجود في مشيخة الصدوق غير الموجود في   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة252/ الجزء الثالث

 

فهرست الشيخ لم يكن عند الشيخ.   قلت:

أولا: أنّ هذا الظهور لكلمة مستوفي غير معلوم، و لا يبعد أن  يكون المقصود أنّنا تعرّضنا لذلك مفصّلا - و لو من باب ذكر جلّ  المطلب - في فهرست الشيعة.   

و ثانيا: أنّه مع فرض تعارض الظهورين في كلامه في التهذيب و  حصول الإجمال نرجع إلى ما مضى من كلامه في الاستبصار، لعدم  اقترانه بمثل هذه الجملة التي أوجبت الإجمال، و لا يتخيّل أنّ هذا  يفيد فقط بالنسبة للرواية الموجودة في الاستبصار و لا يفيدنا  لروايات التهذيب، إذ لم يقل: (الطرق إلى أخبار هذا الكتاب) كي  يرد هذا الإشكال، بل قال: (الطرق إلى هذه المصنّفات و الأصول)  [1].   

و ثالثا: أنّه ذكر الشيخ في فهرسته طريقه إلى الصدوق، و هذا  كاف في رفع التهافت بين الظهورين، فإنّ ذلك ذكر إجمالي  لجميع طرق الصدوق الموجودة في مشيخته، و قد فرضنا أنّ طرق  الصدوق في مشيخته في الحقيقة طرق له إلى جميع كتب الرّواة  المذكورين في فقيهة الواصلة إليه، لا إلى خصوص  

 

_____________________________________________

 

[1] لو عرفنا أنّ الروايات المذكورة في التهذيب مأخوذة من نفس  المصنّفات و الأصول التي أخذ منها روايات الاستبصار لم يرد هذا  الإشكال حتّى لو عبّر ب (الطرق إلى أخبار هذا الكتاب)، لأنّ  روايات الفقيه إنّما أخذها من المصنّفات و الأصول، و طرقه إليها  هي طرقه إلى تلك المصنّفات و الأصول، و لو لم نعرف ذلك ورد  الإشكال رغم تعبيره ب (الطرق إلى هذه المصنّفات و الأصول).   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة253/ الجزء الثالث

 

الروايات المذكورة في الفقيه و إن كان كلامه في مشيخته لا يدلّ  - من باب الضيق في التعبير - على أزيد من كونها طرقا إلى  خصوص الروايات المذكورة في الفقيه، و ذلك بقرينة إطلاق كلام  الشيخ في الحوالة على فهارس الشيوخ.   و على أيّة حال، ففي خصوص ما نحن فيه قد عرفت أنّنا لا نحتاج  في مقام تصحيح الخبر إلى أحمد بن محمد بن عيسى إلى نظرية  التعويض أصلا، لأنّ الحديث مأخوذ من نوادر أحمد بن محمد بن  عيسى و سند صاحب الوسائل إلى النوادر الّذي هو سند له إلى  الشيخ، و من الشيخ إلى النوادر تامّ في ذاته، فالإشكال من هذه  الناحية منتف بقطع النّظر عن نظريّة التعويض، كما عرفت أنّ  انتفاء الإشكال من هذه الناحية - أعني ناحية السند إلى أحمد بن  محمد بن عيسى - لا تفيدنا بعد ما تركّز الإشكال الأوّل، و هو  الإشكال من ناحية رواية أحمد بن محمد بن عيسى، عن إسماعيل  الجعفي.   و لنرجع مرّة أخرى إلى حديث رفع التسعة المذكور في الخصال و  التوحيد و الفقيه الّذي مضى ضعفه سندا، فإنّه يمكن تصحيحه عن  طريق نظريّة التعويض.   فنقول: قد عرفت أنّ سند الصدوق في الخصال في حديث رفع  التسعة غير صحيح باعتبار أحمد بن محمد بن يحيى، و لعلّ الشيخ  الأعظم رحمه اللّه إنّما عبّر بسند صحيح في الخصال بناء منه على  صحة أحمد بن محمد بن يحيى - كما هو   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة254/ الجزء الثالث

 

المعروف بين جملة من الأكابر -، و تعبير المتأخرين بنفس هذا  التعبير حتى السيّد الأستاذ الّذي لا يقول بوثاقة أحمد بن محمد بن  يحيى لعلّه من باب المتابعة للشيخ الأعظم -قدّس سرّه- من دون  مراجعة الخصال.  

 و على أيّة حال، فنحن نبني على ضعف هذا السند باعتبار وجود  أحمد بن محمد بن يحيى فيه الّذي لم يثبت توثيقه، إلاّ أنّنا مع هذا  نقول باعتبار حديث رفع التسعة، و ذلك بنظريّة التعويض و  يمكن بيان ذلك بتقريبين:   التقريب

الأوّل: يتوقف على مقدّمات ثلاث:   المقدّمة الأولى: أنّ الصدوق رحمه اللّه ذكر هذا الحديث في توحيده  مسندا بهذا الإسناد غير الصحيح، و هو أحمد بن محمد بن يحيى  قال: (حدّثنا سعد بن عبد اللّه، عن يعقوب بن يزيد، عن حماد بن  عيسى، عن حريز) و ذكره في الخصال مسندا بنفس هذا الإسناد  أيضا و إن وقع خطأ في نسخة الخصال المطبوعة، حيث إنّه جاء  فيها بدلا عن أحمد بن محمد بن يحيى محمد بن أحمد بن يحيى، مع  أنّ وقوع محمد بن أحمد بن يحيى هنا غير معقول، و ذكر الحديث  في الفقيه مرسلا بعنوان قال أبو عبد اللّه عليه السلام، فيدّعى أنّ  الظنّ الاطمئنانيّ قاض بأنّ نظره في هذا الحديث الّذي ذكره بنحو  الإرسال كان إلى السند المذكور في الخصال و التوحيد وحده، أو  إليه و إلى سند آخر، و لا يحتمل عقلائيّا أنّه كان نظره إلى سند  آخر فحسب   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة255/ الجزء الثالث

 

دون هذا السند، و ذلك لأنّنا نعرف بقرينة ذكره لهذا السند في  كتابيه، و اقتصاره عليه فيهما أنّ هذا السند كان ملحوظا له في  نفسه بالنسبة لهذا الحديث، فعدم التفاته إليه في الفقيه و ذكره فيه  اعتمادا على سند آخر فحسب بعيد جدّاً، و هذا لا يتوقّف على  إثبات كون الخصال و التوحيد مؤلّفين قبل الفقيه، حيث إنّ  الظاهر أنّه ألّف الفقيه في أواخر عمره، بل يتمّ حتى لو فرض  تأليفهما بعده، فإنّه ألّف الفقيه بعنوان تسجيل فتاواه لصديقه الّذي  طلب منه ذلك، و بعد أن أكمل تحصيله للروايات و صار فقيها و  كاملا، بل في أواخر حياته خصوصا أنّ الصدوق قد أكمل ذلك في  شبابه و في أوائل عمره دون أواخر عمره، باعتبار ما كان يمتلكه  من النبوغ.   المقدّمة الثانية: أنّه بعد أن ثبت نظر الصدوق في الفقيه إلى السند  المذكور في الخصال و التوحيد يدّعى الاطمئنان بأنّه كان نظره  إلى كتاب من كتب هؤلاء، لأنّه التزم في أوّل الفقيه بأنّ روايات  هذا الكتاب مأخوذة من المصنّفات و الكتب المشهورة التي عليها  المعوّل، و قد روى هذا الحديث في التوحيد و الخصال عن كتاب  يعقوب بن يزيد حيث قال: أحمد بن محمد بن يحيى قال: (حدّثنا  سعد بن عبد اللّه عن يعقوب بن يزيد.).   و الطريقة العامّة للصدوق في التوحيد و الخصال - على ما تتبّعناه  - هي أنّه يكرّر حدّثنا ما دامت الرواية مأخوذة بالشفاهة حتى إذا  وصل إلى الكتاب يبدل كلمة (حدّثنا) بكلمة (عن)، فيظهر أنّ هذا  الحديث موجود في كتاب يعقوب بن يزيد، و لعلّه   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة256/ الجزء الثالث

 

موجود أيضا في كتاب سعد بن عبد اللّه، أو حماد بن عيسى، أو  حريز. أمّا أحمد بن محمد بن يحيى فليس له كتاب. فقد ثبت  بمجموع هاتين المقدّمتين أنّ هذا الحديث في الفقيه مأخوذ من  كتاب يعقوب بن يزيد، أو حماد بن عيسى، أو حريز، و في أكبر  الظنّ هو مأخوذ من كتاب يعقوب بن يزيد لما جاء في الخصال و  التوحيد من كلمة (عن) في قوله: (عن يعقوب بن يزيد).   المقدّمة الثالثة: أنّه بعد فرض حصول الاطمئنان بأنّ الصدوق في  الفقيه كان ناظرا إلى كتاب يعقوب، أو - على الأقلّ - حصول  الاطمئنان بأنّه كان ناظرا إلى واحد ممّن وقع بعد أحمد بن محمد  بن يحيى نقول: إنّ الصدوق -قدّس سرّه- ذكر في مشيخته لنفسه  إلى كلّ واحد من هؤلاء الذين وقعوا في هذا السند بعد أحمد بن  محمد بن يحيى طريقا صحيحا، فنبدّل صدر ذلك السند الّذي وقع  الضعف في أوّله في الخصال و التوحيد بهذا السند بناء على دعوى  ظهور قوله: (ما رويته في الكتاب عن فلان فقد رويته بالسند  الفلاني) في الإطلاق الشامل للحديث الّذي لم ينسبه في الكتاب إلى  فلان بل نقله عن الإمام ابتداء، لكن بحسب السند المستتر للحديث  كانت روايته عنه.   يبقى في المقام احتمال، و هو أنّه لعلّ هذا الحديث لم يكن في  الخصال و التوحيد مأخوذا من كتاب من قبل الصدوق مباشرة،  صحيح أنّ قوله: (أحمد بن محمد بن يحيى قال: حدّثنا سعد بن عبد  اللّه عن يعقوب بن يزيد) ظاهر في أنّ هذا الحديث موجود في  كتاب يعقوب بن يزيد، لكن من المحتمل أنّ الصدوق   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة257/ الجزء الثالث

 

بنفسه لم ير ذاك الكتاب. بل روى له شفها أحمد بن محمد بن  يحيى عن سعد بن عبد اللّه عن ذاك الكتاب و في الفقيه حينما كان  ملتزما بالنقل عن كتاب فقد روى حتما هذا الحديث عن كتاب  آخر غير كتاب يعقوب بن يزيد، و لا ندري ما هو الكتاب الّذي  أخذ هذا الحديث منه في الفقيه، و لا ندري ما هو سنده إليه.   و تتميم المطلب لدفع هذه الثغرة هو أن يقال: إنّه إن كان أخذه من  كتاب آخر غير كتب هؤلاء فذلك ينبّهه عادة إلى وجوده أيضا في  كتاب من كتب هؤلاء، فهو بالآخرة كان ناظرا حتما إلى كتاب من  كتبهم و مستندا إليه في نقله، فيدخل في الأسانيد التي ذكرها  لنفسه إليهم.   هذا غاية ما يمكن أن يقال في تكميل هذا التقريب، لكن فيه بعض  نقاط الضعف من قبيل ما ذكر في المقدّمة الثالثة من دعوى ظهور  قوله: (ما رويته في الكتاب عن فلان) في شموله بالإطلاق للحديث  الّذي أرسله إلى الإمام و لم يكن قد نسبه في الكتاب إلى ذاك  الشخص تامّة، فإنّ هذا الظهور غير مسلّم عندنا [1]. و الإنصاف:  أنّ هذا التقريب لا يمكن الاعتماد عليه.    

