مباحث‏ الأصول/الصفحة451/ الجزء الثالث

 

و أمّا بلحاظ النسبة الثانية فقد يتخيّل أنّه بناء على انقلاب النسبة لا  يكون حديث الرفع أعمّ مطلقا من المقبولة، لأنّه خرجت منه  بالتخصيص موارد العلم الإجماليّ و ما قبل الفحص، فالنسبة  بينهما عموم من وجه.   و جوابه: ما مضى من أنّ القائلين بانقلاب النسبة لا يقولون به في  فرض التعارض بالعموم المطلق إذا وجد مخصّص آخر للعام، بل  يلحظون المخصّصين في عرض واحد، و يخصّصون العام بهما.   ثمّ إنّه لو فرض أنّ أخبار البراءة و أخبار الاحتياط تعارضتا بنحو  التباين وصلت النوبة إلى المرجّحات. و المرجّح عندنا أمران:  موافقة الكتاب و مخالفة العامّة. و الأخباريّون يرون أنّ أخبار  الاحتياط تقدّم على أخبار البراءة بمخالفتها للعامّة، حيث يقولون:  إنّ العامّة مطبقون على جريان البراءة في الشبهات الحكميّة، و ما  سنح لي أن أتتبّع صحّة هذه النسبة. و على أيّ حال نقول: إنّ هنا  مرجّحا أسبق رتبة من هذا المرجّح و هو موافقة الكتاب، و هي  ترجّح أخبار البراءة لما عرفت فيما مضى من أنّ الكتاب يدلّ على  البراءة لا الاحتياط. هذا بقطع النّظر عمّا  - الحكميّة، فاختصّ بالموضوعيّة فخصّص حديث الاحتياط  بالحكميّة، إلاّ إذا ضممنا إلى دعوى انقلاب النسبة الأولى دعوى  انقلاب النسبة الثانية أيضا، و لكن عندئذ ستكون النتيجة أيضا  الاحتياط، لأنّ المرجع على هذا الفرض هو حديث الاحتياط العامّ.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة452/ الجزء الثالث

 

سنذكره في الجهة الثانية (إن شاء اللّه تعالى) من أنّ المعارضة  للكتاب - و لو بالعموم من وجه - تسقط الخبر عن الحجّيّة في  نفسه.  

 

 نسبة أخبار الاحتياط إلى آيات البراءة:  

 و أمّا الجهة الثانية: و هي في النسبة بين أخبار الاحتياط و آيات  البراءة، فقد مضى أنّه تدلّ من الكتاب على البراءة آيتان:   إحداهما: قوله (تعالى): ما كان اللَّه ليضلّ قوما بعد إذ هداهم حتى  يبيّن لهم ما يتّقون. و مضى أنّها مختصّة بالشبهة الحكميّة بعد  الفحص بلسان يأبى عن التخصيص بخصوص بعض الشبهات  الحكميّة، فتقدّم على أخبار الاحتياط بالأخصّيّة.  

 و الثانية: قوله (تعالى): لا يكلّف اللَّه نفسا إلاّ ما آتاها و قد مضى  أنّ نسبتها إلى اخبار الاحتياط هي العموم من وجه، و قد بنينا في  حجّيّة خبر الواحد على أنّ كلّ خبر معارض للقرآن بالعموم من  وجه يكون ساقطا عن الحجّيّة بنفسه، و عليه فالدليل القرآنيّ بكلا  قسميه مقدّم على أخبار الاحتياط.  

 

 نسبة أخبار الاحتياط إلى دليل الاستصحاب:  

 و أمّا الجهة الثالثة: و هي في النسبة بين أخبار الاحتياط و دليل  الاستصحاب، فقد ذكر السيّد الأستاذ: أنّ دليل   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة453/ الجزء الثالث

 

الاستصحاب يكون حاكما على أخبار الاحتياط، لأنّ موضوعها  الشكّ، و المجعول في دليل الاستصحاب هو الطريقيّة و إلغاء  الشكّ، فلا يبقى موضوع لأخبار الاحتياط»«.   و يرد عليه

أولا: الخلاف المبنائي فيما هو المجعول في دليل  الاستصحاب، حيث إنّنا لا نقول بأنّ المجعول في دليل الاستصحاب  و لا في أدلّة الأمارة الطريقيّة على ما مرّت الإشارة إليه في بحث  القطع، و يأتي تفصيله (إن شاء اللّه تعالى) فيما يخصّ الاستصحاب  في مباحث الاستصحاب.   

و ثانيا: أنّه لو سلّمنا أنّ المجعول في دليل الاستصحاب هو  الطريقيّة و العلم، فهذا إنّما يصير حاكما على دليل رتّب فيه الأثر  إثباتا أو نفيا على العلم لا على دليل رتّب فيه الأثر على الشكّ، و  ذلك لأنّ دليل الاستصحاب بنفسه قد أخذ في موضوعه الشكّ،  فالطريقيّة المجعولة فيه طريقيّة في طول الشكّ، و ظاهر التعبّد  بالطريقيّة في طول الشكّ هو أنّ هذا التعبّد ليس ناظرا إلى إلغاء  الشكّ نفسه، بل مسوق لجهة أخرى غير إلغاء الشكّ و هي صرف  إثبات عنوان اليقين، و هذه النكتة لا تأتي في أدلّة الأمارة لو فرض  جعل الطريقيّة فيها، إذ لم يؤخذ في موضوعها الشكّ كي يكون  ذلك قرينة على أنّ التعبّد بالطريقيّة ليس في مقام إلغاء الشكّ و  التردّد و نحو ذلك من العناوين المقابلة للعلم.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة454/ الجزء الثالث

 

 

و ثالثا: أنّنا لو سلّمنا أنّ دليل الاستصحاب لسانه لسان دليل  الأمارة - أي أنّه لم يؤخذ في موضوعه الشكّ - قلنا: كما أنّ دليل  الاستصحاب دليل على اعتبار العلم و جعل الطريقيّة و إلغاء الشكّ،  كذلك دليل الاحتياط و الوقوف عند الشبهة دليل على عدم جواز  الاعتماد على أحد طرفي الشبهة و البناء عليه، لا التزاما في مقام  الحجّيّة و لا عملا في مقام الجري الخارجيّ و إرشاد إلى عدم  الحجّيّة و الطريقيّة و عدم إلغاء الشكّ فيتعارضان، و هذا نظير ما  مضى من أنّه ذهبت مدرسة المحقّق النائينيّ رحمه اللّه إلى حكومة  دليل حجّيّة خبر الثقة على الآيات الناهية عن العمل بالظنّ، لأنّ  دليل حجّيّة خبر الثقة يخرجه عن كونه ظنّا، فأجبنا في محلّه بأنّ  عمومات النهي عن العمل بالظّنّ بنفسها إرشاد إلى عدم حجّيّة  الظنّ و عدم جعله علما فيتعارضان.  

 

 تعيين المرجع في فرض التساقط:  

 و أمّا الجهة الرابعة: و هي أنّه لو تعارض الدليلان و تساقطا فما ذا  نصنع؟ فنقول: لو بنينا على البراءة العقليّة و قبح العقاب بلا بيان -  كما ذكروه - رجعنا إليها. أمّا إذا لم نبن عليه - كما هو الحقّ - و  قلنا بأصالة منجّزيّة الاحتمال فأيضا هنا نكون في سعة من  الاحتياط و الاشتغال، لأنّنا وجدنا فيما مضى في الأدلّة اللفظيّة  للبراءة الشرعيّة ما يكون مفاده في مستوى قاعدة   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة455/ الجزء الثالث

 

قبح العقاب بلا بيان - أي أنّ موضوعه عدم وصول إيجاب  الاحتياط علميّا - و عليه فيستحيل أن يقع طرفا للمعارضة مع دليل  الاحتياط، إذ هو حاكم عليه، فالمعارضة إنّما تقع بين دليل  الاحتياط و دليل البراءة التي هي في مرتبة الاحتياط و التي تنفي  ذلك الاحتياط، فبعد التساقط يتنقّح موضوع هذا القسم من البراءة  و يرجع إليها.   نعم خصوص أخبار: (إنّ الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في  الهلكة) قلنا: إنّها إرشاد إلى تأكيد حكم العقل بمنجّزيّة الاحتمال، و  يفهم من هذا الإرشاد عرفا - لصدوره من الشارع - كونه في  مقام بيان عدم حاكم على هذه المنجّزيّة، فهذه يمكن أن يدّعى أنّها  تعارض أخبار البراءة المساوقة لقاعدة قبح العقاب بلا بيان.   إلاّ أنّنا أيضا نقول بعدم المعارضة من باب أنّ العرف يفهم من  بيان الشارع لعدم الحاكم على هذه المنجّزيّة أنّه في مقام إيصال  الاحتياط، و لا ينظر إلى فرض عدم وصول الاحتياط. هذا تمام  الكلام في أصل مبحث أنّ الأصل هل هو البراءة أو الاحتياط.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة457/ الجزء الثالث

 

تنبيهات:  

 تقدّم بعض الأصول على البراءة:   

التنبيه الأوّل: ذكر الشيخ الأعظم -قدّس سرّه-: أنّه يشترط في  جريان البراءة عدم ثبوت أصل موضوعيّ في مورده، و إلاّ قدّم  عليه بالحكومة، و مثّل لذلك باستصحاب عدم التذكية عند الشكّ  في التذكية المقدم على أصالة الحلّ، ثمّ دخل في البحث في نفس  هذه الصغرى و هي استصحاب عدم التذكية.  

 و ذكر في المقام: كما عن المحقّق النائينيّ -قدّس سرّه- و مدرسته  تعليقا على هذا الكلام: أنّه ينبغي أن يكون مراده بالأصل  الموضوعيّ مطلق الأصل الحاكم سواء كان في رتبة   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة458/ الجزء الثالث

 

الموضوع كما في هذا المثال، أو الحكم كما في تقدّم استصحاب  عدم الحلّ على أصالة الحلّ فيما يكون مسبوقا بالحرمة لا خصوص  الأصل الجاري في رتبة الموضوع، لأنّه لا خصوصيّة له في المقام، و  إنّما العبرة في عدم جريان البراءة بوجود الاستصحاب في  موردها سواء كان في رتبة الموضوع، أو الحكم بنكتة أنّ  المجعول في الاستصحاب هو الطريقيّة و إلغاء الشكّ، فيلغى بذلك  موضوع البراءة. هذه هي نكتة الحكومة في المقام في رأي مدرسة  المحقّق النائيني -قدّس سرّه-، و على أيّة حال فلأجل ما ذكروه هنا  غيّروا عنوان الشرط في المقام، و ذكروا أنّه يشترط في جريان  البراءة عدم وجود استصحاب حاكم عليها، ثمّ دخلوا فيما دخل فيه  الشيخ الأعظم -قدّس سرّه- من البحث في الصغرى و هو  استصحاب عدم التذكية.   أقول: إنّه لا مجال للبحث هنا تفصيلا عن نكات الحكومة و وجه  تقدّم الاستصحاب على البراءة، و سيأتي الكلام في ذلك (إن شاء  اللّه) في آخر مبحث الاستصحاب الّذي خصّصوه لهذا البحث،  فيتكلّم هناك عن وجه تقدّم الأمارة على الأصول، و تقدّم الأصول  بعضها على بعض، و سنبيّن هناك -إن شاء اللّه- أنّ الأصل  الموضوعيّ مقدّم على الأصل الحكميّ، و الأصل السببيّ مقدم على  الأصل المسببيّ، و دليل الاستصحاب مقدّم على دليل البراءة، و  نذكر الوجوه في ذلك مفصّلا -إن شاء اللّه-، و إنّما المقصود هنا  الإشارة إلى نقاط الخلاف بيننا و بين المشهور بحيث تتّضح لك  تلك النقاط و لو تصوّرا.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة459/ الجزء الثالث

 

فنقول: إنّنا نخالف المشهور في المقام في نقاط ثلاث:   النقطة الأولى: أنّنا نعترف بحكومة الأصل الموضوعيّ على الأصل  الحكميّ بما هو أصل موضوعيّ - أيّ جار في رتبة الموضوع - فإنّ  كونه كذلك يوجب بحسب نظر العرف تقدّمه في لسان أدلّة  الأصول على الأصل الحكميّ حسب ما يأتي بيانه -إن شاء اللّه- في  آخر الاستصحاب. و مدرسة المحقّق النائينيّ -قدّس سرّه- تعترف  فقهيّا بأنّه إذا غسل مثلا ثوب متنجّس بماء محكوم بالطهارة  بالأصل لا بالاستصحاب - لعدم جريان الاستصحاب فيه لتوارد  الحالتين مثلا - قدّمت أصالة الطهارة في الماء على استصحاب  النجاسة في الثوب، فهنا تقع المدرسة في ضيق من تفسير الموقف  لأنّ الأصل الموضوعيّ في المقام ليس أصلا محرزا حسب تعبيرها،  بل أصبح الأصل غير المحرز حاكما على الأصل المحرز. و أمّا نحن  فنفسّر ذلك بالحكومة بنكتة كون الأصل في رتبة الموضوع، و  الاستصحاب في رتبة الحكم.   النقطة الثانية: أنّنا لا نعترف بحكومة الاستصحاب على الأصل  بملاك جعل الطريقيّة في الاستصحاب، فإنّنا أوّلا ننكر جعل  الطريقيّة فيه، و ثانيا بعد تسليم جعل الطريقيّة فيه نقول: إنّ هذا  يدخل تحت كبرى أنّ جعل العلم و الطريقيّة في شي‏ء هل يقيمه  مقام العلم الموضوعيّ أو لا يقيمه مقام غير العلم الطريقيّ، و هذا  بحث مضى أكثر أطرافه في مبحث الأمارات، و تأتي -إن شاء اللّه-  تطبيقاته في آخر مبحث الاستصحاب.   

و التحقيق: عدم قيامه مقام العلم الموضوعيّ، فالعلم و إن جعل   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة460/ الجزء الثالث

 

موضوعا لغاية البراءة و أمدها، حيث جعلت البراءة في فرض عدم  العلم، و لكنّ هذا لا يوجب رفع اليد عن البراءة بالاستصحاب  لفرض جعله علما.   النقطة الثالثة: أنّه بعد أن أنكرنا حكومة الاستصحاب على البراءة  بالملاك الّذي يقول به المحقّق النائينيّ -قدّس سرّه- فهل تقع  المعارضة بين الأصل و الاستصحاب أو لا؟ التحقيق:   أنّه لا تقع المعارضة بينهما، بل يقدّم الأصل الموضوعيّ على  الحكميّ إن كان أحدهما في رتبة الموضوع و الآخر في رتبة  الحكم، كما في مثال تقدّم استصحاب عدم التذكية على أصالة  البراءة، و مثال تقدّم أصالة طهارة الماء على استصحاب نجاسة  الثوب المغسول به، و يقدّم الاستصحاب على البراءة إن كانا في  رتبة واحدة، و ذلك لنكات في دليل الاستصحاب، و البراءة توجب  هذا التقدّم كما سيأتي بيان ذلك -إن شاء اللّه- في آخر بحث  الاستصحاب.   هذا. و نحن نجعل عنوان هذا الشرط في ما نحن فيه هكذا، إنّ  العمل بدليل البراءة مشروط - كما هو الحال في كلّ دليل - بعدم  تعارضه مع دليل آخر و تساقطه معه، و بعدم وجود دليل أقوى  منه يقدّم عليه بوجه من وجوه الأقوائيّة التي تأتي -إن شاء اللّه- في  باب التعادل و التراجيح، و ممّا يكون أقوى من دليل البراءة دليل  الأصل الموضوعيّ و دليل الاستصحاب، كما يأتي في بحث  الاستصحاب -إن شاء اللّه-.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة461/ الجزء الثالث

 

استصحاب عدم التذكية:  

 أمّا الكلام في الصغرى التي بحثوها في المقام و هي استصحاب  عدم التذكية فنقول: قد ذكروا للشكّ في حلّيّة لحم الحيوان بعد  زهاق روحه أربعة فروض:   

الأوّل: ان يكون الشكّ فيه من ناحية الشكّ في أنّ ذلك الحيوان  محلّل الأكل أو محرّمه، لا من ناحية الشكّ في التذكية، بل نفترض  القطع بحصول التذكية، و لكن التذكية في بعض الحيوانات تفيد  الطهارة فقط دون حلّيّة الأكل، و هذا قد يكون بنحو الشبهة  الحكميّة، بأنّ يشكّ في حيوان معيّن أنّه هل هو محلّل الأكل أو  محرّمه، و أخرى بنحو الشبهة الموضوعيّة، بأن يشكّ في حيوان أنّه  هل هو الحيوان الكذائيّ المحلّل الأكل، أو الآخر المحرّم الأكل.   الثاني: أن يكون الشكّ فيه من ناحية الشكّ في قبول هذا الحيوان  للتذكية و عدمه في نفسه، و هذا أيضا قد يكون بنحو الشبهة  الحكميّة، بان يشكّ في أنّ هذا الحيوان المعيّن يقبل التذكية أو لا؟،  و أخرى بنحو الشبهة الموضوعيّة بأن يشكّ في أنّ هذا الحيوان هل  هو الشاة مثلا القابل للتذكية، أو الحيوان الآخر غير القابل لها؟  الثالث: ان نعلم أنّه في نفسه قابل للتذكية، لكنّنا نحتمل   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة462/ الجزء الثالث

 

عدم قبوله لها لطروّ مانع كالجلل، و ذلك إمّا بنحو الشبهة  الحكميّة كالشكّ في مانعيّة الجلل، أو بنحو الشبهة الموضوعيّة،  كالشكّ في حصول الجلل المعلوم مانعيّته.   الرابع: أن يكون الشكّ فيه ناشئا من الشكّ في إجراء عملية التذكية  عليه و عدمه، و ذلك إمّا بنحو الشبهة الحكميّة كما لو شكّ في  اشتراط التسمية، أو بنحو الشبهة الموضوعيّة، كما لو شكّ في  تحقّق التسمية مع العلم باشتراطها.  

 أمّا الفرض الأوّل: و هو فرض الشكّ في أنّ هذا الحيوان المذكّى  هل هو محلّل الأكل أو محرّمه، فإن كانت الشبهة حكميّة رجعنا إلى  العموم الفوقاني إن وجد عامّ فوقانيّ يدلّ على حلّيّة كلّ حيوان  عدا ما استثني، أو على حرمة كلّ حيوان عدا ما استثني، و إلاّ  رجعنا إلى أصالة الحلّ، و لا يجري استصحاب الحرمة الثابتة حال  الحياة بناء على حرمة أكل الحيوان الحيّ، و ذلك لما ستعرف (إن  شاء اللّه)، و لا مورد لاستصحاب عدم التذكية لفرض القطع  بالتذكية.   و إن كانت الشبهة موضوعيّة لم يمكن ابتداء الرجوع إلى العموم  الفوقاني إن وجد، لأنّه تمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة. نعم  يمكن استصحاب العدم الأزلي لتنقيح موضوع العامّ، فإن فرضت  دلالة العامّ على الحرمة و خرجت منه عناوين خاصّة جرى  استصحاب عدم تلك العناوين، و كان حاكما على أصالة الحلّ، و  إن فرضت دلالة العام على الحلّ و خرجت منه   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة463/ الجزء الثالث

 

عناوين خاصّة جرى استصحاب عدم تلك العناوين، و كان ذلك  أيضا على المباني المشهورة حاكما على أصالة الحلّ. و أمّا إن لم  يوجد عامّ فوقانيّ، أو وجد و لكن لم نقل باستصحاب العدم  الأزليّ، أو قلنا به لكن خصّصناه بالخصوصيّات العرضيّة المقارنة  لأصل الموضوع، كالقرشيّة بخلاف الخصوصيّة الذاتيّة، كالشاتيّة و  الأرنبيّة، و فرضنا أنّ الخصوصيّة المأخوذة في باب قبول الحيوان  للتذكية خصوصيّة ذاتية وصلت النوبة إلى أصالة الحلّ، و لا مورد  لاستصحاب عدم التذكية لفرض القطع بالتذكية.   هذا. و إن جرى استصحاب الحرمة الثابتة حال الحياة قدّم على  أصالة الحلّ لما مضى من أنّ الاستصحاب و الأصل إذا كانا في رتبة  واحدة قدّم الأوّل على الثاني.  

 و التحقيق: عدم جريان استصحاب الحرمة. بيان ذلك: أنّ حرمة  الأكل في حال الحياة تتصوّر على نحوين:   

الأوّل: أن يقال بحرمة أكل الحيوان الحيّ بعنوان أنّه حيّ و لو  احتراما له مثلا، و هذا لا يبعد استظهاره من بعض الروايات، و  هذه الحرمة لا يمكن استصحابها بعد الموت لتبدّل الموضوع، لأنّ  الحياة تكون عرفا مقوّمة للموضوع لا جهة تعليليّة.  

الثاني: أن يقال بحرمة أكله من باب كونه غير مذكّى، كما قيل  بذلك بتخيّل الإطلاق في المستثنى منه في آية: إلاّ ما   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة464/ الجزء الثالث

 

ذكّيتم»«، و على هذا يجري استصحاب الحرمة، لأنّ هذا الحيوان  كان أكله في حال الحياة حراما جزما و كانت حرمته مردّدة بين  الحرمة من باب كونه غير مأكول اللحم، و الحرمة من باب كونه  غير مذكّى، فإن فرض الأوّل فالحرمة باقية، و إن فرض الثاني  فهي غير باقية، فيجري استصحاب الحرمة على أساس استصحاب  الكلّي من القسم الثاني المردّد فرده بين ما يبقى و ما لا يبقى. و أمّا  اجتماع كلتا الحرمتين فلا يحتمل فقهيّا [1].    

_____________________________________________

 

[1] كأنّ هذا دفع دخل في المقام، إذ لقائل أن يقول: إنّ استصحاب  الكلّي هنا يكون من القسم الثالث، لأنّ الفرد الحادث يقينا مقطوع  الارتفاع، و هو الحرمة بملاك عدم التذكية، و الفرد الآخر و هو  الحرمة الذاتيّة مشكوك الحدوث، فكأنّما أراد أستاذنا الشهيد  رحمه اللّه أن يجيب على ذلك بأنّ اجتماع الحرمتين غير محتمل  فقهيّا، إذن فهناك حرمة واحدة مردّدة بين ما يقطع بارتفاعه على  تقدير حدوثه، و ما يكون باقيا على تقدير الحدوث، و هذا هو  مورد استصحاب القسم الثاني من الكلّي.   و يبدو ممّا ورد في تقرير السيّد الهاشميّ (حفظه اللّه) أنّ أستاذنا  الشهيد رحمه اللّه عدل في الدورة المتأخّرة عن هذا الرّأي - أي عن  القول بأنّ اجتماع الحرمتين غير محتمل فقهيّا - و عليه بنى على  الإشكال على الاستصحاب في المقام، بأنّ الحرمة بملاك عدم  التذكية قد زالت يقينا، و الحرمة الأخرى مشكوكة الحدوث.   أقول: إن تطبيق استصحاب الكلّي من القسم الثاني على المقام لا  يتوقّف على عدم احتمال اجتماع الحرمتين، بل يكفي فيه أنّ  الحرمة المعلومة إنّما هي إحدى الحرمتين لا خصوص ما يقطع  بزواله على تقدير حدوثه، و الأمر كذلك في المقام، لأنّ دليل  حرمة غير المذكّى من قبيل الآية الشريفة إنّما ينظر إلى ما هو   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة465/ الجزء الثالث

 

إلاّ أنّ التحقيق: أنّ هذه الحرمة من أصلها غير ثابتة، فإنّ المستثنى  منه في الآية هو الميتة، لا ما يعمّ الحيّ، و كذلك في الروايات إنّما  جعلت التذكية شرطا للحلّيّة بالنسبة للحيوان الميّت لا مطلق  الحيوان.   و أمّا الفرض الثاني: و هو فرض الشكّ في قبول التذكية و عدمه،  فإن كانت الشبهة فيه حكميّة بأن شككنا أنّ هذا الحيوان المعيّن  هل يكون حاله شرعا حال الحشرات، أو حال الشاة مثلا، فجريان  استصحاب عدم التذكية فيه و عدمه يبتني على بحثين فقهيّين:   

الأوّل: أنّه ما هي التذكية؟ و في ذلك احتمالان رئيسان:   أحدهما كون التذكية أمرا بسيطا، و الآخر كونها عبارة عن تلك  العمليّة الخارجيّة المركبة، و هذا البحث سنخ البحث في الطهارات  الثلاث عن أنّ الطهارة هل هي أمر بسيط، أو نفس الأعمال  الخارجيّة المركبة، و لهذين الاحتمالين شقوق:   فإنّه إن فرضت أمرا بسيطا فتارة يفرض أنّ النسبة بينه و بين  الأعمال الخارجيّة نسبة العنوان إلى المعنون المنطبق عليه، نظير  القيام المنطبق عليه عنوان التعظيم، و أخرى يفرض  - محلّل الأكل في ذاته و لا إطلاق له لمحرّم الأكل، فنحن لا نعلم هنا  إلاّ بإحدى الحرمتين، فهذا الحيوان إمّا محرّم الأكل في ذاته، و لا  دليل عندئذ على حرمة أكله بلحاظ عدم التذكية، أو محلّل الأكل في  ذاته و عندئذ يحرم أكله في حال حياته لعدم التذكية.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة466/ الجزء الثالث

 

أنّ النسبة بينهما نسبة المسبّب إلى السبب. و على الثاني تارة  يفرض هذا المسبّب أمرا تكوينيّا، نظير مسبّبيّة الموت عن الذبح،  و أخرى يفرض أمرا تشريعيّا، نظير مسبّبيّة الملكيّة عن الإيجاب و  القبول.   و إن فرضت التذكية عبارة عن نفس الأعمال الخارجيّة فتارة  يفترض أنّ تلك الأعمال تذكية و لو أجريت على الحشرات أو  الإنسان مثلا، و أخرى يفرض أنّ التذكية هي تلك الأعمال المضافة  إلى مثل الشاة.   و هذا التشقيق يأتي أيضا على فرض كون التذكية أمرا بسيطا بناء  على كونها أمرا تكوينيّا. و أمّا بناء على كونها أمرا تشريعيّا، فلا  نحتمل تشريعها بأزيد ممّا يترتّب عليه الأثر الشرعيّ.   الثاني: أنّ ما هو موضوع الحكم بالحرمة هل هو عدم التذكية بما  هو مضاف إلى الحيوان، أو عدم التذكية بما هو مضاف إلى زاهق  الروح؟ فعلى الأوّل لا بدّ أن يفرض لموضوع الحرمة جزء آخر و  هو زهاق الروح، لأنّ الحيوان ما دام حيّا لا يكون حراما من ناحية  عدم التذكية، فالموضوع مركّب من جزءين: زهاق الروح و عدم  التذكية، و كلاهما مضافان إلى نفس الحيوان، و على الثاني لا  حاجة إلى جزء جديد، و يكفي الجزء الواحد و هو عدم تذكية زاهق  الروح.   و ستأتي الإشارة إلى ما هو الصحيح في كلّ من البحثين.   و الآن نبيّن كيفيّة تأثير هذين البحثين في استصحاب عدم   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة467/ الجزء الثالث

 

التذكية، فنقول:   إن اختير في البحث الأوّل أنّ التذكية أمر بسيط رجعنا إلى البحث  الثاني، فإن كان المختار فيه هو أنّ الموضوع عبارة عن عدم  التذكية بما هو مضاف إلى الحيوان فلا إشكال في جريان  استصحاب عدم التذكية من دون أن يبتني ذلك على القول  باستصحاب العدم الأزليّ، فإنّ موضوع عدم التذكية هو الحيوان،  و كان عدم التذكية ثابتا في هذا الموضوع في حال حياته، و إن  كان المختار فيه أنّ الموضوع عبارة عن عدم التذكية بما هو  مضاف إلى زاهق الروح فهذا الموضوع - و هو زاهق الروح - من  أوّل وجوده إمّا كان مذكّى أو غير مذكّى. و إنّما لم يكن مذكّى في  حال الحياة من باب السالبة بانتفاء الموضوع، فجريان  الاستصحاب هنا يبتني على القول باستصحاب العدم الأزليّ كما  هو الصحيح.   و إن اختير في البحث الأوّل أنّ التذكية عبارة عن نفس العمليّة  المركبة، فإن فقلنا: إنّ نفس تلك العمليّة بإطلاقها تذكية، سواء  أجريت على مثل الشاة، أو على مثل الحشرات مثلا، فمعنى ذلك انّ  هذا الحيوان نعلم بتحقّق التذكية عليه، فيرجع شكّنا في أنّ هذا  الحيوان هل هو عند الشارع كالحشرات، أو كالشاة إلى الشكّ في  أنّه محلّل الأكل أو محرّم الأكل مع القطع بالتذكية، و هذا رجوع  إلى الفرض الأوّل الّذي مضى الكلام فيه.   و إن قلنا: إنّ التذكية إنّما هي تلك الأعمال المضافة إلى حيوان  مخصوص بأن يفرض أخذ خصوصيّة في الحيوان قيدا   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة468/ الجزء الثالث

 

للتذكية أو جزءا لها، فعندئذ لا يجري استصحاب عدم تلك الأعمال  المضافة إلى تلك الخصوصيّة في فرض أخذ الخصوصيّة قيدا، و لا  استصحاب عدم الخصوصيّة في فرض أخذها جزءا، فلو ذبحنا  الخيل مثلا، و شككنا في أنّ الخصوصيّة المأخوذة في التذكية هل  هي خصوصيّة الغنميّة مثلا، فالخيل غير قابل للتذكية، أو خصوصيّة  الأهليّة مثلا في قبال الوحشيّة، فالخيل قابل لها، فعندئذ نقول: إنّ  واقع الخصوصيّة مردّدة بين ما يقطع بثبوته و ما يقطع بانتفائه،  فلا مجال للاستصحاب بلحاظ واقع الخصوصيّة، و عنوان  الخصوصيّة المنتزعة من حكم الشارع ليس هو الجزء أو القيد حتى  يستصحب عدمه، أو عدم المقيّد به، و ليس هذا بدعا هنا، بل هذا  هو الحال في كلّ شبهة حكميّة، فإنّه لا يجري فيها الاستصحاب  الموضوعيّ لنفس هذه النكتة، فلو علم إجمالا بوجوب إكرام مطلق  العالم أو خصوص الفقيه، و كان شخص عالما بغير علم الفقه و لم  يكن فقيها، لم يصحّ إجراء استصحاب عدم كونه موضوعا لوجوب  الإكرام، لأنّ عنوان الموضوعيّة لا أثر له، و واقع الموضوع مردّد  بين ما هو ثابت قطعا و ما هو منتف قطعا. نعم توهّم البعض أنّه  في خصوص الشبهة الحكميّة المفهوميّة يجري الاستصحاب  الموضوعيّ، فإذا تردّد أمر العدالة بين ترك مطلق المعصية، و  ترك خصوص الكبيرة، أمكن استصحاب عدالة من ارتكب  الصغيرة، لكن التحقيق في محلّه هو عدم جريان الاستصحاب في  ذلك أيضا لنفس هذه النكتة،   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة469/ الجزء الثالث

 

و عليه فلا يجري الاستصحاب فيما نحن فيه حتى لو كانت الشبهة  حكميّة مفهوميّة، كما لو فرض أنّ الخصوصيّة المأخوذة هي الغنميّة،  و تردّد مفهومها بين فرض كون كلا أبويه غنما و كفاية غنميّة  أحد الأبوين، فشككنا في قبول هذا الحيوان المتولّد من غنم و  غيره للتذكية من هذه الناحية.   و إن كانت الشبهة موضوعيّة كما لو علمنا أنّ الخصوصيّة المأخوذة  هي الأهليّة، و شككنا في أنّ هذا الحيوان المذبوح هل كان غنما، أو  كان من الوحوش مثلا باعتبار ظلمة الهواء أو تقطّع هذا الحيوان و  نحو ذلك ممّا يوجب الشبهة الموضوعيّة، فإن فرضت التذكية أمرا  بسيطا جرى استصحاب عدم التذكية بنحو استصحاب العدم  النعتيّ، أو المحموليّ حسب التفصيل الماضي في الشبهة الحكميّة، و  إن فرضت التذكية نفس الأعمال من دون أخذ خصوصيّة للحيوان  فيها، فمعنى ذلك عدم الشكّ في التذكية، فيرجع الشكّ في الحلّيّة  إلى الفرض الأوّل، و إن فرضت التذكية نفس الأعمال مع فرض  أخذ الخصوصيّة فإن أخذت الخصوصيّة جزءا جرى استصحاب عدم  تلك الخصوصيّة بنحو العدم الأزليّ، و هنا اختلف الحال عن الشبهة  الحكميّة، فإنّ الشكّ هناك كان في موضوعيّة الموجود فلم يكن  موردا للاستصحاب، و هنا في وجود الموضوع، فيستصحب عدمه.  نعم إن فرضت الخصوصيّة ذاتية، كالغنميّة دون الأهليّة مثلا، أشكل  الاستصحاب من ناحية الإشكال في استصحاب عدم الخصوصيّة  الذاتيّة بنحو العدم الأزليّ، فيبتني على القول   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة470/ الجزء الثالث

 

بصحّة استصحاب العدم المحموليّ حتى في الذاتيات.   و أمّا إذا أخذت الخصوصيّة قيدا، فبالإمكان أن يقال: إنّنا من هذه  الناحية لا نحتاالصفحةإلى استصحاب العدم الأزليّ، لأنّ شأن المقيّد هو  أنّه ينحلّ إلى ذات المقيّد و التقيّد مع خروج القيد، فلا نحتاج إلى  استصحاب عدم القيد الّذي هو عدم أزليّ، بل نتمسّك باستصحاب  عدم المقيّد بما هو مقيّد، فإنّ ذات المقيّد و إن وقع بحسب الخارج  لكنّ التقيّد و النسبة التقييديّة أمر مشكوك الوجود، لأنّ وقوعه  فرع تماميّة الطرفين معا، فمع الشكّ في ذلك يشكّ في حصول  التقيّد، فيستصحب عدم المقيّد بما هو مقيّد.

و عندئذ إن فرض أنّ  موضوع الحلّيّة هو التذكية بما هي مضافة إلى ذات الحيوان جرى  الاستصحاب من دون إشكال، و إن فرض انّ موضوع الحلّيّة هو  التذكية بما هي مضافة إلى الحيوان الزاهق الروح، فالاستصحاب  يكون استصحابا للعدم الأزليّ، و حيث إنّنا نقول باستصحاب  العدم الأزليّ فلا إشكال عندنا هنا في الاستصحاب.   

