الفهرس    
         
   
  • تنبيهات العلم الإجمالي

  • دوران الأمربين الأقل والأكثر الإرتباطيين

  • خاتمة في شرائط الأصول

 

 

   
   

مباحث ‏الأصول/الصفحة11/الجزء الرابع

 

 

مباحث الأصول الجزء الرابع

 

 

الأصول العمليّة 3

 

أصالة الاحتياط

1 - دوران الأمر بين المتباينين.

2 - دوران الأمر بين الأقل و الأكثر.


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة13/الجزء الرابع

 

 

أصالة الاحتياط 1

 

دوران الأمر بين المتباينين

 

1 - منجّزيّة العلم الإجمالي.

2 - تنبيهات العلم الإجمالي.


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة15/الجزء الرابع

 

منجّزية العلم الإجماليّ

 

لا يخفى أنّنا على مسلكنا من إنكار مبدأ قبح العقاب بلا بيان نكون فارغين عن وجود المقتضي للتنجيز لكلّ من الطرفين، و هو نفس الاحتمال بلا حاجة إلى البحث عن أنّ العلم الإجماليّ هل يقتضي التنجيز بقدر الجامع، أو بقدر الواقع، و إنّما نحتاج إلى البحث عن أنّ العلم الإجماليّ هل يمنع عن جريان الأصول في الأطراف تماما، أو في بعضها أيضا، أو لا؟ في حين أنّه على مبنى القوم القائلين بقاعدة قبح العقاب بلا بيان يقع البحث في أنّ العلم الإجمالي هل يقتضي التنجيز، أو لا؟ و اقتضاؤه للتنجيز هل يكون بمقدار الجامع، أو بمقدار الواقع؟ و اقتضاؤه له هل هو بنحو العلّيّة التامّة، أو لا؟ إلاّ أنّ السيّد الأستاذ رغم إيمانه بقاعدة قبح العقاب بلا بيان ذهب»« في المقام إلى أنّ احتمال التكليف يقتضي التنجيز، و لا حاجة إلى البحث عن اقتضاء العلم الإجماليّ للتنجيز، فذكر: أنّ احتمال التكليف بما أنّه يقتضي في نفسه احتمال العقاب في المخالفة يقتضي - لا محالة - التنجيز في المقام، لأنّ احتمال العقاب يوجب التنجّز، و يحكم العقل على أساس هذا الاحتمال بلزوم الامتثال ما لم يوجد رافع لهذا الاحتمال، و مؤمّن من العقاب كقاعدة قبح العقاب بلا بيان، و حتّى في فرض القطع بالتكليف إنّما يكون المنجّز هو احتمال العقاب لا القطع بالعقاب، إذ لا قطع بالعقاب، فإنّه يحتمل عدم العقاب بمثل التوبة أو العفو أو الشفاعة.

نعم، احتمال العقاب عند القطع بالتكليف أقوى منه عند الشكّ فيه، لأنّه عند الشكّ يوجد منشأ ان لاحتمال عدم العقاب: أحدهما: احتمال عدم العقاب من


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة16/الجزء الرابع

 

باب السالبة بانتفاء الموضوع، بأن لا يكون في المقام تكليف أصلا  [1]، و الآخر:

احتمال عدم العقاب، من باب السالبة بانتفاء المحمول، بمثل العفو و الشفاعة. و أمّا مع القطع بالتكليف فلا يوجد إلاّ احتمال عدم العقاب من باب السالبة بانتفاء المحمول، و إذا كان الموجب للتنجّز هو احتمال العقاب الثابت بمجرّد احتمال التكليف، فلا حاجة في مورد العلم الإجماليّ إلى البحث عن أنّ العلم الإجماليّ ما هو تأثيره في مقام التنجيز؟ فإنّ المقتضي للتنجيز موجود قطعا، و إنّما يجب البحث عن وجود المانع عن التنجيز في المقام و هو القواعد المؤمّنة.

إلاّ أنّ هذا الكلام لا يناسب السيّد الأستاذ، و يرد عليه:

أوّلا: أنّ احتمال العقاب ليس هو المنشأ للتنجّز، و إنّما هو متأخّر رتبة عن التنجّز، و لو لا تنجّز التكليف علينا لما كان وجه للعقاب، إذ هو عقاب بلا حقّ، و إنّما نستحقّ العقاب بمخالفة التكليف المنجّز، و ما ذكره خلط بين التنجّز الأخلاقيّ و التنجّز الجبلّيّ، فإنّنا إنّما نتكلّم في التنجّز الأخلاقيّ، و هو التنجّز الّذي يحكم به العقل العمليّ، و هو منشأ للعقاب، و ليس نتيجة لاحتمال العقاب.

و أمّا التنجّز الجبلّيّ فهو ليس ضرورة خلقيّة، بل ضرورة جبلّية ناشئة من احتمال العقاب و لو من قبل ظالم جائر، فلو أوعدنا الظالم بالعقاب على ترك عمل فنحن نضطرّ إلى الإتيان به بجبلّتنا، و حبّنا لأنفسنا و فرارنا عن الأذى بطبيعتنا الذاتيّة، و ليس الكلام في هذا التنجّز.

ثمّ النسبة بين احتمال العقاب و التنجّز عموم من وجه، فيمكن فرض التنجّز من دون احتمال العقاب، كما لو قطع العبد بأنّه لو عصى لتعقّبت معصيته بالتوبة أو الشفاعة أو العفو، فإنّه مع هذا لا تجوز له عقلا المعصية، و يكون التكليف منجّزا عليه. و يمكن فرض احتمال العقاب من دون التنجّز، كما لو شكّ العبد في صحّة قاعدة (قبح العقاب بلا بيان)، و فرضنا أنّها في الواقع صحيحة، فخالف تكليفا مشكوكا لم يتمّ عليه البيان، فهو يحتمل العقاب، لأنّه يحتمل بطلان القاعدة، لكنّ التنجّز في الواقع غير ثابت، لفرض صحّة القاعدة بحسب الواقع.

و ثانيا: أنّ ما ذكره - من احتمال عدم العقاب عند الشكّ من باب احتمال

 

__________________________________________

[1] هذا هو مصبّ ما يأتي من الإشكال الثاني من إشكالات أستاذنا الشهيد رحمه اللّه على السيّد الخوئيّ رحمه اللّه، إلاّ أنّ هذا إنّما هو موجود في الدراسات، و ليس موجودا في المصباح.


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة17/الجزء الرابع

 

السالبة بانتفاء الموضوع، و هو التكليف - غير صحيح على ما هو المسلّم بيننا و بينه، من أنّ التكليف بوجوده الواقعيّ ليس موضوعا للعقاب، و لذا لا يفرّق بين المتجرّي و العاصي في مناط العقاب.

و ثالثا: لو سلّمنا كون احتمال العقاب بنفسه مقتضيا للتنجّز، قلنا: كيف فرض في المقام الفراغ عن مقتضي التنجيز، و أنّ البحث يجب أن يكون عن المانع؟ و أيّ شي‏ء جعله أساسا في المقام؟ هل هو كبرى قاعدة منجّزيّة احتمال العقاب، أو صغرى ثبوت البيان؟ فإن جعل الأساس كبرى قاعدة منجزيّة احتمال العقاب، فاستغنى عن البحث عن اقتضاء العلم الإجماليّ، فكيف صحّ له جعل هذه القاعدة أساسا في المقام، مع أنّ المفروض تقدّم قاعدة ثانويّة عليها، و هي قاعدة (قبح العقاب بلا بيان)، ففي العلم الإجماليّ لا بدّ أن نبدأ البحث من هنا، لا من قاعدة محكومة لهذه القاعدة، فيجب أن يتكلّم أوّلا في مقدار بيانيّة العلم الإجماليّ، و كيفيّة الخروج به عن هذه القاعدة الثانويّة و اقتضائه للتنجيز.

و إن جعل الأساس صغرى ثبوت البيان التي تفني موضوع ما أشرنا إليه من القاعدة الحاكمة، فعندها تكون قاعدة منجّزيّة احتمال العقاب غير محكومة، فالكلام يكون في نفس هذه الصغرى، و مقدار بيانيّة العلم الإجماليّ، و لا معنى لغضّ النّظر عنها، و فرضها أساسا مفروغا عنه بحدوده.

و على أيّة حال فنحن نعقد البحث هنا في مقامات ثلاثة:

الأوّل: في اقتضاء العلم الإجماليّ للتنجيز و إن كنّا لا نحتاج على مسلكنا إلى البحث عن ذلك، لكفاية اقتضاء نفس الاحتمال للتنجيز.

الثاني: في مانعيّة العلم الإجماليّ ثبوتا أو إثباتا عن إجراء الأصول في تمام الأطراف.

الثالث: في مانعيّته ثبوتا أو إثباتا عن جريانها في بعض الأطراف.

و الحاجة إلى البحث عن هذين المقامين الأخيرين ثابتة حتّى على مبنانا من مبدأ منجّزيّة الاحتمال.


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة18/الجزء الرابع

 

اقتضاء العلم الإجمالي للتنجيز

 

أمّا المقام الأوّل، و هو البحث عن اقتضاء العلم الإجماليّ للتنجيز و عدمه، فللتنجيز مرتبتان:

المرتبة الأولى: التنجيز بمقدار حرمة المخالفة القطعيّة، و لا ينبغي الإشكال في اقتضاء العلم الإجماليّ لهذا المستوى من التنجيز، فإنّ البيان بمقدار الجامع ثابت على كلّ حال، و لم يستشكل أحد من المحقّقين المتأخّرين في اقتضائه للتنجيز بمقدار حرمة المخالفة القطعيّة، و نسب القول بعدم الاقتضاء إلى من لم نقف على اسمه من المتقدّمين، و لعلّه كان في عصر لم يميّز فيه بعد بين الأصل العقليّ و الشرعيّ، فكان مقصوده - في الحقيقة - دعوى جريان البراءة الشرعيّة في الأطراف لا البراءة العقليّة. و على أيّة حال، فإنكار الاقتضاء في المقام واضح البطلان.

و المرتبة الثانية: التنجيز بمقدار وجوب الموافقة القطعيّة، و هذا هو الّذي يكون في الحقيقة مثارا للبحث عن اقتضاء العلم الإجماليّ للتنجيز و عدمه.

و قد ذهب المحقّق النائينيّ قدّس سرّه - على ما في تقرير السيّد الأستاذ»« - إلى عدم اقتضائه للتنجيز بهذا المقدار، و لكنّ المشهور في مدارس المحقّق الخراسانيّ رحمه اللّه هو الاقتضاء، و هو المنقول عن المحقّق النائينيّ في تقرير الشيخ الكاظميّ»«.

و الظاهر أنّ الاختلاف بين التقريرين باعتبار تعدّد الدورتين، لأنّ دورة البحث التي كتبها الشيخ الكاظميّ سبقت الدورة التي كتبها السيّد الأستاذ، فكأنّ الشي‏ء الّذي استقرّ رأي المحقّق النائيني رحمه اللّه عليه أخيرا هو القول بعدم الاقتضاء.

و ربط بعض اقتضاء العلم الإجماليّ للتنجيز بمقدار الموافقة القطعيّة و عدمه بحقيقة العلم الإجماليّ و ما هو المنكشف به، فنحن نتكلّم أوّلا في حقيقة العلم الإجماليّ، و بيان الوجوه في ذلك، ثمّ نتكلّم على كلّ وجه من تلك الوجوه في مقدار اقتضاء العلم الإجماليّ، فنقول:


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة19/الجزء الرابع

 

حقيقة العلم الإجمالي

 

إنّ لهم في حقيقة العلم الإجماليّ مباني ثلاثة:

المبنى   الأوّل: ما يستفاد من كلام المحقّق الخراسانيّ قدّس سرّه في تعليقته على كفايته»«: من كون العلم الإجماليّ علما بالفرد المردّد، حيث إنّه ذكر رحمه اللّه في بحث الواجب التخييريّ في الكفاية: أنّ أحد الأقوال فيه كون الواجب هو الواحد المردّد، و ذكر في تعليقته على الكفاية: أنّ هذا لا يرد عليه الإشكال من ناحية أنّه كيف يتعلّق وصف بالواحد المردّد؟ فإنّه قد يتعلّق الوصف الحقيقيّ ذو الإضافة كالعلم به، فضلا عن الوصف الاعتباريّ كالوجوب.

و أورد عليه من قبل من تأخّر عنه بأنّه لا يعقل تعلّق العلم بالفرد المردّد، و أنّه إنّ أراد الواحد المردّد المفهوميّ فهو ليس مردّدا، و إن أراد واقع الفرد المردّد - و الظاهر أنّه المراد له -، فهذا غير معقول، إذ كلّ ماهيّة لها تعيّن ماهويّ لا محالة، و ما ليس له تعيّن ماهوي ليس ماهيّة حتّى يتعلّق العلم به، بل يلزم أيضا التردّد في الوجود، فإنّ المعلوم بالذات موجود بنفس وجود العلم، فيلزم أن يكون العلم موجودا بوجود متردّد، و التردّد في الوجود غير معقول.

و الخلاصة: أنّ التقرّر الماهوي مساوق للتعيّن الماهويّ، و الوجود الخارجيّ مساوق للتعيّن الخارجيّ، و لا يعقل التردّد في الماهيّة، و لا في الوجود، و على أساس أمثال هذه الكلمات أقاموا صرح المبنى الثاني.

و المبنى الثاني: هو ما ذهب إليه المحقّق الأصفهانيّ»« قدّس سرّه، و يظهر من كلمات المحقّق النائيني رحمه اللّه أيضا، من أنّ العلم الإجماليّ يتعلّق بالجامع»« بخلاف العلم التفصيليّ، فالفرق بينهما يكون من ناحية المعلوم بهذا الوجه، و لا فرق بينهما من ناحية العلم.


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة20/الجزء الرابع

 

و برهن المحقّق الأصفهانيّ على أنّ العلم الإجماليّ علم بالجامع مع شكوك في الأفراد بأنّ العلم إمّا أنّه لا يتعلّق بشي‏ء، أو يتعلّق بالجامع، أو يتعلّق بالفرد بحدّه الشخصيّ مردّدا، أو بالفرد المعيّن.

أمّا الأوّل و هو عدم تعلّق العلم بشي‏ء، فباطل، فإنّ العلم من الأوصاف ذات الإضافة.

و أمّا الثالث، فقد فرغنا عن بطلانه.

و أمّا الرابع، فمن الواضح أنّنا لا نعلم بأحد الفردين معيّنا، فلا نقطع بوجود زيد مثلا في المسجد، و لا بوجود عمرو فيه.

فتعيّن أنّ العلم متعلّق بالجامع بينهما، و قال»« رحمه اللّه: إننا نعلم بشيئين: نعلم بوجود إنسان في المسجد، و هو الجامع، و نعلم - أيضا - أنّ ذاك الإنسان ليس غير زيد و عمرو، و هو قدّس سرّه و إن عبّر بوجود علمين في المقام، لكن - في الحقيقة - يوجد علم واحد متعلّق بإنسان ليس غير زيد و عمرو»«، فلا يقال: قد نحتمل أو نعلم بوجود شخص آخر أيضا.

و يمكن إقامة صورة برهان أيضا في قبال هذا البرهان، و هي أنّنا و إن كنّا نعلم بوجود الجامع في المسجد، لكنّنا نعلم - أيضا - بشي‏ء زائد على هذا، فإنّنا عرفنا في المنطق أنّ الجامع لا يوجد إلاّ في ضمن خصوصيّة الفرد، و لا يوجد مستقلاّ عن الأفراد، فنعلم - لا محالة - أنّ هذا الجامع ليس باستقلاله موجودا في المسجد، بل توجد خصوصيّة في المسجد، فقد تعدّى علمنا من الجامع إلى خصوصيّة زائدة، ثمّ ننقل الكلام إلى تلك الخصوصيّة الزائدة التي تعلّق بها العلم، فنقول: هل هي - أيضا - جامع أو جزئيّ؟ فإن فرضت جامعا أعدنا البرهان، و قلنا: إنّه لا يوجد إلاّ في ضمن خصوصيّة... و هكذا إلى أن يتسلسل و هو مستحيل، أو ينتهي الأمر إلى الفرد، فالعلم يتعلّق بالفرد لا بالجامع.

و كأنّ ما ذكره المحقّق الأصفهانيّ قدّس سرّه من أنّنا نعلم - مضافا إلى الجامع - بأنّ هذا الجامع ليس غير زيد و عمرو علاج لهذا المطلب، أي: ما يرى من أنّ العلم تعدّى من الجامع إلى شي‏ء زائد على الجامع، و لكنّ هذا الشي‏ء الزائد إن كان بنفسه جامعا


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة21/الجزء الرابع

 

و كلّيّا، عاد ما ذكرناه من البرهان من أنّنا نعلم بأنّ الجامع لا يوجد إلاّ مع التعيّن في ضمن فرد، و الانطباق عليه، فلا بدّ من انتهاء الأمر إلى تعلّق العلم بالفرد.

و لا يكفي أن يقال: إنّنا نعلم بالجامع مفروغا عن انطباقه، أي: نعلم أنّه وجد الجامع منطبقا على الفرد، فإنّنا نعيد الكلام في هذا الانطباق المعلوم فنقول: هل نعلم بجامع الانطباق، أو بانطباق معيّن؟ فإن علمنا بانطباق معيّن فقد آل الأمر إلى تعلّق العلم بالفرد، و إن علمنا بجامع الانطباق أعدنا برهان العلم بأنّ الجامع لا يوجد إلاّ في ضمن الفرد.

و لا أدري أ لهذا أو لغير هذا أقام المحقّق العراقيّ رحمه اللّه صرح المبنى الثالث.

المبنى الثالث: و هو تعلّق العلم بالواقع، و إنّ الفرق بين العلم الإجماليّ و التفصيليّ إنّما هو في نفس العلم، أو قل في المعلوم بالذات.

و قد ذكر المحقّق العراقي»« رحمه اللّه: أنّه بلغني عن بعض من يدّعي الفضل من أهل العصر أنّه لا فرق بين العلم الإجماليّ و التفصيليّ من ناحية نفس العلم، و إنّما الفرق من ناحية المعلوم الخارجيّ، ففي العلم التفصيليّ يعلم بالواقع، و في العلم الإجماليّ يعلم بالجامع، و الصحيح: أنّ العلم سواء كان إجماليّا أو تفصيليّا يتعلّق بالواقع، و ينكشف به الواقع، إلاّ أنّ الفرق في نفس العلم و الانكشاف، أو قل: المعلوم بالذات، و المنكشف بالذات، فقد يكون الانكشاف انكشافا تامّا و تفصيليّا، و أخرى يكون انكشافا مجملا و غير واضح، أي: أنّ الفرد قد ينكشف بصورته المفصّلة، و قد ينكشف بصورة مشوّشة.

و لو أردنا أن نشبّه العلم الإجماليّ بحسب ما يقوله هو قدّس سرّه بالإحساسات الخارجيّة - و إن لم يشبّهه هو - قلنا: إنّ شخصين يريان جسما، أحدهما يراه من قريب، و الآخر يراه من بعيد، فهو يرى شبحا لا يدري أنّه إنسان أو حيوان أو شجر مثلا، فكلّ من هذين الشخصين يتعلّق إحساسهما بالواقع المعيّن الواحد، لكنّ أحدهما إحساس تفصيليّ، و الآخر إجماليّ و مشوّش و غير واضح، فمثل هذا الفرق الثابت بين الإحساسين الظاهريّين نتصوّره بين الإدراكين الباطنيّين.

هذا، و المحقّق العراقيّ رحمه اللّه لا يقيم في صريح عبارته برهانا على مبناه من أنّ


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة22/الجزء الرابع

 

العلم الإجماليّ - أيضا - يتعلّق بالواقع، و أنّ الفرق بينه و بين العلم التفصيليّ في نفس العلم، و إنّما هو يستبده ما ذكره، و لكن يوجد في عبارته شي‏ء لعلّه يراه هو البرهان على مقصوده، و ذلك الشي‏ء هو أنّ الصورة الإجماليّة تنطبق على تمام ما في الخارج انطباق المجمل على المفصّل، و المبهم على المبيّن، و لا تنطبق على جزء منه فحسب انطباق الكلّيّ على الفرد، فلعلّ هذا إشارة إلى ما مضى منّا في الاستشكال في المبنى الثاني، من أنّنا نعلم بشي‏ء زائد على الجامع الّذي هو جزء الفرد، إذ نعلم أنّ ذلك الجزء لا يستطيع أن يقف على قدميه.

و لكن يمكن الاستشكال في هذا المبنى - أيضا - بما يستخرج من مجموع كلمات المحقّق الأصفهانيّ من أنّ الحدّ الشخصي للفرد هل هو داخل تحت الصورة الإجمالية المنكشفة أو لا؟ و على الأوّل هل الداخل تحت دائرتها هو الحدّ الشخصي المعيّن، أو الحدّ الشخصيّ المردّد؟ فإن فرض دخول الحدّ الشخصيّ المعيّن تحت تلك الصورة المنكشفة أصبح العلم الإجماليّ علما تفصيليّا، و من المعلوم أنّنا لا نرى حدّا شخصيّا معيّنا في تلك الصورة الإجماليّة، و إن فرض دخول الحدّ المردّد تحتها فقد اتّضح بطلانه فيما سبق، و إن فرض عدم تعدّي العلم إلى الحدود الشخصيّة فهذا معنى تعلّق العلم بالجامع، و هكذا نرجع إلى المبنى الثاني، و الّذي هو - أيضا - بدوره يبطل بما مضى من البرهان، كما أنّه إن رجعنا إلى مبنى الفرد المردّد ورد علينا إشكال الفرد المردّد، إذن فما هو العلاج؟ و حيث إنّ العلم الإجماليّ أمر وجدانيّ راجع إلى وجدان كلّ أحد، فلذلك يحتمل قويّا أنّ مقصود من قال بتعلّق العلم بالفرد المردّد، و من قال بتعلّقه بالجامع، و من قال بتعلّقه بالواقع المعيّن شي‏ء واحد، إلاّ أنّه قد نظر كلّ واحد منهم إلى جهة من جهات المطلب، فعبّر بالتعبير المناسب لها.

و تحقيق الحال في هذا المقام: هو أنّ الصورة الكلّيّة المستوردة في الذهن على قسمين:

القسم   الأوّل: الصورة الكلّيّة المستوردة في الذهن من الجزئيات و الأفراد الخارجيّة، فترد في الذهن مثلا صور جزئيّة من أفراد للإنسان، و الذهن البشريّ يقشّرها و يطرح مميّزات كلّ فرد عن الآخر، فتبقى صورة كلّيّة قابلة للانطباق على كثيرين، لأنّها منتزعة من كثيرين، و هو جزء موجود في كلّ واحد منها بناء على تصوّرات المنطق الأرسطيّ، و لذا يقال: إنّ الكلّيّ موجود بوجود الفرد، و إذا وجد الكلّ وجد الجزء.


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة23/الجزء الرابع

 

القسم الثاني: الصورة التي يخلقها الذهن البشريّ نفسه، و يلبسها على ما في الخارج، و يجعلها رمزا لكلّ فرد من الأفراد، و ثوبا قابلا للإلباس على كلّ فرد من الأفراد، فليست هذه الصورة قابلة للانطباق على ما في الخارج بالمعنى الصادق في القسم الأوّل، إذ ليست هي - في الحقيقة - جزءا مفسّرا لكلّ فرد، و موجودة في ضمن كلّ فرد من الأفراد، و إنّما هي رمز يرمز به إلى الفرد الخارجيّ بقشوره، و هذه الصورة كثيرا ما يخلقها الذهن البشريّ، خصوصا إذا لم يستطع أن يسيطر على الأفراد، فينسج صورة بنفسه، حتى يرمز بها إلى أيّ فرد أراد، و ذلك كما في صورة العدم، حيث إنّه لا معنى لإتيان أفراد العدم من الخارج إلى الذهن، و أيّ شي‏ء يرد إلى الذهن من الخارج لكي يقشّره و يكوّن منه صورة العدم الكلّي؟ فلمّا لم يستطع الذهن أن يسيطر على الأفراد صاغ هذا الرمز ليرمز به إلى الواقع، و مثله صورة الوجود، حيث إنّ أفراد الوجود لم تكن تأتي إلى الذهن حسب ما يقال من أنّ الوجود هو أنّه في الأعيان، و هذا لا يأتي في الذهن، فلمّا لم يقدر الذهن البشريّ على السيطرة على أفراده جعل في نفسه هذا الرمز كي يرمز به إلى الأفراد، و من هذه الصور المصوغة من قبل الذهن البشريّ عنوان (أحدهما) و نحوه، فهو عنوان رمزيّ، و ليس شيئا ينطبق على ما في الخارج، و جزءا من كلّ فرد، بل هو رمز لتمام ذاك الفرد بقشوره، و إذا أردنا أن نشبّهه بشي‏ء في باب اللغة شبّهناه بالمشترك اللفظي الّذي هو رمز لكلّ واحد من المعاني بتمامه، لا لخصوص الجزء الجامع بينها، فهذه الرموز تجعل من قبل الذهن البشريّ من قبيل جعل الألفاظ رمزا إلى المعاني، إلاّ أنّها ليست بصناعة اللغة، كما في رمزيّة الألفاظ، بل بقوّة خاصّة في الفهم البشريّ أودعها اللّه (تعالى) فيه ليدرك بها الأشياء.

و في باب العلم الإجماليّ لمّا لم يستطع الذهن البشريّ أن يسيطر على الفرد الموجود من الفردين في الخارج و يصبّ العلم على صورته، نسج عنوان (أحدهما)، و انصبّ العلم على هذه الصورة التي هي رمز تصلح لأن يرمز بها إلى أيّ واحد من الفردين  [1]، و هذا لا يرد عليه شي‏ء من الإشكالات السابقة.

 

__________________________________________

[1] إن كان المقصود: أنّ عنوان (أحدهما) رمز للواقع كرمزيّة اللفظ للمعنى فليس تحت هذا اللفظ مفهوم غير المفهوم المنطبق مباشرة على الواقع، فهذا واضح البطلان، فإنّ لدينا مفاهيم ثلاثة متباينة في عالمها، و هي مفهوم زيد مثلا و مفهوم عمرو، و مفهوم (أحدهما) بإرجاع الضمير


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة24/الجزء الرابع

 

أمّا إشكال الفرد المردّد، فلأنّ عنوان (أحدهما) ليس فردا مردّدا واقعا، و إنّما هو رمز يمكن أن يرمز به إلى هذا الفرد بتمامه، و يمكن أن يرمز به إلى ذاك الفرد بتمامه.

و أمّا إشكال: أنّنا نعلم بأنّ الجامع و الجزء المشترك لا يوجد إلاّ في ضمن الجزئي و في ضمن القشور الفرديّة، فلأنّ العلم لم ينصب على الجامع، و إنّما انصبّ على صورة رمزيّة يمكن أن يرمز بها إلى أيّ واحد من الفردين بقشوره.

و أمّا إشكال: أنّ الحدّ الشخصيّ هل هو داخل تحت الصورة الإجماليّة مردّدا أو معيّنا؟ فالأوّل غير معقول، و الثاني يلزم منه انقلاب العلم الإجماليّ إلى العلم

 

__________________________________________

 

.....- إلى زيد و عمرو، و لو كان لفظ (أحدهما) مفهومه عين المفهوم المنطبق على الواقع لما حلّ لنا مشكلة تصوير العلم الإجماليّ، فإنّه في الجهالة يساوي الواقع المجهول، لأنّهما متّحدان مفهوما، فلم نصنع شيئا لحلّ الإشكال.

و إن كان المقصود: أنّ عنوان (أحدهما) يعطينا مفهوما خاصّا به يباين المفهوم الحاكي مباشرة عن الواقع بخصوصه، و الّذي لم نعلمه بالضبط، و أنّ هذا المفهوم رمز بحت، أي: خاو عن الواقعيّة من قبيل بحر من زئبق، فهذا - أيضا - واضح البطلان، إذ لو كان كذلك لما صحّ حمل عنوان (أحدهما) على كل من زيد و عمرو، إذن فمفهوم أحدهما ليس أمرا خياليا بحتا كما نبّه على ذلك أستاذنا الشهيد رحمه اللّه في بحث الوضع العام و الموضوع له الخاصّ.

و إن كان المقصود: أنّ عنوان (أحدهما) جامع انتزاعيّ لكنّه جامع عرضيّ، و ليس جامعا ذاتيا كي يكون بالضرورة جزءا من الفرد لا يحصل إلاّ بالتقشير، و إنما هو جامع انتزاعي صحّ انتزاعه من كلا الفردين بما لهما من القشور الزائدة على الجامع الذاتي، فهذا مطلب صحيح، و لكن عبارة المتن قاصرة عن أداء ذلك.

و هذا الكلام يأتي في جميع الجوامع الرمزيّة، فهي دائما تكون في واقعها جوامع انتزاعيّة عرضيّة لا خياليّة بحتة.

و افتراض تعلّق العلم الإجماليّ بهذا الجامع الانتزاعي أو العرضي، لا يرد عليه ما مضى من أنّنا نعلم بوجود شي‏ء أكثر من الجامع في المسجد، لأنّ الجامع لا يوجد إلاّ ضمن خصوصيّة الفرد، و ذلك، لأنّ هذا الجامع ليس هو ذاك الجامع الّذي هو من ضمن الفرد، إذ ليس جزءا من الفرد انتزع عنه بالتقشير، و إنما هو جامع منتزع من الفردين بما هما فردان، و بما لهما من قشور بالمقدار الداخل تحت العلم.


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة25/الجزء الرابع

 

التفصيليّ، فلأنّنا لا ندّعي كون مصبّ العلم هو الحدّ الشخصيّ، بل مصبّه هو عنوان (أحدهما).

هذا هو واقع المطلب الّذي اختلفت التعابير عنه، فيمكن أن يعبّر عنه بالفرد المردّد، و يمكن أن يعبّر عنه بالجامع، و يمكن أن يعبّر عنه بالواقع، فإنّ هذا الرمز بطبيعته له مرونة، يمكن أن يرمز به إلى هذا الفرد، و يمكن أن يرمز به إلى ذاك الفرد، و في نفس الوقت لا يمكن أن يرمز به إلى الفردين معا بنحو المجموعيّة، بل يرمز به إلى كلّ واحد منهما على سبيل البدل عينا من قبيل الثوب الّذي يصحّ أن يقال: إنّه صالح لأن يلبسه كلّ أحد، و يصح أن يقال: إنّه لا يصلح إلاّ للبس فرد واحد، فمن نظر إلى مرونة هذا الرمز عبّر بالجامع، و من نظر إلى الفرد المعيّن الّذي رمز إليه بهذا الرمز عبّر بالواقع، و من نظر إلى أنّ ما يصلح لأن يرمز إليه هو أحد الفردين على سبيل البدل عبّر بالفرد المردّد، فالخلط بين هذا الرمز و الجامع يوجب التعبير بالفرد المردّد، فإنّ ما يكون منطبقا على كلّ واحد من الفردين كالجامع - لا رمزا إليه - و يكون انطباقه على الفرد انطباقا عليه مع قشوره إنّما هو الفرد المردّد.

هذا و تجدر الإشارة هنا إلى المراد من التعبير بالواقع، و حاصل الكلام: أنّ هذا الرمز ليس دائما يرمز إلى الواقع المعيّن، بل قد لا يرمز إليه، أي: أنّ علم الشخص لا يكون متوجّها نحو فرد معيّن، لاستواء نسبته إلى كلا الفردين، و لا أقصد بذلك التفرقة بين ما لو كان كلا طرفي المعلوم بالإجمال ثابتا في الواقع و ما لو كان أحد طرفيه فقط ثابتا في الواقع، بل أقصد بذلك التفرقة بين ما لو كان منشأ العلم الإجماليّ ما يدلّ بمقتضاه الأوّلي على عدم اجتماع نقيض كلّ من طرفي العلم الإجماليّ كحساب الاحتمالات، أو البرهان على عدم الاجتماع، و ما لو كان منشأه ما لا تستوي نسبته إلى الطرفين، كما لو سمع صوت أحد الشخصين فعرف وجود أحدهما في المسجد مثلا، فالعلم الإجماليّ في الثاني له توجّه نحو أحد الفردين بالخصوص بخلافه في الأوّل.

لكنّ هذا التفصيل لا يوجب إشكالا على التعبير بتعلّق العلم الإجماليّ بالواقع، و توضيح ذلك: أنّ المقصود بتعلّق العلم الإجماليّ بالواقع ليس هو كون المعلوم بالذات هو الواقع، فإنّ ذلك معلوم بالعرض، و المعلوم بالذات ثابت في أفق النّفس، و ليس أيضا المقصود بذلك: أنّ المعلوم بالذات دائما يوجد في الخارج ما يطابقه من معلوم بالعرض معيّن، فإنّ العلم الإجماليّ قد يكون جهلا مركّبا، كالعلم


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة26/الجزء الرابع

 

التفصيليّ الّذي قد يكون أيضا جهلا مركّبا، فلا يوجد فرد معيّن في الخارج يطابق المعلوم بالذات تفصيلا، و إنّما المقصود بذلك هو بيان ضيق الصورة المعلومة بالذات و أنّها بمقدار الواقع  [1]، و من المعلوم أنّ انتفاء الواقع لا يوجب سعة في الصورة المعلومة بالذات، و لذا يقال في العلم التفصيليّ بلا إشكال: إنّه متعلّق بالواقع في قبال تعلّقه بالجامع، و لو لم يكن المعلوم موجودا في الخارج أصلا، لأنّ الصورة المعلومة بالذات لا تتّسع بعدم وجود المعلوم بالذات، و كذلك الحال في العلم الإجماليّ، فالصورة المعلومة بالإجمال إن لم ترمز إلى فرد معيّن في الواقع، إمّا لعدم وجوده أصلا، أو لكون نسبتها إلى الفردين على حدّ سواء، فهذا ليس توسعة في تلك الصورة، كما لو علم محالا بالجامع فقط، و إنّما هي باقية على حالها من الضيق.

هذا تمام الكلام في حقيقة العلم الإجماليّ.

 

اقتضاء التنجيز للموافقة القطعيّة

و هنا ننتقل إلى أصل المطلب، و هو أنّ العلم الإجماليّ هل يقتضي التنجيز بمقدار الموافقة القطعيّة، أو لا؟ فعن المحقّق النائينيّ في تقرير السيّد الأستاذ»« عدم اقتضائه للتنجيز، و ذهب المحقّق العراقيّ»« و المحقّق الأصفهانيّ»« - و لعلّه المشهور - إلى اقتضاء التنجيز. و الصحيح هو عدم التنجيز إلاّ في قسم من الشبهات الموضوعيّة. و لا يخفى أنّنا إنّما نتكلّم هنا بناء على قاعدة (قبح العقاب بلا بيان)،

 

__________________________________________

[1] يبدو أنّ المحقّق العراقيّ رحمه اللّه يدّعي أكثر من ذلك، فهو لا يدّعي فقط ضيق الصورة المعلومة بالذات، بل يدّعي - أيضا - انطباقها على أحد الفردين المعيّن في الواقع و المجهول لدينا، و لذا يرى أنّ امتثال أحد الفردين لا يكفى، و ذلك لعدم إحراز كونه هو المطابق للمعلوم بالإجمال، و هذا الكلام غير معقول في فرض كون نسبة العلم الإجمالي إلى الطرفين على حدّ سواء، بحيث لا يمكن لعلاّم الغيوب أيضا أن يعيّن معلومنا الإجماليّ.


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة27/الجزء الرابع

 

و حرفيّتها كما بنوا عليها و على حرفيّتها.