_____________________________________________

 

[1] و من نقاط الضعف أيضا أنّنا لو احتملنا أنّ الصدوق لم يكن قد  رأى كتاب يعقوب بن يزيد و أنّه أخذ الحديث في الفقيه من كتاب  آخر، فدعوى الاطمئنان بنظره و استناده في الفقيه إلى نفس  السند المذكور في الخصال و التوحيد بالمعنى الّذي يدخله في  إطلاق (أخبرني بكتبه و رواياته فلان عن فلان) ممنوعة، فلعلّه  إنّما نقل في الفقيه عن غير هذا السند و لم ينظر إلى هذا السند،  لأنّه التزم على   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة258/ الجزء الثالث

 

 

_____________________________________________

 

..........  - نفسه بأن يأخذ الأحاديث من الكتب، و كان سنده إلى الكتاب  الّذي أخذ منه هذا الحديث غير السند الّذي ذكره في الخصال و  التوحيد، و ما رواه في الخصال و التوحيد لم يكن قد أخذه من  كتاب، إلاّ أنّ هذه النقطة لا تضرّنا، لأنّ أصل احتمال أنّ الصدوق  لم يكن أخذ الحديث في الخصال و التوحيد من كتاب يعقوب بن  يزيد، بل أخذه شفها من أحمد بن محمد بن يحيى ليس احتمالا  عقلائيّا، فإنّ أحمد بن محمد بن يحيى إنّما هو شيخ إجازة الكتب و  شأنه رواية الكتب، و يأخذ الصدوق منه عادة إجازة نقل الكتب، لا  أنّه يأخذ منه رواية يرويها شفها عن شخص، أو عن كتاب.   و هناك نقطة ضعف أخرى، و هي أنّ المتن الوارد في الفقيه  يختلف شيئا ما عن المتن الوارد في الخصال و التوحيد. و هذا  يؤيّد احتمال كون النّظر في الفقيه إلى نقل آخر غير النقل الوارد  في الخصال و التوحيد و متن الخصال و التوحيد قد مضى فيما  سبق. و أمّا المتن الوارد في الفقيه فكما يلي:   قال أبو عبد اللّه عليه السلام: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و  سلّم:   (و ضع عن أمّتي تسعة أشياء: السهو، و الخطأ، و النسيان، و ما  أكرهوا عليه، و ما لا يعلمون، و ما لا يطيقون، و الطيرة، و الحسد،  و التفكّر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطق الإنسان بشفة(»«.   هذا و لو قبلنا بما مضى من دعوى أنّ الشيخ الطوسي رحمه اللّه  حينما أرجع في مشيخة التهذيب و الاستبصار إلى فهارس  الأصحاب قصد بذلك ما يشمل مشيخة الفقيه، و أنّ هذا يعني أنّ  مشيخة الفقيه مشيخة لكلّ ما وصل الصدوق من كتب و روايات  أولئك الذين ذكرهم في المشيخة، إذن لسنا بحاجة هنا إلى فرض  حديث (الرفع) في الفقيه، بل نقول: إنّ حديث (الرفع) ورد في  التوحيد و الخصال   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة259/ الجزء الثالث

 

التقريب الثاني: و هو التقريب المتين الّذي ينبغي الاعتماد عليه،  هو أنّ أحمد بن محمد بن يحيى قد نقل هذا الحديث عن سعد بن  عبد اللّه. و للشيخ الطوسي طريق صحيح إلى جميع كتب سعد بن  عبد اللّه و رواياته، و قد مضى أنّ المقصود من ذلك جميع ما وصله  من كتبه و رواياته، و هذا الحديث قد وصله، إذ الشيخ يروي كتاب  الخصال و التوحيد عن الصدوق، و هذا الحديث موجود فيهما، فهذا  وجه لتصحيح هذا الحديث خال عن التعقيد و في غاية اللّطافة.   بل يمكن تتميم المطلب حتى لو فرض أنّ التوحيد و الخصال لم  يصلا إلى الشيخ، و ذلك لأنّ الصدوق قد وقع في هذا الطريق  الصحيح للشيخ إلى سعد بن عبد اللّه حيث يقول: أخبرني بجميع  كتبه و رواياته عدّة من أصحابنا عن محمد بن علي بن الحسين  (يعني الصدوق) عن أبيه، و محمد بن الحسن عن سعد بن عبد اللّه  عن رجاله، ثمّ يقول الشيخ رحمه اللّه قال محمد بن علي بن  الحسين، إلاّ كتاب المنتخبات، فإنّي لم أروها عن محمد بن الحسن  إلاّ أجزاء قرأتها عليه.... بناء على  - بسند ضعيف مثلا عن كتاب يعقوب بن يزيد، فكتاب يعقوب بن  يزيد الّذي فيه هذا الحديث و أصل إلى الصدوق، فهو مشمول  للسند التامّ الّذي ذكره في مشيخة الفقيه إلى يعقوب بن يزيد، و  هذا كاف لتماميّة سند حديث (الرفع)، إلاّ أنّ هذا الاستظهار -  أعني استظهار كون إحالة الشيخ إلى الفهارس شاملا لمشيخة  الفقيه، و بالتالي كون تلك المشيخة مشيخة لجميع كتب أولئك  الواصلة للصدوق - غير واضح الصحّة.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة260/ الجزء الثالث

 

أن يستظهر بهذا الاستثناء في هذا السياق أنّ الصدوق قد قال:  (أخبرنا بجميع كتبه و رواياته فلان عن فلان إلاّ كتاب  المنتخبات)، و معنى جميع كتبه و رواياته - كما عرفت - جميع ما  وصلني من كتبه و رواياته، و لا شكّ في أنّ هذا الحديث قد وصل  الصدوق لذكره في توحيده و خصاله، فهو مشمول لهذا الكلام [1].    

_____________________________________________

 

[1] يبدو لي أنّ هذا الوجه وحده لا يتمّ، لأنّ الظاهر أنّ المقصود  بكلمة (رواياته) في (أخبرني بكتبه و رواياته) هي الكتب التي  يرويها بلا واسطة أو بالواسطة لا الروايات الشفهيّة التي يصعب  عادة إضافتها إلى سند موحّد، و لذا ترى أنّ عطف الروايات على  الكتب لم يرد في فهرست الشيخ، إلاّ بالنسبة للرواة المتأخّرين  الذين يعتبرون مشايخ إجازة للكتب من قبيل أحمد بن محمد بن  عيسى، و من في طبقته، و من يقع في الطبقات التي تأتي بعد تلك  الطبقة. أمّا بالنسبة للرواة المتقدّمين كزرارة و أضرابه ممّن كانوا  رواة و لم يكونوا مشايخ إجازة للكتب فهو لا يذكر سندا موحّدا  إلاّ إلى كتبه لا إلى رواياته. و من هنا نقول: إنّ نظرية التعويض  إنّما تفيدنا حينما يكون الضعف بيننا و بين صاحب الكتاب، و  نجد سندا تامّا إلى من يقع بين الضعف و صاحب الكتاب، أو إلى  صاحب الكتاب مباشرة، و لا تفيدنا حينما يكون الضعف بين  صاحب الكتاب و الإمام عليه السلام. و فيما نحن فيه لو لم يثبت أنّ  الحديث مأخوذ من كتاب يعقوب بن يزيد أو سعد بن عبد اللّه  مثلا، و احتملنا أنّ الصدوق إنّما سمع الحديث شفها من أحمد بن  محمد بن يحيى عن سعد بن عبد اللّه، فالضعف المفروض في أحمد  بن محمد بن يحيى لا يمكن تداركه بفرض سند تامّ للصدوق إلى  كتب و روايات سعد بن عبد اللّه. نعم بناء على ما مضى منّا من  استظهار أنّ الصدوق لم يأخذ الحديث شفها عن أحمد بن محمد  بن يحيى الّذي هو شيخ إجازة للكتب و ليس راويا لمتون  الأحاديث شفها، فسند الصدوق التامّ إلى سعد بن عبد اللّه كاف  في المقام لدفع الإشكال.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة261/ الجزء الثالث

 

و قد تحصّلت من تمام ما ذكرناه تماميّة حديث رفع التسعة سندا و  دلالة.   

 

3 - حديث السعة:  

 و منها: حديث (الناس في سعة ما لا يعلمون).   و دلالة هذا الحديث على البراءة المساوقة للبراءة العقليّة واضحة لا  تحتاج إلى كلام، و إنّما الإشكال في تقريب دلالته على البراءة  بالنحو الّذي يعارض دليل وجوب الاحتياط الّذي يقيمه الأخباري.   و التقريب الساذج لذلك هو أنّ المفروض أنّ الواقع غير معلوم، و  قد جعلت السعة في هذا الحديث مغيّاة بعدم العلم، و إيجاب  الاحتياط ليس إيصالا للمشكوك وجدانا أو تعبدا، و إنّما هو تنجيز  له، فهو مناف لا محالة لهذه السعة.   و اعترض على ذلك بأنّ هذا إنّما يتمّ إذا كانت (ما) في الحديث  موصولة، إذ يكون ظاهر المعنى عندئذ أنّ الناس في سعة من ذلك  الشي‏ء الّذي لا يعلمونه، و لكن من المحتمل كونها  - و أمّا وصول كتاب الخصال و التوحيد إلى الشيخ فلا ينفعنا في  المقام أصلا، لأنّ الشيخ و إن كان له سند تامّ إلى سعد بن عبد اللّه  و لكن الضعف إنّما وقع بين صاحب كتاب الخصال و التوحيد و  الإمام، و لم يقع بيننا و بين صاحب الكتاب و قد قلنا: إنّ نظريّة  التعويض إنّما تنفعنا حينما يكون الضعف بعد صاحب الكتاب لا  بين صاحب الكتاب و الإمام.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة262/ الجزء الثالث

 

مصدريّة زمانيّة، و يكون الحديث - على التقدير - في قوّة أن  يقال: الناس في سعة ما داموا لا يعلمون، و مقتضى إطلاقه هو عدم  العلم لا بنفس التكليف و لا بإيجاب الاحتياط في قباله.   و أجاب السيّد الأستاذ عن ذلك بأنّ لفظة (ما) في الحديث ظاهرة  في إرادة المعنى الموصولي، و ذلك بنكتة ندرة دخول (ما)  المصدريّة الزمانية على الفعل المضارع، و إنّما يتعارف دخولها  على الماضي، كأن يقال: (ما لم يعلموا)، أو (ما داموا لا يعلمون(»«.   و يرد عليه: أنّه على تقدير كون (ما) موصولة تقرأ كلمة (سعة)  مضافة و بلا تنوين، بخلافها على تقدير كونها ظرفية زمانية.  فالتنوين قرينة متّصلة على الظرفيّة الزمانية، فاحتماله مساوق  لاحتمال القرينة المتّصلة، كما أنّ احتمال الظرفيّة الزمانيّة مساوق  لاحتمال التنوين، فيكون احتمال الظرفيّة الزمانيّة مساوقا  لاحتمال القرينة المتّصلة عليها. فلا يمكن دفع هذا الاحتمال  بالظهور، إذ الجزم بالظهور فرع القطع بعدم القرينة المتّصلة، و  في سائر الموارد إنّما ندفع احتمال القرينة المتصلة بشهادة  الراوي، لأنّ سكوته عن ذكرها في مقام الذّكر يعتبر شهادة على  العدم، لكن هنا لا ندري أنّ الراوي هل كان يقرأ بلا تنوين أو مع  التنوين، و عدم التنوين في الكتب ليس شهادة على العدم، إذ لم  يكن من المتعارف كتب التنوين بنحو يعدّ عدمه   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة263/ الجزء الثالث

 