و التحقيق: أنّ ما ذكرناه من أنّ مجرى الاستصحاب في باب  المقيّدات هو المقيّد بما هو مقيّد، لا القيد و إن كان صحيحا كبرويّا  فيما هو مقيّد حقيقة و واقعا بأن لا يرجع أمره إلى التركيب بوجه  يأتي بيانه في باب الاستصحاب -إن شاء اللّه-، لكنّ الفقهاء في  الفقه لا يلتزمون في باب المقيّدات باستصحاب المقيّد أو عدمه بما  هو مقيّد، بل يستصحبون القيد وجودا و عدما، فمن كان طاهرا ثمّ  صلّى مع الشكّ في بقاء الطهارة مثلا،   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة471/ الجزء الثالث

 

أجروا فيه استصحاب الطهارة لا استصحاب عدم تحقّق الصلاة  المقيّدة بالطهارة، مع أنّ الطهارة ليست جزءا للصلاة، بل هي  شرط و قيد لها، في حين أنّه يتراءى للذهن أنّ إثبات التقيّد أو  عدمه باستصحاب القيد، أو عدمه تعويل على الأصل المثبت، فإن  صحّ هذا فلا محالة نكشف عن ارتكاز و فهم عرفي للدليل، بحيث  يخرج المقيّد عن كونه مقيّدا بالمعنى المباين للتركيب و يرجع  التقييد بوجه من الوجوه يأتي بيانه في باب الاستصحاب (إن شاء  اللَّه) إلى التركيب، فيتعامل مع القيد معاملة الجزء في أنّ مجرى  الاستصحاب وجودا و عدما هو نفس القيد، و إذن فنحتاج في  المقام من ناحية الخصوصيّة إلى استصحاب عدم الخصوصيّة بنحو  العدم الأزليّ، و لو فرضت قيدا لا جزءا، فلا بدّ أن يرى أنّ تلك  الخصوصيّة هل هي ذاتية حتى يبطل الاستصحاب بناء على عدم  جريان استصحاب العدم الأزليّ في الذاتيات، أو عرضيّة حتى  يجري استصحاب العدم الأزلي بلا إشكال.   

ثمّ إنّ المحقّق العراقي رحمه اللّه أفاد في المقام: أنّه سواء فرضت  الشبهة موضوعيّة أو حكميّة أن قلنا بأنّ التذكية أمر بسيط متحصّل  جرى استصحاب عدم التذكية، و إن قلنا بأنّها مركّب من فري  الأوداج مع القابلية للتذكية لم يجر الاستصحاب سواء فرضت  القابليّة جزءا أو قيدا [1]، لأنّ هذه القابليّة ليست لها  

_____________________________________________

 

[1] التصريح بعدم الفرق في المقام بين فرض القابليّة جزءا أو قيدا  ورد في   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة472/ الجزء الثالث

 

حالة سابقة، إذ هي أمر ذاتي في الحيوان و ثابت بثبوته من أوّل  الأمر، و لم يمرّ على الحيوان وقت لم تكن فيه هذه القابليّة حتى  يستصحب عدمها، ثمّ أورد على نفسه بأنّكم تقولون باستصحاب  العدم الأزليّ، فلما ذا لا تستصحبون العدم الأزليّ للقابليّة؟ فأجاب  على ذلك: بأنّ هذه القابليّة حيث إنّها ذاتيّة في الحيوان و من لوازم  الماهيّة - على حدّ تعبيره -قدّس سرّه- - لا يمكن استصحاب  عدمها، لأنّ استصحاب العدم الأزليّ لا يجري في الذاتيّات.   أقول: أمّا الجانب الإيجابيّ من كلامه -قدّس سرّه- و هو ما أفاده  من جريان استصحاب عدم التذكية إذا كانت أمرا بسيطا، فهو  صحيح في ذاته، و لكن ينبغي الالتفات إلى أنّه إن أضيفت التذكية  في موضوع الحكم الشرعيّ إلى الحيوان جرى الاستصحاب بلا  إشكال، و إن أضيفت إلى زاهق الروح ابتنى الاستصحاب على  القول باستصحاب العدم الأزليّ.   و أمّا الجانب السلبيّ من كلامه، و هو إنكار جريان الاستصحاب  إذا كانت التذكية مركّبة من فري الأوداج و القابليّة سواء أخذت  القابليّة جزءا أو قيدا، ففيه كلام موضوعا و محمولا.   أمّا من ناحية الموضوع، فلأنّه لا معنى لأخذ قابليّة التذكية في  التذكية جزءا أو قيدا، فإنّ القابليّة للشي‏ء يستحيل أن  - نهاية الأفكار و لم يرد في المقالات، و لكن قد يمكن استفادته  من المقالات أيضا بالإطلاق.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة473/ الجزء الثالث

 

تكون مأخوذة في نفس ذلك الشي‏ء، فينبغي أن يكون مراده من  القابليّة الخصوصيّة التي بها يرى المولى أنّ فري الأوداج يؤثّر في  طهارة الحيوان و حلّه، كالغنميّة و الأهليّة.   و أمّا من ناحية المحمول، فلأنّه إن كانت الشبهة حكميّة لم يجر  الاستصحاب و لو قلنا باستصحاب العدم الأزليّ، لما مضى من أنّ  الخصوصيّة مردّدة بين مقطوعة الثبوت و مقطوعة الانتفاء، فعدم  جريان الاستصحاب في ذلك ليس مربوطا بمباني استصحاب  العدم الأزليّ. نعم إن كانت الشبهة موضوعيّة فجريان  الاستصحاب و عدمه مبتن على مباني استصحاب العدم الأزليّ،  فإذا فرضت الخصوصيّة عرضيّة [1] كالأهليّة لا ينبغي الإشكال في  جريان استصحاب الأزليّ، و إذا فرضت ذاتيّة كالغنميّة جاء  الإشكال على ما يرتئيه من عدم جريان استصحاب العدم الأزليّ  في الذاتيّات.   

و أمّا عدم التفرقة بين فرض الخصوصيّة جزءا أو قيدا، فيصحّ بعد  الالتفات إلى ما أشرنا إليه أخيرا من رجوع التقييد عادة بوجه من  الوجوه إلى التركيب في الارتكاز العرفي.    

_____________________________________________

 

[1] و المحقّق العراقي رحمه اللّه هو أشار في المقام إلى التفصيل  بين ما إذا فرضت القابليّة ذاتية أو عرضيّة، و ذلك في المقالات ج  2، ص 73، و هذا قابل للحمل على الالتفات إلى كون الخصوصيّة  المأخوذة هل هي مثل الغنميّة، أو مثل الأهليّة، و لكنّ عبارة نهاية  الأفكار (القسم الثاني من الجزء الثالث، ص 257) صريحة في  فرض القابليّة ذاتيّة.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة474/ الجزء الثالث

 

ثمّ إنّه ظهر من تمام ما ذكرناه الإشكال فيما أفاده بعض المحقّقين  كالمحقّق الأصفهانيّ -قدّس سرّه- من تفريع استصحاب عدم  التذكية على سنخ التقابل بين موضوع الحلّيّة، و هو التذكية، و  موضوع الحرمة، فإن كان التقابل بينهما تقابل التضادّ بأن كان  موضوع الحرمة الموت حتف الأنف، فاستصحاب عدم التذكية  معارض باستصحاب عدم الموت حتف الأنف، و إن كان التقابل  بينهما تقابل السلب و الإيجاب جرى استصحاب عدم التذكية بلا  إشكال [1]، و إن كان التقابل بينهما تقابل العدم و الملكة فكان  موضوع الحرمة هو عدم التذكية في المحلّ القابل لم يجر  الاستصحاب لعدم الحالة السابقة، إذ في حال الحياة لا تكون  القابليّة، و من أول الممات يكون الحيوان مذكّى أو غير مذكّى.  

 أقول: أمّا فرض كون التقابل بين موضوع الحرمة و موضوع  الحلّيّة تقابل التضاد فهو في نفسه غير معقول، و على فرض  معقوليّته لا يقع التعارض بين الاستصحابين.   أمّا عدم معقوليّته في نفسه، فلأنّه يكفي في الحلّيّة عدم تحقّق  ملاكات الحرمة و انتفاء موضوع الحرمة [2]، فإذا كان  

_____________________________________________

 

[1] بل يرى في ذلك تفصيلا، و هو التفصيل بين ما إذا كان  موضوع الحرمة أن لا يكون ما زهق روحه مذكّى فلا يجري  استصحاب عدم التذكية، أو كان موضوعها مركّبا من زهاق  الروح و عدم التذكية، فيجري الاستصحاب. راجع نهاية الدراية ج  2، ص 207.   

[2] إن أريد بالحلّيّة جعل الحلّ فقد يقال: إنّه بالإمكان أن يكون  في أحد   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة475/ الجزء الثالث

 

موضوع الحرمة الموت حتف الأنف فلا محالة يكون موضوع  الحلّيّة نقيض ذلك، فلا يجري إلاّ استصحاب عدم الموت حتف  الأنف.   و أمّا أنّه على فرض تعلّقه لا يقع التعارض بين الاستصحابين، فلأنّه  إذا فرض موضوع الحرمة و موضوع الحلّيّة متضادّين فكانت  الحلّيّة و الحرمة مضادّتين بتبع تضادّ موضوعهما، فلا أثر  لاستصحاب عدم موضوع الحلّيّة، إذ لا يثبت موضوع الحرمة بنفي  موضوع الحلّيّة إلاّ بالملازمة، و نفى الحلّيّة لا يثبت الحرمة، إذ  المفروض كونهما متضادّين، فإثبات إحداهما بنفي الأخرى تعويل  على الأصل المثبت، و إذا لم تثبت بذلك الحرمة فلا أثر لهذا  الاستصحاب، فإنّ التنجيز إنّما يترتّب على الحرمة لا على عدم  الحلّيّة، و لذا لو فرض في مورد  - الضدّين ملاك الحرمة فيحرّم، و في الضدّ الآخر ملاك الحلّيّة  الاقتضائيّة فيحلّل مع افتراض عدم وجود ضدّ ثالث، و صحيح أنّه  كان بالإمكان أن يجعل موضوع الحلّ نقيض الضدّ الحرام و لو من  باب الحلّيّة اللااقتضائيّة - أي الحلّيّة الناشئة من عدم اقتضاء الحرمة  - لكن بما أنّ الضدّين لا ثالث لهما ليس مجبورا على جعل هذا  الحلّ، و بإمكانه الاكتفاء بجعل حلّيّة الضدّ الآخر الّذي كان فيه  اقتضاء الحلّيّة، و هذا لا ينافى في ظهور أدلّة الأحكام في تبعيّتها  لملاكات متعلّقاتها، فإنّ حلّيّة الضدّ قد افترضنا أنّها كانت بتبع  ملاك في المتعلّق يقتضي الحلّ، و لا ينافي أيضا إطلاق (ما من  واقعة إلاّ و لها حكم)، فإنّ هذا لا يدلّ على أنّ العنوانين المتلازمين  اللذين لا يمكن أن ينفكّ أحدهما عن الآخر، كعنوان الضدّ مع  عنوان نقيض الضدّ الآخر الّذي لا ثالث لهما لا بدّ أن يكون كلاهما  متعلّقين لحكم مجعول، بل يمكن الاكتفاء بجعل الحكم لأحدهما.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة476/ الجزء الثالث

 

عدم الحرمة و الحلّيّة معا لعدم أصل التشريع لا يكون هناك  تنجيز، و إذا كان كذلك فاستصحاب عدم موضوع الحرمة يرفع  التنجيز، و لا يعارض باستصحاب عدم موضوع الحلّيّة.   

و أمّا فرض كون التقابل بينهما تقابل العدم و الملكة فبقطع النّظر  عمّا عرفت من أنّه لا بدّ أن يكون التقابل بينهما تقابل التناقض، إذ  يكفي في الحلّيّة انتفاء ملاكات الحرمة و عدم موضوعها، نقول:  لعلّه -قدّس سرّه- خلط في ذلك بين القابليّة الإمكانيّة و القابليّة  الاحتماليّة، فإنّ القابليّة المختصّة بحال الموت إنّما هي القابليّة  الاحتماليّة، و القابليّة المأخوذة في اصطلاح تقابل العدم و الملكة  هي القابليّة الإمكانيّة بمعنى إمكان القبول بحسب نظام الطبيعة، و  الحياة لا تمنع عن هذه القابليّة، فإنّه أن فرضت التذكية حكما  شرعيّا فالحيوان الحيّ أيضا قابل لذلك الحكم الشرعيّ، و إن  فرضت أمرا بسيطا تكوينيّا فالحيوان الحيّ أيضا قابل لذلك  بالذبح المخصوص، و إن فرضت عبارة عن عمليّة القتل بنحو  مخصوص فهذه القابليّة مختصّة بالحيوان الحيّ و لا يقبل الحيوان  الميّت ذلك.   و إمّا فرض كون التقابل بينهما تقابل السلب و الإيجاب فهو فرض  معقول. و جريان استصحاب عدم التذكية فيه و عدمه يكون  بحسب التفصيل الّذي مضى منّا.   و أمّا الفرض الثالث، و هو فرض الشكّ في ناحية المانع كالجلل،  فالشبهة فيه تارة تكون حكميّة و أخرى موضوعيّة.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة477/ الجزء الثالث

 

فإن فرضت حكميّة كما إذا شكّ في مانعيّة الجلل، فإن كانت  التذكية عبارة عن نفس الأعمال المركبة لم يجر استصحاب عدم  التذكية، لأنّ الشكّ ليس في وجود الموضوع، بل في موضوعيّة  الموجود و أنّ عدم الجلل دخيل في التذكية أو لا؟ فتصل النوبة إلى  أصالة الحلّ و البراءة إن لم يوجد إطلاق فوقاني أحوالي يتمسّك به  في رفع احتمال دخل عدم الجلل في التذكية. و إن كانت التذكية  أمرا بسيطا جرى استصحاب عدمها نعتيا أو محموليّا حسب  التفصيل الماضي، و في قبال هذا الاستصحاب يوجد استصحاب  تعليقيّ، و ذلك لأنّ هذا الحيوان قبل الجلل لو ذبح بنحو مخصوص  لصار مذكّى، فتستصحب هذه القضيّة التعليقيّة. فبناء على أنّ  الاستصحاب التعليقيّ حاكم على الاستصحاب التنجيزيّ يقدم هذا  الاستصحاب على ما عرفته من استصحاب عدم التذكية، و بناء  على كونه في عرض الاستصحاب التنجيزيّ و معارضا له  يتعارضان، و بناء على إنكار الاستصحاب التعليقيّ رأسا يجري  استصحاب عدم التذكية بلا أيّ معارض.   هذا. و استصحاب القابليّة للتذكية قبل الجلل يرجع إلى ما ذكرناه  من الاستصحاب التعليقيّ، إذ القابليّة أمر انتزاعيّ لا أثر لها، و إنّما  العبرة بمنشإ انتزاعها و هو تلك القضيّة التعليقيّة - أي أنّه لو ذبح  لذكّي -.  

و إن فرضت موضوعيّة كما إذا شكّ في الجلل مع العلم بمانعيّته،  فإن فرضت التذكية عبارة عن نفس الأعمال مع دخل   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة478/ الجزء الثالث

 

عدم الجلل جزاء أو قيدا، فالأعمال ثابتة بالوجدان، و عدم الجلل  يثبت بالاستصحاب، و إن فرضت التذكية أمرا بسيطا فإن كان  ذلك الأمر البسيط حكما شرعيّا موضوعه مركّب من تلك الأعمال  و عدم الجلل، فأيضا يستصحب عدم الجلل، و به يكتمل موضوع  هذا الحكم، و يثبت بذلك الحكم و هو التذكية، و إن كان أمرا  تكوينيّا نظير الموت الناشئ من الضرب مع عدم الدرع فلا يجري  استصحاب عدم الجلل، كما لا يجري في مثال الموت استصحاب  عدم الدرع، إذ عدم الجلل ليس موضوعا لحكم شرعيّ، و إنّما هو  ملازم لأمر تكوينيّ و هو التذكية، و إثبات الحكم المترتّب على  التذكية باستصحاب عدم الجلل تعويل على الأصل المثبت، و  المرجع هنا استصحاب عدم التذكية.   و أمّا الفرض الرابع، و هو فرض الشكّ في إجراء تمام عمليّة  التذكية على الحيوان، فإن كانت الشبهة حكميّة كما إذا شكّ في  اشتراط التسمية، فعندئذ إن فرضت التذكية عبارة عن نفس  الأعمال فلا مجال لاستصحاب عدم التذكية، لأنّ الشكّ في  موضوعيّة الموجود، فنرجع إلى أصالة الحلّ و البراءة إن لم يوجد  عموم فوقانيّ، و إن فرضت التذكية أمرا بسيطا جرى استصحاب  عدمه عدمه نعتيّا أو محموليّا حسب التفصيل الماضي، و إن كانت  الشبهة موضوعيّة جرى استصحاب عدم التذكية.   هذا تمام الكلام في الفروض الأربعة.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة479/ الجزء الثالث

 

و ليعلم أنّه مهما جرى استصحاب عدم التذكية فإنّما يترتّب عليه  حرمة الأكل و عدم صحّة الصلاة في جلده، و لا يترتّب عليه نفي  الطّهارة - بناء على ما هو المختار عندنا - في الفقه من أنّ ضدّ  التذكية و هو الموت حتف الأنف موضوع للنجاسة، لا أنّ التذكية  موضوع للطهارة، و استصحاب عدم أحد الضدّين لا يثبت وجود  الضدّ الآخر - فالمرجع في الشكّ في الطهارة إلى استصحاب عدم  الموت حتف الأنف و أصالة الطهارة، فنفكّك في ذلك بين الحلّيّة و  الطهارة، فنقول بحرمة أكله و طهارته. نعم بناء على أنّ الطهارة و  النجاسة رتّبت على التذكية و عدمها تثبت النجاسة أيضا.   بقي علينا ما وعدنا من الإشارة إلى ما هو الصحيح في البحثين  الفقهيّين اللذين ترتّب عليهما الحكم في ما نحن فيه في جملة من  الشقوق، فنقول:   أمّا أنّ التذكية هل أخذت موضوعا للحلّيّة بما هي مضافة إلى ذات  الحيوان، أو بما هي مضافة إلى زاهق الروح، فالصحيح هو الثاني  [1]، فإنّه الّذي يظهر من أدلّة الباب، و الأصل في ذلك الآية  الشريفة: حرّمت عليكم الميتة، و الدم، و لحم الخنزير،  

_____________________________________________

 

[1] لا يخفى أنّه سيأتي في بحث الأصل المثبت مفصّلا رجوع  التقييد عادة إلى التركيب، ببيان يثبت ببعض جوانبه كون مثل  قيد التذكية و زهاق الروح عرضيّين لا طوليّين، و أنّ الطوليّة  الموجودة في لسان الدليل في أمثال ذلك ليست عدا مجرّد قالب  صياغيّ لا أكثر من ذلك.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة480/ الجزء الثالث

 

و ما أهلّ لغير اللّه به، و المنخنقة، و الموقوذة، و المتردّية، و  النطيحة، و ما أكل السبع إلاّ ما ذكيتم»«. فقد ذكرت الآية عدّة  أقسام من الحيوان الميّت، و تفهم من ذلك عرفا الإشارة إلى  جامعها، ثمّ استثنت المذكّى، فالمذكّى صار مستثنى من الميّت و  زاهق الروح لا من ذات الحيوان، و ذلك ظاهر عرفا في أخذ  التذكية مضافة إلى زاهق الروح. و هكذا الحال في أخبار الباب،  كما ورد»« في فريسة الكلب، و الصقر، و الفهد من أنّه إذا أدركت  حياته فهو حلال.   

و أمّا أنّ التذكية هل هي أمر بسيط أو عبارة عن نفس الذبح؟ فقد  ذهب المحقّق النائينيّ -قدّس سرّه- إلى أنّها عبارة عن نفس  العمليّة، و لعلّ هذا القول هو مختار المشهور، و يستشهد لهذا  القول بتفسير اللغويّين للتذكية بالذبح و بنسبة التذكية إلى الذابح  في لسان الروايات [1] الظاهرة في أنّها فعل مباشريّ له، و في  قبال ذلك قال بعض: بأنّ التذكية أمر بسيط مسبّب عن العمليّة، و  أمّا الاستشهاد ان للقول الأوّل فقد ردّ أوّلهما بعدم حجّيّة قول  اللغويّ، و الثاني بأنّ المسبّب التوليديّ أيضا ينسب عرفا إلى  الشخص حقيقة و بلا أيّ مئونة و عناية.    

_____________________________________________

 

[1] كما هو الحال في لسان القرآن الكريم في قوله (تعالى): إلاّ ما  ذكّيتم   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة481/ الجزء الثالث

 

و التحقيق: أنّ التذكية لا هي نفس العمليّة، و لا هي أمر بسيط  مسبّب عن العمليّة، بل هي أمر بين الأمرين. و توضيح ذلك:   أنّ التذكية نسبت في جملة من الأخبار إلى الذابح»«، و هذه الطائفة  تناسب كون التذكية عبارة عن نفس الأعمال، كما تناسب كونها  أمرا بسيطا، لكن في عديد من الأخبار أطلقت الذكاة و لا يحتمل  في موردها إرادة الذبح، و يعرف منها أنّ التذكية ليست مرادفة  لمفهوم الذبح، و نشير بهذا الصدد إلى طوائف ثلاث من تلك  الأخبار:   

1 - ما ورد في كتاب الطهارة في مقام بيان عدم الانفعال بملاقاة  اليابس»«، من أنّ اليابس ذكيّ»«، فإنّ هذا - كما ترى - لا يحتمل  فيه إرادة الذبح، و إنّما المقصود من الذكاة في ذلك الطيب، و  ملائمة الطبع، و عدم التنفّر و نحو ذلك من العناوين.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة482/ الجزء الثالث

 

 

2 - ما ورد في باب الجلود من أنّ الجلد الذكيّ يجوز الصلاة فيه»«،  فإنّ جعل الذكاة بمعنى الذبح صفة للجلد لا معنى له إلاّ بالتأويل، و  بلحاظ أنّه جلد الحيوان الذكيّ، و هو خلاف الظاهر، فالمراد  بالذكاة فيه هو الطيب و الطهارة.   

3 - ما ورد في ما لا تحلّه الحياة»« من الميتة، كالصوف و البيض  من أنّه ذكيّ، فإنّ الذكاة بمعنى الذبح هنا لا معنى له حتى بملاحظة  التأويل الّذي عرفته في الطائفة السابقة، إذ نفس الحيوان أيضا  ليس مذكّى حتى تطلق الذكاة على مثل الصوف و البيض بهذا  اللحاظ.   و لعلّ المتفاهم عرفا من الذكاة أيضا هو الطيب و الطهارة لا نفس  الذبح. نعم، الذبح مصداق للتذكية و تحصيل للذكاة لا أنّه عين  التذكية مفهوما، و الظاهر أنّ تفسير اللغويين للتذكية بالذبح من  باب تفسير المفهوم بالمصداق، لا من باب تفسير المفهوم  بالمفهوم [1] و الحاصل المستفاد ممّا عرفتها من الأخبار هو أنّ  

_____________________________________________

 

[1] هذا الكلام بعيد من ظاهر كلمات اللغويّين جدّاً، فالظاهر منها  خلافه.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة483/ الجزء الثالث

 

الذكاة عبارة عن أمر بسيط و هو الطيب و الطهارة و نحو ذلك  من العناوين.  

 هذا. و في بعض الأخبار أطلقت الذكاة على نفس العمليّة، فقيل:  التسمية ذكاة»«، أو إخراج السمك من الماء ذكاة»«، و نحو ذلك، و  من هنا نعرف أنّ ذلك العنوان البسيط عنوان منطبق على نفس  العمليّة، و عنوان الطيب و الطهارة و إن كان في الحقيقة عنوانا  اعتباريّا يعرض على نفس الحيوان و تتّصف به نفس الحيوان لا  الذبح و باقي خصوصيّات العمليّة، لكنّنا نعرف من إطلاق الذكاة  في لسان الأخبار على نفس العمليّة أنّ الذبح جعل بالاعتبار فردا  للطيب و الطهارة.    

و يشهد لعدم كون الذكاة بمعنى الطيب و الطهارة أنّه لم يستعمل  في غير الحيوان و توابعه. و ورد في لسان العرب: أنّ أصل الذكاة  في اللغة كلّها إتمام الشي‏ء، فمن ذلك الذكاء في السن و الفهم، و  هو تمام السنّ، قال، و قال الخليل: الذكاء في السن أن يأتي على  قروحه - أي على خروج نابه - سنة و ذلك تمام استتمام القوّة.   و الظاهر من اللغة أنّ الذكاة نفس العمليّة و هو حجّة فخصوصيّة  الحيوان إمّا شرط شرعي للتذكية، و إمّا شرط للطهارة و الحلّ، و  الثاني أظهر. و أمّا استعمال الذكيّ في مثل السنّ و البيض من  الميتة فباعتبار أنّ أثر تذكية الحيوان طهارته، و هذه الأشياء هي  طاهرة و ليس استعمالا حقيقيّا.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة484/ الجزء الثالث

 

نعم، يمكن توجيه الأخبار بنحو آخر أيضا، و هو أن يكون  المقصود من كون التسمية مثلا، ذكاة كونها سببا للذكاة، لكنّ  العناية الأولى، و هي إيجاد الفرد الاعتباريّ للطهارة و الذكاة  أقرب عرفا من العناية الثانية، و يكون الكلام ظاهرا في الأوّل.   فتحصّل: أنّ الذكاة عنوان بسيط منطبق على الأعمال و منتزع منها  لا نفس الأعمال مفهوما و لا أمر مسبّب عنها، و هذا هو مختارنا  أيضا في باب الطهارات الثلاث.   

بقي في المقام شي‏ء، و هو أنّ في أخبار الباب ما يوافق مضمونا  استصحاب عدم التذكية و فيها ما يخالفه و لو بدوا.   

أمّا ما يوافقه مضمونا، فكما ورد في ما أرسل إليه الكلب المعلّم ثمّ  رأى المرسل ذلك الحيوان مفترسا و لا يدري هل افترسه ذلك  الكلب المعلّم، أو افترسه حيوان آخر؟ من أنّه لا تحلّ تلك الفريسة  و لا يؤكل منها حتى يعلم أنّه هو الّذي افترسها»«، و كما ورد في  من رمى طائرا فقتل الطائر و شكّ في أنّه هل قتل بهذه الرمية، أو  بشي‏ء آخر؟ من أنّه لا يحلّ ذلك الطائر»«. و الصحيح أنّ هذه  الأخبار و إن كانت موافقة مضمونا للاستصحاب لكنّها مع ذلك  ليست شاهدة للقول باستصحاب عدم التذكية، إذ لا قرينة فيها  على أنّ حكمها بالحرمة يكون بملاك الاستصحاب، فلعلّها حكمت  بالحرمة على مستوى   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة485/ الجزء الثالث

 

الحكم بالحلّيّة في أصالة الحلّ و البراءة و بقطع النّظر عن الحالة  السابقة [1].   و أمّا ما يخالفه مضمونا و لو بدوا، فكما ورد من سؤال الراوي  عن أنّه رمى طائرا ليصطاده، ثمّ شكّ في التسمية، فأجاب عليه  السلام: بأنّه يأكله»«، فحكمه عليه السلام بالحلّ هنا ينافي  استصحاب عدم التذكية، فيمكن الاستئناس بذلك لإنكار  استصحاب عدم التذكية.   

و التحقيق: أنّ هذا أيضا ليس شاهدا على خلاف استصحاب عدم  التذكية، و ذلك لإبداء احتمالين آخرين في المقام:   

الأوّل: أن يكون حكمه عليه السلام بالحلّ بملاك قاعدة الفراغ، و  قد ثبت في محله تقدّم قاعدة الفراغ على الاستصحاب.  

 و الثاني: ما يبطل الاحتمال الأوّل أيضا، و هو أنّ تكون الحلّيّة  المذكورة في هذا الحديث حلّيّة واقعيّة، و توضيح ذلك:   أنّ المنصرف من هذا الحديث أنّ التسمية على فرض كونها  متروكة إنّما تركت نسيانا لا عمدا، كما هو مورد قاعدة الفراغ  أيضا، فإنّ موردها فرض دوران الأمر بين الفعل و الترك عن  نسيان لا بين الفعل و الترك العمديّ، و قد وردت روايات»« تدلّ  على  

_____________________________________________

 

[1] فلا يمكن مثلا التعدّي إلى موارد الشكّ في القابليّة.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة486/ الجزء الثالث

 

أنّ التسمية شرط ذكري و تسقط بالنسيان، و على هذا فحلّيّة هذا  الطائر تكون واقعيّة، إذ الأمر دائر بين أنّه سمّى أو لم يسمّ نسيانا،  فإن سمّى فقد حصلت التذكية قطعا، و إن نسي فقد حصلت التذكية  أيضا، لأنّ التسمية ليست شرطا في حال النسيان.   و قد تحصّل: أنّه ليس في أخبار الباب ما يؤيّد استصحاب عدم  التذكية و لا ما يفنّده.

 

  بحثان حول الاحتياط:  

 التنبيه الثاني: في حال الاحتياط بعد أن فرغنا من إبطال قول  الأخباريّ بوجوبه في الشبهات البدويّة. و الكلام هنا يقع في  مقامين: أحدهما في حكم الاحتياط في الشبهات البدويّة شرعا، و  ثانيهما في البحث عن صغرى من صغريات الاحتياط و هي  الاحتياط في العبادات:   

1 - استحباب الاحتياط:  

 أمّا المقام الأوّل: و هو في البحث عن حكم الاحتياط في الشبهات  البدوية، فيقال في المقام باستحباب الاحتياط شرعا، و لعلّ هذا ما  ذهبت إليه جمهرة الأصوليّين، و يستدلّ على ذلك بالأخبار الآمرة  بالاحتياط بعد صرفها عن الوجوب بواسطة   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة487/ الجزء الثالث

 

أخبار البراءة، أو بقرائن أخرى إن لم نقل - كما مضى منّا - بأنّ  بعض أخبار الاحتياط يدلّ ابتداء على الاستحباب.   و ذهب جملة من المحقّقين و منهم المحقّق النائينيّ رحمه اللّه إلى أنّ  أخبار الأمر بالاحتياط محمولة على الإرشاد إلى حكم العقل، لعدم  معقولية تعلّق الأمر المولوي به. و الوجه في عدم معقوليّة استحبابه  شرعا أحد تعبيرين:

التعبير الأوّل: ما ذكره المحقّق النائيني رحمه  اللّه و هو عبارة عن تطبيق قانون على ما نحن عليه نقّحه (قدّس  سرّه) في أصوله، و ذلك القانون عبارة عن أنّ الحسن و القبح  العقليّين إذا تعلّقا بشي‏ء بقطع النّظر عن الحكم الشرعيّ، كحسن  العدل، و قبح الظلم يعقل صيرورتهما منشأ للحكم الشرعيّ، و إذا  تعلّقا بشي‏ء في طول الحكم الشرعيّ و كانا في سلسلة معلولات  الأحكام، كحسن الطاعة، و قبح المعصية استحالت صيرورتهما  منشأ للحكم الشرعيّ، فطبّق -قدّس سرّه- هذا القانون على ما نحن  فيه لأجل أنّ الاحتياط يكون في طول الأوامر الواقعيّة و بلحاظها،  فتستحيل صيرورة حسنه العقليّ منشأ لاستحبابه الشرعيّ.  

 أقول: إنّ التكلّم في أصل هذا القانون كبرويّا قد مضى في بحث  التجرّي، و أثبتنا هناك بطلانه، و هنا نغضّ النّظر عن بطلانه  كبرويّا و نتكلّم في تطبيقه صغرويّا على ما نحن فيه، فنقول: إنّ  تطبيقه على ما نحن فيه غير صحيح لوجهين:   الوجه

الأوّل: أنّ الاحتياط الّذي يحكم العقل بحسنه إنّما   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة488/ الجزء الثالث

 

هو الاحتياط بداعي المولى بأن يطلب بالاحتياط إحراز الواقع  بقصد القربة و امتثال الأمر الاحتماليّ، و الاحتياط الّذي أمر به في  الأخبار لم يؤخذ فيه قصد القربة، فإنّ قصد القربة خارج عن  مفهوم الاحتياط، و إنّما الاحتياط عبارة عن ملاحظة أطراف  الشبهة بالفعل أو الترك و التخلّص عن مخالفته، سواء كان ذلك  للّه و بداعي إطاعة الأمر الاحتماليّ، أو لشي‏ء آخر، كأمر الوالد، أو  إعطاء شخص مالا له بإزاء ذلك، فما أمرت به الأخبار غير ما حكم  بحسنه العقل، حيث إنّ الأخبار أمرت بذات الاحتياط، و ما حكم  العقل بحسنه هو الاحتياط بداعي المولى، حيث إنّ العقل يرى كلّ  تقرّب إلى المولى حسنا، فليس المأمور به في الأخبار داخلا في  دائرة القانون الّذي نقّحه -قدّس سرّه- في موارد حكم العقل  بالحسن و القبح.   

الوجه الثاني: أنّ حسن الاحتياط و إن كان - على ما نقّحه من  القانون - يستحيل أن يكون ملاكا للحكم بالاستحباب، لكن لنا أنّ  ندعي استحباب الاحتياط لا بمعنى الاستحباب النفسيّ بملاك  حسنه، بل بمعنى الاستحباب الطريقيّ [1] الّذي يكون ملاكه عين  ملاكات الأحكام الواقعيّة، فيحكم المولى باستحباب الاحتياط من  باب مطلوبيّته الطريقيّة لأجل التحفّظ على ملاكات الواقع بمقدار  ما يؤدّيه الاستحباب من التحفّظ، بل لو قطع النّظر  

_____________________________________________

 

[1] و الّذي أنكره المحقّق النائينيّ رحمه اللّه في المقام - بناء على  قاعدته - إنّما هو الاستحباب الطريقيّ. أمّا فرض الاستحباب  النفسيّ فلم يمنع عنه، راجع أجود التقريرات ج 1، ص 204، و  مصباح الأصول ج 2، ص 317.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة489/ الجزء الثالث

 

عن مطلوبيّته الطريقيّة و فرضت ملاكات الواقع ضعيفة إلى درجة  لا تقتضي أيّ تحفّظ عليها في حال الشكّ لما حكم العقل بحسنه، و  إنّما يحكم العقل بحسنه عند ترقّب مطلوبيّته و احتمالها - على  الأقلّ -.   

و خلاصة الكلام: أنّه يمكن أن يدّعى في المقام أنّ أخبار الاحتياط  تحمل على الاستحباب المولويّ الطريقيّ. أمّا كونه مولويّا، فلأنّ  ظاهر أوامر الشارع هو المولويّة، و حملها على الإرشاد يحتاج  إلى قرينة، و لا قرينة في المقام - و أمّا كونه طريقيّا فتدلّ عليه  نفس مادّة الاحتياط التي أخذ في مفهومها التحفّظ على الواقع.  

 التعبير الثاني: أنّ جعل الاستحباب للاحتياط لغو، إذ يكفي في  تحريك العبد نحو الاحتياط احتمال الأمر الواقعيّ لحكم العقل  عندئذ بحسن الاحتياط، و من لم يتحرّك بذلك لا يتحرّك  باستحباب الاحتياط أيضا.   

