الفهرس    
         
   
  • تنبيهات العلم الإجمالي

  • دوران الأمربين الأقل والأكثر الإرتباطيين

  • خاتمة في شرائط الأصول

 

 

   
   

مباحث ‏الأصول/الصفحة11/الجزء الرابع

 

 

مباحث الأصول الجزء الرابع

 

 

الأصول العمليّة 3

 

أصالة الاحتياط

1 - دوران الأمر بين المتباينين.

2 - دوران الأمر بين الأقل و الأكثر.


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة13/الجزء الرابع

 

 

أصالة الاحتياط 1

 

دوران الأمر بين المتباينين

 

1 - منجّزيّة العلم الإجمالي.

2 - تنبيهات العلم الإجمالي.


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة15/الجزء الرابع

 

منجّزية العلم الإجماليّ

 

لا يخفى أنّنا على مسلكنا من إنكار مبدأ قبح العقاب بلا بيان نكون فارغين عن وجود المقتضي للتنجيز لكلّ من الطرفين، و هو نفس الاحتمال بلا حاجة إلى البحث عن أنّ العلم الإجماليّ هل يقتضي التنجيز بقدر الجامع، أو بقدر الواقع، و إنّما نحتاج إلى البحث عن أنّ العلم الإجماليّ هل يمنع عن جريان الأصول في الأطراف تماما، أو في بعضها أيضا، أو لا؟ في حين أنّه على مبنى القوم القائلين بقاعدة قبح العقاب بلا بيان يقع البحث في أنّ العلم الإجمالي هل يقتضي التنجيز، أو لا؟ و اقتضاؤه للتنجيز هل يكون بمقدار الجامع، أو بمقدار الواقع؟ و اقتضاؤه له هل هو بنحو العلّيّة التامّة، أو لا؟ إلاّ أنّ السيّد الأستاذ رغم إيمانه بقاعدة قبح العقاب بلا بيان ذهب»« في المقام إلى أنّ احتمال التكليف يقتضي التنجيز، و لا حاجة إلى البحث عن اقتضاء العلم الإجماليّ للتنجيز، فذكر: أنّ احتمال التكليف بما أنّه يقتضي في نفسه احتمال العقاب في المخالفة يقتضي - لا محالة - التنجيز في المقام، لأنّ احتمال العقاب يوجب التنجّز، و يحكم العقل على أساس هذا الاحتمال بلزوم الامتثال ما لم يوجد رافع لهذا الاحتمال، و مؤمّن من العقاب كقاعدة قبح العقاب بلا بيان، و حتّى في فرض القطع بالتكليف إنّما يكون المنجّز هو احتمال العقاب لا القطع بالعقاب، إذ لا قطع بالعقاب، فإنّه يحتمل عدم العقاب بمثل التوبة أو العفو أو الشفاعة.

نعم، احتمال العقاب عند القطع بالتكليف أقوى منه عند الشكّ فيه، لأنّه عند الشكّ يوجد منشأ ان لاحتمال عدم العقاب: أحدهما: احتمال عدم العقاب من


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة16/الجزء الرابع

 

باب السالبة بانتفاء الموضوع، بأن لا يكون في المقام تكليف أصلا  [1]، و الآخر:

احتمال عدم العقاب، من باب السالبة بانتفاء المحمول، بمثل العفو و الشفاعة. و أمّا مع القطع بالتكليف فلا يوجد إلاّ احتمال عدم العقاب من باب السالبة بانتفاء المحمول، و إذا كان الموجب للتنجّز هو احتمال العقاب الثابت بمجرّد احتمال التكليف، فلا حاجة في مورد العلم الإجماليّ إلى البحث عن أنّ العلم الإجماليّ ما هو تأثيره في مقام التنجيز؟ فإنّ المقتضي للتنجيز موجود قطعا، و إنّما يجب البحث عن وجود المانع عن التنجيز في المقام و هو القواعد المؤمّنة.

إلاّ أنّ هذا الكلام لا يناسب السيّد الأستاذ، و يرد عليه:

أوّلا: أنّ احتمال العقاب ليس هو المنشأ للتنجّز، و إنّما هو متأخّر رتبة عن التنجّز، و لو لا تنجّز التكليف علينا لما كان وجه للعقاب، إذ هو عقاب بلا حقّ، و إنّما نستحقّ العقاب بمخالفة التكليف المنجّز، و ما ذكره خلط بين التنجّز الأخلاقيّ و التنجّز الجبلّيّ، فإنّنا إنّما نتكلّم في التنجّز الأخلاقيّ، و هو التنجّز الّذي يحكم به العقل العمليّ، و هو منشأ للعقاب، و ليس نتيجة لاحتمال العقاب.