شهادة على العدم، بل لعلّه هكذا الأمر في زماننا أيضا في غير ما  أريد ضبط حركاته. فتحصّل أنّ هذا الجواب عن الإشكال غير  مقبول [1].   نعم أصل الإشكال أيضا غير مقبول، فإنّ استظهار البراءة من  الحديث و عدمه لا يدور مدار كون (ما) موصولة أو مصدرية  زمانية، بل يدور مدار كون إضافة السعة إضافة لها إلى ما يكون  موردا للسعة و الضيق و بمعنى نفي مورديّته للضيق و ثبوت السعة  في ذاك المورد، أو إضافة إلى ما يترقّب أن يكون سببا للضيق و  بمعنى نفي سببيّته للضيق. توضيح ذلك: أنّنا لو فرضنا (ما)  موصولة فإضافة السعة إليها ان كانت إضافة مورديّة، أي من باب  إضافته إلى ما يكون موردا للسعة أو الضيق كان معنى الحديث أنّ  الإنسان لا يكون في ضيق في مورد ما لا يعلم، و هذا ينافي دليل  إيجاب الاحتياط، فإنّ دليل إيجاب الاحتياط يثبت الضيق في مورد  الحكم غير المعلوم و ينفي السعة، و إن كانت إضافة إلى ما يترقّب  كونه سببا للضيق و بهدف نفي سببيّته للضيق كان معنى الحديث  أنّ الإنسان لا يكون في ضيق بسبب ما لا يعلم، و هذا لا ينافي دليل  إيجاب الاحتياط، لأنّ سبب الضيق هو إيجاب الاحتياط، و هو  معلوم و لم يكن الواقع المجهول بنفسه  

 

_____________________________________________

 

[1] نعم بالإمكان إنكار صحّة دخول (ما) المصدريّة على المضارع  على ما يبدو من موارد استعمالها، و عندئذ يكون هذا دليلا على  حمل ما في المقام على الموصول من دون ورود إشكال احتمال  القرينة المتصلة، و يحتمل من عبارة مصباح الأصول كون هذا  أيضا مقصودا للسيّد الخوئي رحمه اللّه فراجع.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة264/ الجزء الثالث

 

سببا كافيا للضيق.   و لو فرضنا (ما) مصدريّة زمانيّة فالسعة عندئذ و إن لم تكن  مضافة في اللفظ لكن من الواضح أنّ السعة لا بدّ أن تكون متعلّقة  بشي‏ء، فهي مضافة إلى شي‏ء في التقدير، فكأنّه قال: (الناس في  سعة من الشي‏ء ما داموا لا يعلمون) و ظاهر السياق كون متعلّق  عدم العلم هو نفس ما تضاف إليه السعة، و عندئذ يأتي هنا نفس  التفصيل الّذي شرحناه في فرض كون (ما) موصولة. فإن فرضت  إضافة السعة إلى الشي‏ء إضافة مورديّة بمعنى أنّ الناس ليسوا في  ضيق في مورد شي‏ء ما داموا لا يعلمونه فهذا ينافي دليل إيجاب  الاحتياط المثبت للضيق في ذاك المورد. و إن فرضت إضافة السعة  إلى شي‏ء بمعنى نفي سببيّته للضيق لم يناف الحديث دليل إيجاب  الاحتياط، لأنّ ذاك الدليل إنّما يجعل إيجاب الاحتياط سببا للضيق،  و هذا لا ينافي فرض عدم كون الشي‏ء الّذي لا يعلمونه سببا كافيا  للضيق.   إذن فالمقياس في معارضة الحديث لدليل الاحتياط ليس هو كون  (ما) موصولة أو مصدرية زمانية، و إنّما المقياس هو كون الإضافة  مورديّة أو سببيّة بالمعنى الّذي عرفت، و الظاهر منها كونها  مورديّة لا سببيّة.   ثمّ إنّ هذا الحديث - بناء على تماميّة دلالته - حاله حال حديث  (الرفع) في شموله للشبهة الموضوعيّة و للشبهة الحكميّة بجميع  اقسامها. فإن بيّن الأخباري حديثا يدلّ على وجوب الاحتياط في  الشبهة الحكميّة، أو بعض اقسامها لم   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة265/ الجزء الثالث

 

يمكن للأصولي دفعه بالمعارضة بهذا الحديث، أو حديث (الرفع)،  لأنّ دليل الاحتياط عندئذ يتقدّم عليهما بالأخصيّة. نعم لو وجد  الأصولي حديثا دالاّ على البراءة في خصوص مورد حديث  الاحتياط فتعارضا و تساقطا أفادنا حديث (الرفع)، أو حديث  (الناس في سعة ما لا يعلمون) كعامّ فوقاني نرجع إليه و تثبت  بذلك البراءة. هذا تمام الكلام في دلالة هذا الحديث.   و أمّا سنده فالظاهر أنّه غير موجود في الكتب المعتبرة بهذه  الصياغة، و من المحتمل أن يكون هذا الحديث مأخوذا من ذيل آخر  حديث رواه في الوسائل»« في كتاب اللّقطة، و هو كما يلي:   محمد بن يعقوب، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن  السكوني، عن أبي عبد اللّه عليه السلام: أنّ أمير المؤمنين عليه  السلام سئل عن سفرة وجدت في الطريق مطروحة كثير لحمها و  خبزها جبنها و بيضها و فيها سكّين فقال أمير المؤمنين عليه  السلام: يقوّم ما فيها ثمّ يؤكل لأنّه يفسد و ليس له بقاء، فإن جاء  طالبها غرموا له الثمن، فقيل: يا أمير المؤمنين لا يدرى سفرة  مسلم أو سفرة مجوسيّ، فقال: (هم في سعة حتى يعلموا). و الظاهر  أنّ الجهة المنظورة للسائل حينما يقول: لعلّه مجوسيّ هي النجاسة،  أو لعلّه ينظر إلى تصوّر أنّ طعام المجوسيّ في نفسه فيه محذور  شديد أو غير شديد مثلا، و كأنّ أحدا من العلماء نقل حديث (الناس  في سعة ما لا يعلمون)   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة266/ الجزء الثالث

 

ناظرا إلى ذيل هذا الحديث من باب النقل بالمعنى أو نحو ذلك، ثمّ  تبعه الآخرون من دون مراجعة المصدر، و أنت ترى أنّ ذيل هذا  الحديث إنّما ورد في الشبهة الموضوعيّة و لا يمكن التعدّي، أو  نقول باختصاصه بخصوص الجهة الملحوظة للسائل، و هي  الطهارة أو النجاسة مثلا [1]»».   

 

4 - حديث الحجب:  

 و منها: ما رواه في الكافي بسند صحيح من قوله عليه السلام:   (ما حجب اللّه علمه عن العباد فهو موضوع عنهم(»«. و رواه  الصدوق في التوحيد، قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن يحيى العطّار،  عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن فضّال، عن داود بن  

 

_____________________________________________

 

[1] و فيه بدلا عن (السكّين) (السكّر)، و لعلّه أصحّ، و النصّ ما يلي:  (الجعفريات أخبرنا محمّد، حدّثني موسى، حدّثنا أبي، عن أبيه، عن  جدّه جعفر بن محمّد، عن أبيه أنّ عليّا عليه السلام سئل عن سفرة  وجدت في الطريق مطروحة كثير لحمها و خبزها و جبنها و  بيضها و فيها سكّر فقال علي عليه السلام:   (يقوّم ما فيها ثمّ يؤكل لأنّه يفسد و ليس لما فيها بقاء، فإن جاء  طالبها غرموا له الثمن) فقالوا: يا أمير المؤمنين لا نعلم سفرة ذميّ  و لا سفرة مجوسيّ، قال: (هم في سعة من أكلها ما لم يعلموا حتى  يعلموا). و رواه في دعائم الإسلام عنه عليه السلام مثله.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة267/ الجزء الثالث

 

فرقد، عن أبي الحسن زكريا بن يحيى، عن الصادق عليه السلام.   و لا يخفى أنّ أحمد بن محمد بن يحيى لا يمكن أن يروي عن أحمد  بن محمد بن عيسى، و الظاهر أنّه قد سقط في الطبع اسم أبيه [1]،  و هو وارد في الكافي حيث روى الكليني رحمه اللّه في الكافي هذا  الحديث عن محمد بن يحيى و ذكر نفس السند.   و التقريب البدائي للاستدلال بهذا الحديث واضح، و هو أنّ  التكليف غير المعلوم محجوب، فهو موضوع عن العباد  

 

_____________________________________________

 

[1] لا يوجد عندي كتاب التوحيد كي أراجعه، و لكن ما نقله صاحب  الوسائل عن التوحيد - على ما في الطبعة الجديدة - جاء فيه:  الصدوق عن أحمد بن محمد بن يحيى، عن محمد بن يحيى، عن  أحمد بن محمد بن عيسى.... راجع ج 18، ب 12 من صفات القاضي،  و ح 28 ص 119.   أمّا سند الحديث ففي أوّل السند في التوحيد يوجد أحمد بن محمد  بن يحيى و هذا لا يضرّ بناء على ما بنينا عليه من وثاقته على أنّه  غير موجود في الكافي، لأنّ الكليني ينقل مباشرة عن محمد بن  يحيى. و على أيّ حال فالذي يبدو لي أنّ تعبير أستاذنا الشهيد  رحمه اللّه عن هذا الحديث بالصحيح اعتمادا منه على نقل الكافي  غير تامّ، لأنّ الراوي المباشر للإمام هو زكريا بن يحيى مع  تكنيته بأبي الحسن، و لو تمّ القول بانصرافه - لو لا هذه التكنية -  إلى زكريا بن يحيى الواسطي أو التميمي اللذين وثّقهما النجاشي  و ذكر عن كلّ واحد منهما أنّ له كتابا، و ذكر لنفسه سندا إلى  كتاب هذا و سندا إلى كتاب ذاك فهذه التكنية لا تناسب هذا  الانصراف، لأنّنا لا نعرف أنّ هذه كنية من، و في كتب الرّجال لم  تذكر هذه الكنية لأيّ واحد من المسمّون بزكريا بن يحيى، فلعلّها  كنية لغيرهما، و لعلّه إنّما ذكرت له في سند هذا الحديث هذه  الكنية تمييزا له عن زكريا بن يحيى الواسطي أو التميمي. إذن  فالظاهر أنّ الحديث غير تامّ سندا.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة268/ الجزء الثالث

 

بمدلول هذا الحديث، و الوضع معناه نفي إيجاب الاحتياط، فيقع  الحديث طرفا للمعارضة مع ما يستدلّ به الأخباري على الاحتياط.   و اعترض على ذلك الشيخ الأعظم -قدّس سرّه- و من تأخّر عنه من  المحقّقين بأنّ هذا إنّما يتمّ لو لم يكن الحجب مضافا إلى اللّه  (تعالى)، بأن يقال: ما حجب عن العباد فهو موضوع عنهم، و لكن  بما أنّه أضيف في هذا الحديث إليه (تعالى) يكون خارجا عن محلّ  الكلام، إذ ظاهر الحجب المضاف إليه (تعالى) هو الحجب في قبال  ما يترقب من البيان منه (تعالى) و هو عبارة عن إعلام وليّه  بالحكم و أمره بالتبليغ، و أين هذا ممّا هو محلّ الكلام من احتمال  اختفاء الحكم المبين علينا بالعوارض الخارجيّة؟ و هذا الإشكال قد  يدّعى التخلّص منه بوجوه:   

الوجه الأوّل: أن يتمسّك أوّلا بهذا الحديث في الشبهات التحريميّة  المستجدّة فيدفع به مثلا احتمال حرمة التدخين، أو ركوب  الطائرة، أو التلقيح الصناعي، فإنّنا نعرف من الذوق المستكشف  من الأخبار الواصلة إلينا أنّه لم يكن المبنى على بيان الإمام  للأحكام على موضوعات غريبة مستنكرة خارجة عن الحياة  الاعتيادية للسامعين وقتئذ، فلو فرض أنّ هذه الأمور كانت حراما  في الواقع فهي حرمة محجوبة عن العباد من قبل اللّه (تعالى)  فترفع بهذا الحديث، ثمّ يتعدّى إلى سائر الشبهات بالقطع بعدم  الفرق، أو الإجماع عليه.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة269/ الجزء الثالث

 