و الجواب: أنّ استحباب الاحتياط إمّا يفرض نفسيّا، و إمّا يفرض  طريقيّا، فإن فرض نفسيّا فلا مجال لإشكال اللغويّة، لأنّ  الاستحباب النفسيّ للاحتياط يوجب تأكّد المحرّكيّة نحوه لاجتماع  ملاكين فيه للمحرّكيّة، أحدهما ملاك الواقع، و الآخر ملاك نفس  الاحتياط، كما هو الحال في جميع موارد اجتماع ملاكين و أمرين  في شي‏ء واحد، فأنّه يحصل التأكّد في الملاك و الحكم، و بالتالي  يتأكّد حكم العقل بالانبعاث.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة490/ الجزء الثالث

 

و إن فرض طريقيّا، فأيضا لا مجال لإشكال اللغويّة، و توضيحه:  أنّ ملاك الأمر بالاحتياط هو عين ملاك الواقع، فتارة يفرض  ملاك الواقع في غاية الأهميّة، بحيث لا يرضى المولى بفوته حتى  في حال الشكّ، فيبرز إيجاب الاحتياط، و أخرى يفرض في غاية  الضعف، بحيث لا يفرّق في حال المولى بين الاحتياط في حال  الشكّ و عدمه، فيبرز عدم مطلوبيّة الاحتياط و لو استحبابا، و  ثالثة يفرض اهتمامه به بدرجة استحباب الاحتياط، و عندئذ يبرز  استحباب الاحتياط. و فائدة هذا الإبراز هي المنع عن أن يصل إلى  العبد عدم مطلوبيّة الاحتياط وصولا جزميّا من باب الاشتباه فلا  يبقى له محرّك بالنسبة للاحتياط، أو وصولا احتماليّا فيضعف  تحريكه بالنسبة للاحتياط.   

و قد تحصّل ممّا ذكرناه عدم محذور في جعل استحباب الاحتياط،  و قد مضى استظهار الاستحباب الطريقيّ للاحتياط من الأخبار.

 نعم، يظهر من بعض الأخبار الاستحباب النفسيّ كقوله: (من رتع  حول الحمى يوشك أن يقع فيه، و من ترك ما اشتبه عليه من الإثم  كان لما استبان له أترك) فإنّ هذا يدلّ على أنّ ملاك ترك شرب  التتن المحتمل حرمته مثلا، هو حصول ترك المحرّمات و أن لا يقع  بالتدريج في ارتكاب المحرّمات القطعيّة، لا التحرّز عن الحرمة  الواقعيّة لشرب التتن، و لا بأس بالالتزام بكلا الاستحبابين لكلتا  الطائفتين من الأخبار لو صحّت أسانيد تلك الأخبار.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة491/ الجزء الثالث

 

 

2 - تصوير الاحتياط في العبادات:  

 و أمّا المقام الثاني: و هو البحث الصغرويّ، فقد وقع الإشكال في  تصوير الاحتياط في العبادات بعد الفراغ عن تصويره في  المعاملات من ناحية أنّ الاحتياط لا بدّ فيه من حصول الغرض  المقصود من الواقع المحتاط لأجله، و الغرض في باب العبادات لا  يحصل إلاّ مع قصد الأمر، و قصد الأمر مع الشكّ فيه لا يمكن إلاّ  بالتشريع الفعليّ، و لا فرق في حرمة التشريع الّذي هو اسناد ما لا  يعلم أنّه من المولى إلى المولى بين التشريع القولي بأن يسند  بالقول شيئا إلى المولى لا يعلم أنّه منه و التشريع الفعليّ بأن يعمل  عملا بقصد أنّه مأمور به من قبل المولى و هو لا يعلم بذلك، و بهذه  الحرمة تبطل العبادة. هذا هو التصوير الابتدائيّ للإشكال.   و تحقيق الحال: أنّه تتصوّر فقهيّا في المقام فروض ثلاثة:   

1 - أن يكفي في صحّة العبادة مطلق الداعي القربي بما فيه داعي  الأمر الاحتماليّ.   

2 - أن يشترط في صحّة العبادة قصد الأمر الجزميّ المتعلّق بذات  العمل ابتداء.   

3 - أن يشترط في صحّة العبادة قصد الأمر الجزميّ، سواء كان  متعلّقا بذات العمل ابتداء، أو بعنوان الاحتياط.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة492/ الجزء الثالث

 

أمّا على الفرض الأوّل: فلا مجال لتوهّم الإشكال في المقام، إذ  إتيان العمل بداعي احتمال الأمر بمكان من الإمكان من دون  تشريع، و لا يشترط القصد الجزميّ للأمر حتى يلزم التشريع عند  عدم العلم به، فلا مورد لتوهّم الإشكال هنا أصلا بلا فرق في ذلك  بين فرض كون الحاكم بلزوم قصد الأمر هو العقل، لاستحالة  أخذه في المتعلّق و فرض كونه مأخوذا في المتعلّق، فإنّ قصد الأمر  الاحتماليّ ممكن من دون أثر لسنخ الحاكم بلزوم ذلك في المقام.  

و هذا الفرض الأوّل هو الصحيح كبرى و صغرى.   أمّا الكبرى فتنقيحها موكول إلى الفقه، و هي أنّه لا يحتمل فقهيّا  اشتراط أزيد من مطلق الداعي القربي في باب العبادات.   

و أمّا الصغرى فلما مضى في محلّه من أنّ الانبعاث من الصورة  الاحتماليّة لأمر المولى أيضا تقرّب إلى المولى، و ذلك لأنّ  الانبعاث من ذلك مظهر للإخلاص ذاتا لا جعلا حتى نحتاج إلى  دليل على الجعل، و كلّ ما هو مظهر للإخلاص للمولى يوجب  التقرّب إلى المولى ذاتا أيضا، و لم ينازع أحد في كون الانبعاث  من الأمر الاحتماليّ تقرّبا إليه (تعالى). نعم، ذهب بعض كالمحقّق  النائينيّ -قدّس سرّه- إلى أنّ هذا التقرّب في طول التقرّب بالأمر  الجزميّ، أي أنّه مع التمكّن من التقرّب بقصد الأمر الجزميّ لا يمكن  التقرّب بقصد الأمر الاحتماليّ، و بعض آخر كالشيخ الأعظم رحمه  اللّه إلى عدم كفاية هذا التقرّب مع التمكّن   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة493/ الجزء الثالث

 

من التقرّب بالأمر الجزميّ. و على أيّ حال فلا إشكال في ما نحن  فيه، إذ المفروض عدم إمكان قصد الأمر الجزميّ.   

و قد تحصّل ممّا ذكرناه: أنّه لا إشكال في الاحتياط في العبادات  أصلا، و الإنصاف أنّه لو لا جريان الإشكال على قلم الشيخ الأعظم  -قدّس سرّه- لم يكن داع للتكلّم في هذا البحث أصلا، إلاّ أنّه جرى  على قلمه رحمه اللّه فبقي هذا البحث في علم الأصول.   

و أمّا على الفرض الثاني: فلا مجال لتوهّم عدم الإشكال في  الاحتياط في العبادات، إذ المفروض اشتراط قصد الأمر الجزميّ  في المقام، و لا أمر جزميّ هنا، و لا يكفي الأمر الجزميّ بالاحتياط،  لأنّ المفروض اشتراط قصد الأمر الجزميّ بذات العمل ابتداء، و  عليه فيتقيّد - لا محالة - دليل وجوب تلك العبادة بغير صورة  الشكّ، إذ تشترط في التكليف القدرة، و الشكّ هنا مساوق لعدم  القدرة، و لا يفرّق أيضا على هذا الفرض بين القول بأخذ قصد  الأمر في متعلّقه، و القول بكون الحاكم به هو العقل، فإنّه لا أمر  جزميّ هنا متعلّق بذات العمل ابتداء حتى يمكن قصده بلا أثر  لاختلاف طبيعة الحاكم بلزوم هذا القصد في ذلك.   

و أمّا على الفرض الثالث: فيمكن أن يقال بإمكان الاحتياط نظرا  إلى وجود الأمر الجزميّ بالاحتياط، و المفروض كفاية قصد  طبيعيّ الأمر الجزميّ، فيقصد الأمر الجزميّ المتعلّق   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة494/ الجزء الثالث

 

بالاحتياط.   و لكن قد يقال ببطلان الاحتياط في المقام، و أنّ الأمر الجزميّ  المتعلّق بالاحتياط لا يصحّح الاحتياط، إذ هو عارض على الاحتياط،  فتقوّم الاحتياط به يوجب الدور أو ما يشبه الدور، و بكلمة أخرى  يجب تصحيح الاحتياط في الرتبة السابقة على الأمر كي يعرض  عليه الأمر.   

و التحقيق في المقام: أنّ الأمر بالاحتياط تارة يفرض نفسيّا، و  أخرى يفرض طريقيّا.   فإن فرض الأمر بالاحتياط نفسيّا قلنا: إنّ المبنى في بحث التعبّدي  و التوصّليّ إمّا هو استحالة أخذ قصد الأمر في متعلّق الأمر، و أنّ  الحاكم بلزوم قصد الأمر إنّما هو العقل، أو عدم استحالته، و أنّ  قصد الأمر داخل تحت الخطاب.   

فإن كان المبنى هو الأوّل فقد يقال في المقام: إنّ الأمر بالاحتياط  هنا غير معقول، إذ هذا الأمر إمّا أن يفرض تعلّقه بذات العمل، أو  يفرض تعلّقه بالعمل بقصد الأمر. فإن فرض الأوّل كان خلفا، إذ  ذات العمل بلا قصد الأمر لا يترتّب عليه الغرض حتى يتحقّق  الاحتياط. و إن فرض الثاني لزم أخذ قصد الأمر في متعلّقه، و  بكلمة أخرى: أنّ الاحتياط أصبح مقيّدا بقصد الأمر، فهو ينحلّ إلى  ذات العمل و تقيّده بقصد الأمر، فالأمر به يكون محالا لأنّه يلزم  من ذلك أخذ قصد الأمر في متعلّقه.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة495/ الجزء الثالث

 

و لكنّ هذا مدفوع بأنّنا نختار الشق الأوّل، و لا يرد عليه إشكال.  

و توضيحه: أنّ قصد الأمر بالاحتياط و إن كان المفروض استحالة  أخذه في متعلّقه لكنّ ذلك الأمر الواقعيّ الّذي يحتاط لأجله أيضا  يستحيل أخذ قصده في متعلّقه، فمتعلّق الأمر العباديّ الواقعيّ هو  ذات العمل، و حيث إنّ الاحتياط يكون بلحاظ متعلّق الأمر الواقعيّ  يكون متعلّق الأمر به أيضا ذات العمل المحتمل وجوبه، و كما أنّه  في الأمر الأوّل بالرغم من تعلّقه بذات العمل عرفنا لزوم قصد  الأمر في العمل بحكم العقل من باب تحصيل الغرض، كذلك في  الأمر الثاني عرفنا لزوم قصد الأمر بالاحتياط في الاحتياط بحكم  العقل من باب تحصيل الغرض. و بهذا يبطل أيضا التعبير عن  الإشكال بأنّ الأمر بالاحتياط عارض على الاحتياط فلا يتقوّم  الاحتياط به، فإنّ متعلّقه الّذي عرض هذا الأمر عليه عبارة عن  نفس العمل، لا العمل بقصد الأمر حتى يلزم تقوّمه بهذا الأمر.   

و إن كان المبنى في بحث التعبّديّ و التوصّليّ هو الثاني - أعني  كون قصد الأمر تحت الخطاب مأخوذا في متعلّق الأمر - فلا  إشكال أيضا في الاحتياط فيما نحن فيه، إذ ليس فيه محذور وراء  الإشكالات التي تورد على قصد الأمر في متعلّقه من أنّه يلزم تقوّم  المتعلّق الّذي هو معروض للأمر بذلك الأمر و نحو ذلك، و  المفروض حلّ الإشكالات و البناء على جواز أخذ قصد الأمر في  متعلّقه.   هذا، و الصحيح في بحث التعبّديّ و التوصّليّ هو إمكان   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة496/ الجزء الثالث

 

أخذ قصد الأمر في متعلّقه [1]، و ما مضى هنا من أنّ الأمر  بالاحتياط عارض على الاحتياط فكيف يتقوّم الاحتياط به؟ هو  بنفسه إشكال يتكلّم عنه في بحث التعبّديّ و التوصّليّ، حيث يقال:  إنّ قصد الأمر إن أخذ في متعلّق الأمر الّذي هو معروض للأمر و  متقدّم عليه لزم تقوّم هذا المتعلّق بعارضه و تأخّره عنه رتبة، و  هذا الإشكال لا محصّل له، إذ نقول في ما نحن فيه مثلا:   إنّه إذا توقّفت صحّة الاحتياط على الأمر به فهل يدّعى أنّه يلزم من  ذلك تأخّر الوجود الذهنيّ للاحتياط في أفق التشريع رتبة من  الأمر به، أو يدّعى أنّه يلزم من ذلك تأخّر الوجود الخارجيّ  للاحتياط رتبة من الأمر به، أو يدّعى أنّه يلزم تأخّر إمكان  الاحتياط رتبة من الأمر به؟ فإن ادّعي الأوّل فذلك واضح البطلان،  إذ الوجود الذهنيّ للاحتياط غير متوقّف على تحقّق الأمر و غير  متأخّر عنه، و الأمر يتعلّق به بحسب أفق النّفس، فيكون مقدّما على  ذلك الأمر في أفق النّفس رتبة من دون أن يلزم تأخّر في المقام  أصلا.   

و إن ادّعي الثاني فلا مانع من أن يتأخّر الاحتياط الخارجيّ رتبة  من الأمر به، بل كلّما أوجب بشي‏ء تحرّك العبد نحو ذلك الشي‏ء و  إتيانه به، كان ذلك العمل الخارجيّ متأخّرا عن الأمر به و مسبّبا  عنه.   و إن ادّعي الثالث فعليه تكون للدور صورة في المقام، إذ  

_____________________________________________

 

[1] و لو إثباتا.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة497/ الجزء الثالث

 

يقال: إنّ القدرة على الاحتياط متوقّفة على فعليّة الأمر، لأنّ  المفروض أنّه يشترط فيه قصد الأمر، و فعليّة الأمر متوقّفة على  القدرة على الاحتياط توقّف المشروط على شرطه و فعليّة الحكم  على موضوعه، فيلزم الدور، و هذا بنفسه أحد ألوان الإشكال في  مبحث أخذ قصد الأمر في متعلّقه.   

و الجواب: أنّ اشتراط الأمر بالقدرة على المتعلّق إنّما هو بحكم  العقل، و حكم العقل في المقام يكون بملاك أنّه مع عدم القدرة  يستحيل التحريك، فيكون الأمر لغوا حينئذ، و بحسب الحقيقة  يكون الأمر مشروطا بقابليّته للتحريك، و قابليّته للتحريك إنّما  هي موقوفة على القدرة من غير ناحية الأمر - أي أنّ المانع من  الأمر ليس هو طبيعيّ العجز، بل تلك الحصّة من العجز التي لا  ترتفع بالأمر - و لذا لو كان نفس توجّه الأمر بالمشي إلى  المشلول مؤثّرا تكوينا في برء شلله لم يكن مجال لتوهّم بطلان  هذا الأمر أصلا.   و إن فرض الأمر بالاحتياط طريقيّا، فصحّة الاحتياط هنا و عدمها  تتوقّف على فهم ما هو المراد من لزوم قصد الأمر الجزميّ. فإن  كان المقصود الأمر الحقيقي الجزمي فهنا ليس لنا أمر جزميّ، إذ  أمر ذات العبادة مشكوك، و الأمر بالاحتياط طريقيّ روحه و  جوهره هو الأمر بذات العبادة المفروض كونه مشكوكا. و إن  كان المقصود مطلق الأمر الجزميّ - و لو كان طريقيّا - لا يوجد له  مبادئ في متعلّقه، فهذا الأمر ثابت هنا فيصحّ الاحتياط بلحاظه،  هذا ما يقتضيه تحقيق الكلام في المقام الثاني.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة498/ الجزء الثالث

 

مفاد أخبار (من بلغ):  

 و في نهاية هذا التنبيه و تعقيبا على ما عرفته من المقامين نبحث  هنا عن مفاد أخبار من بلغ، حيث إنّها تنظر إلى العمل برجاء  موافقة الواقع في فرض الشكّ في الحكم، فيناسب البحث عنها في  هذا التنبيه، فنقول:   قد وردت روايات عديدة بمضمون: (إنّ من بلغه شي‏ء من الخير و  الثواب فعمله كان له ذلك الثواب و إن كان رسول اللّه صلى اللّه  عليه و آله و سلّم لم يقله).   

1 - تصوير مفادها ثبوتا:  

 و نذكر بدوا في تصوير مفاد هذه الروايات احتمالات أربعة:   

1 - كون المقصود منها الإرشاد إلى حكم العقل بحسن الاحتياط و  الانبعاث من المطلوبيّة الاحتماليّة، حيث إنّ مفروض الأخبار هو  العمل برجاء المطابقة. أمّا فيما صرّح منها برجاء الثواب فواضح، و  أمّا فيما لم يصرّح منها بذلك فيستفاد ذلك من (الفاء) في قوله:  (فعمله).   

2 - كون المقصود جعل استحباب نفسيّ موضوعه البلوغ.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة499/ الجزء الثالث

 

 

3 - كون المقصود منها جعل الحجّيّة للخبر الضعيف في  المستحبات، و هذا هو المناسب لتعبير التسامح في أدلّة السنن.   

4 - كون المقصود مجرّد الوعد لمصلحة في نفس الوعد بإعطاء  ذلك الثواب، و بعد حصول الوعد نقطع بالوفاء لا محالة.   و الفرق بين هذه الاحتمالات الأربعة واضح، فعلى الأخير تشتمل  الأخبار على مجرّد الوعد لمصلحة في نفس الوعد، في حين أنّه على  باقي الاحتمالات تكون تلك الأخبار بداعي الحثّ و الترغيب  الناشئ من ملاك في نفس العمل. و يفترق الاحتمال الأوّل عن  الثاني و الثالث بأنّه على الأوّل يكون الترغيب صادرا من الشارع  بما هو عاقل لا بما هو مولى، و على الثاني و الثالث يكون صادرا  عنه بما هو مولى. و أمّا الفرق بين الثاني و الثالث فهو أنّ الترغيب  في الثاني يكون بملاك نفسيّ بعنوان البلوغ في نفس هذا العمل و  إن كان الخبر مخالفا للواقع، و في الثالث يكون طريقيّا و بملاك  العمل بالواقع. و بكلمة أخرى:   أنّ الحكم في الثاني حكم واقعيّ لعنوان ثانويّ، و في الثالث حكم  ظاهريّ لعنوان أوّلي.   و لكن يوجد في رسالة منسوبة إلى الشيخ الأعظم -قدّس سرّه-  مؤلفة في بحث قاعدة التسامح في أدلّة السنن الإشكال في تصوير  الفرق بين الوجه الثاني و الثالث، و ذلك باعتبار أنّ الحكم  الظاهريّ لمّا كان عبارة عن جعل الحكم المماثل فمرجع الوجه  الثالث إلى قضيّة شرطيّة شرطها بلوغ الثواب و جزاؤها حكم   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة500/ الجزء الثالث

 

مماثل لما أدّاه الخبر، و الحكم المماثل لما أدّاه الخبر عبارة عن  الاستحباب الّذي هو الوجه الثاني، فأيّ فرق بينهما؟ نعم، إذا كان  الحكم الظاهري عبارة عن شي‏ء آخر غير الحكم المماثل،  كالتنجيز و التعذير و تتميم الكشف و نحو ذلك فهو يفترق عن  جعل الاستحباب.   و سواء كان هذا الكلام صادرا من الشيخ الأعظم -قدّس سرّه-، أو  لا فهذا كلام يناسب الذوق الأصوليّ العامّ في تصوير الحكم  الظاهريّ من كونه عبارة عن أحد هذه الأمور من جعل الحكم  المماثل، أو التنجيز و التعذير، أو تتميم الكشف، و نحو ذلك.   

و أمّا على المختار من أنّ هذه كلّها ألسنة مختلفة و ألوان من الكلام  تكشف عن شي‏ء واحد و هو اهتمام المولى ببعض الأغراض دون  بعض عند تزاحمها، فالفرق بين الوجه الثاني و الثالث في غاية  الوضوح، إذ في الوجه الثاني يكون الاستحباب نفسيّا ناشئا من  ملاك في ذات العمل بما ينطبق عليه من العنوان الثانويّ، و في  الوجه الثالث يكون الاستحباب طريقيّا و بداعي الاهتمام بالملاك  الموجود في المستحبات الواقعيّة من دون أن يفرض في نفس هذا  العمل بعنوان البلوغ أي ملاك و مطلوبيّة هذا بناء على ما هو  المختار في الفرق بين الحكم الواقعيّ و الظاهريّ، فنفس ذاك  الفرق المختار طبّقناه في المقام لتوضيح الفرق بين الوجه الثاني  و الوجه الثالث. و أمّا على القول بأنّ الحكم الظاهريّ عبارة عن  جعل الحكم المماثل فأيضا نقول: إنّ أيّ شي‏ء يفترضه صاحب هذا  القول فارقا بين هذا الحكم   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة501/ الجزء الثالث

 

المماثل الظاهريّ و الحكم الواقعيّ يمكن افتراضه في المقام.  

 و قد تحصّل ممّا ذكرناه: أنّ الوجه الثاني و الثالث يختلف أحدهما  عن الآخر ذاتا.   نعم. أنكر السيّد الأستاذ وجود ثمرة فقهيّة بينهما، إذ على أيّة حال  يفتي الفقيه بالاستحباب إما لعنوان البلوغ وجدانا، أو لهذا الخبر  الضعيف الّذي ثبتت حجّيّته تعبّدا، فلا فرق بينهما فيما يهمّ الفقيه،  ثمّ ذكر السيّد الأستاذ: أنّ بعض المحقّقين حاول إبراز الفرق  بينهما بأنّه إن ورد خبر ضعيف يدلّ على استحباب شي‏ء كالمشي  بعد الطعام مثلا، و ورد خبر صحيح يدلّ على حرمته، فعلى الثالث  يكون الخبر الضعيف حجّة و معارضا للخبر الصحيح، و على  الثاني ليس الأمر كذلك، بل يكون الفعل بعنوانه الأوّليّ حراما و  بعنوان بلوغ استحبابه مستحبّا، فيدخل ذلك في باب تزاحم  الملاكين و المقتضيين للحكم لا في باب التعارض. و أجاب السيّد  الأستاذ عن ذلك بأنّ أخبار من بلغ لا تشمل فرض بلوغ الثواب في  مورد بلغ العقاب فيه أيضا، فمثل هذا الفرض خارج عن أخبار من  بلغ رأسا.  

 

 ثمرات الفرق بين الحجّيّة و الاستحباب النفسيّ:   

أقول: تظهر بين الوجهين ثمرات عديدة:   الأولى: أنّه في بعض الفروض يتحقّق التعارض بناء على   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة502/ الجزء الثالث

 

الوجه الثالث بخلاف الوجه الثاني، و نذكر تحت هذا العنوان  موردين:   

1 - أن يدلّ خبر ضعيف على استحباب شي‏ء و خبر صحيح على  عدم استحبابه بعنوانه الأوّليّ، فعلى الثالث أصبح الخبر الضعيف  حجّة و معارضا للخبر الصحيح و تساقطا، فلم يثبت الاستحباب، و  على الثاني لم يصبح الخبر الضعيف حجّة، و إنّما ثبت استحباب  العمل بالعنوان الثانويّ و هو البلوغ، فيحكم بأنّ هذا العمل بعنوانه  الأوّليّ ليس مستحبّا، و بعنوانه الثانويّ مستحبّ، و مثل هذا ما لو  دلّ خبر ضعيف على وجوب شي‏ء و خبر صحيح على عدم وجوبه  بالعنوان الأوّليّ، فعلى الثالث يتعارضان بناء على شمول أخبار  من بلغ لما يدلّ على الوجوب، فإنّه إن فرض أنّه بهذا يثبت  الوجوب فهذا معارض للخبر الصحيح الدالّ على عدم الوجوب، و  إن فرض أنّه بهذا يثبت جامع الطلب، فجامع الطلب القابل  للانطباق على الوجوب لا يمكن إثباته لدلالة الخبر الصحيح على  عدم الوجوب، و الجامع غير القابل للانطباق على الوجوب و هو  المساوق للاستحباب لم يدلّ عليه هذا الخبر الضعيف، و على  الثاني لا يتعارضان، بل يحكم بعدم وجوب ذلك العمل بالعنوان  الأوّليّ و استحبابه بالعنوان الثانويّ.   

2 - أن يدلّ خبر ضعيف على استحباب شي‏ء و خبر ضعيف آخر  على استحباب شي‏ء آخر، و علمنا إجمالا بكذب أحدهما فعلى  الثاني يلتزم باستحباب كلا الأمرين بالعنوان   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة503/ الجزء الثالث

 

الثانويّ، و على الثالث يتعارضان، فإنّه و إن لم يكن بينهما  تعارض ذاتي - كما لو دلّ أحدهما على استحباب شي‏ء و الآخر  على استحباب تركه - لكن يوجد بينهما تعارض اتّفاقيّ و  يتساقطان بواسطة العلم الإجماليّ بكذب أحدهما. هذا بناء على  مبنى المحقّق النائيني رحمه اللّه من أنّ العلم الإجماليّ بالكذب  يوجب التعارض الاتّفاقيّ بملاك استحالة جعل الكشف و الطريقيّة  لأمرين نعلم بأنّ أحدهما مظلم و كاذب.  

 و أمّا على مبنى المحقّق العراقيّ -قدّس سرّه- - و هو المختار - من  أنّ ملاك التعارض و التساقط في ذلك إنّما هو منافاة الدلالة  الالتزاميّة لكلّ منهما الثابتة ببركة العلم الإجماليّ للدلالة المطابقيّة  للآخر، فتتساقط كلّ من الدلالتين الالتزاميّتين مع الدلالة المطابقيّة  للأخرى بالتعارض الذاتيّ، فيمكن أن يقال هنا: إنّ أخبار من بلغ  لم تشمل الدلالة الالتزاميّة و إنّما أثبتت الحجّيّة لبلوغ الثواب في  أيّ واحد منهما لا لنفي الآخر فلا تعارض بينهما.  

 الثانية: أنّ في بعض الفروض يثبت التعارض على كلا الوجهين،  لكن يختلف مركز التعارض باختلافهما، و بالتالي تختلف كيفيّة  إعمال قوانين باب التعارض، مثاله: أنّنا فرضنا ورود خبر صحيح  يدلّ على أنّ ما يوجب الإضرار بالنفس لا يكون مستحبّا و لو  بعنوان ثانويّ، و ورود خبر ضعيف يدلّ على استحباب اللطم في  عزاء الحسين عليه السلام، و نفترض أنّ اللطم أمر مضرّ، فعلى  الثالث يقع التعارض بين هذين الخبرين، و يقدّم   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة504/ الجزء الثالث

 

الثاني على الأوّل بالأخصّيّة، و أخبار من بلغ ليست طرفا  للمعارضة مع الخبر الصحيح النافي للاستحباب، و إنّما هي دليل  على حجّيّة ما يعارضه من الخبر المثبت للاستحباب، و لا منافاة  بين عدم استحباب شي‏ء واقعا و حجّيّة ما دلّ على استحبابه، و  على الثاني يصبح ما دلّ على عدم استحباب المضرّ بأيّ عنوان من  العناوين معارضا لنفس أخبار من بلغ الدالّة على استحباب اللطم  بعنوان البلوغ، و تعارضهما يكون بالعموم من وجه و يتساقطان.  

 الثالثة: أنّ بعض أقسام الخبر الضعيف تشمله أخبار من بلغ على  الوجه الثاني، و يثبت بذلك الاستحباب، و أمّا على الوجه الثالث،  فإمّا أن يثبت بذلك الوجوب أو لا تشمله أخبار من بلغ رأسا، و  ذلك فيما لو دلّ خبر ضعيف على وجوب شي‏ء فإنّه على الثاني  يثبت الاستحباب له بعنوان البلوغ، و أمّا على الثالث فشأن أخبار  من بلغ أن يجعل هذا الخبر حجّة، فإن قلنا بأنّه يمكن لأخبار من  بلغ أن يثبت الوجوب فهذا الخبر يصبح حجّة و يثبت به الوجوب، و  إن قلنا بأنّها تقصر عن إثبات أزيد من الثواب و الاستحباب و  جامع المطلوبيّة فهذا الخبر لا تشمله أخبار من بلغ لا بلحاظ دلالته  المطابقيّة من الوجوب، إذ هو خلف، و لا بلحاظ دلالته الالتزاميّة  من الثواب و جامع الطلب، و ذلك على مبنى السيّد الأستاذ - الّذي  هو المنكر للثمرة في المقام - من أنّه يستحيل انفكاك الدلالة  الالتزاميّة عن المطابقيّة في الحجّيّة بأن لا تكون المطابقيّة حجّة، و  مع ذلك تكون   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة505/ الجزء الثالث

 

الالتزاميّة حجّة. نعم، على ما هو الصحيح من إمكان التفكيك يمكن  الالتزام هنا بثبوت الثواب و جامع المطلوبيّة.  

 الرابعة: أنّ في بعض الموارد يتعدّد الاستحباب على الثاني بخلافه  على الثالث، كما لو دلّ خبر ضعيف على استحباب المشي بعد  الطعام مثلا، و دلّ خبر ضعيف آخر على استحباب المشي في  الثوب الأبيض بعد الطعام، بحيث كان هذا الخبر ناظرا إلى تقييد  دائرة متعلّق نفس الاستحباب الأوّل لا إلى استحباب مستقلّ عن  الاستحباب الأوّل، فبناء على الوجه الثاني يثبت استحبابان على  عنوانين بعنوان البلوغ: أحدهما المشي بعد الطعام، و الثاني  المشي في الثوب الأبيض بعد الطعام. و كذا إذا فرض الخبران  صحيحين، أو فرض أحدهما صحيحا و الآخر ضعيفا.   و أمّا بناء على الوجه الثالث ففي بعض الصور لا يثبت في المقام  استحبابان و توضيحه: أنّه إمّا نفرض الخبر المقيّد صحيحا و  الخبر المطلق ضعيفا، أو بالعكس، أو نفرضهما ضعيفين.  

 أمّا على الأوّل فالخبر المقيّد الّذي هو حجّة في نفسه يقيّد لا محالة  الخبر المطلق الّذي صار حجّة ببركة أخبار من بلغ فلا يثبت إلاّ  استحباب واحد و هو استحباب المشي في الثوب الأبيض لا مطلق  المشي.  

و أمّا على الثاني فإن فرض أنّ أخبار من بلغ تجعل الخبر حجّة  بجميع خصوصيّاته فصار الخبر المقيّد كأنّه خبر صحيح   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة506/ الجزء الثالث

 

فأيضا يقيد ذلك المطلق، و لا يثبت إلاّ استحباب واحد، و إن فرض  أنّها إنّما تعطي الحجّيّة بمقدار ثبوت الاستحباب لا أزيد من ذلك  فعندئذ نقول: إن إطلاق المطلق ينفي لا محالة استحباب المقيّد بما  هو مقيّد، إذ المفروض أنّهما ينظران إلى استحباب واحد، فإن  فرض أنّ ظهور المقيّد أقوى من ظهور المطلق [1] في نفي المقيّد  قدّم عليه، و ثبت أيضا استحباب واحد [2]، و إن فرض تساويهما  تساقطا، و ثبت أيضا استحباب واحد.   

و أمّا على الثالث فإن فرض أنّ أخبار من بلغ تجعل الخبر حجّة  بجميع خصوصيّاته، فالمقيّد يقيّد المطلق لا محالة و يثبت  استحباب واحد، و إلاّ ثبت استحبابان ظاهريّان و إن علم بكذب  أحدهما.   

الخامسة: أنّه في بعض الموارد يجري الاستصحاب على الوجه  الثالث بخلافه على الوجه الثاني، مثاله: ما لو دلّ خبر ضعيف على  استحباب الجلوس في المجلس، و كان مقدار دلالته هو ما قبل  الزوال من باب القصور في الدلالة من دون أن يدلّ على نفي  الاستحباب في ما بعد الزوال، فبناء على الوجه  

_____________________________________________

 

[1] لعلّ المقصود أنّ تقديم المقيّد على المطلق إن كان بنكتة  القرينيّة فقد سقطت بسقوط دلالته الالتزاميّة على نفي المطلق،  حيث إنّ المفروض عدم حجّيّة هذه الدلالة الالتزاميّة، و إن كان  بنكتة الأقوائيّة فهي موجودة في المقام.   

[2] إنّما قدّم المدلول المطابقي للمقيّد على المدلول الالتزاميّ  للمطلق و هو نفي المقيّد لا على المدلول المطابقي للمطلق لعدم  تعارض بينهما، فيثبت ظاهرا الاستحبابان رغم العلم الإجماليّ  بكذب أحدهما.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة507/ الجزء الثالث

 

الثاني يكون الاستحباب ثابتا بعنوان البلوغ، و هذا الاستحباب  منتف قطعا بعد الزوال بانتفاء البلوغ فلا مجال للاستحباب، و  بناء على الوجه الثالث يكون الاستحباب ثابتا للجلوس في المسجد  بعنوانه الأوّلي، و هذا الاستحباب محتمل الثبوت بعد الظهر و إن  لم يعلم ثبوته لأجل القصور في عالم الدلالة، فهنا يأتي دور  استصحاب الاستحباب بناء على جريان الاستصحاب في الأحكام  الاستحبابيّة.   

السادسة: ما سيأتي (إن شاء اللّه تعالى) في تنبيهات أخبار من بلغ  من أنّه بناء على الحجّيّة يحكم الفقيه بالاستحباب حتى لمقلّديه و  إن لم يتحقّق البلوغ بالنسبة للمقلّدين. و بناء على الاستحباب  النفسيّ بعنوان البلوغ لا بدّ من تحقّق البلوغ للمقلّدين أيضا حتى  يتحقّق الاستحباب بالنسبة لهم.   و لعلّه بالتأمّل توجد ثمرات أخرى أيضا غير هذه الثمرات.   

 

2 - تحقيق مفادها إثباتا:  

 و لنشرع بعد هذا في بيان ما هو الصحيح من هذه الاحتمالات  الأربعة في أخبار من بلغ، فنقول:   أمّا احتمال الإرشاد فلا نتكلّم عنه مستقلا، بل نتكلّم عمّا عداه، فإن  وجدت قرينة على ما عداه أخذ به، و إلاّ فنفس   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة508/ الجزء الثالث

 

الإجمال يكفي في صالح نتيجة فرض الإرشاد، إذ لا يثبت عندئذ  لنا شي‏ء عدا الحكم العقليّ كما هو الحال في فرض الإرشاد.   و أمّا احتمال جعل الحجّيّة فقد أفاد المحقّق العراقيّ»« -قدّس سرّه-،  و السيّد الأستاذ»« و غيرهما»« في تفنيده أنّ جعل الحجّيّة و  الكشف عن الواقع ينافيه قول: (و أن كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه  و آله و سلّم لم يقله).   

أقول: إنّ هذا الكلام بصورته البدائيّة يورد عليه بسهولة بأنّ  حديث من بلغ ليس بلسان فرض الكشف عن الواقع حتى ينافي  ذلك قوله: (و إن كان رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلّم لم  يقله) فيحتاج هذا الكلام إلى شي‏ء من التنقيح و التشريح، و ذلك  بأن يقال: إنّ حديث من بلغ إنّما دلّ بدلالته المطابقيّة على ملازمة  بين البلوغ و الثواب، و الوجه في دلالته على الحجّيّة هو أن يقال:  إنّ الثواب مترتّب على الأمر، فيدلّ الحديث بالالتزام على ملازمة  أخرى في رتبة أسبق من هذه الملازمة و هي الملازمة بين البلوغ و  الأمر، و عندئذ نقول: إنّ الملازمة بين البلوغ و الأمر إمّا تكويني،  أو عنائي.   أمّا دعوى الملازمة التكوينيّة في المقام فكذب محض،   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة509/ الجزء الثالث

 

فلا بدّ أنّ يكون المقصود هو الملازمة العنائيّة، و دعوى مطابقة  البلوغ للواقع مبالغة، و ذلك كناية عن الحجّيّة، و من الواضح ان  دعوى المطابقة و الملازمة بنحو المبالغة و العناية ينافيها فرض  عدم المطابقة بقوله: (و إن كان رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و  سلّم لم يقله).   و التحقيق مع ذلك: أنّ هذا الكلام لا يرجع إلى محصّل، فإنّ جعل  الاستحباب الطريقيّ في المقام يتصوّر بنحوين:   

الأوّل: أن يكون ذلك بجعل الحجّيّة و الكاشفيّة على حدّ حجّيّة خبر  الثقة، و ذلك بالتقريب الّذي عرفت.   