و أمّا بناء على ما هو الصحيح من منجّزيّة الاحتمال بدلا عن تلك القاعدة، فلا إشكال في أصل لزوم الموافقة القطعيّة.

فالكلام هنا يقع في مطلبين: أحدهما: في أنّ العلم الإجماليّ ليس كلّما تعلّق بالحكم اقتضى وجوب الموافقة القطعيّة، ففي الشبهات الحكميّة مثلا لا يقتضي ذلك. و الآخر: في بيان ضابط التفصيل بين الموارد، و النكتة في اقتضاء العلم الإجماليّ في بعضها لتنجيز وجوب الموافقة القطعيّة.

 

نفي عموم الاقتضاء

أمّا المطلب   الأوّل: فنقول: إنّه لو تعلّق العلم مثلا بوجوب الظهر أو الجمعة لم يكن هناك مقتض لوجوب الموافقة القطعيّة، و يتبيّن ذلك ببيان أمرين:

  الأوّل: أنّ المقدار المنجّز إنّما هو الجامع، إذ لم يتمّ البيان بالنسبة للحدّ الشخصيّ، فهو داخل بعد تحت دائرة قبح العقاب بلا بيان، فإنّ الحدّ الشخصيّ المعيّن لم ينكشف، و إنّما انكشف الجامع.

و الثاني: أنّه يكفي في الموافقة القطعيّة للجامع الّذي هو المقدار المنجّز الإتيان بأحد الفردين.

أمّا الأمر الثاني فواضح. و أمّا الأمر الأوّل فهو صحيح على مبنانا، و على المباني الثلاثة الأخرى التي مضت عن القوم، حتى على تقدير عدم إرجاعها إلى مبنانا.

أمّا على مبنى تعلّق العلم بالجامع فواضح، فإنّ البيان عندئذ إنّما تمّ بمقدار الجامع، إذ هو الّذي تعلّق به العلم لا أكثر، فلا يجب الامتثال إلاّ بذلك المقدار، و ذلك يكون بالإتيان بأحد الفردين.

و أمّا على مبنانا فأيضا يكون الأمر واضحا، إذ نحن أيضا نقول بأنّ العلم تعلّق بالجامع، إلاّ أنّنا لا نقصد بالجامع الجامع الحقيقي، و إنّما نقصد به ما يكون رمزا لتمام الفرد بقشوره، و الموافقة القطعيّة بقدر ما تعلّق به العلم من الجامع الرمزيّ تحصل بالإتيان بأحد الفردين.

و أمّا على مبنى الفرد المردّد فنقول: إنّ صاحب هذا المبنى يسلّم أنّ الفرد


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة28/الجزء الرابع

 

المردّد لا وجود له في الخارج، إذ الوجود الخارجيّ يساوق التعيّن، إلاّ أنّه يقول: إنّ طرف الإضافة للعلم هو الفرد المردّد، لأنّ كونه طرفا لإضافة العلم لا يستلزم وجوده خارجا، حتى يرد عليه إشكال استحالة التردّد في الوجود الخارجيّ، وفاته أنّ هذا أيضا مستلزم للتردّد في الوجود الخارجيّ، لأنّ طرف إضافة العلم الّذي ليس موجودا في الخارج هو المعلوم بالذات و هو عين العلم، و العلم بنفسه من الموجودات الخارجيّة، فلزم التردّد في الوجود الخارجيّ.

و على أيّة حال، فبعد فرض تسليم مبناه نقول: إنّ هذا لا يقتضي لزوم امتثال زائد على امتثال الجامع، فإنّه و إن كان المفروض أنّ المقدار المتعلّق به العلم أزيد من الجامع، لكنّ المقدار الّذي يقبل التنجيز ممّا تعلّق به العلم إنّما هو الجامع، و المقدار الزائد على ذلك الداخل في دائرة العلم لا يقبل التنجيز، فإنّ المقدار الزائد إنّما هو عبارة عن الحدّ الشخصيّ الترديديّ، و عندئذ نسأل: ما ذا يتنجّز زائدا على الجامع؟ هل يتنجّز الحدّ الشخصيّ التعيينيّ، أو يتنجّز الحدّ الترديديّ؟ فإنّ قيل بالأوّل قلنا: إنّ الحدّ التعيينيّ ليس هو الزائد الّذي تعلّق به العلم، فإنّ المفروض أنّ العلم إنّما تعلّق بالفرد المردّد. و إن قيل بالثاني، أعني: تنجّز الفرد المردّد و الحدّ الترديديّ، قلنا: إنّ الحكم الّذي وجد خارجا ليس هو الفرد المردّد قطعا، لأنّ المفروض تسليم استحالة الوجود المردّد في الخارج، فالفرد المردّد ليس هو الحكم الشرعيّ الّذي وجد خارجا قطعا، فكيف يتنجّز؟

و الخلاصة: أنّ الحدّ التعيينيّ حكم شرعيّ قابل للتنجيز، لكنّه لم يتعلّق به العلم، و الحدّ الترديديّ تعلّق به العلم، لكنّه ليس حكما شرعيّا يوجد من قبل الشارع حتى يقبل التنجيز، فلا يتنجّز إلاّ الجامع.

و أمّا على مبنى تعلّق العلم بالواقع، فيمكن أن يقال هنا: إنّ العلم يقتضي الموافقة القطعيّة، لأنّ الواقع لا يحرز حصوله بالإتيان بأحد الفردين، و الاشتغال اليقينيّ يستدعي الفراغ اليقينيّ، و الواقع قد تنجّز و خرج عن قاعدة (قبح العقاب بلا بيان)، لأنّه ثبت بيانه بتعلّق العلم به، و عندئذ يكون احتمال الواقع المنجّز في كلّ واحد من الطرفين منجّزا لا محالة.

إلاّ أنّ الصحيح: أنّه على هذا المبنى - أيضا - لا يتنجّز إلاّ مقدار الجامع.

و توضيح ذلك: أنّ المفروض في هذا المبنى هو أنّ المعلوم الخارجيّ بالعلم الإجماليّ، و بالعلم التفصيليّ هو شي‏ء واحد، و هو الواقع، لكن هناك فرق بين ذات


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة29/الجزء الرابع

 

صورتي العلم أو بين المعلومين بالذات، فإحداهما: صورة صافية غير مخلوطة بالإجمال و الإبهام، و الأخرى: صورة غير صافية، و مخلوطة بالإجمال و الإبهام، فهذه الصورة و إن لم يمكن خارجا تجزئتها إلى حصّتين لكنّها - بحسب التحليل العقليّ - تجزّأ إلى حصّتين: إحداهما نور و انكشاف، و الأخرى ظلمة و إبهام، و الّذي يطابق تمام الفرد الخارجيّ إنّما هو تمام هذه الصورة، لا خصوص جانب الانكشاف منها، و نحن و إن كنّا لا نتعقّل في الصورة العلميّة هذا الازدواج حتى نسمّي المجموع بالعلم، أو بأيّ اسم آخر، إلاّ أنّ مفروض هذا المبنى هو تعقّل الازدواج في صورة واحدة بين الانكشاف و الإبهام، و سواء سمّينا هذا المجموع بالعلم، أو بأيّ اسم آخر، فالواقع هو أنّ البيان إنّما يكون بمقدار ما في الصورة من نور و انكشاف، و هو بمقدار الجامع. و أمّا ما فيها من ظلمة و إبهام فليس بيانا، و مخرجا للشي‏ء عن قاعدة (قبح العقاب بلا بيان) بحرفيّتها، فالمقدار المنجز هو الجامع لا أكثر.

و هنا لا بأس بإلفات النّظر إلى نكتة تعود لما سبق، فقد مضى ذكر إشكال على ما اختاره المحقّق العراقيّ في تحقيق حقيقة العلم الإجماليّ مستخرج من كلمات المحقّق الأصفهانيّ، من أنّ الحدّ الشخصيّ للفرد هل هو داخل تحت الصورة الإجماليّة أو لا؟ فإن قيل: لا، كان علما بالجامع. و إن قيل: نعم، لزم انقلاب العلم الإجماليّ إلى التفصيليّ إن فرض ذلك الحدّ الشخصيّ معيّنا، و إلاّ جاء إشكال الفرد المردّد.

أقول: لو اقتصر في مقام الإشكال على المحقّق العراقيّ على هذا المقدار من البيان، أمكن أن يقال في مقام التفصّي عنه: إنّ الحدّ الشخصيّ داخل في هذه الصورة الإجماليّة، لكن لا في جانب الانكشاف منها، بل في جانب الإبهام منها. إذن فلا بدّ من إضافة شي‏ء إلى ذاك الإشكال و هو: أنّ الإبهام - في الحقيقة ليس صورة، بل عبارة عن عدم الصورة، و إنّما الصورة عبارة عن نفس الانكشاف.

و على أيّة حال، فقد تحصّل أنّه على جميع المباني لا مقتضي لوجوب الموافقة القطعيّة.

و الإنصاف: أنّ هذا من فضائح القول بقاعدة (قبح العقاب بلا بيان) بحرفيّتها، إذ كيف يقبل الوجدان أن يقال بجواز المخالفة الاحتماليّة لحكم علم إجمالا من قبل المولى تعالى من دون جعل براءة شرعيّة في المقام، و أنّه ليس له حقّ الطاعة أزيد من الموافقة الاحتماليّة لذلك؟


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة30/الجزء الرابع

 

و يوجد في كلماتهم (قدّس اللّه أسرارهم) ما يدلّ على التزامهم بحرفيّة القاعدة، من قبيل الاستدلال على سراية التنجّز إلى الواقع غير المبيّن بغير دعوى ضيق في القاعدة - كما سوف يأتي إن شاء اللّه - و التزام المحقّق النائينيّ قدّس سرّه لعدم اقتضاء العلم الإجماليّ لتنجّز الموافقة القطعيّة، و هو إنّما يوجب الموافقة القطعيّة من باب تعارض الأصول حتى البراءة العقليّة في الأطراف تساقطها و بقاء الاحتمال بلا مؤمّن، و سيأتي - إن شاء اللّه - أنّه لا وجه للتعارض و التساقط في المقام بلحاظ البراءة العقليّة، بل بعد عدم الاقتضاء لا بدّ من الالتزام بجواز المخالفة الاحتماليّة بحكم البراءة العقليّة.

ثمّ إنّ الوجه في ما ذكرناه من عدم اقتضاء العلم الإجماليّ لتنجّز الموافقة القطعيّة إنّما هو ما عرفته مفصّلا، من أنّ المقدار المنكشف هو الجامع لا الحدّ الشخصيّ، فهو المقدار المنجّز، و أنّه يكفي في موافقته القطعيّة الإتيان بفرد واحد، لا ما أفاده المحقّق الأصفهانيّ قدّس سرّه ثم دفعه.

فقد أفاد في المقام»«: أنّ المقدار المنكشف هو الجامع، و هذا هو الجزء الأوّل من برهاننا على المدّعى، و أنّه تكفي الموافقة الاحتماليّة للجامع بالإتيان بفرد واحد، و لا تحرم مخالفته الاحتماليّة بترك الآخر، إذ المخالفة الاحتماليّة لا قبح فيها، و لا يستحقّ العبد العقاب عليها، و إلاّ لزم أن يعاقب من ارتكب كلا الطرفين بعقابين.

ثمّ أجاب عن ذلك: بأنّ العقل يرى لزوم الامتثال القطعيّ للحكم المعلوم  [1].

و كأنّ مقصوده قدّس سرّه بذلك: هو أنّ كلاّ من المخالفتين الاحتماليّتين ليست حراما

 

__________________________________________

[1] و قال رحمه اللّه: إنّ هذا بناء على أنّ استحقاق العقاب يكون بحكم العقل. أمّا بناء على كونه بحكم الشرع و جعله، فلازمه استحقاق العقاب على مخالفة التكليف الواقعيّ بعد قيام الحجّة عليه، و عليه ففي كلّ طرف من الأطراف نحتمل العقاب لاحتمال كون التكليف فيه، فلا بدّ من اجتنابه.

أقول: سواء فرض استحقاق العقاب بحكم العقل، أو بحكم الشرع، فبعد فرض الإيمان بقاعدة (قبح العقاب بلا بيان) و فرض عدم تماميّة البيان إلاّ بقدر الجامع، يتّجه القول بجواز الاكتفاء بالموافقة الاحتماليّة للواقع، لأنّها موافقة قطعيّة للجامع، و ما عدا ذلك داخل تحت الأمان المستفاد من القاعدة.


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة31/الجزء الرابع

 

مستقلاّ لكي يلزم تعدّد العقاب، و إنّما هنا واجب واحد، و هو الموافقة القطعيّة، و هي واجبة بما تستبطن من سائر مراتب الموافقة الظنيّة و الاحتماليّة، إلاّ أنّ هذا الواجب الواحد و هو الموافقة القطعيّة يكون بنحو الانحلال، أي: على تقدير فقد هذه المرتبة من الموافقة ينتقل إلى المرتبة الأدنى المستبطنة فيها، و هكذا، فكلّ من المخالفتين الاحتماليّتين قبيح بما هو ترك لجزء واجب واحد انحلاليّ بهذا المعنى، فمن ترك كلا الطرفين يعاقب بالعقاب الواحد الّذي يعاقب به من علم بالحكم تفصيلا فتركه.

و على أيّة حال، فلا إشكال في حكم العقل بوجوب الموافقة القطعيّة للمقدار المعلوم، و لذا لو علم تفصيلا بالحكم ثمّ شكّ في امتثاله فلا إشكال في أنّه لا بدّ له من الإتيان به حتى يحصل له القطع بالامتثال، و إنّما نقول في مورد العلم الإجماليّ بأنّه لا يقتضي التنجيز أكثر من ضرورة الإتيان بأحد الأفراد، لأجل أنّ الموافقة القطعيّة للمقدار المعلوم - و هو الجامع - تحصل بالإتيان بأحد الأفراد، لا لأجل كفاية موافقته الاحتماليّة و عدم حرمة مخالفته الاحتماليّة.

 

ضابط التفصيل في الاقتضاء

و أمّا المطلب الثاني: فالتحقيق هو الفرق بين مثل العلم الإجماليّ بوجوب صلاة الظهر أو الجمعة الّذي هو شبهة حكميّة، و مثل العلم الإجماليّ بوجوب إكرام زيد و عمرو بنحو الشبهة الموضوعيّة من باب العلم بوجوب إكرام العالم، و العلم إجمالا بكون أحدهما عالما، ففي الأوّل لا يقتضي العلم الإجماليّ تنجّز شي‏ء أزيد من الجامع، و يكفي في امتثال الجامع الإتيان بإحدى الصلاتين، إذ تحصل بذلك الموافقة القطعيّة للمقدار المعلوم، و في الثاني لا بدّ من إكرام كليهما، لأنّنا علمنا بوجوب إكرام العالم، فلا بدّ من تحصيل الموافقة القطعيّة لذلك، و هي لا تحصل بإكرام أحدهما، فلا بدّ من إكرام كليهما.

و يمكن أن يتخيّل في المقام أنّه لا فرق بين المثالين، ففي كليهما يكفى الإتيان بالجامع بالإتيان بأحد الفردين، فإنّ الحكم لا يتنجّز إلاّ بالوصول، و وصول الحكم لا يكون إلاّ بوصول الكبرى و الصغرى معا، فلو علم مثلا أنّ زيدا عالم، و لم يعلم بالكبرى، و هي وجوب إكرام العالم، لم يتنجّز عليه وجوب إكرام زيد، و لو علم


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة32/الجزء الرابع

 

بوجوب إكرام العالم، و لم يعلم بالصغرى، و هي كون زيد عالما لم يتنجّز عليه وجوب إكرام زيد أيضا، و عليه نقول: إنّه في مورد العلم الإجماليّ بوجوب إكرام أحدهما لا فرق بين افتراض الإجمال في الكبرى أو الصغرى، فلا فرق بين أن نفترض أنّنا علمنا إجمالا بوجوب إكرام العالم أو العادل، و علمنا أنّ زيدا عالم و عمرا عادل، أو نفترض أنّنا علمنا بوجوب إكرام العالم، و علمنا إجمالا بأنّ أحدهما عالم، ففي الأوّل لا إجمال في الصغرى، و لكنّ الإجمال في الكبرى أدّى إلى أن لا نعلم بوجوب الإكرام إلاّ بقدر الجامع، فلم يتنجّز إلاّ مقدار الجامع بين الطرفين الّذي يكفي في إتيانه الإتيان بأحد الطرفين، فإنّ الصغرى و إن كانت معلومة بالعلم التفصيليّ، و لكن وصول الحكم لا يكون إلاّ بوصول الصغرى و الكبرى معا، و المفروض أنّ الكبرى لم تصل إلاّ بقدر الجامع، و في الثاني الّذي كانت الشبهة فيه موضوعيّة لا إجمال في الكبرى، و لكنّ الإجمال في الصغرى أدّى إلى نفس النتيجة، فهنا - أيضا - لم يتنجّز إلاّ القدر الجامع بين الطرفين، لأنّ الكبرى و إن كانت معلومة بالتفصيل، لكنّ وصول الحكم لا يكون إلاّ بوصول الكبرى و الصغرى معا، و المفروض أنّ الصغرى لم تصل إلاّ بمقدار الجامع، فإنّنا لا نعلم بعالميّة هذا بالخصوص، و لا بعالميّة ذاك بالخصوص، و إنّما نعلم بعالميّة الجامع، فلا يتنجّز علينا إلاّ إكرام الجامع.

و لعلّ هذه الشبهة هي التي جعلت من يقول بعدم اقتضاء العلم الإجماليّ لتنجيز الموافقة القطعيّة كالمحقّق النائينيّ رحمه اللّه لا يفصّل بين مورد و مورد.

و التحقيق: أنّ هذا الكلام غير صحيح، فعدم معلوميّة الصغرى بأزيد من الجامع لا ينقل التكليف المعلوم من الواقع إلى الجامع.

و توضيح ذلك: أنّ المقدار الواصل ينحلّ - بحسب التحليل العقليّ - إلى أمرين: وجوب إكرام شخص، و وجوب أن يكون الإكرام مضافا إلى العالم، فإذا أكرمنا أحدهما لم يكن ذلك موافقة قطعيّة للمقدار الواصل، إذ الجزء الثاني التحليليّ من جزئي المقدار المعلوم، و هو أن يكون المكرم عالما لم يقطع بموافقته، و لا بدّ من تحصيل القطع بموافقته، كما أنّنا لو علمنا تفصيلا بوجوب صلاة الظهر بشرط طهارة البدن مثلا، ثمّ شككنا في الإتيان بها بهذا الشرط، و فرضنا عدم جريان قاعدة الفراغ، و عدم إحراز الطهارة بمثل أصالة الطهارة أو استصحابها، لم يكن شكّ في أنّ المورد مورد قاعدة (أنّ الشغل اليقيني يستدعي الفراغ اليقينيّ)، و لا مجال فيه للبراءة.

و قد تحصّل: أنّ العلم الإجماليّ في المثال الثاني له إضافة خاصّة إلى الواقع


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة33/الجزء الرابع

 

من الفردين بخلافه في المثال الأوّل، و أنّه في المثال الثاني يكون المقدار المعلوم أزيد من الجامع، و هو وجوب إكرام أحدهما، لأنّنا نعلم - زائدا على ذلك - بوجوب كون الإكرام مضافا إلى العالم، أو قل: بشرط كون المكرم عادلا، فتحصيلا للموافقة القطعيّة للمقدار الزائد لا بدّ من إكرام كلا الفردين، فالصحيح ليس هو ما ذهب إليه المحقّق العراقي قدّس سرّه من اقتضاء العلم الإجماليّ لتنجيز الموافقة القطعيّة مطلقا، و لا ما ذهب إليه المحقّق النائينيّ رحمه اللّه بمقتضى إطلاق كلامه من عدم اقتضائه لذلك مطلقا، و إنّما الصحيح - حسب مبنى حرفيّة قاعدة (قبح العقاب بلا بيان) - هو التفصيل.

و الضابط الفنيّ لهذا التفصيل ليس هو كون الشبهة حكميّة أو موضوعيّة، و إنّما الضابط لذلك كون متعلّق الحكم مقيّدا بقيد لا يعلم حصوله في هذا الفرد أو في ذاك الفرد، فنضطرّ إلى الجمع بين الفردين تحصيلا للقطع بحصوله، فمتى ما كان هكذا وجبت الموافقة القطعيّة، و متى ما لم يكن هكذا لم تجب، و لو كانت الشبهة موضوعيّة، كما هو الحال في الشبهات الموضوعيّة التي ليس المشكوك فيها باشتباه خارجيّ قيدا للمتعلّق، كما في مثال وجوب إكرام العالم، و إنّما كان قيدا للمكلّف أو التكليف، كما لو شكّ بنحو الشبهة الموضوعيّة أنّ المكلّف هل هو مسافر فيقصر، أو حاضر فيتمّ، و لم يجر الاستصحاب لتوارد الحالتين مثلا، و كما لو وجب التصدّق على زيد إن نزل المطر، و على عمرو إن هبّت الرياح، و تردّد الأمر بين نزول المطر و هبوب الرياح.

هذا تمام الكلام فيما هو المختار، و هو التفصيل في قبال قول الطرفين القائل أحدهما باقتضاء التنجّز مطلقا، و الآخر بعدمه مطلقا.

 

كلمات الأصحاب حول الاقتضاء

 

و أمّا ذكر كلام الطرفين، فالمحقّق النائينيّ قدّس سرّه ذهب في أجود التقريرات»« إلى عدم اقتضاء العلم الإجماليّ لوجوب الموافقة القطعيّة، و استدلّ على ذلك بأنّ العلم إنّما تعلّق بالجامع، و هو الّذي تمّ عليه البيان، فهو المنجّز - و هذا هو الجزء الأوّل من جزئي برهاننا على عدم الاقتضاء -، و لكنّه قدّس سرّه لا يقول بجواز الاكتفاء بالموافقة الاحتماليّة، بل يقول بأنّ العلم الإجماليّ و إن كان بنفسه لا يقتضي تنجيز


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة34/الجزء الرابع

 

الموافقة القطعيّة، لكنّه لمّا كان العلم الإجماليّ مقتضيا بنحو العلّيّة - حسب ما ذهب إليه قدّس سرّه - لحرمة المخالفة القطعيّة أوجب ذلك تعارض الأصول المؤمّنة، و تساقطها في الأطراف، فيبقى الاحتمال في كلّ واحد من الطرفين بلا مؤمّن عن استحقاق العقاب، و الاحتمال بلا مؤمّن منجّز لا محالة، قال قدّس سرّه: و إن شئت فسمّ ذلك باقتضاء العلم الإجماليّ لوجوب الموافقة القطعيّة، إذ اقتضى ذلك بالواسطة، حيث إنّه اقتضى حرمة المخالفة القطعيّة المقتضية لتعارض الأصول و تساقطها المقتضي لبقاء الاحتمال بلا مؤمّن، و بالتالي تنجيزه.

أقول: أمّا ما أفاده رحمه اللّه في وجه عدم اقتضاء العلم الإجماليّ لوجوب الموافقة القطعيّة، فيرد عليه ما عرفت من أنّه لا يوجب عدم الاقتضاء مطلقا، بل يجب استثناء ما إذا كان متعلّق الحكم مقيّدا بقيد لا يعلم حصوله إلاّ بالإتيان بكلا الفردين، فهنا تجب الموافقة القطعيّة، و إلاّ لم تجب - أيضا - الموافقة القطعيّة فيما لو علم تفصيلا بوجوب الصلاة المقيّدة بقيد مّا، و شكّ في الإتيان بها بقيدها المطلوب.

و أمّا ما أفاده من لزوم الموافقة القطعيّة من باب تعارض الأصول و تساقطها و بقاء الاحتمال بلا مؤمّن، فيرد عليه: أنّ الأصول الشرعيّة و إن كانت تتساقط - إن سلّم لحرمة المخالفة القطعيّة، لكنّنا نتكلّم في المرتبة السابقة، و هي مقدار حقّ المولى بحكم العقل في نفسه قبل وصولنا إلى المرتبة اللاحقة، و هي تصرّف المولى في مقدار الامتثال اللازم بتزييد أو تنقيص، فنقول: إنّ المقدار الّذي يستحقّه المولى إنّما هو الامتثال بمقدار الجامع، و أمّا كلّ واحدة من الخصوصيّتين فتجري عنها البراءة العقليّة، و قاعدة (قبح العقاب بلا بيان) لأنّها غير مبيّنة، و لا معنى لوقوع المعارضة بين إجراء القاعدتين في الخصوصيّتين، إذ لا منافاة أصلا بين تنجّز الحدّ الجامع و عدم تنجّز الحدّين الخاصّين.

و قد تنبّه إلى ذلك المحقّق العراقيّ»« قدّس سرّه فنقض على القائل بعدم اقتضاء العلم الإجماليّ لوجوب الموافقة القطعيّة بأنّه لا بدّ له من القول بجواز مخالفة أحد الطرفين، مع أنّه لا يقول بذلك.

و هذا النقض في محلّه، حيث إنّ المحقّق النائينيّ رحمه اللّه لا يلتزم بجواز مخالفة أحد الطرفين، مع أنّ هذا ممّا لا بدّ أن يلتزم به حسب مبانيه كما عرفت.


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة35/الجزء الرابع

 

و أمّا القول باقتضاء العلم الإجماليّ لوجوب الموافقة القطعيّة - الّذي ذهب إليه المحقّق العراقيّ»« و المحقّق الأصفهانيّ»« قدّس سرّهما، و نسب إلى المشهور، و ذهب إليه المحقّق النائينيّ قدّس سرّه في تقرير الشيخ الكاظميّ»« - فالذي يستخلص من كلمات المحقّق العراقي رحمه اللّه - على تشويشها - دليلا على ذلك وجهان:

الوجه   الأوّل: أنّ العلم الإجماليّ - حسب ما عرفت من مبناه من كون افتراقه عن العلم التفصيليّ في نفس العلم، أو صورة المعلوم بالذات لا في المعلوم بالعرض - يكون عارضا في الذهن على صورة إجماليّة، و العلم التفصيليّ يكون عارضا في الذهن على صورة تفصيليّة، و ليس العلم عارضا على الواقع الخارجيّ، ببرهان: أنّ العلم يخطأ، و لا يوجد هنا واقع خارجيّ أصلا، فهنا حدّان ذهنيّان: أحدهما حدّ إجماليّ، و الآخر حدّ تفصيليّ، و العلم الإجماليّ عرض على الأوّل، و العلم التفصيليّ عرض على الثاني. أمّا في الخارج فلا يوجد عدا حدّ واحد، و هو الحدّ الشخصيّ، و ليس لما في الخارج حدّان: حدّ إجماليّ و حدّ تفصيليّ، و العلم يعرض على الصورة الذهنيّة لا على ما في الخارج، و لا يسري كلّ من العلمين من حدّه إلى حدّ الآخر، فالعلم الإجماليّ عرض على الحدّ الإجماليّ، و لا يسري إلى الحدّ التفصيليّ، و كذلك العكس - أيضا - مستحيل استحالة عروض أيّ عارض على غير معروضه، فإنّ الحدّ الإجماليّ و الحدّ التفصيليّ أمران متباينان. و أمّا التنجّز فليس عارضا على الصورة الذهنيّة كالعلم حتّى يقال: إنّه يقف على ما يقف عليه العلم من الحدّ الإجماليّ، و لا يسري إلى الحدّ التفصيليّ، و إنّما هو عارض على الواقع الّذي قلنا: إنّه ليس له حدّان، و إنّما له حدّ واحد، و هو حدّه الشخصيّ، فيتنجّز الواقع بهذا العلم، و إذا تنجّز الواقع بهذا العلم تنجّز الطرفان، إذ يحتمل في كلّ واحد من الطرفين وجود الواقع المنجّز، و احتمال الواقع المنجّز منجّز لا محالة، فما يقال من أنّه كما أنّ العلم الإجماليّ لا يسري كذلك التنجّز لا يسري خلط بين الحدود الذهنيّة المعروضة للعلم و الحدّ الخارجيّ المعروض للتنجّز.

و يرد عليه: أوّلا: أنّ معروض التنجّز - حسب ما هو الصحيح من كون المتجرّي


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة36/الجزء الرابع

 

معاقبا بنفس ملاك عقاب العاصي - ليس هو الواقع بوجوده الخارجيّ، بل هو الوجود العلميّ للحكم، فإنّ لزوم طاعة المولى إنّما هو بملاك تعظيمه و أداء حقّه، و من المعلوم أنّ تعظيمه لا يتحقّق بمجرّد امتثال حكمه الواقعيّ، سواء وصل بمرتبة من مراتب الوصول أو لا، و يتحقّق بامتثال ما علم من حكمه، سواء كان العلم مطابقا للواقع أو لا. إذن فالتنجّز عارض على الصورة الذهنيّة لا على الواقع.

و ثانيا: أنّنا سلّمنا أن معروض التنجّز هو الواقع، لكنّ الواقع إنّما هو جزء العلّة للتنجّز، و الجزء الآخر هو البيان و الوصول، إذ لو لم يبيّن كان داخلا تحت قاعدة (قبح العقاب بلا بيان)، و البيان إنّما تمّ بمقدار الجامع، و أمّا ما ذكره من: (أنّ القول بعدم سريان التنجّز - كما لا يسري العلم - خلط بين الحدود الذهنيّة المعروضة للعلم و الحدّ الخارجيّ) فهو خلط في المقام، إذ لم يكن المقصود دعوى عدم سراية التنجّز من الحدّ الإجماليّ إلى الحدّ التفصيليّ، و إنّما المقصود هو أنّ الواقع الخارجيّ بنفسه له حدّان، لا بمعنى الحدّ الإجماليّ و الحدّ التفصيليّ المتباينين، بل بمعنى الحدّ الجامعيّ و الحدّ الشخصيّ المتداخلين، فإنّ الشي‏ء له حدود عديدة صاعدة و نازلة حسب ما له من جوامع و كلّيّات، فلا بدّ أن نرى ما هو المقدار المبيّن من الواقع؟ هل هو الحدّ الجامعيّ فقط، أو هو مع حدّه الشخصيّ؟ و المفروض أنّ صورة العلم الإجماليّ مزدوجة من جهة انكشاف وجهة إبهام، و ما يطابق جهة انكشافها هو الحدّ الجامعيّ، و ما يطابق جهة إبهامها هو الحدّ الشخصيّ، فالبيان إنّما يتمّ بمقدار الجامع، و يكفي في امتثاله القطعيّ الإتيان بأحد الطرفين، فلا تجب الموافقة القطعيّة للواقع على تفصيل قد عرفته.

الوجه الثاني»« - أنّنا سلّمنا أنّ العلم تعلّق بالجامع، لكن الجامع تارة ينظر إليه قبل تحصّصه و انطباقه في الخارج، و أخرى ينظر إليه مفروغا عن انطباقه و تحصّصه، و الأوّل كما في الواجب التخييريّ بالتخيير العقليّ أو الشرعيّ، فإذا أوجب المولى الصلاة التي هي جامع بين أفرادها، و هو الواجب التخييري العقليّ، أو أوجب باب التخيير الشرعيّ أحد الأمور من الخصال الثلاث في الكفّارة، الّذي هو جامع انتزاعيّ بينها، فهنا لا يلزم إلاّ الإتيان بفرد واحد من تلك الأفراد، لحصول الجامع بذلك. و أمّا في ما نحن فيه فقد تعلّق العلم بالجامع مفروغا عن تحصّصه


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة37/الجزء الرابع

 

و انطباقه في الخارج، و إذا كان الأمر كذلك فلا محالة تتنجّز تلك الحصّة، و ذلك الأمر الموجود في الخارج.

أقول: إنّ هذا الكلام لا يخلو عن غموض، فلو كان مقصوده: أنّ التحصّص و الخصوصيّة داخل تحت العلم، لأنّنا علمنا بالجامع مفروغا عن تحصّصه و تخصيصه في ضمن فرد، فتتنجّز الخصوصيّة، لانكشافها لنا، و رد عليه: أنّ ما هو تحت العلم يكون عبارة عن عنوان الخصوصيّة، و الانطباق الّذي هو أمر كليّ، و ما يقصد إثبات تنجيزه عبارة عن واقع الخصوصيّة، فهذا يكون من باب اشتباه العنوان بالمعنون و المفهوم بالمصداق.

و لو كان مقصوده: أنّه و إن كان ما هو تحت العلم هو عنوان الخصوصيّة و التحصّص لا واقعها، و لكن لمّا تعلّق العلم بجامع متخصّص بخصوصيّة، و نحن لا نعلم بواقع تلك الخصوصيّة، إذن لا بدّ أن نأتي بكلا الفردين، إذ لو أتينا بأحدهما لم يحصل القطع بالإتيان بالجامع بما هو متخصّص بتلك الخصوصيّة المخصوصة، و رد عليه: أنّه إن أريد بذلك أنّ حصّة معيّنة من الجامع داخلة تحت العلم فلا بدّ من تحصيل القطع بإتيانها، فهذا غير معقول بعد أن كان المفروض عدم العلم بواقع الخصوصيّة، و إن اعترف بأنّ المقدار المعلوم هو الجامع بين الحصّتين، و ادّعى مع هذا تنجّز تلك الحصّة للعلم بتحصّص ذلك الجامع، فلا وجه لذلك، إذ المفروض أنّ المقدار المعلوم و المبيّن هو الجامع بين الحصّتين، و خصوصيّة الحصّتين باقية بعد تحت قاعدة (قبح العقاب بلا بيان).

و كلّ هذه الكلمات إنّما نشأت من القاعدة التي خلقوها، ثمّ قدّسوها و هي قاعدة (قبح العقاب بلا بيان)، حيث إنّ مقتضى حرفيّتها جواز ارتكاب بعض الأطراف، مع أنّ الوجدان يدلّ بوضوح على أنّه لو علم إجمالا بحكم من قبل المولى اقتضى ذلك لزوم الموافقة القطعيّة، فوقعوا في ضيق من ناحية التزامهم بمبانيهم المفروغ عن صحّتها عندهم، فالتزم المحقّق النائينيّ قدّس سرّه بعدم اقتضاء العلم الإجماليّ لتنجيز الموافقة القطعيّة، و احتال عن طريق تساقط الأصول، و عزّ على المحقّق العراقيّ رحمه اللّه أن يلتزم بعدم اقتضائه لتنجيزها، فاضطرّ - جمعا بين المبنى و الوجدان الحاكم بتنجيز الموافقة القطعيّة - إلى أن يتكلّم بهذه الكلمات التي هو أجلّ شأنا من أن لا يلتفت إلى بطلانها، و لو أنّهم بدلا عن هذا التزموا بشي‏ء بسيط، و ذلك بأن رجعوا إلى أصل المبنى مرّة أخرى، و تأمّلوا فيه فتنازلوا عن قاعدة (قبح


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة38/الجزء الرابع

 

العقاب بلا بيان) أو عن حرفيّتها، فقيّدوها و خصّصوها بما لا يشمل فرض العلم الإجماليّ، لاستراحوا عن كلّ هذه الكلمات و الإشكالات.

و الصحيح: أنّ العلم الإجماليّ و إن لم يكن بيانا إلاّ بمقدار الجامع لكنّه يقتضي تنجيز الموافقة القطعيّة للواقع، و هذا نقول به حتى على مبنانا من منجّزيّة نفس الاحتمال، أي أنّ من ترك أحد طرفي العلم الإجماليّ فهو أشدّ استحقاقا للعقاب ممّن خالف الاحتمال البدويّ للتكليف من دون مؤمّن شرعيّ  [1].