و فيه: أنّ مثل هذا الحديث إنّما يرد بعد ملاحظة المولى لأغراضه  الواقعيّة، فإذا رأى تماميّة ملاك الوضع في المحجوبات منها تكلّم  بمثل هذا الكلام، فإن قطعنا بأنّ هناك غرضا و أصلا إلى مرتبة  الحكم و إنّما لم يبينه لعدم إمكان بيانه في ذلك الوقت بوجه  عرفيّ، و مع هذا تكلّم بهذا الكلام عرفنا من ذلك أنّ ملاك الوضع  في ذلك المحجوب هو عبارة عن ملاك البراءة، و أن المولى جعل  البراءة في ذلك المورد و جاء دور التعدّي إلى سائر الموارد بعدم  الفصل. و أمّا إذا احتملنا أنّ تلك الأمور المستجدّة لا تكون  مبغوضة عند المولى أصلا، أو احتملنا أنّه كان من الممكن بيان  المبغوض منها بعموم من العمومات مثلا، كأن يبيّن مبغوضية كلّ  ما يضرّ بالبدن الشامل للتدخين مثلا، بحيث يصبح البيان عرفيّا،  فمن المحتمل عندئذ ان يصدر هذا الكلام من المولى من دون  تماميّة ملاك لرفع حرام واقعيّ بالبراءة، لكون حجبه (تعالى) -  بمعنى عدم بيانه لغرض من الأغراض - مساوقا عندئذ لعدم ثبوت  الحكم واقعا على طبق ذاك الغرض، و حيث إنّ هذا الاحتمال  موجود فلا يمكن التمسّك بهذا الحديث عن هذا الطريق.   الوجه الثاني: أن يتمسّك باستصحاب الحجب، إذ كلّ حكم من  الأحكام يمرّ عليه آن من الآنات يكون محجوبا، و هو قبل نزول  الوحي أو قبل بيان الوليّ، فبالاستصحاب ننقّح موضوع هذا  الحديث في كلّ تكليف مشكوك، فنتمسّك به لرفعه.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة270/ الجزء الثالث

 

و يرد عليه: أنّ الظاهر أنّ المراد بالحجب عدم بيانه بالنحو  المترقّب و المتعارف، فلو فرض أنّ الحكم قد تمّ جعله و لكن تأخّر  بيانه ساعتين، أو ثلاث حتى يدخل النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم  المسجد و يبيّنه لأصحابه أو تأخّر وحيه شيئا مّا لا يقال: إنّ هذا  الحكم حجب عن العباد. إذن فالحجب حدوثا غير متيقّن حتى  يستصحب.   الوجه الثالث: أن نستصحب عدم ورود البيان من الشارع في  مورد فقد النص، و عدم ورود قرينة رافعة للإجمال في مورد  إجماله، أو عدم ورود قرينة على ترجيح الحقّ من المتعارضين في  مورد تعارض النّصين حيث لا فرق في صدق الحجب من قبله  (تعالى) بين المنع عن البيان رأسا، أو الأمر بالبيان المجمل، أو  المتعارض، فيثبت الحجب و نتمسّك بالحديث.   و يرد عليه: أنّ الحجب عنوان ثبوتي ملازم لعدم البيان، فالتمسّك  باستصحاب عدمه تمسّك بالأصل المثبت.   الوجه الرابع: أن يقال: إنّ الحجب المنسوب إلى اللّه (تعالى) و إن  كان في قبال البيان المترقّب منه و لكن قد يفرض أنّ الحجب  نسب إليه بما هو مولى، و قد يفرض أنّه نسب إليه بما هو سيّد  الكون و خالقه و مدبّره. فعلى الفرض الأوّل يكون الحجب في  قبال البيان المترقّب منه بما هو مولى، و هو عبارة عن الإيصال  إلى الولي و أمره بتبليغه فيتمّ ما مضى من الإشكال. و أمّا على  الفرض الثاني، فالحجب يكون في قبال البيان المترقّب منه   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة271/ الجزء الثالث

 

بما هو سيّد الكون، و نسبة الحجب بهذا المعنى إليه صادقة حتى  إذا فرض كون عدم وصول الحكم بسبب طبيعي غير عدم بيان  الشارع، و ذلك من قبيل احتراق الكتاب، أو غرقة صدفة و نحو  ذلك ممّا يتّفق بالأسباب التكوينيّة الطبيعيّة كما ينسب نزول  المطر و نحوه إليه (تعالى) مع أنّه ليس فعلا مباشريا له، بل مترتّب  حسب النظام الطبيعي الّذي وضع اللّه (تعالى) على أساسه العالم.   نعم إذا كان الحجب مستندا إلى إرادة الفاعل المختار العاصي للّه  (تعالى) كشخص طاغية أجبر الإمام على الاتّقاء مثلا، فهو غير  مستند إلى اللّه (تعالى) عرفا، سواء صحّ إسناده إليه حقيقة كما هو  مذهب الفلاسفة، أو لا كما هو الصحيح، لكنّنا نتعدّى إلى مثل هذا  المورد بعدم الفرق.   و الظاهر من الحديث هو إضافة الحجب إليه (تعالى) بما هو سيّد  الكون، فإنّ كلمة (اللّه) إنّما تستبطن هذه الحيثيّة. أمّا ملاحظة  حيثيّة المولويّة فهي جهة زائدة لا قرينة عليها في المقام، فنتمسّك  بإطلاق الحجب لمحلّ الكلام.   نعم في بعض الموارد نحمل الكلام - بمناسبة الحكم و الموضوع -  على كونه بعنوان المولويّة، فمثلا لو ورد أمر من الشارع مردّد  بين كونه صادرا بما هو مولى، أو بما هو مرشد تمسّكنا بالظهور  في المولويّة. و أمّا فيما نحن فيه فحيث أنّ مناسبات الحكم و  الموضوع لا تعيّن لحاظ المولويّة يتعيّن   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة272/ الجزء الثالث

 

التمسّك بإطلاق الحجب.   و هذا الوجه هو أحسن الوجوه في المقام، و بناء عليه لا يختصّ  الحديث بالشبهات الحكميّة، بل يشمل الشبهات الموضوعيّة أيضا.   و لكن المحقّق العراقي رحمه اللّه مع أنّه تمسّك بهذا الوجه في مقام  دفع الإشكال [1]»» ذكر: أنّ الحديث مختصّ بالشبهات  

_____________________________________________

 

[1] و للمحقّق العراقي رحمه اللّه و جهان آخران لحلّ الإشكال:   (أحدهما) ما جاء في المقالات، ج 2، ص 60، حيث فرض فيه أنّ  الحجب هنا و إن كان بمعنى عدم صدور البيان و لكن المقصود  بالوضع ليس هو وضع الخطاب المحجوب بمعنى السكوت عنه،  فإنّ السكوت عنه هو المفروض في موضوع هذا الحديث،  فالمقصود بالوضع إنّما هو وضع إيجاب الاحتياط، و هذا هو معنى  البراءة، و الإشكال في المقام يكون عبارة عن أنّ هذه البراءة إنّما  تثبت في مورد عدم صدور البيان، و لا يشمل النصّ فرض عدم  وصول البيان إلينا مع صدوره في الواقع، و يكون حل الإشكال  هو التمسّك بعدم القول بالفصل.   أقول: يرد عليه أنّ ما لم يصدر أصلا من المولى لا يحكم العقل  بوجوب امتثاله حتى مع العلم به صدفة، و هذا غير البراءة التي هي  محل الكلام، و لا معنى لدعوى عدم الفصل في وجوب الاحتياط و  عدمه بين مورد لم يكن يجب الامتثال حتى مع العلم بالملاك لعدم  صدور الخطاب، و مورد يحتمل صدور الخطاب و بيانه رغم عدم  وصوله صدفة إلينا.   (و ثانيهما) ما جاء في نهاية الأفكار، القسم الثاني من الجزء  الثالث، حيث   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة273/ الجزء الثالث

 

الحكميّة بدعوى أنّ الحجب المضاف إلى اللّه (تعالى) ظاهر -  بمناسبة الحكم و الموضوع - في الحجب في مقام بيان الأحكام لا  الحجب من حيث الأمور الخارجيّة، فيختصّ بالشبهات التي يترقّب  فيها صدور البيان من قبله (تعالى) و هي خصوص الشبهات  الحكميّة»«.   و هذا الكلام منه -قدّس سرّه- خلف و تهافت، إذ لو فرضنا أنّ  اعترف فيه بالقطع بعدم فعليّة حكم لم يوح به إلى الرسول صلى  اللّه عليه و آله و سلّم، و أنّ مجرد الأحكام الإنشائيّة البحتة لا يجب  امتثالها، و لكنه ذكر أنّ الحكم لو أوحي إلى النبيّ صلى اللّه عليه و  آله و سلم و لكنّ النبيّ لم يبلّغه إمّا لأنّه لم يكن مأمورا بالإبلاغ، أو  لاقتضاء بعض المصالح الإخفاء، فهذا الحكم فعليّ بلا إشكال، فإنّ  الّذي ينافي فعليّة الإرادة إنّما هي نفي الفعليّة المطلقة لا الفعليّة و  لو من جهة الخطاب. و حديث الحجب يشمل هذا النوع من عدم  البيان، لأنّه مستند إلى اللّه (تعالى) الّذي لم يأمر نبيه بالإبلاغ، و  يكون الإشكال عندئذ منحصرا في عدم شمول الحديث لمورد تمّ  الوحي و بلّغ النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم بالحكم و لكنّه لم  يصلنا، و يكون علاجه هو التمسّك بمقتضى عدم الفصل.   أقول: يرد عليه أنّ العقل كما لا يحكم بوجوب امتثال ما لم يصدر  المولى (تعالى) على طبقه خطابا كذلك لا يحكم بوجوب امتثال ما  أوحى إلى نبيّه صلى اللّه عليه و آله و سلم و لم يأمره بالتبليغ، و  ذلك حتى في فرض القطع بذلك صدفة، و هذا غير البراءة التي  نتكلّم عنها، و لا معنى لدعوى عدم الفصل في ذلك، و المقياس في  عدم وجوب الامتثال إنّما هو عدم كون الحكم بمستوى يحرّك  المولى (سبحانه) للتصدّي إلى إيصاله إلى العباد، من دون فرق  بين أن يفرض عدم وحيه إلى النبيّ صلى اللّه عليه و آله و سلم، أو  عدم أمره بتبليغ ما أوحي إليه.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة274/ الجزء الثالث

 

الحجب أضيف إليه (تعالى) بما هو سيّد الكون فعمّمنا الحديث  لفرض اختفاء الحكم بواسطة الأسباب الطبيعية فلا معنى لإخراج  الحجب من حيث الأمور الخارجيّة عن الحديث بدعوى أنّ البيان  عن هذا الطريق لا يترقّب منه (تعالى)، إذ ذلك مترقّب منه بما هو  سيّد الكون و عدمه حجب يسند إليه بما هو مدبّر العالم و خالقه، و  لو فرضنا أنّه أضيف إليه بما هو مولى، فهو خلف أصل مبنى  الاستدلال بهذا الحديث.   