و الثاني: أن يكون ذلك من قبيل جعل وجوب الاحتياط، و ذلك  بتقريب أنّ المولى لأجل اهتمامه بأغراضه في الأخبار الدالّة على  الاستحباب المطابقة للواقع أراد أن يحثّ على العمل بكلّ خبر دلّ  على استحباب شي‏ء تحفّظا على أغراضه الثابتة في الأخبار  المطابقة للواقع، نظير التحفّظ على الواقع المعلوم بالإجمال أو  المحتمل بالإجمال بالاحتياط في جميع الأطراف، فحثّ على العمل  بكلّ خبر دالّ على استحباب شي‏ء بجعل ثواب عليه كي يكون  الربح لدى العبد قطعيّا، فتشتدّ رغبته في العمل بذلك. و ما مضى  من الإشكال إنّما يبطل الوجه الأوّل من هذين الوجهين دون  الثاني، فإلى الآن لم يظهر مفنّد لهذا الاحتمال، فلنر بعد هذا أنّه هل  توجد قرينة على احتمال آخر في قبال هذا الاحتمال فيبطل بذلك  هذا الاحتمال أو لا؟   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة510/ الجزء الثالث

 

و أمّا الاستحباب النفسيّ فيوجد هنا تقريب يثبت الجامع بينه و  بين الاستحباب الطريقيّ، و هو ما ذكره المحقّق النائينيّ»« رحمه  اللّه، و احتمله المحقّق العراقيّ -قدّس سرّه- و كلام المحقّق العراقي  هنا مجمل من حيث أنّه هل كان مقصوده إثبات الاستحباب النفسيّ  بذلك، أو الجامع بين الاستحباب النفسيّ و الحجّيّة [1].

و أمّا كلام  المحقّق النائينيّ -قدّس سرّه- فصريح في أنّ هذا التقريب لو خلّي و  نفسه لا يثبت إلاّ الجامع بينهما، و ذلك التقريب هو حمل قوله في  هذه الأخبار: (فعمله) على إرادة الأمر. و توضيح ذلك: أنّه و إن لم  يوجد في أخبار البلوغ الأمر بصيغته أو مادّته، لكنّ الجملة الخبريّة  في كلام الشارع ظاهرة في كونها بداعي الأمر كقوله: (سجد  سجدتي السهو)، فقوله في هذه الأخبار: (فعمله) و إن كان جملة  خبريّة، لكنّه يحمل على إرادة الأمر، و بعد استفادة الأمر من ذلك  نقول: إنّ الأمر في لسان المولى ظاهر في المولويّة، و حمله على  الإرشاد خلاف الظاهر ما لم تقم قرينة عليه، فيثبت بذلك الأمر  المولويّ بالعمل بالخبر البالغ، و هو أعمّ من كونه نفسيّا أو  طريقيّا، فثبت بهذا الجامع بين الحجّيّة و الاستحباب النفسيّ.  

 أقول: إنّ هذا من غرائبهم (رحمهم اللّه)، فإنّ قوله: (فعمله) قد وقع  شرطا فسقط عن إفادة أمر يصحّ السكوت عليه، و ليس  

_____________________________________________

 

[1] كلامه في نهاية الأفكار، القسم الثاني من الجزء الثالث، ص 277  واضح في إرادة الاستحباب النفسيّ.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة511/ الجزء الثالث

 

إخبارا و لا إنشاء، نظير أن يقال: (من أجنب فليغتسل)، أ فهل يفهم  من ذلك الأمر بالإجناب، و هل يتوهّم أحد أنّ هذا الإخبار  بالإجناب فيحمل على داعي الإنشاء؟ نعم، لو كان جزاء للشرط  صحت استفادة الأمر منه، فلو قال: (من بلغه ثواب عمل به) استفيد  من ذلك أنّ من بلغه ثواب فليعمل به، لكن ليس الأمر كذلك.  

 

 إثبات الاستحباب النفسيّ:   

و هنا تقريبان لإثبات خصوص الاستحباب النفسيّ من أخبار من  بلغ.  

 التقريب الأوّل:

ما في الدراسات»« من أنّ احتمال الإرشاد منفيّ  بظهور أخبار من بلغ في كونها في مقام التحريض و الترغيب في  العمل، و احتمال جعل الحجّيّة منفيّ بمنافاة ذلك لقوله: (و إن كان  رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلّم لم يقله)، فينحصر الأمر في  الاستحباب النفسيّ.   و يرد عليه

أولا: منع انحصار الأمر في الاستحباب النفسيّ بعد  إبطال الإرشاد و الحجّيّة، لما عرفت من أنّ ذيل الحديث لا ينافي  جعل الحكم الطريقيّ على مستوى الحكم بالاحتياط و إن كان  ينافي جعل الحجّيّة من قبيل حجّيّة خبر الثقة، فيبقى   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة512/ الجزء الثالث

 

احتمال الحكم الطريقيّ على هذا المستوى.   

و ثانيا: أنّ ظهور الأخبار في الترغيب إنّما يدفع الاحتمال الرابع  الّذي كان عبارة عن مجرّد الوعد لملاك في نفس الوعد، و لا  يدفع الاحتمال الأوّل، و هو الإرشاد، فإنّ الترغيب ثابت فيه أيضا  كما في الاحتمال الثاني و الثالث، إلاّ أنّ الترغيب بناء على الإرشاد  ترغيب من الشارع بما هو عاقل، و على الاحتمالين الآخرين  ترغيب منه بما هو شارع و مولى.   

نعم، لو قال بدلا عمّا مضى: إنّ ترغيب الشارع ظاهر في كونه  ترغيبا منه بما هو شارع كان هذا شيئا معقولا كما سيأتي (إن  شاء اللّه).   التقريب الثاني: هو التقريب المشهور في المقام، و هو عبارة عن  تطبيق كلام عامّ في جميع موارد ترتيب الثواب على شي‏ء على ما  نحن فيه، و ذلك الكلام العامّ عبارة عن أنّه مهما رتّب ثواب على  عمل فقيل: (من فعل كذا كان له كذا و كذا من الثواب) كان ذلك  دليلا على مطلوبيّة ذلك العمل و استحبابه، و ذلك لأنّ الثواب  يستلزم الأمر و يترتّب عليه بعد فرض أنّه لا يترتّب الثواب على  شي‏ء جزافا، فنستكشف من ترتيب الثواب على هذا العمل كونه  مأمورا به بقانون الدلالة الالتزاميّة العقليّة، و البرهان الإنّي، و  كشف الملزوم عن لازمه.   فطبّق هذا الكلام العامّ على ما نحن فيه حيث إنّه رتّب فيه الثواب  على العمل بما بلغ الثواب عليه، فيدلّ على استحباب   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة513/ الجزء الثالث

 

ذلك و تعلّق الأمر به.   

و أورد عليه: بأنّ هناك فرقا بين ما نحن فيه و سائر الموارد، و  هو أنّه لم يكن يوجد في سائر الموارد ملاك آخر للثواب غير  الأمر، و هنا يوجد ملاك آخر له و هو الانقياد.   و أجيب على ذلك: بأنّ إطلاق أخبار من بلغ يشمل فرض العمل بما  بلغه الثواب عليه و إن لم يأت برجاء المطابقة و داعي الانقياد، و  في فرض عدم إتيانه بهذا النحو لا يوجد ملاك الانقياد.   

و من هنا وقع البحث بين المحقّقين كالمحقّق الخراسانيّ و المحقّق  الأصفهانيّ و المحقّق العراقيّ و السيّد الأستاذ في أنّه هل يشمل  إطلاق أخبار من بلغ صورة الإتيان لا بداعي الانقياد و الرجاء حتى  يصحّ الاستدلال بها على المقصود أو لا يشملها حتى لا يصحّ ذلك؟  فذهب بعض كالمحقّق الخراسانيّ رحمه اللّه إلى شمول الإطلاق  لذلك، فيتمّ هذا الاستدلال، و بعض آخر كالمحقّق العراقيّ (قدّس  سرّه) إلى عدم شموله له فلا يتمّ هذا الاستدلال فقد اتّفقوا على  نقطة و هي أنّه على تقدير شمول إطلاق الأخبار في ذاته لغير  صورة الإتيان بداعي الرجاء يتمّ هذا الاستدلال بالأخبار، و  اختلفوا في نقطة أخرى و هي أنّه هل يشمل إطلاق الأخبار فرض  الإتيان لا بداعي الرجاء أو لا؟   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة514/ الجزء الثالث

 

أقول: أمّا النقطة الأولى التي اتّفقوا عليها فهي غير صحيحة عندنا،  و لنا حول هذه النقطة كلامان:   

الكلام الأوّل: أنّ ما ذكروه من إثبات الأمر في موارد ترتّب الثواب  على عمل بقانون الملازمة العقليّة بين الثواب و الأمر و كشف  الملزوم عن لازمه، غير صحيح، فإنّ الثواب ليس ملازما لواقع  الأمر و إنّما هو ملازم للعلم بالأمر، فلو كان الأمر ثابتا في الواقع  و العبد يتخيّل عدم الأمر لا يترتّب أيّ ثواب على عمله، بل لو تخيّل  النهي ترتّب العقاب عليه، و لو تخيّل العبد الأمر و لم يكن أمر  ترتّب الثواب على عمله، فالثواب إنّما هو ملازم للعلم بالأمر لا  لنفس الأمر، و عليه فنقول: هل المقصود إحراز نفس الأمر من  ترتيب ثواب عمل على عمل بالملازمة، أو المقصود إحراز العلم  بالأمر من ذلك؟ فإن كان المقصود هو الأوّل لم يصحّ، لأنّ نفس  الأمر ليس طرفا للملازمة، و إن كان المقصود هو الثاني لم يصحّ  أيضا، إذ لا معنى لأنّ نحرز من خبر ترتّب الثواب أنّنا عالمون  بالأمر، بل نرجع ابتداء إلى أنفسنا فنرى أنّنا غير عالمين بذلك  في المرتبة السابقة على هذا الخبر فكيف يكشف هذا الخبر عن  علمنا بذلك؟ و إنّما الصحيح في باب استكشاف الأمر من ترتيب  الثواب على العمل أنّ ذلك يستفاد لأحد وجهين:   

الأوّل: أن يفرض أنّ قوله: (من عمل كذا فله كذا) كناية عرفا عن  ثبوت الأمر، نظير قولك: (زيد كثير الرماد) الّذي هو   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة515/ الجزء الثالث

 

كناية عن كونه كريما، و تكفي في باب الكناية مناسبات عرفيّة  تصحّح ذلك بلا حاجة إلى ثبوت الملازمة بالدقّة بينهما، كما أنّه لا  ملازمة دقّيّة بين كثرة الرماد و الكرم، فقد يكون كثير الرماد و  لا يكون كريما و بالعكس.  

الثاني: أن يقال إنّ قوله: (من عمل كذا فله كذا) يستبطن قيدا  ارتكازيّا - أي من عمل كذا عارفا بحكمه فله كذا - و عندئذ  يستكشف الأمر على أساس الملازمة العقليّة، فإنّ صدق هذه القضيّة  الشرطيّة مستلزم لكون حكمه هو المطلوبيّة.   و شي‏ء من هذين الوجهين لا يأتيان فيما نحن فيه، فإنّ الأمر ليس  هنا منحصرا في الكناية و تقدير كلمة (عارفا بحكمه)، بل يتصوّر  هنا تقدير آخر ليس بأشدّ من مئونة الكناية، و مئونة هذا التقدير  و هو تقدير فرض الانقياد و داعي الرجاء، فإنّ هذا أيضا تقدير  عرفي ليس التقدير الأوّل أو الكناية بأولى منه.   الكلام الثاني: أنّنا لو غضضنا النّظر عمّا مضى، و فرضنا أنّه في  موارد ترتيب الثواب على عمل يستكشف الأمر بقانون الملازمة  العقليّة بين الثواب و الأمر قلنا مع ذلك: إنّ هذا لا ينطبق على ما  نحن فيه.   

و توضيح ذلك: أنّنا تارة نفترض لأجل الاستظهار من هذه  الأخبار أو لجهة أخرى كحكم العقل أنّ الثواب المذكور في هذه  الأخبار ليس ثوابا جزافيّا، و إنّما هو ثواب استحقاقيّ،   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة516/ الجزء الثالث

 

و أخرى نفرض عدم استبعاد كون ذلك ثوابا جزافيّا، و بكلمة  أخرى ثوابا تفضليّا فإن فرض الثاني انغلق باب بحث استكشاف  الأمر من هذا الثواب، إذ المفروض عدم استبعاد كون الثواب  جزافا و غير ناشئ من استحقاق بواسطة الأمر و غير ذلك، فلا بدّ  لفتح باب البحث في ذلك من فرض الأوّل، و هو أنّ الثواب لا  يكون جزافيّا، بل هو على أساس استحقاق العبد على مولاه بمعنى  من معاني الاستحقاق، و عندئذ نقول: إنّ إطلاق قوله: (من بلغه  ثواب فعمله كان له ذلك الثواب) بعد فرض كون المراد به الثواب  الاستحقاقيّ مقيّد عقلا بصورة الإتيان بداع قربيّ، إذ الإتيان به لا  بهذا الداعي لا يوجب الاستحقاق كما هو واضح، و بعد تقييد  الإطلاق بهذا المقيّد المنفصل نقول: إنّ التمسّك بهذا المطلق عندئذ  تمسّك بالمطلق في الشبهة المصداقيّة للمقيّد، و لا يجوز التمسّك  بالمطلق في الشبهة المصداقيّة للمقيّد المنفصل أصلا [1]، و في باب  العام لا يجوز التمسّك به في الشبهة المصداقيّة للمخصّص المنفصل  إلاّ في بعض موارد مستثناة، و لكن في باب المطلق [2] ليس لعدم  الجواز استثناء أصلا [3]،  

_____________________________________________

 

[1] بل قد يقال: إنّ المقيّد هنا متّصل، لأنّ اشتراط استحقاق الثواب  بالداعي القربيّ عقليّ ارتكازيّ كالمتّصل، و لكن قد يتّضح لك  بمراجعة بحث العموم و الخصوص أنّ المخصّص اللبّي الارتكازيّ  يكون في خصوص مسألة التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة  كالمنفصل لا كالمتّصل.   

[2] بمعنى ثبوت الحكم على الطبيعة لا للافراد.   

[3] مضى الوجه في ذلك من قبل أستاذنا الشهيد رحمه اللّه في  بحث العموم و الخصوص فراجع.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة517/ الجزء الثالث

 

و الوجه في كون التمسّك بالمطلق هنا تمسّكا في الشبهة  المصداقيّة هو أنّ للعمل بما بلغه الثواب بداع قربيّ مصداقين:   أحدهما مصداق قطعيّ، و الآخر مصداق غير قطعيّ.  

 أمّا الأوّل فهو العمل بداعي الانقياد، و أمّا الثاني فهو العمل بداعي  الأمر الموقوف على وجود الأمر، و مع عدمه يلزم التشريع، أو  يكون ذلك أمرا غير معقول، و المفروض أنّه بقطع النّظر عن  أخبار من بلغ نشكّ في وجود الأمر فنشكّ في هذا المصداق - هذا  بعد تنزّلنا عن الإشكال الأوّل، و إلاّ فقد عرفت أنّ وجود الأمر  واقعا لا أثر له أصلا -.  

 و أمّا النقطة الثانية التي اختلفوا فيها و هي أنّه هل تكون أخبار من  بلغ شاملة في ذاتها و بقطع النّظر عمّا مضى لغير فرض الانقياد أو  لا؟ فنقول: إنّ هذا موقوف على أن نرى أنّه هل توجد قرينة في  أخبار من بلغ على تقييدها بفرض الانقياد أو لا؟ و ما يذكر قرينة  على الاختصاص بفرض الانقياد أمران:   

الأوّل: فاء التفريع في قوله: (من بلغه ثواب فعمله)، حيث دلّ على  كون العمل متفرّعا على البلوغ.   

و الثاني: التصريح في بعض تلك الأخبار برجاء المطابقة فيحمل  غيره عليه حملا للمطلق على المقيّد.   أمّا القرينة الأولى فقد نوقشت بأمور:   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة518/ الجزء الثالث

 

 

الأوّل: ما ذكره المحقّق الخراسانيّ»« رحمه اللّه من أنّ البلوغ أخذ  بنحو الجهة التعليليّة لا بنحو الجهة التقيديّة كي يوجب وجها و  عنوانا للعمل.   

أقول: إنّ هذا الكلام لا يخلو من إجمال، فإن أراد -قدّس سرّه-  بذلك أنّه لمّا كان قيد البلوغ بنحو التعليل لا بنحو التقييد فالعمل  يبقى على إطلاقه، و لا يختصّ بالحصّة الانقياديّة و المتفرّعة على  البلوغ، فمن الواضح أنّه ليس الأمر كذلك، فإنّه بمجرّد أخذ البلوغ  في جانب العمل لا محالة لا يبقى العمل ثابتا على إطلاقه، بل تضيق  دائرته بذلك سواء فرض البلوغ جهة تعليليّة أو تقييديّة، فإنّ  إطلاقه على أيّ حال خلف فرض التفرّع على البلوغ فيه. و إن أراد  بذلك أنّه و إن صار العمل مقيّدا بفرض التفرّع على البلوغ و  الحصّة الانقياديّة لكنّ الثواب قد جعل على نفس هذا العمل المتفرّع  على البلوغ و المنقاد به، و يكون البلوغ و الانقياد جهة تعليليّة، و  لم يجعل الثواب على الانقياد بان يكون هذا العمل بما أنّه معنون  بعنوان الانقياد و يكون الانقياد وجها له مثوبا عليه، فيثبت بذلك  أنّ الرواية ليست إرشادا إلى حكم العقل بحسن الانقياد، لأنّ ثواب  الانقياد في الحقيقة مترتّب على عنوان الانقياد لا على خصوص  ذات الحصّة الانقياديّة من العمل بما هو هو ورد عليه: أنّه إن صار  البناء على هذا التدقيق فعلى   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة519/ الجزء الثالث

 

فرض الاستحباب و كون العمل من باب الطاعة لا من باب الانقياد  أيضا نقول: إنّه ليس الثواب في الحقيقة مترتّبا على ذات العمل بما  هو، بل مترتّب على عنوان الطاعة [1]، فعلى أيّ حال لا يعقل ترتّب  الثواب على ذات العمل بما هو سواء فرض ذلك من باب الانقياد أو  من باب الطاعة، فلا يكون ما ذكره قرينة على عدم الإرشاد إلى  حسن الانقياد، بل يظهر ممّا عرفت أنّه لم يكن المقصود في أخبار  من بلغ فرض العمل موضوعا للثواب بهذا النحو من الدّقة، و إنّما  العمل أخذ فيها على وجه المورديّة للثواب، و لا ينافيه كون الثواب  مترتّبا على عنوان الانقياد أو عنوان الطاعة.  

الثاني: ما ذكره المحقّق الأصفهانيّ -قدّس سرّه-»« و هو في  الحقيقة ليس مناقشة في قرينيّة الفاء للاختصاص بفرض الانقياد،  و لم يذكره هو رحمه اللّه بهذا الصدد، و إنّما هو دليل مستقلّ على  أنّ أخبار من بلغ لا تنظر إلى حصّة الانقياد و لا تكون إرشادا إلى  حكم العقل، و في مقام بيان ثواب الانقياد، و هذا الدليل مركّب من  مقدّمتين:   

1 - إنّ الخبر الضعيف المفروض دلالته على ترتّب ثواب على عمل  ليس مفاده ترتّب الثواب على العمل بداعي الانقياد،  

_____________________________________________

 

[1] و ذلك بعد استظهار كون الثواب استحقاقيّا، و إلاّ لا نسدّ باب  استظهار الاستحباب.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة520/ الجزء الثالث

 

و إنّما مفاده عبارة عن الثواب على نفس العمل.   

2 - إنّ أخبار من بلغ قد نطقت بثبوت نفس الثواب الّذي ذكر في  ذلك الخبر الضعيف، و قد كان ذلك ثوابا على نفس العمل بحكم  المقدّمة الأولى، فيثبت بالجمع بين المقدّمتين أنّ أخبار من بلغ  تثبت الثواب على نفس ذلك العمل.   

و يرد عليه: أنّه ما هو المقصود بكون مفاد أخبار من بلغ هو ثبوت  عين الثواب المذكور في الخبر الصحيح؟ فإن كان المقصود هو  العينيّة من جميع الجهات فهو مفروض العدم على كلّ حال، إذ قد  أخذ - لا محالة - في أخبار من بلغ عنوان البلوغ سواء فرض بنحو  الداعي للفعل و التقييديّة، أو فرض بنحو الموضوع للحكم  بالاستحباب و التعليليّة، فعلى أيّ حال يكون للبلوغ دخل في  شخص الثواب الموعود في حين أنّه لم يكن دخيلا في الثواب  المذكور في الخبر الضعيف. و إن كان المقصود كون الثواب  الموعود في أخبار البلوغ عين الثواب المذكور في الخبر الضعيف  كمّا و كيفا - أي أنّه يعطي له نفس ما وعد عطاؤه في الخبر  الضعيف - فهذا صحيح، و لكنّه لا ينافى فرض كون الثواب على  عنوان الانقياد لا على ذات العمل.  

 الثالث: ما ذكره المحقّق الأصفهانيّ -قدّس سرّه- أيضا»«، و هو أنّ  تفريع العمل على البلوغ لا يقتضي اختصاصه بالحصّة الانقياديّة، و  ذلك لأنّ تفريع العمل على شي‏ء تارة يكون من باب   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة521/ الجزء الثالث

 

تفريعه على داعيه، كما تقول: (وجب عليّ كذا ففعلت)، حيث إنّ  الوجوب داع للفعل، و أخرى يكون من باب تفريعه على موضوع  داعيه، كما تقول: (دخل الوقت فصلّيت)، حيث إنّ الداعي إلى الفعل  هو الأمر به و وجوبه، و يكون الوقت موضوعا لذلك الأمر و  الوجوب، ففي ما نحن فيه أيضا نقول: تارة يتفرّع العمل على  البلوغ من باب تفريع الشي‏ء على داعيه بأن يكون نفس هذا  البلوغ داعيا إلى العمل، و هذا هو الحصّة الانقياديّة، و أخرى  يتفرّع على البلوغ من باب تفرّع الشي‏ء على موضوع داعيه بأن  يكون الداعي إليه هو الاستحباب الّذي يكون موضوعه البلوغ.   و يرد عليه: أنّه و إن كان الأمر كما ذكره - أي أنّ تفرّع العمل  على شي‏ء يتصوّر له فردان - لكنّ الفرد الثاني لا يمكننا إحرازه  بنفس أخبار من بلغ، و توضيح ذلك: أنّ أخبار من بلغ جعلت العمل  المتفرّع على البلوغ موضوعا لترتّب الثواب، حيث قال: (من بلغه  ثواب فعمله)، ففرّع العمل بالمعنى الحرفي على البلوغ، و لنقلب  لأجل التوضيح المعنى الحرفي إلى المعنى الاسميّ فلنفترض أنّ  الحديث هكذا: (العمل المتفرّع على البلوغ يترتّب عليه الثواب)، و  عندئذ نقول: إنّ العمل المتفرّع على البلوغ له فردان: فرد يقينيّ و  هو العمل الانقياديّ و بداعي البلوغ، و فرد مشكوك و هو العمل  بداعي حكم البلوغ الّذي هو الاستحباب، و هذا الفرد مشكوك  بقطع النّظر عن أخبار   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة522/ الجزء الثالث

 

من بلغ بمشكوكيّة أصل الاستحباب، و من المعلوم أنّه لا يمكن  إثبات ذلك بنفس هذه الأخبار بالتمسّك بإطلاقها، فإنّ ثبوت  الإطلاق لها فرع ثبوت هذا الفرد، فكيف يثبت ذلك بالإطلاق؟  فذلك من قبيل أن يتمسّك بإطلاق قول: (أكرم العالم) في فرد  شككنا في كونه عالما زائدا على الافراد المعلومة، و هذا غير ما  مضى من الإشكال على النقطة الأولى من لزوم التمسّك بالمطلق  في الشبهة المصداقيّة للمخصّص المنفصل، فإنّ هذا أسوأ من الأوّل،  و لو سلّم الأوّل لا يسلّم الثاني و هو التمسّك بالمطلق في الشبهة  المصداقيّة لنفس المطلق، فإنّ الإطلاق هنا من أوّل الأمر غير ثابت  [1].   

الرابع: ما قاله بعض من أنّه لم يفرّع العمل في هذه الأخبار على  داعويّة احتمال الأمر حتى يختصّ بالحصّة الانقياديّة،  

_____________________________________________

 

[1] لا يخفى أنّ المحقّق الأصفهانيّ رحمه اللّه لم يكن مقصوده بهذا  البيان التمسّك بإطلاق أخبار من بلغ، بل كان مقصوده مجرّد هدم  قرينيّة فاء التفريع للاختصاص بفرض الانقياد للواقع المحتمل،  كي يثبت بعد سقوط هذه القرينة الاستحباب النفسيّ بالبيان  السابق، و هو الوجه الثاني من الوجوه الماضية، و إذن فمجموع  الوجه الثاني و الوجه الثالث في نظر المحقّق الأصفهانيّ رحمه اللّه  وجه واحد.   نعم، يمكن الإيراد عليه: بأنّ التفريع على ما يصلح داعيا مباشرا  يكون ظاهرا في إرادة الداعويّة المباشرة و هي الفرد الأوّل دون  موضوعيّته للداعي المباشر و هي الفرد الثاني، فظاهر هذه  الأحاديث هو أنّ الدافع المباشر إلى العمل كان هو الثواب  الموعود به.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة523/ الجزء الثالث

 

و إنّما فرّع على داعويّة الثواب، حيث قيل: (من بلغه ثواب فعمله)،  فيكفي في المقام كون ذلك الثواب المحتمل داعيا إلى الفعل، و  حيث أنّنا نعلم أنّ الثواب إنّما يترتّب على العمل القربي، فهذا  الثواب يدعونا إلى أن نأتي بهذا العمل قربيّا، و قربيّته لا تختصّ  بكونه بداعي احتمال الأمر، بل تشمل فرض كونه بداعي الأمر  الجزميّ.   

و الجواب على ذلك هو سنخ الجواب على المناقشة الثالثة.

و  توضيحه: أنّ روح المطلب يرجع بالآخرة إلى أنّ الثواب رتّب في  هذه الأخبار على العمل القربيّ، و العمل القربيّ له فردان: أحدهما  قطعيّ و هو العمل بداعي احتمال الأمر.   

و أمّا العمل بداعي الأمر الجزميّ فلا يمكن إثباته بإطلاق هذه  الأخبار، لأنّ ثبوت إطلاق لها فرع ثبوت هذا الفرد [1].    

_____________________________________________

 

[1] و قد جاء في تقرير السيّد الهاشميّ (حفظه اللّه) ج 5، ص 130  جواب آخر بدلا عن هذا الجواب، و هو أنّ الثواب على المستحبّ  النفسيّ بعنوان البلوغ ثواب آخر غير ثواب الواقع، فإن كان العمل  بداعي هذا الاستحباب لا بداعي الواقع المحتمل كان هذا خلف  داعوية الثواب البالغ.   و هذا بظاهره يرد عليه ما مضى من أنّ المقصود بعينيّة الثواب  ليست هي العينيّة من كلّ الجهات، بل هي العينيّة في كميّة الثواب و  كيفيّته، فكون الثواب معلولا للأمر الأوّل أو احتماله تارة، و معلولا  للأمر الثاني تارة أخرى لا يضرّ بالعينيّة المقصودة في المقام. نعم،  ينبغي أن يقال في المقام و لعلّه المقصود و إن قصر عنه التعبير  إنّ الفاء قد فرّع العمل على بلوغ الثواب، و يوجد في المقام  بلوغان: أحدهما   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة524/ الجزء الثالث

 

و أمّا القرينة الثانية [1]: و هي حمل المطلق على المقيّد فتحقيق  الحال فيها: أنّ الحمل المطلق على المقيّد ملاكات ثلاثة:   

1 - أن نعلم صدفة من الخارج وحدة الحكم المقصود بيانه تارة  بلسان المطلق، و أخرى بلسان المقيّد، فيقع لا محالة التعارض  بينهما، و يقدّم المقيّد على المطلق بحكم قوانين التعارض  المذكورة في بحث التعادل و التراجيح.   

2 - أن يكون للمقيّد مفهوم ينفي به الإطلاق كما إذا كان بنحو  القضيّة الشرطيّة، كما لو قيل: (أكرم العالم)، و قيل: (أكرم العالم إن  كان عادلا).   

3 - دعوى استحالة اجتماع حكمين متماثلين أحدهما على المطلق  و الآخر على المقيّد على خلاف في سعة دائرة هذا الملاك، هل  يختصّ بالواجبات أو يعمّ المستحبات، و ذلك نظير استحالة  اجتماع الحكمين المتماثلين على موضوع واحد، و هذه الاستحالة  قال بها المحقّق النائينيّ رحمه اللّه و مدرسته،  - البلوغ الثابت بالخبر الضعيف، و الآخر البلوغ الثابت بنفس  أخبار من بلغ. و من الواضح أنّ الفاء قد فرّع العمل على البلوغ  الأوّل لا الثاني و محركيّة البلوغ الأوّل تختصّ بالحصّة الانقياديّة،  و القول بأنّ البلوغ الأوّل قد يكون موضوعا للمحرّك لا محرّكا  مباشرا رجوع إلى نكتة المحقّق الأصفهانيّ رحمه اللّه.   

_____________________________________________

 

[1] لا يخفى أنّ الوجه الرابع من وجوه الجواب على القرينة الأولى  لو تمّ يأتي على هذه القرينة أيضا.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة525/ الجزء الثالث

 

و قال بها المحقّق الأصفهانيّ -قدّس سرّه- على اختلاف بينهما في  طريقة إثباتها. و الصحيح عندنا بطلان هذه الاستحالة، و تنقيح  ذلك موكول إلى محلّه.   هذه هي الملاكات الثلاثة لحمل المطلق على المقيّد، فلنر أنّه هل  يوجد شي‏ء منها في ما نحن فيه أو لا؟ فنقول:   أمّا الملاك الأوّل فقد ذكر المحقّق الأصفهانيّ -قدّس سرّه- في  المقام أنّ الفقيه بتأمّله في تمام أخبار الباب يعرف أنّ المقصود من  جميعها بيان حكم واحد [1].  

 أقول: إنّ من حصل له القطع بوحدة الحكم في المقام و لو بقرينة  اشتراك أخبار الباب في بعض التعبيرات و تقاربها [2]  

_____________________________________________

 

[1] أفاد أستاذنا الشهيد (رضوان اللّه عليه): أنّ المقصود كونها في  مقام بيان حكم واحد في قبال كون المطلقات في مقام بيان الحكم  الشرعيّ و المقيّدات في مقام الإرشاد. و أمّا على تقدير كون  الجميع في مقام بيان الحكم الشرعيّ فقد أخذوا وحدة الحكم أمرا  مفروغا عنه، فإنّ حالها عندئذ حال جميع المطلقات و المقيّدات  الموجودة في الشريعة التي تحمل على بيان حكم واحد، فيقيّد  الأوّل بالثاني من قبيل (أعتق رقبة) و (أعتق رقبة مؤمنة).   

[2] أفاد (رضوان اللّه عليه) في مقام تقريب ذلك: أنّه بعد فرض  كون المطلقات في مقام بيان الحكم الشرعيّ لو فرض أنّ المقيّدات  أيضا في مقام بيان ذلك، فاشتراكهما مع المطلقات في ذكر كلمة  البلوغ، و كذا تحديد مقدار الثواب بالمقدار البالغ لا يحتاج إلى  مئونة زائدة و نكتة أخرى غير النكتة التي من أجلها ذكر   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة526/ الجزء الثالث

 

و نحو ذلك، تمّ لديه هذا الملاك، و من لم يحصل له هذا القطع لا  يفيده هذا الملاك، و بكلمة أخرى: أنّ هذا ليس أمرا فنيّا، و إنّما هو  أمر يرتبط بالذوق و سليقة المستنبط، فمن حصل له القطع هنا  بوحدة الحكم حمل المطلق على المقيّد، و من لم يحصل له القطع  بذلك لم يمكنه حمل المطلق على المقيّد عن هذا الطريق.   

و أمّا الملاك الثاني: فهو موقوف في المقام على فرض كلمة (من)  في الأخبار المقيّدة شرطيّة لا موصولة، و فرض دلالة أمثال هذه  الأداة من أدوات الشرط على المفهوم، فيدلّ قوله:   (من بلغه ثواب فعمله رجاء ذلك الثواب كان له ذلك) على انتفاء  ذلك الثواب بانتفاء الشرط سواء كان بانتفاء أصل البلوغ، أو  بانتفاء العمل، أو بانتفاء كون العمل برجاء المصادفة.   لكنّنا قد أثبتنا في بحث مفهوم الشرط أنّ المفهوم يختصّ بأداة  الشرط المتمحّضة في معنى حرف الشرط - أي ربط هيئة الجزاء  بهيئة الشرط من قبيل (إن) - و لا يثبت لما يدلّ على حصّة معيّنة  من الشي‏ء و يجعلها موضوعا للحكم من قبيل كلمة (من)،  - ذلك في المطلقات. أمّا لو فرض أنّ المقيّدات للإرشاد فعلى هذا  التقدير كان من المحتمل أن لا يذكر فرض البلوغ، بل يذكر مطلق  فرض الاحتمال سواء كان منشأه البلوغ أو غير ذلك، و كان من  المحتمل أن لا يحدّد الثواب بهذا النحو، فبحساب الاحتمالات  يستبعد تعدّد الحكم، فقد يحصل بذلك لأحد الاطمئنان بأنّهما في  مقام بيان حكم واحد إمّا مولويّ أو إرشاديّ، فيقيّد الأوّل بالثاني.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة527/ الجزء الثالث

 

فهذا الملاك الثاني في المقام منتف.   

و أمّا الملاك الثالث: فهو غير ثابت في ما نحن فيه، فإنّ الأخبار  المقيّدة المختصّة بفرض داعي الرجاء تكون بحسب عقليّة هذا  التقريب المشهور لإثبات الاستحباب من أخبار من بلغ غير دالّة  على الاستحباب و محتملة الإرشاد إلى حكم العقل، فلم يثبت  كونها بصدد بيان مثل الحكم الّذي بيّن في الأخبار المطلقة، فلا  وجه لتقييد المطلقات بها.   