و أمّا التنجّز الجبلّيّ فهو ليس ضرورة خلقيّة، بل ضرورة جبلّية ناشئة من احتمال العقاب و لو من قبل ظالم جائر، فلو أوعدنا الظالم بالعقاب على ترك عمل فنحن نضطرّ إلى الإتيان به بجبلّتنا، و حبّنا لأنفسنا و فرارنا عن الأذى بطبيعتنا الذاتيّة، و ليس الكلام في هذا التنجّز.

ثمّ النسبة بين احتمال العقاب و التنجّز عموم من وجه، فيمكن فرض التنجّز من دون احتمال العقاب، كما لو قطع العبد بأنّه لو عصى لتعقّبت معصيته بالتوبة أو الشفاعة أو العفو، فإنّه مع هذا لا تجوز له عقلا المعصية، و يكون التكليف منجّزا عليه. و يمكن فرض احتمال العقاب من دون التنجّز، كما لو شكّ العبد في صحّة قاعدة (قبح العقاب بلا بيان)، و فرضنا أنّها في الواقع صحيحة، فخالف تكليفا مشكوكا لم يتمّ عليه البيان، فهو يحتمل العقاب، لأنّه يحتمل بطلان القاعدة، لكنّ التنجّز في الواقع غير ثابت، لفرض صحّة القاعدة بحسب الواقع.

و ثانيا: أنّ ما ذكره - من احتمال عدم العقاب عند الشكّ من باب احتمال

 

__________________________________________

[1] هذا هو مصبّ ما يأتي من الإشكال الثاني من إشكالات أستاذنا الشهيد رحمه اللّه على السيّد الخوئيّ رحمه اللّه، إلاّ أنّ هذا إنّما هو موجود في الدراسات، و ليس موجودا في المصباح.


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة17/الجزء الرابع

 

السالبة بانتفاء الموضوع، و هو التكليف - غير صحيح على ما هو المسلّم بيننا و بينه، من أنّ التكليف بوجوده الواقعيّ ليس موضوعا للعقاب، و لذا لا يفرّق بين المتجرّي و العاصي في مناط العقاب.

و ثالثا: لو سلّمنا كون احتمال العقاب بنفسه مقتضيا للتنجّز، قلنا: كيف فرض في المقام الفراغ عن مقتضي التنجيز، و أنّ البحث يجب أن يكون عن المانع؟ و أيّ شي‏ء جعله أساسا في المقام؟ هل هو كبرى قاعدة منجّزيّة احتمال العقاب، أو صغرى ثبوت البيان؟ فإن جعل الأساس كبرى قاعدة منجزيّة احتمال العقاب، فاستغنى عن البحث عن اقتضاء العلم الإجماليّ، فكيف صحّ له جعل هذه القاعدة أساسا في المقام، مع أنّ المفروض تقدّم قاعدة ثانويّة عليها، و هي قاعدة (قبح العقاب بلا بيان)، ففي العلم الإجماليّ لا بدّ أن نبدأ البحث من هنا، لا من قاعدة محكومة لهذه القاعدة، فيجب أن يتكلّم أوّلا في مقدار بيانيّة العلم الإجماليّ، و كيفيّة الخروج به عن هذه القاعدة الثانويّة و اقتضائه للتنجيز.

و إن جعل الأساس صغرى ثبوت البيان التي تفني موضوع ما أشرنا إليه من القاعدة الحاكمة، فعندها تكون قاعدة منجّزيّة احتمال العقاب غير محكومة، فالكلام يكون في نفس هذه الصغرى، و مقدار بيانيّة العلم الإجماليّ، و لا معنى لغضّ النّظر عنها، و فرضها أساسا مفروغا عنه بحدوده.

و على أيّة حال فنحن نعقد البحث هنا في مقامات ثلاثة:

الأوّل: في اقتضاء العلم الإجماليّ للتنجيز و إن كنّا لا نحتاج على مسلكنا إلى البحث عن ذلك، لكفاية اقتضاء نفس الاحتمال للتنجيز.

الثاني: في مانعيّة العلم الإجماليّ ثبوتا أو إثباتا عن إجراء الأصول في تمام الأطراف.