و التحقيق: أنّه و إن كان هذا الوجه الرابع لا يبعد تماميّته كجواب  على الإشكال بالتقريب الّذي بيّنه الأصحاب، و لكنّه - رغم هذا - لا  يتمّ الاستدلال بهذا الحديث على البراءة، و السرّ في ذلك أنّ من  المحتمل كون المقصود في الحديث هو تعليق الموضوعية عن  العباد على الحجب عن العباد من حيث المجموع المساوق لعدم  صدور البيان رأسا، لا تعليق الموضوعيّة عن أيّ شخص على  الحجب عنه بالخصوص. نعم لو جاء الحديث بصيغة المفرد كأن  يقال: ما حجب اللّه علمه عن المكلّف فهو موضوع عنه لم يرد هذا  الإشكال.   إن قلت: لا إشكال و لا ريب في أنّ مثل قوله: (أكرم العلماء) ظاهر  في الانحلال فكيف لا تقولان بالانحلال هنا؟ قلت: لا ننكر أنّ  الحكم على موضوع ظاهر في الانحلال على أفراده، و في هذا  الحديث حكم بالوضع عن العباد، و هذا أيضا انحلاليّ، فزيد  موضوع عنه و عمر موضوع عنه و بكر   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة275/ الجزء الثالث

 

موضوع عنه.... و هكذا، و لا يتصور غير هذا، و إنّما الكلام في أنّ  ترتّب الجزاء على الشرط - أي الوضع عن العباد على الحجب عنهم  - هل هو بنحو مقابلة الجميع بالجميع بمعنى كون الوضع عن كلّ  فرد مترتّبا على الحجب عن ذلك الفرد، أو بنحو مقابلة الجميع  بالمجموع بمعنى ترتّب الوضع عنهم الّذي هو الجزاء على الشرط  بمجموعه و هو الحجب عن كلّ العباد المساوق لعدم صدور  البيان؟ و لمّا كان احتمال الثاني موجودا في المقام فلا محالة  يبطل الاستدلال بهذا الحديث.   فإن قلت: أيّ فرق بين هذا الحديث و حديث (الرفع)، حيث أبديتم  هذا الاحتمال هنا و لم تبدوه هناك؟ و لا شكّ بحسب الظهور  العرفي في أنّ قوله: (رفع ما لا يعلمون) ظاهر في الترتّب بنحو  الانحلال - أي أنّ الرفع عن كلّ شخص مترتّب على عدم علم ذلك  الشخص لا على عدم علم الجميع -.   قلت: إنّ تعيين كون القيد مأخوذا بنحو الانحلال، أو بنحو  المجموعيّة يرجع إلى المناسبات الارتكازية للحكم و الموضوع و  القيد في حديث (الرفع) كان هو عدم العلم، فصحيح أنّ عدم علم  الجميع يلازم عدم صدور البيان، و هو حجب مستند إلى اللّه  (تعالى) لكن الّذي أخذ قيدا في الحكم لم يكن هو الحجب المستند  إلى اللّه بل كان هو عدم علم العبد، و الارتكاز العرفيّ يرى أنّ  عدم علم كلّ شخص يصلح عذرا لذلك الشخص، و لا علاقة لعدم  علم شخص مّا بعذر شخص آخر، و لكن القيد في حديث الحجب  كان هو حجب اللّه (تعالى)   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة276/ الجزء الثالث

 

عن العباد، و كما يناسب عرفا افتراض إرادة كون حجب اللّه عن  كلّ شخص عذرا لذلك الشخص كذلك يناسب عرفا كون المقصود  أنّ حجب اللّه عن كلّ العباد المتجسّد في عدم صدور البيان عذرا،  فإنّ هذا عذر مفهوم عقلائيا، و هو غير عذر البراءة الّذي يكون  على نحو الانحلال و مقابلة الجميع بالجميع على شكل التوزيع.   و ما ذكرناه هي النكتة في ما ترى من أنّه لو قيل: (إنّ عدم  مسئوليّتك تجاه شي‏ء محتمل يتفرّع على كونه ممّا حجب اللّه علمه  عن العباد) كان هذا بيانا عرفيّا لا حزازة فيه، إذ هو في قوّة أن  يقال: (إنّ عدم مسئوليّتك عن شي‏ء محتمل يتفرّع على عدم  صدور البيان)، و هذا بخلاف ما لو قيل: (إنّ عدم مسئوليّتك تجاه  شي‏ء محتمل يتفرّع على أن لا تعلم به أنت و لا غيرك)، فهذا تعبير  غير مستساغ عرفا، و يقال في مقابله: إنّه أيّ علاقة لجهل غيري  بعذري؟ هذا. و لا يخفى أنّ ما ذكرناه بالنسبة لحديث (الرفع) إنّما  كان بحثا فيه بالنظر إلى خصوص جملة (رفع ما لا يعلمون).   و أمّا إذا نظرنا إلى مجموع الحديث فلا موضوع لهذا البحث، إذ  أنّ مثل (رفع ما اضطرّوا إليه) لا يعقل التشكيك في انحلاليته بأن  يفترض احتمال أنّ الشرط في (رفع ما اضطرّ إليه زيد) هو  اضطرار الجميع، و بوحدة السياق يثبت أنّ (رفع ما لا يعلمون)  أيضا كذلك.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة277/ الجزء الثالث

 

5 - أحاديث الحلّ:   

و منها: حديث (كلّ شي‏ء لك حلال). و هذه الرواية مرويّة في  الكتب العمليّة بصيغ ثلاث:   

1 - ما ورد في أخبار متعدّدة في موارد مختلفة، منها ما عن عبد  اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه عليه السلام: (كلّ شي‏ء فيه حلال و  حرام فهو لك حلال أبدا حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه(»«.   

2 - ما عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال:  سمعته يقول: (كلّ شي‏ء هو لك حلال حتى تعرف أنّه حرام بعينه  فتدعه من قبل نفسك، و ذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته  و هو سرقة، و المملوك عندك لعلّه حرّ قد باع   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة278/ الجزء الثالث

 

نفسه، أو خدع فبيع قهرا، أو امرأة تحتك و هي أختك أو  رضيعتك، و الأشياء كلّها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك، أو  تقوم به البيّنة(»«.   

3 - (كلّ شي‏ء لك حلال حتى تعرف أنّه حرام). و هذه العبارة لا  ترد عليها جملة من الإشكالات الواردة على الأوليين، لكنّه ليس لها  عين و لا أثر في كتب الحديث»«، و عليه فالمرجع هو الصيغتان  السابقتان.   أمّا الصيغة الأولى: فقد ذكر الشيخ الأعظم -قدّس سرّه- و جملة من  سائر المحقّقين بعده: أنّ هذه الرواية تختصّ بالشبهات  الموضوعية و لا تشمل الشبهات الحكمية، و تتلخص من كلامهم  لذلك قرينتان في الحديث:   القرينة الأولى: ما ذكره الشيخ الأعظم -قدّس سرّه- و هو أنّ في  هذا الحديث ظهورين:   

1 - ظهوره في فعلية تقسيم الشي‏ء إلى الحلال و الحرام دون  مجرّد الترديد و القابلية.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة279/ الجزء الثالث

 

 

2 - ظهوره في أنّ هذا الانقسام هو المنشأ للشكّ.   و هذان الظهور ان إنّما ينطبقان على موارد الشبهات الموضوعية،  فاللّحم مثلا ينقسم إلى حلال و هو المذكّى و حرام و هو الميتة، و  هذا الانقسام سبب للشكّ في حلّيّة و حرمة الفرد الّذي لا ندري أ  هو مذكّى أو ميتة. و أمّا الشبهة الحكميّة فلا يكون الأمر فيها  كذلك، فمثلا إذا شككنا في حرمة شرب التتن فهنا ليس التتن  مقسّما بالفعل إلى قسم حلال و قسم حرام، فلا بدّ من حمل (فيه  حلال و حرام) على الترديد و القابلية - أي أنّه قابل لأن يكون  حلالا و قابل لأن يكون حراما - لكونه فعلا اختياريّا، و ليس من  قبيل التنفّس الّذي لا يتّصف بالحلّ و الحرمة، و هذا خلاف الظهور  الأوّل، فإن أوّل بإرجاع المطلب إلى الجنس بأن يقال مثلا: أنّ  المشروب فيه حلال و هو الماء، و حرام و هو الخمر، و قد شككنا  في أنّ المائع الفلاني حلال أو حرام، فهنا يكون الانقسام الفعلي  ثابتا في المقام، لكن ليس هذا الانقسام منشأ للشكّ، فإنّنا نحتمل  حرمة ذاك المائع بقطع النّظر عن حرمة الخمر و حلّيّة الماء، و لو  لم نكن نعلم بحرمة الخمر مثلا لعلّنا كنّا نشكّ أيضا في حرمة كلّ  من الخمر و ذاك المائع كما هو واضح»«.   أقول: إنّ هذا المقدار من البيان يمكن الإيراد عليه بلحاظ   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة280/ الجزء الثالث

 

الشبهة الحكميّة المفهوميّة بأن نفرض عنوانا كلّيّا قسم منه حلال و  قسم منه حرام، و اشتبه القسمان مفهوما فتردّدنا في فرد مّا من  جهة الشبهة المفهوميّة بين دخوله في هذا أو ذاك، فينحفظ فيه كلا  الظهورين، كما إذا فرضنا أنّ الماء المطلق حلال و الطين حرام و  شككنا بنحو الشبهة المفهوميّة في مائع هل هو ماء مطلق أو طين،  فانقسام المائع إلى ما هو حلال و هو الماء، و ما هو حرام و هو  الطين فعليّ، و هذا الانقسام هو الّذي جعلنا نشكّ في حكم هذا  الفرد باعتبار إجمال مفهومي القسمين.   و لكن يمكن تتميم ما عرفته من التقريب بإضافة شي‏ء عليه، و هو  أنّ ظاهر قوله: (حتى تعرف الحرام منه بعينه) هو أنّ المراد  بالمعرفة في المقام معرفة أمر خارجي لا معرفة أمر مربوط بعالم  الألفاظ كما في الشبهة المفهوميّة، فالشبهة المفهوميّة خارجة عن  مورد الحديث، لأنّ معرفة الحرام فيها تكون بمعرفة مدلول اللّفظ  في اللّغة، لا بمعرفة أمر في العالم الخارجي غير عالم اللّغة و  الوضع.   القرينة الثانية: ما ذكره السيّد الأستاذ»« تبعا للمحقّق النائينيّ  رحمه اللّه و هي كلمة (بعينه) المذكورة في الحديث بتقريب [1] أنّ  كلمة (بعينه) بلحاظ الشبهات الحكمية لا يمكن  

_____________________________________________

 

[1] هذا التقريب غير منقول عن المحقّق النائينيّ رحمه اللّه، و لكن  أصل   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة281/ الجزء الثالث

 

أن تكون إلاّ تأكيدا صرفا لا تقييدا زائدا، إذ لا يتصوّر التقييد  الزائد إلاّ في قبال العلم الإجماليّ، و ذلك ينافي منجّزيّة العلم  الإجماليّ مع أنّ ظاهر الكلام كونها تقييدا زائدا، و هذا بخلاف  موارد الشبهات الموضوعيّة، فإنّ مورد الشبهات الموضوعيّة  يكون دائما طرفا للعلم الإجماليّ، فنتحفّظ على ظهور القيد في  كونه تقييدا زائدا من دون أن يلزم من ذلك إبطال منجّزيّة العلم  الإجماليّ، فمثلا لو شكّ المكلّف في أنّه هل تنجّس الماء الّذي يكون  أمامه بملاقاة النجس، أو هل صار الخلّ الّذي يكون في بيته خمرا  أو لا؟، فهو حيث لا يعلم تفصيلا بالخمور الموجودة في العالم أو  المتنجّسات، و يعلم في الجملة بوجود خمور و متنجّسات في العالم  يصبح هذا طرفا لعلم إجماليّ أطرافه غير محصورة و أكثرها  خارج عن محل الابتلاء، فكلمة (بعينه) تخرج ذلك عن وجوب  الاحتياط من دون أن ينثلم بذلك قانون منجّزيّة العلم الإجماليّ.   و يرد عليه: أنّه إن فرض أنّ المراد بالعلم الإجماليّ العلم الإجماليّ  بين الأقلّ و الأكثر فهذا موجود في الشبهات الحكميّة، فإذا شكّ في  حرمة شرب التتن فقد شكّ مثلا في أنّه هل يحرم الخمر و التتن  معا أو يحرم الخمر فقط، و هذا بحسب الحقيقة ليس علما إجماليا.  و إن فرض أنّ المراد به هو العلم الإجماليّ  - الاستشهاد بكلمة (بعينه) منقول عنه في أجود التقريرات ج 2،  ص 184، و في فوائد الأصول ج 3، ص 132.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة282/ الجزء الثالث

 