 

__________________________________________

[1] قد يقال: إنّ هذا الكلام غير صحيح، فإنّ التنجّز حتى بناء على إنكار قاعدة (قبح العقاب بلا بيان) إنّما هو فرع الوصول، غاية ما هنا أنّه يكتفي بناء على إنكار تلك القاعدة بالوصول الاحتماليّ، و اشتداد التنجّز إنّما يتبع اشتداد الوصول، و المفروض أنّ العلم الإجماليّ إنّما هو وصول للجامع، و ليس وصولا لأحد الأمرين، فكيف يوجب اشتداد تنجّزه؟ و الجواب: أنّه لعل مقصود أستاذنا الشهيد رحمه اللّه دعوى أنّ احتمال انطباق المعلوم بالإجمال (و هو نوع من الوصول) منجز أكثر من منجّزيّة الشكّ البدويّ.


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة39/الجزء الرابع

 

هل يمكن الترخيص في تمام الأطراف؟

 

و أمّا المقام الثاني - و هو البحث عن مانعيّة العلم الإجماليّ ثبوتا أو إثباتا عن إجراء الأصول الترخيصيّة في تمام الأطراف - فالكلام فيه تارة يقع في مانعيّته ثبوتا، و أخرى في مانعيّته إثباتا عنه.

 

المحذور الثبوتيّ

 

أمّا مانعيّة العلم الإجماليّ ثبوتا عن إجراء الأصول الترخيصيّة، فالصحيح فيها أنّ العلم الإجماليّ لا يمنع عن إمكان الترخيص في تمام الأطراف، كما يظهر ذلك بالالتفات إلى مبنانا في الجمع بين الحكم الظاهريّ و الواقعيّ بإضافة بعض البيانات، و توضيح ذلك: أنّه مضى في محلّه: أنّ الجمع بين الحكم الظاهريّ و الواقعيّ يكون ببيان أنّ الحكم الظاهريّ عبارة عن إعمال المولى لقوانين التزاحم، و تقديم الغرض الأهمّ عند تزاحم أغراضه في عالم المحرّكيّة، لا تزاحمها في عالم الامتثال المصطلح عليه بالتزاحم في مدرسة المحقّق النائينيّ قدّس سرّه، إذ الإباحة لا امتثال لها حتى يقع التزاحم في الامتثال، و لا تزاحمها في عالم الحكم المصطلح عليه بالتزاحم في مدرسة المحقّق الخراسانيّ رحمه اللّه، إذ ذلك فرع وحدة المتعلّق المفقودة في ما نحن فيه، و إذا كان الحكم الظاهريّ عبارة عن إعمال المولى لقوانين باب التزاحم، و تقدّم الغرض الأهمّ من الأغراض المتزاحمة في عالم المحرّكيّة، لم يكن منافيا للحكم الواقعيّ لا بلحاظ تضادّ المبادئ، إذ الحكم الظاهريّ ينبع من نفس مبادئ الأحكام الواقعيّة، و ليست له مبادئ أخرى وراء مبادئها، و لا بلحاظ تفويت الغرض، إذ لا بأس به إذا كان لأجل المزاحمة بغرض أهمّ.

و هذا البيان - كما ترى - يأتي بعينه في ما نحن فيه، إذ لا فرق بين ما نحن فيه و موارد الشكّ البدوي، عدا أنّه في تلك الموارد لا يعلم إلاّ بأحد الغرضين: اللزوميّ و الترخيصيّ، لا على التعيين، و فيما نحن فيه يعلم بخصوص الغرض اللزوميّ، و يعلم


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة40/الجزء الرابع

 

غالبا أيضا بغرض ترخيصيّ، و اشتبه أحدهما بالآخر، و قد يتّفق أنّا لا نعلم بغرض ترخيصيّ، كما لو علمنا إجمالا بنجاسة أحد الإناءين، و احتملنا نجاستهما معا.

و لنتكلّم في الغرض الأوّل، و منه يظهر الحال في الغرض الثاني.

فنقول: إذا اشتبه غرض لزوميّ بغرض ترخيصيّ، لأنّنا علمنا بوجود نجس و طاهر مثلا، لكنّنا لم نتمكّن من تمييز أحدهما عن الآخر، فعندئذ يقع التزاحم بين الغرضين: الغرض اللزوميّ و غرض كون المكلّف في سعة، و شعوره بالاختيار، و أنّه يكون بحيث إن شاء فعل، و إن شاء ترك، و هو تزاحم بحسب عالم المحرّكيّة، و كما أنّ بإمكان المولى أن يوجب الاحتياط في الطرفين تحفّظا على الغرض اللزوميّ لأهمّيّته، كذلك بإمكانه أن يرخّص لاهتمامه بالغرض الترخيصيّ، فيتحفّظ عليه تحفظا كاملا أو ناقصا، فإيجاب الاحتياط و كذلك الترخيص كلاهما حكمان ظاهريّان لا ينافيان الحكم الواقعي بعين البيان الّذي مضى حرفا بحرف.

و لكن قد بيّن في المقام المحذور في الترخيص في أطراف العلم الإجماليّ ببعض الوجوه، و نحن نذكر بهذا الصدد كلمات المحقّق النائينيّ و المحقّق الخراسانيّ و المحقّق العراقيّ (قدّس اللّه أسرارهم) مع مناقشتها:

أمّا كلام المحقّق النائينيّ»« رحمه اللّه فهو أنّ الترخيص في تمام أطراف العلم الإجماليّ ترخيص في معصية التكليف الواصل، و الترخيص في معصية التكليف الواصل قبيح لا يصدر من المولى الحكيم. و قد تبعه على ذلك السيّد الأستاذ أيضا»«.

و حاصل هذا الكلام هو دعوى المضادّة بين الحكم الظاهريّ و حكم العقل، ساكتا عن المضادّة بين الحكم الظاهريّ و الحكم الواقعيّ المعلوم بالإجمال، و هذا السكوت حسن، إذ لا مضادّة بينهما.

و على أيّة حال، فهذا الوجه - كما ترى - موقوف على كون قبح المعصية تنجيزيّا غير معلّق على شي‏ء يرفعه الشارع، و إلاّ لارتفع موضوع القبح. فلنتكلّم في هذه النقطة، و هي تنجيزيّة قبح المعصية.

فنقول: إنّنا لا نساعد على تنجيزيّة قبح المعصية إلاّ بمعنيين:


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة41/الجزء الرابع

 

  الأوّل: أنّه ليس للمولى رفع مولويّته حتى تجوز بالتالي معصيته، أي أنّ العبد يجب أن يكون كالخاتم في يد المولى يحرّكه كيف ما شاء، و لا يمكن للمولى أن يسلب عن نفسه هذا الحقّ. و هذا كلام صحيح لا إشكال فيه، إلاّ أنّه غير مرتبط بما نحن فيه، فإنّ المولى بتقديمه تشريعا لغرضه الأهمّ الّذي هو الغرض الترخيصي على غرضه المهمّ لم يسلب عن نفسه حقّ المولويّة، و إدارة المكلّف كيف ما شاء، و إنّما أعمل بذلك حقّ المولويّة.

الثاني: أنّه بعد أن كان حقّ المولويّة - الّذي هو عبارة عن حقّ تحرّك العبد حسب تحريك مولاه - ثابتا و غير مسلوب عن المولى لا يمكن للمولى أن يرخّص العبد في مخالفة هذا الحقّ، و هتكه لحرمة مولاه. و هذا أيضا صحيح لا إشكال فيه، إلاّ أنّه أيضا غير مربوط بما نحن فيه، فإنّ تقديم المولى لغرضه الأهمّ الترخيصيّ على غرضه المهمّ ليس عبارة عن ترخيص العبد في سلب المولى حقّه و ظلمه، و إنّما حقّ المولى على العبد هو تحرّكه حسب ما يحبّ المولى بعد أعماله لكلّ ملاحظاته و تشريعاته و حسابه لتمام أقسام التزاحمات بين أغراضه، و ليس تقديمه للغرض الأهمّ الترخيصيّ إلاّ إعمالا لمولويّته، لا ترخيصا للعبد في هتك حرمته، و كيف تنهتك حرمته بالمشي حسب ميله بعد ملاحظته لتمام أغراضه المتزاحمة؟ فهذان معنيان لتنجيزيّة قبح المعصية لا إشكال فيهما، لكنّهما لا يرتبطان بالمقام.

و ليس هنا شي‏ء ثالث إلاّ دعوى أنّه ليس للمولى تقديم غرضه الأهمّ الترخيصيّ على غرضه المهمّ الإلزاميّ، و لا بدّ من إطاعة غرضه الإلزاميّ و إن كان غرضه الترخيصيّ أهمّ عنده، و هذا - في الحقيقة - تحديد لمولويّة المولى كتحديد مولويّته في الأمور غير المقدورة للعبد، إذ ليس للمولى إلزام العبد بها، و من المعلوم أنّ تحديد مولويّة المولى في المقام، و منعه عن أن يفدي غرضه المهمّ في سبيل غرضه الأهمّ ضروريّ البطلان.

و قد ظهر ممّا بيّنّاه في وجه عدم مضادّة الحكم الظاهريّ للحكم الواقعيّ المعلوم بالإجمال من كونه نتيجة لإعمال قوانين التزاحم بين الأغراض الفرق بين العلم الإجماليّ و العلم التفصيليّ، و وجه عدم إمكان جعل الترخيص في الثاني بخلاف الأوّل، و هو أنّه في الثاني لا تزاحم بين الأغراض في عالم المحرّكيّة لعدم الاشتباه بينها كي يعمل قوانين باب التزاحم، و تكفي لحفظ الأغراض نفس


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة42/الجزء الرابع

 

الخطابات الأوّليّة، و لو جعل الترخيص لأنتج عكس المطلوب من حفظ الأغراض، فإنّه تفويت محض للغرض بلا أيّ موجب.

هذا، و قد تكلّمنا في بحث القطع في مسألة عدم إمكان الترخيص في مخالفة العلم التفصيليّ بشكل أوسع.

و أمّا كلام المحقّق الخراسانيّ»« قدّس سرّه في المقام فقد ذكر: أنّ الحكم المعلوم بالإجمال إن فرض بلوغه إلى مرتبة الفعليّة - و لو بنفس العلم الإجماليّ، لم يكن الترخيص لا في تمام الأطراف، للزوم اجتماع حكمين فعليّين، و الحكمان الفعليّان متضادّان، و لا في بعضها، لمضادّته له لو كان في ذاك الطرف، و المفروض أنّه يحتمل كونه في ذاك الطرف، فيلزم احتمال التضادّ، و إن فرض أنّه لم يصل بعد إلى مرتبة الفعليّة، حتى بنفس العلم الإجماليّ، بل تتوقّف فعليّته على شي‏ء آخر كالعلم التفصيليّ، أمكن الترخيص في المقام.

و هذا الوجه - كما ترى - بيان للتضادّ بين الحكم الظاهريّ و الحكم الواقعيّ، لا بينه و بين حكم العقل بلزوم الامتثال، عكس الوجه الأوّل.

و يقول رحمه اللّه: إنّه في مورد الشكّ البدويّ - أيضا - لو كان الحكم فعليّا لم يمكن الترخيص في مخالفته، و إنّما نلتزم فيها بالترخيص، لثبوت عدم فعليّة التكليف فيها و لو بقرينة نفس أدلّة الترخيص.

فظهر أنّه رحمه اللّه لا يرى - في الحقيقة - فرقا بين العلم الإجماليّ، و الشك البدويّ، بل في كلّ منهما يرى أنّ التكليف إن بلغ مرتبة الفعليّة لا يمكن الترخيص في مخالفته، و إلاّ أمكن الترخيص فيها، و إنّما جاء الفرق بين الشّك البدويّ و العلم الإجماليّ من ناحية أنّه في الشّك البدويّ فرض ثبوت عدم فعليّة التكليف و لو بقرينة أدلّة الأصول، و في العلم الإجماليّ فرض افتراضا تعلّقه بالتكليف الفعليّ، فوقع التكلّم في هذا الفرض، و قيل بعدم إمكان الترخيص في أطرافه.

بل يمكن أن يستنتج من مبانيه أنّه لا يفرّق - بحسب الروح - بين الشكّ البدويّ و العلم التفصيليّ، ففي العلم التفصيليّ - أيضا - إن فرض التكليف بالغا مرتبة الفعليّة لا يمكن الترخيص في الخلاف، و إن كانت فعليّته موقوفة على أمر غير حاصل


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة43/الجزء الرابع

 

أمكن الترخيص فيه، و إنّما جاء الفرق بين العلم التفصيليّ و العلم الإجماليّ من ناحية استبعاد أن تكون لفعليّة الحكم بعد تعلّق العلم التفصيليّ به حالة منتظرة، بخلاف فرض تعلّق العلم الإجماليّ به  [1].

أقول: إن كان مراده قدّس سرّه من فعليّة المعلوم بالإجمال فعليّة تحفّظ المولى عليه، حتى بلحاظ تزاحم الأغراض، فعدم إمكان الترخيص في ذلك صحيح، إلاّ أنّ هذا الكلام مرجعه إلى أنّ التكليف الّذي يلزم المولى الاحتياط بالنسبة له عند اشتباهه بإباحة لا يمكن أن يرخّص فيه، و هذا واضح، و يشبه قولنا: إنّ التكليف الّذي لا يرخّص المولى فيه لا يرخّص فيه، و ليس الكلام في هذا، و إنّما الكلام في أنّه: هل يمكن للمولى رفع اليد عن تكليفه المعلوم بالإجمال، من قبيل رفعه اليد عن التكليف المشكوك، أو لا؟ و بكلمة أخرى: أنّ الفعليّة بهذا المعنى هي بنفسها محلّ البحث، فالتكلّم مع فرض هذه الفعليّة أمرا مفروغا عنه خروج عن محلّ البحث.

و إن كان مراده من فعليّته فعليّته ذاتا بقطع النّظر عن مسألة المزاحمة - سواء كان المقصود فعليّة المبادئ، أو كان المقصود فعليّة الموضوع - فكون ذلك منافيا للترخيص في الأطراف ممنوع، لما بيّنّاه من إمكان الترخيص من باب تفويت غرض مهمّ لأجل غرض أهمّ.

و أمّا كلام المحقّق العراقيّ قدّس سرّه في المقام، فهو دعوى مضادّة الترخيص في المقام لحكم العقل و الحكم الواقعيّ معا، و جعل رحمه اللّه مضادّة الترخيص للحكم

 

__________________________________________

[1] كأنّ الفرق بين العلم الإجماليّ و التفصيليّ في المقام لدى المحقّق الخراسانيّ هو أنّه ليس من المحتمل كون تفصيليّة العلم أحد الموانع عن فعليّة الحكم، في حين أنّه من المعقول افتراض الإجمال مانعا عن الفعليّة، فيقال: إنّنا إنّما نتكلّم عن فرض العلم بحكم كان من سائر الجهات غير جهة الشكّ فعليّا، فحكم من هذا القبيل لو تعلّق به العلم التفصيليّ أصبح فعليّا من كلّ الجهات، لأنّه حتى لو كان العلم دخيلا في الفعليّة فقد حصل. أمّا لو تعلّق به العلم الإجماليّ لا التفصيليّ بقي احتمال كون تفصيليّة العلم، و عدم اقترانه بالشكّ دخيلا في الفعليّة، فإن ثبت عدم دخله في الفعليّة، و بالتالي أصبح الحكم فعليّا من جميع الجهات، كان ذلك علّة تامّة للتنجيز. و إن كانت تفصيليّة العلم دخيلة في الفعليّة، أو قل: إنّ الإجمال و الشكّ كان مانعا عن الفعليّة، فالحكم لم يصبح فعليّا من جميع الجهات، إذن جازت مخالفته القطعيّة، و لم يكن العلم الإجماليّ مقتضيا للتنجيز فضلا عن العلّيّة التامّة.


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة44/الجزء الرابع

 

الواقعيّ نتيجة مضادّته لحكم العقل.

و توضيح ذلك يتوقّف على استذكار ما مضى في بحث الجمع بين الحكم الظاهريّ و الواقعيّ من مختاره في الجمع بينهما، و هو أنّه قدّس سرّه يتصوّر أنّ للمولى في الأحكام الواقعيّة إرادتين مولويّتين: إحداهما: المطلوبيّة النفسيّة لذات الصلاة مثلا، و الأخرى: الغرض المقدّميّ المتعلّق بخطابه بقوله: (صلّ)، فإنّه يخاطب بهذا الخطاب، بغرض تحريك العبد نحو الصلاة، و تحصيل الغرض الأوّل، و يقول: إنّ الحكم الظاهريّ فيه محذوران: أحدهما: محذور مضادّته من حيث المبدأ للغرض الأوّل، و الآخر: محذور كونه نقضا للغرض الثاني، فيدفع رحمه اللّه المحذور الأوّل بتعدّد الرتبة بالتفصيل الّذي مضى في محلّه، و المحذور الثاني بأنّ الغرض المقدّميّ المتعلّق بالمقدّمة - و هو إيصالها إلى ذي المقدّمة - يستحيل أن يكون أوسع من مقدار قابليّة المقدّمة للإيصال إلى المطلوب، و مقدار قابليّة الخطاب للإيصال هو الإيصال على تقدير تنجّزه، فمع عدم تنجّزه، إمّا بنفسه لقاعدة (قبح العقاب بلا بيان)، أو بواسطة نفس الترخيص الظاهريّ، لا موضوع للغرض المقدّميّ، حتى يلزم من الترخيص الظاهريّ نقض الغرض.

هذا ما أفاده رحمه اللّه في الجمع بين الحكم الظاهريّ و الواقعيّ، و قد مضى تفصيل الكلام فيه و التعليق عليه في محلّه.

أمّا استثمار هذا المطلب في المقام فكما يلي:

إنّ العلم الإجماليّ يؤثّر في تنجيز المعلوم بالإجمال، و هذا التأثير إن فرضناه معلّقا على عدم ترخيص الشارع، فلا مانع من ترخيصه في المقام، إذ لا يضادّ حكم العقل لارتفاع موضوعه به، و لا الغرض المقدّميّ للخطاب، إذ يرتفع بالترخيص تنجيزه، فينتفي موضوع الغرض المقدّميّ، فلا يحصل نقض الغرض، و لا الغرض النفسيّ الواقعيّ، لأنّ تعدّد الرتبة بالتقريب الثابت في موارد الشكّ البدويّ ثابت هنا أيضا. و إن فرضناه تنجيزيّا فالترخيص يضادّ حكم العقل لتنجيزيّته و الغرض المقدّميّ لتماميّة موضوعه، إذ الخطاب قابل للتحريك و الإيصال إلى المطلوب لغرض تنجّزه، فقد تعلّق به الغرض المقدّميّ.

ثمّ يختار رحمه اللّه تنجيزيّة حكم العقل بتقريب: أنّ التضادّ بين الحكم الواقعيّ المعلوم بالإجمال و الترخيص ارتكازيّ، و التضادّ بينهما معلول لتنجيزيّة حكم العقل، فتثبت بذلك تنجيزيّة حكم العقل.


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة45/الجزء الرابع

 

هذا ما أفاده رحمه اللّه في المقام، و يرد عليه عدّة إيرادات:

منها - أنّه سلّمنا وقوع التضادّ بين الترخيص و حكم العقل، لكنّ سراية التضادّ إلى الترخيص و الحكم الواقعيّ - حسب تصوّراته قدّس سرّه - ليست في محلّها  [1]، و ذلك لأنّ الثابت بالبرهان هو أنّ الغرض المقدّميّ لا يكون أوسع من قابليّة المقدّمة و استعدادها، فمن ينصب جهاز تبريد الماء مثلا في زقاق، لا يقصد بذلك إشباع الجائعين، أو إرواء غير من يمرّ بهذا الزقاق، و إنّما يقصد إرواء المارّين بهذا الزقاق، لا أنّ الغرض المقدّميّ يجب أن لا يكون أضيق من قابليّة المقدّمة، فقد يكون غرضه مثلا إرواء خصوص العدول، مع أنّ هذا الجهاز يكون قابلا لإرواء العدول و الفسّاق معا، غاية الأمر أنّه لا ينصب شرطيّا على الجهاز يمنع الفسّاق من الشرب، فمثل هذا الفرض ليس مستحيلا، و لو جعل في مثل هذا الفرض شرطيّا على الجهاز لمنع الفسّاق من الشرب لم يكن ذلك نقضا لغرضه المقدّميّ، كما هو واضح، و عليه نقول في ما نحن فيه: إنّ الغرض المقدّميّ لعلّه أضيق من قابليّة المقدّمة، و غير ثابت في مورد العلم الإجماليّ، فلا يكون الترخيص نقضا لغرضه [2].

و منها - أنّه ما هو المقصود من ارتكاز التضادّ بين الحكم الواقعيّ المعلوم بالإجمال و الترخيص؟ هل المقصود بذلك ارتكاز العقلاء بحسب تعايشهم العقلائيّ، أو المقصود به ارتكازهم بلحاظ حكم العقل محضا؟ فإن كان المقصود هو الأوّل فهو صحيح لا إشكال فيه، إلاّ أنّه ينشأ من أنّ الأغراض اللزوميّة إذا كانت معلومة بالإجمال فغالبا تكون أقوى لدى المزاحمة من الغرض الترخيصيّ، و من الممكن أن يكون الغرض الشرعيّ المعلوم بالإجمال على خلاف ذلك، فبهذا لا يثبت عدم إمكان الترخيص ثبوتا. و إن كان المقصود هو الثاني، قلنا: إنّ المفروض

 

__________________________________________

[1] و عندئذ فلو كان الدليل على المضادّة بين الترخيص و حكم العقل بالتنجّز، أي:

الدليل على تنجيزيّة تأثير العلم الإجماليّ في التنجيز عبارة عن ارتكاز التضادّ بين الحكمين - كما هو مفروض كلامه - إذن لم يبق دليل على هذه المضادّة أيضا.

[2] كأنّ المحقّق العراقي رحمه اللّه يرى أنّ روح الحكم عبارة عن اهتمام المولى بتحصيل غرضه بقدر ما يصلح الخطاب لكونه مقدّمة مؤثّرة في تحصيل الغرض، ففرض الضيق في هذا الغرض المقدّميّ يساوق تقييد الحكم الواقعيّ، و هذا خلف، فإنّ المفروض تصوير الحكم الظاهريّ مع الحفاظ على الحكم الواقعيّ.


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة46/الجزء الرابع

 

أنّ التضادّ بين الحكم الواقعيّ و الترخيص إنّما ينبع من حكم العقل بالتنجيز، حتى مع فرض الترخيص، فكيف يعقل أن يكون حكم العقل به أجلى من حكم العقل بالتنجيز حتى يستدلّ به عليه؟ و الظاهر أنّ ما أوقعه رحمه اللّه في هذا الاشتباه هو الخلط بين الارتكاز العقلائيّ و العقليّ  [1].

و منها: ما أوردناه على المحقّق النائينيّ قدّس سرّه: من أنّ تنجيزيّة حكم العقل بقبح المعصية لا نتعقّلها بوجه صحيح، إلاّ بمعنيين ليس لهما أثر فيما نحن فيه، كما مضى شرح ذلك.

هذا. و للمحقّق العراقيّ قدّس سرّه كلام آخر في إثبات تنجيزيّة حكم العقل، غير الّذي ناقشناه حتى الآن [2]، و هو أنّه بعد أن تعلّق العلم بالحكم، فأيّ أثر يتعقّل للإجمال الموجود في المقام؟ و كيف يمنع العلم عمّا له من التنجيز الحتميّ؟ و قال رحمه اللّه: لا إجمال أصلا في المقام فيما هو موضوع التنجيز، فإنّه و إن تردّد الأمر بين وجوب الصلاة و وجوب الصوم مثلا، لكن موضوع حكم العقل بوجوب الطاعة ليس هو أمر المولى بالصلاة بخصوصيّة كونه أمرا بالصلاة - نظير أن يكون موضوع وجوب إطاعة

 

__________________________________________

[1] و كأنّ مقصود المحقّق العراقيّ: جعل ارتكاز التضادّ بين الحكم الواقعيّ و الترخيص في مورد العلم التفصيليّ شاهدا على تنجيزيّة أثر العلم التفصيليّ، و بالتالي شاهدا على تنجيزيّة أثر العلم الإجماليّ أيضا، بعد ما بيّن من أنّ العلم الإجماليّ بالقياس إلى المصبّ القابل للتنجيز تفصيليّ، فالإشكال عليه بأنّه لا يمكن أن يكون حكم العقل بالتضادّ أجلى من حكمه بالتنجيز، و ينبغي إيراده عليه بلحاظ نفس العلم التفصيليّ ابتداء لا بلحاظ العلم الإجماليّ، و لو لا هذا كان بإمكانه أن يقول في الجواب عن هذا الإشكال: إنّ ارتكاز التضادّ في التفصيليّ أجلى من التنجيز في الإجماليّ.

[2] الظاهر أنّ المحقّق العراقي رحمه اللّه يرى هذا الكلام مع الكلام السابق وجها واحدا، فهو يثبت أنّ العلم الإجماليّ كالعلم التفصيليّ بهذا لبيان الموجود هنا، و يثبت أنّ العلم التفصيليّ تأثيره تنجيزيّ، و ليس تعليقيّا بالبيان الماضيّ، و يستنتج من مجموع الأمرين: أنّ تأثير العلم الإجماليّ إذن تنجيزيّ. راجع المقالات: ج 2، ص 87 - 86، و نهاية الأفكار: القسم الثاني من الجزء الثالث، ص 307 - 305.


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة47/الجزء الرابع

 

الوالد هو خصوص أمره بما يكون فيه مصلحة للابن و لو في نظر الأب مثلا [1] - و إنّما موضوع وجوب إطاعته (تعالى) هو ذات أمره، بقطع النّظر عن خصوصيّات ما تعلّق به الأمر، و من المعلوم أنّه تعلّق العلم بأمره (تعالى) تفصيلا لا إجمالا، فلا محالة يكون تأثيره تنجيزيّا كتأثير العلم التفصيليّ إذ هو علم تفصيليّ.

أقول: نعم، بحسب جوهر المطلب و روحه لا يمكن الفرق بين العلم الإجماليّ و التفصيليّ، فإنّ العلم الإجماليّ أيضا بحسب ما هو موضوع للتنجيز علم تفصيليّ، لكنّنا نقول: إنّ تأثير العلم التفصيليّ أيضا بحسب الروح معلّق على عدم ترخيص الشارع في المخالفة بلحاظ تزاحم الأغراض، غاية الأمر أنّ المعلّق عليه دائما حاصل في العلم التفصيليّ، لتعيّن الأغراض، فلا يقع تزاحم بينهما في مقام الحفظ و المحرّكيّة، بخلاف موارد العلم الإجماليّ.

و قد تحصّل من تمام ما ذكرناه: أنّ من الممكن ثبوتا الترخيص في تمام أطراف العلم الإجماليّ.

 

المحذور الإثباتيّ

و أمّا مانعيّة العلم الإجماليّ إثباتا عن إجراء الأصول الترخيصيّة في تمام الأطراف، فالمشهور عدم مانعيّته إثباتا عن جريانها في تمام الأطراف، و إنّما يتمسّكون في مقام إسقاط الأصول بالمانع الثبوتيّ، و الوجه في ذلك هو أنّ كلّ طرف من الأطراف يصدق عليه مثلا أنّه ممّا لا يعلمون، فيدخل تحت إطلاق الدليل.

نعم، ذهب المحقّق النائينيّ»« قدّس سرّه في خصوص الأصل التنزيليّ كالاستصحاب إلى وجود مانع إثباتيّ بلحاظ لسان دليل ذلك الأصل يمنع عن جريان الأصول في الأطراف و لو لم يستلزم المخالفة العمليّة، و يأتي الكلام عن ذلك في بحث الاستصحاب - إن شاء اللّه -، و بقطع النّظر عن خصوص هذه الجهة، يقولون بعدم مانعيّة العلم الإجماليّ إثباتا عن جريان الأصول.

إلاّ أنّ الصحيح هو مانعيّة العلم الإجماليّ عن ذلك إثباتا، كما يتّضح ذلك

 

__________________________________________

[1] هذا المثال توضيح من قبل أستاذنا الشهيد رحمه اللّه و ليس في كلام المحقّق العراقي قدّس سرّه.


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة48/الجزء الرابع

 

بمراجعة الفهم العرفي، فمثلا لو قال مولى عرفيّ لعبده: إذا رأيت شخصا يغرق و لم تحرز كونه محبوبا لي و أنّي أهتمّ بنجاته، فليس من اللازم عليك إنجاؤه، ثمّ رأى العبد شخصين يغرقان يعلم إجمالا بأنّ واحدا منهما محبوب للمولى، و يهتمّ المولى بنجاته، فتركهما حتى غرقا معا، ثمّ اعتذر عند المولى: بأنّي رأيت أنّ كلّ واحد منهما داخل تحت العنوان الّذي بيّنته من عدم إحراز كونه محبوبا لك فتركته، لعدّ ذلك من المضحكات.

و بكلمة مختصرة: أنّ عدم شمول دليل الترخيص لأطراف العلم الإجماليّ - يكون في المرتبة السابقة عن التفتيش عن نكتة ذلك - من الواضحات بحسب الفهم العرفي.

و أمّا النكتة في ذلك فأمران:

الأمر   الأوّل: أنّنا لا ندّعي أنّ قوله مثلا: (ما لا يعلمون) غير شامل لهذا الطرف أو لذاك الطرف، حتى يقال: إنّ هذا خلاف الإطلاق و مقدّمات الحكمة، بل إنّنا نقول: إنّ المحمول الّذي حمل على موضوع (ما لا يعلمون) يوجد فيه ضيق، فبالرغم من تطبيقه على موضوعه في ما نحن فيه لا يثبت التأمين، و ذلك لأنّ الظاهر عرفا من الترخيص في المشكوك بما هو مشكوك المستفاد منه عرفا الحكم الظاهريّ، إنّما هو عدم الاهتمام بالإلزام الاحتماليّ، و المشكوك بما هو كذلك في قبال الترخيص الاحتماليّ، و تقدّم الثاني على الأوّل لأقوائيّته محتملا كما في الأصول، أو احتمالا كما في الأمارات، فليكن فيما نحن فيه - أيضا - الإلزام الاحتماليّ في كلّ واحد من الجانبين بما هو كذلك غير مهتمّ به في قبال الترخيص الاحتماليّ، لكنّ هذا لا ينافي الاهتمام من جهة أخرى، و ذلك بأن يهتمّ بالإلزام القطعيّ في قبال ما اشتبه من ترخيص قطعيّ أو احتماليّ، فبالنتيجة إنّما تثبت البراءة في خصوص تزاحم الأغراض في باب الشبهات البدويّة.

و بكلمة أخرى: أنّ هنا لونين من التزاحم: أحدهما: تزاحم غرض إلزاميّ احتماليّ لغرض ترخيصيّ احتماليّ، و الآخر: تزاحم غرض إلزاميّ قطعيّ لغرض ترخيصيّ قطعيّ، و هذان القسمان كما هما مختلفان ذاتا، قد يختلفان حكما، فيحفظ مثلا جانب الإلزام قطعيّا أو احتماليّا في مورد العلم الإجماليّ، في حين أنّه لم يحفظه في الشكّ البدويّ، و لا ملازمة بين تقديم جانب الترخيص في مورد الشكّ البدويّ، و تقديمه في مورد العلم الإجماليّ، فإنّ الّذي يخسر المولى في مقابل


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة49/الجزء الرابع

 

الحفظ القطعيّ لغرضه الترخيصيّ في مورد الشكّ البدويّ هو فوت غرض إلزاميّ احتماليّ لغرضه، لكنّ الّذي يخسر المولى في مقابل الحفظ القطعيّ الترخيصيّ في مورد العلم الإجماليّ هو فوت غرض قطعيّ، و هذا المحذور أشدّ، فقد يكون مقتضى إعمال قوانين باب التزاحم بين الغرض الإلزاميّ و الترخيصيّ الاحتماليّين تقديم الثاني، و مقتضى إعمالها بين الغرض الإلزاميّ القطعيّ و الغرض الترخيصيّ تقديم الأوّل، و في مورد العلم الإجماليّ يكون كلا اللّونين من التزاحم ثابتا، فبلحاظ كلّ طرف في نفسه يوجد تزاحم غرض احتماليّ إلزاميّ لغرض احتماليّ ترخيصيّ، و بلحاظ كلا الطرفين يوجد تزاحم غرض إلزاميّ قطعيّ لغرض ترخيصيّ، فيجب إعمال قوانين باب التزاحم بلحاظ كلّ واحد منهما، و مثل قوله: (رفع ما لا يعلمون) لا تكفي دلالته بالإطلاق على تقديم جانب الغرض الترخيصيّ في مورد العلم الإجماليّ في التزاحم الأوّل لإثبات تقدّمه في التزاحم الثاني أيضا، لما عرفت من عدم الملازمة بينهما، و العرف إنّما يفهم - بحسب المناسبات اللغويّة و اللفظيّة - من مثل (رفع ما لا يعلمون) تقديم جانب الغرض الترخيصيّ بلحاظ القسم الأوّل من التزاحم، و لا يفهم تقديمه بلحاظ القسم الثاني أيضا، و النكتة في ذلك هي مناسبة العنوان المأخوذ في الكلام مع الحكم  [1]، حيث إنّ العنوان المأخوذ في الكلام هو

 

__________________________________________

[1] إنّي أرى أنّ هذا المقدار من المناسبة لا يصلح نكتة لظهور دليل الترخيص في المعنى المدّعى في المقام، فالصحيح ذكر نكتة أخرى لذلك: و هي أنّ أدلّة الترخيص عادة تدلّ - بحسب الفهم العرفي - على الحكم الحيثيّ، فإذا قال المولى مثلا: (الجبن حلال) لا يفهم من ذلك أكثر من أنّ الجبن من حيث هو جبن حلال. أمّا لو فرضت حرمته صدفة في مورد مّا لكونه مغصوبا، أو لكونه مضرّا بسلامة جسم الآكل، أو لسبب آخر كنهي الوالد مثلا، فهذا لا يعتبر تقييدا لإطلاق قوله: (الجبن حلال)، و لا يقع التعارض مثلا بالعموم من وجه بين دليل حلّيّة الجبن و دليل حرمة أكل المغصوب، كي يقدّم الثاني على الأوّل ببعض البيانات، بل يقال رأسا: إنّ قوله:

)الجبن حلال) إنّما دلّ على حلّيّة الجبن في ذاته، و هذا لا ينافي حرمته من حيث الغصب، و عليه فقوله: (رفع ما لا يعلمون) أيضا من هذا القبيل، فهو يدلّ على أنّ (ما لا يعلمون) من حيث إنّه (ما لا يعلمون) لا محذور في ارتكابه، و هذا لا ينافي وجود محذور في ارتكابه صدفة من حيث كونه معلوما بالإجمال.


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة50/الجزء الرابع

 

عنوان (ما لا يعلمون)، و عنوان المشكوك و شبه ذلك، و المشكوك عبارة عمّا فيه احتمالان: احتمال غرض إلزاميّ و احتمال غرض ترخيصيّ، فالعرف يفهم من ذلك أنّ المولى قدّم احتمال الغرض الترخيصيّ على احتمال الغرض الإلزاميّ بلحاظ التزاحم بينهما، و هذا لا ينافي عدم تقديم الغرض الإلزاميّ القطعيّ عند تزاحمهما.