ثمّ لو قطعنا النّظر عن جميع ما مضى حتى الآن في هاتين النقطتين  من المناقشات، قلنا أيضا: إنّ من المحتمل كون أخبار الباب بصدد  بيان الحكم الطريقيّ لا بمعنى الحجّيّة، بل بالمعنى الّذي مضى منّا  من كونه من قبيل إيجاب الاحتياط، و لا ينفي هذا ما مضى من  فرض استبعاد جزافيّة الثواب في المقام، و أنّ الثواب الاستحقاقيّ  يكشف عن الأمر، و ذلك لأنّنا نمنع كون الثواب منحصرا في  هذين القسمين، و هما الثواب الجزافي و الثواب الاستحقاقيّ، بل  هنا قسم ثالث و هو الثواب الترغيبيّ، و قد جعل حتى يكون الربح  جزميّا، فيرغب المكلّفون في العمل بتمام الأخبار الدالة على  استحباب عمل مّا، فيتحفّظ ضمنا على الأغراض الواقعيّة الموجودة  في ضمن مفاد تلك الأخبار.  

 و التحقيق: أنّ هذا المنهج منهم في البحث كان تبعيدا للمسافة، و  إثبات الأمر المولويّ في المقام لا يحتاج إلى اللفّ و الدوران. و  الصحيح في المقام أن يقال - مقتنصا ممّا مضى -: إنّ   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة528/ الجزء الثالث

 

الاحتمال الرابع من الاحتمالات التي ذكرناها في أوّل البحث منفيّ  بظهور الأخبار في الترغيب و الحثّ على العمل، و هي ظاهرة في  ذلك ظهورا لا يقبل الإنكار، و الاحتمال الأوّل من تلك الاحتمالات  و هو الإرشاد لا يحتاج في مقام نفيه إلى مثل افتراض أنّ قوله:  (فعمله) إخبار بداعي الأمر الظاهر في المولويّة، بل نقول في مقام  نفيه: إنّ الترغيب الصادر من المولى ظاهر في المولويّة كالأمر  الصادر منه، و لا خصوصيّة للأمر في ذلك، فمطلق الحث و الترغيب  الصادر من الشارع ظاهر في كونه صادرا منه بما هو شارع،  سواء أبرز هذا الترغيب بلسان الأمر، أو بلسان آخر، فإنّ كونه  بلسان الأمر لا تتصوّر له خصوصيّة في المقام، و إنّما النكتة في  هذا الظهور أنّ المولى في مقام حثّه و طلبه لشي‏ء يكون الغالب فيه  تقمّصه قميص المولويّة، فينعقد لكلامه ظهور في المولويّة [1]، و  هذه النكتة نسبتها إلى كلا اللسانين على حدّ سواء، و احتمال جعل  الحجّيّة منفيّ بما في ذيل الأخبار من قوله: (و إن كان رسول اللّه  صلى اللّه عليه و آله و سلّم لم يقله) فيبقى في المقام احتمالان:  أحدهما الاستحباب النفسيّ،  

_____________________________________________

 

[1] لا يخفى أنّ الإرشاد حينما يتّصل بأمور الآخرة من الثواب و  العقاب كما في الإرشاد بالأمر بإطاعة اللّه و الرسول ليس خلاف  شأن المولى، أو قل: إنّ ترغيب المولى في مثل هذا المورد بما هو  عاقل ليس شاذّا بالقياس إلى ترغيبه فيه بما هو مولى، فمثل قوله:  (قوا أنفسكم و أهليكم نارا(»« يحتمل بلحاظ الأهل المولويّة، و  يحتمل الإرشاد، و ليس أحدهما أولى من الآخر.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة529/ الجزء الثالث

 

و الآخر الحكم الطريقيّ على مستوى جعل الاحتياط، و مجرّد  ظهور الأخبار في الحثّ و الترغيب لا يعيّن الاستحباب النفسيّ  لملاءمة ذلك مع الحكم الطريقيّ أيضا.

و هنا نتكلّم في مقامين:   

أحدهما في عقد الموازنة بين هذين الاحتمالين، و أنّ أيّا منهما  يعيّن في قبال الآخر أو يكونان متساويين؟ و الآخر في أنّه بناء  على الاستحباب النفسيّ لفرض دلالة الترغيب عليه مثلا فهل  المستحبّ ذات العمل أو العمل بداعي الانقياد و رجاء الموافقة  للواقع؟  

 

 إجمال الدلالة:  

 أمّا المقام الأوّل: فالتحقيق أنّ الحديث مجمل مردّد أمره بين الحكم  الطريقيّ و الاستحباب النفسيّ [1].    

_____________________________________________

 

[1] و الأثر العمليّ بينهما يظهر في مثل ما إذا قلنا بكفاية الأغسال  المستحبّة عن الوضوء و كان الخبر الدالّ على استحباب غسل مّا  ضعيفا، فعلى الاستحباب النفسيّ يجزي عن الوضوء، و على الحكم  الطريقيّ الاحتياطيّ لا يجزي عنه، و ما إذا دلّ خبر ضعيف على  استحباب غسل المسترسل من اللحية في الوضوء و قلنا بكفاية  استحباب ذلك في جواز المسح ببلّته، فيجوز المسح بها على  الاستحباب دون الحكم الطريقيّ الاحتياطيّ، و ما إذا دلّ خبر  ضعيف على استحباب الوضوء لغاية كقراءة القرآن، و لم نقل  باستحباب الوضوء في ذاته، فعلى الاستحباب يرتفع الحدث، و  على الحكم الطريقيّ الاحتياطيّ لا يثبت ارتفاع الحدث.   أمّا الثمرات التي مضت بين القول بجعل الحجّيّة و القول  بالاستحباب   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة530/ الجزء الثالث

 

و يمكن أن يقال في مقام تعيين الثاني في قبال الأوّل إنّه لو كان  ذلك حكما طريقيّا بداعي التحفّظ على الأغراض الواقعيّة الثابتة  في موارد الأخبار الدالّة على استحباب جملة من الأمور لم يكن  وجه لمئونة تقييد العمل في هذه الأخبار بكونه بداعي القربة [1]،  فإنّ هذا القيد ليس له أيّ دخل في المطلب، بل مع عدمه يوجب  التحفّظ على الأغراض الواقعيّة بنحو أشدّ، لأنّ ثبوت الثواب على  العمل على الإطلاق يوجب تحرّك العبد نحوه و لو لم يوجد في  نفسه داع قربيّ بأن أتى بذلك العمل لأجل الثواب صرفا، نظير  عمل الأجير من دون داعي القربة أصلا. نعم، في خصوص  المستحبّات التعبّديّة لا بدّ من قصد القربة. و أمّا في المستحبّات  التوصليّة و هي أكثر المستحبّات فيتحقّق الغرض بالعمل بها و لو  بدون القربة.   و لكنّ هذا الكلام غير صحيح، فإنّ أصل الاستحباب النفسيّ الّذي  بلغ بالخبر الضعيف مثلا لم تكن له محرّكيّة بهذا النحو لما هو  محقّق في الفقه من عدم ترتّب الثواب على المستحبّات و لو كانت  توصّليّة، إلاّ إذا أتى بها بداعي القربة،  

_____________________________________________

 

.......- النفسيّ فلا ترد فيما بين القول بجعل الاحتياط الطريقيّ و القول  بالاستحباب النفسيّ، ما عدا الثمرة الأخيرة لو تمّت في نفسها، و  سيأتي البحث -إن شاء اللّه- عن تماميّتها و عدم تماميّتها.   

 

[1] و هذا التقييد مستفاد من تفريع العمل على داعي الثواب بالفاء،  أو بقوله: (رجاء ذلك الثواب) بناء على كون الثواب في المقام  استحقاقيّا لا يتمّ إلاّ بالقربة.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة531/ الجزء الثالث

 

فالمحرّكيّة المولويّة في نفس تلك المستحبّات الواقعيّة ليست  بأزيد من هذا المقدار. و أمّا المصلحة التكوينيّة المترتّبة على العمل  بذاك المستحب و لو من دون قربة لو كانت مصلحة شخصيّة لا  نوعيّة، فليست محرّكيّتها من المحرّكيّات المولويّة، و من المعلوم  أنّ الحكم الطريقيّ ليس شأنه التحفّظ على الأغراض الواقعيّة  الثابتة في الأحكام النفسيّة بأزيد ممّا تقتضيه نفس تلك الأحكام  من التحفّظ و التحريك، و إنّما شأنه تدارك نقص التحريك  المولويّ الثابت في ذلك الحكم النفسيّ الحاصل بواسطة الشكّ فيه.   

ثمّ لو فرضنا أنّ الثواب في تلك المستحبّات الواقعيّة يترتّب على  العمل و لو من دون قربة، فعندئذ لا وجه لدعوى أنّ الثواب في  أخبار من بلغ مختصّ بفرض القربة فيصبح تقييد العمل في هذه  الأخبار بكونه بداعي القربة أوّل الكلام [1].   

فالمتحصّل من البحث أنّ أخبار البلوغ عندنا باقية على إجمالها  بين الاستحباب النفسيّ و الحكم الطريقيّ، و إنّما الثابت لنا إجمالا  هو أنّ الشارع قد حثّنا على العمل بكلّ ما وصلنا استحبابه، و أنّه  إذا فعلنا ذلك بداعي القربة ثبت نفس الثواب الموعود في ذلك  الخبر و لو فرض غير مطابق للواقع، بل أنّ هنا احتمالا آخر في  معنى أخبار من بلغ غير الاحتمالات الماضية  

_____________________________________________

 

[1] و بكلمة أخرى: لو لم يكن الثواب في مفاد خبر الضعيف  استحقاقيّا فكذلك لا نكتة لحمل الثواب في أخبار من بلغ على  الثواب الاستحقاقيّ   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة532/ الجزء الثالث

 

لو لم يمكن استظهار خلافه بطل أصل دلالة هذه الأخبار على الحثّ  على ما دلّ خبر ضعيف على استحبابه، و ذلك الاحتمال هو أنّها  إنّما تكون بصدد الحثّ على العمل بالمستحبّات الحقيقيّة التي بلغنا  عليها ثواب معيّن بلوغا غير قطعيّ، فتلك الأخبار تقول: إنّ  الثوابات البالغة على بعض المستحبّات حتى لو كان بلوغها غير  مطابق في علم اللّه للواقع يضمنها لكم اللّه (تعالى) بذلك البلوغ، و  عليه فقد فرض في المرتبة السابقة في موضوع هذه الأخبار  استحباب شي‏ء من الأشياء و خيريّته، و هذا هو ظاهر من جملة من  الأخبار، حيث جاء فيها: (من بلغه ثواب على شي‏ء من الخير) [1]،  ففرضت الخيريّة مفروغا عنها، و فرض بلوغ ثواب معيّن على  ذلك الخير، و حيث إنّ ذلك البلوغ ليس قطعيّا فتنقص محرّكيّة  الثواب الموعود في ذلك الخبر البالغ تكون هذه الأخبار بصدد  تكميل محرّكيّته، و إذا ضمّ شخص إلى ذلك دعوى الاطمئنان  بوحدة المراد من تمام تلك الأخبار [2]  

_____________________________________________

 

[1] هذه الأخبار ضعيفة السند، فخبر صفوان ضعيف بعليّ بن  موسى راجع الوسائل ج 1، ب 18 من مقدّمة العبادات ص 59، ح 1.  و خبرا عدّة الداعي و الإقبال الظاهر أنّهما ينظران إلى الخبر  الأوّل، راجع نفس الباب ح 9 8 و لو استقلا عن الخبر الأوّل فلا  سند لهما مضافا إلى إجمالهما أو إجمال أحدهما - أي انّهما أو  أحدهما ليس ظاهرا في فرض الخيريّة في المرتبة السابقة -.   

[2] لا يخفى أنّ الاطمئنان الّذي قد يدّعى في ما سبق لا يمكن دعواه  هنا، لأنّ حساب الاحتمالات بلحاظ اتّحاد الأخبار في القيود و إن  كان يوجب استبعاد   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة533/ الجزء الثالث

 

ثبت بذلك أنّ هذا الاحتمال الأخير هو المقصود من تمام الأخبار  في المقام، و بناء على هذا المعنى يكون التمسّك بأخبار من بلغ  فيما لم يثبت استحبابه في الرتبة السابقة تمسّكا بالعامّ في الشبهة  المصداقيّة لذلك العامّ.   

 

الحصة الانقيادية أو طبيعيّ العمل:   

و أمّا المقام الثاني: فالتحقيق أنّ الاستحباب النفسيّ - لو ثبت - لا  يختصّ بخصوص الحصّة الانقياديّة، و ذلك لما مضى في المناقشة  الرابعة [1] في قرينيّة (الفاء) للاختصاص بالحصّة  - اختلافها في المولويّة و الإرشاد، و كذلك اختلافها في افتراض  حكمين مولويّين، و لكن في المقام يمكن دعوى أنّها جميعا بصدد  الترغيب إلى أمر واحد و هو الإتيان بالخيرات الواقعيّة سواء  كانت معلومة أو كانت محتملة، و هذا الترغيب استوجب في غير ما  ثبتت خيريّته مسبقا الجعل الجديد، فاتّحاد القسم المستبطن  للجعل الجديد و القسم الخاصّ بالخيرات المعلومة في القيود و  الخصوصيّات أمر غير مستبعد.   

_____________________________________________

 

[1] و بالإمكان التمسّك أيضا في المقام بالمناقشة الثالثة من تلك  المناقشات، و لعلّ الأستاذ الشهيد رحمه اللّه إنّما اختار هنا  المناقشة الرابعة دون الثالثة، لأنّ الثالثة تدفع فقط محذور فاء  التفريع، و لا تدفع محذور التقييد في بعض الروايات بكون العمل  برجاء ذاك الثواب في حين أنّ الوجه الرابع يدفع كلا المحذورين.   هذا. و لكن لا يخفى أنّ ما مضى منّا من التعليق على الوجه الثالث و  كذا الرابع لا يدع مجالا في المقام للاستفادة من هذين الوجهين،  فقد مضى منّا في التعليق على   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة534/ الجزء الثالث

 

الانقياديّة من أنّ العمل لم يفرّع في تلك الأخبار على داعي احتمال  الأمر، بل فرّع على داعي ذاك الثواب الموعود، و هو أعمّ من  الحصّة الانقياديّة، نعم داعي الثواب يجرّنا إلى إتيان العمل بقصد  القربة لعلمنا بعدم ترتّب الثواب على العمل غير القربيّ، و حيث  كان مصبّ الحثّ في هذه الأخبار طبيعيّ العمل برجاء الثواب لا  العمل برجاء احتمال الأمر، فلا محالة نستكشف استحباب طبيعيّ  العمل دون خصوص الحصّة الانقياديّة، و قصد القربة و إن كان لا  بدّ منه لترتّب الثواب لكن قصد القربة لا ينحصر في قصد ذلك  الأمر الاحتماليّ الّذي وصلنا بخبر ضعيف مثلا، بل يكون له  مصداق آخر أيضا و هو قصد الأمر الجزميّ الثابت بنفس أخبار  من بلغ، و هنا ليس المفروض إثبات هذا الفرد بشمول إطلاق  الأخبار لغير الحصّة الانقياديّة حتى يأتي ما مضى من أنّ هذا  الإطلاق متوقّف على  - الوجه الرابع أنّ (الفاء) فرّع العمل على البلوغ الأوّل للثواب، و  هذا لا يكون إلاّ في الحصّة الانقياديّة، إلاّ إذا قلنا: إنّه يكفي للتفريع  فرض كون البلوغ موضوعا للمحرّك، و لكن هذا يعني الاستفادة  من نكتة المحقّق الأصفهانيّ رحمه اللّه الواردة في الوجه الثالث و  التي ناقشناها بظهور التفريع في المحرّكيّة المباشرة.  

 فالحقّ أنّ أخبار من بلغ لو حملت على الاستحباب النفسيّ تختصّ  بالحصّة الانقياديّة.   

و الحقّ: أنّ مفاد أخبار ن بلغ مردّد بين الاستحباب النفسيّ  للانقياد الناشئ من ملاك جديد خلقه البلوغ، و الاستحباب  الطريقيّ الّذي لا ملاك له إلاّ الحفاظ على ملاك الواقع و لا يختصّ  بحالة الانقياد.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة535/ الجزء الثالث

 

ثبوت هذا الفرد، فلا يمكن ثبوته بنفس هذا الإطلاق، بل المفروض  أنّ الأمر الجزميّ ثابت بهذه الأخبار بظهورها في الحثّ و  الترغيب مثلا.   هذا تمام الكلام في أصل مفاد أخبار من بلغ.   

 

تنبيهات حول أخبار من بلغ:  

 بقي هنا التنبيه على أمور:  

 

 بلوغ الكراهة:  

 الأمر الأوّل: في نسبة أخبار من بلغ إلى الروايات الواردة في باب  الكراهة، و الكلام في ذلك يقع أوّلا في أنّ أخبار من بلغ هل تشمل  روايات الكراهة، أو تختصّ بمثل أخبار الاستحباب؟ و ثانيا في  أنّه - على فرض شمولها لأخبار الكراهة - هل تثبت بذلك كراهة  الفعل، أو لا يثبت إلاّ مجرّد رجحان الترك؟ و ثالثا في أنّه إذا ورد  خبر دالّ على الاستحباب و خبر آخر دالّ على الكراهة، فما هو أثر  أخبار من بلغ تجاه ذلك، فالكلام يقع في مقامات ثلاثة:   المقام لأوّل: في أصل شمول من بلغ لروايات الكراهة.   

و وجه الإشكال في ذلك ليس هو دعوى أنّ الظاهر منها   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة536/ الجزء الثالث

 

هو النّظر إلى جانب الطلب و الترغيب لا إلى جانب الزجر حتى  يقال في المقام: إنّ هذا الإشكال لا يأتي في أخبار الحثّ و  الترغيب على الترك و استحبابه، أو يقال: إنّ هذا الإشكال يتفرّع  على مسألة أنّ النهي هل يكون مفاده طلب الترك، أو الزجر عن  الفعل، فعلى الأوّل لا يأتي الإشكال، و على الثاني يأتي الإشكال، و  إنّما وجه الإشكال في المقام هو انصراف لفظ العمل و الفعل و  نحو ذلك ممّا يوجد في أخبار من بلغ عن شموله للترك، و من هنا  يظهر ثبوت الإشكال حتى في أخبار استحباب الترك.   و التحقيق في المقام: أنّه على فرض الجمود على المعنى المطابقي  للفظ و إن كان يتأتّى هذا الإشكال، لكنّ الصحيح أنّ خصوصيّة  الفعل تكون ملغيّة عرفا بمناسبات الحكم و الموضوع، و إنّما  المطلوب في هذه الأخبار بحسب ما يفهمه العرف في المقام هو  العمل بما بلغه الإنسان من الثواب و الخير سواء كان فعلا أو تركا،  فالصحيح شمول هذه الأخبار للروايات الواردة في باب الكراهة  خلافا للسيّد الأستاذ.   

المقام الثاني: في أنّ هذه الأخبار هل تثبت في موارد بلوغ  الكراهة مجرّد رجحان الترك، أو تثبت كراهة الفعل؟ التحقيق: هو  الأوّل، سواء فرض أنّ مفاد هذه الأخبار هو جعل الحجّيّة، أو فرض  أنّ مفادها الاستحباب النفسيّ.   أمّا على الفرض الأوّل فلأنّها إنّما تنظر إلى جعل   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة537/ الجزء الثالث

 

الحجّيّة بمقدار بلوغ الثواب و ثبوت الخير لا أزيد من ذلك، فلا  تثبت كراهة الفعل، و إنّما تثبت رجحان الترك الجامع بين  استحباب الترك و كون الترك نقيضا للفعل المكروه، أو قل:   الجامع بين الرجحان الذاتيّ و هو الاستحباب و الرجحان العرضيّ  بلحاظ كونه نقيضا للمكروه [1].   و أمّا على الفرض الثاني فالامر أوضح، فإنّ المفروض أنّ أخبار  من بلغ تثبت الاستحباب، و فرض إثباتها للاستحباب في موارد  أخبار المستحبات و الكراهة في موارد أخبار المكروهات خلاف  الظاهر، فإنّها ظاهرة في جعل سنخ واحد من الحكم في تمام  الموارد [2].   المقام الثالث: في أنّه إذا دلّ خبر على استحباب شي‏ء و خبر آخر  على كراهته، فما هو مفاد أخبار من بلغ بالنسبة لهذا المورد؟ ذكر  السيّد الأستاذ: أنّه بناء على القول باختصاص أخبار  

_____________________________________________

 

[1] الفرق بين الأمر بالترك إيجابا و استحبابا و النهي عن الفعل  حرمة أو كراهة حينما لا يكون مجرّد تفنّن في التعبير هو أنّ الفعل  قد يكون هو المقتضي لمفسدة مّا فيصبح مبغوضا على مستوى  الحرمة أو الكراهة، و قد يكون مانعا عن حصول مصلحة مّا فيكون  الترك عندئذ محبوبا لكونه مقدّمة لحصول المصلحة على حدّ  مقدّميّة عدم المانع للمعلول، و ليس الفعل مبغوضا إلاّ بنحو  مبغوضيّة نقيض المطلوب.   

[2] و المفروض أنّها ظاهرة في الحثّ و الترغيب المنصرف إلى  الاستحباب.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة538/ الجزء الثالث

 

من بلغ بروايات الاستحباب يكون الثابت هنا استحباب العمل  بعنوان البلوغ، و ليس هناك أيّ معارض أو مزاحم لذلك، لأنّ  المفروض أنّ أخبار من بلغ لم تشمل تلك الرواية الضعيفة الدالّة  على الكراهة. و أمّا بناء على القول بعدم اختصاص أخبار من بلغ  بروايات طلب الفعل فعندئذ قد يقال: لا مانع من شمولها لكلتا  الروايتين، فيثبت استحباب كلّ من الفعل و الترك، إلاّ أنّهما  يتزاحمان و لا ضير في ذلك، إذ ما أكثر المستحبّات المتزاحمة.   

لكنّ الصحيح هو التفصيل بين ما لو كان الخبران الضعيفان دالّين  على الحكم التوصّليّ و ما لو كان أحدهما - على الأقلّ - دالاّ على  الاستحباب التعبدي، ففي الأوّل يقع التعارض لا محالة بين دلالتي  أخبار من بلغ، إذ لا يعقل جعل الاستحباب للفعل و للترك معا، لأنّه  تلزم من ذلك اللغويّة، إذ يستحيل أن يتفاوت حال العبد بعد الأمر  عنه قبل الأمر، فإنّه - على أيّ حال - لا يقدر على الجمع بين الفعل  و الترك، و صدور أحدهما منه ضروريّ، فيقع التنافي بين  الجعلين، و ذلك يوجب التعارض في عالم الإثبات و الدلالة. نعم،  إذا كان أحدهما - على الأقلّ - تعبّديّا لم يكن بينهما تعارض، إذ  الفعل القربيّ مثلا مع الترك ضدّان لهما ثالث، فيختلف حال العبد  بعد الأمر عنه قبله، إذ يمكنه ترك كليهما و اختيار الثالث، فالأمر  يحرّكه نحو الجامع بينهما. هذا ما أفاده السيّد الأستاذ في المقام»«.   و يرد عليه

أولا: منع شمول أخبار من بلغ للرواية الدالّة   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة539/ الجزء الثالث

 

على الاستحباب المعارضة بالرواية الدالّة على الكراهة حتى بناء  على اختصاصها بروايات الاستحباب، فإنّ تلك الأخبار لا تشمل  مثل هذه الرواية لا لمانع و هو التعارض حتى يقال: إنّه على هذا  المبنى لا يوجد تعارض في المقام، بل لعدم المقتضي للشمول في  نفسه، و السرّ في ذلك أنّ المفروض في موضوع أخبار من بلغ -  كما يدلّ عليه فاء التفريع - كون العمل متفرّعا على داعي الثواب  الموعود في تلك الرواية، فتختصّ أخبار من بلغ - بحسب الفهم  العرفي - بفرض معقوليّة تفرّع العمل على داعي الثواب في الرتبة  السابقة على هذه الأخبار، و حيث إنّ الثواب إنّما يترتّب على العمل  القربيّ، فلا بدّ من فرض إمكان التقرّب بالعمل في المرتبة السابقة  عليها و التقرّب إلى المولى بالفعل لا يعقل في ما لو كانت نسبة  المولى إلى الفعل و الترك على حدّ سواء، و حيث إنّه قد ورد الخبر  على كلّ من استحباب الفعل و الترك، و يحتمل الصدق في كلّ  منهما، فنسبة المولى إليهما على حدّ سواء، فلا معنى للتقرّب إليه  بالفعل [1]. نعم،  

_____________________________________________

 

[1] قد يقال: إنّ هذا الكلام ينافي فرض دلالة أخبار من بلغ على  الاستحباب الّذي هو مفروض السيّد الخوئيّ على ما تقدّم من  أستاذنا رحمه اللّه من أنّ أخبار من بلغ بعد تسليم دلالتها على  الاستحباب تشمل من عمل بداعي التقرّب بهذا الأمر الجديد، و لا  تختصّ بمن عمل بداعي الانقياد، إذ بناء على هذا لا مبرّر  لتخصيص مورد هذه الأخبار بفرض إمكانيّة الداعي القربيّ في  الرتبة السابقة على أخبار من بلغ.   و قد ورد في تقرير السيّد الهاشميّ (حفظه اللّه) جواب على ذلك،  و هو أنّ   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة540/ الجزء الثالث

 

 

_____________________________________________

 

..........  - أخبار من بلغ و إن كانت تشمل بالإطلاق فرض داعويّة نفس  هذا الأمر الاستحبابيّ، و لكنّ ظهورها في تتميم محرّكيّة ما بلغ  يوجب اختصاصها بفرض إمكان التحرّك ممّا بلغ في الرتبة  السابقة على هذه الأخبار.   أقول: إنّ فرض ظهور هذه الأخبار في تتميم محرّكيّة ما بلغ  يناسب فرض دلالة هذه الأخبار على الحجّيّة أو الأمر الطريقيّ  بالاحتياط، و لا يناسب فرض دلالتها على الاستحباب النفسيّ  الّذي مضى من أستاذنا مبنيّا عليه دعوى الإطلاق لمن عمل بداعي  الأمر الجديد فان مفاد هذه الروايات لو كان استحبابا نفسيا  موضوعه البلوغ فلا نكتة لاستظهار كونها بصدد تتميم محرّكيّة  ما بلغ. نعم لو فرض ان هذه الروايات جعلت الاستحباب النفسيّ  لعنوان الاحتياط و الانقياد، فهذا أيضا يكون متمّما لمحرّكيّة  البلوغ، لكنّ هذا خلف فرض شمول إطلاق هذه الرواية لمن  تحرّك بداعي الأمر الجديد فحسب و دون داعي الانقياد. و الحقّ  ما مضى من اختصاص أخبار من بلغ بناء على إرادة الاستحباب  بالحصّة الانقياديّة، و تلك لا تتصور لدى تعارض خبر الاستحباب  بخبر الكراهة من دون ترجيح احتماليّ أو محتمليّ.   نعم، بناء على كون مفاد أخبار من بلغ الحجّيّة لا يكون مفادها  مختصّا بالحصّة الانقياديّة، فتشمل الخبر الضعيف الدالّ على  الاستحباب و لو كان معارضا بخبر دالّ على الكراهة أو الحرمة، و  لو كان المعارض صحيحا سندا فأخبار من بلغ تجعل الضعيف  صحيحا، و يقع طرفا للمعارضة مع الخبر الصحيح.   أمّا لو كان مفادها حكما طريقيّا على مستوى الاحتياط، فلا تشمل  الخبر الضعيف المعارض بخبر صحيح دالّ على الحرمة، إذ لا معنى  للاحتياط في هذا الفرض، بل و لا تشمل المعارض بما دلّ على  الكراهة، أو بخبر ضعيف دلّ على الحرمة ما لم يوجد ترجيح  احتمالي أو محتمليّ لطرف الاستحباب، لأنّ الحكم الطريقيّ  باستحباب الاحتياط ينصرف إلى فرض إمكانية الاحتياط في  الرتبة السابقة   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة541/ الجزء الثالث

 

نستثني من ذلك فرض أقوائيّة أحد الجانبين من الآخر احتمالا أو  محتملا. فيعقل التقرّب في ذلك الجانب. و أمّا بحسب ما هو طبع  القضيّة و الحالة الاعتياديّة في المقام فلا يعقل التقرّب، و عندئذ لا  يعقل التفرّع على داعي الثواب، فيخرج ذلك عن موضوع هذه  الأخبار.   

و ثانيا: أنّا لو سلّمنا شمول الأخبار لرواية الاستحباب بقطع  النّظر عن ناحية التعارض فما ذكره من التفصيل بناء على شمولها  لرواية الكراهة - لو تمّ - فإنّما يجب أن يكون مركز هذا التفصيل  الاستحباب المستفاد من أخبار من بلغ، لا الاستحباب المستفاد من  تلك الرواية الضعيفة، فإنّ المفروض المختار له [1] أنّ أخبار من  بلغ لم تجعل تلك الرواية حجّة حتى يثبت الاستحباب المستفاد من  تلك الرواية، و إنّما جعلت استحبابا نفسيا على عنوان البلوغ،  فيجب أن يرى أنّ هذا الاستحباب المستفاد من أخبار من بلغ هل  هو تعبّديّ فلا يحصل التعارض أو التزاحم لوجود الضّد الثالث، أو  توصليّ فيحصل التعارض أو التزاحم لعدمه، و حيث إنّ المستفاد  من أخبار من بلغ، أو القدر المتيقّن منه هو التعبّديّة، إذ قد أخذ في  موضوعها فرض  - على ذلك، فكأنّ احتياطا مفروغا عن إمكانه حكم عليه  بالاستحباب، في حين أنّه لا يمكن الاحتياط في المرتبة السابقة في  المقام مع عدم مرجّح احتماليّ أو محتمليّ   

_____________________________________________

 

[1] هذا هو مختار السيّد الخوئيّ رحمه اللّه حسب ما ورد في  الدراسات ج 3، ص 189، و لكنّ مختاره في المصباح ج 1، ص 319  هو الإرشاد.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة542/ الجزء الثالث

 

التفرع على داعي الثواب الّذي لا يكون إلاّ في فرض القربة [1]، فلا  بدّ أن يقول السيّد الأستاذ - حسب مذاقه - بالتزاحم في تمام  الموارد لوجود الضدّ الثالث، لا بالتزاحم في بعض الموارد و  التعارض في بعض آخر، و كأنّه غفل عن استفادة التعبّديّة، أو  كونها قدرا متيقّنا من نفس أخبار من بلغ، و تخيّل أنّها تجعل  متعلّق تلك الرواية الضعيفة مستحبّا بعنوان البلوغ، ففصل بين  فرض كون مفاد تلك الرواية الاستحباب التعبّديّ، و فرض كون  مفادها الاستحباب التوصليّ.   

و ثالثا: أنّ أصل التفصيل الّذي ذكره في غير محلّه، فإنّه إذا فرض  أحدهما تعبّديّا و الآخر توصّليّا وقع أيضا التعارض بينهما، لا أنّه  يتحقّق مستحبّان متزاحمان من قبيل مزاحمة زيارة أحد الإمامين  لزيارة الإمام الآخر مع استحباب كلّ من الزيارتين، و ذلك لأنّه  إمّا أن يفرض أن هذين المستحبّين المتزاحمين مستحبّان بنحو  الترتّب، أو يفرض أنّهما مستحبّان بنحو الإطلاق، أو يفرض أنّهما  فردان لمستحبّ واحد بأن يكون المستحبّ هو الجامع بينهما.   فإن فرض الترتّب قلنا: إنّ هذا إنّما يعقل في سائر الموارد التي  تكون كزيارة الإمامين، فيعقل استحباب زيارة كلّ من الإمامين  في فرض عدم زيارة الآخر. أمّا في ما نحن فيه فلا  

_____________________________________________

 

[1] بعد فرض كون الثواب استحقاقيّا، و إلاّ لانسدّ باب استظهار  الاستحباب.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة543/ الجزء الثالث

 

يعقل أن يكون مثلا الترك مستحبّا و الفعل مستحبّا قربيّا على  نحو الترتّب، فإنّ معنى ذلك أنّ الفعل مستحبّ قربيّ في فرض  عدم الترك، و فرض عدم الترك مساوق لفرض الفعل، في حين  أنّه إذا فرض الفعل في المرتبة السابقة على الإتيان به قربيّا  استحال تعلّق داعي القربة به، إذ هو في هذا التقدير ضروريّ  الوجود بالفرض. نعم، لو كان كلّ من الفعل و الترك قربيّا لم يأت  هذا الإشكال، لأنّ فرض عدم الترك القربيّ ليس مساوقا لفرض  الفعل.   

و إن فرض أنّ كلاّ منهما مستحبّ حتى على تقدير الآخر بأن يقال:  إنّ الترتّب إنّما التزمنا به في الواجبات المتزاحمة دفعا لمحذور  التكليف بغير المقدور، و إحراج المكلّف. و أمّا في المستحبّات  المتزاحمة فلا إحراج في البين، لجواز الترك، فنلتزم بإطلاق  استحبابها و ثبوت استحباب كلّ منهما على تقدير الإتيان بالآخر،  قلنا: إنّ الإطلاق في باب المستحبّات المتزاحمة غير معقول بلا  فرق بين كونها توصّليّة أو تعبّديّة أو مختلفة، بل لا بدّ من الترتّب،  فإنّ إطلاق الأمر بشي‏ء لفرض اشتغال المكلّف بضدّ ذلك الشي‏ء  مساوق لتحريك المكلّف و صرفه عن ذاك الضدّ إلى هذا العمل  المأمور به، فإذا فرض ذاك الضدّ أيضا مأمورا به و مستحبّا لا  يكون أضعف من المستحبّ الأوّل لم يعقل هذا الإطلاق في  المستحبّ الأوّل، لأنّ صرف المكلّف عن ذاك الضدّ إلى هذا بلا  موجب، لأنّ المفروض أنّه لا يقلّ عن هذا العمل من حيث المحبوبيّة،  فلا يعقل انقداح الإرادة الإطلاقيّة في نفس المولى. هذا في مطلق  المستحبّات المتزاحمة.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة544/ الجزء الثالث

 

أضف إلى ما ذكرناه شيئا في خصوص ما نحن فيه، و هو أنّ  التحريك المولويّ مع فرض استحباب الفعل و الترك غير معقول،  سواء فرض كلاهما توصّليّين أو فرض أحدهما أو كلاهما قربيّا، و  سواء فرض استحبابهما بنحو الإطلاق أو بنحو الترتّب، و ذلك  لأنّه و إن كان بفرض القربيّة يتعقّل الضدّ الثالث لكنّ الداعي  القربيّ يحرّك نحو ذات الفعل أو الترك، و تحريكه نحو أحدهما  بالخصوص فرع أن لا تكون نسبة المولى إليهما على حدّ سواء، و  المفروض هنا أنّ نسبة المولى إليهما على حدّ سواء، و تحريكه  نحو الجامع بينهما غير معقول لضروريّة الجامع، و هذا بخلاف  غير ما نحن فيه من سائر المستحبات المتزاحمة، فإنّه هناك يعقل  التحريك نحو الجامع، إذ من الممكن ترك الجامع.   و إن فرض أنّ المستحبّ هو الجامع فهذا أيضا غير صحيح، فإنّه  يرد عليه:   

1 - إنّ مقتضى أخبار من بلغ ليس هو استحباب الجامع، بل  استحباب الفرد بالخصوص، و هذا سنخ ما يقال في الواجبين  المتزاحمين من أنّ إرجاعهما إلى الواجبين المشروطين يكون على  القاعدة، لكنّ إرجاعهما إلى الواجب التخييريّ بأن يكون الواجب  هو الجامع على خلاف القاعدة.   