بين المتباينين فلا نسلّم كون هذا الفرد من المائع طرفا للعلم  الإجماليّ بوجود الخمر و المتنجّس في العالم و إن كان لا إشكال  في وجود هذا العلم الإجماليّ في نفسه، و لذا لا ينقص عدد المعلوم  بالإجمال و لا يزيد بإفراز هذا الفرد و عدمه. نعم قد يقال في  الشبهات الموضوعيّة: كون مورد الشبهة طرفا لعلم إجماليّ بعض  أطرافه خارج عن محلّ الابتلاء كما قد يتّفق ذلك أيضا في  الشبهات الحكميّة.   و أمّا الصيغة الثانية: و هي الموجودة في صدر حديث مسعدة بن  صدقة، فقد استدلّ بها أيضا على جريان البراءة في الشبهات  الحكميّة تمسّكا بإطلاقها، و قد وقع الإشكال في أنّه هل لها إطلاق  أو لا؟ ثمّ انجر هذا الإشكال إلى الإشكال في فقه الحديث و تصوّر  معنى الحديث، و من هنا ينبغي لنا أن نتكلّم أوّلا في فقه الحديث و  تصوّر معناه و بعد ذلك نرى أنّ هذا المعنى المتعقّل للحديث هل  يدلّ على البراءة في الشبهة الحكميّة أو لا؟ فنقول: قد يستشكل في  فهم هذا الحديث في نفسه بقطع النّظر عن أنّه أريد بالحلّ الحلّيّة  في الشبهات الموضوعيّة كما يقول الأخباريون، أو الأعمّ منها و  من الشبهات الحكميّة، و ذلك باعتبار ما يرى من نوع من التهافت  بين صدر الحديث و ذيله، حيث إنّ صدر الحديث لو فصل عن ذيله  يعطي معنى أصالة الحلّ، و لكن الأمثلة المذكورة في ذيل الحديث  لا علاقة لها   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة283/ الجزء الثالث

 

بأصالة الحلّ، فلو قطعنا النّظر عن جريان قاعدة اليد و استصحاب  عدم الأختيّة لا يمكن إباحة الثوب و العبد و الزوجة بأصالة الحلّ،  و ليس ذلك لأجل صناعة يمكن فرض بطلانها حتى يستكشف من  هذه الرواية بطلان تلك الصناعة، بل هذا أمر واضح لا يشكّ فيه  فقيه، و لا يوجد فقيه يفتي في هذه المسائل بالحلّ لو قطع النّظر  عن قاعدة اليد و الاستصحاب.   و يمكن تفسير الحديث بنحو ينسجم صدره مع ذيله بعدّة وجوه:   

الوجه الأوّل: ما قد يقال من حمل الأمثلة على التنظير و التشبيه لا  على التطبيق، فكأنّ الإمام عليه السلام بيّن قاعدة الحلّ، ثمّ ذكر:  أنّه توجد في الشريعة الإسلاميّة أشياء أخرى تشبه قاعدة الحلّ، و  هي الحلّيّة الاستصحابيّة و الحلّيّة بقاعدة اليد.   و هذا الوجه غير صحيح بعد فرض التحفّظ على كون الكلام الوارد  في هذا الحديث بيانا عرفيّا، إذ التنظير يكون بين الحكمين، بأن  ينظّر أصالة الحلّ بالحلّيّة الاستصحابيّة و الحلّيّة بقاعدة اليد، و  ليس من المستساغ أن ينظر بين حكم و أفراد موضوع حكم آخر  كما وقع في الحديث.  

 الوجه الثاني: ما قد يقال أيضا من أنّ الإمام عليه السلام جمع بين  حلّيّات متعدّدة، و هي أصالة الحلّ، و الحلّيّة الاستصحابيّة، و الحلّيّة  بقاعدة اليد في عبارة واحدة، و عبّر   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة284/ الجزء الثالث

 

بالجامع و هو الحلّيّة، فبحسب الحقيقة لم يرد حلّيّة واحدة بل هي  حلّيّات ثلاث يختلف موضوع كلّ واحدة منها عن موضوع الأخرى،  فموضوع أصالة الحلّ عنوان ما لم تعلّم حرمته، و موضوع الحلّيّة  المجعولة في قاعدة اليد أخذت فيه قيود عديدة منها اليد، و  موضوع الحلّيّة الاستصحابيّة أخذت فيه قيود عديدة منها الحالة  السابقة.   و قد يستشكل في ذلك بأنّ كلّ واحدة من هذه الحلّيّات المتعدّدة  موضوعها مغاير لموضوع الأخرى، فلا بدّ من إبراز كلّ جعل على  موضوعه، و إبراز الجعول المتعدّدة على موضوع أصالة الحلّ غير  صحيح، إلاّ بالالتزام بتقييدات مستترة طبقا لواقع جعولها، و هذا  غير مستساغ عرفا.   و من هنا فرض المحقّق العراقي رحمه اللّه علاجا لهذا الاستشكال:  أنّ الجمع بين جعول متعدّدة في تعبير واحد في هذا الحديث ليس  بمعنى إبراز نفس تلك الجعول، بل بمعنى الإخبار عن نتائج تلك  الجعول، و عندئذ لا يلزم التحفّظ على موضوع الجعل مثلا لو  فرض أنّ المولى جعل قاعدة الفراغ و موضوعها فعل المكلّف، و  أصالة الصحّة و موضوعها فعل الغير، ففي مقام الإخبار يمكنه أن  يجمع بينهما في عبارة واحدة و يقول: كلّ فعل شكّ في صحته بعد  وجوده فالأصل فيه الصحّة»«.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة285/ الجزء الثالث

 

و لكن التحقيق: أنّ هذا التوجيه أيضا غير مستساغ عرفا و إن  كان فنيّا و دقيقا بحسب الصناعة العلمية، و ذلك لقوّة ظهور  الرواية في أنّ الإمام عليه السلام في مقام إعطاء معنى كلّيّ و  ضابطة كلّية لأجل أن يطبّقها المكلّف على مواردها الخارجيّة، و  قد ذكرت الأمثلة لأجل تشريح ذهن هذا السامع في مقام تطبيق  هذه الضابطة الكلّيّة، و من المعلوم أنّنا لو فرضنا أنّنا حملناه على  أنّه في مقام الإخبار عن نتيجة جعول متعدّدة على موضوعات  متعدّدة ذات قيود مع إسقاط تلك القيود و عدم بيان تلك  الموضوعات، لما أمكن للسامع تطبيق الأمر على الصغريات إلاّ إذا  فرض ذكر ملازم مساو و انتزاع عنوان مطابق، كما في ما  ذكرناه من مثال أصالة الصحة و قاعدة الفراغ، دون عنوان أعمّ  كما في هذا الحديث.   الوجه الثالث: هو الّذي يقوى في نفسي من احتمال أنّ هذه الرواية  ليست في مقام بيان قانون ابتدائيّ، بل في مقام التصريح بإطلاق  قوانين الحلّيّة من قبيل الاستصحاب و اليد بالنسبة لمرحلة البقاء،  بمعنى أنّه إذا ثبتت لك حلّيّة شي‏ء بأمثال هذه القوانين فلا ترفع  اليد عن الحلّيّة بوسوسة، و طروّ منشأ جديد للشكّ، و حصول الظنّ  بالخلاف و نحو ذلك، بل ابق على تلك القواعد المفروغ عنها حتى  يستبين لك غير هذا، أو تقوم به البيّنة، و هذا المطلب تطبيقه على  الرواية لا يقتضي في المقام عدا الالتزام بتقييد واحد مستساغ  عرفا، و لا ينافيه إلاّ الإطلاق، و لا يخرج الحديث عن كونه بيانا  عرفيّا، و ذلك بأن   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة286/ الجزء الثالث

 

يقال: (كلّ شي‏ء ثبتت حلّيّته بقاعدة من القواعد فهو لك حلال و  يبقى حلالا حتى تعلم أنّه حرام بعينه فتدعه)، فنظر الحديث إلى  مرحلة البقاء لا مرحلة الحدوث.   

و إنّما قلنا: إنّنا بحاجة إلى تقييد الإطلاق بناء على أنّ قوله: (هو  لك حلال) خبر لقوله: (كل شي‏ء). أمّا إذا افترضنا قوله: (هو لك)  صفة لشي‏ء، و قوله: (حلال) هو الخبر، فظاهر الحديث ابتداء هو  النّظر إلى مرحلة البقاء بلا حاجة إلى تقييد خارجيّ.   و بعد تفسير الحديث بهذا الوجه يظهر الحال فيما نحن فيه، و  ذلك لبداهة أنّه بناء على هذا المعنى لا يرتبط هذا الحديث بأصالة  الحلّ في الشبهات الحكميّة، و لا بأصالة الحلّ في الشبهات  الموضوعيّة، بل هو أجنبيّ عن أصالة الحلّ رأسا، و عليه فلو أريد  التمسّك بحديث أصالة الحلّ في الشبهات الموضوعيّة فلا بدّ من  التمسّك بالصيغة الأولى.   

 

6 - إثبات البراءة بالاستصحاب:  

 و قد يستدلّ على البراءة بالاستصحاب. إمّا بلحاظ حال الصغر، أو  بلحاظ ما قبل الشريعة، أو بلحاظ ما قبل استكمال الشرائط  الخاصّة للتكليف، كما لو شككنا في وجوب الحج بالبذل  فاستصحبنا عدم التكليف الثابت قبل البذل لعدم   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة287/ الجزء الثالث

 

الاستطاعة، إذن فلإثبات البراءة بالاستصحاب وجوه ثلاثة:  

 

 أ - بلحاظ حال الصغر:   

الوجه الأوّل: استصحاب عدم التكليف الثابت في حال الصغر. و  اعترض عليه بعدّة إشكالات:   

الأوّل: ما حمل عليه المحقّق الخراسانيّ رحمه اللّه عبارة الشيخ  الأعظم (رضوان اللّه عليه) [1] في المقام من أنّ المستصحب  

_____________________________________________

 

[1] عبارة الشيخ الأنصاريّ رحمه اللّه واردة في بحث البراءة لدى  الاستدلال على البراءة بالاستصحاب، و كلام المحقّق الخراسانيّ  -قدّس سرّه- بهذا الصدد وارد في التنبيه الثامن من تنبيهات  الاستصحاب، و لعلّ كلام صاحب الكفاية يشعر بأنّ المستفاد من  عبارة الشيخ الأنصاريّ هو أنّ كون المستصحب حكما مجعولا أو  موضوعا لحكم مجعول شرط بعنوانه في الاستصحاب، فلو كان  هذا هو مقصود الشيخ رحمه اللّه ورد عليه ما سيأتي في المتن، و  لكن الظاهر من عبارته أنّ مقصوده شي‏ء آخر، و هو أنّ  المستصحب يجب أن يكون حكما شرعيّا، أو موضوعا لحكم  شرعيّ لا نفيا له، و ذلك لا بدعوى اشتراط ذلك بعنوانه في  الاستصحاب، بل بدعوى أنّ استصحاب نفي الحكم لا يؤدّي إلى  نفي استحقاق العقاب، فإنّ نفى استحقاق العقاب يكون في  حالتين: إمّا لدى نفي الحكم واقعا على أساس الملازمة العقليّة بين  نفيه و عدم استحقاق العقاب، و استصحاب نفي الحكم لا يثبت  لازمه العقليّ، و أمّا لدى الترخيص و لو ظاهرا، فإذا ثبت الترخيص  و لو ظاهرا قطعنا بعدم استحقاق العقاب، و لكن استصحاب نفي  الحكم لا يثبت الترخيص، فإنّ الترخيص و الإباحة حكم ثبوتيّ، و  الثابت في حال الصغر ليس هو هذا، بل هو عدم جعل   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة288/ الجزء الثالث

 

يجب أن يكون حكما مجعولا، أو موضوعا لحكم مجعول، و عدم  التكليف ليس كذلك.   و استغرب السيّد الأستاذ من حمل عبارة الشيخ الأعظم على هذا  المعنى باعتبار أنّ الشيخ الأعظم -قدّس سرّه- يقول باستصحاب  العدم الأزليّ فضلا عن العدم المستمر إلى حال الصغر، فكيف  ينسب إليه في المقام هذا الإشكال؟»«.   و هذا الاستغراب في غير محلّه، إذ الشيخ الأعظم رحمه اللّه إنّما  يقول بالاستصحاب في العدم الأزليّ إذا وقع العدم الأزليّ  موضوعا لحكم شرعي، فيستصحب مثلا في المكاسب عدم مخالفة  الشرط للكتاب، لأنّه موضوع لحكم شرعيّ، و هو نفوذ الشرط و  وجوب الوفاء به، و جهة الإشكال في ما نحن فيه هي أنّ عدم  التكليف ليس حكما شرعيّا و لا موضوعا لحكم شرعي، و لا علاقة  لذلك بمسألة جريان الاستصحاب في العدم الأزليّ، أو عدم  جريانه فيه.   و على أيّ حال فلا يهمّنا تحقيق مراد الشيخ الأعظم -قدّس سرّه-، و  إنّما المهم النّظر إلى هذا الإشكال في نفسه سواء كان مقصودا  - الإلزام، و عدم جعل الإلزام غير الترخيص المجعول.   و يرد عليه: أنّ نفي استحقاق العقاب يكفي فيه عقلا نفي الإلزام و  لو ظاهرا، و لا يتوقّف على نفي الحكم واقعا، و لا على الترخيص  بمعنى جعل الإباحة و لو ظاهرا.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة289/ الجزء الثالث