الثالث: في مانعيّته ثبوتا أو إثباتا عن جريانها في بعض الأطراف.

و الحاجة إلى البحث عن هذين المقامين الأخيرين ثابتة حتّى على مبنانا من مبدأ منجّزيّة الاحتمال.


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة18/الجزء الرابع

 

اقتضاء العلم الإجمالي للتنجيز

 

أمّا المقام الأوّل، و هو البحث عن اقتضاء العلم الإجماليّ للتنجيز و عدمه، فللتنجيز مرتبتان:

المرتبة الأولى: التنجيز بمقدار حرمة المخالفة القطعيّة، و لا ينبغي الإشكال في اقتضاء العلم الإجماليّ لهذا المستوى من التنجيز، فإنّ البيان بمقدار الجامع ثابت على كلّ حال، و لم يستشكل أحد من المحقّقين المتأخّرين في اقتضائه للتنجيز بمقدار حرمة المخالفة القطعيّة، و نسب القول بعدم الاقتضاء إلى من لم نقف على اسمه من المتقدّمين، و لعلّه كان في عصر لم يميّز فيه بعد بين الأصل العقليّ و الشرعيّ، فكان مقصوده - في الحقيقة - دعوى جريان البراءة الشرعيّة في الأطراف لا البراءة العقليّة. و على أيّة حال، فإنكار الاقتضاء في المقام واضح البطلان.

و المرتبة الثانية: التنجيز بمقدار وجوب الموافقة القطعيّة، و هذا هو الّذي يكون في الحقيقة مثارا للبحث عن اقتضاء العلم الإجماليّ للتنجيز و عدمه.

و قد ذهب المحقّق النائينيّ قدّس سرّه - على ما في تقرير السيّد الأستاذ»« - إلى عدم اقتضائه للتنجيز بهذا المقدار، و لكنّ المشهور في مدارس المحقّق الخراسانيّ رحمه اللّه هو الاقتضاء، و هو المنقول عن المحقّق النائينيّ في تقرير الشيخ الكاظميّ»«.

و الظاهر أنّ الاختلاف بين التقريرين باعتبار تعدّد الدورتين، لأنّ دورة البحث التي كتبها الشيخ الكاظميّ سبقت الدورة التي كتبها السيّد الأستاذ، فكأنّ الشي‏ء الّذي استقرّ رأي المحقّق النائيني رحمه اللّه عليه أخيرا هو القول بعدم الاقتضاء.

و ربط بعض اقتضاء العلم الإجماليّ للتنجيز بمقدار الموافقة القطعيّة و عدمه بحقيقة العلم الإجماليّ و ما هو المنكشف به، فنحن نتكلّم أوّلا في حقيقة العلم الإجماليّ، و بيان الوجوه في ذلك، ثمّ نتكلّم على كلّ وجه من تلك الوجوه في مقدار اقتضاء العلم الإجماليّ، فنقول:


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة19/الجزء الرابع

 

حقيقة العلم الإجمالي

 

إنّ لهم في حقيقة العلم الإجماليّ مباني ثلاثة:

المبنى   الأوّل: ما يستفاد من كلام المحقّق الخراسانيّ قدّس سرّه في تعليقته على كفايته»«: من كون العلم الإجماليّ علما بالفرد المردّد، حيث إنّه ذكر رحمه اللّه في بحث الواجب التخييريّ في الكفاية: أنّ أحد الأقوال فيه كون الواجب هو الواحد المردّد، و ذكر في تعليقته على الكفاية: أنّ هذا لا يرد عليه الإشكال من ناحية أنّه كيف يتعلّق وصف بالواحد المردّد؟ فإنّه قد يتعلّق الوصف الحقيقيّ ذو الإضافة كالعلم به، فضلا عن الوصف الاعتباريّ كالوجوب.

و أورد عليه من قبل من تأخّر عنه بأنّه لا يعقل تعلّق العلم بالفرد المردّد، و أنّه إنّ أراد الواحد المردّد المفهوميّ فهو ليس مردّدا، و إن أراد واقع الفرد المردّد - و الظاهر أنّه المراد له -، فهذا غير معقول، إذ كلّ ماهيّة لها تعيّن ماهويّ لا محالة، و ما ليس له تعيّن ماهوي ليس ماهيّة حتّى يتعلّق العلم به، بل يلزم أيضا التردّد في الوجود، فإنّ المعلوم بالذات موجود بنفس وجود العلم، فيلزم أن يكون العلم موجودا بوجود متردّد، و التردّد في الوجود غير معقول.