2 - إنّ استحباب الجامع في نفسه غير معقول، و لو فرضت  القربيّة في أحد الجانبين أو كليهما فإنّ داعي القربة لا يمكنه   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة545/ الجزء الثالث

 

التحريك نحو الجامع، لضروريّة الجامع بين الفعل و الترك، و لا  نحو الفرد بخصوصيّته الفرديّة، لخروج الخصوصيّة الفرديّة عن  تحت الأمر حسب الفرض.   

و رابعا: أنّه مع غضّ النّظر عن كلّ ما مضى لا يتمّ كلامه فيما لو دلّ  خبر على الاستحباب و دلّ الخبر الآخر على كراهة الفعل لا على  استحباب الترك، و قلنا: إنّ أخبار من بلغ بشمولها لروايات  الكراهة تثبت الكراهة لا مجرّد رجحان الترك، و ذلك للزوم  وحدة مركز الحبّ و الكراهة، و لا تنثلم وحدة المركز بأخذ قصد  القربة.

 

  البلوغ المعلوم الكذب:  

 الأمر الثاني: ذكر السيّد الأستاذ - كما لعلّه المشهور أيضا -: أنّ  أخبار من بلغ لا تشمل الخبر المعلوم الكذب، و ذكر في وجه ذلك  دعوى الانصراف، و ذكر أيضا: أنّه يخرج منها الخبر الضعيف  المحتمل الصدق المبتلى بالمعارضة لخبر صحيح دالّ على عدم  الاستحباب، لأنّ ذلك الخبر الصحيح يجعلنا عالمين تعبّدا بالكذب،  فيخرج المورد عن تحت أخبار من بلغ بالحكومة، إذ المفروض أنّه  أخذ في موضوعها عدم العلم بالكذب، و ذكر أيضا: أنّ هذه  الأخبار منصرفة عن مورد دلّ الخبر الصحيح فيه على الحرمة، ثمّ  أرجع هذا الانصراف إلى الانصراف الأوّل ببيان أنّه لمّا كان هذا  الخبر الصحيح الدالّ على   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة546/ الجزء الثالث

 

الحرمة يدلّ بالملازمة على عدم الاستحباب و كذب الخبر  الضعيف فقد أصبحنا عالمين تعبّدا بكذبه، فخرج المورد عن تحت  أخبار من بلغ بالحكومة.   

أقول: إنّ خروج الخبر المقطوع الكذب عن تحت أخبار من بلغ  ممّا لا محيص عنه، و ذلك لأنّه و إن كان دخوله فيها ممكنا ثبوتا،  إذ المفروض عند السيّد الأستاذ أنّ هذه الأخبار تدلّ على  الاستحباب النفسيّ لا على جعل الحجّيّة حتى يقال:   إنّه لا يعقل جعل الحجّيّة مع القطع بالكذب، و من المعلوم معقوليّة  جعل الاستحباب بعنوان البلوغ و لو كذبا، لكنّه - مع هذا - خارج  عن مفاد تلك الأخبار إثباتا، و ذلك بنكتة ما مضى من أنّ  المستفاد عرفا منها إمكان التفرّع على الثواب في المرتبة السابقة  على تلك الأخبار، حيث أخذ في موضوعها تفريع العمل على ذلك  الثواب، و من المعلوم أنّ هذا التفريع غير معقول مع القطع  بالكذب، و منه يظهر أيضا خروج المورد الّذي دلّ فيه خبر صحيح  على الحرمة، إذ عند ذلك يتنجّز الترك على العبد و يصبح بالفعل  مستحقّا للعقاب، فكيف يعقل تفريعه على الثواب؟ أمّا في مورد  معارضة الخبر الضعيف لخبر صحيح دالّ على عدم الاستحباب  فليس الخبر الضعيف خارجا عن مدلول تلك الأخبار، لمعقوليّة  التفرّع هناك ما دام احتمال الصدق موجودا تكوينا. و دعوى  الحكومة لإفادة الخبر الصحيح العلم تعبّدا بعدم الاستحباب في  غير محلّها حتى بناء على قيام الأمارة مقام العلم الموضوعيّ، و  ذلك لأنّه لم يؤخذ في موضوع   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة547/ الجزء الثالث

 

تلك الأخبار عدم العلم بعنوانه، كما في (رفع ما لا يعلمون) و (كلّ  شي‏ء لك حلال حتى تعلم أنّه حرام) كي يلتزم بالحكومة من هذه  الجهة مثلا، و إنّما المأخوذ فيها إمكان تفرّع العمل على الثواب، و  خروج مورد العلم بالكذب إنّما يكون لعدم إمكان التفرّع فيه، و  في مورد المعارضة للخبر الصحيح الدالّ على عدم الاستحباب  يكون التفرّع ممكنا، و بكلمة أخرى: أنّ إمكان التفرّع لازم  تكوينيّ للشكّ التكوينيّ، و العلم التعبّديّ لا يرفع اللوازم التكوينيّة  للشكّ.   

 

هل يكفي البلوغ للفقيه؟   

الأمر الثالث: إذا وصل الفقيه خبر ضعيف دالّ على الاستحباب فهل  يجوز له الإفتاء بالاستحباب للعاميّ الّذي لم يصله ذلك أو لا؟ ذكر  المحقّق العراقيّ»« رحمه اللّه: أنّ ذلك متفرّع على ما هو المختار  فيما هو مفاد هذه الأخبار، فإن كان المختار فيها جعل الحجّيّة  جاز له ذلك، لأنّه و إن اختصّ البلوغ بهذا الشخص فصار حجّة  لهذا الشخص، لكنّ مفاد ذلك الخبر البالغ الّذي صار حجّة هو  الاستحباب للكلّ، و إن كان المختار فيها   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة548/ الجزء الثالث

 

جعل الاستحباب النفسيّ بعنوان البلوغ لم يجز له ذلك، لأنّ  موضوع هذا الاستحباب هو البلوغ، و هذا الموضوع إنّما تحقّق  بشأن هذا الشخص دون ذاك.   

أقول: أمّا الشقّ الأوّل من كلامه و هو أنّه على تقدير الحجّيّة يجوز  الإفتاء بالاستحباب للجميع، فيرد عليه: أنّه على تقدير اختصاص  الحجّيّة بمن بلغه هذا الخبر - حسب ما اعترف رحمه اللّه به -  يكون جواز الإفتاء بالاستحباب للجميع مع عدم علمه وجدانا  بالاستحباب للجميع مبنيّا على القول بقيام الأمارة مقام القطع  الموضوعيّ، و نحن و إن كنّا نقول في ما يكون دليل حجّيّته سيرة  العقلاء، أو مثل قوله: (يونس بن عبد الرحمن ثقة آخذ عنه معالم  ديني) بقيامه مقام القطع الموضوعيّ في خصوص حكم الإفتاء و  الإسناد إلى الشارع، لكن لا نقول بذلك فيما نحن فيه، إذ مجرّد  دليل الحجّيّة لا يدلّ عندنا على القيام مقام العلم الموضوعيّ، و إنّما  يجب أن يستفاد ذلك بمئونة زائدة، كشمول السيرة لذلك، أو  دلالة الأخذ على ذلك، و هذا منتف فيما نحن فيه.   و بعد تسليم قيام الأمارة بدليل حجّيّتها مقام القطع الموضوعيّ  نقول: إنّه يمكن الإيراد عليه -قدّس سرّه- بأنّه و إن كان مفاد  الخبر البالغ هو الاستحباب للجميع، لكنّه بحسب مقام الثبوت كما  يعقل جعل الحجّيّة لتمام مفاد هذا الخبر كذلك يعقل جعل الحجّيّة  لقطعة من مفاده، و هي الاستحباب لهذا الشخص الّذي بلغه هذا  الخبر، و إذا كان كلا الأمرين معقولا بحسب عالم الثبوت قلنا: إنّ  المتيقّن بحسب عالم الإثبات هو   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة549/ الجزء الثالث

 

الثاني، لأنّ الحجّيّة هنا إنّما استكشفناها بلسان الترغيب في  العمل، و الترغيب الموجود في هذه الأخبار - كما ترى - مختصّ  بعمل من بلغه دون عمل الجميع.   لكنّ الإنصاف أنّه بعد تسليم أصل مبنى قيام الأمارة مقام القطع  الموضوعيّ يكون الصحيح ما ذكره رحمه اللّه من صحّة الإفتاء  بالاستحباب للجميع، و ذلك لأنّ المرتكز في نظر العقلاء في باب  جعل الحجج هو فرض عدم التقطيع في المفاد بحسب الأفراد، و  أدلّة جعل الحجج تنصرف - لا محالة - إلى ما يلائم المرتكزات  العقلائيّة في باب الحجج، فتلغى عرفا خصوصيّة هذا الفرد، و يصحّ  بذلك الإفتاء بالاستحباب للجميع.   

و التحقيق في المقام: منع اختصاص الحجّيّة المجعولة في هذه  الأخبار بخصوص من بلغه الخبر الضعيف، بل تشمل حتى من لم  يبلغه، و السرّ في ذلك أنّ البلوغ في دليل الحجّيّة لم يؤخذ بحسب  المتفاهم العرفي موضوعا، و إنّما أخذ طريقيّا، فدليل حجّيّة الخبر  البالغ يدلّ على حجّيّة أصل ذلك الخبر للجميع، و إنّما البلوغ  المأخوذ في الكلام في الحقيقة بلوغ للحجّة.   و أمّا الشقّ الثاني من كلامه فالإنصاف أنّه إشكال صحيح وارد  على المشهور - على ما نسب إليهم من استفادة الاستحباب النفسيّ  من هذه الأخبار -، حيث يفتون بالاستحباب مطلقا بقاعدة  التسامح في أدلّة السنن.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة550/ الجزء الثالث

 

و إن كان دفع السيّد الأستاذ - على ما أتذكّر [1] - هذا الإشكال  بأنّ هذا الإفتاء لا بأس به، إذا إنّ أيّ شخص وصله هذا الإفتاء صار  الإفتاء صدقا بالنسبة له لحصول البلوغ بنفس وصول هذا الإفتاء  إليه، و أيّ شخص لم يصله هذا الإفتاء لا يهمّ أمر هذا الإفتاء  بالنسبة لذاك الشخص.   

أقول: يرد عليه أولا: أنّه يتحقّق محذور الكذب بالنسبة لوصول  هذا الإفتاء إلى بعض الأشخاص و إن كان الكذب بلحاظ أشخاص  آخرين، فإنّ من وصله هذا الإفتاء قد أخبر بالاستحباب حتى  بالنسبة لمن لم يصله.   

و ثانيا: انّه لو فرض أنّ المحذور ليس هو محذور الكذب، و  ينحصر المحذور في محذور الإغراء بالجهل، فأيضا لا يصحّ هذا  الكلام، و توضيح ذلك: أنّ في المقام استحبابين: أحدهما استحباب  ثابت، و هو الاستحباب الّذي دلّت عليه أخبار من بلغ، و الآخر  استحباب محتمل، و هو الاستحباب الّذي دلّ عليه ذاك الخبر  الضعيف، و بلوغ هذا الاستحباب موضوع لذاك الاستحباب، و  يستحيل أن يكون بلوغ استحباب موضوعا لنفس ذاك  الاستحباب على حدّ استحالة أخذ العلم بالحكم في موضوع شخص  ذلك الحكم.   

و عندئذ نقول: إنّ المفتي بالاستحباب إن فرض أنّه أفتى  

_____________________________________________

 

[1] لم أجد ذلك في الدراسات و لا في المصباح و لعلّ أستاذنا  الشهيد رحمه اللّه يذكر ذلك مباشرة عن أستاذه.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة551/ الجزء الثالث

 

بالاستحباب تعليقا و بنحو القضيّة الشرطيّة، أيّ أنّه قال: (من بلغه  استحباب هذا العمل صار هذا العمل مستحبّا له) فهذه القضيّة  الشرطيّة لا تحقّق شرطها إلاّ إذا فرض أنّه عرف من حال الفقيه انّه  يكون مبناه في التكلّم على هذا النحو - أي أنّه يتكلّم بمثل هذه  القضيّة الشرطيّة و يقصد بذلك الإخبار بموضوع الشرط - و لا  كلام لنا بشأن هذا الشخص، و إن فرض أنّه أفتى بالاستحباب  الفعليّ قلنا: إنّ هذا الإفتاء إن كان إفتاء بالاستحباب الّذي دلّ  عليه الخبر الضعيف، فالمفروض عدم دلالة أخبار من بلغ على  حجّيّة ذلك الخبر الضعيف، فكيف يفتي بلا حجّة؟ و إن كان إفتاء  بالاستحباب الّذي جعل على موضوع البلوغ في أخبار من بلغ،  قلنا: إنّه ما هو المقصود بقولكم: إنّ هذا الإفتاء يوجب بلوغ  الاستحباب إلى العاميّ حتى تترتّب على هذا البلوغ صحّة هذا  الإفتاء و يتحقّق الاستحباب بشأنه؟ هل المقصود بذلك حصول  بلوغ هذا الاستحباب، أو حصول بلوغ الاستحباب الّذي دلّ عليه  الخبر الضعيف؟ إن قصد الأوّل ورد عليه ما ذكرناه من أنّ بلوغ  الاستحباب يستحيل أخذه في موضوع ذاك الاستحباب، و إن  قصد الثاني بدعوى أنّ هذا الإفتاء يدلّ بالالتزام على ورود خبر  بالاستحباب، لأنّ العاميّ بحسن ظنّه بالفقيه يعرف أنّه لو لا ورود  خبر بالاستحباب لما أفتى بالاستحباب، ورد عليه: أنّ العوام كيف  يعرفون أنّ مدرك هذا الإفتاء هو الخبر لا شي‏ء آخر، كالشهرة  الفتوائيّة، أو مطلق الظنّ   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة552/ الجزء الثالث

 

مثلا، فهل هم مطّلعون على مباني هذا الفقيه، و يرون انّه لا يقول  بحجّيّة الشهرة و الظنّ مثلا، أو يعلمون بعدم وجود الشهرة و  الظنّ في المقام مثلا فينتقلون من ذلك إلى أنّ مدرك هذا الفقيه  كان خبرا من الأخبار؟ هذا تمام الكلام في مبحث أخبار من بلغ، و  قد بقي بعض أمور جزئيّة في هذا المبحث يظهر حالها بالتأمّل في  ما ذكرناه.

 

  البراءة في الشبهات الموضوعيّة:  

 التنبيه الثالث:   في البراءة في الشبهات الموضوعيّة.   إنّ جريان البراءة في الشبهات الموضوعيّة محلّ الوفاق تحقيقا أو  تقريبا بين القائلين بالبراءة في الشبهات الحكميّة و المنكرين لها،  و لكنّ هنا بحثين:   

أحدهما: أنّه هل يجري في مورد الشبهات الموضوعيّة تمام أقسام  البراءة الجارية في الشبهات الحكميّة أو لا؟ و الآخر: أنّه بعد الفراغ  عن جريان البراءة في الشبهات الموضوعيّة لدى الشكّ في  التكليف و عدمه لدى الشكّ في المكلّف به يتكلّم عن بعض  الصغريات المشتبهة، و بيان الضابط في التمييز بين القسمين.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة553/ الجزء الثالث

 

أقسام البراءة في الموضوعات:  

 أمّا البحث الأوّل: فبالنسبة للبراءة الشرعيّة لا إشكال في شمول  إطلاق بعض أدلّتها للشبهات الموضوعيّة كحديث الرفع، حيث  عرفت فيما مضى أنّ المأخوذ فيه سنخ جامع ينطبق على كلّ شي‏ء  من الشبهات الحكميّة و الموضوعيّة، كقوله (تعالى) لا يكلّف اللّه  نفسا إلاّ ما آتاها و إن كان بعض أدلّتها لا يشمل الشبهات  الموضوعيّة كقوله (تعالى): ما كان اللّه ليضلّ قوما... على ما مرّ  بيانه فيما سبق.   و ممّا يدلّ على البراءة في الشبهات الموضوعيّة بالخصوص، أو  بشمول إطلاقه لها حديث: (كلّ شي‏ء فيه حلال و حرام فهو لك  حلال).   و هنا إشكال في الاستدلال بهذا الحديث على البراءة مبنيّ على  دعوى اختصاص مفاده بموارد العلم الإجماليّ بقرينة قوله: (فيه  حلال و حرام) و قوله: (حتى تعرف الحرام بعينه) و ذلك الإشكال  هو أنّه و إن كان عندئذ يدلّ بالأولويّة على البراءة في مورد  الشكّ البدوي، إذ في مورد العلم الإجماليّ يوجد الشكّ بالإضافة  إلى العلم، و لا نحتمل أنّ وجود العلم له دخل في تحقّق البراءة  فيدلّ الحديث بالأولويّة، أو المساواة على البراءة في الشبهات  البدويّة، إلاّ أنّه بناء على المشهور من عدم معقوليّة جريان البراءة  في أطراف العلم الإجماليّ تسقط   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة554/ الجزء الثالث

 

الدلالة المطابقيّة للحديث عن الحجّيّة، و لا بدّ من توجيهها، و تسقط  الدلالة الالتزاميّة أيضا عن الحجّيّة بتبع الدلالة المطابقيّة.   

و نحن لا نريد هنا التكلّم في أنّه هل يكون هذا الحديث واردا في  خصوص موارد العلم الإجماليّ، أو لا؟ و لا في أنّه هل يعقل جريان  البراءة في أطراف العلم الإجماليّ، أو لا؟ فإنّ هذين البحثين  سنبحثهما (إن شاء اللّه تعالى) في مبحث العلم الإجماليّ، بل  المقصود هنا بعد تسليم كون هذا الحديث واردا في خصوص  موارد العلم الإجماليّ، و أنّه لا يعقل جريان البراءة في أطراف العلم  الإجماليّ هو توضيح أنّ هذا الإشكال في غير محلّه، و ذلك لأنّه  سوف يأتي (إن شاء اللّه تعالى) أنّ تنجيز العلم الإجمالي مشروط  بكون الشبهة محصورة و بغير ذلك من الشروط، فنقول: إن سلّم  اختصاص هذا الحديث بموارد العلم الإجماليّ لا نسلّم اختصاص  بفرض كون الشبهة محصورة، و غير ذلك من الشروط، فيخرج  من إطلاقه بحكم العقل فرض كون الشبهة محصورة مع اجتماع  سائر شروط التنجيز و يبقى الباقي تحت الإطلاق، و تثبت  بالملازمة البراءة في موارد الشبهات البدويّة.   

و أمّا البراءة العقليّة فنحن قد أنكرناها من أساسها فلا تصل النوبة  إلى البحث عن جريان البراءة العقليّة في الشبهات الموضوعيّة و  عدمه، إلاّ أنّ الذين ادعوا حكم العقل بالبداهة بقبح العقاب بلا بيان  اختلفوا في الشبهات الموضوعيّة، و كأنّ   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة555/ الجزء الثالث

 

البداهة لم تكن في حدود هذا الحكم، فادّعى بعضهم عدم جريان  هذه القاعدة في الشبهات الموضوعيّة لتماميّة البيان من قبل  المولى، إذ المفروض من قبل المولى إنّما هو بيان الكبرى، و أمّا  بيان أنّ هذا خمر مثلا، أو خلّ، فليس من شأن المولى، و ذهب  الأكثر إلى جريان البراءة في الشبهات الموضوعيّة، و لهم في دفع  كلام أولئك الأوّلين مسلكان:   

أحدهما: ما ذكره بعضهم من الكلام في معنى لفظ (البيان) من أنّ  البيان معناه الإظهار، و ظهور الشي‏ء إنّما يكون بظهور كبراه و  صغراه معا، و في الشبهات الموضوعيّة لم تظهر الصغرى و إن  ظهرت الكبرى، فلم يتمّ بيان النتيجة، فكأنّ هؤلاء وقعوا تجاه نصّ  في الكتاب أو السنة فأرادوا تفسيره.   و ثانيهما: ما ذكره بعضهم من دعوى ثبوت ملاك البراءة في  الشبهات الحكميّة في موارد الشبهات الموضوعيّة أيضا.   و تقريبه أنّ ملاك قبح العقاب بلا بيان ليس هو تقصير المولى في  مقام البيان حتى يقال: إنّ في موارد الشبهات الموضوعيّة لا  تقصير من جانب المولى، و إنّ بيان الموضوع ليس من شأن  المولى، و إنّما ملاكه هو عدم المقتضي للتحريك الّذي هو العلم، و  هذا ثابت في الشبهات الموضوعيّة أيضا، لعدم العلم، فيقبح العقاب  لعدم المقتضي للتحريك.   

أقول: إنّنا نستفيد من نفس اختلافهم في ذلك تأييد عدم بداهة  هذه القاعدة، فإنّ المفروض عند القائلين بالبراءة العقليّة   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة556/ الجزء الثالث

 

في الشبهات الحكميّة و الموضوعيّة معا أنّ جريانها فيهما بملاك  واحد، فلا يعترفون بالملاك الّذي أدركه القائلون باختصاص  البراءة بالشبهات الحكميّة، و القائلون بالاختصاص لا يعترفون  بهذا الملاك العامّ، فهذا يؤيّد عدم بداهة شي‏ء من الملاكين، و  بالتالي يشهد لعدم بداهة قاعدة قبح العقاب بلا بيان.   أمّا تعليقنا على نفس الكلامين:  

 فالكلام الأوّل: - كما ترى و كما أشرنا إليه - كأنّه افترض أنّنا  تجاه نصّ شرعيّ أخذ في موضوعه عدم البيان فأصبح بصدد  تفسير كلمة (البيان) في حين أنّنا تجاه حكم عقليّ نتكلّم في  حدوده، و لا أثر لفهم المعنى اللغوي لكلمة (البيان) في ذلك.   

و أمّا الكلام الثاني: و هو ثبوت الملاك الّذي هو عدم المقتضي في  الشبهات الموضوعيّة، فتحقيق الكلام في هذا المقام على الإجمال -  و قد مرّ تفصيله فيما مضى - هو أنّه ينبغي أن يكون المقصود  بالمقتضي للتحريك هو المقتضي المولوي، فمرجع القاعدة إلى  قاعدة قبح العقاب بلا مقتض مولويّ للتحريك، و نحن نؤمن  بقاعدة قبح العقاب بلا مقتض و نعترف ببداهتها، و المقتضي  المولويّ للتحريك عبارة عن تنجّز التكليف بحكم العقل، فمرجع  هذه الصيغة إلى صيغة أخرى و هي قبح العقاب بلا تنجّز للتكليف،  و كلّ هذه العبارات كقولنا: (قبح العقاب بلا مقتض)، (قبح العقاب  بلا موجب)، (قبح العقاب بلا تنجيز) صحيحة، إلاّ أنّه يجب الالتفات  إلى   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة557/ الجزء الثالث

 

صغراها، و هي أنّه في فرض الشكّ هل يكون المقتضي للتحريك  ثابتا، أو لا؟ و هذه الصغرى لا تنقّح بتلك الكبريات، و تنقيحها  يكون بالالتفات إلى نقطة أغفلوها في المقام رأسا و هي ملاحظة  دائرة المولويّة، و أنّها هل تشمل التكاليف المشكوكة، أو لا؟ و  المولويّات العرفيّة في المجتمعات البشريّة حيث إنّها مجعولة يجب  أن يرجع في فهم سعتها و ضيقها إلى جاعلها، و هي عادة مختصة  بدائرة التكاليف المعلومة، و من هنا نشأ توهّم قاعدة قبح العقاب  بلا بيان بقول مطلق، و مولويّة الخالق المنعم المتفضّل مولويّة  حقيقيّة ذاتيّة يجب أن يرجع في فهم سعة دائرتها و ضيقها إلى  العقل العمليّ الّذي هو الحاكم بأصل مولويّته، و ليست سعتها و  ضيقها أمرا برهانيّا، كما أنّ أصلها لم يكن برهانيّا، بل كلّ ذلك  يجب أن يدرك ببداهة العقل العمليّ، و نحن ندرك بعقلنا العمليّ  وجوب الموافقة و حرمة المخالفة بمجرّد احتمال التكليف إذا  احتمل أنّ التكليف على تقدير وجوده يكون مهمّا بدرجة لا يرضى  المولى بتفويته حتى في ظرف الشكّ.   

 

ضابط الشكّ في التكليف و المكلف به:  

 و أمّا البحث الثاني: و هو بيان الضابط في الشبهات الموضوعيّة  لموارد الشكّ في التكليف، و موارد الشكّ في المكلّف به. فقد ذكر  المحقّق النائينيّ -قدّس سرّه- في رسالته في اللباس المشكوك  كلاما يكون مفاده حسب الصياغة التي صاغها   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة558/ الجزء الثالث

 

بها غامضا، فنحن نصوغ جوهر كلامه في صياغة أخرى توضيحا  لمقصوده رحمه اللّه.   

فجوهر ما أفاده في المقام هو أنّ الضابط في جريان البراءة أو  الاشتغال في الشبهات الموضوعيّة هو أنّه إن كان الشكّ فيما  يستتبع التكليف كان ذلك مجرى للبراءة، إذ الشكّ في المستتبع  يوجب الشكّ في المستتبع، فيتحقّق الشكّ في أصل التكليف، و إن  لم يكن الشكّ في ما يستتبع التكليف بل كان تمام ما يستتبع  التكليف معلوما، كان ذلك مجرى للاشتغال. و تفصيل ذلك: أنّ  التكليف له أطراف ثلاثة: أحدها المتعلّق كشرب الخمر في (لا  تشرب الخمر)، و الصلاة في (صلّ)، و ثانيها موضوع التكليف، و  مرادنا من موضوع التكليف هنا هو متعلّق المتعلّق، أي ذلك الشي‏ء  الخارجيّ الّذي يكون المتعلّق مربوطا به كالخمر في (لا تشرب  الخمر)، و القبلة في (صلّ إلى القبلة)، و ثالثها القيود المأخوذة في  نفس التكليف، و هي عبارة عن الشرائط العامّة كالبلوغ و العقل و  وجود المكلّف خارجا، و الشرائط الخاصّة كدخول الوقت مثلا، و  كالاستطاعة في الحج و نحو ذلك.   و الشكّ تارة يفرض وقوعه في أصل التكليف بقطع النّظر عن  الأطراف الثلاثة، و هذا خروج عمّا نحن فيه، لأنّ الشبهة عندئذ لا  يمكن أنّ تتصوّر بنحو الشبهة الموضوعيّة، و أخرى يفرض وقوعه  في الأطراف، و عندئذ يعقل فرض الشكّ بنحو الشبهة الموضوعيّة،  و في هذا الفرض نتكلّم في ضابط جريان   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة559/ الجزء الثالث

 

البراءة و الاشتغال، و هنا نبدأ من الطرف الثالث فنقول:   

أمّا الطرف الثالث: و هو قيود التكليف و شرائطه العامّة أو  الخاصة، فلا إشكال في انّه عند الشكّ فيه يرجع إلى البراءة، لأنّ  الشكّ فيه يستوجب الشكّ في أصل التكليف، إذ قيود التكليف  تكون ممّا يستتبع التكليف، فالشكّ فيه داخل فيما مضى من  الضابط.   

و أمّا الطرف الثاني: و هو موضوع التكليف فتارة يفرض  الموضوع أمرا جزئيّا فرغ عن وجوده كالقبلة في (الصلاة إلى  القبلة)، و أخرى يفرض أما كليّا.   فإن فرض الأوّل فلا معنى للشكّ فيه، إذ هو خلف فرض الفراغ عن  وجوده.   

و إن فرض الثاني فتارة يكون ذلك مأخوذا بنحو صرف الوجود  كما في (توضّأ بالماء)، و أخرى يكون مأخوذا بنحو مطلق الوجود  كما في (أكرم العالم).   

فإن كان مأخوذا بنحو صرف الوجود فتارة يكون الشكّ في أصل  وجود الموضوع ممّا يستتبع التكليف، و الشكّ فيه شكّ في أصل  التكليف، و أخرى يكون الشكّ في فرد آخر زائدا على الفرد  المعلوم، كما لو وجد فرد من الماء و شكّ في فرديّة مائع آخر  للماء، و عندئذ لا يكون الشك في التكليف، إذ التكليف مسلّم  بوجود الفرد الأوّل، و لا يستوجب الفرد الثاني زيادة في   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة560/ الجزء الثالث

 

التكليف، إذ لا يجب الوضوء إلاّ بماء واحد بنحو صرف الوجود، و  إنّما الشكّ في الفرد الثاني شكّ في توسعة دائرة الامتثال فتجري  - لا محالة - أصالة الاشتغال دون البراءة.   

و إن كان مأخوذا بنحو مطلق الوجود فالشكّ في كلّ فرد يكون  شكّا في أصل التكليف، لأنّ الحكم ينحلّ إلى عدّة قضايا شرطيّة  شرطها تحقّق الموضوع و جزاؤها الحكم على نهج القضيّة  الحقيقيّة، فهناك أحكام عديدة كلّ واحد منها إنّما أصبح فعليّا  بتحقّق شرطه - أي بوجود موضوعه -، فكما أنّ فعليّته تتوقّف  على وجود موضوعه، كذلك تنجّزه يتوقّف على العلم بوجود  موضوعه، فإذا قال المولى مثلا: (أكرم العالم) فشكّنا في عالميّة أيّ  فرد من الأفراد شكّ في تحقّق تكليف مستقل مرتبط بذاك الفرد،  و المفروض أنّه ما لم يتحقّق ذاك الشرط لم يصبح التكليف فعليّا،  إذ فعليّته تتبع وجود الموضوع، فلا محالة يقع الشكّ في التكليف  فتجري البراءة.   

و أمّا الطرف الأوّل و هو المتعلّق فتارة يفرض لهذا المتعلّق متعلّق،  أي يفرض أنّ التكليف له موضوع كما في وجوب الوقوف بعرفة،  أو حرمة الإفاضة عنها، و أخرى يفرض عدم الموضوع، و كون  مصبّ الحكم هو ذات فعل الشخص من دون أن يتعلّق بشي‏ء، كما  في حرمة الغناء، و كما لو فرض وجوب ذات التكلّم من دون أن  يتعلّق بشي‏ء.   

فإن فرض الثاني فلا معنى للشكّ في المتعلّق، إذ هذا   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة561/ الجزء الثالث

 

المتعلّق تارة يفرض فعلا اختياريّا مباشريا للمكلّف، و أخرى  يفرض مسبّبا توليديّا له، فإن كان فعلا اختياريّا مباشريا له كما  في وجوب التكلّم، فلا معنى للشكّ فيه، إذ الشخص لا يشكّ في فعله  حين صدوره منه، و لا يعقل أن يشك في أنّه في هذا الآن هل هو  يتكلّم، أو لا؟ نعم، يعقل الشكّ فيه بعد مضيّ زمان الفعل الّذي هو  مجرى لمثل قاعدة الفراغ، لكنّه خارج عمّا نحن فيه، و إن كان  مسبّبا توليديّا كما في وجوب قتل الكافر مثلا الّذي يتولّد عن  ضربه بالرصاص مثلا، فالشكّ فيه لا يكون إلاّ من باب الشكّ في  المحصّل و هو خارج عمّا نحن فيه، و من الواضح جدّاً كونه موردا  للاشتغال دون البراءة.   

و إن فرض الأوّل فعندئذ يعقل ثبوت الشكّ في المتعلّق بلحاظ  نسبته إلى موضوعه [1]، و ذلك كما إذا شكّ في الوقوف  

_____________________________________________

 

[1] قد يقال: إنّ هذه الصياغة من التقسيم ليست الصياغة المثلى،  فإنّ الشكّ في المتعلّق بلحاظ نسبته إلى الموضوع مع قسم مضى و  هو الشكّ في الموضوع بمعنى متعلّق المتعلّق دائما متلازمان و  متصادقان على مورد واحد، فالأولى في مقام البيان هو صياغة  التقسيم بالشكل الوارد في اللباس المشكوك للمحقّق النائينيّ  رحمه اللّه و هي ما يلي: أنّ متعلّق التكليف إمّا أن يكون فعلا  اختياريّا غير متعلّق بموضوع خارج الاختيار، أو يكون متعلّقا به،  فالأوّل لا يتصوّر الشكّ فيه من غير مثل جهة النسيان بعد الفراغ  إلاّ في المسبّب التوليديّ الّذي هو مورد للاشتغال، و الثاني إمّا أن  يفترض فيه أنّ متعلّق المتعلّق جزئيّ خارجيّ كالقبلة و عرفة و  المشعر، أو يفترض كلّيّا، فإن فرض جزئيّا فهذا القسم يزداد على  القسم الأوّل في أنّه يتصوّر   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة562/ الجزء الثالث

 

بعرفات من ناحية الشكّ في دخول هذه النقطة من الأرض في  عرفات بنحو الشبهة الموضوعيّة، كأن يكون منشأ الشكّ هو ظلمة  الهواء مثلا، و لا يكون الشكّ من باب الشكّ في سعة دائرة عرفات  و ضيقها أساسا بنحو الشبهة الحكميّة كي يكون خروجا عمّا نحن  فيه، و عندئذ يكون الصحيح في جريان البراءة و عدمه التفصيل  بين الشبهات الوجوبيّة كما في وجوب الوقوف بعرفات و  الشبهات التحريميّة كما في حرمة الإفاضة من عرفات، ففي الأولى  تجري أصالة الاشتغال، و في الثانية تجري أصالة البراءة، و السرّ  في ذلك أنّ في باب الأوامر تكون مطابقة الفعل لذلك العنوان  الّذي تعلّق به الأمر داخلة تحت دائرة الطلب، فيطلب  - الشكّ فيه من ناحية نسبة الفعل إلى متعلّق المتعلّق، فقد يدور  الأمر بين متباينين كما في الصلاة إلى جهتين لدى شكّنا في جهة  القبلة، و هنا يجري الاشتغال، و قد يدور الأمر بين الأقل و الأكثر،  و مثاله ما إذا تردّد الموقوف في المشعر أو عرفات بين الأقل و  الأكثر من جهة الشبهة الخارجيّة، و هنا فصّل رحمه اللّه بين الشبهة  الوجوبيّة كما في وجوب الوقوف، و التحريميّة كما في حرمة  الإفاضة. و إن فرض كلّيّا فهنا فصّل رحمه اللّه بين صرف الوجود  و مطلق الوجود، فقال في صرف الوجود بأنّ الشكّ في الفرد  الزائد لا يؤدّي إلى الشكّ في التكليف، بل يكون من الشكّ في  الامتثال. و أمّا الشكّ في أصل وجود صرف الوجود فيعود إلى  الشكّ في القدرة، يلحقه حكم تلك المسألة، و قال في مطلق الوجود  بالانحلال و جريان البراءة لدى الشكّ. راجع رسالة المحقّق  النائينيّ رحمه اللّه في اللباس المشكوك ص 258 - 252 و أمّا كون  الضابط في جريان البراءة أو الاشتغال في الشبهات الموضوعيّة  كون الشكّ فيما يستتبع التكليف و عدمه، فلم أره في الرسالة.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة563/ الجزء الثالث

 

المولى كون الوقوف وقوفا بعرفات، فالشكّ في تحقّق المطابقة  شكّ في تحقّق الامتثال، و هذا بخلاف باب النواهي، فإنّ مطابقة  الفعل للعنوان المنهيّ عنه ليست داخلة تحت دائرة الطلب، فإنّ  المولى لا يطلب منّا المطابقة للعنوان المنهي عنه، و إنّما المولى  ينهى عن الفعل بشرط مطابقته لذلك العنوان، فينهى عن الشرب  مثلا على تقدير كونه شربا للخمر، فالمطابقة في باب النواهي  تكون قيدا للتكليف و شرطا له، فالشكّ فيها شكّ في قيود  التكليف الّذي مضى أنّه مجرى للبراءة. هذا كلّه بيان لمقصود  المحقّق النائينيّ رحمه اللّه في المقام.   