 

للشيخ الأعظم أو لا.   و الواقع أنّ هذا الإشكال غير صحيح، و ذلك لأنّه لا دليل على  اشتراط هذا الأمر بعنوانه و هو كون المستصحب حكما شرعيّا أو  موضوعا له، و إنّما الشرط هو أن يكون المستصحب قابلا  للتصرّف الظاهريّ من قبل المولى و التعبّد الظاهري به نفيا و  إثباتا، و يكفي في قابليّته لذلك أن يكون عدم حكم.   الثاني: ما أفاده المحقّق النائينيّ -قدّس سرّه-، و هو يتركّب من  مقدّمتين:   الأولى: أنّ الاستصحاب لا يكفي فيه مجرّد كون المستصحب حكما  شرعيّا، أو موضوعا لحكم شرعيّ، بل لا بدّ من انتهائه إلى أثر  عمليّ، فاستصحاب وجوب الحج مثلا على شخص مات قبل  خمسمائة عام من دون ترتّب أثر علميّ لذلك بالنسبة لنا لا معنى  له، و التعبد به لغو صرف و بلا محصّل.   الثانية: أنّ الأثر العمليّ المشترط في الاستصحاب إن كان مترتّبا  على الواقع المستصحب صحّح الاستصحاب. أمّا إن كان مترتّبا  على الشكّ، أو على كلّ من الواقع و الشكّ فلا معنى عندئذ لإجراء  الاستصحاب، لأنّ ذاك الأثر ثابت بالوجدان لوجود الشكّ، فإثباته  بالاستصحاب تحصيل للحاصل، بل من أردإ أنحاء تحصيل  الحاصل، إذ هو تحصيل لما هو حاصل   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة290/ الجزء الثالث

 

بالوجدان بالتعبّد»«.   أقول: إذا فرض الأثر مترتّبا على الشكّ دون الواقع،  فالاستصحاب لا معنى له في نفسه بقطع النّظر عن تحصيل  الحاصل، إذ المفروض أنّ الأثر ليس للواقع، فإثباته باستصحاب  الواقع إثبات للشي‏ء بما لا يترتّب عليه و لا يثبت به، و لعلّه (قدّس  سرّه) إنّما عبّر بهذا التعبير بالنسبة لكلا القسمين من باب الجمع  في العبارة و الاختصار، و إلاّ فينبغي أن يقال: إنّ الاستصحاب في  ما إذا كان الأثر مترتّبا على الشكّ لا يثبت لنا شيئا، و فيما إذا  كان الأثر مترتّبا على الواقع و على الشكّ يثبت لنا بالتعبّد ما هو  ثابت بالوجدان [1].   و على أيّة حال فالنتيجة المترتّبة على المقدّمتين هي أنّ الأثر  العمليّ في المقام الّذي عرفت في المقدّمة الأولى اشتراطه في  الاستصحاب إنّما هو التأمين، و هذا لا يمكن تحصيله  بالاستصحاب، إذ التأمين يترتّب على الشكّ، أو على كلّ من الشكّ  و الواقع، و لا معنى لترتّبه على الواقع فقط، إذ هو خلف  

_____________________________________________

 

[1] الظاهر أنّ نظر المحقّق النائيني في كلا القسمين إلى إشكال  تحصيل الحاصل. و على أيّ حال فهذا الإشكال إن تمّ فمصبّه كلا  القسمين، إذ حتى في مورد كون الأثر مترتّبا على الشكّ فقط لو  أريد إثبات الأثر بالاستصحاب كان ذلك تحصيلا لما هو حاصل  بالوجدان بالتعبّد. نعم يرد إشكال آخر أيضا، و هو أنّ الأثر إذا  لم يكن للواقع فاستصحاب الواقع لا يثبته، و لا يرد هذا الإشكال  عند فرض كون الأثر للواقع و للشكّ معا.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة291/ الجزء الثالث

 

قاعدة قبح العقاب بلا بيان.   و قد طبّق المحقّق النائينيّ رحمه اللّه هذا القانون - أعني عدم  جريان الاستصحاب في فرض ترتّب الأثر على الشكّ، أو عليه و  على الواقع - في مورد آخر أيضا و هو استصحاب عدم الحجّيّة.   و على أيّ حال فالسيّد الأستاذ سلّم الإشكال في فرض ترتّب الأثر  على الشكّ فقط، و جعل ما نحن فيه من باب ترتّب الأثر على كل  من الشكّ و الواقع، و دفع الإشكال في فرض ترتّب الأثر على  الشكّ و الواقع بأنّ ظرف الاستصحاب هو ظرف انتفاء الشكّ  بالتعبّد الشرعيّ، فالأثر عندئذ إنّما هو ثابت بالتعبّد و مترتّب  على الواقع، و ليس ثابتا بالوجدان و مترتّبا على الشكّ، فإنّ الشكّ  ملغيّ عندئذ بالحكومة، و الاستصحاب كما يتقدّم على أصالة  البراءة الشرعيّة و نحو ذلك بالحكومة و يكون الأمن أو الطهارة  عندئذ مستندا إلى الاستصحاب لا القاعدة، كذلك الأمر في قاعدة  قبح العقاب بلا بيان، فإنّ الاستصحاب حاكم عليها برفع  موضوعها»«.   و يرد عليه:   

أولا: أنّ الحكومة إن صحّت فإنّما تصحّ بالنسبة للقواعد الشرعيّة  كالبراءة الشرعيّة و قاعدة الطهارة و نحو ذلك، حيث إنّ   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة292/ الجزء الثالث

 

موضوعها بيد المولى فله أن يضيّقه تعبّدا بالاستصحاب. و أمّا  قاعدة قبح العقاب بلا بيان - لو تمّت - فهي قاعدة عقليّة ليس  موضوعها بيد المولى بما هو مولى، فلا تعقل حكومة الاستصحاب  عليها، و إنّما يجب أن يلحظ ما هو موضوع هذا القبح و ملاكه في  نظر العقل حتى نرى أنّ ذلك الموضوع و الملاك هل هو باق حتى  بعد الاستصحاب أو لا؟ فإن لم يكن باقيا كان الاستصحاب واردا  عليه، و إلاّ فليس الاستصحاب حاكما عليه و لا واردا عليه، و لعلّ  مقصوده بالحكومة على قاعدة قبح العقاب بلا بيان هو الورود  على أساس التسامح في مقام التعبير [1].   و على أيّ حال فالصحيح أنّ موضوع القاعدة لا يرتفع  بالاستصحاب لا حكومة و لا ورودا، و ذلك لأنّ موضوع هذه  القاعدة العقليّة إنّما هو عدم بيان التكليف، و ليس موضوعها  اللابيان من كلا الجانبين.   و من يفترض أنّ موضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان هو اللابيان  من كلا الجانبين لا ينبغي أن يكون مقصوده اختصاص  

_____________________________________________

 

[1] في مصباح الأصول لم ترد في المقام كلمة الحكومة، و لا  يحضرني في الوقت الحاضر تقرير آخر من تقارير بحث السيّد  الخوئي رحمه اللّه، و لكن تفهم إرادة الحكومة ممّا في مصباح  الأصول من تعبيره بأنّ الاستصحاب رافع للشكّ تعبّدا زائدا  افتراضه أنّ الشكّ أحد موضوعي الأثر، و يؤيّد ذلك تشبيهه للمقام  بتقدّم الاستصحاب على البراءة الشرعيّة و قاعدة الطهارة، فراجع.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة293/ الجزء الثالث

 

قبح العقاب بفرض الشكّ، بحيث يكون العقاب عند العلم بالعدم  وجدانا، أو تعبّدا غير قبيح، فهذا واضح البطلان، و إنّما المقصود  المتعقّل في المقام هو دعوى: أنّ حصّة من قبح العقاب مختصّة  بصورة الشكّ و اللابيان من كلا الطرفين، و أنّ هذه الحصّة هي  المحمول في القاعدة، فيرتفع موضوع القاعدة بالاستصحاب، و  يثبت عندئذ قبح آخر مغاير للقبح الأوّل.   و الواقع: أنّ هذا الكلام غير صحيح كما يتّضح ذلك بالنظر إلى ما  مضى منّا من أنّ قاعدة قبح العقاب بلا بيان مرجعها في الحقيقة  إلى قاعدة قبح العقاب بلا حقّ المولويّة، فملاك هذا القبح إنّما هو  عدم حقّ المولويّة، و حقّ المولويّة مخصوص - حسب الفرض -  بفرض الوصول، فعدم هذا الحقّ ثابت حتى في فرض وصول  العدم، فيثبت نفس القبح الّذي كان ثابتا في فرض اللابيان من كلا  الطرفين، غاية الأمر اشتداد القبح بالعلم بعدم التكليف، لأنّه عند  الشكّ يكون الحقّ الاستحبابيّ ثابتا، و عند العلم بالعدم ينتفي كلا  الحقّين الوجوبيّ و الاستحبابيّ.   و لو فرضنا أنّ ملاك عدم الحقّ في الشكّ غير ملاك عدم الحقّ في  العلم بالخلاف لم يكن هذا محصّصا للعدم، فإنّ العدم إنّما  يتحصّص بتحصّص ما يضاف إليه، لا بتعدّد الملاك.   و إذا ظهر أنّ موضوع القاعدة هو عد وصول التكليف الثابت حتى  عند وصول العدم عرفت أنّه لا معنى لتقدّم الاستصحاب عليها.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة294/ الجزء الثالث

 

 

و ثانيا: أنّ فرضه لما نحن فيه من قبيل ترتّب الأثر على الواقع و  على الشكّ غير صحيح، فإنّ الواقع لا أثر له أصلا لا نفيا و لا إثباتا،  فإنّ العبد إن شكّ في التكليف قبح عقابه و لو كان التكليف ثابتا  حقيقة لفرض قبح العقاب بلا بيان. و إن علم بالتكليف و خالف  استحقّ العقاب و لو لم يكن التكليف ثابتا حقيقة على ما هو  التحقيق عندنا و عنده من استحقاق المتجرّي للعقاب، فالتأمين  فيما نحن فيه غير مربوط بعدم التكليف واقعا، فكان ينبغي له أن  يبدّل فرض ترتّب الأثر فيما نحن فيه على الشكّ و على الواقع  بفرض ترتّبه على الشكّ و على العلم و لو تعبّدا.   