و قد يخطر بالبال في المقام إشكال (و لنجعل مصبّ كلامنا فرض ما إذا علمنا

__________________________________

...... - و هذا الّذي ذكرناه واضح في الفهم العرفي، إلاّ أنّه قد يثار سؤال فنّي في المقام، و هو أنّه ما هي النكتة في الفرق بين الإباحة و التحريم مثلا، حيث يفهم من دليل الإباحة الحكم الحيثيّ، و لكن يفهم من دليل التحريم التحريم المطلق، فإذا قال: (الجبن حلال) ثمّ عرفنا أنّ الجبن المغصوب حرام من ناحية الغصب لا يعتبر هذا تقييدا لدليل الحلّ، لأنّ دليل الحلّ إنّما دلّ على أنّ الجبن من حيث هو حلال، و لم يدلّ على أكثر من ذلك، و لكن إذا قال: الجبن حرام، ثمّ عرفنا أنّ الجبن يحلّ حينما يصبح دواء للمريض، يكون هذا تقييدا لإطلاق دليل الحرمة، فما هي النكتة في الفرق بين الأمرين؟ و يمكن الجواب على ذلك بأحد وجهين:

إمّا بإبداء نكتة الغلبة، و هي غلبة كون الأحكام الترخيصيّة العقلائيّة حيثيّة، و غلبة الخلاف في الأحكام الإلزاميّة. فالغلبة في الأحكام العقلائيّة هي التي أثّرت في ظهور الكلام في الموردين.

و إمّا بإبداء نكتة أخرى، و هي أنّ دليل الحرمة يكون مفهومه عرفا أنّ الحيثيّة المأخوذة في الكلام تأتي منها الحرمة، فمثلا لو قال: (يحرم الخمر) فهذا يعني أنّ الخمريّة حيثيّة توجب الحرمة، و مقتضى إطلاق الدليل كون هذه الحيثيّة غالبة على أيّ حيثيّة أخرى مزاحمة لها، فلو كان الخمر صدفة دواء للمريض كان مقتضى إطلاق دليل الحرمة حرمته عليه أيضا، لأنّ حيثيّة الحرمة موجودة على أيّ حال. و أمّا دليل الحلّ فحتى إذا قلنا: إنّ الحلّ حكم وجوديّ مجعول من قبل المولى، يكون المدلول الأقصى النهائيّ له عرفا نفي كون تلك الحيثيّة موجبة للحرمة، و عدم كون تلك الحيثيّة كحيثيّة الجبن مثلا موجبة للحرمة لا تنافي فرض حيثيّة أخرى في بعض الموارد كالغصب توجب الحرمة. و هذا البيان صادق حتى في الحلّيّات الاقتضائيّة، و لا يختصّ بالحلّيّات اللا اقتضائيّة، فإنّ دليل الحلّ في الحلّيّات الاقتضائيّة - أيضا - ليس مفاده العرفي بأكثر من أنّ تلك الحيثيّة لا تخلق الحرمة، و لو فرض أنّ سبب عدم خلقها للحرمة وجود ملاك يقتضي الحلّ، و هذا لا ينافي فرض حيثيّة أخرى صدفة في بعض الموارد تخلق الحرمة.


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة51/الجزء الرابع

 

إجمالا - أيضا - بوجود غرض ترخيصيّ، كما علمنا إجمالا بوجود غرض إلزاميّ، أي:

أنّنا علمنا إجمالا بأنّ أحد الإناءين نجس مثلا يوجد غرض إلزامي في تركه، و علمنا إجمالا بأنّ الآخر طاهر مشتمل على غرض ترخيصيّ)، فنقول: إنّه و إن كان محذور الترخيص في مورد الشبهات البدويّة عبارة عن الفوت الاحتماليّ للغرض الإلزاميّ، و في مورد العلم الإجماليّ عبارة عن الفوت القطعيّ له، لكن محذور الإلزام - أيضا - في الشبهات البدويّة عبارة عن الفوت الاحتماليّ للغرض الترخيصيّ، و في العلم الإجماليّ عبارة عن الفوت القطعيّ للغرض الترخيصيّ، إذن فلو كان الغرض الترخيصيّ أهمّ، و لذا جعلت البراءة بلحاظ القسم الأوّل من التزاحم، فلا بدّ أن تجعل البراءة أيضا بلحاظ القسم الثاني من التزاحم، لانحفاظ نفس تلك النسبة بين المتزاحمين، فدليل البراءة و إن كان بالمطابقة إنّما يدلّ على تقديم الغرض الترخيصيّ بلحاظ القسم الأوّل من التزاحم، لكنّه يدلّ بالالتزام أيضا على تقديمه بلحاظ القسم الثاني منه.

و تحقيق الكلام في هذا المقام هو: أنّه لو بنينا على ما بنى عليه السيّد الأستاذ و غيره، من كون الحكم الظاهريّ ناشئا من ملاك في نفسه، فعدم الملازمة بين الترخيص بلحاظ القسم الأوّل من التزاحم و الترخيص بلحاظ القسم الثاني واضح، إذ لعلّ الملاك موجود في الأوّل دون الثاني. و أمّا لو بنينا على ما هو المختار [1] من كون

 

__________________________________________

[1] اختيار ذلك في مقابل السببيّة ينشأ إمّا من فرض عدم إمكان الجمع بين الحكم الظاهريّ و الواقعيّ على السببيّة ثبوتا، و إمّا من افتراض أنّ السببيّة خلاف ظاهر أدلّة الأحكام الظاهريّة. و الأوّل مضى بحثه في مبحث الجمع بين الحكم الظاهريّ و الواقعيّ، و كان مختار أستاذنا الشهيد رحمه اللّه في الدورة التي حضرتها إمكان الجمع بين الحكم الظاهريّ و الواقعيّ على السببيّة، و نقل عن الدورة المتأخّرة عدوله عن ذلك في الأحكام الظاهريّة الترخيصيّة، راجع ذلك البحث في الجزء الثاني من القسم الثاني من كتاب مباحث الأصول.

و أمّا لو سلّمنا إمكان ذلك ثبوتا، فالصحيح من الناحية الإثباتيّة أنّ السببيّة التي تكون خلاف ظاهر دليل الحكم الظاهريّ إنّما هي السببيّة المحضة، لأنّ الدليل ظاهر في نظر الحكم الظاهريّ إلى الحكم الواقعيّ، و حفظ أغراضه ببعض مستويات الحفظ. و أمّا فرض حظّ من السببيّة مع أخذ الطريقيّة إلى الأغراض الواقعيّة أيضا بعين الاعتبار، و حفظها ببعض مستويات الحفظ، فليس خلاف الظاهر.


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة52/الجزء الرابع

 

الأحكام الظاهريّة ملاكها عين ملاكات الأحكام الواقعيّة، و أنّ الحكم الظاهريّ حافظ ثان للأغراض في طول الحافظ الأوّل، و هي الخطابات الواقعيّة، فنقول في مقام حلّ الإشكال: إنّ جعل المولى للبراءة في مورد الشكّ، يتصوّر بأحد أنحاء ثلاثة:

1 - أن يلحظ المولى الشكّ في الحكم بنحو القضيّة الفرضيّة، و يرى قوّة المحتمل في جانب الترخيص فيجعل البراءة.

2 - أن يلحظ المولى الشكّ بنحو القضيّة الفرضيّة أيضا، و يدخل في الحساب جانب الاحتمال أيضا، كما لو رأى مثلا أنّ المحرّمات تصل عادة إلى العبد، فنفس شكّ العبد أمارة على الإباحة، فجعل البراءة، و لا يلزم من ذلك تحوّل البراءة من كونها أصلا إلى كونها أمارة، لأنّنا نفرض أنّ هذا الحساب إنّما اعتمد المولى عليه لنكتة ثابتة في خصوص مادّة معيّنة، و هي باب التحريمات و الترخيصات مثلا. أمّا لو حصل مثل هذا الحساب في باب اشتباه الواجب بالحرام، أو في باب آخر، فقد لا يعتمد المولى عليه هناك، فتمام الملاك للتقديم ليس هو حساب الاحتمال، بل للمحتمل دخل في المطلب.

3 - أن يفترض أنّ المولى لاحظ الشكوك الخارجيّة، و جعل البراءة باعتبار مجموع ما للترخيصات من الكميّة و الكيفيّة.

و على أيّ نحو من هذه الأنحاء الثلاثة، لا ملازمة بين الترخيص بلحاظ التزاحم الأوّل و الترخيص بلحاظ التزاحم الثاني.

أمّا على الأخير فواضح، إذ قد تختلف نسبة الكميّة بلحاظ الشبهات البدويّة و الشبهات المقرونة بالعلم الإجماليّ  [1].

و أمّا على الثاني فواضح أيضا، إذ قوّة الاحتمال الثابتة في جانب الترخيص

 

__________________________________________

[1] أو يفترض أنّ النسبتين متساويتان، و لكن مقدار الترخيص الّذي حصل بجعل البراءة في الشبهات البدويّة أشبع شدّة الحاجة إلى الترخيص و التوسعة على العباد بالمستوى الّذي كان قد أوجب تقديم جانب الترخيص، و بكلمة أخرى: يفترض أنّ رجحان ملاك الترخيص على ملاك الإلزام لم يكن بلحاظ كلّ فرد فرد من الترخيص، بل كان بلحاظ شدّة حاجة العبد إلى مبلغ من الترخيصات، بحيث كان جعل الاحتياط في تمام الموارد موجبا لوقوع العبد في حرج يفوق خسارة ملاك الإلزامات الواقعيّة، و قد انحلّ ذلك بجعل البراءة في موارد الشبهات البدويّة، فلم تبق حاجة إلى جعل البراءة في موارد العلم الإجماليّ.


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة53/الجزء الرابع

 

في مورد عدم وصول الحرمة إلى العبد، لا تثبت في مورد وصولها بنحو العلم الإجماليّ، كما هو واضح  [1].

و أمّا على الأوّل فأيضا لا ملازمة بين الترخيص بلحاظ التزاحم الأوّل و الترخيص بلحاظ التزاحم الثاني، إذ من الممكن افتراض أنّ درجة الغرض الترخيصيّ كانت مساوية للغرض الإلزاميّ، فقدّمه على الغرض الإلزاميّ لنكتة خارجيّة [2]، كأن يطابق جعله ما هو مركوز في ذهن العقلاء في أوامر الموالي العرفيّة من عدم الإلزام في الشبهات البدويّة، و ثبوت قاعدة (قبح العقاب بلا بيان) عندهم، و عدم رفع موضوعها عادة عندهم بإيجاب الاحتياط، أو كأن يقال: بأنّ العبد لو ألزم في الشبهات البدويّة لأخذ يشعر بالضيق أزيد منه في موارد العلم الإجماليّ، فأصبح هذا مرجّحا للترخيص هنا، و من الواضح أنّ هذا لا يستلزم الترخيص في موارد العلم الإجماليّ، إذ قد لا تكون تلك النكتة موجودة فيها، و تكون نكتة أخرى أوجبت

 

__________________________________________

 

[1] إذا كان المفروض وجود علم إجماليّ بالترخيص في أحدهما، كما نعلم إجمالا بالإلزام، فقوّة احتمال الترخيص فيه لا تختلف عن مورد انتفاء كلا العلمين، لأنّ العلم الإجماليّ بالإلزام الّذي هو الموجب لضعف احتمال الترخيص، مزاحم بالعلم الإجماليّ بالترخيص، فلقائل أن يقول: إنّ جريان البراءة في مورد فقد العلمين يثبت بالملازمة جريانها في مورد ثبوت العلمين، بل و حتى لو لم يكن علم إجماليّ بالترخيص، فصحيح أنّ العلم الإجماليّ بالإلزام يوجب ضعف احتمال الترخيص، لكن بالإمكان قياس المورد بموارد الشكّ البدويّ التي كان احتمال الترخيص فيها ضعيفا بنفس المقدار على أساس أمارة أخرى غير العلم الإجماليّ على الإلزام، مع فرض عدم حجّيّة تلك الأمارة، فيقال: إنّ البراءة في هذا المورد جارية، إذن يثبت بالملازمة جريانها في مورد العلم الإجماليّ الّذي لم يكن احتمال الترخيص في كلّ طرف فيه بأضعف من مورد شكّ بدويّ من ذاك القبيل.

[2] و هذا لا ينافي دعوى كون السببيّة خلاف الظاهر، فإنّ المقصود من السببيّة التي تدّعى كونها خلاف الظاهر هو فرض تفريط المولى بنسبة من حفظ الأغراض الواقعيّة بسبب ملاك جديد غير تلك الملاكات الواقعيّة، و في ما نحن فيه لم يفترض تفريط بالحفظ لملاك جديد، لأنّنا فرضنا أنّ الغرض الترخيصيّ و الغرض الإلزاميّ كانا متساويين في الدرجة، فتقديم أحدهما لنكتة خارجيّة لا يعني تفريطا ببعض درجات حفظ الملاكات الواقعيّة، كي يكون خلاف الظاهر.


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة54/الجزء الرابع

 

تقديم جانب الإلزام، أو أنّ نفس تلك النكتة التي اقتضت تقديم جانب الترخيص في الشبهات البدويّة، و هي المطابقة لمرتكزات العقلاء مثلا، اقتضت هنا العكس.

و قد يفرض أنّ الغرض الترخيصيّ لم يتعلّق بمطلق إطلاق العنان، بل تعلّق - كما هو الظاهر المحدوس - بإطلاق العنان تجاه المباحات الّذي لا يساوق إطلاق العنان تجاه المحرّمات، بأن يكون العبد - بعد فرضه غير مطلق العنان بلحاظ المحرّمات - مطلق العنان بلحاظ المباحات. و عليه ففي مورد الشكّ البدويّ يحتمل المولى ثبوت الغرض الترخيصيّ، بأن يكون المشكوك في الواقع حلالا، لكن في مورد العلم الإجماليّ لا يحتمله، لأنّ الترخيص - و لو في أحد الجانبين تخييرا - مساوق لإطلاق العنان بوجه من الوجوه تجاه المحرّمات. و هذا واضح لو فرض أنّ المقصود بمساوقة الترخيص للترخيص تجاه الحرام مساوقته له و لو في نظر العبد.

و أمّا لو كان المقصود مساوقته له في نظر المولى و في الواقع، فهنا قد يستشكل في المقام بأنّه ليس كلّ علم إجماليّ حصل للعبد لا بدّ أن يكون مطابقا للواقع، و تامّا في نظر المولى. و عليه فقد يقع التزاحم بين الأغراض حتى في مورد العلم الإجماليّ بنحو يوجب تقديم جانب الترخيص.

لكن لا يخفى أنّه لو دلّ دليل بالخصوص في أطراف العلم الإجماليّ على الترخيص، أمكن أن يستكشف بذلك تزاحم الأغراض عند المولى و لو من باب تخطئته للعلوم الإجماليّة لعبده مثلا، لكن لو كنّا نحن و الدليل المتعارف، لا يمكننا التعدّي إلى موارد العلم الإجماليّ، لعدم الملازمة، و العبد العالم بالعلم الإجماليّ يرى - لا محالة - أنّ هذا العلم مطابق للواقع، و تامّ في نظر المولى، و هذا نظير أنّه لا يتعدّى في الترخيص إلى موارد العلم التفصيليّ، مع أنّه في موارد العلم التفصيليّ - أيضا - قد يكون علم العبد خاطئا في الواقع، و عند المولى، فيقع التزاحم بين الأغراض.

الأمر الثاني: ارتكاز المضادّة بين الحكم الواقعيّ و الترخيصيّ في الأطراف، الّذي أدركه الأصحاب بسلامة وجدانهم و إن تخيّلوه ارتكازا عقليّا، فاختاروا المانع الثبوتي من جريان الأصول، و نحن قلنا: إنّه ارتكاز عقلائيّ ناشئ من تعايشاتهم العقلائيّة، لا من عقلهم صرفا، و هذا الارتكاز - بعد أن علمنا من ظاهر أدلّة الأصول، أو من الخارج أنّها ليس بصدد نسخ الحكم الواقعيّ و نفيه - يصبح قرينة على عدم إرادة الترخيص في أطراف العلم الإجماليّ و لو بنحو الضيق في المحمول.


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة55/الجزء الرابع

 

و الفرق بين هذين الأمرين واضح، فإنّ الأمر الأوّل عبارة عن دعوى نكتة لفظيّة قائمة على أساس ارتكازهم بلحاظ اللغة و الألفاظ، و الأمر الثاني عبارة عن نكتة معنويّة قائمة على أساس ارتكازهم بما لهم موالي و عبيد و مصالح و مفاسد و أغراض، فلو فرضنا أنّ مناسبات الألفاظ و اللغة لا تقتضي اختصاص مفاد الدليل بإعمال قوانين التزاحم في القسم الأوّل من التزاحم، فدلّ الكلام - لو لا النكتة الثانية - على الترخيص في موارد العلم الإجماليّ، كفت النكتة الثانية للانصراف، و مع الانصراف لا بدّ عقلا من الاحتياط، بل لا تبعد دعوى أنّه توجب تلك النكتة دلالة الحكم الواقعيّ بالملازمة العرفيّة على إيجاب الاحتياط في مورد العلم الإجماليّ.

و تظهر ثمرة عمليّة بين هاتين النكتتين في الشبهات التحريميّة الموضوعيّة بلحاظ قوله: »كلّ شي‏ء لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه«، حيث إنّ كلمة (بعينه) قرينة على النّظر إلى تقديم جانب الترخيص، حتى بلحاظ الغرض الإلزاميّ المعلوم بالإجمال، فالنكتة الأولى غير جارية هنا، و إنّما تختصّ بمثل (رفع ما لا يعلمون)، (و كلّ شي‏ء مطلق حتى يرد فيه نهي)، و نحو ذلك ممّا لم تؤخذ فيه كلمة (بعينه)، لكنّ الارتكاز ثابت - أيضا - في موارد الشبهات التحريميّة الموضوعيّة، فيقيّد به إطلاق الحديث، و لو كنّا نحن و النكتة الأولى، لكنّا نلتزم في الشبهات التحريميّة الموضوعيّة بجواز المخالفة القطعيّة للعلم الإجماليّ.

و لا يقال: إنّ كلمة (بعينه) صريحة في الترخيص في أطراف العلم الإجماليّ، و ليست دلالة الحديث على ذلك بالإطلاق، كي يقيّد الإطلاق بالارتكاز.

فإنّه يقال: إنّ دلالة الحديث على البراءة في أطراف العلم الإجماليّ و إن كانت واضحة بلحاظ كلمة (بعينه)، لكنّ الارتكاز المانع عن جريان البراءة ليس ثابتا في تمام موارد العلم الإجماليّ، فمثلا في مورد الشبهة غير المحصورة، لا يكون هذا الارتكاز ثابتا، و كذلك في بعض موارد أخرى، كما يأتي تفصيل ذلك - إن شاء اللّه -، فالارتكاز يمنع عن انعقاد الإطلاق في الحديث لموارد العلم الإجماليّ الواجد لشرائط معيّنة.

و تظهر الثمرة - أيضا - بين النكتتين في الأصول التي جعلت بلسان الكشف، فإنّ النكتة الثانية تجري فيها، لكنّ النكتة الأولى لا تجري فيها، و ذلك لأنّ العرف لا يتعقّل التبعيض في الكشف، و لا يساعد في باب الكشف على التفكيك بين الأمرين، بأن يقال: إنّ هذا الاحتمال كاشف عن الواقع، في قبال الاحتمال الآخر، لكنّه غير كاشف في قبال وجود غرض إلزاميّ معلوم بالإجمال، و هذا بخلاف باب الترجيح، فلا بأس بأن يقال: إنّ هذا الاحتمال يقدّم على الاحتمال الآخر بما هو، و لا يقدّم على


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة56/الجزء الرابع

 

الغرض الإلزاميّ المعلوم بالإجمال.

و قد ظهر من تمام ما ذكرناه: أنّ الترخيص في أطراف العلم الإجماليّ إنّما ينفي لمحذور إثباتيّ من دون أن يكون في ذلك محذور ثبوتيّ، و لذا لو دلّ دليل على الترخيص في أطراف العلم الإجماليّ - كما في بعض موارد جوائز السلطان، و آخذ الرّبا الّذي تاب، و بعض موارد أخرى قد يقف عليه المتتبّع - نلتزم بالترخيص فيها، و جواز المخالفة القطعيّة إن تمّ عندنا الحديث سندا و دلالة.

ثمّ إنّ ما عرفته من النكتتين المانعتين عن إجراء الأصول المرخّصة في قبال العلم الإجماليّ بالإلزام، لا تمنعان عن إجراء الأصول الملزمة في قبال العلم الإجماليّ بالترخيص، فلو علمنا إجمالا بحلّيّة أحد الأمرين و لو مع احتمال حلّيّة كليهما أيضا، و كان مقتضى الأصل العمليّ الاجتناب عنهما، وجب الاجتناب عنهما، و لا يمنع عن ذلك شي‏ء من النكتتين، أمّا النكتة الثانية، فلوضوح عدم ارتكاز التصادم في نظر العرف و العقلاء بين الإلزامين الظاهريين و الغرض الترخيصيّ المعلوم بالإجمال. و أمّا النكتة الأولى، فلأنّ غاية ما تقتضيه هو احتمال أن يكون الغرض الترخيصيّ المعلوم بالإجمال مقدّما عند المولى على احتمال الإلزام في كلّ من الطرفين، لكن احتمال ذلك لا يفيد شيئا، و لا بدّ من الاحتياط في كلا الجانبين، حتى على القول بقاعدة (قبح العقاب بلا بيان)، ما دام أنّه قد ثبت أنّ احتمال الإلزام في كلّ واحد من الطرفين لا يرضى المولى بمخالفته في نفسه، في قبال احتمال الترخيص، فإنّ هذا كاف في عدم جريان قاعدة (قبح العقاب بلا بيان)  [1]، فلا يبقى لنا مؤمّن في المقام، لا عقليّ، لعدم جريان القاعدة، و لا شرعيّ، لأنّ الترخيص بملاك التزاحم الثاني لم يثبت، و بملاك التزاحم الأوّل قد ثبت خلافه.

 

__________________________________________

[1] الأقوى من هذا أن يتمسّك بما مضى في بعض تعليقاتنا السابقة من أنّ النكتة الصحيحة لكون مثل (رفع ما لا يعلمون) ظاهرا في الترخيص الحيثيّ، أي: الترخيص من حيث الشكّ و عدم العلم، من دون أن ينافي ذلك فرض الإلزام من حيث العلم الإجماليّ بحكم إلزاميّ، إنّما هي ما شرحناه من أنّ العرف يحمل جميع الأدلّة الترخيصيّة على الحكم الحيثيّ، و ذلك بأحد بيانين مضيا: من نكتة الغلبة، و من نكتة أنّ الإباحة تعني نفي كون الحيثيّة الفلانيّة موجبة للتحريم، لا أنّها تخلق الحلّ، و كلا هذين البيانين لا يأتيان في طرف التحريم، فلا يأتيان في المقام في الأصل الإلزاميّ، و إنّما يختصّان بالأصل الترخيصيّ.


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة57/الجزء الرابع

 

هل يمكن الترخيص في بعض الأطراف؟

و أمّا المقام الثالث: و هو البحث عن مانعيّة العلم الإجماليّ ثبوتا أو إثباتا عن إجراء الأصول الترخيصيّة في بعض الأطراف، فهنا - أيضا - تارة يقع الكلام في مانعيّته عن ذلك ثبوتا، و أخرى في مانعيّته عنه إثباتا.

 

المحذور الثبوتيّ

أمّا مانعيّة العلم الإجماليّ ثبوتا عن جريان الأصل الترخيصيّ في بعض الأطراف، فبناء على ما اخترناه في المقام الثانيّ - من عدم مانعيّته ثبوتا عن جريان الأصل الترخيصيّ في تمام الأطراف - لا يبقى محلّ للبحث عن مانعيّته عن الترخيص في بعض الأطراف، فلئن كان الترخيص في تمام الأطراف جائزا، فما ظنّك بالترخيص في بعض الأطراف.

و إنّما يقع البحث هنا بعد فرض تسليم مانعيّته ثبوتا عن الترخيص في تمام الأطراف، كما هو المعروف لديهم، فقد تعارف بينهم التسليم بكون العلم الإجماليّ علّة تامّة لحرمة المخالفة القطعيّة، و اختلفوا في أنّه هل هو أيضا علّة تامّة لوجوب الموافقة القطعيّة أو لا، فذهب المحقّق العراقيّ رحمه اللّه إلى العليّة، و المشهور عن المحقّق النائينيّ قدّس سرّه هو الاقتضاء، و هو مذكور في بعض عبائر تقرير الشيخ الكاظميّ على تشويش في ذلك، بحيث كأنّ مفاهيم العلّيّة و الاقتضاء لم تكن واضحة الحدود عنده آنذاك.

و الكلام تارة يقع في الموقف الحلّيّ في المقام، و أخرى في الموقف النقضيّ، إذ أنّ كلّ واحد من الطرفين تصدّى للنقض على القول الآخر.

أمّا الموقف الحلّيّ، فالذي يمكن أن يستخلص من كلمات المحقّق


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة58/الجزء الرابع

 

النائينيّ [1] رحمه اللّه - و إن لم يذكره بهذه الصورة - هو أنّ العلم الإجماليّ علّة تامّة لحرمة المخالفة القطعيّة، لأنّه لا يمكن الترخيص فيها من قبل الشارع، إذ الترخيص فيها يكون ترخيصا في المعصية، و هو مقتض لوجوب الموافقة القطعيّة، لا علّة تامّة له، لأنّه يمكن الترخيص في بعض الأطراف من قبل الشارع، إذ ليس الترخيص في بعض الأطراف وحده ترخيصا في المعصية.

و أنت ترى أنّ الدليل المذكور في ذلك على المدّعى لا يرجع إلى محصّل، و إنّما هو تكرار للمدّعى بعبارات أخرى مع شي‏ء من الاختلاف عن مفهوم المدّعي، و لعلّه قدّس سرّه لم يكن يقصد الاستدلال على مدّعاه، و إنّما كان يقصد شرح المدّعي و تنبيه الوجدان تجاهه مثلا.

و على أيّة حال، فلو كان المقصود هو الاستدلال على المدّعى بما عرفت، و رد عليه: أنّ المعصية بالمعنى الّذي لا يجوز للمولى الترخيص فيها - أيّا كان معناها اللغويّ - عبارة عن مخالفة حقّ المولى و ظلمه بترك ما تنجّز علينا من قبله، فلا بدّ أن نرى أوّلا أنّ تأثير العلم الإجماليّ هل هو تنجيزيّ، و غير معلّق على عدم مجي‏ء الترخيص، أي: أنّ حقّ المولويّة يكون ثابتا بلا تعليق على ذلك أو أنّه معلّق عليه؟.

فإن قيل بالأوّل، كان الترخيص في المخالفة ترخيصا في المعصية، فلم يجز مجي‏ء الترخيص من قبل المولى. و إن قيل بالثاني لم يكن الترخيص في المخالفة ترخيصا في المعصية، فجاز مجي‏ء الترخيص من قبله، فلا معنى للاستدلال على التنجيزيّة و الاقتضاء بعدم جواز الترخيص من قبل المولى، لكونه ترخيصا في المعصية، أو جوازه، لعدم كونه ترخيصا في المعصية، بل لا بدّ أن نعرف أوّلا أنّ تأثير العلم الإجماليّ هل هو بنحو التنجيز أو الاقتضاء، ثمّ نفرّع على ذلك أنّ الترخيص في المخالفة ترخيص في المعصية أو لا، و إذا وصلت النوبة إلى النّظر ابتداء في أنّ تأثير

 

__________________________________________

 

[1] و الّذي استخلصه من كلمات المحقّق النائينيّ رحمه اللّه هو أنّ السرّ في عدم علّيّة العلم الإجماليّ لوجوب الموافقة القطعيّة، مع كونه علّة لحرمة المخالفة القطعيّة، هو أنّ العلم لا يتطلّب أكثر من الامتثال الجامع بين الامتثال الوجدانيّ و التعبديّ، و إذا فرض الترخيص في المخالفة القطعيّة، فقد الامتثال بكلا وجهيه. أمّا لو رخّص في بعض الأطراف فهذا يعني جعل الطرف الآخر بدلا عن الواقع، و هذا يعني تماميّة الامتثال التعبّدي. راجع فوائد الأصول:

ج 4، ص 62.


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة59/الجزء الرابع

 

العلم الإجماليّ علّيّ أو اقتضائيّ لم يبق للمحقّق النائينيّ رحمه اللّه إلاّ أن يقول - من دون هذا اللّف و الدوران -: إنّ الوجدان حاكم بكون تأثيره اقتضائيّا.

و أمّا المحقّق العراقيّ قدّس سرّه فقد ذكر في المقام»«: أنّنا لا نحتاج إلى إقامة برهان على العلّيّة، لأنّنا متّفقون على أنّ العلم الإجماليّ ينجّز شيئا، و أنّه ينجّزه بنحو العلّيّة، و إنّما الخلاف بيننا في أنّه هل ينجّز الجامع، أو ينجّز الواقع، و قد أثبتنا أنّه ينجّز الواقع.

و هذا أيضا - كما ترى - لا يرجع إلى محصّل، فإنّ تسليم الخصم للعلّيّة بالنسبة للجامع يكون لأجل أنّ العلم الإجماليّ بلحاظ الجامع علم تفصيليّ، فحاله حال العلم التفصيليّ في العلّيّة. و أمّا بلحاظ الطرفين فهو علم إجماليّ، فلم يثبت أنّه على تقدير تأثيره لوجوب الموافقة بلحاظ كلا الطرفين يكون هذا التأثير - أيضا - بنحو العلّيّة، فليس له قدّس سرّه في المقام عدا أن يقول بأنّ الوجدان حاكم بكون تأثيره علّيّا.

و إذا آل الأمر في الموقف الحليّ من كلا الجانبين إلى دعوى الوجدان، قلنا:

إنّنا قد حلّلنا فيما سبق هذا الوجدان بالبرهان، و أثبتنا أنّ تأثير العلم الإجماليّ ليس بنحو العلّيّة حتى بلحاظ المخالفة القطعيّة، فضلا عن الموافقة القطعيّة، بل قلنا: إنّ العلم التفصيليّ أيضا تنجيزه لحرمة المخالفة القطعيّة بحسب الروح يكون تعليقيّا، غاية الأمر أنّ المعلّق عليه - و هو عدم وصول الترخيص - يكون ثابتا دائما، لعدم تعقّل جعل الترخيص الظاهريّ على أساس عدم انحفاظ موضوع الحكم الظاهريّ و هو الشكّ  [1].

 

__________________________________________

 

[1] و هنا شبهة في عدم إمكان جعل الحكم الظاهريّ في موارد العلم التفصيليّ بالحكم على الإطلاق، لا بأس بالتعرّض لها هنا بالمناسبة و إن كانت - في الحقيقة - أجنبيّة عن محلّ الكلام، و تلك الشبهة تتوجّه على المسلك المختار في الجمع بين الحكم الظاهريّ و الواقعيّ من إعمال قانون التزاحم من قبل المولى على التزاحم في التحريك، لا التزاحم في الامتثال أو الجعل، و تلك الشبهة هي: أنّه قد يتّفق إمكان جعل الحكم الظاهريّ رغم العلم التفصيليّ بالحكم بنفس الروح التي حقّقنا إمكانيّة الجمع بين الحكم الظاهريّ و الواقعيّ في سائر الموارد، مثاله: ما لو علمنا تفصيلا بوجوب علاج مؤمن من مرض له بتقديم الدواء له، و لكن علم إجمالا بحرمة


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة60/الجزء الرابع

 

و أمّا الموقف النقضيّ، فقد أورد المحقّق النائينيّ»« قدّس سرّه النقض على القول بالعلّيّة بأنّه في موارد العلم التفصيليّ قد ثبت الترخيص في ترك الموافقة القطعيّة في موارد قاعدة الفراغ و التجاوز و نحوهما، فهل صار العلم الإجماليّ أعلى و أشدّ تأثيرا من العلم التفصيليّ؟ و أفاد المحقّق العراقيّ رحمه اللّه في مقام الجواب عن ذلك»«: أنّ بعض الأعاظم خلط بين الأصل الجاري في مرحلة الامتثال و الأصل الجاري في مرحلة التكليف، فإنّ قاعدة الفراغ و شبهها جارية في مرحلة الامتثال، و مثبتة لجعل البدل لحصول

______________________________________

 

......- سلوك أحد طريقيّ الذهاب إلى محلّ تواجد ذاك الدواء، لمغصوبيّة الطريق مثلا، فهنا بالرغم من العلم التفصيليّ بوجوب علاج المؤمن، و تقديم الدواء له يمكن فرض الترخيص الظاهريّ في تركه، لأهمّيّة حرمة سلوك الطريق المغصوب مثلا، و ذلك لأنّ الترخيص الظاهريّ - حسب الفرض - هو الترخيص الناشئ عن تزاحم الغرضين في عالم المحرّكيّة، و هنا قد تزاحم غرض علاج المؤمن و غرض ترك الطريق المغصوب في المحرّكيّة، لا لعدم القدرة على الجمع بينهما، لكي يكون تزاحما في عالم الامتثال، فإنّه قادر على سلوك الطريق المباح و الوصول إلى علاج المؤمن، من دون ابتلاء بالغصب، بل للجهل بما هو الطريق المغصوب، و عدم تمييزه عن الطريق المباح، فأيّ فرق بين الترخيص هنا و الترخيص في موارد عدم العلم التفصيليّ كي يفترض إمكانيّة اجتماع الثاني مع الحكم الواقعيّ، بخلاف الأوّل؟ مع أنّ النكتة فيهما واحدة، و هي التزاحم في مقام المحرّكيّة.

و قد أفاد أستاذنا الشهيد رحمه اللّه في الجواب عن ذلك: أنّ هذا المثال بابه باب التزاحم في مقام الامتثال بين وجوب الإنقاذ واقعا، و وجوب الاحتياط بترك كلا الطريقين ظاهرا، و بكلمة أخرى:

إنّنا نقصد بالحكم الخطاب، أو ما يكشف عنه الخطاب، الناشئ عن داعي حصول التحريك على تقدير الوصول، و هذا غير ممكن في باب التزاحم الامتثاليّ بما هو أهمّ مثلا، فلا يوجد داعي التحريك في هذا المثال نحو علاج المؤمن، حتى مع وصول هذا الحكم، كما لا يوجد داعي التحريك نحو غير الأهمّ في باب الصلاة و الإزالة مثلا، و إنّما يمكن ذلك في خصوص فرض عدم العلم التفصيليّ بالحكم الواقعيّ، فهذا الفرض هو الّذي يمكن فيه انحفاظ الحكم الواقعيّ مع الترخيص الظاهريّ.


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة61/الجزء الرابع

 

الامتثال القطعيّ تعبّدا، و نحن لا نقول: إنّ العلم علّة تامّة لوجوب تحصيل القطع بالامتثال الوجدانيّ، و إنّما نقول: إنّه علّة تامّة لوجوب تحصيل القطع بالامتثال، سواء كان وجدانيّا أو تعبّديّا، و نقول بمثل ذلك في العلم الإجماليّ أيضا، فإذا علمنا إجمالا مثلا بوجوب الظهر أو الجمعة، و ورد دليل تعبّديّ على أنّ ذلك الواجب هو الظهر، فهنا نلتزم بجواز الاقتصار على الظهر، لأنّه إن لم يكن هو الواقع فقد جعل بدلا عنه، و حصلت الموافقة القطعيّة تعبّدا.

و الخلاصة: أنّ العلم بالتكليف - سواء كان تفصيليّا أو إجماليّا - يستدعي الفراغ اليقينيّ: إمّا بالوجدان، أو بالتعبّد، و معه لا بأس بإجراء البراءة في الطرف الآخر.

و أمّا إجراؤها في أحد الطرفين من دون تحصيل القطع بالفراغ - و لو الفراغ التعبّديّ - فغير صحيح.

هذا ما أفاده المحقّق العراقيّ قدّس سرّه في المقام.