أقول: أمّا ما ذكره من عنوان الضابط في المقام من أنّ الشكّ إن  كان فيما يستتبع التكليف كان مجرى للبراءة، و إلاّ كان مجرى  للاشتغال، فهو من دون تأويل غير صحيح، و الصحيح هو ضابط  آخر يقتنص ممّا سنذكره -إن شاء اللّه- في التفصيلات.   و أمّا ما ذكره من التفصيلات فتحقيق الكلام فيها أنّ يقال:   إنّ ما ذكره في المتعلّق في فرض عدم وجود موضوع للحكم من  أنّه لا يتصوّر الشكّ فيه، فيرد عليه: أنّه من الممكن أن يفرض هذا  المتعلّق محدّدا بحدود دقيقة بحيث يحصل الشكّ من نفس الفاعل  في حال الفعل في ذلك، كما لو حرم على المكلّف ترسيم دائرتين  متساويتين، فشكّ المكلّف في حين عمله في أنّه هل هذا ترسيم  لدائرتين متساويتين، أو تختلف إحداهما عن الأخرى و لو بقليل؟  فهذا شكّ يتصوّر في المقام   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة564/ الجزء الثالث

 

يجب التكلّم في أنّه هل هو مجرى للبراءة، أو لا؟ و يظهر الحال فيه  من حيث جريان البراءة و عدمه من بحثنا في جريان البراءة و  عدمه في متعلّق الحكم الّذي له موضوع و الّذي اعترف المحقّق  النائينيّ فيه بتصوير الشكّ.   

و أمّا ما ذكره في المتعلّق في فرض وجود موضوع للحكم من أنّه  إذا كانت الشبهة وجوبيّة لم تجر البراءة، لأنّ مطابقة الفعل لعنوان  المأمور به داخل تحت دائرة الطلب، و إذا كانت تحريميّة جرت  البراءة، لأنّ مطابقة الفعل لعنوان الحرام لم تجعل تحت دائرة  الطلب، بل جعلت قيدا للحكم، فيرد عليه: أنّ مطابقة الفعل للعنوان  المتعلّق به الحكم التي هي مفاد (كان) الناقصة تارة تلحظ بلحاظ  ما بعد الوجود، و أخرى تلاحظ بلحاظ ما قبل الوجود. فإن لو  حظت بلحاظ ما بعد الوجود فهي كما تكون أمرا داخلا تحت الطلب  في باب الأوامر - بمعنى أنّ الطلب يجرّ العبد نحو الامتثال و  إيجاد الفعل بنحو مفاد (كان) التامّة، و يساوق ذلك مفاد (كان)  الناقصة، فإنّ كون الفعل صلاة مثلا بنحو (كان) الناقصة حصيلة  لوجود الصلاة بنحو مفاد (كان) التامّة، فكان تحصيل هذا الّذي هو  مفاد (كان) الناقصة مطلوبا بمطلوبيّة تحصيل مفاد (كان) التامّة -  كذلك يكون داخلا تحت النهي في باب النواهي، حيث إنّ النهي عن  الغناء مثلا بمفاد (كان) التامّة نهي عن إيجاد الغناء، و يكون  وجوده مساوقا لكون الفعل غناء، أيّ أنّ مفاد (كان) الناقصة هنا  أيضا حصيلة مفاد (كان) التامّة المنهيّ عنه.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة565/ الجزء الثالث

 

و إن لو حظت بلحاظ ما قبل الوجود، أو قل: لو حظ مفاد (كان)  الناقصة باعتبار ماهيّة الفعل بقطع النّظر عن وجودها، فكما أنّه  في باب النواهي يكون النهي متعلّقا بالفعل بقيد كونه معنونا بذاك  العنوان و ليس ذلك داخلا تحت الحكم كذلك في باب الأوامر  يكون الأمر متعلّقا بالفعل بقيد كونه معنونا بذاك العنوان، و ليس  ذلك داخلا تحت الحكم، فمطابقة الفعل للعنوان المتعلّق به الحكم  تكون باعتبار داخلة تحت الحكم في كلّ من بابي الأوامر و  النواهي، و باعتبار آخر قيدا للحكم في كلا البابين، فلا وجه  للتفصيل بينهما من هذه الناحية.   و التحقيق في المقام: أنّ العبرة في جريان البراءة و عدمه سواء  كان الشكّ من ناحية المتعلّق - كما هو المفروض فعلا - أو من  ناحية الموضوع، أو من ناحية القيود إنّما هي بكون الحكم بنحو  البدليّة، أو الشموليّة، فإن كان بنحو الشموليّة و حصل الشكّ كان  المرجع البراءة، و إن كان بنحو البدليّة و حصل الشك، كان  المرجع الاشتغال بلا فرق في ذلك بين باب الأوامر و باب  النواهي، و بلا فرق بين فرض ذلك الحكم الشموليّ انحلاليّا أو  حكما واحدا، و السرّ في ذلك أنّ الحكم إذا كان بنحو البدليّة  فالشكّ ليس في سعة دائرة التحريك المولويّ و ضيقها حتى  تجري البراءة، يكون المرجع هو الاشتغال. و أمّا إذا كان شموليّا  فالشكّ يقع في سعة دائرة التحريك المولويّ و ضيقها، فتجري  البراءة الشرعيّة، و كذا العقليّة بناء على الإيمان بها بلا فرق بين  فرض الحكم انحلاليّا فيكون الشكّ في تكليف آخر غير   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة566/ الجزء الثالث

 

التكليف المعلوم، و فرضه غير انحلاليّ، فإنّه عندئذ و إن لم يكن  الشكّ شكّا في التكليف إلاّ أنّه شكّ في سعة دائرة التحريك  المولويّ و ضيقها، فتجري البراءة.   

و من هنا ظهر ما في الضابط الّذي ذكره المحقّق الخراسانيّ رحمه  اللّه في المقام من أنّه إذا كان الحكم واحدا كان المرجع الاشتغال،  و إن كان متعدّدا كان المرجع البراءة، فإنّه إن قصد بالوحدة و  التعدّد ما ذكرناه من البدليّة و الشمولية ورد عليه:   أنّ الشموليّة لا تستلزم التعدّد، إذ قد يكون الحكم بنحو المجموعيّة  لا الانحلال فلا يكون الحكم متعدّدا. و إن قصد بالتعدّد ما يضادّ  المجموعيّة»« ورد عليه ما عرفت من جريان البراءة في فرض  الشموليّة و إن كان على نحو المجموعيّة، إذ الشكّ شكّ في سعة  دائرة التحريك المولويّ و التحميل على العبد و عدمها.   

و ممّا ذكرناه ظهر النّظر أيضا فيما أفاده المحقّق النائينيّ (قدّس  سرّه) في فرض الشكّ من ناحية الموضوع من أنّه إن كان  الموضوع مأخوذا بنحو صرف الوجود كان المرجع الاشتغال، و  إن كان مأخوذا بنحو مطلق الوجود كان المرجع البراءة، لأنّ  القضيّة الحقيقيّة المحكوم فيها على موضوع بنحو مطلق الوجود  تنحلّ إلى أحكام عديدة مشروطة تكون فعليّة   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة567/ الجزء الثالث

 

كلّ واحد من تلك الأحكام تابعة لوجود موضوعه في الخارج،  فالشكّ في موضوعه شكّ في ذلك الحكم.   

فإنّه يرد على ذلك: أنّه إذا فرض الحكم شموليّا كفى ذلك في  جريان البراءة و إن لم يفرض بنحو الانحلال، لأنّ الشكّ يقع في  سعة دائرة المحرّك المولويّ و ضيقها، فتجري البراءة عن غير  المقدار المتيقّن.   

هذا مضافا إلى أنّ فرض جريان البراءة ثمرة لتبعيّة فعليّة الحكم  لوجود الموضوع خارجا غير صحيح، فإنّه إذا شكّ في خمريّة شي‏ء  مع العلم بحرمة شرب الخمر جرت البراءة، سواء فرض أنّ حرمة  شرب الخمر جعلت على تقدير وجود الخمر خارجا فليست الحرمة  فعليّة قبل وجوده في الخارج، أو فرض أنّ حرمة الخمر جعلت غير  مشروطة بوجوده بالفعل خارجا فتكون الحرمة ثابتة قبل  وجوده، و ثمرة ذلك هي الانزجار مولويّا من إيجاد الخمر إذا علم  أنّه إن أوجده اضطر إلى شربه.   هذا و المتحصّل ممّا ذكرناه أنّ الضابط في جريان البراءة و عدمه  في الشبهات الموضوعيّة هو الشموليّة و البدليّة.   

و أمّا الضابط الّذي ذكره المحقّق النائينيّ رحمه اللّه من كون الشكّ  شكّا في ما يستتبع التكليف و عدمه فلا يصحّ إلاّ بإرجاعه إلى ما  اخترناه، و ذلك بإدخال تأويلين فيه:   

الأوّل: أن يفترض أنّ المراد بما يستتبع التكليف ما يعمّ   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة568/ الجزء الثالث

 

استتباعه لسعة داره التكليف لا خصوص ما يستتبع التكليف  المستقلّ حتى يشمل ذلك موارد كون التكليف شموليّا غير  انحلاليّ [1].   الثاني: أن يقال: إن المراد بما يستتبع التكليف ليس هو استتباعه  بوجوده الخارجيّ للتكليف حتى يخرج بذلك المتعلّق، لأنّه  بوجوده الخارجيّ لا يستتبع التكليف، بل التكليف يستتبع وجود  المتعلّق خارجا، أو يخرج بذلك أيضا الموضوع الّذي لا تكون  فعليّة الحكم متوقّفة على وجوده، كما في مثال حرمة شرب الخمر  إذا فرضت الحرمة فعليّة قبل وجود الخمر كي تصبح زاجرة عن  إيجاده، بل المراد بذلك أنّ انطباق العنوان الكذائيّ على الشي‏ء  المفروض يستتبع التكليف و لو فرض ذلك بقطع النّظر عن  الوجود الخارجيّ، و هذا ثابت في المتعلّق، إذا انطباق عنوان  الإكرام مثلا على العمل الفلانيّ عند وجوب كلّ إكرام يستتبع  التكليف به و ثابت في الموضوع أيضا.   

و إن فرضت فعليّة الحكم قبل وجوده فإنّه لو لا انطباق عنوان  

_____________________________________________

 

[1] و يشهد لكون مقصود المحقّق النائينيّ رحمه اللّه في اللباس  المشكوك ذلك و لو ارتكازا ما صرّح به في أجود التقريرات ج 2،  ص 20

1 - 200 من أنّه إذا كان الحكم التحريميّ بمعنى مطلوبيّة  مجموع التروك بنحو العامّ المجموعيّ جرت البراءة أيضا في  مورد الشكّ على ما هو المختار من جريان البراءة عند دوران  الأمر بين الأقل و الأكثر الارتباطيّين، و استغرب من المحقّق  الخراسانيّ رحمه اللّه حيث قال في المقام بالاشتغال مع ذهابه إلى  البراءة في مسألة الأقل و الأكثر الارتباطيّين.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة569/ الجزء الثالث

 

الخمر على ما سوف يصنعه لم يكن حراما حتى ينزجر من صنعه و  إيجاده.   

ثمّ إنّ المحقّق الأصفهانيّ»« رحمه اللّه أورد على المحقّق النائينيّ  رحمه اللّه: أنّ فرض كون البراءة في الشكّ في فرد من أفراد  الموضوع إذا كان الموضوع مأخوذا بنحو مطلق الوجود تابعة  لكون القضيّة حقيقيّة في غير محلّه، بل تجري البراءة حتى مع  فرض القضيّة خارجيّة، فلو وجب إكرام كلّ من في العسكر مثلا  بنحو القضيّة الخارجيّة، و شكّ في وجود زيد في العسكر و عدمه  فهذا حكم انحلاليّ، و تجري البراءة من الحكم بوجوب إكرام زيد.   أقول: إن فرض أنّ المقصود بكون القضيّة خارجيّة كون عنوان  (من في العسكر) مثلا مجرّد عنوان مشير، و أنّ الواجب في الحقيقة  إكرام أولئك الأشخاص المعنيّين حتى لو فرض عدم وجودهم في  العسكر، إلاّ أنّهم صدفة اجتمعوا هناك، فالشكّ في وجوب إكرام  زيد و عدمه شبهة حكميّة لا موضوعيّة، و هي خارجة عمّا نحن فيه.  و إن فرض أنّ المقصود بذلك أنّه و إن كان لعنوان (من في  العسكر) دخل في الحكم لكنّ الحكم لا يشمل الأفراد المقدّرة  الوجود كما يشمل الأفراد المحقّقة الوجود، لأنّ عنوان (من في  العسكر) ليس هو تمام الدخيل في الحكم، بل هنا جهة أخرى أيضا  دخيلة في الحكم   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة570/ الجزء الثالث

 

موجودة في خصوص الأفراد الذين هم بالفعل في العسكر لا في  كلّ من قدّر وجوده في العسكر، فعندئذ لمّا كان عنوان (من في  العسكر) دخيلا في الحكم فلا محالة تكون القضيّة في قوة القضيّة  الشرطيّة، شرطها عنوان (من في العسكر) بالنسبة لأشخاص  معيّنين، و جزائها الحكم، إلاّ أنّ الشرط مفروض التحقّق، و القضيّة  الشرطيّة لا تخرج عن كونها قضيّة شرطيّة بتحقّق شرطها. و  بمراجعة عبارة المحقّق النائينيّ -قدّس سرّه- في المقام يظهر أنّ  الّذي يستفاد من كلامه ليس هو كون العبرة في جريان البراءة  بعنوان كون القضيّة حقيقيّة، و إنّما العبرة في جريانها بكون  القضيّة شرطيّة فعليّتها تتبع فعليّة شرطها على نهج الحال في  القضايا الحقيقيّة، و لا يخفى الفرق الموجود بين الأمرين. نعم، هو  -قدّس سرّه- يرى أنّ الأحكام الكلّية الشرعيّة كلّها تكون من باب  القضايا الحقيقيّة.   و على أيّ حال فقد عرفت أنّ الضابط في جريان البراءة و عدمه  في الشبهات الموضوعيّة هو كون الحكم بدليّا أو شموليّا.   و عندئذ نشرع في تطبيق هذا الضابط على موارد الحكم الوجوبيّ  و الحكم التحريميّ، فنقول: إنّ كلاّ من الفعل و الترك يصلح لأنّ  يقع متعلّقا للحكم الوجوبيّ تارة و للحكم التحريميّ أخرى، فيقع  الكلام في مقامين:   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة571/ الجزء الثالث

 

حالة تعلّق الحكم بالفعل:   

المقام الأوّل: في فرض أخذ الفعل متعلّقا للحكم وجوبا أو تحريما،  و هذا يتصوّر على أقسام باعتبار أنّ الفعل يمكن لحاظه بأنحاء  عديدة:  

 القسم الأوّل: أن يجعل الفعل متعلّقا للحكم بنحو صرف الوجود، و  مرادنا من صرف الوجود هو كون المتعلق ذات الطبيعة بلا أيّ  مئونة زائدة. و في هذا القسم أفادوا أنّ الأمر يقتضي الإتيان بفرد  واحد و النهي يقتضي ترك جميع الأفراد، لأنّ الطبيعة توجد  بوجود فرد واحد و لا تنعدم إلاّ بانعدام تمام الأفراد.   و استنتج المحقّق العراقيّ -قدّس سرّه- من ذلك: [1]»» أنّ الأمر  يسقط بالامتثال بإتيان فرد واحد و النهي لا يسقط بالعصيان  بإتيان فرد واحد، بل يبقى النهي بلحاظ باقي الأفراد.   

أقول: إنّ هذا خلط بين فرقين ثابتين في باب الأمر و النهي.   الفرق الأوّل: ما يكون مرتبطا بعالم اقتضاء الأمر و النهي،  

_____________________________________________

 

[1] إلاّ أنّ المحقّق العراقيّ رحمه اللّه سمّى ما سمّاه أستاذنا الشهيد  رحمه اللّه هنا بصرف الوجود بالطبيعة المبهمة، حيث حمل مصطلح  صرف الوجود على ما يساوق أوّل الوجود.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة572/ الجزء الثالث

 

و هو أنّ الأمر و النهي لو فرض كلّ واحد منهما حكما واحدا  فالأمر بدليّ أي أنّه يقتضي إتيان فرد واحد - و النهي شموليّ -  أيّ أنّه يقتضي ترك تمام الأفراد - و ما ذكر من أنّ الطبيعة توجد  بوجود فرد واحد و تنعدم بانعدام تمام الأفراد نكتة لهذا الفرق.   

الفرق الثاني: ما يكون مرتبطا بعالم الجعل، و هو أنّ الأمر إذا  تعلّق بالطبيعة فليس هناك إلاّ حكم واحد، و النهي إذا تعلّق  بالطبيعة استفيد من ذلك جعل أحكام عديدة، و سقوط الأمر  بإتيان فرد واحد و عدم سقوط النهي بذلك مرتبط بهذا الفرق  دون الفرق الأوّل. و على أيّة حال - أي سواء فرض النهي شموليّا  بالمعنى الأوّل أو انحلاليّا - فمهما حصل الشكّ في جانب النهي في  فرد جرت البراءة، لأنّه شكّ في سعة دائرة التكليف، و هذا بخلاف  جانب الأمر، فتجري فيه عند الشكّ في فرد قاعدة الاشتغال، لأنّ  الحكم بدليّ، فالشكّ إنّما يكون في عالم الامتثال.   هذا، و نحن نتكلّم هنا تارة في الفرق الأوّل، و أخرى في الفرق  الثاني، فنقول:  

أمّا الفرق الأوّل: فقد ذكروا أنّ طبيعة الأمر تقتضي الإتيان بفرد  واحد، و طبيعة النهي تقتضي ترك تمام الأفراد، لأنّ الطبيعة توجد  بوجود فرد واحد، و لا تنعدم إلاّ بانعدام تمام الأفراد. و قد ناقش  في ذلك السيّد الأستاذ و المحقّق الأصفهانيّ (قدّس سرّ هما).   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة573/ الجزء الثالث

 

أمّا السيّد الأستاذ فقد ذكر في المقام»«: أنّ مردّ الفرق في الحقيقة  ليس إلى طبيعة الأمر و النهي، بل إلى كيفيّة لحاظ الطبيعة، فإنّ  الطبيعة تارة تلحظ فانية في تمام الأفراد، و أخرى تلحظ فانية في  فرد واحد، فإن لو حظت فانية في تمام الأفراد كان الحكم المتعلّق  به شموليّا، سواء فرض امرا أو نهيا. و إن لو حظت فانية في فرد  واحد كان الحكم المتعلّق به بدليّا سواء فرض أمرا أو نهيا.   و يرد على هذا ما حقّقناه في بحث المطلق و المقيّد من أنّ معنى  الفناء هو لحاظ العنوان بما هو خارجيّ لا بما هو هو، و أنّ أيّ  عنوان من العناوين لا يفنى بهذا المعنى من الفناء إلاّ في معنونه،  فعنوان الطبيعة لا يفنى إلاّ في واقع الطبيعة التي هي الجهة  المشتركة بين الأفراد.   و أمّا الّذي يفنى في واقع أحد الأفراد أو تمام الأفراد، فإنّما هو  عنوان أحد الأفراد أو تمام الأفراد.   و أمّا المحقّق الأصفهانيّ -قدّس سرّه- فقد ذكر المقام«« [1] أنّه  

_____________________________________________

 

[1] و حاصل كلامه في المجلّد الأوّل في أوائل بحث النواهي هو أنّه  لا يوجد وجود للطبيعة   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة574/ الجزء الثالث

 

يستحيل أن يفرض شي‏ء يكون وجوده بوجود فرد واحد و عدمه  بعدم تمام الأفراد، فإنّ بديل كلّ وجود هو عدمه المطرود به، لا  عدم شي‏ء آخر، و وجود فرد لا يطرد إلاّ عدم نفسه لا عدم فرد  آخر.   

ثمّ أورد -قدّس سرّه- على نفسه بأنّ هناك شيئا يكون وجوده  بوجوده فرد واحد، و عدمه بعدم تمام الأفراد، و ذلك هو الوجود  الأوّل، فإنّ وجوده يكون بوجود واحد، و هو أوّل الوجودات، و  لكنّ انعدامه إنّما يكون بانعدام تمام الأفراد لأنّه بمجرّد أنّ  - يكون بوجود واحد، في حين أن يكون بديله عدم الطبيعة بكلّ  الأعدام، فإنّ الوجود إن أضيف إلى الطبيعة المهملة التي كان  النّظر فيها مقصورا على ذاتها و ذاتيّاتها، فمقابله العدم المضاف  إلى الطبيعة المهملة أيضا، و نتيجة المهملة جزئيّة سواء في جانب  الإيجاب، أو جانب السلب. و إن أضيف إلى الفرد فكلّ وجود من  وجودات الفرد عدم هو بديله، و إن لوحظ الوجود بنحو السعة  حتى لا يشذّ عنه وجود فيلحظ العدم أيضا كذلك، فلا يشذّ عنه عدم  و لا يعقل لحاظ وجود للطبيعة يكفيه وجود واحد مع كون بديله  كلّ الأعدام. أمّا ما يتوهّم من أنّنا لو لاحظنا الوجود بمعنى ناقض  للعدم الكليّ، و طارد للعدم الأزليّ فهو ينطبق على أوّل الوجودات،  و لكنّ نقيضه لا يكون إلاّ بتمام الأعدام، إذ لو وجد أيّ فرد  لانتقض العدم الكليّ و انطرد العدم الأزلي، فجوابه: إنّ طارد  العدم الكليّ لا مطابق له في الخارج، لأنّ كلّ وجود يطرد عدمه  البديل له لا عدمه و عدم غيره، فأوّل الوجودات أوّل ناقض للعدم،  و نقيضه عدم هذا الأوّل. نعم، لازم هذا العدم الخاصّ بقاء سائر  الأعدام على حالها، فإنّ عدم الوجود الأوّل يستلزم عدم الثاني و  الثالث... إلخ، لا أنّه عينها، فما اشتهر من أنّ الطبيعة توجد بوجود  فرد واحد، و تنعدم بانعدام تمام الأفراد ممّا لا أساس له.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة575/ الجزء الثالث

 

يوجد فرد يتحقّق الوجود الأوّل فصار عدم تمام الأفراد بديلا عن  وجود فرد واحد.   و أجاب على ذلك بأنّ بديل الوجود الأوّل أيضا ليس إلاّ عدمه  المطرود به، و لا يطرد وجوده إلاّ عدم نفسه، غاية الأمر أنّ هناك  ملازمة بين عدم الفرد و عدم سائر الأفراد، إذ لا يعقل ثان مثلا  بلا أوّل.   

أقول: إنّ التقابل بين الوجود و العدم يكون في عوالم ثالثة

الأوّل:  هو التقابل بلحاظ العالم الخارجيّ، و هنا يتمّ ما أفاده -قدّس سرّه-  فإنّهما بلحاظ العالم الخارجيّ متقابلان بملاك الطارديّة و  المطروديّة، فالوجود بلحاظ العالم الخارجيّ يطرد العدم، و كلّ  وجود طارد بالذات لعدم نفسه دون شي‏ء آخر و إن كان قد  يطرد شيئا آخر بالعرض كطارديّة الشي‏ء لضدّه.  

الثاني: هو التقابل بلحاظ المفاهيم الأفراديّة في الذهن، كمفهوم  الإنسان و مفهوم اللاإنسان، فهما متقابلان لكن لا توجد طارديّة  و مطروديّة في المقام، فإنّ نسبتهما إلى عالم الذهن على حدّ  سواء، و لا يطرد أحدهما الآخر، و إنّما تقابلهما يكون على حدّ  تقابل كلّ مفهوم مع مفهوم آخر، كتقابل مفهوم الإنسان مع مفهوم  الحجر مثلا.   

الثالث: التقابل بلحاظ عالم القضايا و الأحكام، فمثلا ما مضى من  مفهوم الإنسان و اللاإنسان تارة نتصوّرهما بما هما   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة576/ الجزء الثالث

 

مفهومان ذهنيّان، فهما يتقابلان تقابل كلّ مفهوم مع مفهوم آخر،  و هذا ما مضى في لحاظ العالم الثاني، و أخرى نتصوّرهما بما هما  مرآتان للخارج بعنوان حكايتهما عن الخارج، فيكونان حصيلتي  قضيّتين و هما: الإنسان موجود، و الإنسان ليس بموجود، و  التقابل بين هذين الأمرين و هاتين القضيّتين أيضا ليس بملاك  الطارديّة و المطروديّة، فإنّ نسبتهما إلى الذهن و كذلك إلى  الخارج على حدّ سواء، لكنّه يقع التقابل بينهما في الصدق أو في  الصدق و الكذب على اختلاف الموارد، فإنّه يختلف مثلا تقابل  الموجبة الكلّيّة مع السالبة الجزئيّة عن تقابلها مع السالبة الكلّيّة،  فالأوّل بلحاظ الصدق و الكذب، و الثاني بلحاظ الصدق فقط.   

و حينما يقول المولى: (صلّ)، أو يقول: (لا تصلّ) فكأنّه يقول: اجعل  قضيّة (الصلاة موجودة) صادقة، أو يقول: اجعل قضية (الصلاة غير  موجودة) صادقة، فتحقيق الحال هنا يرجع إلى أن نرى أنّ قضيّة  (الصلاة موجودة) هل تصدق بوجود فرد واحد أو لا تصدق إلاّ  بوجود تمام الأفراد؟، و قضيّة (الصلاة ليست موجودة) هل تصدق  بعدم فرد واحد أو لا تصدق إلاّ بعدم تمام الأفراد؟ و كلام المحقّق  الأصفهانيّ -قدّس سرّه- كما ترى غير مربوط بذلك، و إنّما هو  مربوط بالتقابل في العالم الأوّل.   

و بكلمة أخرى: أنّ التقابل المؤثّر في المقام ليس بمعنى الطارديّة  و المطروديّة حتى يقال: إنّ كلّ وجود لا يطرد إلاّ عدم   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة577/ الجزء الثالث

 

نفسه، فوجود الفرد الواحد للطبيعة لا يقابله كلّ الأعدام، و إنّما هو  التقابل في الصدق و الكذب، حيث إنّ الأمر بالصلاة في قوّة الأمر  بجعل قضيّة (الصلاة موجودة) صادقة، و النهي عنها في قوّة طلب  جعل قضيّة (الصلاة غير موجودة) صادقة لا في قوّة أن يحفظ عدم  واحد عن شمول الطرد إيّاه.   

و لا يصدق عدم وجود الصلاة بمجرّد إبقاء بعض الأعدام، و عدم  طرده و إنّما يصدق بانتفاء تمام الأفراد، في حين أنّه يكفي في  صدق وجود الصلاة وجود فرد واحد، أي أنّ ما أفاده المشهور من  أنّ الطبيعة توجد بوجود واحد و لا تنعدم إلاّ بانعدام تمام أفرادها  صحيح.   و توضيح ذلك: أنّ الوجود و العدم لا يعرضان على أفراد الطبيعة،  إذ لا أفراد للطبيعة إلاّ بلحاظ الوجود، و إنّما يعرضان ابتداء على  أصل الطبيعة، ففي المرتبة السابقة على الوجود و العدم لا يكون  هناك افراد، و إنّما تكون هناك الطبيعة و تكون أيضا حصص  الطبيعة، و الوجود و العدم يعرضان على طبيعة الصلاة مثلا، و  على حصّة من حصصها كالصلاة في المسجد، أو الصلاة في البيت و  نحوهما، و نسبة الحصّة إلى أصل الطبيعة هي نسبة الكلّ إلى  الجزء، فإنّ مفهوم الحصّة مركّب من مفهوم الصلاة و مفهوم  تقيّدها بقيد، فمفهوم الصلاة في المسجد مثلا التي هي حصّة من  طبيعة الصلاة مركّب من أصل مفهوم الصلاة و من مفهوم كون  الصلاة في المسجد، و الجزء الثاني أخصّ من الجزء الأوّل. هذا، و  هناك قضيّتان ضروريّتان متّفق عليهما بيننا   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة578/ الجزء الثالث

 

و بين المحقّق الأصفهانيّ -قدّس سرّه-: إحداهما أنّ الوجود  العارض على المجموع المركّب ينسحب على تمام أجزاء ذاك  المركّب، و الأخرى أنّ العدم العارض على المركّب لا ينسحب على  تمام أجزاء المركّب، بل يكفي في عدم المجموع عدم جزء من  أجزائه. و بهذا البيان يتّضح أنّه يكفي في وجود طبيعة الصلاة  وجود حصّة من حصصها، لأنّ طبيعة الصلاة جزء من تلك الحصّة، و  الوجود العارض على المركّب ينسحب على تمام الأجزاء التي منها  طبيعة الصلاة، و لا يكفي في عدم طبيعة الصلاة عدم حصّة منها،  لأنّ الصلاة هي الجزء الأعمّ من تلك الحصّة، و قد قلنا: إنّ عدم  المجموع لا ينسحب على تمام أجزاء المجموع، فعدم الحصّة ليس  مساوقا لعدم الصلاة، و إنّما هو مساوق لعدم الجزء الآخر لأنّه  أخصّ، فينتفي على كلّ حال.   

فتحصّل: أنّ ما أنكره المحقّق الأصفهانيّ رحمه اللّه من كون  الطبيعة توجد بوجود فرد واحد، و لا تنعدم إلاّ بانعدام تمام  الأفراد يكون في الحقيقة راجعا إلى ما يوافقنا عليه، و يكون من  الضروريّات من أنّ وجود المركّب لا يكون إلاّ بوجود تمام  أجزائه، و أنّه يكفي في انتفاء المركّب انتفاء جزء منه.   

و قد ظهر ممّا ذكرناه أيضا أنّ ما يقال في علم المنطق من أنّ  الموجبة المهملة مع السالبة المهملة ليس بينهما تناف و تناقض إنّما  يتمّ في المحمولات التي هي بعد الوجود، فإذا كان شخص قائما و  شخص آخر غير قائم صحّ قولنا بنحو   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة579/ الجزء الثالث

 

الإهمال الإنسان قائم و الإنسان غير قائم [1]، لأنّ هذا الفرد هو  وجود لطبيعة الإنسان و هو قائم، فتكون طبيعة الإنسان قائمة، و  ذاك الفرد وجود آخر لطبيعة الإنسان و هو ليس قائما، فطبيعة  الإنسان ليست قائمة.   

و أمّا إذا كان المحمول هو أصل الوجود و العدم، فلا يصحّ هذا  الكلام، و يقع التقابل بين قولنا: (الإنسان موجود) و قولنا:  (الإنسان ليس موجودا)، فإنّه و إن فرض أنّ الإنسان في قولنا:  (الإنسان ليس موجودا) غير مسوّر بسور يجعله كلّيّا، لأنّ  المفروض أنّ القضيّة مهملة لكنّ نفس السلب يولّد الكلّيّة، لما  عرفت من أنّ الطبيعة لا تنتفي إلاّ بانتفاء تمام الأفراد.   

و أمّا الفرق الثاني: فعدم انحلاليّة الأمر بلحاظ متعلّقه يكون على  القاعدة، لما برهنا عليه في باب المطلق و المقيّد من أنّ مقتضى  القاعدة في المتعلقات كون الإطلاق غير انحلاليّ، و في  الموضوعات كونه انحلاليّا، فالذي يحتاج إلى نكتة زائدة هو  الانحلاليّة في النهي بلحاظ متعلّقه، فنقول في بيان ذلك: إنّ وحدة  النهي تكون بوحدة الملاك، و وحدة الملاك هنا تستلزم أن لا  يكون متعلّق النهي هو الطبيعة على إطلاقها، بل يكون هناك قيد  دخيل في متعلّق النهي، و ذلك لأنّه إن فرضت هناك مفسدة  واحدة، فهي إمّا أن يفرض كونها في أحد الأفراد على  

_____________________________________________

 

[1] الفرق بين المحمولات التي هي بعد الوجود و نفس الوجود إنّما  يظهر في المقام في الموجبة المحصّلة و معدولة المحمول لا في  الموجبة و السالبة.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة580/ الجزء الثالث

 

سبيل البدل، أو كونها في مجموع الأفراد، فإن فرض الأوّل،  فالمفسدة إنّما تتحقّق لا محالة في الخارج بالفرد الأوّل، لأنّ  المعلول يستند إلى أسبق علله [1]، فمتعلّق المبغوضيّة و الانزجار  النفسيّ للمولى إنّما هو الفرد الأوّل. فالنهي يتعلّق به لا بالطبيعة. و  إن فرض الثاني فالمفسدة إنّما تحصل في الخارج بتحقّق الفرد  الأخير، لأنّه الجزء الأخير من العلّة، فمتعلّق المبغوضيّة و الانزجار  إنّما هو الفرد الأخير، فالنهي يتعلّق به لا بالطبيعة، فإذا تعلّق النهي  بالطبيعة عرفنا أنّ المفسدة ثابتة في جميع الأفراد بنحو التعدّد لا  بنحو المجموعيّة أو البدليّة، و إذا تعدّدت المفسدة تعدّدت الحرمة  لا محالة.   