و الخلاصة: أنّ التقرّر الماهوي مساوق للتعيّن الماهويّ، و الوجود الخارجيّ مساوق للتعيّن الخارجيّ، و لا يعقل التردّد في الماهيّة، و لا في الوجود، و على أساس أمثال هذه الكلمات أقاموا صرح المبنى الثاني.

و المبنى الثاني: هو ما ذهب إليه المحقّق الأصفهانيّ»« قدّس سرّه، و يظهر من كلمات المحقّق النائيني رحمه اللّه أيضا، من أنّ العلم الإجماليّ يتعلّق بالجامع»« بخلاف العلم التفصيليّ، فالفرق بينهما يكون من ناحية المعلوم بهذا الوجه، و لا فرق بينهما من ناحية العلم.


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة20/الجزء الرابع

 

و برهن المحقّق الأصفهانيّ على أنّ العلم الإجماليّ علم بالجامع مع شكوك في الأفراد بأنّ العلم إمّا أنّه لا يتعلّق بشي‏ء، أو يتعلّق بالجامع، أو يتعلّق بالفرد بحدّه الشخصيّ مردّدا، أو بالفرد المعيّن.

أمّا الأوّل و هو عدم تعلّق العلم بشي‏ء، فباطل، فإنّ العلم من الأوصاف ذات الإضافة.

و أمّا الثالث، فقد فرغنا عن بطلانه.

و أمّا الرابع، فمن الواضح أنّنا لا نعلم بأحد الفردين معيّنا، فلا نقطع بوجود زيد مثلا في المسجد، و لا بوجود عمرو فيه.

فتعيّن أنّ العلم متعلّق بالجامع بينهما، و قال»« رحمه اللّه: إننا نعلم بشيئين: نعلم بوجود إنسان في المسجد، و هو الجامع، و نعلم - أيضا - أنّ ذاك الإنسان ليس غير زيد و عمرو، و هو قدّس سرّه و إن عبّر بوجود علمين في المقام، لكن - في الحقيقة - يوجد علم واحد متعلّق بإنسان ليس غير زيد و عمرو»«، فلا يقال: قد نحتمل أو نعلم بوجود شخص آخر أيضا.

و يمكن إقامة صورة برهان أيضا في قبال هذا البرهان، و هي أنّنا و إن كنّا نعلم بوجود الجامع في المسجد، لكنّنا نعلم - أيضا - بشي‏ء زائد على هذا، فإنّنا عرفنا في المنطق أنّ الجامع لا يوجد إلاّ في ضمن خصوصيّة الفرد، و لا يوجد مستقلاّ عن الأفراد، فنعلم - لا محالة - أنّ هذا الجامع ليس باستقلاله موجودا في المسجد، بل توجد خصوصيّة في المسجد، فقد تعدّى علمنا من الجامع إلى خصوصيّة زائدة، ثمّ ننقل الكلام إلى تلك الخصوصيّة الزائدة التي تعلّق بها العلم، فنقول: هل هي - أيضا - جامع أو جزئيّ؟ فإن فرضت جامعا أعدنا البرهان، و قلنا: إنّه لا يوجد إلاّ في ضمن خصوصيّة... و هكذا إلى أن يتسلسل و هو مستحيل، أو ينتهي الأمر إلى الفرد، فالعلم يتعلّق بالفرد لا بالجامع.

و كأنّ ما ذكره المحقّق الأصفهانيّ قدّس سرّه من أنّنا نعلم - مضافا إلى الجامع - بأنّ هذا الجامع ليس غير زيد و عمرو علاج لهذا المطلب، أي: ما يرى من أنّ العلم تعدّى من الجامع إلى شي‏ء زائد على الجامع، و لكنّ هذا الشي‏ء الزائد إن كان بنفسه جامعا


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة21/الجزء الرابع

 

و كلّيّا، عاد ما ذكرناه من البرهان من أنّنا نعلم بأنّ الجامع لا يوجد إلاّ مع التعيّن في ضمن فرد، و الانطباق عليه، فلا بدّ من انتهاء الأمر إلى تعلّق العلم بالفرد.