و المحقّق النائينيّ رحمه اللّه ذكر في المقام: أنّ العلم الإجماليّ ليس علّة تامّة لوجوب الموافقة القطعيّة، و إنّما هو مقتض له، فإنّ العلم الإجماليّ لا يزيد على العلم التفصيليّ، و في العلم التفصيليّ يمكن الاكتفاء بالموافقة الاحتماليّة، لأجل جعل البدل من قبل الشارع، و حصول القطع بالامتثال التعبّديّ، كما في مثال موارد قاعدة الفراغ و التجاوز، نعم يصحّ أن يقال: إنّ العلم الإجماليّ كالعلم التفصيليّ، يكون علّة تامّة لوجوب الموافقة القطعيّة، بتعميم الموافقة القطعيّة إلى الوجدانيّة و التعبّديّة، لا خصوص التعبّديّة.

فكأنّه رحمه اللّه يقول بالاقتضاء بلحاظ خصوص الموافقة القطعيّة الوجدانيّة، و بالعلّيّة بلحاظ الأعمّ من الوجدانيّة و التعبّديّة، و يحمل كلام الخصم القائل بالعلّيّة على علّيّة العلم الإجماليّ لوجوب الموافقة القطعيّة الوجدانيّة، و إلى هذا الحدّ من الكلام كأنّه يبدو عدم وجود خلاف حقيقيّ بينه و بين المحقّق العراقيّ.

و لكن كان ينبغي له أن يفرّع على ذلك عدم إمكان جريان الأصل الواحد في أحد الأطراف، كما فرّع ذلك عليه المحقّق العراقيّ، إلاّ أنّه خالفه في التفريع، ففرّع على المطلب إمكان إجراء الأصل الواحد في أحد الأطراف، لأنّه يفيد جعل الطرف الآخر بدلا عن الواقع، و يوجب حصول الموافقة القطعيّة التعبّديّة.


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة62/الجزء الرابع

 

ثمّ يقول قدّس سرّه بعد أسطر ما هذا لفظه: العلم الإجماليّ إنّما يقتضي وجوب الموافقة القطعيّة إذا كانت الأصول النافية للتكليف الجارية في الأطراف متعارضة»«.

و هذا الكلام و إن كان يقبل التأويل، لكنّ ظاهره يوافق ما في أجود التقريرات، من أنّ العلم الإجماليّ لا يقتضي أصلا وجوب الموافقة القطعيّة، إلاّ بلحاظ تعارض الأصول.

هذا، و المحقّق العراقي رحمه اللّه ينظر إلى ما أفاده المحقّق النائينيّ قدّس سرّه من كون جريان الأصل في أحد الطرفين مساوقا لجعل البدل، و حصول الموافقة القطعيّة التعبّديّة، فيقول»«: إنّ جعل الأصل في المقام مساوق لجعل البدل إن أريد به: أنّ الأصل يدلّ على جعل الطرف الآخر بدلا عن الواقع، فهذا غير صحيح، فإنّ الأصل لا يدلّ على ذلك، لا بالمطابقة كما هو واضح، فإنّ مفاده إنّما هو البراءة عن هذا الطرف، و لا ينظر إلى حال الطرف الآخر، و لا بالالتزام  [1]، لعدم حجّيّة المداليل الالتزاميّة للأصول. و إن أريد بذلك: أنّ دليل الأصل - كقوله: (رفع ما لا يعلمون) الّذي هو أمارة - يدلّ بالالتزام على جعل البدل في المرتبة السابقة على جعل الأصل، لأنّ المفروض أنّ الأصل لا يجري في هذا الطرف إلاّ مع فرض جعل البدل حتّى تتحقّق الموافقة القطعيّة التعبّديّة، و رد عليه: أنّ الأصل لا يتوقّف على مجرّد جعل البدل في المرتبة السابقة، فإنّه لا تتحقّق بذلك الموافقة القطعيّة التعبّديّة، بل يتوقّف على وصول جعل البدل في المرتبة السابقة، فيستحيل تحقّق الوصول من نفس دليل الأصل، و بكلمة أخرى: أنّ دليل الأصل لا بدّ أن يدلّ بالدلالة الالتزاميّة على أنّك عالم بجعل البدل، و هذا كذب، فالدلالة الالتزاميّة ساقطة في المقام، فلا يجري الأصل [2].

 

__________________________________________

 

[1] مقصود المحقّق العراقيّ رحمه اللّه من الدلالة الالتزاميّة في المقام هو أنّ الأصل المرخّص إن كان تنزيليّا، فكان لسانه لسان أنّ هذا الطرف حلال واقعا، فقد يقال: إنّ لازم كونه حلالا واقعا كون الآخر حراما، للعلم الإجماليّ بحرمة أحدهما، فيجيب عن ذلك بأنّ هذا تمسّك بالأصل المثبت.

[2] نعم، لو كان دليل الأصل صريحا في جريانه في أحد الطرفين، كان هذا كناية عرفا


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة63/الجزء الرابع

 

أقول: إنّ الصحيح - بحسب الإطار الفكري الّذي يعيشه هذان العلمان - هو ما أفاده المحقّق العراقيّ، لا ما أفاده المحقّق النائينيّ.

و ما أفاده المحقّق النائينيّ مشوّش بناء، و مفرّع عليه ما لا يناسبه، و ما أفاده المحقّق العراقيّ غير مشوّش بناء، و مفرّع عليه ما يناسبه.

لكنّنا نقول: إنّ الفرق بين جعل البدل و جعل البراءة ليس إلاّ فرقا لسانيّا، و إنّ التعبير تارة بهذا و أخرى بذاك تفنّن في العبارة، و لا يرتبط ذلك بفرق جوهريّ بين الأصول، و إنّما روح الحكم الظاهريّ في الجميع يرجع إلى درجة اهتمام المولى بغرضه الواقعيّ عند الشكّ، فلو لم يهتمّ بغرضه إلى درجة يكلّف العبد كلفة إعادة العمل عند الشكّ في صحّة عمله، رخّص العبد في ترك الإعادة، إمّا بلسان: لا تعد، و إمّا بلسان: بلى قد ركعت مثلا، أ فهل ترى أنّه لو قال: بلى قد ركعت، فهذا ليس تحدّيا لحكم العقل، لأنّه عبدنا بحصول الامتثال، و لو قال: لا تعد [1] كان ذلك تحدّيا لحكم العقل، لأنّه رخّص من دون التعبّد بذلك؟.

نعم، مثل هذه التفرقة بين اللسانين ليس غريبا على أصول كانت تفرّق بين لسان جعل الكاشفيّة و لسان إيجاب الاحتياط، فترى أنّ موضوع قاعدة (قبح العقاب بلا بيان) يرتفع بوضوح بجعل الكاشفيّة، و لكن تشكل كيفيّة تصوير ارتفاعه بمجرّد إيجاب الاحتياط، لأنّ المفروض أنّ الشارع لم يجعل البيان.

و الحاصل: أنّه لا فرق - بحسب الروح و الجوهر - بين أن يرخّص المولى بلسان جعل البدل، و التعبّد بحصول الامتثال، أو يرخّص بلسان جعل البراءة. و اعتراف المحقّق العراقيّ بإمكان الأوّل اعتراف ضمنيّ منه بحسب وجدانه بإمكان الثانيّ، فتحصّل أنّ نقض المحقّق النائينيّ يكون - و بحسب الواقع - واردا عليه.

هذا. و للمحقّق العراقيّ نقضان في المقام:

  الأوّل: نقض موجود في تقرير بحثه، و لم يذكره في مقالاته، و هو أنّه بعد أن فرّق بين العلم التفصيليّ و العلم الإجماليّ في التنجيز، كما سلّم الخصم بذلك، يلزم من عدم علّيّة العلم الإجماليّ لوجوب الموافقة القطعيّة و جواز إجراء الأصل في

__________________________________________

 

.....- عن جعل الطرف الآخر بدلا، بناء على أنّ جريان الأصل لا يتصوّر إلاّ مع حفظ الامتثال التعبّديّ القطعيّ.

 [1] و لم يكن ذلك كناية عن معنى: بلى قد ركعت.


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة64/الجزء الرابع

 

بعض أطرافه - إن لم يكن له معارض - انسحاب ذلك إلى العلم التفصيليّ، فإذا شكّ في صحّة صلاته و لم تجر قاعدة الفراغ، كان له التمسّك بأصالة البراءة، للشكّ في وجوب الصلاة فعلا عليه.

هذا ما أفاده المحقّق العراقيّ على ما في تقرير بحثه.

و قد يقال: إنّ استصحاب بقاء الوجوب، أو استصحاب عدم الإتيان بالواجب، حاكم على البراءة في المقام.

و الصحيح - كما يأتي إن شاء اللّه -: عدم جريان استصحاب بقاء الوجوب، لكن يكفي الاستصحاب الموضوعيّ في المقام.

إلاّ أنّ التمسّك بحكومة الاستصحاب في المقام لا يكفي لدفع النقض، فإنّهم لا يجرون البراءة في المقام، حتّى بقطع النّظر عن الاستصحاب، و لا تجري البراءة حتّى عند من ينكر الاستصحاب.

و على أيّ حال، فالصحيح في المقام عدم ورود هذا النقض، و ذلك لأنّ عدم جريان البراءة عند الشكّ في الامتثال في مورد العلم التفصيليّ ليس لأجل محذور ثبوتيّ، بل لأجل القصور الإثباتيّ في دليل البراءة، لأنّ موضوع دليل البراءة هو الشكّ في الحكم، و هنا لا يشكّ في الحكم.

و توضيح المقصود: أنّه إن أريد إجراء البراءة عن وجوب ثابت على الجامع بين الفرد الأوّل المأتيّ به على تقدير صحّته، و الفرد الثاني غير المأتيّ به، فهذا الوجوب مقطوع به. و إن أريد إجراء البراءة عن وجوب ثابت على ما لا يشمل الفرد الأوّل على تقدير صحّته، فهذا الوجوب غير محتمل. و إن أريد إجراء البراءة عن الوجوب الأوّل - و هو وجوب الجامع بين الفرد الأوّل المأتيّ به على تقدير صحّته، و الفرد الثاني - من باب أنّ هذا الوجوب و إن لم يكن مشكوكا حدوثا لكنّه مشكوك بقاء، ورد عليه: أنّ روح الحكم و جوهره - و هو الحبّ و البغض - لا يسقط بالامتثال، فالمولى حتّى بعد الامتثال حينما ينظر إلى ما فعله يحبّه و يرتضيه، و إنّما الّذي يسقط في المقام هو فاعليّة الحكم، و هذا ثابت في الأحكام التشريعيّة، و في المقاصد التكوينيّة، فمن يريد عملا بالإرادة التكوينيّة، بأن يفعله هو، أو بالإرادة التشريعيّة، بأن يفعله عبده، لا تفترق حالته النفسيّة تجاه ذلك الشي‏ء من محبوبيّته له بدرجة الإلزام قبل العمل و بعده، و إنّما الّذي يسقط و ينتهي هو الفاعليّة التكوينيّة في فرض إتيانه بنفسه، أي أنّه بعد العمل لا يبقى لذلك الحبّ تحريك تكوينيّ،


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة65/الجزء الرابع

 

و الفاعليّة التشريعيّة في فرض إتيان عبده، أي أنّه بعد عمل العبد لا يبقى لذلك الحبّ تحريك تشريعيّ.

فتحصّل: أنّه لا موضوع لجريان البراءة في فرض الشكّ في الامتثال في العلم التفصيليّ.

و لو فرض جعل أصل خاصّ غير البراءة المعروفة عند الشكّ في الامتثال لالتزمنا به، كما ثبت ذلك في بعض الموارد، كفرض الشكّ في جهة القبلة، على رأي من يقول بجواز الاكتفاء بالامتثال الاحتماليّ، مع البدار فيه، و إن علم أنّ القبلة سوف تتعيّن له.

و لا يقال: إنّ العلم هنا إجماليّ لا تفصيليّ.

فإنّه يقال: إنّه ينبغي أن يكون هذا العلم الإجماليّ غير منظور إليه لهم في بحثهم عن تنجيز العلم الإجماليّ و عدمه، و يكون ملحقا بالعلم التفصيليّ، لأنّ الكلام إنّما هو في البراءة التي كانت تجري في الشكّ البدويّ هل تجري مع العلم الإجماليّ أو لا، فلو فرض مورد لا يقبل البراءة، حتّى لو كان الشكّ بدويّا، فلا معنى للبحث عن جريان البراءة فيه مع العلم الإجماليّ. و هذا المثال من هذا القبيل، فلو وجب مثلا إكرام عالم على سبيل البدل، و علم إجمالا بعالميّة زيد أو عمرو، و كان هناك شخص ثالث معلوم العالميّة تفصيلا - سنخ ما افترضناه من أنّه ستنكشف القبلة تفصيلا - فلا معنى لجريان البراءة عن أطراف العلم الإجماليّ، إذ حتّى لو كان الشكّ بدويّا لم يكن مجرى للبراءة.

الثاني: نقض موجود في تقرير بحثه»«، و في مقالاته»«، و كأنّ هذا النقض اشتهر في ذلك الزمان، حتّى أنّ الشيخ الكاظميّ رحمه اللّه أطال الكلام في تقريره في مقام الجواب عنه، ثمّ التفت إلى أنّه أطال الكلام في ذلك فذكر: أنّنا أطلنا الكلام، لأنّ هذه الشبهة أصبحت مغروسة في أذهان بعض الطلبة، فأطلنا الكلام في شرح بطلانها، حتّى لا يبقى شي‏ء منها في الذهن، و بعد هذا البيان لا أظنّ أحدا تبقى في ذهنه هذه الشبهة»«.


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة66/الجزء الرابع

 

و على أيّة حال، فهذا النقض عبارة عن أنّه: لو لم يكن العلم الإجماليّ علّة تامّة لوجوب الموافقة القطعيّة، فلما ذا لا نثبت التخيير تمسّكا بإطلاق دليل الأصل في كلّ واحد منهما على تقدير عدم ارتكاب الآخر، بعد فرض سقوط الإطلاقين الأحواليّين الشاملين لحال ارتكاب الآخر بسبب لزوم المخالفة القطعيّة؟ و سنبحث هذا النقض قريبا - إن شاء اللّه - في بحثنا الإثباتي في المقام.

 

المحذور الإثباتي

 

و أمّا مانعيّة العلم الإجماليّ إثباتا عن جريان الأصل الترخيصيّ في بعض الأطراف، فبعد فرض عدم إمكان جريان الأصل في تمام الأطراف - إمّا لمانع ثبوتيّ و إمّا لمانع إثباتي - يذكرون في المقام مانعا إثباتيّا عن إجراء الأصل في بعض الأطراف، و هو أنّ إجراءه في أحد الطرفين معيّنا تمسّكا بدليل الأصل ترجيح بلا مرجّح، و إجراؤه بنحو التخيير ليس مفادا للدليل، فإنّ مفاد الدليل هو جريان الأصل في كلّ واحد من الطرفين بعينه لا الترخيص التخييريّ.

أقول: إنّ هذا الوجه لا نحتاج إليه في مثل (رفع ما لا يعلمون) ممّا لا يكون ناظرا إلى القسم الثاني من التزاحم - أعني التزاحم الملحوظ فيه غرض إلزاميّ معلوم بالإجمال - بمقتضى ما بيّناه من النكتة الأولى من نكتتي مانعيّة العلم الإجماليّ عن إجراء الأصول إثباتا، فإنّ مثل هذا الأصل لا يجري في أطراف العلم الإجماليّ في نفسه، بقطع النّظر عن برهان الترجيح بلا مرجّح، لأنّ المفروض عدم ناظريّة دليله إلى فرض وجود المعلوم بالإجمال، فحتّى لو كان الأصل في أحد الطرفين غير مبتل بالمعارض، كما لو جرى في الطرف الآخر أصل مثبت للتكليف، لا يجري هذا الأصل لنفس تلك النكتة، فإنّما نحتاج إلى هذا الوجه في مثل قوله: (كلّ شي‏ء فيه حلال و حرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه) ممّا لا ترد فيه النكتة الأولى.

و على أيّة حال، فيمكن الإيراد على هذا الوجه بإشكالين:


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة67/الجزء الرابع

 

الترخيص التعييني

 

الإشكالالأوّل: أنّ إجراء الأصول في أحد الطرفين معيّنا لا يوجب دائما مشكلة الترجيح بلا مرجّح، فقد يتّفق إمكان التمسّك بدليل الأصل في أحدهما بعينه بلا لزوم هذا المحذور، و ذلك كما لو فرضنا أنّ التكليف الإلزاميّ في أحد الطرفين مظنون و في الطرف الآخر موهوم و لم يكن ترجيح محتمليّ أو أيّ مرجّح آخر في جانب الموهوم حتّى يزاحم الترجيح الاحتماليّ في جانب المظنون، و عندئذ فلا نحتمل كون الأصل الترخيصيّ جاريا في جانب المظنون دون الموهوم بناء على ما هو الصحيح من أنّ الأحكام الظاهريّة تكون للتحفّظ على ملاكات نفس الأحكام الواقعيّة في طول الحافظ الأوّل، و لكن نحتمل العكس، و المفروض عدم جريان كلا الأصلين، فنستنتج من ذلك أنّ المظنون خارج عن إطلاق دليل الأصل قطعا، و الجانب الموهوم يحتمل دخوله فيه، فيتمسّك فيه بإطلاقه.

نعم، هذا البيان لا يأتي على مبنى السيّد الأستاذ و غيره: من أنّ الأحكام الظاهريّة ناشئة من ملاكات في نفسها، إذ - عندئذ - كما يحتمل وجود الملاك في خصوص الترخيص في جانب الموهوم كذلك يحتمل وجود الملاك في خصوص الترخيص في جانب المظنون.

و على أيّ حال، فهذا البيان كما طبّقناه على فرض الترجيح الاحتماليّ كذلك يمكن تطبيقه على فرض الترجيح المحتمليّ، بأن يقال: إذا علمنا بأنّ المعلوم بالإجمال على تقدير ثبوته في أحد الطرفين المعيّن أهمّ منه على تقدير ثبوته في الطرف الآخر، فهنا أيضا نقطع - على مبنانا من كون الأحكام الظاهريّة لأجل الحفاظ على ملاكات الواقع - بعدم جريان الأصل في الطرف الأهمّ، و يتمسّك - عندئذ - بإطلاق دليل الأصل في طرف المهمّ.

و هذا الإشكال سيأتي - إن شاء اللّه - في أواخر بحث الإشكال الثاني تعميقه، ببيان شمول العامّ بإطلاقه لعنوان (الفرد الثاني)، كما سيأتي - إن شاء اللّه - هناك حلّه بما ورد من دليل خاصّ على الاحتياط في الشبهات المحصورة.

نعم، هذا الوجه وجه سيّال يأتي في غير هذا الباب أيضا، فيمكن الأخذ به في باب آخر لم يرد فيه دليل خاصّ على خلاف المقصود، فمثلا لو كان دليل حجّيّة خبر الثقة دالاّ بإطلاقه على حجّيّة كلّ واحد من الخبرين المتعارضين و كان أحد المخبرين أرجح في ملاك الحجّيّة، و هو الوثاقة - لا في صفة أخرى كالجود و الكرم مثلا - أمكن


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة68/الجزء الرابع

 

القول بأنّه لا يسقط الإطلاقان بالتعارض، بل نتمسّك بإطلاق دليل الحجّيّة في خصوص خبر الأوثق بعد القطع بعدم حجّيّة الخبر الآخر، هذا لو لم نقل: إنّ حجّيّة خبر الواحد في نفسها مشروطة بعدم معارضة أماريّتها بأمارة ظنّيّة أخرى، بأن كان المحذور في الحجّيّة منحصرا في عدم إمكان حجّيّة كليهما، و كون حجّيّة أحدهما ترجيحا بلا مرجّح.

 

الترخيص التخييريّ

 

الإشكالالثاني: ما ذكره المحقّق العراقيّ رحمه اللّه في المقام»« من أنّه لا مانع إثباتيّ عن إجراء الأصل الترخيصيّ في المقام بشكل ينتج التخيير، و جعل هذا نقضا على من ينكر العلّيّة التامّة للعلم الإجماليّ لوجوب الموافقة القطعيّة.

و تقريب الإشكال: هو أنّ القول بتعارض الإطلاقين لكون جريانهما معا موجبا للترخيص في المخالفة القطعيّة، و جريان أحدهما ترجيحا بلا مرجّح، إنّما يتمّ بلحاظ الإطلاق الأحواليّ، فإنّ الإطلاق الأفراديّ لدليل الأصل بالنسبة لكلّ واحد من الطرفين ليس مبتليا بالمعارض، و إنّما المحذور ينشأ من الإطلاق الأحواليّ في كلّ واحد من الفردين، حيث إنّ البراءة في كلّ واحد منهما ثابتة بالإطلاق، حتّى في حال ارتكاب الآخر، فيلزم من ذلك الترخيص في المخالفة القطعيّة، فنحن إنّما نلتزم بسقوط الإطلاقين الأحواليّين مع بقاء الإطلاقين الأفراديّين على حالهما، فإنّ الضرورات تتقدّر بقدرها، و الإطلاق حجّة ما لم يعلم بخلافه، فنقول: إنّ كلّ واحد منهما مرخّص فيه، بحكم البراءة على تقدير عدم ارتكاب الآخر، و لا يلزم من ذلك الترخيص في المخالفة القطعيّة بارتكاب كليهما، إذ في ظرف المخالفة القطعيّة لا يوجد ترخيص، و عليه فمن ينكر كون العلم الإجماليّ علّة تامّة لوجوب الموافقة القطعيّة لا بدّ له أن يلتزم بعدم وجوبها، و هذا نظير أنّه لو ورد: »أكرم كلّ عالم«، و علمنا من الخارج أنّه لا يجب إكرام كلّ من زيد و عمرو العالمين تعيينا، فعندئذ لا نقول بجواز ترك إكرام كليهما معا، بل نتمسّك بإطلاق الدليل لإثبات وجوب إكرام


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة69/الجزء الرابع

 

كلّ واحد منهما على تقدير عدم إكرام الآخر، و ينتج من ذلك التخيير.

هذا ما أفاده المحقّق العراقيّ رحمه اللّه في المقام.

و هذا التقريب أحسن ممّا كان يقال قبل صاحب الكفاية من أنّ دليل البراءة و إن لم يجر في هذا المعيّن و في ذاك المعيّن، لكنّه يجري في أحدهما التخييريّ.

و أجاب عنه الشيخ الأعظم [1] قدّس سرّه: بأنّ أحدهما التخييري ليس شيئا وراء هذا المعيّن و ذاك المعيّن، و إن أريد الفرد المردّد ورد عليه إشكال الفرد المردّد.

فشبهة التخيير بالشكل الّذي طرحه المحقّق العراقيّ أمتن من التقريب الّذي أجاب عنه الشيخ الأعظم بذلك الجواب.

و قد يجاب عنها بعدّة وجوه:

الوجه   الأوّل: ما نقله السيّد الأستاذ»« عن المحقّق النائينيّ رحمه اللّه من أنّ التقابل بين الإطلاق و التقييد تقابل العدم و الملكة، فإذا امتنع أحدهما امتنع الآخر، و في ما نحن فيه الإطلاق ممتنع، لمنافاته لحرمة المخالفة القطعيّة، فيمتنع التقييد أيضا، بأن تكون البراءة في كلّ واحد من الطرفين مقيّدة بعدم ارتكاب الآخر، فتسقط البراءتان رأسا.

و أورد السيّد الأستاذ عليه»« بمنع كون التقابل بين الإطلاق و التقييد تقابل العدم و الملكة، حيث إنّ التقابل بينهما في رأي السيّد الأستاذ تقابل التضادّ.

و قد مرّ منّا أنّ التقابل بينهما تقابل السلب و الإيجاب.

و على أيّ حال، فبقطع النّظر عن المبني لا يتمّ هذا الوجه في المقام، و لا حاجة إلى الدخول في المناقشة في المبني فإنّه يرد عليه:

أوّلا: أنّ كلّ واحد من الإطلاقين ليس في نفسه ممتنعا، و إنّما الممتنع اجتماعهما، و القابليّة التي تؤخذ في تقابل العدم و الملكة إنّما هي القابليّة في مصبّ التقابل، و مصبّ التقابل في ما نحن فيه - و هو كلّ واحد من الإطلاقين في نفسه - غير

 

__________________________________________

 

[1] طريقة البحث في رسائل الشيخ الأعظم تختلف عن هذه الطريقة، راجع الرسائل:

ص 245 بحسب الطبعة المشتملة على تعليقة رحمة اللّه.


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة70/الجزء الرابع

 

ممتنع، فلو تعارض مثلا إطلاقان بالعموم من وجه كأكرم العالم، و لا تكرم الفاسق، فالجمع بين الإطلاقين ثبوتا غير ممكن، لكنّ كلّ واحد من الإطلاقين في نفسه ممكن، فهل يتوهّم أحد أنّ الدليلين سقطا حتّى بلحاظ مادّتي الافتراق، لأنّ الإطلاق صار ممتنعا، فامتنع التقييد بمادّتي الافتراق أيضا؟ طبعا لا، و ما نحن فيه من هذا القبيل، حيث لم يكن الإطلاق في نفسه ممتنعا، و لذا يلتزم هو قدّس سرّه بجريان أصل واحد، إن لم يكن مبتلى بالمعارض، و إنّما الممتنع هو اجتماع الإطلاقين، و إلاّ لم يجر الأصل حتّى بلا معارض، بل لم يجر الأصل في غير أطراف العلم الإجماليّ حسب هذه المباني، لأنّ إطلاق دليل البراءة لمورد العلم الإجماليّ ممتنع، فيمتنع تقييده بغير مورد العلم الإجماليّ أيضا، ثمّ يلزم امتناع حجّيّة خبر الواحد، لأنّ إطلاقها لدليل البراءة ممتنع، فتقييدها بغيره - أيضا - ممتنع، بل يمكن التعدّي أزيد من هذا.

و ثانيا: أنّنا قطعنا النّظر عمّا ذكرناه، لكن القابليّة التي تؤخذ في باب العدم و الملكة - الّذي بابه في الحقيقة باب الألفاظ لا الواقعيّات - إنّما تؤخذ في جانب العدم لا في جانب الوجود، فمثلا البصر و عدم البصر متقابلان تقابل السلب و الإيجاب، و حينما يراد الإتيان بما يكون تقابله تقابل العدم و الملكة يبدّل عدم البصر بالعمى مع إبقاء البصر على حاله، فيقال: إنّ العمى عبارة عن عدم البصر في مورد قابل للبصر، فالجدار الّذي لا يقبل البصر لا يصدق عليه العمى، لكن لو وجد ما يكون البصر من ذاتيّاته يصدق عليه البصر و إن لم يكن قابلا للعمى، فالذي يناسب كون التقابل بين الإطلاق و التقييد تقابل العدم و الملكة إنّما هو امتناع الإطلاق إذا امتنع التقييد، كما ذكر المحقّق النائينيّ رحمه اللّه في بحث التعبّديّ و التوصليّ»«: أنّ تقييد الأمر بقصد الأمر ممتنع، فكذلك إطلاقه، و لا معنى لأنّ يفرّع على كون التقابل بينهما تقابل العدم و الملكة امتناع التقييد إذا امتنع الإطلاق كما ذكر في ما نحن فيه.

الوجه الثاني: ما ذكره السيّد الأستاذ»«، و هو - في الحقيقة - إدخال لبعض التصرّفات في المبنى، حيث إنّه إلى هنا كان البناء على أنّ المحذور في جريان الأصول في جميع الأطراف، إنّما هو لزوم الترخيص في المخالفة القطعيّة، فذكر أنّه


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة71/الجزء الرابع

 

بعد تقييد الإطلاق الأحواليّ لا يلزم الترخيص في المخالفة القطعيّة، و لكن ذكر السيّد الأستاذ هنا: أنّه لا ينحصر المحذور في ذلك، بل مجرّد الترخيص القطعيّ في الحرام قبيح و لو لم يلزم الترخيص في المخالفة القطعيّة، ففي المقام و إن لم يلزم الترخيص فيها، إذ في ظرف المخالفة القطعيّة لا ترخيص في المقام، لكنّه يلزم الترخيص القطعيّ في المخالفة، لأنّا نقطع عند اشتباه الخمر بالماء مثلا في مورد العلم الإجماليّ بأنّ الشارع رخّصنا في أن نشرب الخمر بشرط أن نترك شرب الماء، و هذا ترخيص قطعيّ في المخالفة.

و لم يذكر السيّد الأستاذ وجها لما فعله من التصرّف في المحذور المدّعى، من كون الترخيص القطعيّ في المخالفة قبيحا و إن لم يلزم الترخيص في المخالفة القطعيّة، عدا النقض»« على القول بجواز إجراء الأصلين لو لم يلزم الترخيص في المخالفة القطعيّة، بأنّه لو جاز هذا للزم أن يجوز إجراء الأصلين من دون تقييد للإطلاق فيما إذا لم يمكن تكوينا الجمع بين الطرفين، كما لو علمنا إجمالا بأنّه يحرم في هذا الآن مثلا الكون في أحد المكانين، و لا يمكن الكون في كليهما في آن واحد، فإنّه - عندئذ - لا يلزم من إجراء الأصلين الترخيص في المخالفة القطعيّة، لعدم إمكانها، لكنّه يلزم الترخيص القطعيّ في المخالفة  [1].

و لنا مع السيّد الأستاذ كلام في مقامين:

المقام   الأوّل: في أنّه لو سلّم ما ذكره من كون الترخيص القطعيّ في المخالفة

 

__________________________________________

 

[1] و بالإمكان الجواب على هذا النقض: بأنّه لو فرض أنّ استحالة الجمع لا تبقى مجالا لإطلاق الترخيص في كلّ من الطرفين لحالة ارتكاب الآخر، فقد رجعنا مرّة أخرى إلى تقييد كلّ من الإطلاقين بفرض عدم ارتكاب الآخر، فهذا عين ما نتكلّم عنه، و ليس نقضا عليه، و المحقّق العراقيّ ملتزم بصحته بناء على نفي العلّيّة، و لو فرض أنّ هذه الاستحالة لا تنافي الإطلاق، فإطلاق الترخيص في كلّ من الطرفين لحالة ارتكاب الآخر باق على حاله، رغم استحالة فعله على تقدير ارتكاب الطرف الآخر و لو بمعنى أنّه لو أمكنك الإتيان بهذا رغم الإتيان بضده فلا بأس بذلك، إذن هذا يعني الترخيص في المخالفة القطعيّة و لو بمعنى أنّه لو أمكنك محالا الإتيان بهما فلا بأس بذلك، و الترخيص في القبيح قبيح، حتى لدى استحالته على تقدير تصوير الترخيص فيه لدى الاستحالة، فأيضا لا يصلح هذا نقضا على ما نحن فيه.


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة72/الجزء الرابع

 

محذورا - و إن لم يستلزم الترخيص في المخالفة القطعيّة - فهل ترتفع بهذا شبهة التخيير أو لا؟ فنقول: تارة يفرض أنّ مدّعاه هو محذوريّة الترخيص القطعيّ في المخالفة، إذا كان ترخيصا فعليّا قطعيّا، بمعنى أنّه لا ضير في الترخيص القطعيّ في المخالفة مشروطا بشرط غير معلوم الحصول، و عندئذ فشبهة التخيير و إن كانت ترتفع في مثل ما لو علم بحرمة أحد المائعين، إذ لو ترك كليهما يصير كلا الترخيصين فعليّا لحصول شرطهما، لكن يمكن دعوى التخيير مع إضافة قيد آخر فيما لو فرض أطراف العلم الإجماليّ ثلاثة مثلا، فإنّ من الممكن أن يقيّد الترخيص في كلّ واحد منهما بترك أحد الآخرين و فعل الآخر، فعندئذ لا يحصل في آن من الآنات القطع بالترخيص الفعليّ في المخالفة، فإنّه لو ترك الجميع، أو فعل الجميع فلا ترخيص، و لو فعل بعضا دون بعض كان هناك ترخيص في بعض دون بعض.

إن قلت: كيف يرتكب فعل الأوّل مع أنّه لم يتحقّق شرط إباحته من فعل أحد الآخرين؟ قلت: أوّلا: نفرض أنّه عصى بارتكاب الأوّل، فيجوز له ارتكاب أحد الآخرين بشرط ترك الآخر.

و ثانيا: أنّنا نفرض كون الترخيص في كلّ واحد منها مشروطا بترك أحد الآخرين، و فعل الآخر في مجموع عمود الزمان و لو متأخّرا، فإذا علم بأنّه سوف يرتكب الثاني، و يترك الثالث، جاز له ارتكاب الأوّل.

و أتذكّر أنّي أوردت هذا النقض على السيّد الأستاذ حينما كنت أحضر بحثه، فلم يأت بشي‏ء.

و أخرى يفرض أنّ مدّعاه هو محذوريّة الترخيص القطعيّ في المخالفة، و إن كان مشروطا بشرط غير معلوم الحصول، فترتفع شبهة التخيير حتى في مثل فرض أطراف العلم الإجماليّ ثلاثة، لكنّ هذا ينافي مبناه في باب الاضطرار إلى أحد الطرفين لا بعينه، حيث يقول هناك»«: إنّ الحكم الواقعيّ ثابت على حاله، و إنّه يثبت بالاضطرار الترخيص في الوجود الأوّل فحسب، و يبقى العلم الإجماليّ منجّزا بمقدار المخالفة القطعيّة.


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة73/الجزء الرابع

 

فإنّ هذا يرد عليه بناء على ذلك: أنّ الترخيص في الوجود الأوّل يرجع إلى الترخيص القطعيّ في المخالفة مشروطا بشرط غير محرز الثبوت، و توضيح ذلك: أنّ الوجود الأوّل هنا ليس مجرّد عنوان مشير - نظير قوله: إنّ الإمام بعدي خاصف النعل، فعنوان خاصف النعل مجرّد عنوان مشير إلى عليّ بن أبي طالب عليه السلام، و لا يكون غيره إماما و لو في الواقع فرض خاصف النعل - بل عنوان الوجود الأوّل بنفسه له موضوعيّة في المقام، فالقضيّة تنحلّ إلى قضيّتين شرطيّتين، و هما: الترخيص الظاهريّ في هذا الطرف مشروطا بكونه الوجود الأوّل، و الترخيص الظاهريّ في ذاك الطرف مشروطا بكونه الوجود الأوّل، و يلزم من هذا الترخيص القطعيّ في المخالفة مشروطا بشرط غير محرز الثبوت.

المقام الثاني: في أنّ الترخيص القطعيّ في المخالفة، هل هو محذور في نفسه و إن لم يستلزم الترخيص في المخالفة القطعيّة، أو لا؟. و هنا نحن و السيّد الأستاذ متّفقون على أصل واضح، و هو أنّ الحكم الظاهريّ ليس بذاته من القبائح كقبح الظلم، و لا من المحالات كاستحالة الدور و التسلسل، و إنّما استحالته تكون باعتبار مصادمته للحكم الواقعيّ في مرتبة من مراتبه من الجعل، أو مبدأ الجعل أو أثر الجعل، أي ما يتعقّبه من حكم العقل، و عليه نسأل: أنّ الترخيص الظاهريّ فيما نحن فيه لما ذا أصبح محالا؟ و في أيّ شي‏ء يصادم الحكم الواقعيّ؟ أمّا مصادمته له في الجعل فالسيّد الأستاذ يرى في بحث الجمع بين الحكم الظاهريّ و الواقعيّ أنّ كلا الجعلين سهل المئونة لا تضادّ بينهما.