هذا، و ما ذكرناه من النكتة للانحلال لا توجد فيما لو فرض أنّ  متعلّق النهي كانت له أفراد عرضيّة فقط دون أفراد طوليّة، فإنّ  

_____________________________________________

 

[1] صحيح أنّ المعلول يستند إلى أسبق علله، و لكن بما أنّ الفرد  الأوّل لم يكن مؤثّرا إلاّ بمحض اشتماله على الطبيعة من دون دخل  لباقي خصوصيّاته في التأثير، و إنّما اختصّ هو بالتأثير دون  باقي الأفراد لمحض أنّه سبقها و ملأ الفراغ، فلم يبق مجال لتأثير  باقي الأفراد، كان جعل ذات الطبيعة متعلّقا للنهي أمرا عرفيّا لا  يحسّ فيه بمئونة، فلو كان الطعام الفلاني يورث العمى و كانت  الأكلة الثانية لا تورث العمى لا من باب قصور فيها عن التأثير، بل  من باب أنّ العمى قد حصل بالعلّة الأولى، فلم يبق مجال لتأثير  الأكلة الثانية، فجعل النهي متعلّقا بطبيعيّ أكل ذاك الطعام لا  بخصوص الأكلة الأولى لا يحسّ فيه بأيّ مئونة عرفيّة تنفي  بالإطلاق، فالأولى في تعليل الانحلال في باب النواهي ما ذكره  أستاذنا الشهيد رحمه اللّه في الدورة المتأخّرة فيما كتبناه عنه في  بحث النواهي من أنّ غلبة انحلاليّة المفسدة فيما فيه المفسدة أدّت  إلى ظهور النهي في الانحلال.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة581/ الجزء الثالث

 

كانت كذلك و كان المتعلّق ممّا يعقل تعدّده بدون تعدّد  الموضوع، أو لم يكن الموضوع ملحوظا للشارع فلم يحصل  الانحلال من ناحية الموضوع، و لم تكن هناك نكتة خاصّة  للانحلال لا يكون اللفظ ظاهرا في الانحلال [1]، فمثلا لو قال  المولى: (لا تضرب هذا الحجر في هذا الآن) و لم نستفد من ذلك  بمناسبات المقام مثلا أنّ هذا النهي ناشئ من كون هذا الحجر  عزيزا على المولى فيتحفّظ من ورود نقص أو تلف عليه حتى  يكون ذلك قرينة على أنّ تعدّد الضرب يوجب تعدّد المبغوض  بالنسبة إليه، فضرب العبد الحجر في ذلك الآن بكلتا يديه، و لم  تكن اليد ملحوظة للمولى من باب كونها موضوعا لمتعلّق الحكم،  فهنا لا يكون الكلام ظاهرا في الانحلال، و لا يثبت في المقام تعدّد  العصيان [2].   بقي هنا شي‏ء لا بأس بإلفات النّظر إليه و هو أنّه إذا تعلّق الأمر و  النهي بالطبيعة فالفرق الأوّل لا تظهر ثمرته في المقام، إذ نكتة  الفرق الثاني كما تقتضي الفرق الثاني و هو الانحلال تقتضي  

_____________________________________________

 

[1] النكتة الأخرى للانحلال التي أشرنا إليها في التعليق السابق و  التي نقلناها عن الدورة المتأخّرة لبحث أستاذنا الشهيد رحمه اللّه  - إن تمّت - تأتي في هذا الفرض أيضا.   

[2] طبعا هذا بعد فرض تعدّد الضرب في هذا المثال عرفا بأن لا  يحسب الضرب باليدين كالضرب بالإصبعين من يد واحدة ضربا  واحدا ذا جزءين عرفا، بل يحسب كالضرب بعصوين، أو يبدل  مثال الضرب باليد بالضرب بالعصا، حيث لا إشكال في تعدّد  الضرب عرفا في ذلك.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة582/ الجزء الثالث

 

- لا محالة - الفرق الأوّل و هو اقتضاء النهي لترك تمام الأفراد،  فلا تظهر هنا فعاليّة نكتة الفرق الأوّل [1]، و لكن يظهر تأثيرها  في  

_____________________________________________

 

[1] لا يخفى أنّ نكتة الانحلال في باب النواهي لو كانت عبارة عمّا  أفاده رحمه اللّه في المقام من أنّ المفسدة لو كانت في أحد الأفراد  على سبيل البدل لكان المترقّب تعلّق النهي بالفرد الأوّل، لأنّ  المعلول يستند إلى أسبق العلل، و لو كانت في مجموعها لكان  المترقّب تعلّق النهي بالفرد الأخير لأمكن ذكر هذه النكتة في باب  الأوامر أيضا بأن يقال: لو كانت المصلحة في أحد الأفراد على  سبيل البدل لكان المترقّب أن يتعلّق الأمر بالفرد الأوّل، لأنّه هو  العلّة لتلك المصلحة، لأنّ المعلول يستند إلى أسبق علله، و لو كانت  في مجموع الأفراد لكان المترقّب تعلّق الأمر بالمجموع، إلاّ أن  يجاب على ذلك بأنّ نكتة الفرق الأوّل و هي أنّ الطبيعة توجد  بوجود فرد واحد، و لا تنعدم إلاّ بانعدام كلّ الأفراد، هي التي  تصحّح الفرق الثاني، و ذلك لأنّ الطبيعة لمّا كانت توجد بوجود  الفرد الأوّل كان الأمر بها في قوّة الأمر بالفرد الأوّل، فأصبح  الأمر بالطبيعة مع الأمر بالفرد الأوّل سيّان عرفا، فكون المصلحة  في أحد الأفراد على سبيل البدل لا يعيّن تعلّق الأمر بالفرد الأوّل،  بل يناسب أيضا تعلّقه بالطبيعة، و هذا بخلاف باب النهي، حيث إنّ  الطبيعة لا تنعدم إلاّ بانعدام كلّ الأفراد، و إن كان انعدام الفرد  الأوّل ملازما لذلك. فإن صحّ هذا الكلام قلنا: إذن أصبحت تماميّة  الفرق الثاني متوقّفة على نكتة الفرق الأوّل، فليس من الصحيح  القول بأنّ نكتة الفرق الثاني أغنتنا هنا عن نكتة الفرق الأوّل. هذا  كلّه إذا جعلنا نكتة الانحلال في باب النواهي ما أفاده أستاذنا  الشهيد رحمه اللّه في المقام.   أمّا إذا جعلنا نكتة الانحلال في باب النواهي ما أفاده رحمه اللّه في  بحث النواهي في الدورة المتأخّرة من غلبة انحلاليّة المفسدة، فإن  اقتصرنا في ذلك على دعوى أنّ المفسدة حينما لا تكون مجموعيّة  - أي ليست في مجموع أفراد متعلّق النهي - فالغالب كونها ثابتة  في الجميع بنحو الانحلال لا في أحد الأفراد على سبيل   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة583/ الجزء الثالث

 

بعض الأقسام الآتية [1].   

القسم الثاني: أن يجعل متعلّق الحكم أوّل الوجود، و هنا لا يوجد  الفرق الثاني بين الأمر و النهي، لعدم تأتيّ النكتة التي ذكرناها من  أنّه لو كان الملاك واحدا لكان النهي أمّا مختصّا بالوجود الأوّل، أو  بالوجود الأخير، فإنّ المفروض أنّه مختصّ بالوجود الأوّل، و  عندئذ يظهر هنا أثر الفرق الأوّل من البدليّة في الأمر و الشموليّة  في النهي، لا بمعنى تعدّد الحكم، بل بمعنى مجرّد الشموليّة  المنسجمة حتى مع حدة الحكم، و في الفرد المشكوك تجري  البراءة في جانب النهي، لأنّ الشكّ في سعة دائرة اقتضاء التكليف  المولويّ و ضيقها، و لا تجري في جانب الأمر، لأنّ التكليف  بحدوده معلوم - أي أنّه لا شكّ في سعة دائرة التكليف و ضيقه - و  يتمحّض الشكّ في الامتثال، فيطبّق على ذلك ما مضى من ضابط  موارد البراءة و الاشتغال في الشبهات الموضوعيّة من أنّه إذا كان  الحكم بدليّا جرت أصالة  - البدل، فهذا لا يغني عن النكتة الأولى، فيجب أوّلا إثبات شموليّة  النهي بالنكتة الأولى ثمّ إثبات انحلاله بهذه النكتة. أمّا إذا قصد  بذلك أنّ الغالب في المفسدة هو الانحلاليّة في مقابل المجموعيّة و  البدليّة معا، فهذا مغن عن النكتة الأولى كما هو واضح.   

_____________________________________________

 

[1] و يظهر أيضا في المقام في ما مضى من مثال عرضيّة الأفراد  إذا فرض أنّ نكتة الفرق الثاني لا تأتي فيه، أو في فرض أنّها تأتي  بالصيغة التي ذكرها أستاذنا في الدورة المتأخّرة في بحث  النواهي، و فرض أنّها لا تغني عن نكتة الفرق الأوّل كما هو الحال  على احتمال مضى بيانه في التعليق السابق.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة584/ الجزء الثالث

 

الاشتغال، و إذا كان شموليّا جرت أصالة البراءة [1].   

القسم الثالث: أن يجعل متعلّق الحكم جميع الأفراد بنحو العامّ  الاستغراقي فينحلّ - لا محالة - كلّ من الأمر و النهي، و تجري  البراءة في الفرد المشكوك في كلّ من جانبي الأمر و النهي.   القسم الرابع: أن يجعل متعلّق الحكم مجموع الأفراد بنحو العموم  المجموعيّ فلا ينحلّ الأمر و لا النهي، و إذا شكّ في فرد جرت  البراءة بالنسبة إليه في جانب الأمر، و هذا شكّ في الأقلّ و الأكثر  الارتباطيّين. و التحقيق فيه جريان البراءة، كما يأتي تفصيله في  محلّه -إن شاء اللّه-.   و أمّا في جانب النهي فيجوز ارتكاب الفرد المقطوع فضلا عن  الفرد المشكوك، فإنّ المحرّم إنّما هو إتيان مجموع الأفراد.   نعم، يقع الكلام في أنّه إذا حرم مثلا عليه إكرام مجموع الفسّاق -  و لنفترض أنّهم منحصرون في تسعة معلومي الفسق و عاشر  مشكوك الفسق - فهل يجوز له إكرام التسعة مع ترك إكرام  العاشر اعتمادا على أصالة البراءة، إذ لا يقطع بحرمة ذلك،  

_____________________________________________

 

[1] قد يقال: إنّ أصالة البراءة عن الفرد المشكوك تعارض أصالة  البراءة عمّا يأتي به بعد هذا الفرد المشكوك من فرد مقطوع به  للعلم الإجماليّ بحرمة أحدهما، إذ لو لم يكن الفرد المشكوك فردا  حقيقيّا فسيكون ما بعده هو الوجود الأوّل الحرام.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة585/ الجزء الثالث

 

لأنّه على تقدير كون العاشر فاسقا يكون إكرام هؤلاء التسعة  فقط جائزا، أو لا؟ هذا أيضا تحقيقه مرتبط بباب الشكّ في الأقلّ و  الأكثر الارتباطيّين، فإنّ الشكّ هنا أيضا شكّ في الأقلّ و الأكثر  الارتباطيّين، فإنّ إكرام التسعة حرام إمّا بحدّه التسعيّ، أو في  ضمن العشرة، كما أنّ في باب الوجوب يقال: إنّ الأجزاء التسعة  واجبة إمّا بحدّها، أو في ضمن العشرة، غاية الأمر أنّ ما فيه المئونة  الزائدة في جانب الوجوب هو فرض كون الوجوب على الأكثر، و  في جانب الحرمة هو فرض كون الحرمة على الأقلّ، ففي الوجوب  تجري البراءة في جانب الأكثر، و في جانب الحرمة لعلّه تجري  البراءة في جانب الأقلّ. و تحقيق جريان البراءة في الأقلّ و الأكثر  الارتباطيّين في طرف الحرمة كما تجري في طرف الوجوب و  عدمه، و ثبوت الملازمة بينهما و عدمه موكول إلى بحث الأقلّ و  الأكثر الارتباطيّين.   القسم الخامس: أن يجعل متعلّق الحكم شي‏ء آخر يتحصّل من  الطبيعة إما من مجموع أفرادها، أو من أحد أفرادها، و عندئذ إن  فرض الأمر المتحصّل اعتباريّا منطبقا على نفس الأفراد رجع  ذلك إلى حكم تعلّق الحكم بتلك الأفراد رأسا على ما يأتي في باب  الشكّ في المحصّل - إن شاء اللّه -، فرجع في النتيجة إلى الأقسام  السابقة، و إلاّ فلا مجال للبراءة في المقام، لأنّ الشكّ شكّ في  المحصّل مع معلوميّة أصل التكليف، و كما يصدق هذا الكلام في  طرف الوجوب كذلك يصدق في طرف الحرمة، فلدى الشكّ في  المحصّل في جانب الحرمة أيضا لا بدّ   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة586/ الجزء الثالث

 

من الاحتياط.

و السرّ في ذلك: أنّ الشكّ ليس في حرمة الموجود  بهذا العمل حتى تجري البراءة، بل الشكّ في وجود الحرام المعلوم  بهذا العمل، و هذا عبارة أخرى عن عدم الامتثال القطعي للحرمة  المعلومة بحدودها، و هذا لا يكون مجرى للبراءة و يكون ممّا  يستقلّ العقل بقبحه و المنع عنه.  

 

 حالة تعلّق الحكم بالترك:  

 المقام الثاني: في فرض أخذ الترك متعلّقا للحكم وجوبا أو  تحريما.   

و لا يقال: إنّ الترك أمر عدميّ فلا يكون منشأ لأمر وجوديّ من  مصلحة أو مفسدة حتى يقع متعلّقا للأمر أو النهي.   

فإنّه يقال: إنّه قد يكون الفعل مانعا عن حصول مصلحة، فلا محالة  يكون الترك محبوبا لكونه مقدّمة لحصول المصلحة على حدّ  مقدّميّة عدم المانع للمعلول، و ليس الفعل عندئذ مبغوضا إلاّ بنحو  مبغوضيّة نقيض المطلوب، و قد يكون الفعل مانعا عن حصول  مفسدة، فيكون تركه مبغوضا عند فرض وجود المقتضي، أو  فرض احتياط المولى من جانب المقتضي - أي العمل باحتمال  وجوده احتياطا - فيكون الترك مبغوضا، لكونه موجبا للمفسدة  على حدّ موجبيّة عدم المانع للمعلول، و لا يكون الفعل عندئذ  محبوبا إلاّ بنحو محبوبيّة نقيض المبغوض.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة587/ الجزء الثالث

 

هذا، و في جانب الترك يأتي جميع ما ذكرناه من الأقسام، فقد  يتعلّق الحكم بترك الطبيعة، و أخرى بترك الوجود الأوّل... و ما  إلى ذلك من الأقسام. و الكلام فيها عين الكلام فيها في جانب  الفعل، إلاّ في القسم الأوّل، فهنا نخصّ القسم الأوّل بالذكر فنقول:   إذا تعلّق الحكم بترك الطبيعة ثبت الفارق الأوّل بين الأمر و النهي،  و لكنّه معاكس له في فرض تعلّق الحكم بالفعل، فالأمر هنا قائم  مقام النهي هناك، لأنّه تعلّق بالترك، و لا تترك الطبيعة إلاّ بترك  تمام أفرادها، و النهي هنا قائم مقام الأمر هناك، لأنّه تعلّق  بالترك، و ترك الترك مساوق للفعل و إيجاد الطبيعة، و الطبيعة  توجد بوجود فرد واحد منها.   

و أمّا ما أبديناه من الفارق الثاني، و هو أنّ تعلّق النهي بالطبيعة  يستلزم الانحلال بخلاف الأمر، فلا يجري هنا فلا يقال: إنّ تعلق  الأمر بترك الطبيعة يستلزم الانحلال. و السرّ في ذلك: أنّ الأمر  يكشف عن المصلحة، و من المحتمل قيام المصلحة بمجموع  التروك، و عندئذ لا محالة يطلب المولى مجموع التروك، و هذا  بخلاف جانب المفسدة، فإنّها إذا تعلّقت بالمجموع لم يكن  المبغوض للمولى إلاّ الفرد الأخير، و بكلمة أخرى: إنّ وجود  المصلحة يتوقّف على وجود جميع أجزاء علّته، فيتعلّق طلب المولى  بجميع أجزاء علّته، و عدم المفسدة لا يتوقّف إلاّ على عدم الجزء  الأخير من العلّة، فالجزء الأخير من العلّة هو الّذي يتركّز فيه  التحريك المولويّ نحو إعدامه و مبغوضيّة المولى إيّاه.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة588/ الجزء الثالث

 

البراءة في المستحبات:  

 التنبيه الرابع:   في البراءة في المستحبات.  

 أمّا البراءة العقليّة: فلا معنى لجريانها فيها حتى على القول بصحّتها  في نفسها، فإنّها تنفي العقاب، و لا عقاب في المستحبات.   و أمّا البراءة الشرعيّة: فذكر السيّد الأستاذ»« ناظرا في كلامه إلى  حديث الرفع: أنّ البراءة لا تجري عند الشكّ في أصل الاستحباب  الاستقلاليّ، إذ معنى جريان البراءة فيه هو نفى استحباب  الاحتياط بالنسبة له، كما أنّ معنى جريان البراءة في الواجبات هو  نفي وجوب الاحتياط بالنسبة لها، و من المعلوم أنّه لا يمكن نفي  استحباب الاحتياط بالبراءة، فإنّ جعل استحباب الاحتياط مقطوع  به و مسلّم به عند الطائفتين. نعم، تجري البراءة عند الشكّ في  الاستحباب الضمنيّ - أي الشكّ في جزئيّة شي‏ء أو شرطيّته  للمستحب - و ذلك استطراقا إلى جواز الإتيان بالباقي بقصد  الأمر بالعمل المطلق و عدم لزوم التشريع من ذلك، و بكلمة  أخرى: إنّ هذا الجزء و إن لم يكن متّصفا بالوجوب النفسيّ لكنّه  متّصف بالوجوب الشرطيّ، و هذا المقدار من الوجوب يصحّ رفعه  ظاهرا.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة589/ الجزء الثالث

 

أقول: يرد على الشقّ الأوّل من كلامه - و هو منع جريان البراءة  عن الاستحباب الاستقلاليّ -: أنّه لا مانع من إجراء البراءة عنه و  نفي استحباب الاحتياط، و لا نسلّم كون استحباب الاحتياط أمرا  جزميّا لا يمكن نفيه بذلك، فإنّ الوجه في جزميّة استحبابه إن كان  هو أخبار الاحتياط فهي بقرائن في أنفسها لا تشمل المستحبّات،  فمثلا أخبار التثليث التي تقول: (حلال بيّن و حرام بيّن و شبهات  بين ذلك، فمن ترك الشبهات نجا من المحرّمات، و من ارتكب  الشبهات وقع في المحرّمات). كيف يحتمل شمولها للمستحبّات؟  اللّهم إلاّ أن يستفاد ذلك ممّا نقله الشيخ الأعظم -قدّس سرّه- عن  كتاب الشهيد عن الإمام عليه السلام مرسلا من أنّه: (ليس بناكب  عن الصراط من سلك سبيل الاحتياط)، أو ممّا نقله ابن الشيخ  الطوسيّ في أماليه عن والده (قدّس سرّهما) عن مجاهيل عن  الإمام عليه السلام من أنّه: (أخوك دينك فاحتط لدينك) و هما  ساقطان سندا.   

و إن كان هو أخبار من بلغ فمفادها احتمالا عندنا و جزما عند  السيّد الأستاذ هو الاستحباب النفسيّ الثابت للعنوان الثانويّ و هو  البلوغ [1]، و لم يحتمل ما احتملناه من كونه استحبابا طريقيّا من  قبيل استحباب الاحتياط. و من المعلوم أنّه لا منافاة بين  الاستحباب النفسيّ بعنوان البلوغ و عدم استحباب  

_____________________________________________

 

[1] مضى أنّ هذا هو مختار السيّد الخوئي رحمه اللّه حسب ما في  الدراسات، أمّا في المصباح فقد اختار دلالة الأخبار على الإرشاد.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة590/ الجزء الثالث

 

الاحتياط.   و يرد على الشقّ الثاني من كلامه: أنّه بعد تسليم عدم جريان  البراءة في الشكّ في الاستحباب الاستقلاليّ لا بدّ من اختيار عدم  جريانها أيضا في الشكّ في الاستحباب الضمنيّ لعدم تماميّة ما  ذكره من التقريبين في مقام بيان الفرق.  

 أمّا التقريب الأوّل - و هو كون إجراء البراءة استطراقا إلى  الإتيان بالباقي بقصد الأمر - فيرد عليه: أنّه إن أريد بذلك إثبات  جواز الإتيان بالباقي بقصد الأمر بواسطة إثبات الإطلاق بالبراءة  عن القيد فسيأتي - إن شاء اللّه - في محلّه أنّ البراءة عن القيد لا  تثبت الإطلاق إلاّ تعويلا على الأصل المثبت، و إن أريد بذلك  إثبات جواز الإتيان بالباقي بقصد الأمر لا بواسطة إثبات  الإطلاق، بل بإجراء البراءة ابتداء عن نفس احتمال حرمة الإتيان  بقصد الأمر الناشئ من احتمال عدم الأمر، ففيه: أنّ الشكّ في الأمر  كاف في القطع بالحرمة، فإنّ إسناد الشي‏ء إلى المولى مع الشكّ  قسم من التشريع المحرّم أيضا.   

و أمّا التقريب الثاني: و هو إجراء البراءة عن الوجوب الشرطيّ  فيرد عليه: أنّه إن كان المقصود بذلك نفي الوجوب بواسطة  إثبات الإطلاق، ففيه ما عرفت من أنّ إثبات الإطلاق بالبراءة عن  القيد تعويل على الأصل المثبت. و إن كان المقصود بذلك إجراء  البراءة ابتداء عن الوجوب الشرطيّ ففيه: أنّ الوجوب الشرطيّ  ليس عبارة عن بعث أو زجر حتى تجري البراءة عن ذلك.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة591/ الجزء الثالث

 

الأصول العملية 2   

أصالة التخيير (دوران الأمر بين المحذورين)   

1 - عدم تكرّر الواقعة في التوصّليّين.   

2 - عدم تكرّر الواقعة في فرض التعبّديّة.   

3 - تكرّر الواقعة في التوصّليّين.   

4 - تكرّر الواقعة في فرض التعبّديّة.   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة593/ الجزء الثالث

 

دوران الأمر بين المحذورين:

إذا علمنا إجمالا بوجوب شي‏ء أو  حرمته فإمّا أن يفرض أنّهما توصّليّان، أو أنّ أحدهما تعبّدي، و  أيضا إمّا أن الواقعة واقعة شخصيّة لا تتكرّر، أو أنّها واقعة مكرّرة.  

فالكلام يقع في مقامات:   

 

عدم تكرّر الواقعة في التوصّليّين:  

 المقام الأوّل: في فرض عدم تكرار الواقعة مع كونهما توصّليّين.   

و المفروض أنّنا نعلم إجمالا بتكليف إلزاميّ و نحتمل احتمالين،  احتمال الوجوب، و احتمال الحرمة. أمّا العلم فلا   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة594/ الجزء الثالث

 

قصور فيه من ناحية البيانيّة، إذ من الواضح أنّ العلم أرقى  البيانات، و لكنّه قام برهان على استحالة تأثير هذا العلم في  التنجيز - أي في إدخال شي‏ء في دائرة حقّ المولويّة - و ذلك  البرهان عبارة عن أنّه هل يفرض تنجيزه لوجوب الموافقة  القطعيّة، أو يفرض تنجيزه لحرمة المخالفة القطعيّة، أو يفرض  تنجيزه لأحد الطرفين معيّنا؟ فإن فرض الأوّل قلنا: إنّ الموافقة  القطعيّة هنا مستحيلة، فكيف تتنجّز على العبد؟ و إن فرض الثاني  قلنا: إنّ المخالفة القطعيّة مستحيلة، فكيف يتنجّز تركها على  العبد؟ و إن فرض الثالث قلنا: إنّ نسبة العلم إلى الطرفين على حدّ  سواء، فتأثيره في تنجيز أحدهما المعيّن دون الآخر ترجيح بلا  مرجّح.   و هذا البرهان - في الحقيقة - مركّب من حكمين عقليّين:   

أحدهما استحالة التنجّز و ثبوت حقّ المولويّة فيما هو خارج عن  القدرة، و هذا يبطل الاحتمال الأوّل و الثاني، و الآخر استحالة  الترجيح بلا مرجّح، و هذا يبطل الاحتمال الثالث. هذا هو حال  العلم، و حاصله: أنّه لا يعقل فيه اقتضاء التنجيز بأيّ وجه من  الوجوه.   

و أمّا كلّ واحد من الاحتمالين فتارة يلحظ بما هو طرف   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة595/ الجزء الثالث

 

من أطراف العلم الإجماليّ - أيّ بما هو يستمدّ تنجيزه من تنجيز  العلم الإجماليّ - و أخرى يلحظ بما هو هو.   

فان لو حظ بما هو طرف للعلم الإجماليّ فقد عرفت الحال فيه، فإنّ  هذا العلم لم يكن يقتضي التنجيز حتى يستمدّ هذا الاحتمال تنجيزه  منه. و إن لو حظ مستقلاّ، فإن أنكرنا مبدأ البراءة العقليّة، و قلنا  بمبدإ منجزيّة الاحتمال، فهنا كلّ واحد من الاحتمالين لو خلّي و  نفسه يقتضي التنجيز، لعدم لزوم الترجيح بلا مرجّح، إذ كلّ  احتمال إنّما ينجّز متعلّقة، لكن هنا يقع التزاحم بين المقتضيين  للتنجيز، و تأثيرهما معا مستحيل، و تأثير أحدهما دون الآخر  ترجيح بلا مرجّح.   

و إن قلنا بمبدإ البراءة العقليّة فعندئذ يثبت عدم التنجّز بوجهين  طوليّين:   أحدهما: أنّ الاحتمال في نفسه لا يقتضي التنجيز.   ثانيهما: أنّه لو سلّمنا اقتضاءه للتنجيز فهنا يتزاحم المقتضيان، و  يستحيل تأثيرهما معا، و تأثير أحدهما دون الآخر ترجيح بلا  مرجّح.   

و ممّا ذكرناه ظهر ما في كلام الأصحاب حيث ذكر بعضهم: أنّه  تجري البراءة العقليّة في الطرفين، و ذكر بعض أخر:   

أنّه لا تجري البراءة العقليّة، و إنّما الثابت هنا التخيير العقليّ، فلعلّ  الأوّل كان مقصوده النّظر إلى الاحتمال بما هو احتمال   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة596/ الجزء الثالث

 

فأثبت البراءة العقليّة، و الثاني كان مقصوده النّظر إلى الاحتمال  بما هو طرف للعلم الإجماليّ فأنكر البراءة العقليّة و ذكر التخيير  العقليّ، هذا كلّه في البراءة العقليّة.   

و أمّا البراءة الشرعيّة فالصحيح - وفاقا للمحقّق العراقي و المحقّق  النائيني (قدّس سرّهما) و خلافا للسيّد الأستاذ - عدم جريانها  فيما نحن فيه.   و قد أفاد المحقّق العراقي رحمه اللّه في وجه عدم جريان  البراءة»«: أنّه لا يمكن أن تجري إلاّ في المرتبة المتأخّرة عن  سقوط العلم الإجماليّ عن التنجيز، إذ تنجيزه يمنع عن البراءة، و  سقوطه عن التنجيز إنّما يكون بملاك مرخّصيّة المضطر و  معذوريّة الملجأ و استحالة وجوب غير المقدور، و لا معنى للبراءة  في طول المرخّصيّة و العذر.   

و هذا الكلام ممّا لا يمكن المساعدة عليه، فإنّ البراءة الجارية في  المرتبة المتأخّرة عن سقوط العلم الإجماليّ عن التنجيز - سواء  أراد بها البراءة العقليّة، أو أراد بها البراءة الشرعيّة - تنفي غير ما  نفيناه في المرتبة السابقة بإبطال منجّزيّة العلم الإجماليّ، فإنّه بعد  أن أبطلنا منجزيّة العلم الإجماليّ باستحالة التنجيز لغير المقدور  و الترجيح بلا مرجّح بقي احتمال منجزيّة كلّ واحد من الاحتمالين  في نفسه، إمّا ذاتا،   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة597/ الجزء الثالث

 

و هذا ما تنفيه البراءة العقليّة، و إمّا من باب جعل الشارع  الاحتياط، و هذا ما تنفيه البراءة الشرعيّة. و قد ظهر بذلك أنّه لا  مانع ثبوتا من جريان البراءة الشرعيّة فيما نحن فيه.   

نعم، أدلّة البراءة قاصرة إثباتا عن إفادة البراءة فيما نحن فيه،  لأنّ صورة جريان البراءة المستفادة من أدلّة البراءة تغاير صورة  جريان البراءة المتصوّرة في المقام، كما يتّضح ذلك بالالتفات  إلى هاتين الصورتين:   

أمّا صورة البراءة الممكن جريانها في المقام فتتّضح بالالتفات  إلى ما مضى منّا في الجمع بين الأحكام الظاهريّة و الواقعيّة، من أنّ  حقيقة الحكم الظاهريّ عبارة عن تقديم جانب أحد الغرضين  المتزاحمين في عالم المحرّكيّة على الآخر، و بيان نتيجة التزاحم،  فإذا اشتبه الواجب أو الحرام بالمباح مثلا، فقد يحكم ظاهرا  بالوجوب أو الحرمة، تقديما لمصلحة الحكم الإلزاميّ، و قد يحكم  ظاهرا بالإباحة تقديما لمصلحة التسهيل و جعل العبد مطلق  العنان، و بعد الالتفات إلى ذلك نقول: إنّه فيما نحن فيه ليس  التزاحم بين مصلحة الإلزام و مصلحة الترخيص، و إنّما التزاحم  بين مصلحتين إلزاميّتين، فإن فرض رجحان جانب الوجوب عند  التزاحم - فلا محالة - يجعل الحكم الظاهريّ في صالح الوجوب، و  إن فرض رجحان جانب الحرمة جعل الحكم الظاهريّ في صالح  الحرمة، و إن فرض تساويهما لم يلزم المولى في عالم الظاهر  عبده بأحد الجانبين، بل يرخّصه و يطلق عنانه، فظهر أنّ البراءة  المتصوّرة في المقام   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة598/ الجزء الثالث

 

قائمة على أساس تساوي المتزاحمين الإلزاميّين، لا على أساس  مصلحة التسهيل، و تقديم جانب التسهيل في الشريعة على جانب  الإلزام.   

و أمّا صورة البراءة المستفادة من أدلّة البراءة فالظاهر من أدلّتها  جعل البراءة بملاك التسهيل، و تقديم جانب التسهيل في الشريعة  على جانب الإلزام ففي حديث الرفع الّذي هو أهمّ أدلّة البراءة امتنّ  على العباد بجعل هذا التسهيل، و قد عرفت أنّ البراءة المتصوّرة  في المقام ليست قائمة على هذا الأساس، فأدلّة البراءة قاصرة عن  إثباتها.   

إن قلت: إنّ أدلّة البراءة و إن كانت لا تدلّ بمدلولها الحرفيّ على  البراءة فيما نحن فيه إلاّ أنّها تدلّ بالدلالة الالتزاميّة على البراءة  هنا، إذ لو فرض أنّ الحرمة عند تزاحمها مع مجرّد الترخيص و  الإباحة لا يتحفّظ المولى عليها، و يجعل البراءة عنها، فكيف يحتمل  أنّه عند تزاحمها مع الوجوب يتحفّظ المولى عليها؟ و كذلك إذا  فرض أنّ الوجوب عند تزاحمه مع مجرّد الترخيص و الإباحة لا  يتحفّظ المولى عليه، و يجعل البراءة عنه، فكيف يحتمل إنّه عند  تزاحمه مع الحرمة يتحفّظ المولى عليه؟ فظهر من ذلك أنّ المولى  فيما نحن فيه لا يتحفّظ لا على جانب الوجوب و لا على جانب  الحرمة، بل يجعل البراءة و الترخيص.   قلت: ظهر ممّا مضى أنّ جعل المولى للبراءة في قبال   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة599/ الجزء الثالث

 

الشبهات الوجوبيّة و الشبهات التحريميّة دليل على أنّ مصلحة  الترخيص في المباحات أهمّ من المصلحة الإلزاميّة في الواجب و  الحرام، فاندكاك كلّ من الوجوب أو الحرمة في قبال هذا الأمر  الأهمّ لا يستلزم اندكاك كلّ واحد منهما في قبال الآخر، فقد يندكّ  الشي‏ء في قبال الأهمّ و لا يندكّ في قبال المهمّ [1].   

فتحصّل أن البراءة الشرعيّة غير جارية في المقام، لمحذور  إثباتيّ.   و فصّل السيّد الأستاذ»« بين حديث (الرفع) و حديث (كلّ شي‏ء  حلال حتى تعرف أنّه حرام)، فاختار أنّ الأوّل و إن كان  

_____________________________________________

 

[1] لا يخفى أنّ هذا البيان بطوله مبتن على القول بأنّ التزاحم بين  الملاكات الواقعيّة الإلزاميّة و الترخيصيّة الّذي أوجب البراءة  لتقديم جانب التسهيل إنّما هو عبارة عن التزاحم بين ملاك الإلزام  في الإلزاميّات و ملاك الترخيص في الترخيصيّات، الّذي هو غير  مفروض الوجود في الإلزاميّات.   أمّا إذا قلنا: إنّ ملاك التسهيل موجود في تمام الأمور حتى في ما  قطع فيه بالإلزام إلاّ أنّ هذا الملاك في مورد القطع بالإلزام مزاحم  بملاك الإلزام، و يكون ملاك الإلزام أقوى منه، و لذا نرى أنّ  الشارع جعل الحكم الواقعيّ فيه عبارة عن الإلزام لا الترخيص، و  في مورد الشكّ في الإلزام تضعف محرّكيّة ملاك الإلزام، باعتباره  ملاكا احتماليّا و مزاحما بملاك قطعيّ، و هو ملاك التسهيل، و لهذا  جعل الشارع في المقام البراءة، فهذا البيان بعينه يأتي في مورد  دوران الأمر بين المحذورين، بل يتمّ في المقام بطريق أولى، إذ  لو كانت مصلحة التسهيل مقدّمة على مصلحة الإلزام الاحتماليّة غير  المبتلاة بالمزاحمة لاحتمال الإلزام بالنقيض فكيف لا تتقدّم على  ما هو مبتلى بذلك؟   
 

مباحث‏ الأصول/الصفحة600/ الجزء الثالث

 

شاملا لما نحن فيه إلاّ أنّ الثاني غير شامل له لمحذور ثبوتيّ و هو  عدم انحفاظ مرتبة الحكم الظاهريّ، الّذي هو الشكّ، إذ الحلّيّة التي  هي عنوان يستخلص من الترخيص في جانب الترك و الترخيص  في جانب الفعل ممّا نقطع بخلافها، للعلم بأنّ هذا الأمر إمّا واجب  أو حرام. و على أيّ حال لا يكون حلالا، و مع العلم بعدم الحلّيّة  كيف يعقل جعل الحلّيّة ظاهرا؟ و هذا بخلاف حديث (الرفع) فإنّه  ينفي كلاّ من الوجوب و الحرمة مستقلا، و نفي كلّ واحد منهم  محتمل الصدق، غاية الأمر أنّنا نعلم إجمالا بكذب أحدهما، و هذا  العلم الإجماليّ لا يوجب تعارض البراءتين و عدم جريانهما، إذ  المفروض أنّه غير منجّز.  

 أقول: إنّ هذا الكلام مبنيّ على أنّ موضوع الحكم الظاهري عبارة  عن الشكّ في حكم الواقعيّ مماثل للحكم الظاهريّ، و هذا غير  صحيح، كما يظهر بالتأمّل في ما نقّحناه في حقيقة الحكم الظاهريّ.  و بيان ذلك: أنّنا يجب أن نرجع إلى نكتة موضوعيّة الشكّ للحكم  الظاهريّ، و يظهر من الالتفات إلى حقيقة الحكم الظاهريّ بالنحو  الّذي بيّنّاه، أنّ نكتة ذلك هي أنّ الحكم الظاهريّ عبارة عن إعمال  الترجيح عند مزاحمة الغرضين في عالم المحرّكيّة، و مع عدم الشكّ  لا تعقل مزاحمتهما في عالم المحرّكيّة، و بهذا تعرف أنّ موضوع  الحكم الظاهريّ ليس هو الشكّ في حكم واقعيّ مماثل له، و إنّما  موضوعه الشكّ بنحو يوجب تزاحم الغرضين في المحرّكيّة، و من  المعلوم أنّ هذا ثابت فيما نحن فيه، فليس في المقام إشكال ثبوتيّ.    

التالي