و لا يكفي أن يقال: إنّنا نعلم بالجامع مفروغا عن انطباقه، أي: نعلم أنّه وجد الجامع منطبقا على الفرد، فإنّنا نعيد الكلام في هذا الانطباق المعلوم فنقول: هل نعلم بجامع الانطباق، أو بانطباق معيّن؟ فإن علمنا بانطباق معيّن فقد آل الأمر إلى تعلّق العلم بالفرد، و إن علمنا بجامع الانطباق أعدنا برهان العلم بأنّ الجامع لا يوجد إلاّ في ضمن الفرد.

و لا أدري أ لهذا أو لغير هذا أقام المحقّق العراقيّ رحمه اللّه صرح المبنى الثالث.

المبنى الثالث: و هو تعلّق العلم بالواقع، و إنّ الفرق بين العلم الإجماليّ و التفصيليّ إنّما هو في نفس العلم، أو قل في المعلوم بالذات.

و قد ذكر المحقّق العراقي»« رحمه اللّه: أنّه بلغني عن بعض من يدّعي الفضل من أهل العصر أنّه لا فرق بين العلم الإجماليّ و التفصيليّ من ناحية نفس العلم، و إنّما الفرق من ناحية المعلوم الخارجيّ، ففي العلم التفصيليّ يعلم بالواقع، و في العلم الإجماليّ يعلم بالجامع، و الصحيح: أنّ العلم سواء كان إجماليّا أو تفصيليّا يتعلّق بالواقع، و ينكشف به الواقع، إلاّ أنّ الفرق في نفس العلم و الانكشاف، أو قل: المعلوم بالذات، و المنكشف بالذات، فقد يكون الانكشاف انكشافا تامّا و تفصيليّا، و أخرى يكون انكشافا مجملا و غير واضح، أي: أنّ الفرد قد ينكشف بصورته المفصّلة، و قد ينكشف بصورة مشوّشة.

و لو أردنا أن نشبّه العلم الإجماليّ بحسب ما يقوله هو قدّس سرّه بالإحساسات الخارجيّة - و إن لم يشبّهه هو - قلنا: إنّ شخصين يريان جسما، أحدهما يراه من قريب، و الآخر يراه من بعيد، فهو يرى شبحا لا يدري أنّه إنسان أو حيوان أو شجر مثلا، فكلّ من هذين الشخصين يتعلّق إحساسهما بالواقع المعيّن الواحد، لكنّ أحدهما إحساس تفصيليّ، و الآخر إجماليّ و مشوّش و غير واضح، فمثل هذا الفرق الثابت بين الإحساسين الظاهريّين نتصوّره بين الإدراكين الباطنيّين.

هذا، و المحقّق العراقيّ رحمه اللّه لا يقيم في صريح عبارته برهانا على مبناه من أنّ


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة22/الجزء الرابع

 

العلم الإجماليّ - أيضا - يتعلّق بالواقع، و أنّ الفرق بينه و بين العلم التفصيليّ في نفس العلم، و إنّما هو يستبده ما ذكره، و لكن يوجد في عبارته شي‏ء لعلّه يراه هو البرهان على مقصوده، و ذلك الشي‏ء هو أنّ الصورة الإجماليّة تنطبق على تمام ما في الخارج انطباق المجمل على المفصّل، و المبهم على المبيّن، و لا تنطبق على جزء منه فحسب انطباق الكلّيّ على الفرد، فلعلّ هذا إشارة إلى ما مضى منّا في الاستشكال في المبنى الثاني، من أنّنا نعلم بشي‏ء زائد على الجامع الّذي هو جزء الفرد، إذ نعلم أنّ ذلك الجزء لا يستطيع أن يقف على قدميه.

و لكن يمكن الاستشكال في هذا المبنى - أيضا - بما يستخرج من مجموع كلمات المحقّق الأصفهانيّ من أنّ الحدّ الشخصي للفرد هل هو داخل تحت الصورة الإجمالية المنكشفة أو لا؟ و على الأوّل هل الداخل تحت دائرتها هو الحدّ الشخصي المعيّن، أو الحدّ الشخصيّ المردّد؟ فإن فرض دخول الحدّ الشخصيّ المعيّن تحت تلك الصورة المنكشفة أصبح العلم الإجماليّ علما تفصيليّا، و من المعلوم أنّنا لا نرى حدّا شخصيّا معيّنا في تلك الصورة الإجماليّة، و إن فرض دخول الحدّ المردّد تحتها فقد اتّضح بطلانه فيما سبق، و إن فرض عدم تعدّي العلم إلى الحدود الشخصيّة فهذا معنى تعلّق العلم بالجامع، و هكذا نرجع إلى المبنى الثاني، و الّذي هو - أيضا - بدوره يبطل بما مضى من البرهان، كما أنّه إن رجعنا إلى مبنى الفرد المردّد ورد علينا إشكال الفرد المردّد، إذن فما هو العلاج؟ و حيث إنّ العلم الإجماليّ أمر وجدانيّ راجع إلى وجدان كلّ أحد، فلذلك يحتمل قويّا أنّ مقصود من قال بتعلّق العلم بالفرد المردّد، و من قال بتعلّقه بالجامع، و من قال بتعلّقه بالواقع المعيّن شي‏ء واحد، إلاّ أنّه قد نظر كلّ واحد منهم إلى جهة من جهات المطلب، فعبّر بالتعبير المناسب لها.