و أمّا مصادمته له في المبادئ، فهو يرى: أنّ مبدأ الحكم الواقعيّ في متعلّقه، و مبدأ الحكم الظاهريّ في نفسه و ليس في متعلّقه، لكي يضادّ مبدأ الحكم الواقعيّ.

و أمّا مصادمته له في الأثر العقليّ، فليس هناك أثر عقليّ للحكم الواقعيّ المعلوم بالإجمال إلاّ أمران: أحدهما: حرمة المخالفة القطعيّة، و الآخر: وجوب الموافقة القطعيّة، فهذا الترخيص القطعيّ يصادم أيّا من الأثرين؟ أمّا حرمة المخالفة القطعيّة فلا معنى لمصادمته لها بعد أن كان المفروض عدم استلزام الترخيص القطعيّ في المخالفة للترخيص في المخالفة القطعيّة.

و أمّا وجوب الموافقة القطعيّة، فلا معنى - أيضا - لمصادمته إيّاه بعد أن كان المفروض أنّ وجوب الموافقة القطعيّة اقتضائيّ معلّق على عدم الترخيص.

فلا يبقى في المقام عدا أن يقال: إنّ الترخيص في المخالفة - و إن لم يستلزم


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة74/الجزء الرابع

 

الترخيص في المخالفة القطعيّة في نفسه - قبيح إذا عرف العبد بأنّه ترخيص في المخالفة، بحيث إنّ ترخيص المولى في المخالفة - مع عدم إحراز العبد لكونه ترخيصا في المخالفة - ليس قبيحا، و لكن بضمّ اطّلاع العبد على ذلك يصبح قبيحا، و هذا شي‏ء لا نتعقّله، و عهدته على مدّعيه، و هو خلف ما مضى من الأصل المسلّم بيننا: من أنّ الحكم الظاهريّ محذوره إنّما هو المصادمة للحكم الواقعيّ ببعض مراتبه، لا أنّه في نفسه محذور من المحاذير.

الوجه الثالث: ما لعلّه مذكور في الدراسات»«: من أنّ الحكم الظاهريّ يجب أن يكون محتمل المطابقة للواقع، فلو علمنا مثلا بالكراهة أو الإباحة، لا يكون الحكم الظاهريّ فيه الحرمة، و إن أمكن جعل الحرمة في ذلك، فهو حكم واقعيّ لا ظاهريّ، و عليه فالإباحة المشروطة بترك الآخر غير معقولة في ما نحن فيه، إذ لا نحتمل الإباحة المشروطة في شي‏ء من الطرفين، بل أيّ واحد منهما إمّا حرام مطلقا، أو مباح مطلقا.

و يرد عليه: أنّه لا وجه لاشتراط احتمال مطابقة الحكم الظاهريّ للواقع، و إنّما يشترط فيه أمران: أحدهما: الشكّ، و الآخر: كون الحكم الظاهريّ صالحا للتنجيز المحتمل أو التعذير عنه، لأنّ الحكم الظاهريّ عبارة عن الخطاب الناشئ من تزاحم الملاكات الواقعيّة، و إعمال قوانين التزاحم، فلو انتفى الشكّ لم يكن هناك تزاحم، و لو لم يكن الحكم الظاهريّ صالحا للتنجيز المحتمل أو التعذير عنه لم يكن إعمالا لقوانين باب التزاحم، و تقديم أحد الجانبين على الآخر مثلا، فلو علمنا مثلا بالكراهة، فلا معنى للحكم الظاهريّ، لعدم الشكّ، و لو علمنا إجمالا بالكراهة أو الإباحة، فلا معنى للحكم الظاهريّ بالحرمة، لعدم صلاحيته لتنجيز المحتمل أو التعذير عنه. و أمّا الإباحة المشروطة في ما نحن فيه فهي صالحة للتعذير عن الواقع تعذيرا ناقصا، أي: مختصّا بفرض ترك الآخر.

الوجه الرابع: أن يقال: إنّ هنا إطلاقين أفراديّين، و إطلاقين أحواليّين، لو تحفّظنا عليها كلّها لزوم الترخيص في المخالفة القطعيّة، فلا بدّ من رفع اليد عن اثنين من أربعة، و هذا كما يمكن برفع اليد عن الإطلاقين الأحواليّين، كذلك يمكن برفع اليد عن الإطلاق الأحواليّ و الأفراديّ من أحد الجانبين، و يرتفع بذلك أيضا


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة75/الجزء الرابع

 

المحذور، و تقديم الطريقة الأولى على الثانية ترجيح بلا مرجّح، و كذلك العكس، فتتساقط الكلّ.

و يرد عليه: أنّ رفع اليد عن الإطلاق ليس جزافيّا، و إنّما هو بملاك التعارض، و الإطلاق الأفراديّ في أحد الطرفين ليس معارضا لأيّ من الإطلاقين الأفراديّ و الأحواليّ في الطرف الآخر، إذ يرتفع محذور المخالفة القطعيّة برفع اليد عن إطلاق أحواليّ واحد في أحد الجانبين، و التحفّظ على الإطلاقات الثلاثة الأخرى، و إنّما التعارض يكون بين الإطلاقين الأحواليّين، و هذا التعارض يجبرنا على رفع اليد عن أحدهما، لعدم إمكان الجمع بينهما، و رفع اليد عن أيّ واحد منهما دون الآخر ترجيح بلا مرجّح، فنرفع اليد عنهما معا. و أمّا الإطلاق الأفراديّ فلا يوجد أيّ ملاك لرفع اليد عنه، إذ ملاك التساقط هو التعارض، و الإطلاق الأفراديّ ليس مبتليا بالمعارض، و لا معنى لإسقاطه أسوة له بالإطلاق الأحواليّ.

الوجه الخامس: أن يقال: كما يمكن تقييد الإطلاق في كلّ واحد من الطرفين بعنوان الأوحديّ، كذلك يمكن تقييده بعنوان الوجود الأوّل، و تقديم الترخيص في الوجود الأوحديّ على الترخيص في الوجود الأوّل ترجيح بلا مرجّح، و كذلك العكس، فيتساقط جميع الترخيصات.

و هذا أيضا يظهر جوابه من جواب الوجه السابق، فإنّ الإطلاق يجب التحفّظ عليه بأكبر قدر ممكن، و يرفع اليد فقط عن المقدار الّذي يكون سببا لتولّد المحذور، فإن كان إطلاق معيّن مولّدا للمحذور يرفع اليد عنه، و إن كان مجموع إطلاقين أو إطلاقات مولّدا للمحذور يرفع اليد عن ذينك الإطلاقين، أو عن تلك الإطلاقات، و نحن متسالمون على أنّه لا محذور في كون عنوان الأوحديّ داخلا تحت الإطلاق.

و أمّا عنوان الوجود الأوّل، فإنّ سلّمنا منكم أيضا عدم المحذور في شمول الإطلاق له، أضفناه إلى عنوان الأوحديّ تقليلا للتقييد بقدر الإمكان، و لا يكون شمول الإطلاق لكلّ من عنواني الأوحديّ و الوجود الأوّل موجبا للترخيص في المخالفة القطعيّة، حتى يتعارضا، و إن لم نسلّم ذلك تعيّن ما ذكرناه من ثبوت الإباحة على عنوان الأوحديّ.

و الصحيح: أنّه لا يمكن التحفّظ على الإطلاق بلحاظ عنوان الوجود الأوّل، لأنّ إطلاق الحديث لعنوان الوجود الأوّل في كلّ واحد من الطرفين معارض بإطلاقه لعنوان الوجود الثانيّ في الطرف الآخر، إذ تلزم من مجموعهما المخالفة القطعيّة،


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة76/الجزء الرابع

 

و ليس التحفّظ على الإطلاق في أحد الطرفين للوجود الأوّل بأولى من التحفّظ على إطلاق الثاني للوجود الثاني.

و لا يتوهّم أنّه يلزم من إطلاق الثاني للوجود الثاني الترخيص في المخالفة القطعيّة لو شرب الأوّل عصيانا أو نسيانا مثلا، فإنّ القبيح هو مجموع العمل الّذي به تحصل المخالفة القطعيّة، و ليس جزء هذا العمل - إن كان مأذونا فيه - قبيحا، و المفروض أنّ المولى لم يرخّص في المجموع، و إنّما رخّص في الجزء الثاني فقط، و ليس معنى الترخيص فيه الترخيص في أن يأتي بالأوّل حتى تصل النوبة إلى الثاني، و الشي‏ء الّذي رخّص فيه إنّما هو مخالفة احتماليّة، و إنّما لزمت المخالفة القطعيّة من الجمع بين ما رخّص فيه و ما لم يرخّص فيه، فإن كان عن عمد كان معاقبا، و ليس الحرام الّذي لا يمكن الترخيص فيه عنوان المخالفة القطعيّة، حتى لا يمكن الترخيص في الجزء الأخير من علّته، و إنّما الّذي لا يمكن الترخيص فيه هو واقع المخالفة القطعيّة، و هو غير صادق على الوجود الثاني.

الوجه السادس: أن يقال: إنّ الترخيص في المقام إنّما يعقل بأحد وجوه ثلاثة:

1 - الترخيص بلا قيد.

2 - الترخيص مع تقييد الموضوع بأنّ يرخّص المولى في حصّة من شرب أحدهما، و هي الحصّة المقترنة بترك الآخر.

3 - الترخيص مع تقييد الحكم بترك الآخر، بأن يرخّص المولى في طبيعيّ شرب هذا أو ذاك ترخيصا مقيّدا بترك الآخر، فالمرخّص فيه هو طبيعيّ شرب هذا الإناء، و لكنّ الترخيص ليس في كلّ الحالات، بل في حالة ترك الآخر، و لا يرد عليه عدم احتمال مطابقته للواقع لما مضى.

و شي‏ء من هذه الترخيصات غير معقول:

أمّا الأوّل، فللزوم الترخيص في المخالفة القطعيّة.

و أمّا الثاني، فلأنّ الشرب المقيّد بترك الآخر ليس بهذا العنوان محتمل الحرمة، حتى يأتي التأمين الظاهريّ عن هذا العنوان، و إنّما المحتمل حرمته هو طبيعيّ الشرب مطلقا، و قد مضى مرارا أنّ الإطلاق رفض للقيود، لا جمع بين تمام القيود.

و أمّا الثالث، فلأنّه لا معنى لكون الحكم مقيّدا و الموضوع مطلقا، بأن يسري


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة77/الجزء الرابع

 

الترخيص المقيّد بترك الآخر إلى جميع حصص الشرب حتى الشرب غير المقترن بترك الآخر، فلا محالة يصير الموضوع مقيّدا، فنرجع إلى الوجه الثاني، و قد عرفت إشكاله.

و هذا جواب كنّا نجيب به عن شبهة التخيير بناء على مبنى السيّد الأستاذ من الإطلاق اللحاظيّ، و لكن لا يتمّ على مبنانا من الإطلاق الذاتي.

و توضيح ذلك: أنّه تارة يفرض أنّ الإطلاق عبارة عن مئونة زائدة كالتقييد، و هو لحاظ السريان و رفض القيود، و هذا ما سمّيناه بالإطلاق اللحاظيّ، و أخرى يفرض أنّ الإطلاق ليس إلاّ عبارة عن عدم لحاظ القيد، أي أنّ جعل الحكم على الطبيعة المهملة بنفسه يقتضي السريان لاقتضاء الطبيعة المهملة السريان، فلا نحتاج في مقام السريان لدى جعل الحكم على الطبيعة المهملة، إلاّ إلى عدم المانع، و هذا ما سمّيناه بالإطلاق الذاتيّ.

فإن قلنا بالأوّل تمّ ما ذكرناه من الجواب، فإنّه إن لوحظ العنوان المقيّد، ورد عليه ما مضى: من أنّ الشرب بهذا العنوان ليس حراما، و إن لوحظ السريان و رفض القيود، فإن كان الحكم مطلقا لزم الترخيص في المخالفة القطعيّة، و إن كان مقيّدا، قلنا: إنّ تقييده مع لحاظ السريان مستحيل.

و امّا إن قلنا بالثاني - كما هو الصحيح -، فلا يأتي هذا البيان، فإنّنا نختار أنّه لوحظ طبيعيّ الشرب في الترخيص، لا الشرب المقيّد بقيد ترك الآخر، فلا يرد إشكال: أنّ هذا العنوان ليس هو الحرام كي نحتاج إلى التأمين عنه، و في نفس الوقت يكون الحكم، و هو الترخيص مقيّدا بترك الآخر، فلم يلزم الترخيص في المخالفة القطعيّة، و لم يكن هذا التقييد منافيا لإطلاق الشرب المرخّص فيه، إذ ليس معنى إطلاقه لحاظ السريان، و إنّما معنى إطلاقه عدم لحاظ القيد، و هو إنّما يوجب سريان الحكم إلى جميع الحصص لدى عدم المانع، و تقييد الحكم بفرض ترك الآخر أصبح مانعا عن السريان.

الوجه السابع: أنّ دليل البراءة على ثلاثة أقسام:

  الأوّل: ما يكون من قبيل حديث الرفع الّذي مضى أنّه لا ينظر إلى علاج التزاحم بين الغرض الإلزاميّ المعلوم و غيره، و إنّما ينظر إلى علاج التزاحم بين الغرضين الاحتماليّين.

و الثاني: الاستصحاب.


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة78/الجزء الرابع

 

و الثالث: أحاديث الحلّ.

أمّا القسم الأوّل - فقد عرفت أنّه لا يثبت في نفسه الترخيص في مقابل الغرض الإلزاميّ المعلوم بالإجمال، فلا يجري حتى مع عدم الابتلاء بالمعارض، كما لو اختصّ الأصل بأحد الطرفين لمانع من إجراءه في الطرف الآخر.

و أمّا القسم الثاني - و هو الاستصحاب، فهو قد جعل بلسان فرض الكاشفيّة و اعتبارها، حيث يقول: لا ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشكّ أبدا، و التبعيض في الكاشفيّة بأن يقال: إنّ الكاشف عن طهارة هذا الإناء موجود إن تركت شرب ذاك الإناء خلاف المتفاهم العرفي، حيث إنّ هذا القيد غير مربوط بباب الكشف، و ليس هذا من قبيل تقييد الاستصحاب بفرض عدم وجود أمارة على الخلاف.

نعم، لو ورد دليل بالخصوص على جريان الاستصحاب في كلّ واحد من الجانبين على تقدير ترك الآخر، فنحن نقبله، إذ ليس من اللازم أن يتبع الشارع دائما في قوانينه الأذواق العرفيّة، لكن حيثما لم يرد هذا بالخصوص، و إنّما قصد استفادته من الإطلاق، فعدم تعقّل العرف للتبعيض في الكاشفيّة يوجب عدم انعقاد ظهور للكلام في الإطلاق.

و أمّا القسم الثالث - و هو أخبار الحلّ، فهو و إن كان ناظرا إلى الترخيص حتى بلحاظ الغرض الإلزاميّ المعلوم بالإجمال، و ذلك بقرينة كلمة (بعينه) - و إنّما لا يجري في موارد الشبهة المحصورة المجتمع فيها بعض الشروط، لنكتة أخرى و هي مصادمته عرفا للحكم الواقعيّ أو لما يقولونه من حكم العقل تنجيزيّا بحرمة المخالفة القطعيّة - لكن أحاديث الحلّ - كما مضى - كلّ واحد منها إمّا مبتل بضعف السند، أو بضعف الدلالة، أو بكلا الداءين، عدا رواية واحدة، و هي رواية عبد اللّه بن سنان:

)كلّ شي‏ء فيه حلال و حرام، فهو لك حلال حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه)، و هذا الحديث لا تتمّ فيه ما مضت من شبهة التخيير، لأنّ قوله: (كلّ شي‏ء فيه حلال و حرام) يستفاد منه اشتمال الشي‏ء الّذي حكم عليه بالحلّيّة الظاهريّة على الحلال و الحرام، و هذا الاشتمال إمّا من قبيل اشتمال الكلّ على أجزائه، أو من قبيل اشتمال الكلّيّ على أفراده.

فإن فرض أنّه من قبيل اشتمال الكلّ على أجزائه، بأن حلّل مثلا مجموع الجبن الموجود في السوق المشتمل على الحلال و الحرام، فمن المعلوم أنّه لا يمكن تقييد الحلّيّة في بعض أجزائه بقيد أحواليّ، بأن يستفاد من ضمّ إطلاق هذا


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة79/الجزء الرابع

 

الحديث إلى دليل عدم حلّيّة بعض أجزائه في بعض الأحوال حلّيّته في خصوص غير تلك الحال.

نعم، لو ورد تقييد على أصل حكم الكلّ، بأن دلّ على عدم حلّيّة هذا الكلّ في بعض الأحوال، فلا بأس بأن يستفاد من ضمّ ذلك إلى دليل الحلّيّة حلّيّة الكلّ في غير تلك الحال، لأنّ هذه الاستفادة لا تتوقف على مئونة أزيد من مئونة التقييد الثابت بالدليل، و لو صرفت الحلّيّة عن حال أخرى - أيضا - غير الحالة المستثناة في الدليل المقيّد، لكان هذا ارتكاب لمئونة أخرى، فدفعا للمئونة الزائدة بقدر الإمكان يفهم ثبوت الحلّيّة في تمام الأحوال غير تلك الحالة المستثناة.

لكن لو ورد دليل على عدم حلّيّة جزء من هذا الكلّ في حالة من الحالات، كما فرض في ما نحن فيه، حيث إنّ المفروض أنّه لا يحلّ هذا الجبن علي تقدير أكل ذاك الجبن، و بالعكس، حتى لا يلزم الترخيص في المخالفة القطعيّة، فلا يمكن أن تثبت بذلك حلّيّة هذا الجزء في غير تلك الحالة، دفعا للمئونة الزائدة، بل هذا في نفسه إيجاد لمئونة زائدة، إذ معنى ذلك كون المولى ناظرا في قوله: (كلّ شي‏ء فيه حلال و حرام) إلى كلّ جزء جزء مستقلاّ، حتى يطرأ التقييد على الجزء ابتداء، و تثبت حلّيّة هذا الجزء في غير الحالة المستثناة، و هذا خلاف الظاهر، فإنّ ظاهر ذلك الكلام هو ملاحظة شي‏ء يشتمل على الحلال و الحرام و هو الكلّ.

و إن فرض أنّه من قبيل اشتمال الكلّيّ على أفراده، بأن حلّل مثلا طبيعة الجبن المشتملة على الحلال و الحرام، فأيضا يأتي مثل هذا البيان، و نقول: إنّه لو ورد تقييد على الكلّيّ ابتداءً، فهذا لا بأس به، فإنّ استفادة حكم مقيّد لا تتوقّف على مئونة زائدة، أزيد من مئونة التقييد الثابت بالدليل، و رفضا لمئونة زائدة نلتزم بثبوت الحكم في جميع الحالات غير الحالة المستثناة، لكن لو ثبت في خصوص فرد من أفراد ذلك الكلّيّ انتفاء ذلك الحكم في حالة مخصوصة، لم يمكن أن تثبت بهذا الدليل حلّيّة هذا الفرد من الجبن في غير تلك الحالة، فإنّ هذا ليس رفضا لمئونة زائدة، بل إيجاد لمئونة زائدة، إذ مقتضاه أن يكون المولى في المرتبة السابقة على التقييد ناظرا إلى الأفراد ابتداء، و هو خلاف الظاهر، إذ الظاهر من الحديث اشتمال الشي‏ء على الحلال و الحرام، و هو الكلّي.

و هذا البيان يأتي - أيضا - في مثل قوله: (رفع ما لا يعلمون) لو سلّمنا شموله لفرض العلم الإجماليّ، و غضضنا النّظر عمّا مضى، فإنّ الرفع نسب أوّلا و بالذات إلى


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة80/الجزء الرابع

 

طبيعة (ما لا يعلمون) بنحو الإطلاق، لا إلى الأفراد بنحو العموم، و تقييد فرد بحال يستلزم ملاحظة الأفراد في المرحلة السابقة، و ذلك خلاف الظاهر. نعم، لا يأتي هذا البيان في مثل قوله: (كلّ شي‏ء مطلق حتى يرد فيه النهي) و قوله: (كلّ شي‏ء لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه) لو صحّ الاستدلال بهما في أنفسهما.

هذا، و لكن لا يخفى أنّ هذا الجواب الّذي بيّنّاه إنّما يأتي على شبهة التخيير، بحسب اللسان الّذي بيّنوه في مقام بيان الشبهة، من تصوير إطلاقين أفراديّين، و لكن من الممكن دعوى التخيير، بأن يرجع التقييد ابتداء إلى الطبيعة، بأن يقال: إنّ الشي‏ء المحكوم عليه بالحلّ أو الرفع مقيّد بقيدين: أحدهما: ما صرّح به في الكلام، و هو عدم العلم التفصيليّ بالحرمة، و الآخر: ما استفيد بحكم العقل مثلا، و هو عدم طرفيّته لعلم إجماليّ يرتكب طرفه الآخر، و عليه تعود شبهة التخيير.

إلاّ أنّ هذه الشبهة لو عادت فإنّما تعود بلحاظ حديث الحلّ. أمّا القسمان الآخران فقد عرفت جوابا آخر عن الشبهة فيهما.

و هذه الشبهة إنّما تعود بلحاظ حديث الحلّ على تقدير كون المراد بالشي‏ء في حديث عبد اللّه بن سنان الكلّيّ، لكن من المحتمل كون المراد به الكلّ، و إذا كان المراد ذلك فما بيّنّاه في تقريب عدم استفادة التخيير ثابت على حاله، و يكفينا الإجمال.

إلاّ أنّ الإنصاف عدم الإجمال في الحديث، و أنّ الظاهر منه إرادة الكلّيّ لا الكلّ، فإنّه لا يرى في إطلاق الشي‏ء على كلّيّ الجبن أو الخبز أو غيرهما عناية، في حين أنّ جعل مجموعة أشياء فردا للشي‏ء، بأن يكون أفراده في قوله: (كلّ شي‏ء) عبارة عن مجاميع، كما هو فرض إرادة معنى الكلّ لا عن أجناس مثلا كما هو فرض إرادة معنى الكلّيّ، تكون فيه عناية و مئونة، و لا يعارض هذا بدعوى أنّ الظرفيّة المستفادة من قوله: (فيه) إنّما تناسب ظرفيّة المركّب للأجزاء، لا الكلّيّ للأفراد، لثبوت العناية و المئونة في ظرفيّة الكلّيّ للأفراد، فإنّ هذا ممنوع، و ظرفيّة الكلّيّ للأفراد أيضا أمر عرفيّ.

فتحصّل: أنّ شبهة التخيير لا زالت مستحكمة بلحاظ حديث الحلّ. فإن لم نجد حلاّ لها بمقتضى القواعد، و استحكمت بلحاظ أدلّة البراءة العامّة، انحصر الطريق لإبطال التخيير بالتمسّك ببعض الأخبار المتفرّقة الواردة في موارد العلم الإجماليّ في الشبهة المحصورة الدالّة على عدم جواز المخالفة الاحتماليّة، كما ورد


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة81/الجزء الرابع

 

في لزوم الاجتناب عن الأغنام التي نعلم بكون بعضها موطوءا، و كما ورد في ماءين علم بنجاسة أحدهما من قوله: (أهرقهما و تيمّم)، فالإراقة كناية عن عدم الانتفاع بهذا الماء حتى بالشرب، فما صحّ سندا من هذه الأخبار»« يبطل الفتوى بالتخيير في المقام.

 

وجه التحقيق في المسألة

إلاّ أنّ الصحيح عدم تماميّة شبهة التخيير في نفسها، بلا حاجة إلى التمسّك بروايات خاصّة في المقام، و ذلك حتى في مثل حديث الحلّ الّذي لم يتمّ بشأنه الوجه السابق، لوجود كلمة (بعينه) و ذلك لما نوضّحه بذكر أمور:

الأمر   الأوّل: أنّ الحكم الإلزاميّ أو الترخيصيّ - سواء كان واقعيّا أو ظاهريّا - يكون له عادة مدلولان تصديقيّان: أحدهما: المدلول الإنشائيّ، و هو الإيجاب الإنشائيّ أو التحريم أو الترخيص، و ثانيهما: المدلول التصديقيّ الحكائيّ، و هو ثبوت مبادئ الحكم من المصلحة و الحبّ، أو المفسدة و البغض، أو مصلحة في التسهيل، أو عدم ملاك للإلزام، أو ترجيح أحد الملاكين على الآخر في عالم المحرّكيّة.

الأمر الثاني: أنّ الإلزام التخييريّ تارة يكون مدلوله الإنشائيّ إلزاما بالجامع، و أخرى يكون إلزاما بكلّ واحد من الطرفين مشروطا بترك الآخر، كما أنّ مدلوله التصديقيّ الحكائيّ تارة يكون عبارة عن وجود المبدأ في الجامع، و أخرى عبارة عن وجوده في كلّ من الطرفين مشروطا بترك الآخر، ففي الحقيقة يكون هنا حكمان مشروطان، بحيث لو ترك كليهما عوقب بعقابين، بخلاف ما لو كان الواجب هو الجامع مخيّرا.

فإن كان المدلول الإنشائيّ إلزاما بالجامع، فالظاهر منه أنّ المدلول التصديقيّ الحكائيّ - أيضا - كذلك، و إن كان المدلول الإنشائيّ إلزاما بكلّ واحد من الفردين مشروطا بترك الآخر، فلعلّ الأنسب له كون المدلول التصديقيّ الحكائيّ أيضا كذلك،


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة82/الجزء الرابع

 

و إن كان لعله يناسب أيضا كون المدلول التصديقيّ الحكائيّ عبارة عن وجود المبدأ في الجامع، بحيث يكون هنا في الحقيقة وجوب واحد تخييريّ، لا وجوبان مشروطان. هذا كلّه في جانب الإلزام التخييريّ.

و كذلك الأمر في جانب الترخيص التخييريّ، فمن الممكن أن يكون الترخيص - بحسب الإنشاء - ترخيصا في الجامع، و من الممكن أن يكون ترخيصا في كلّ واحد منهما مشروطا بترك الآخر، كما أنّه - بحسب المدلول التصديقيّ الحكائيّ أيضا - يمكن أن يكون الترخيص في الجامع، بأن يكون ما تعلّق غرضه الإلزاميّ به أحد الفردين مخيّرا، فيرخّص في الفرد الآخر، كما يمكن أن يكون الترخيص في كلّ واحد منهما على تقدير مخالفة الآخر، بأن يكون ما تعلّق به غرضه الإلزاميّ عبارة عن فعل كلّ واحد منهما على تقدير ترك الآخر، لا أحدهما مخيّرا، فيرخّص في ترك كلّ واحد منهما على تقدير فعل الآخر. هذا كلّه في الحكم الواقعيّ.

و أمّا في الحكم الظاهريّ، فبحسب المدلول الإنشائيّ و إن كان يعقل تارة التخيير بمعنى تعليق الحكم بالجامع، و أخرى ذكر حكمين مشروطين، لكن بحسب المدلول التصديقيّ الحكائيّ لا يعقل سوى التخيير بمعنى تعليق الحكم بالجامع، و ذلك لما عرفته ممّا هو الصحيح في حقيقة الحكم الظاهريّ، فإنّ الحكم الظاهريّ ليس ناشئا من ملاك في نفس الحكم - كما يقال - حتى يعقل ترخيصان مشروط كلّ منهما بترك الآخر، لكون الملاك هكذا، و إنّما هو ناتج من ترجيح الملاكات الواقعيّة بعضها على بعض، فإن قدّم الملاك الإلزاميّ على الملاك الترخيصيّ حتى في مرتبة الموافقة القطعيّة ألزم الاحتياط التامّ، و إن قدّم الملاك الترخيصيّ على الملاك الإلزاميّ حتى في مرتبة المخالفة القطعيّة، رخّص حتى في المخالفة القطعيّة، و إن قدّم الملاك الإلزاميّ على الترخيصيّ في مرتبة المخالفة القطعيّة، و الترخيصيّ على الإلزاميّ في مرتبة الموافقة القطعيّة، رخّص في أحدهما المخيّر، إن لم يكن في البين مرجّح للترخيص في أحد الجانبين، و إلاّ رخّص في خصوص ذلك الطرف. و أمّا الترخيص في كلّ واحد منهما بشرط ترك الآخر فغير معقول، فإنّ إتيان العبد بكلا الطرفين، أو تركه لهما، أو لأحدهما ليس له أثر في درجة اهتمام المولى بأغراضه.

الأمر الثالث: أنّه لو جعل المولى الترخيص الظاهريّ بلسان: رخّصتك في كلّ واحد منهما إن تركت الآخر، فلا بأس بحمل ذلك على ما عرفته من الترخيص في أحدهما تخييرا. و أمّا إذا جعل الترخيص بلسان كلّ شي‏ء حلال، أو رفع ما لا


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة83/الجزء الرابع

 

يعلمون، و نحو ذلك ممّا هو ظاهر في كون مصبّ الترخيص كلّ واحد من الطرفين تعيينا، فتقييد كلّ من الترخيصين بترك الآخر و إن كان لا بأس به بلحاظ المدلول الإنشائيّ، إذ ليس فيه عدا مئونة التقييد، لكنّه لا يتمّ لاستلزامه قلب الترخيص في كلّ طرف بعينه بحسب المدلول التصديقيّ الجديّ إلى الترخيص في الجامع، و هذه مئونة زائدة لا تستفاد من مجموع دليل الترخيص التعينيّ، و قرينة عدم إمكان الترخيص في كلّ من الفردين بالإطلاق، فقياس ما نحن فيه في كلام المحقّق العراقيّ رحمه اللّه و في كلام المحقّق النائينيّ قدّس سرّه لدى بيانه لشبهة التخيير بما لو قال: أكرم كلّ عالم، و علمنا بعدم وجوب إكرام زيد و عمرو معا، حيث نستفيد في مثل ذلك التخيير، يكون من باب الغفلة عن المدلول الجدّيّ الأقصى، و قصر النّظر على المدلول الإنشائيّ، فالواقع أنّ استفادة التخيير في مثل هذا المثال هي مقتضى القاعدة، و لكن في ما نحن فيه تكون على خلاف القاعدة.

و قد تقول في المقام بجواز إجراء الأصل في أحد الطرفين على أساس مبنى نقوله في باب العموم، و توضيح ذلك: أنّنا نقول في باب العموم: إنّه إذا ورد مثلا:

أكرم كلّ عالم، و ورد مخصّص - و لو متّصلا - لا يخرج عن تحت هذا العموم عدا فرد واحد مع احتمال خروج فردين، و ذلك لا بمعنى كون المخصّص مجملا مرددا بين الأقل و الأكثر، و يكون المتيقّن منه خروج فرد خاص، بل بمعنى أنّ هذا المخصّص لم تكن له قابليّة إخراج أزيد من فرد واحد، كانت نسبته إلى زيد و عمرو مثلا على حدّ سواء، أي: أنّه على تقدير كون الخارج في الواقع كليهما - كما هو محتمل - لا يكون لما هو الخارج بهذا المخصّص تعيّن حتى في الواقع، فعندئذ دليل حجّيّة الظهور هنا لا يسقط رأسا، بل نلتزم بالتبعيض في الحجّيّة بحيث تثبت لنا قضيّتان مشروطتان: إحداهما: أنّه إن كان زيد خارجا، فعموم العامّ حجّة في عمرو، و الأخرى: أنّه إن كان عمرو خارجا، فعموم العامّ حجّة في زيد، و نعلم إجمالا بحصول أحد الشرطين، فنعلم إجمالا بحصول أحد الجزاءين، فنعلم بنحو العلم الإجماليّ بوجوب إكرام أحدهما.

و لا يتوهّم أنّ هذا الكلام إنّما يتمّ في فرض المخصّص المنفصل، حيث إنّ الظهورين ثابتان في هذا الفرض، فيمكن دعوى حجّيّة كلّ واحد منهما على تقدير كذب الآخر. و أمّا إذا كان متّصلا فينتفي الظهوران، لأنّ ثبوتهما معا غير معقول لفرض المخصّص المتّصل، و ثبوت أحدهما دون الآخر ترجيح بلا مرجّح.


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة84/الجزء الرابع

 

فإنّنا نقول في مقام الجواب عن هذا التوهّم: إنّ ظهور العامّ في عنوان (الفرد الثاني) محفوظ عرفا، و دليل الحجّيّة شامل له، لكن هذا - بحسب التدقيق العقليّ - يكون على ظاهره محالا، لعدم معلوميّة تعيّن لعنوان (الفرد الثاني)، حتى في الواقع، فترجع حجّيّة الظهور في عنوان (الثاني) - بحسب التحليل الفلسفيّ - إلى حجّيّتين مشروطتين.

كما أنّه لا يرد إشكال: أنّ الحجّيّة تكون بملاك الكاشفيّة، و مثل هذه الحجّيّة لا تتبعّض عند العرف، فإنّ حجّيّة الظهور و إن تبعّضت في المقام فلسفيّا حيث رجع الأمر - بحسب التحليل الفلسفيّ - إلى ما عرفته من حجّيّتين مشروطتين، و لكنّها لم تتبعّض عرفا، لأنّ العرف يرى أنّ للكلام ظهورا في شمول فرد بعنوان (الثاني)، و أنّ هذا الظهور حجّة، و هذا ليس فيه أيّ تبعيض و اشتراط في الحجّيّة.

هذا كلامنا في باب العموم، و نقول بعينه في باب الإطلاق، إذ يمكن إرجاع القيد - بوجه من الوجوه - إلى الطبيعة إذا عرفت هذا قلنا: إنّه قد يتوهّم في المقام أنّه يمكن الاستفادة من هذا المبنى في باب العموم في ما نحن فيه، لإجراء الأصل في أحد الطرفين، بأن يقال: إنّ الظهور باق على حجّيّته، في كلّ واحد من الفردين على تقدير عدم الترخيص في الفرد الآخر، و نحن نعلم بعدمه في أحد الفردين، فنعلم بحجّيّته في أحدهما.

و يرد عليه: أوّلا: أنّه لا فائدة في حجّيّة أحد الترخيصين، إذ لا نعلم بأنّ أيّ الترخيصين هو الحجّة، و لا يثبت بذلك التخيير في ارتكاب أيّ واحد من الطرفين.

و ثانيا: أنّ هذا ترخيص في أحد الطرفين تعيينا، دون الترخيص في الطرف الآخر، إلاّ أنّنا لا نعلم ما هو الطرف المرخّص فيه، في حين أنّ ملاك الترخيص و هو الشكّ، أو ملاك عدمه و هو حرمة المخالفة القطعيّة، نسبته إلى الفردين على حدّ سواء.

نعم، يمكننا أن نستفيد من الدليل الترخيصيّ في أحد الفردين إن كان الفرد الآخر لا يجري فيه الأصل الترخيصيّ في نفسه، كما لو علم إجمالا في الوقت بأنّه إمّا لم يصلّ صلاته، أو أنّ هذا المائع خمر، أو لأصل إلزاميّ حاكم على الأصل الترخيصيّ، كما إذا جرى في أحد الطرفين استصحاب النجاسة. أمّا الأوّل فواضح، و أمّا الثاني فلأنّ دليل الأصل له ظهور في الترخيص في كلّ ما لم يعلم تفصيلا حرمته، و لم يكن طرفا لعلم إجماليّ، لا يوجد منشأ - و لو من الخارج - يفهمه العرف،


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة85/الجزء الرابع

 

لاختصاص الترخيص به دون الطرف الآخر، فهذه كبرى نستفيدها من ظاهر دليل الترخيص، و نستفيد صغراها من جريان الأصل المثبت في ذلك الطرف.