و ثالثا: أنّه إن لم يفرض أنّ الشارع جعل في الاستصحاب  الطريقيّة، فلا وجه لحكومة الاستصحاب على قاعدة الشكّ حتى في  الآثار المترتّبة على الشكّ و على الواقع. و إن فرض جعل الطريقيّة  فيه ينبغي له أن يسلّم الحكومة حتى في الآثار المترتّبة على الشكّ  فقط، و أثر الاستصحاب عندئذ هو رفع أثر الشكّ.   نعم فيما يكون ذلك الأثر أثرا للعلم التعبّدي أيضا لا للشكّ فقط،  كما نحن فيه يترتّب الأثر لا محالة و لو بلحاظ العلم التعبّدي  بالعدم.   و ليته كان يجيب على كلام المحقّق النائينيّ رحمه اللّه بأنّه ما هو  المقصود بالأثر العمليّ الّذي ذكره شرطا في   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة295/ الجزء الثالث

 

الاستصحاب؟ فإن كان المقصود به الحكم الشرعيّ المرتبط بمقام  العمل في قبال حكم شرعيّ غير مربوط بمقام العمل بالنسبة لهذا  المكلّف، فهذا موجود في المقام بعد فرض تعميم الأمر على إثبات  التكليف و نفيه و عدم اختصاصه بجانب الإثبات كما مضى، فإنّ  التكليف في المقام مربوط بعمله لأنّه يؤثّر في ضيق العنان عليه في  ظرف وصوله، و كذلك عدم التكليف مربوط بعمله لأنّه يؤثّر في  إطلاق العنان في ظرف عدم وصول التكليف، أي كما أنّ التكليف  قد يصير سببا للعلم به الموجب للضيق في العمل كذلك عدم  التكليف رفع لهذا السبب المؤدّي إلى الضيق.   و إن كان المقصود به التنجيز و التعذير فلا إشكال في اشتراط  انتهاء الاستصحاب إلى هذا الأثر، فقد يقال: إنّ الاستصحاب في ما  نحن فيه غير جار لثبوت التعذير بدونه لقاعدة قبح العقاب بلا  بيان، و المفروض اعتراف الأخباري بهذه القاعدة و إن ادّعى  وصول البيان و هو أخبار الاحتياط.   و لكن الواقع أنّ الاستصحاب يظهر أثره في المقام في مقابل رأي  الاخباري القائل بورود البيان و هو أخبار الاحتياط، فإنّه بناء على  هذا الرّأي تكون قاعدة قبح العقاب بلا بيان - بقطع النّظر عن  الاستصحاب - منتفية بانتفاء موضوعها، و عندئذ يفيدنا في  المقام استصحاب نفي التكليف، و هو حاكم على أخبار الاحتياط  التي يكون موضوعها فرض احتمال التكليف، أو مخصّص لها.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة296/ الجزء الثالث

 

نعم لو قصد التمسّك بالاستصحاب التمسّك به رغم فرض عدم  تماميّة أخبار الاحتياط و تماميّة موضوع قاعدة قبح العقاب بلا  بيان فليكن إشكال المحقّق النائينيّ رحمه اللّه واردا على التمسّك  بالاستصحاب في هذا الفرض و الّذي هو في الحقيقة عمل صبياني  لا قيمة له، و إنّما تظهر قيمة التمسّك بالاستصحاب عند فرض  الإيمان بأخبار الاحتياط، و معه لا يرد إشكال المحقّق النائينيّ  رحمه اللّه.   هذا هو الجواب الّذي كنّا نتمنّى للسيّد الأستاذ أن يذكره في  المقام.   أمّا نحن ففي مقام الجواب لا نجيب حتى بهذا البيان، بل نقول: إنّ  هذا الكلام كلّه مبنيّ على الانشغال بالألفاظ عن المعاني، فإنّنا قلنا  في ما سبق: إنّ الخطابات الظاهريّة على اختلاف ألسنتها و التفنّن  في التعبير عنها يكون جوهرها، و مدلولها التصديقي أحد أمرين:  إبراز شدّة الاهتمام بالواقع المشكوك، و إبراز عدم شدّة  الاهتمام به بحيث يرضى بترك الاحتياط، فاستصحاب عدم  التكليف في المقام هو بحسب الحقيقة إبراز لعدم شدّة اهتمام  المولى بتكاليفه الواقعيّة و رضاه بتركها، فالمبرز بهذا الخطاب  الاستصحابي نفس المبرز بخطاب (رفع ما لا يعلمون) مع فرق من  ناحية التفنّن في العبارة، فكأن دليل الاستصحاب هو رواية أخرى  من روايات البراءة، فكما أنّه لم يستشكل أحد في التمسّك بحديث  الرفع على عدم وجوب الاحتياط بأنّه تحصيل للحاصل كذلك، لا  ينبغي   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة297/ الجزء الثالث

 

الاستشكال في التمسّك بهذا الخطاب الاستصحابي على ذلك  بلزوم تحصيل الحاصل، و الوجه في عدم الاستشكال في كلا  الموردين هو أنّ قاعدة قبح العقاب بلا بيان يرتفع موضوعها  بالبيان، سواء كان بيانا للواقع، أو بيانا لإيجاب الاحتياط حقيقة،  بأن يصل من المولى واقعا بيان إيجاب الاحتياط، أو توهّما، بأن  يتوهّم العبد أنّ المولى أوجب الاحتياط، و أيّ لغوية، أو إشكال  يرد على المولى لو صرّح بعدم شدّة اهتمامه بتكاليفه المشكوكة و  عدم إيجابه الاحتياط سدّا لباب وصول إيجاب الاحتياط إلى العبد  خطأ و توهّما، و هذا قد يبيّنه ببيان واحد و قد يبيّنه ببيانات  متعدّدة و ألسنة مختلفة، و منها لسان الاستصحاب.   و لو صار القرار على الإشكال، يجب الإشكال حتى في حديث  (الرفع) و غيره من روايات البراءة و آياتها، إذ يقال أيضا:   إنّ البراءة الشرعيّة أصل عمليّ لا بدّ لها من الانتهاء إلى أثر عمليّ  من التعذير، و التعذير ثابت هنا بدونها بالوجدان لقاعدة قبح  العقاب بلا بيان، فإحراز ذلك بالبراءة الشرعيّة تعبّدا إحراز  للشي‏ء الثابت بالوجدان بالتعبّد، و هو من أردإ أنحاء تحصيل  الحاصل.   الثالث: أنّ عدم التكليف في حال الصغر كان من باب اللاحرجيّة  العقليّة و هو مقطوع الانتفاء، و عدم التكليف في حال الكبر هو  النفي الشرعي بمعنى عدم جعل الشارع للتكليف عليه مع فرض  قابليّته لجعل التكليف عليه، و هذا ليس هو المتيقّن سابقا.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة298/ الجزء الثالث

 

و لكن لا يخفى أنّ هذا الإشكال - لو تمّ في نفسه - لم يتمّ على  إطلاقه، فإنّ الصبيّ في الغالب يمرّ قبل البلوغ بمستوى من الوعي  بحيث لا يبقى مانع من قبل العقل من إيقاع حرج التكليف عليه، و  يكون نفي التكليف عنه نفيا شرعيّا. نعم يتأتى هذا الإشكال في  المجنون إذا أفاق، و في الصبي إذا استمرّ معه عدم التمييز و كان  بحكم المجنون.  

 و التحقيق: أنّ هذا الإشكال في نفسه غير صحيح، و ذلك لأنّ العدم  إنّما يتحصّص بتعدّد ما أضيف إليه ذلك العدم، و لا يتحصّص  بمجرّد تعدّد الملاك، مثلا لو كانت الورقة مرطوبة فقطعنا بعدم  احتراقها بالنار المجاورة لها لرطوبتها، ثمّ جفّت الرطوبة و  احتملنا عدم احتراقها بعد لانطفاء النار جرى بلا إشكال  استصحاب عدم الاحتراق، فإنّ الاحتراق الواحد لا يتعدّد أعدامه  بتعدّد الملاك، فعدم الاحتراق لو كان باقيا فهو عدم واحد مستمرّ  رغم كونه ابتداء بملاك عدم قابليّة القابل و انتهاء بملاك عدم  فاعليّة الفاعل، فإنّ هذه الحيثيّات إنّما هي حيثيّات تعليليّة للعدم، و  ليست حيثيّات تقييدية و محصّصة للعدم، و ما نحن فيه من هذا  القبيل، فعدم التكليف و إن كان تارة بملاك عدم قابلية المورد  عقلا للتكليف، و أخرى بملاك عدم تماميّة المبادئ في نفس  المولى، لكن هذا لا يفرّد العدم و لا يجعل المشكوك غير المتيقّن  [1].    

_____________________________________________

 

[1] و هذا الجواب أدقّ من الجواب الّذي ذكره السيّد الخوئي رحمه  اللّه   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة299/ الجزء الثالث

 

الرابع: دعوى تغيّر الموضوع عرفا، فإنّ العرف من باب مناسبات  الحكم و الموضوع يرى أنّ الصبا مقوّم لموضوع رفع القلم في تلك  الحالة، و يحكم بأنّ العدم الثابت في حال الصغر لصغره عدم  معنون بعنوان العفو للصغر و القصور المحدود من قبل الشارع  بحدّ معيّن، و بمجرّد وصول ذلك الحدّ يتبدّل الموضوع و لو كان  التكليف بعد هذا الحدّ معدوما أيضا، فكأن هذا عدم آخر في نظر  العرف، و الحاصل أنّ حيثيّة الصغر في نظر العرف حيثيّة تقييديّة  و مقوّمة للموضوع، فعدم تكليف الكبير يعتبر مغايرا لعدم تكليف  الصغير، و لا يفترض أحدهما بقاء  من أن عدم التكليف إن كان أزليّا غير منتسب إلى الشارع كفى  انتسابه إليه بنفس الاستصحاب»«، و ذلك لأنّ المشكلة لم تكن  مشكلة مجرّد عدم انتساب العدم إلى الشارع، و إلاّ لكان جوابها:  أنّ عدم التكليف حتى لو لم ينتسب إلى الشارع يكفي في الأمن، و  إنّما المشكلة مشكلة تفرّد العدم و تعدّده بانتسابه و عدم انتسابه  إلى الشارع فالعدم الأوّل انتهى يقينا، و العدم الثاني مشكوك  الحدوث، و هذا كما ترى لا تعالجه نسبة العدم الأوّل إلى الشارع  ببركة الاستصحاب.   أمّا لو فرض أنّ المشكلة هي مشكلة عدم انتساب العدم إلى  الشارع، فلا بدّ أن نرى أنّه هل المدّعى اشتراط انتساب العدم إلى  الشارع و لو ظاهرا، أو اشتراط انتسابه إليه واقعا و إن كفى لنا  ثبوت الانتساب الواقعي ظاهرا، فإن فرض الأوّل صحّ جواب السيّد  الخوئي رحمه اللّه من أنّ الاستصحاب صحّح الانتساب. و إن فرض  الثاني لم يصحّ هذا الجواب، لأنّ الاستصحاب إنّما أثبت الانتساب  الظاهري واقعا، و لم يثبت الانتساب الواقعي ظاهرا.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة300/ الجزء الثالث

 

للآخر، و استصحاب عدم تكليف الصغير غير جار لانقطاعه  القطعي.   

و لكن هذا الإشكال إن كان صحيحا - و هو القريب جدّاً - كان  معنى ذلك أنّ العرف يرى في المقام العدم متعدّدا كما قلنا، فعدم  تكليف الصغير شي‏ء، و عدم تكليف الكبير شي‏ء آخر، فإنّ تمّ هذا  لم يضرّ بالنتيجة المطلوبة في المقام، لأنّ العدمين كلاهما كانا  ثابتين من قبل، و كان أحدهما و هو عدم التكليف الصغير من باب  السالبة بانتفاء المحمول، و الآخر و هو عدم تكليف الكبير من  باب السالبة بانتفاء الموضوع و العدم الأزلي، و لئن لم يمكن  استصحاب الأوّل لما عرفته من إشكال تبدّل الموضوع و القطع  بانتهائه فاستصحاب الثاني لا عيب فيه، إذن فنحن نجري  استصحاب عدم تكليف الكبير الثابت في حال الصغر بانتفاء  موضوعه كما في الكبير الّذي يفرض أنّه خلق في ساعته كبيرا،  فإنّه يجري فيه استصحاب عدم التكليف عليه الثابت قبل وجوده  بنحو العدم الأزلي، و مسبوقيّته بالصغر لا تجعله أسوأ من فرض  كونه ابن ساعته.   

 

ب - بلحاظ ما قبل الشريعة:   

الوجه الثاني: استصحاب عدم الجعل الثابت قبل الشريعة.   و هنا أيضا توجد عدة إشكالات:   

الأوّل و الثاني: ما مضى من الإشكالين الأوّلين على الوجه الأوّل، و  قد عرفت جوابهما أيضا.   

الثالث: ما يشبه الإشكال الثالث على الوجه الأوّل، و هو أنّ     

 

التالي