و تحقيق الحال في هذا المقام: هو أنّ الصورة الكلّيّة المستوردة في الذهن على قسمين:

القسم   الأوّل: الصورة الكلّيّة المستوردة في الذهن من الجزئيات و الأفراد الخارجيّة، فترد في الذهن مثلا صور جزئيّة من أفراد للإنسان، و الذهن البشريّ يقشّرها و يطرح مميّزات كلّ فرد عن الآخر، فتبقى صورة كلّيّة قابلة للانطباق على كثيرين، لأنّها منتزعة من كثيرين، و هو جزء موجود في كلّ واحد منها بناء على تصوّرات المنطق الأرسطيّ، و لذا يقال: إنّ الكلّيّ موجود بوجود الفرد، و إذا وجد الكلّ وجد الجزء.


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة23/الجزء الرابع

 

القسم الثاني: الصورة التي يخلقها الذهن البشريّ نفسه، و يلبسها على ما في الخارج، و يجعلها رمزا لكلّ فرد من الأفراد، و ثوبا قابلا للإلباس على كلّ فرد من الأفراد، فليست هذه الصورة قابلة للانطباق على ما في الخارج بالمعنى الصادق في القسم الأوّل، إذ ليست هي - في الحقيقة - جزءا مفسّرا لكلّ فرد، و موجودة في ضمن كلّ فرد من الأفراد، و إنّما هي رمز يرمز به إلى الفرد الخارجيّ بقشوره، و هذه الصورة كثيرا ما يخلقها الذهن البشريّ، خصوصا إذا لم يستطع أن يسيطر على الأفراد، فينسج صورة بنفسه، حتى يرمز بها إلى أيّ فرد أراد، و ذلك كما في صورة العدم، حيث إنّه لا معنى لإتيان أفراد العدم من الخارج إلى الذهن، و أيّ شي‏ء يرد إلى الذهن من الخارج لكي يقشّره و يكوّن منه صورة العدم الكلّي؟ فلمّا لم يستطع الذهن أن يسيطر على الأفراد صاغ هذا الرمز ليرمز به إلى الواقع، و مثله صورة الوجود، حيث إنّ أفراد الوجود لم تكن تأتي إلى الذهن حسب ما يقال من أنّ الوجود هو أنّه في الأعيان، و هذا لا يأتي في الذهن، فلمّا لم يقدر الذهن البشريّ على السيطرة على أفراده جعل في نفسه هذا الرمز كي يرمز به إلى الأفراد، و من هذه الصور المصوغة من قبل الذهن البشريّ عنوان (أحدهما) و نحوه، فهو عنوان رمزيّ، و ليس شيئا ينطبق على ما في الخارج، و جزءا من كلّ فرد، بل هو رمز لتمام ذاك الفرد بقشوره، و إذا أردنا أن نشبّهه بشي‏ء في باب اللغة شبّهناه بالمشترك اللفظي الّذي هو رمز لكلّ واحد من المعاني بتمامه، لا لخصوص الجزء الجامع بينها، فهذه الرموز تجعل من قبل الذهن البشريّ من قبيل جعل الألفاظ رمزا إلى المعاني، إلاّ أنّها ليست بصناعة اللغة، كما في رمزيّة الألفاظ، بل بقوّة خاصّة في الفهم البشريّ أودعها اللّه (تعالى) فيه ليدرك بها الأشياء.