و بهذا تنحلّ شبهة القول بأنّ ظهور دليل الترخيص في شمول كلّ طرف معارض بظهوره في شمول الطرف الآخر، فيحصل الإجمال، و جريان أصل مثبت للتكليف من الخارج في أحد الطرفين لا يرفع الإجمال.

و من هنا يظهر - أيضا - أنّه لو علم إجمالا بأحد تكليفين، و أحدهما أهمّ من الآخر، فمقتضى القاعدة جريان الأصل في الطرف غير الأهمّ، و ذلك لما عرفت من ظهور دليل الترخيص في تلك الكبرى، و هي الترخيص في كلّ ما لم تعلم تفصيلا حرمته، و لم يكن طرفا لعلم إجماليّ لا يوجد منشأ - يفهمه العرف - لاختصاص الترخيص به دون الطرف الآخر، و نستفيد الصغرى من أهمّيّة التكليف في ذلك الطرف.

و لو لا هذه النكتة، أي: شمول العام بإطلاقه لعنوان (الفرد الثاني)، و كنّا نحن و دلالة الدليل على الترخيص في هذا بالخصوص، و في ذاك بالخصوص، لأمكنت المناقشة في إجراء الأصل في الطرف غير الأهمّ، بأنّ العرف في مقام استظهار المعنى لا يلتفت إلى هذه الأهمّيّة، و يرى الدلالتين متعارضتين متساقطتين، فينتفى الظهور رأسا  [1].

 

__________________________________________

 

[1] توضيح المقصود: أنّ نكتة دخل الأهمّيّة في تيقّن سقوط الأصل في طرف الأهمّ مغفول عنها عرفا، و هذا يجعل تعيّن خروج هذا الفرد غير ثابت بقرينة كالمتّصل، في حين أنّ أصل خروج أحدهما على الإجمال ثابت بقرينة كالمتّصل، و هو عدم إمكان الترخيص في المخالفة القطعيّة عرفا، و هذا يؤدّي إلى عدم إمكان انحفاظ ظهور الدليل في الترخيص في خصوص الفرد الآخر، و هو غير الأهمّ، و لكن يبقى ظهوره في الترخيص في (الفرد الثاني) على الإجمال - و هو ما عدا ما خرج على الإجمال بالقرينة التي هي كالمتّصل - محفوظا، فإذا عيّنّا بقرينة منفصلة ذاك الفرد الخارج، و تلك القرينة هي الأهمّيّة، لحكم العقل بعدم إمكان سقوط الأصل في المهمّ وحده، دون الأهمّ، ضممنا ذلك إلى ظهور دليل الأصل في الترخيص في (الفرد الثاني)، و ثبت بذلك الترخيص في طرف المهمّ، أو قل: ثبتت حجّيّتان مشروطتان: حجّيّة الأصل في الأهمّ على تقدير سقوطه في المهمّ و بالعكس، و تكون الحجّيّتان لغوا لو لم يحرز من الخارج


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة86/الجزء الرابع

 

نعم لو كان المقيّد الدالّ على خروج أحد الفردين منفصلا، و لم يكن كالمتّصل، فالظهوران كانا محفوظين، كان الظهور في جانب غير الأهمّ حجّة، لعدم ابتلائه بمعارضة الظهور في جانب الأهمّ، للقطع بعدم حجّيّته و عدم مطابقته للواقع، لكن الأمر ليس كذلك.

نعم، هذه المناقشة لا تأتي في إثبات حجّيّة خبر الأوثق، أو فتوى الأعلم من دليل حجّيّة الخبر، أو الفتوى عند المعارضة لخبر غير الأوثق، و فتوى غير الأعلم، لأنّ نكتة الحجّيّة - و هي الوثاقة - مصرّح بها في الدليل، فلا يلغي العرف في مقام الاستظهار أوثقيّة أحد الجانبين، كما يلغي في ما نحن فيه أهمّيّة أحد الجانبين.

نعم، الشي‏ء الّذي يمنعنا عن الأخذ بخبر الأوثق بقطع النّظر عن الأخبار العلاجيّة، هو ما نقّحناه في بحث الفقه من عدم حجّيّة خبر الثقة عند معارضته لأمارة نوعيّة تبطل كشفه، خلافا لما ذكرناه في الأصول في بحث خبر الواحد  [1].

 

__________________________________________

 

- شرط إحدى الحجّيّتين، و لكن أحرزنا أحد الشرطين، و هو سقوط الأصل في طرف الأهمّ، فثبتت الحجّيّة في طرف المهمّ.

 

[1] اختار أستاذنا الشهيد - في بحث خبر الواحد في الدورة التي حضرتها - حجّيّة خبر الثقة المعارضة بما يبطل كشفه النوعيّ من أمارة غير حجّة، بدعوى أنّ كشفه في مورده و إن بطل، لكن كشفه بلحاظ كونه جزءا من مجموعة تورث العلم الإجماليّ بحساب الاحتمالات لم يبطل، و استشهد أيضا لمدّعاه ببعض الأخبار العلاجيّة. (راجع الجزء الثاني من القسم الثاني من تقريرنا هذا، ص 591 - 585)، و لكنّه عدل عن ذلك في بحث الفقه في كتاب الطهارة، و لم يتعرّض في ذاك البحث للإجابة عن استشهاده في الأصول ببعض الأخبار العلاجيّة، و لكن تعرّض لما قاله في الأصول من بقاء الكشف بلحاظ كونه جزءا من مجموعة تورث العلم الإجماليّ، فأجاب عنه: بأنّ ظهور دليل الحجّيّة في الانحلال، و ملاحظة كلّ فرد فرد، و عدم فرض أفراد كثيرة في المقام، كلّ هذا دليل على أنّ الملحوظ هو كاشفيّة خبر الثقة في كلّ مورد مورد، لا كاشفيّته باعتبار العموم المجموعيّ، و تدخله في تكوّن ذلك العلم الإجماليّ، فإطلاق دليل الحجّيّة قاصر عن الشمول للخبر المبتلى بالمزاحم في الكشف.

انتهى ما ذكره في الفقه في بحث الطهارة، في مسألة مطهّريّة ماء الورد عن الحدث و عدمها.


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة87/الجزء الرابع

 

و الّذي يريحنا عن هذه الجهة إنّما هو الأخبار العلاجيّة  [1]. و الأخبار العلاجيّة غير واردة في باب التقليد، فيبقى الإشكال في باب التقليد مركّزا.

نعم إذا كانت الأوثقيّة أو الأعلميّة، بنحو بقي لخبره أو لفتواه - بعد المعارضة بخبر الثقة أو فتواه - الكشف بمقدار خبر أدنى درجات الثقة [2]، أو فتواه غير المبتلى بالمعارض، فلا بأس بالقول بحجّيّته [3].

 

__________________________________________

 

.......- و هذا المطلب محذوف في كتابه (رضوان اللّه عليه) المطبوع باسم (بحوث في شرح العروة الوثقى)، و هو مثبّت في تقريرنا الخطّي لبحثه الشريف.

و على أيّة حال، فالمختار لنا في بحث حجّيّة خبر الواحد، هو عدم سقوط خبر الثقة عن الحجّيّة بمعارضته لأمارة ظنّيّة غير حجّة، لأنّ المقياس هو الكاشفيّة النوعيّة، بمعنى غلبة الصدق في خبر الثقة، أو قل: كونه في حدّ ذاته مورثا للظنّ، لا بمعنى كونه بالفعل مورثا للظنّ لغالب الناس، و هذه الكاشفيّة النوعيّة لا تبطل بمعارضته لأمارة ظنّيّة. نعم، مجموع هذا الخبر مع الأمارة المعارضة غير الحجّة ليست له كاشفيّة نوعيّة عن المقصود. أمّا ذات هذا الخبر فلا زالت كاشفيّته النوعيّة محفوظة، فيكون حجّة.

و لكن هذا الكلام لا يأتي في ما إذا كانت الأمارة المعارضة له عبارة عن خبر ثقة مثله، لأنّ نكتة الحجّيّة - عندئذ - ثابتة لكلا المتعارضين، فيرى الفهم العرفي أنّهما تتزاحمان في التأثير، و مجرّد أوثقيّة أحد المخبرين لا يحلّ الإشكال ما لم تكن الزيادة في الوثاقة بقدر وثاقة كاملة، لأنّ الزيادة التي تكون أقلّ من الوثاقة ليست مصداقا لنكتة الحجّيّة المصرّح بها في الدليل، فيلغيها العرف في مقام الاستظهار، و يتمّ تعارض الإطلاقين و الإجمال، بل و لا يتمّ إطلاق العامّ حتى لعنوان (الفرد الثاني)، لأنّ ملاك الحجّيّة المفهوم عرفا غير ثابت في الفرد الثاني، لأنّ أصل الوثاقة مزاحم بمثله، و الزيادة ليست بالغة إلى مستوى ملاك الحجّيّة، إذن فالأوثقيّة إنّما توجب الحجّيّة رغم المعارض إذا كانت الزيادة في الوثاقة تساوي - على الأقلّ - أدنى درجات الوثاقة.

 

[1] و لعلّ المقصود بذلك: أنّ الأخبار العلاجيّة حصرت المرجّح في موافقة الكتاب و مخالفة العامّة، فالأوثقيّة ليست مرجّحة.

[2] و لعلّ الأخبار العلاجيّة منصرفة عن مثل هذا الفرض بمناسبة الحكم و الموضوع.

[3] لنا بحث حول معارضة فتوى الأعلم بفتوى غير الأعلم، خاصّة إذا فرض أنّ غير الأعلم كان كفؤا لقيادة المجتمع، و الأعلم لم يكن كفؤا لها، لا بأس بالتعرّض لهذا البحث هنا


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة88/الجزء الرابع

 

_________________________________

 

.......... - استطرادا، فنقول:

إذا تعارض فتوى الأعلم مع فتوى غير الأعلم فقد يقال: إنّ الثاني متيقّن السقوط، و الأوّل مشكوك السقوط، فنتمسّك بإطلاق الدليل لإثبات حجّيّته، و كذلك البناء العقلائيّ ثابت على حجّيّته، و تيقّن فتوى غير الأعلم للسقوط إن كان واضحا لدى العرف - و لو بنكتة: أنّ العلم مأخوذ في لسان دليل حجّيّة الفتوى - يبقى ظهور الدليل في حجّيّة فتوى الأعلم محفوظا، و إن لم يكن واضحا لدى العرف، و لكنّه كان واضحا لدى العقل، إذن يتمسّك بإطلاق الدليل لعنوان الفرد الثاني، بعد العلم بسقوط أحد الفردين إجمالا، لعدم إمكان حجّيّتهما معا، ثمّ يعيّن أحد الفردين الساقط في فتوى غير الأعلم بحكم العقل، فتثبت حجّيّة فتوى الأعلم.

إلاّ أنّ الصحيح: أنّ تزاحم ما يفهمه العرف من ملاكي الحجّيّة في الفتويين لا يبقى مجالا للظهور، لا في حجّيّة فتوى الأعلم، و لا في عنوان الثاني، إلاّ إذا كان الفاضل بين الملاكين كبيرا، أي ما يكون بقدر الملاك الكامل في نظر العرف.

و قد يقال: إنّ البناء العقلائيّ من باب الرجوع إلى أهل الخبرة قائم على أساس ترجيح فتوى الأعلم و لو كانت الأعلميّة بدرجة ضئيلة، و هذا البناء و الارتكاز يؤثّر على ظهور الأدلّة اللفظيّة، فتحمل أدلّة التقليد اللفظيّة على الطريقة العقلائيّة في التقليد، فينحفظ لها ظهور في حجّيّة فتوى الأعلم لدى التعارض، و لو كانت الأعلميّة بدرجة قليلة، و لو لم نقبل تأثير هذا البناء و الارتكاز على ظهورات الأدلّة اللفظيّة، كفانا القول بأنّه بعد سقوط الإطلاقات اللفظيّة يبقى لنا البناء العقلائيّ دليلا تامّا على حجّيّة فتوى الأعلم بعد ثبوت الإمضاء بعدم الردع.

و قد يفرض أنّ الفتويين المتعارضين أحدهما راجع إلى الأعلم غير الكفوء للقيادة، و الآخر راجع إلى الكفوء غير الأعلم، فأيّهما يقدّم؟ و الكفاءة و إن كانت دخيلة في الأعلميّة، فإنّ نظرة الكفوء إلى مفاد الأدلّة تختلف كثيرا عن نظرة غير الكفوء في شتّى الأبواب، من قبيل فهم معنى أدلّة التقيّة، و أدلّة الجهاد، و أدلّة حرمة الرّبا في أنّها هل تحرم الحيل التي تؤدّي إلى نتيجة الفوائد الربويّة أو لا، و أدلّة الولايات، و غير ذلك من الأمور، و لكن مع ذلك قد يتصوّر فرض كون غير الكفوء أعلم، لأنّ الملاكات الدخيلة في الأعلميّة عديدة، أحدها الكفاءة، فقد يكون غير الكفوء أعلم بلحاظ قوّته في بعض الملاكات الأخرى، كحدّة الذكاء مثلا بمستوى يغلب على مقدار تأثير الكفاءة في الأعلميّة.


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة89/الجزء الرابع

 

________________________________

 

..........- و تحقيق الحال في المقام: أنّ الأدلّة اللفظيّة للتقليد على قسمين:

أحدهما: ما دلّ على منصب التقليد فقط، دون منصب الولاية، من قبيل: رواية أحمد بن إسحاق، عن أبي الحسن عليه السلام قال: سألته و قلت: من أعامل؟ و عمّن آخذ؟ و قول من أقبل؟ فقال:

العمريّ ثقتي، فما أدّى إليك عنّي فعنّي يؤدّي، و ما قال لك عنّي فعنّي يقول، فاسمع له و أطع، فإنّه الثقة المأمون. و سأل أبا محمد عليه السلام عن مثل ذلك، فقال له: العمريّ و ابنه ثقتان، فما أدّيا إليك عنّي فعنّي يؤدّيان، و ما قالا لك عنّي فعنّي يقولان، فاسمع لهما و أطعهما، فإنّهما الثقتان المأمونان»«. فقوله: (ما أدّى إليك عنّي) و (ما أدّيا إليك عنّي) و إن كان في حدّ ذاته ظاهرا في الإخبار عن الحسّ، فلا يشمل الفتوى، لكن السؤال و هو قوله: (من أعامل، و عمّن آخذ، و قول من أقبل) قرينة على كون المقصود ما يعمّ الأداء الحسيّ و الحدسيّ، أي: ما يعم الرواية و الفتوى، لأنّ التعامل و الأخذ الّذي هو محلّ الابتلاء ليس هو خصوص أخذ الحديث، بل كثيرا مّا يكون بلحاظ أخذ الفتوى، بل تخصيص كلمة التعامل بأخذ الحديث خلاف الظاهر جدّاً.

و رواية عبد اللّه بن يعفور قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السلام: إنّه ليس كلّ ساعة ألقاك، و لا يمكن القدوم، و يجي‏ء الرّجل من أصحابنا فيسألني و ليس عندي كلّ ما يسألني عنه، فقال: ما يمنعك من محمد بن مسلم الثقفيّ، فإنّه سمع من أبي، و كان عنده وجيها (مرضيّا - خ ل -)»«. فإنّ جواب سؤال السائل ليس دائما بإعطاء الرواية، بل كثيرا ما يكون بإعطاء النتيجة المستفادة من الإطلاق و نحوه.

و رواية يونس بن يعقوب قال: كنّا عند أبي عبد اللّه عليه السلام فقال: أما لكم من مفزع، أما لكم من مستراح تستريحون إليه، ما يمنعكم من الحرث بن المغيرة النضريّ؟»« و المفزع و المستراح ليس هو من يؤخذ برواياته فحسب، بل من يؤخذ بفتواه أيضا، و مبدأ الولاية ليس مستفادا من هذا الحديث، لأنّ رأس خيط الارتباط أعطي في الحديث هذا بيد الناس بفزعهم و استراحتهم إلى الحرث بن المغيرة، و لم يعط بيد الحرث بأن يكون له الأمر و النهي ابتداء، حتى فيما لم


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة90/الجزء الرابع

 

 

____________________________________

 

.......... - يرجعوا فيه بالخصوص إليه، و هذا يناسب منصب الفتوى لا الولاية، و الإرجاع إلى الحرث في الفتوى إنّما هو - حسب المرتكز العقلائي - إرجاع إليه بما هو فقيه ثقة، لا بما هو شخص معيّن، فيستفاد منه جواز تقليد الفقيه الثقة على الإطلاق.

و رواية عليّ بن المسيّب قال: قلت للرضا عليه السلام: شقّتي بعيدة و لست أصل إليك في كلّ وقت فعمّن آخذ معالم ديني؟ فقال من زكريا بن آدم المأمون على الدين و الدنيا»« و أخذ معالم الدين يشمل الأخذ بالفتوى، و لا يختصّ بأخذ الرواية.

و رواية عبد العزيز بن المهتديّ، و الحسن بن عليّ بن يقطين عن الرضا عليه السلام، قلت: لا أكاد أصل إليك أسألك عن كلّ ما احتاج إليه من معالم ديني، أ فيونس بن عبد الرحمن ثقة آخذ عنه ما احتاج إليه من معالم ديني؟ فقال: نعم»« و الروايتان الأخيرتان غير تامّتين سندا.

القسم الثاني - ما دلّ على منصب الولاية كالتوقيع الوارد إلى إسحاق بن يعقوب:... و أمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا، فإنّهم حجّتي عليكم و أنا حجّة اللّه»«.

و لا إشكال في أنّ منصب الولاية مشروط بالكفاءة، و القدرة على إدارة الأمور، و هذا واضح بحكم العقل و الارتكاز العقلائيّ. إذن فإطلاق الرواية مقيّد بقيد ارتكازيّ كالمتّصل، و هو قيد الكفاءة، إلاّ أنّ قيد الكفاءة يمكن أخذه بأحد شكلين:

  الأوّل: أن يجعل قيدا للرواة، فكأنّما قال عليه السلام: أمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى الرّواة أحاديثنا الكفوئين، فإنّهم حجّتي عليكم.

و الثاني: أن يجعل قيدا لما يرجع فيه إلى الرّواة، فكأنّما قال عليه السّلام: أمّا الحوادث الواقعة فارجعوا إلى الرّواة في كلّ ما لهم الكفاءة بالنسبة له، فإنّهم حجّتي عليكم في تلك الأمور الداخلة في كفاءتهم. إذن، فمن كان منهم كفؤا في استنباط الحكم الفقهيّ فحسب دون إدارة أمور المجتمع يرجع إليه في أخذ الفتوى فحسب، و من كان كفؤا في إدارة أمور المجتمع يرجع


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة91/الجزء الرابع

 

 

_____________________________________

 

.......... - إليه في إدارتها، و تكون له الولاية.

و الاحتمال الثاني أوفق بالإطلاق، و الاحتمال الأوّل أوفق بارتكازيّة الترابط بين موافق القيادة و عدم الانحلال و التفكيك فيما بينها بالفصل بين منصب الفتوى و منصب مل‏ء منطقة الفراغ أو تشخيص الموضوعات. فنتكلّم تارة بناء على استظهار الاحتمال الأوّل، و أخرى بناء على استظهار الاحتمال الثاني.

أمّا على الاحتمال   الأوّل: و هو فرض الترابط بين شئون القيادة، و كون الكفاءة قيدا ارتكازيا راجعا إلى الرواية - فهذه الرواية إنّما دلّت على ثبوت منصب التقليد ضمن منصب القيادة لمن يكون أهلا للقيادة متمتّعا بالكفاءة لها، فإذا وقع التعارض بين فتوى الأعلم غير الكفوء للقيادة و فتوى الكفوء لها غير الأعلم. فنحن نتكلّم عندئذ في ما هو مقتضى الفنّ بناء على فروض ثلاثة بالنسبة للقسم الأوّل من أدلّة التقليد الّذي أثبت منصب التقليد فحسب للفقيه دون منصب القيادة:

الفرض   الأوّل: أن ننكر ارتكازيّة تقدّم رأي الأعلم على الإطلاق عقلائيّا في باب الرجوع إلى أهل الخبرة، و نفترض التعارض الداخليّ بين إطلاقي تلك الأدلّة، لعدم كون الفاصل بين الأعلم و غير الأعلم كبيرا، إذن تلك الأدلّة تبتلي بالإجمال الداخليّ، في حين أنّ القسم الثاني من أدلّة التقليد - و هو الّذي أثبت التقليد ضمن منصب القيادة لا منفصلا عنها - غير مبتل بالتعارض الداخليّ، لاختصاصه بالكفوء قياديّا، فنأخذ به، و يكون التقليد لدى تعارض الفتويين للكفوء قياديّا لا للأعلم غير الكفوء.

الفرض الثاني: أن نؤمن بالارتكاز العقلائيّ الدالّ على تقديم رأي الأعلم على الإطلاق، أي حتى مع كون الفاصل بينهما ضئيلا، و لكن نبني - مع ذلك - على التعارض الداخليّ في القسم الأوّل من الأدلة اللفظيّة للتقليد، لعدم قبول تأثير ذاك الارتكاز على ظهور الألفاظ، و لعدم كون الفاصل بين الأعلم و غير الأعلم كبيرا. و عندئذ فالقسم الأوّل من الدليل اللفظيّ ساقط بالإجمال.

أمّا البناء العقلائيّ على تقليد الأعلم الّذي فرضنا الإيمان به، فهو مقيّد بفرض عدم نصب قائد من قبل الشريعة للرجوع إليه في كلّ شي‏ء حتى الفتوى، إذ من الواضح أنّه مع فرض نصب قائد من هذا القبيل لا يبني العقلاء في أخذ آراء تلك الشريعة، و العمل بها على الرجوع إلى غير ذاك المنصوب، و لو كان أعلم، و النصب هنا ثابت بحكم القسم الثاني من الأدلّة الخاصّة بمن هو كفؤ قياديّا، فلا يبقى موضوع للرجوع إلى بناء العقلاء.


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة92/الجزء الرابع

 

 

_____________________________________

 

.......... - الفرض الثالث: أن لا نفترض التعارض الداخليّ و الإجمال في القسم الأوّل من الدليل اللفظيّ للتقليد، بل نؤمن باختصاصه بالأعلم، إمّا لفرض كون الفاصل بينهما كبيرا، أو لفرض ارتكاز عقلائيّ يدلّ على تقديم رأي الأعلم و إن كان الفاصل بينهما ضئيلا، مع الإيمان بأنّ هذا الارتكاز يؤثّر على ظهور الألفاظ، و يوجب حمل الأدلة اللفظيّة على نفس المنهج المرتكز عقلائيّا. و عندئذ يقع التعارض بين قسمي الدليل اللفظيّ للتقليد، لأنّ الأوّل منهما يشير إلى تقليد الأعلم، و الثاني منهما يشير إلى تقليد الكفوء المفروض اختلافه عن الأعلم في الفتوى.

فقد يقال: إنّهما يتساقطان، و نرجع إلى الارتكاز العقلائيّ الدالّ على ترجيح رأي الأعلم.

و لكن قيد يقال في قبال ذلك: إنّ العرف يتعامل مع الدليلين اللفظيين في المقام معاملة العموم و الخصوص المطلق لا العموم من وجه، فالنسبة بينهما بالدقّة و إن كانت هي العموم من وجه - بعد فرض سقوط رأي غير الأعلم بلحاظ القسم الأوّل لدى التعارض لرأي الأعلم، فيبقى رأي الأعلم كمادّة افتراق للقسم الأوّل، كما بقي رأي الكفوء كمادّة افتراق للقسم الثاني - و لكن المفهوم عرفا هو أنّ النسبة بينهما عموم مطلق، لأنّ القسم الأوّل شمل كلّ الفقهاء، و القسم الثاني اختصّ بالفقهاء الكفوئين قياديّا، فيكون المرجع هو الفقيه الكفوء قياديّا تقديما للخاصّ على العامّ، لأنّ الإرجاع إلى الفقيه الكفوء يدلّ على عدم جواز الرجوع إلى غير الكفوء حتى فيما لو لم يتعارض الفتويان، فالقسمان من دليلي التقليد متعارضان رغم كونهما مثبتين للعلم بوحدة الحكم، أي: أنّه لا يوجد لدينا وجوبان للتقليد، و إنّما لدينا وجوب واحد إمّا مقيّد بكفاءة المقلّد للقيادة، أو غير مقيّد بها، و وزان الدليلين في المقام وزان ما لو ورد دليلان للتقليد: أحدهما لم يدلّ على اشتراط العدالة في المقلّد، و الثاني دلّ على اشتراط العدالة فيه، فعندئذ لا إشكال في أنّ الثاني يقدّم على الأوّل بالأخصّيّة، رغم أنّه يمكن أن يقال بالتدقيق: إنّ النسبة بينهما عموم من وجه، لأنّه لو وقع التعارض بين رأي الأعلم غير العادل، و رأي العادل غير الأعلم، فقد سقط رأي غير الأعلم عن الأماريّة، و الحجّيّة بلحاظ الدليل الأوّل، و كان رأي العادل غير الأعلم مادّة للافتراق للدليل الثاني.

و إذا ثبت بهذا البيان نصب الفقيه الكفوء، فلا تصل النوبة إلى الرجوع إلى بناء العقلاء، المرجّح لرأي الأعلم كما مضى.

و أمّا على الاحتمال الثاني، و هو فرض الانحلال، و جعل قيد الكفاءة راجعا إلى الأمور التي


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة93/الجزء الرابع

 

 

_________________________________

 

.......... - تكون فيها الكفاءة، لا إلى نفس الرواية على الإطلاق، فيصبح حال القسم الثاني من أدلّة التقليد اللفظيّة حال القسم الأوّل، و لا يفتح لنا بابا للرجوع من الأعلم إلى الكفوء، فقد يكون المرجع للتقليد هو الأعلم، للفاصل الكبير بينهما في العلم، أو لكون الارتكاز قائما على ترجيح الأعلم و لو مع الفاصل الصغير، و يكون المرجع للقيادة هو الكفوء.

و لو قلنا بإجمال القسم الثاني بين الاحتمالين، سقط بالإجمال، و كان المرجع هو القسم الأوّل بناء على تعيينه للأعلم، أو بناء العقلاء بناء على ثبوته في تعيين الأعلم للتقليد، فيتحقّق التفكيك أيضا بين التقليد و القيادة.

و ينبغي أن نلتفت هنا إلى نكتة، و هي أنّه متى ما انتهينا إلى التفكيك بين التقليد و القيادة، على أثر الكفاءة و عدم الكفاءة، فإنّما ننتهي إليه في التقليد عن الفتاوى التي لا تعارض الأحكام القياديّة للقائد، و توضيح ذلك: أنّ الأحكام القياديّة للقائد لا شكّ أنّها تتأثّر بالفتاوى، إذ لا بدّ له من ملاحظة حدود الأحكام الأوّليّة الفقهيّة، كي لا تعارض أحكامه القياديّة لتلك الحدود، إلاّ بمقدار ما يقتضيه قانون التزاحم، و بلحاظ تلك الأحكام القياديّة يكون المرجع هو القائد الكفوء لا الفقيه غير الكفوء، رغم أنّ تلك الأحكام القياديّة قد تستبطن فتاوى معارضة لفتوى الأعلم غير الكفوء، و ذلك لأنّ نكتة الأخصّيّة - التي شرحناها في آخر بحثنا على الاحتمال الأوّل - تأتي هنا لا محالة.

بل بالإمكان أن يقال: إنّ القائد الفعليّ الّذي يعمل ولايته على المجتمع في سدّ نقائص المجتمع تشمل أحكامه الولائيّة النافذة، حتى على من يعلم بخطئه من باقي الفقهاء، حتى الكفوئين منهم بما هم من أفراد المجتمع المولّى عليه، فهم أيضا يتّبعون القائد في أحكامه الولائيّة و لو ابتنت على فتاوى في الأحكام الأوّليّة تعارض فتاواهم.

هذا، و لنا طريق ثان لإثبات كون التقليد للفقيه الكفوء، لا للأعلم غير الكفوء، يمكن الالتجاء إليه حتى بناء على الاحتمال الثاني الّذي أنتج الفصل بين القيادة و التقليد، و هو دعوى وقوع التزاحم بين حكم ظاهريّ و هو وجوب تقليد الأعلم و حكم واقعيّ و هو وجوب تهيئة المناخ لقيادة الكفوء للمجتمع، إذ لو أصبح التقليد لغير الكفوء، عجز الكفوء تكوينا عن القيادة، لأنّ التفكيك بين المقامين بفرض القيادة لمن لا يرون كلامه حجّة في الأحكام الشرعيّة خلاف طبع عامّة الناس، فلو اتّبع الناس الأعلم غير الكفوء في الأحكام و الفتاوى دون الفقيه الكفوء، عجز


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة94/الجزء الرابع

 

 

__________________________________

 

.......... - الفقيه الكفوء عن قيادتهم.

لا يقال: إنّ هذا يعني أنّ وجوب تقليد الكفوء الّذي هو حكم ظاهريّ أيضا، أصبح تابعا لمصلحة سلوكيّة، أي أنّ هناك مصلحة في نفس تقليدهم له، و هي مصلحة تهيئة المناخ المناسب للقيادة أثّرت على تعيين الحكم الظاهريّ، في حين أنّ ظاهر أدلّة الأحكام الظاهريّة هي الطريقيّة البحتة لحفظ مصالح الأحكام الواقعيّة المتزاحمة فيما بينهما في الحفظ لدى الجهل.

فإنّه يقال: إنّ حجّيّة الفتوى في ذاتها حكم ظاهريّ، لا يشذّ عن باقي الأحكام الظاهريّة في أنّها - بحسب طبعها الأوّليّ - إنّما تكون لأجل حفظ الأحكام الواقعيّة لدى التزاحم الحفظيّ، و لكن سقوط رأي الأعلم عن الحجّيّة، و وصول النوبة بالتالي إلى حجّيّة رأي غير الأعلم، إنّما كان نتيجة التزاحم بين هذا الحكم الظاهريّ - و هو حجّيّة رأي الأعلم - و الحكم الواقعيّ - و هو وجوب تهيئة المناخ لقيادة القائد - و هذا له نظير في سائر الأبواب، فإنّ التزاحم كما قد يتّفق بين حكمين واقعيّين كما في الصلاة و الإزالة، كذلك قد يتّفق بين حكمين ظاهريّين، أو حكم واقعيّ و حكم ظاهريّ، من دون سراية التزاحم إلى الحكمين الواقعيّين، كما لو فرضنا أنّ واجبي النفقة لم يكن تزاحم بين وجوبي الإنفاق عليهما، لكون المنفق مالكا لما يكفي لنفقتهما معا، و لكن كلّ منهما وقع الاشتباه فيه بين شخصين، فكان مقتضى الحكم الظاهريّ في كلّ منهما هو العمل بالعلم الإجماليّ بالإنفاق على شخصين، بناء على أنّ الاحتياط في مورد العلم الإجماليّ حكم ظاهريّ، و المنفق لم يكن قادرا على الإنفاق على أربعة أشخاص، فهنا قد وقع التزاحم بين حكمين ظاهريّين، من دون سريان التزاحم إلى الحكمين الواقعيّين، و كما لو فرضنا أنّ واجب النفقة تردّد بين شخصين، و قلنا: بأنّ وجوب الاحتياط بالإنفاق عليهما احتياط شرعيّ، فهو حكم ظاهريّ، و لكن كان ذلك مزاحما لمصرف أهمّ يؤدّي إلى حفظ النّفس مثلا، حيث لم يكن المنفق قادرا على الجمع بين ذاك المصرف و الإنفاق على طرفيّ العلم الإجماليّ بوجوب النفقة، في حين كان قادرا على الجمع بين ذاك المصرف و الإنفاق على أحدهما، فالتزاحم وقع بين حكم ظاهريّ و حكم واقعيّ، من دون سراية ذلك إلى التزاحم بين حكمين واقعيّين.

هذا، و لو لم نقبل بالتزاحم بين تقليد الأعلم و قيادة غير الأعلم بلحاظ الفتاوى غير المرتبطة بموارد قيادته، فقد لا نناقش في قبول التزاحم بينهما بلحاظ الفتاوى التي لها دخل في أحكامه الولائيّة، حيث يصعب على القائد تنظيم أحكامه القياديّة وفق فتاوى من يقلّده الناس


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة95/الجزء الرابع

 

 

_______________________________________

 

.......... - عند ما يختلف الناس في التقليد، فهم يقلّدون فقهاء مختلفين يصعب الجمع بين فتاواهم و أخذها جميعا - رغم تعارضها - بعين الاعتبار في أحكامه الولائيّة، فحتى لو لم نؤمن في مثل هذا المورد بما مضى من تقديم رأي الكفوء على أساس الأخصّيّة التي شرحناها تأتي فكرة تقديم رأيه بلحاظ التزاحم الّذي عرفت، و لو لم يصعب عليه تنظيم أحكامه القياديّة وفق فتاوى الآخرين، لكنّه لم ير داعيا إلى ذلك، و نظّمها وفق فتاواه هو باعتبار اعتقاده بأنّها أحقّ من فتاوى غيره، تحقّق التزاحم أيضا بالنسبة للناس، فتقدّم آراء الوليّ باعتبار أهمّيّة الولاية.

و هذان الطريقان اللذان سلكناهما لإثبات ترجيح رأي الكفوء في التقليد على رأي الأعلم يختلفان في بعض النتائج، فلو أخذنا بالاحتمال الثاني من الاحتمالين الماضيين في تفسير دليل الولاية، و الّذي أدّى إلى التفكيك بين القيادة و التقليد، ثمّ أثبتنا كون التقليد للكفوء بالطريق الثاني، فالنتائج لا تأتي مطابقة تماما لما إذا أخذنا بالاحتمال الأوّل من الاحتمالين، و بالتالي آمنّا بالطريق الأوّل لترجيح الكفوء في التقليد، فمثلا:

1 - إنّ الكفوء للقيادة لو لم يكن مستعدا للتصدّي للقيادة بأيّ سبب من الأسباب، فالطريق الثاني لا يعيّنه للتقليد في مقابل الأعلم غير الكفوء، بينما الطريق الأوّل يعيّنه لذلك.

2 - لو فرض كفؤان للقيادة أحدهما: هو المتصدّي عملا، و الآخر: هو الأعلم، فالطريق الثاني يعيّن الأوّل للتقليد حينما يكون تقليد الثاني مضرّا بممارسة الأوّل لقيادة الساحة، بينهما الطريق الأوّل لا يفي بذلك، فلو اقتصرنا على الطريق الأوّل كان مقتضى نظام الترجيح بالأعلميّة هو تقليد الثاني.

3 - إنّ الطريق الثاني ليس حدّيّا كالطريق الأوّل، إذ ليس تقليد غير الكفوء بأيّ مستوى من المستويات مزاحما لقيادة الكفوء، فلو كان هناك قلّة من الناس يقلّدون غير الكفوء و كان غالبيّة أفرادهم يميّزون بين منصب القيادة و منصب التقليد في الفتوى غير المؤثّرة على الأحكام الولائيّة للوليّ، فرغم تقليدهم لغير الكفوء يخضعون لقيادة الكفوء مثلا، فلا تزاحم بين هذا التقليد و تلك القيادة كما هو واضح.

كما أنّه لو تمّت توعية الأمّة على التفكيك بين القيادة و التقليد في غير الأمور الدخيلة في الأحكام الولائيّة للقائد، بحيث ارتفع التزاحم عملا بين الأمرين، لم يبق مورد للاستفادة من الطريق الثاني، كما أنّ الطريق الأوّل عندي مشكل، لعدم وضوح ترجيح الاحتمال الأوّل من الاحتمالين الذين أبديناهما في القسم الثاني من أدلّة التقليد، و لا أقلّ من الإجمال.