و في باب العلم الإجماليّ لمّا لم يستطع الذهن البشريّ أن يسيطر على الفرد الموجود من الفردين في الخارج و يصبّ العلم على صورته، نسج عنوان (أحدهما)، و انصبّ العلم على هذه الصورة التي هي رمز تصلح لأن يرمز بها إلى أيّ واحد من الفردين  [1]، و هذا لا يرد عليه شي‏ء من الإشكالات السابقة.

 

__________________________________________

[1] إن كان المقصود: أنّ عنوان (أحدهما) رمز للواقع كرمزيّة اللفظ للمعنى فليس تحت هذا اللفظ مفهوم غير المفهوم المنطبق مباشرة على الواقع، فهذا واضح البطلان، فإنّ لدينا مفاهيم ثلاثة متباينة في عالمها، و هي مفهوم زيد مثلا و مفهوم عمرو، و مفهوم (أحدهما) بإرجاع الضمير


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة24/الجزء الرابع

 

أمّا إشكال الفرد المردّد، فلأنّ عنوان (أحدهما) ليس فردا مردّدا واقعا، و إنّما هو رمز يمكن أن يرمز به إلى هذا الفرد بتمامه، و يمكن أن يرمز به إلى ذاك الفرد بتمامه.

و أمّا إشكال: أنّنا نعلم بأنّ الجامع و الجزء المشترك لا يوجد إلاّ في ضمن الجزئي و في ضمن القشور الفرديّة، فلأنّ العلم لم ينصب على الجامع، و إنّما انصبّ على صورة رمزيّة يمكن أن يرمز بها إلى أيّ واحد من الفردين بقشوره.

و أمّا إشكال: أنّ الحدّ الشخصيّ هل هو داخل تحت الصورة الإجماليّة مردّدا أو معيّنا؟ فالأوّل غير معقول، و الثاني يلزم منه انقلاب العلم الإجماليّ إلى العلم

 

__________________________________________

 

.....- إلى زيد و عمرو، و لو كان لفظ (أحدهما) مفهومه عين المفهوم المنطبق على الواقع لما حلّ لنا مشكلة تصوير العلم الإجماليّ، فإنّه في الجهالة يساوي الواقع المجهول، لأنّهما متّحدان مفهوما، فلم نصنع شيئا لحلّ الإشكال.

و إن كان المقصود: أنّ عنوان (أحدهما) يعطينا مفهوما خاصّا به يباين المفهوم الحاكي مباشرة عن الواقع بخصوصه، و الّذي لم نعلمه بالضبط، و أنّ هذا المفهوم رمز بحت، أي: خاو عن الواقعيّة من قبيل بحر من زئبق، فهذا - أيضا - واضح البطلان، إذ لو كان كذلك لما صحّ حمل عنوان (أحدهما) على كل من زيد و عمرو، إذن فمفهوم أحدهما ليس أمرا خياليا بحتا كما نبّه على ذلك أستاذنا الشهيد رحمه اللّه في بحث الوضع العام و الموضوع له الخاصّ.

و إن كان المقصود: أنّ عنوان (أحدهما) جامع انتزاعيّ لكنّه جامع عرضيّ، و ليس جامعا ذاتيا كي يكون بالضرورة جزءا من الفرد لا يحصل إلاّ بالتقشير، و إنما هو جامع انتزاعي صحّ انتزاعه من كلا الفردين بما لهما من القشور الزائدة على الجامع الذاتي، فهذا مطلب صحيح، و لكن عبارة المتن قاصرة عن أداء ذلك.

و هذا الكلام يأتي في جميع الجوامع الرمزيّة، فهي دائما تكون في واقعها جوامع انتزاعيّة عرضيّة لا خياليّة بحتة.

و افتراض تعلّق العلم الإجماليّ بهذا الجامع الانتزاعي أو العرضي، لا يرد عليه ما مضى من أنّنا نعلم بوجود شي‏ء أكثر من الجامع في المسجد، لأنّ الجامع لا يوجد إلاّ ضمن خصوصيّة الفرد، و ذلك، لأنّ هذا الجامع ليس هو ذاك الجامع الّذي هو من ضمن الفرد، إذ ليس جزءا من الفرد انتزع عنه بالتقشير، و إنما هو جامع منتزع من الفردين بما هما فردان، و بما لهما من قشور بالمقدار الداخل تحت العلم.


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة25/الجزء الرابع

 

التفصيليّ، فلأنّنا لا ندّعي كون مصبّ العلم هو الحدّ الشخصيّ، بل مصبّه هو عنوان (أحدهما).

هذا هو واقع المطلب الّذي اختلفت التعابير عنه، فيمكن أن يعبّر عنه بالفرد المردّد، و يمكن أن يعبّر عنه بالجامع، و يمكن أن يعبّر عنه بالواقع، فإنّ هذا الرمز بطبيعته له مرونة، يمكن أن يرمز به إلى هذا الفرد، و يمكن أن يرمز به إلى ذاك الفرد، و في نفس الوقت لا يمكن أن يرمز به إلى الفردين معا بنحو المجموعيّة، بل يرمز به إلى كلّ واحد منهما على سبيل البدل عينا من قبيل الثوب الّذي يصحّ أن يقال: إنّه صالح لأن يلبسه كلّ أحد، و يصح أن يقال: إنّه لا يصلح إلاّ للبس فرد واحد، فمن نظر إلى مرونة هذا الرمز عبّر بالجامع، و من نظر إلى الفرد المعيّن الّذي رمز إليه بهذا الرمز عبّر بالواقع، و من نظر إلى أنّ ما يصلح لأن يرمز إليه هو أحد الفردين على سبيل البدل عبّر بالفرد المردّد، فالخلط بين هذا الرمز و الجامع يوجب التعبير بالفرد المردّد، فإنّ ما يكون منطبقا على كلّ واحد من الفردين كالجامع - لا رمزا إليه - و يكون انطباقه على الفرد انطباقا عليه مع قشوره إنّما هو الفرد المردّد.

هذا و تجدر الإشارة هنا إلى المراد من التعبير بالواقع، و حاصل الكلام: أنّ هذا الرمز ليس دائما يرمز إلى الواقع المعيّن، بل قد لا يرمز إليه، أي: أنّ علم الشخص لا يكون متوجّها نحو فرد معيّن، لاستواء نسبته إلى كلا الفردين، و لا أقصد بذلك التفرقة بين ما لو كان كلا طرفي المعلوم بالإجمال ثابتا في الواقع و ما لو كان أحد طرفيه فقط ثابتا في الواقع، بل أقصد بذلك التفرقة بين ما لو كان منشأ العلم الإجماليّ ما يدلّ بمقتضاه الأوّلي على عدم اجتماع نقيض كلّ من طرفي العلم الإجماليّ كحساب الاحتمالات، أو البرهان على عدم الاجتماع، و ما لو كان منشأه ما لا تستوي نسبته إلى الطرفين، كما لو سمع صوت أحد الشخصين فعرف وجود أحدهما في المسجد مثلا، فالعلم الإجماليّ في الثاني له توجّه نحو أحد الفردين بالخصوص بخلافه في الأوّل.

لكنّ هذا التفصيل لا يوجب إشكالا على التعبير بتعلّق العلم الإجماليّ بالواقع، و توضيح ذلك: أنّ المقصود بتعلّق العلم الإجماليّ بالواقع ليس هو كون المعلوم بالذات هو الواقع، فإنّ ذلك معلوم بالعرض، و المعلوم بالذات ثابت في أفق النّفس، و ليس أيضا المقصود بذلك: أنّ المعلوم بالذات دائما يوجد في الخارج ما يطابقه من معلوم بالعرض معيّن، فإنّ العلم الإجماليّ قد يكون جهلا مركّبا، كالعلم


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة26/الجزء الرابع

 

التفصيليّ الّذي قد يكون أيضا جهلا مركّبا، فلا يوجد فرد معيّن في الخارج يطابق المعلوم بالذات تفصيلا، و إنّما المقصود بذلك هو بيان ضيق الصورة المعلومة بالذات و أنّها بمقدار الواقع  [1]، و من المعلوم أنّ انتفاء الواقع لا يوجب سعة في الصورة المعلومة بالذات، و لذا يقال في العلم التفصيليّ بلا إشكال: إنّه متعلّق بالواقع في قبال تعلّقه بالجامع، و لو لم يكن المعلوم موجودا في الخارج أصلا، لأنّ الصورة المعلومة بالذات لا تتّسع بعدم وجود المعلوم بالذات، و كذلك الحال في العلم الإجماليّ، فالصورة المعلومة بالإجمال إن لم ترمز إلى فرد معيّن في الواقع، إمّا لعدم وجوده أصلا، أو لكون نسبتها إلى الفردين على حدّ سواء، فهذا ليس توسعة في تلك الصورة، كما لو علم محالا بالجامع فقط، و إنّما هي باقية على حالها من الضيق.