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة96/الجزء الرابع

 

 

____________________________________

 

.......... - ثمّ إنّنا لو سلكنا مسلك من يقول بأنّ ولاية الفقيه ليست بنصّ دالّ على نصبه، و إنّما تكون ولايته بالانتخاب بعد دلالة الأدلّة على أنّ من ينتخب للولاية تشترط فيه الفقاهة، فهنا نفقد الطريق الأوّل، و ينحصر الأمر في الطريق الثاني، لأنّ الطريق الأوّل كان مبتنيا على افتراض إطلاق لفظيّ، لا يحمل على الانحلال و التفكيك بين منصب القيادة و منصب الفتوى. أمّا إذا فقدنا مثل هذا الإطلاق، فاحتمال التفكيك موجود عقلا لا محالة و لا علاج له إلاّ فرض التزاحم.

نعم نحن مصرّون على أنّ التفكيك بين منصب القيادة و منصب التقليد في الفتاوي التي انبنت عليها الأحكام الولائيّة للقائد لا معنى له، و أنّ دليل القيادة، أيّ شي‏ء كان، فهو مقدّم في هذا المورد على دليل التقليد، سواء آمنّا بوجود نصّ يدلّ على نصب الفقيه الكفوء وليّا، أو افترضنا أنّ الدليل إنّما دلّ على اشتراط الفقاهة و الكفاءة في الوليّ، فإنّه على كلا التقديرين تكون ولايته بلحاظ الفتوى التي انبنت عليها أحكامه الولائيّة منافية لحجّيّة فتاوى غيره المعارضة لتلك الفتاوى، فيقدّم دليل الولاية على دليل التقليد في الفتاوي التي انبنت عليها أحكامه الولائيّة بنكتة الأخصّيّة.

لا يقال: إنّ النسبة هي العموم من وجه، إذ لئن كان موضوع دليل الولاية أخصّ - لاختصاصه بالكفوء، بخلاف موضوع دليل التقليد، لعدم اختصاصه بالكفوء - فمحمول دليل التقليد أخصّ، لاختصاصه بالفتاوى، بخلاف محمول دليل الولاية، فإنّه عبارة عن حجّيّة الفتاوى و الأحكام.

هذا، و لو أنكرنا دلالة دليل الولاية على الولاية الفعليّة، و قلنا: إنّه إنّما دلّ على شرط الفقاهة و الكفاءة في من ينتخب وليّا، قلنا: إنّ دليلا من هذا القبيل لا يمنع عن افتراض كون المرجع في الفتاوى غير القائد إلاّ في الفتاوى التي انبنت عليها الأحكام الولائيّة، فتكون النسبة بين الدليلين بلحاظ المحمول عموما من وجه، يجتمعان في الفتاوى التي انبنت عليها الأحكام الولائيّة، و يفترقان في سائر الفتاوى، و في الأحكام الولائيّة الأخرى غير المبنية عليها الأحكام الولائيّة، و يفترقان في سائر الفتاوى، و في الأحكام الولائيّة الأخرى غير المبتنية على فتاوى مخالفة، و عندئذ لا ينفع كون النسبة بين الدليلين بلحاظ الموضوع عموما مطلقا، لأنّ النسبة إذا كانت من جهة عموما مطلقا، و من جهة أخرى عموما من وجه، فالنسبة بين الدليلين بالتالي هي العموم من وجه، لا العموم المطلق.

فإنّه يقال: إنّه متى ما كان الدليلان المتعارضان أحدهما أخصّ من الآخر بلحاظ


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة97/الجزء الرابع

 

و على أيّة حال، فالترخيص في جانب غير الأهمّ في ما نحن فيه إنّما يبطله دليل خاصّ وارد في المقام، و هو ما مضت الإشارة إليه من الأخبار المتفرّقة الواردة في موارد مختلفة في الشبهة المحصورة، كما ورد من لزوم الاجتناب من الأغنام التي نعلم بكون بعضها موطوءا، أو الأمر بإراقة الماءين اللذين علمنا بنجاسة أحدهما، فما تمّ سندا من هذه الأخبار يدلّ على تساقط الأصلين، و عدم جريان الأصل و لو في أحدهما، فهذه الأخبار تشمل فرض أهمّيّة أحد الطرفين، فإنّه و إن لم تكن في موردها أهمّيّة في أحد الطرفين من حيث المحتمل، لكنّها بإطلاقها تشمل فرض الأهمّيّة من حيث الاحتمال، فيشكل بذلك إجراء الأصل الواحد عند عدم الابتلاء بالمعارض من باب أهمّيّة الجانب الآخر.

نعم، فرض عدم الابتلاء بالمعارض من باب جريان أصل مثبت للتكليف في أحد الطرفين حاكم على هذا الأصل، أو من باب كونه في نفسه خارجا عن مورد الأصل غير مشمول لإطلاق هذه الأخبار.

__________________________________________

 

......- الموضوع، و الثاني أخصّ من الأوّل، أو أعمّ من وجه بلحاظ المحمول، فالجمع العرفيّ يقدّم فيه جانب الموضوع على جانب المحمول على ما ذكر في علم الأصول.

و لو لم نقبل بهذا الكلام، قلنا: تنقّح أيضا في علم الأصول: أنّه متى ما وقع التعارض بين دليلين بالعموم من وجه، و كان أحدهما آبيا عن التخصيص بالآخر عرفا، بخلاف العكس، عوملت معهما معاملة العموم المطلق. و ما نحن فيه من هذا القبيل، فإنّ تخصيص دليل التقليد، بإخراج الفتاوى التي انبنت على خلافها الأحكام الولائيّة للوليّ أمر معقول، و لكن تخصيص دليل الولاية بإخراج تلك الأحكام ليس عرفيّا، فإنّنا إن قبلنا أنّ التفكيك بين منصب الولاية، و منصب التقليد في الفتاوى غير المبتنية عليها الأحكام الولائيّة أمر عرفيّ، فمن الواضح جدّاً أنّ التفكيك بين الأحكام الولائيّة بلحاظ معارضة بعضها لفتاوى غيره ليس عرفيّا، و يعتبر شلا لمنصب الولاية، كما أنّه ليس من المعقول بقاء تلك الأحكام الولائيّة على حجّيّتها مع بقاء فتاوى غيره المخالفة لما انبنت عليه تلك الأحكام على الحجّيّة أيضا، فإنّهما متضادّان و لا يمكن حجّيّتهما معا.

و بهذا البيان يتّضح: أنّنا حتى لو قلنا بنصب كلّ الفقهاء الكفوئين وليّا من قبل الإمام عليه السلام، فالذي يمارس الولاية بالفعل هو الّذي يتّبع في أحكامه الولائيّة، حتى لو كانت تلك الأحكام على خلاف فتاوى من يقلّده المكلّف من فقيه آخر كفؤ.


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة98/الجزء الرابع

 

فتحصّل: أنّ اختصاص أحد الطرفين بالأصل، لنكتة كون التكليف على تقدير وجوده في الطرف الآخر أهمّ لا يبرّر جريان الأصل في ذاك الطرف غير الأهمّ، و ذلك للروايات الخاصّة، و لو لا الروايات الخاصّة لكان مقتضى القاعدة جريان الأصل في الطرف غير الأهمّ بلحاظ حديث الحلّ  [1].

بقي الكلام في دفع شبهة أخرى تثبت التخيير في أطراف العلم الإجماليّ، و هي أن يقال: إنّنا نجري كلا الأصلين في المقام، بلا حاجة إلى تقييد الأصل في كلّ من الجانبين، و لا يلزم من ذلك الترخيص في المخالفة القطعيّة، و ذلك ببيان: أنّ الترخيص في هذا الجانب بالخصوص، و في ذاك الجانب بالخصوص، لا ينافي لزوم الإتيان بالجامع و بأحد الفردين، و ذلك نظير التخييرات الواقعيّة، كالتخيير بين خصال الكفارات الثلاث، حيث إنّ الجامع واجب، و بالرغم من ذلك نحن مرخّصون في كلّ طرف من الأطراف في الترك.

و الجواب: أنّنا إمّا أن نختار في باب الواجب التخييريّ بالإلزام بالجامع أنّ الإلزام يسري من الجامع إلى الأفراد، لكنّه إلزام مشوب بالترخيص في الترك إلى البدل في كلّ واحد من الطرفين، أو نختار أنّه لا يسري منه إلى الأفراد، فإن اخترنا الأوّل، فمنافاة الترخيص المطلق في كلّ طرف من الأطراف للإلزام بالجامع واضحة، و إن اخترنا الثاني، فعندئذ و إن لم تكن منافاة عقلية بينهما، إلاّ أنّ العرف يفهم من

 

__________________________________________

 

[1] لا بلحاظ (رفع ما لا يعلمون)، و لا بلحاظ الاستصحاب. أمّا الأوّل، فلما عرفت من أنّه لا ينظر إلى حلّ التزاحم بلحاظ الإلزام المعلوم إجمالا. و أمّا الثاني فأظنّ أنّ نظر أستاذنا الشهيد رحمه اللّه في عدم جريانه في المقام إلى أنّ دليل الاستصحاب ورد بلسان الكشف، و من الواضح عرفا أنّ أهمّيّة المحتمل و عدمها ليس لهما دخل في الكشف و عدمه.

أمّا إذا افترضنا أنّ الأهمّيّة لم تكن للمحتمل، بل كانت للاحتمال، أي: أنّ احتمال التكليف في أحد الطرفين كان أقوى، فهنا أيضا لا يجري حديث الرفع في الطرف الموهوم، لما عرفت من عدم علاجه للتزاحم بلحاظ الإلزام المعلوم إجمالا، و لكن يجري حديث الحلّ و الاستصحاب، لو لا ما عرفته من الأخبار الخاصّة المانعة بإطلاقها عن ذلك، و الفرق بينه و بين فرض أهمّيّة المحتمل - حيث قلنا بعدم جريان الاستصحاب في ذاته في مورد أهمّيّة المحتمل، بخلاف فرض أهمّيّة الاحتمال - واضح، لأنّ أهمّيّة المحتمل أو عدمها ليس لها دخل في الكشف، لكن أهمّيّة الاحتمال أو عدمها يفهم عرفا دخلها في الكشف.


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة99/الجزء الرابع

 

قوله: (أرخّصك في هذا و أرخّصك في ذاك) - مع فرض التحفّظ على الإطلاقين - الترخيص في ترك الجامع، و يرى التهافت بين الترخيصين المطلقين و الإلزام بالجامع، فما يمكن أن يستفاد من دليل الأصل لا يمكن التحفّظ عليه بلا تقييد، و مع التقييد يرجع إلى ما عرفت جوابه.

و قد تحصّل إلى هنا: أنّ الأصول الترخيصيّة في أطراف العلم الإجماليّ تتساقط، إمّا لمحذور عقليّ، و هو كون حكم العقل بحرمة المخالفة القطعيّة تنجيزيّا كما هو مبناهم، أو لقصور في مرحلة الإثبات، و هو ارتكاز المناقضة بين الحكم الواقعيّ و الترخيص في الأطراف في نظر العرف و العقلاء كما اخترناه.

إلاّ أنّ هنا شبهة تأتي على مبنانا دون مبناهم في المقام، و هي أنّه لو فرضنا أنّ كلّ واحد من طرفي العلم الإجماليّ كان موردا لأصل ترخيصيّ ليس الآخر موردا له، فلو كان في الترخيص في المخالفة القطعيّة محذور عقليّ لتساقط الأصلان، لكن على مبنانا من كون الوجه في تساقط الأصول ارتكاز المناقضة للحكم الواقعيّ في نظر العرف لا وجه لتساقط الأصلين في المقام، و ذلك لأنّ الترخيصين لو كانا مستفادين من دليل واحد، فهذا الدليل كان يبتلى بالإجمال من ناحية الارتكاز، فكانت الأصول تتساقط، و لكن حيث إنّهما مستفادان من دليلين، فكلّ واحد من الدليلين بخصوصه ليس خلاف الارتكاز، فظهوره محفوظ، و إذا تحقّق الظهوران أخذنا بهما رغم أنّهما بمجموعهما خلاف الارتكاز، إذ الظهور حجّة ما لم ترد حجّة على خلافه، و الارتكاز ليس حجّة في المقام على خلافه، و غاية أثره هي رفع الظهور لو كان على خلافه، و المفروض انحفاظ الظهورين في المقام لعدم كون واحد منهما بنفسه خلاف الارتكاز.

لكنّ الصحيح في المقام: أنّ هذا الارتكاز يولّد ارتكازا آخر، و هو ارتكاز استلزام الترخيص في أحد الطرفين للإلزام في الطرف الآخر، و الملازمة العرفيّة كالملازمة العقليّة في توليد الدلالة الالتزاميّة للكلام، فتصبح لدليل الترخيص في كلّ واحد من الطرفين دلالة التزاميّة على الإلزام في الطرف الآخر، فيقع التعارض بين الدلالة المطابقيّة في كلّ من الجانبين و الدلالة الالتزاميّة في الجانب الآخر، و تتساقطان  [1].

 

__________________________________________

[1] و قد يجاب عن الإشكال في المقام بجواب آخر غير ما أفاده أستاذنا الشهيد، و هو أن


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة100/الجزء الرابع

 

 

___________________________________

 

.......... - الدليل الّذي دلّ على حجّيّة الأصلين في الموردين - و هو دليل حجّيّة الظهور و الإطلاق - مبتلى بتعارض داخليّ، و ذلك لأنّ الأصلين بمجموعهما يؤدّيان إلى جواز المخالفة القطعيّة، و هو خلاف الارتكاز، فكونهما خلاف الارتكاز و إن كان لا يؤدّي إلى إجمال دليل هذا الأصل، و لا إلى إجمال دليل ذاك الأصل، لأنّ أحدهما منفصل عن الآخر، لكن دليل حجيّة كلّ من إطلاقي الأصلين للموردين هو دليل واحد مشترك بينهما، فذاك الدليل هو الّذي يبتلي بالإجمال إن كان ظهورا، و ينعدم إن كان ارتكازا عقلائيّا.

و يرد عليه: أنّ كون مجموع ظهورين مؤدّيا إلى خلاف الارتكاز لا يمنع عن شمول الارتكاز العقلائي القائم على حجّيّة الظهور لهما، ما لم يؤدّ ذاك الارتكاز إلى القطع بالكذب، أو إلى تعارض أحدهما للدلالة الالتزاميّة للآخر، كما أفاده أستاذنا، و حتى لو فرضنا أنّ ذاك الارتكاز أدّى إلى الظنّ بالكذب، فارتكاز حجّيّة الظهور شامل للظهور المظنون كذبه.

نعم، قد يفترض أنّ الارتكاز الّذي كان مجموع الظهورين مخالفا له يكون قويّا إلى حدّ نقطع بأنّ الردع عنه - لو كان مردوعا - لا يكون بظهور من هذا القبيل، بل لا بدّ له من ردع قويّ يصلنا - لو كان - بأقوى ممّا وصلنا من ظهور، و هذا مطلب آخر.


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة101/الجزء الرابع

 

تنبيهات العلم الإجماليّ

 

تقيّد أحد الطرفين بعدم الآخر

 

 التنبيه الأوّل:

إذا علم إجمالا بأحد تكليفين، أخذ في موضوع أحدهما عدم الآخر، فهل هذا العلم الإجماليّ يكون منجّزا، أو لا؟ مثاله: ما إذا علم إجمالا بأنّه:

إمّا يجب عليه الوفاء بالدين، فلا يبقى له مال، فلا يكون مستطيعا و لا يجب عليه الحجّ، أو لا يجب عليه الوفاء بالدين فيجب عليه الحجّ، و يمثّل - أيضا - بما لو نذر أنّه لو لم يجب عليه الوفاء بالدين صام مثلا، فيعلم إجمالا بوجوب الوفاء بالدين أو الصوم.

و هذه المسألة ذكرها المحقّق العراقيّ رحمه اللّه نقضا على قوله بالعلّيّة، و أجاب عنه»«. و من هنا جعلنا ذلك أوّل التنبيهات، فإنّه و إن كان في نفسه مسألة مستقلّة ينبغي البحث عنها، لكنّه مرتبط أيضا بأصل مبحث العلم الإجماليّ و العلّيّة و الاقتضاء، إذ يمكن اعتباره نقضا على العلّيّة أورده المحقّق العراقيّ على مبناه و دفعه.

و يتّضح الوجه في كونه نقضا على مبناه بالالتفات إلى أمرين:

الأمر   الأوّل: ما مضى من أنّ مبنى المحقّق العراقيّ رحمه اللّه في باب العلم الإجماليّ، هو أنّ العلم الإجماليّ علّة تامّة لوجوب الموافقة القطعيّة، و موجب لسقوط الأصل في أطرافه حتى بقطع النّظر عن المعارض. نعم، هو يقبل جريان


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة102/الجزء الرابع

 

الأصل الترخيصيّ في بعض الأطراف في موردين:

المورد   الأوّل: ما إذا جعل الطرف الآخر بدلا عن الواقع، أي أن يعبّدنا الشارع بأنّه هو الواقع. و هذا ما مضى في ما سبق، و مضى تحقيق الحال فيه.

المورد الثاني: ما إذا انحلّ العلم الإجماليّ. و أحد أسباب انحلال العلم الإجماليّ عند المحقّق العراقيّ رحمه اللّه هو جريان الأصل المثبت للتكليف في أحد الجانبين، فلا بدّ من أن يجري أوّلا الأصل المثبت في أحد الطرفين، حتى ينحلّ العلم الإجماليّ، ثمّ يجري الأصل الترخيصيّ في الجانب الآخر. و هذا ما يأتي بيانه - إن شاء اللّه - بعد هذا، مع الإيراد عليه.

الأمر الثاني: أنّ الفقهاء التزموا في هذه المسألة بجريان الأصل في الطرف الأوّل، و وجوب العمل بالطرف الثاني المترتّب على عدم الطرف الأوّل، فيجب عليه الحجّ مثلا دون الوفاء بالدين.

و عليه يتّضح وجه كون هذا نقضا على المحقّق العراقيّ رحمه اللّه، فإنّه و إن فرض وجوب الحجّ، لكن هذا إنّما هو في طول نفي وجوب الوفاء بالدين بالأصل الترخيصيّ، مع أنّ المفروض عند المحقّق العراقيّ أنّ الأصل الترخيصيّ إنّما يجري بعد أن جعل الطرف الآخر بدلا عن الواقع، أو ينحلّ العلم الإجماليّ بأصل مثبت في أحد الطرفين، و هنا جعل البدليّة مفقود، فلا بدّ أولا من ثبوت وجوب العمل بأحد الطرفين، حتى ينحلّ العلم الإجماليّ، فيجري الأصل الترخيصيّ، لا أن يجري الأصل الترخيصيّ في بعض الأطراف، و يثبت بعد ذلك وجوب العمل بالطرف الآخر.

و ذكر المحقّق العراقيّ رحمه اللّه في مقام الجواب عن هذا النقض: أنّه تارة يفترض أنّ وجوب الحجّ موقوف على عدم وجوب أداء الدين واقعا، و أخرى يفترض أنّه موقوف على مطلق عدم الوجوب و لو ظاهرا، و ثالثة يفترض أنّه موقوف على مطلق المعذوريّة عن أداء الدين، أي: عدم تنجّز ذلك عقلا عليه.

فإن فرض الأوّل فاستصحاب العدم في جانب الدين محكّم في المقام، إذ الاستصحاب يدلّ بالمطابقة على ذات المستصحب، و بالملازمة على آثار المستصحب، فهنا كما يدلّ على عدم الدين كذلك يدلّ على وجوب الحجّ، و نحن نأخذ أولا بالدلالة الثانية فينحلّ بها العلم الإجماليّ، ثمّ نأخذ بالدلالة الأولى.

و لا يرد على المحقّق العراقيّ إشكال تبعيّة الدلالة الالتزاميّة في الحجّيّة


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة103/الجزء الرابع

 

للمطابقيّة، بناء على مبناه من إنكار هذه التبعيّة، على أنّ الدلالتين في المقام عرضيّتان لا طوليّتان.

و إن فرض الثاني، فالكلام هو عين الكلام على الفرض الأوّل، إلاّ أنّه هنا يمكن التمسّك بأصالة البراءة أيضا، إذ المفروض أنّ وجوب الحجّ أثر لمطلق عدم وجوب الدين و لو ظاهرا.

و إن فرض الثالث، فهنا نقول: إنّ العلم الإجماليّ يستحيل تنجيزه في المقام، إذ يشترط في تنجيزه أن يكون كلا طرفيه قابلا للتنجيز في عرض واحد، و هنا ليس الأمر كذلك، إذ لو تنجّز الدين لم يعقل تنجّز الحجّ، لأنّ المفروض أنّ وجوبه فرع عدم تنجّز الدين.

هذا ما أفاده المحقّق العراقيّ رحمه اللّه في المقام. و يرد عليه:

أوّلا: أنّ التمسّك أوّلا بدلالة دليل الأصل على الأثر، و هو وجوب الحجّ، ثمّ الأخذ بدلالته على نفي وجوب أداء الدين إنّما يتمّ لو سلّمنا أن دليل الأصل متكفّل لبيان حكمين، و هذا في أصالة البراءة ممنوع عندنا و عندهم، فلا يدلّ الأصل إلاّ على حكم واحد، و هو رفع وجوب أداء الدين، و يترتّب عليه وجوب الحجّ ذاتا ترتّب الحكم على موضوعه، من باب أنّ المفروض أنّه أخذ في موضوعه عدم وجوب الدين و لو ظاهرا، فلا بدّ أولا من إثبات عدم وجوب الدين، حتى يثبت وجوب الحجّ، فالنقض في هذا الفرض وارد عليه.

نعم، في الاستصحاب لا بأس بهذا الكلام حسب مبناه قدّس سرّه، لكن يرد عليه الإشكال المبنائيّ، حيث إنّه سوف يأتي - إن شاء اللّه - في بحث الاستصحاب أنّ الصحيح أنّ دليل الاستصحاب لا يتكفّل عدا جعل ذات المستصحب، دون آثاره الشرعيّة، و لا العقليّة و لا العاديّة، لكن الآثار الشرعيّة تترتّب ذاتا بالبيان الّذي سوف يأتي هناك  [1]، بخلاف الآثار العقليّة و العاديّة.

 

__________________________________________

 

[1] سوف يأتي في بحث الاستصحاب أنّ معنى التعبّد بالمستصحب هو الأمر بالجري العمليّ وفق ما يتطلّبه عقلا اليقين بالمستصحب، و أنّ أثر الأثر إذا كانا شرعيّين يترتّب باعتبار كون المستصحب جزء موضوع الأثر الثاني، فيرجع إلى الأثر المباشر.

أقول: إذا رجع إلى الأثر المباشر، فترتّبه يكون في عرض ترتّب الأثر الأوّل، إذن فيتمّ ما


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة104/الجزء الرابع

 

و ثانيا: أنّه لو كان وجوب الحجّ مترتّبا على مطلق عدم وجوب أداء الدين و لو ظاهرا، فهنا تسليمه رحمه اللّه لمانعيّة العلم الإجماليّ عن جريان الأصل في نفسه، و حل الإشكال بإثبات وجوب الحجّ أولا، حتى ينحلّ العلم الإجماليّ، ثمّ ينفي وجوب الدين بالأصل، في غير محلّه، فإنّ نفي وجوب الدين يقلب العلم الإجماليّ في المقام إلى العلم التفصيليّ بوجوب الحجّ، لأنّ المفروض ترتّبه على مطلق عدم وجوب الدين و لو ظاهرا، و قد ثبت ذلك فيقطع بوجوب الحجّ، و لا تعقل مانعيّة مثل هذا العلم الإجماليّ في نفسه عن الأصل، إذ هذه المانعيّة دوريّة، فإنّها لو سلّمت لكان معناها توقّف جريان الأصل على عدم تنجّز هذا العلم الإجماليّ المتوقّف على عدم هذا العلم الإجماليّ، مع أنّ هذا الأصل سبب لانتفاء العلم الإجماليّ، فعدم العلم الإجماليّ موقوف على هذا الأصل توقّف المسبّب على السبب، و هذا دور، و يمكن التعبير عن هذا الدور بشي‏ء من المسامحة، بأنّ مانعيّة هذا العلم الإجماليّ موقوفة على تنجّزه، الموقوف على وجوده، و عدم انقلابه إلى العلم التفصيليّ، الموقوف على عدم نفي وجوب الدين بالأصل، الموقوف على مانعيّة هذا العلم الإجماليّ.

و إن شئت فقل: إنّ مانعيّة العلم الإجماليّ عن الأصل إنّما كانت لاستلزام الأصل لمحذور عقليّ، و هو الترخيص في المخالفة القطعيّة مثلا، و هذا المحذور إنّما يترتّب عند التحفّظ على أمرين: الأصل، و العلم الإجماليّ، فإن فرض أنّ الأصل يقتضي رفع العلم الإجماليّ، فمثل هذا الأصل ليس مخالفا لحكم العقل، فلا وجه لعدم جريانه.

و ثالثا: أنّه لو كان وجوب الحجّ مترتّبا على عدم تنجّز الدين، فهنا ليس لدينا علم إجماليّ يتكلّم في تنجيزه و عدم تنجيزه، فإنّه لو فرض علم إجماليّ في المقام، فما هما طرفاه؟

 

_________________________________

 

..... - يقوله المحقّق العراقيّ من أنّ الحجّ تنجّز فأوجب ذلك انحلال العلم الإجماليّ، بناء على مبناه من أنّ تنجّز أحد طرفي العلم الإجماليّ يوجب انحلاله. و هذا واضح في ما إذا كان المقصود بالاستصحاب استصحاب عدم الدين، فيثبت الأثران: و هما عدم وجوب أداء الدين، و وجوب الحجّ في عرض واحد، و كذلك الحال في ما إذا كان المقصود الاستصحاب الحكمي، أعني:

استصحاب عدم وجوب أداء الدين، فإنّه - عندئذ - يثبت كون الوظيفة هي الجري العمليّ وفق المستصحب، و وفق أثره، و هو وجوب الحجّ في عرض واحد.


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة105/الجزء الرابع

 

فإن قيل: إنّ طرفيه عبارة عن وجوب الحجّ و وجوب أداء الدين، قلنا: إنّه لا يعقل تحقّق هذا العلم الإجماليّ، حتى قبل إجراء الأصل الشرعيّ و العقليّ المؤمّن عن وجوب أداء الدين، فإنّه و إن فرض أنّ المكلّف يحتمل تنجّز أداء الدين عليه، و يحتمل عدم تنجّزه، و على تقدير عدم تنجّزه يجب عليه الحجّ، لكن ليس هنا علم إجماليّ بوجوب أحد الأمرين، إذ من المحتمل أن يكون وجوب أداء الدين منجّزا عليه من دون أن يكون هذا الوجوب ثابتا في الواقع، لأنّ التنجّز و اللابديّة العقليّة، و كذا الشرعيّة الظاهريّة لا يستلزم ثبوت الحكم واقعا. و على هذا الفرض لا يجب عليه أداء الدين كما هو المفروض، و لا الحجّ، لتوقّف وجوبه على عدم تنجّز أداء الدين، و المفروض تنجّزه.

و إن قيل: إنّ طرفيه عبارة عن وجوب الحجّ و تنجّز أداء الدين، قلنا: لا معنى للشكّ في تنجّز أداء الدين و عدمه بعد أن استقرّ عند كلّ شخص مبانيه في العلم الإجماليّ و الشكّ البدويّ، من المنجّزيّة و عدم المنجّزيّة و غير ذلك، بل إمّا يحصل القطع بتنجّزه، و إمّا يحصل القطع بعدم تنجّزه.

و على أيّة حال، فالصحيح في المقام: أنّ الأصل يجري في الطرف الّذي أخذ عدمه في موضوع الآخر، و يثبت وجوب الآخر واقعا إن كان مترتّبا على عدم وجوب الأوّل و لو ظاهرا، أو عدم تنجّزه، و إمّا إن كان مترتّبا على عدم وجوب الأوّل واقعا، فهذا العلم الإجماليّ لا يمنع عن جريان الاستصحاب في الطرف الأوّل، و التأمين من ناحيته بذلك، و إثبات وجوب الطرف الثاني ظاهرا بإحراز موضوعه بالاستصحاب، بناء على مبنانا من عدم علّيّة العلم الإجماليّ لوجوب الموافقة القطعيّة، و عدم مانعيّته عن الاستصحاب في أحد الطرفين من دون معارض.

و في الختام لا بأس ببيان الحال في ما ذكره المحقّق العراقيّ رحمه اللّه من أنّ العلم الإجماليّ يجب أن ينجّز كلا طرفيه في عرض واحد، فإذا لم يمكن ذلك لم يؤثّر العلم الإجماليّ في التنجيز.

و هذا صحيح بناء على ما يحكم به عقلنا من أنّ الموافقة القطعيّة - بما هي موافقة قطعيّة - واجبة للتكليف المعلوم بالإجمال. و من المعلوم أنّ الإتيان بكلّ واحد من الطرفين جزء للموافقة القطعيّة و التنجّز الثابت للمجموع، و هو الموافقة القطعيّة، ينبسط - لا محالة - على الأجزاء على حدّ سواء و هذا الكلام صحيح حتى على مبنانا: من أنّ العلم الإجماليّ ليس بيانا إلاّ


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة106/الجزء الرابع

 

بمقدار الجامع، فإنّنا لا نلتزم بأنّ تأثيره يجب أن يكون بمقدار بيانيّته، بل نقول: بأنّه ينجّز الموافقة القطعيّة للواقع.

و لكنّ المحقّق العراقيّ قدّس سرّه لم يكن من حقّه أن يدّعي أنّ تنجّز طرفي العلم الإجماليّ يجب أن يكون في عرض واحد، و ذلك لأنّه لا يقول بتنجيز العلم الإجماليّ ابتداء للموافقة القطعيّة، بل يقول بأنّ العلم الإجماليّ ينجّز على العبد الإتيان بالواقع، و إذا تنجّز الإتيان بالواقع تنجّز كلّ واحد من الطرفين من باب أنّ احتمال الواقع المنجّز منجّز، و عليه ففي المثال الماضي لو كان الواجب الواقعيّ هو الحجّ لا أداء الدين، فيتنجّز أوّلا وجوب الحجّ، لأنّه الواقع، و العلم الإجماليّ إنّما ينجّز بذاته ابتداء الواقع، و في طول تنجّز ذلك يتنجّز وجوب أداء الدين، و عندئذ يستحيل أن يكون وجوب الحجّ فرع عدم تنجّز أداء الدين المتفرّع على عدم تنجّز وجوب الحجّ، فإنّ كون وجوب شي‏ء فرعا لعدم تنجّز نفس هذا الوجه غير معقول  [1].

 

__________________________________________

[1] و عليه فلو دلّ الدليل على كون وجوب الحجّ فرع عدم تنجّز أداء الدين، يجب أن يحمل على كونه فرعا لعدم التنجّز الثابت بقطع النّظر عن نفس هذا العلم الإجماليّ، كي لا نتورّط في هذه الاستحالة، و بما أنّه من الواضح أنّ أداء الدين في المقام - بقطع النّظر عن نفس هذا العلم الإجماليّ - غير منجّز، إذن نعلم تفصيلا بوجوب الحجّ، و لا يبقى لنا في المقام علم إجماليّ.


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة107/الجزء الرابع

 

اختصاص الأصل ببعض الأطراف:

التنبيه الثاني:

أنّه رتّب على القول بكون العلم الإجماليّ علّة تامّة لوجوب الموافقة القطعيّة - كما قال به بعضهم - أو كون تأثيره في ذلك بمجرد الاقتضاء - كما اخترناه -، أنّه على الأوّل لا يجري الأصل في بعض أطراف العلم الإجماليّ و ان لم يكن معارض، و على الثاني يجري الأصل عند عدم المعارض، و المحقّق النائينيّ رحمه اللّه ذكر على ما في تقرير بحثه»«: أنّ هذه الثمرة مجرّد ثمرة فرضيّة، و لا تتّفق بحسب الخارج، و نحن عقدنا هذا التنبيه هنا لنذكر أولا: ما هو التحقيق في مسألة جريان الأصل في بعض الأطراف بلا معارض في الصور المختلفة التي يتصوّر فيها ذلك، و نتعرّض بعد ذلك لكلام المحقّق النائينيّ رحمه اللّه و مناقشته.

فنقول: إنّ اختصاص الأصل ببعض أطراف العلم الإجماليّ يكون في ثلاث صور:

 

فرض الاختصاص في نفسه:

الصورة الأولى: أن يكون هذا الاختصاص لأجل عدم كون الطرف الآخر مجرى للأصل في نفسه، أي بقطع النّظر عن محذور الترجيح بلا مرجّح، كما لو علم إجمالا بأنّه إمّا لم يصلّ صلاته الحاضر وقتها، و إمّا أنّ هذا الجبن حرام، لوجود الميتة فيه، فالطرف الأوّل ليس مجرى للأصل المؤمّن في نفسه، لأنّ الشكّ فيه شك في الفراغ لا في أصل التكليف، فهو مجرى لقاعدة الاشتغال، لا للأصل المؤمّن، و هنا يقول الأصحاب - حتى القائلون بعلّيّة العلم الإجماليّ لوجوب الموافقة القطعيّة - بجريان الأصل المؤمّن في الطرف الخاصّ به، لأنّ العلم الإجماليّ - حتى بناء على علّيّته لذلك - منحلّ بجريان الأصل المثبت في أحد الطرفين، و هو أصالة الاشتغال،


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة108/الجزء الرابع

 

أو استصحابه في جانب الصلاة، فإنّ جريان الأصل المثبت في أحد الطرفين شرعيّا أو عقليّا موجب عندهم لانحلال العلم الإجماليّ انحلالا حكميا، كما سيأتي تفصيله - إن شاء اللّه -.

و لكن اتّضح في بحثنا مع الأخباريين في وجوب الاحتياط في الشبهات و عدمه: أنّ الأصل المثبت في أحد الطرفين لا يوجب الانحلال الحكميّ، و إنّما الّذي يترقّب حلّه للعلم الإجماليّ حكما هو الأصل النافي في الطرف الآخر، و عليه فلا يمكن تبرير الأصل النافي في المقام بالانحلال، فبناء على العلّيّة لا يمكن إجراء الأصل هنا، و أمّا بناء على ما هو الصحيح من الاقتضاء، فيجري الأصل و ينحلّ به العلم الإجماليّ.

نعم، نحن لا نقول لما قالوا به من عدم منع العلم الإجماليّ عن شي‏ء من الأصول المؤمّنة، بل نفصل بين الأصول المؤمّنة الثلاثة التي تبحث في علم الأصول، و هي أصالة البراءة، و أصالة الحلّ، و الاستصحاب.

و توضيح ذلك: أنّه لا مانع ثبوتا عن جريان شي‏ء من هذه الأصول في المقام، لمنع القول بالعليّة، و لا إثباتا من باب معارضة الأصلين لغرض عدم المعارضة، لكن يوجد مانع إثباتي عن بعضها، و هو قصور الدليل في نفسه عن إثبات المقصود، من حلّيّة خصوص هذا الطرف، و هذا المانع موجود في أصالة البراءة، لما مضى من أنّها غير ناظرة إلاّ إلى رفع الإلزام من ناحية ذات احتمال التكليف، لا إلى رفع الإلزام حتى من ناحية العلم الإجماليّ، و احتمال انطباق المعلوم بالإجمال.

و أمّا الاستصحاب فلا بأس بجريانه في المقام، لأنّ دليل الاستصحاب يثبت الحالة السابقة حتى مع لحاظ العلم الإجماليّ.