مباحث ‏الأصول/الصفحة301/الجزء الرابع

 

أصالة الاحتياط 2

دوران الأمر بين الأقلّ و الأكثر الارتباطيّين

 

مراحل الدوران.

الدوران بين الأقلّ و الأكثر في الأجزاء.

الدوران بين الأقلّ و الأكثر في الشرائط.

الدوران بين التعيين و التخيير.

تنبيهات.


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة303/الجزء الرابع

 

مراحل الدوران

قد وقع الكلام في جريان البراءة و عدمه عن المقدار الزائد إذا كانا ارتباطيّين، بعد عدم الإشكال في جريان البراءة عنه في غير الارتباطيّين.

و واقع الأمر أنّه لو فرض دوران الأمر بحسب الروح و الجوهر بين الأقلّ و الأكثر، فلا محالة ينحلّ العلم، و يكون الزائد مشكوكا بالشكّ البدوي و مجرى للبراءة، كما هو الحال في الأقلّ و الأكثر غير الارتباطيين.

و قد أقيم في المقام بعض الوجوه للزوم الاحتياط، ممّا لو تمّ لثبت لزوم الاحتياط حتّى مع فرض دوران الأمر بحسب الروح و الجوهر بين الأقلّ و الأكثر، و لكن سيظهر في ثنايا البحث عدم تماميّة شي‏ء من ذلك.

و لو فرض رجوع الأمر بحسب الروح و الجوهر إلى التردّد بين المتباينين - و إن كان بحسب الظاهر و الصورة مردّدا بين الأقلّ و الأكثر - إذن لا يكون الأمر منحلاّ، و لا تجري البراءة.

و قد يكون الأمر بحسب بعض العوالم و المراحل دائرا بين الأقلّ و الأكثر، و بحسب بعضها مردّدا بين المتباينين، فنحن هنا نفرض جميع تلك العوالم أو المراحل التي يمكن دعوى دوران الأمر فيها بين الأقلّ و الأكثر، لنرى بعد ذلك أنّ الدوران بين الأقلّ و الأكثر يتمّ في أيّ عالم من تلك العوالم؟ و أنّه هل يكفي الدوران بين الأقلّ و الأكثر في ذاك العالم لجريان الأصل، أو لا؟ فإليك فهرست تلك العوالم كي يساعدنا على بيان المطلب، و توضيحه فيما بعد، و المشي حسب مصطلحاتها:

العالم   الأوّل: هو عالم جعل المولى و لحاظه، فيمكن دعوى أنّ ما في نفس المولى و عالم لحاظه في موارد الأقلّ و الأكثر الارتباطيين يكون في الحقيقة مردّدا بين مقدار لا شكّ فيه و بين وجود ذاك المقدار مع زيادة شي‏ء آخر وقع الشكّ فيه.


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة304/الجزء الرابع

 

العالم الثاني: عالم الوجوب و الإلزام، فقد يفترض أنّ ما في عالم نفس المولى و لحاظه مردّد بين المتباينين، و يكون مثلا في مقابل اللحاظ الزائد في جانب الأكثر لحاظ آخر في جانب الأقلّ، لكن اللّحاظ الزائد الموجود في جانب الأكثر عبارة عن الإيجاب و الإلزام، و اللحاظ الزائد الموجود في جانب الأقلّ ليس عبارة عن الإلزام، بل هو توسعة على العبد، فليس كلّ ما هو ثابت في اللّحاظ فهو تضييق و إلزام، فإذا لاحظ المولى الإطلاق أو قلنا: إنّ الإطلاق أمر لحاظي و ليس عبارة عن عدم لحاظ القيد، فهذا - بالرغم من كونه داخلا في لحاظ المولى - يكون توسعة لا تضييقا.

العالم الثالث: عالم التحميل العقلي، فقد يكون الأمر في العالمين الأوّلين دائرا بين المتباينين، لكنّه بحسب عالم التحميل العقلي يكون الأمر دائرا بين الأقلّ و الأكثر، و ذلك كما في دوران الأمر بين التعيين و التخيير، كما إذا دار الأمر بين وجوب إكرام إنسان، أو وجوب إكرام حيوان، بالمعنى الشامل للإنسان، ففي عالم لحاظ المولى - و كذلك في عالم الإلزام - يكون الأمر دائرا بين المتباينين، فإنّ العنوان الملحوظ و الملزم به في وجوب إكرام الإنسان مباين للعنوان الملحوظ و الملزم به في وجوب إكرام الحيوان، لكنّ التحميل العقلي مردّد بين الأقلّ و الأكثر، بمعنى أنّ أحد الامتثالين مساوق لامتثال الآخر دون العكس، فالأمر دائر في التحميل العقلي بين التخيير في الامتثال و التوسعة بلحاظ إكرام الإنسان، أو غيره من الحيوانات، و بين تضييق هذه الدائرة للامتثال بتعيين إكرام الإنسان.

العالم الرابع: هو عالم التطبيق الخارجي و الامتثال، فقد يكون الأمر فيه دائرا بين الأقلّ و الأكثر، بمعنى: أنّ مقدارا ممّا وقع في الخارج يصلح امتثالا للأمر بالأقلّ، فإذا ضمّ إليه الزائد صار امتثالا للآخر على كلّ تقدير، و قد لا يكون كذلك، فمثلا: لو دار الأمر بين وجوب تسعة أجزاء أو عشرة، بضمّ جزء عاشر إلى تلك الأجزاء التسعة، فكما أنّ الأمر بلحاظ عالم التحميل العقلي دائر بين الأقلّ و الأكثر، كذلك الأمر بلحاظ عالم التطبيق الخارجي دائر بين الأقلّ و الأكثر، فالأجزاء التسعة تصلح امتثالا للأمر بالأقل، و إذا ضمّ إليها الجزء العاشر كان العمل امتثالا للأمر على كلّ تقدير، و هذا بخلاف ما لو دار الأمر بين وجوب إكرام إنسان و وجوب إكرام حيوان بالمعنى الأعم من الإنسان، ففي هذا المثال و إن كان الأمر بحسب التحميل العقلي دائرا بين الأقلّ و الأكثر كما عرفت، لكنّه بحسب التطبيق الخارجي ليس كذلك، فليس هنا عمل زائد خارجي يضمّ إلى إكرام الحيوان الصالح لامتثال الأمر بالأقلّ


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة305/الجزء الرابع

 

ليصلح امتثالا للأمر على كلّ تقدير، بل لو أردنا مع إكرام حيوان حصول الامتثال على كلّ تقدير، فعلينا أن نضرب صفحا عمّا صنعناه من إكرام الحيوان، و نكرم إنسانا، لا أن نضمّ إلى إكرام الحيوان شيئا يصلح امتثالا للأمر بالأكثر.

و بهذا العرض ظهر أنّ أوسع العوالم في قابليّة دوران الأمر بين الأقلّ و الأكثر هو العالم الثالث، و عليه فنجعل ضابط محلّ البحث هو: أن يدور الأمر بين حكمين يكون امتثال أحدهما مساوقا لامتثال الآخر دون العكس، و هذا يشمل فرض دوران الأمر بين الأقلّ و الأكثر بحسب الأجزاء، و فرض دورانه بينهما بحسب الشرائط، و فرض دوران الأمر بين التعيين و التخيير العقلي، أي: الحصّة و الكلي، و فرض دوران الأمر بين التعيين و التخيير الشرعي.

ثمّ إنّنا نأخذ المثال الرئيسي في بحثنا هذا من فرض دوران الأمر بين الأقلّ و الأكثر بحسب الأجزاء، و بعد ذلك ننظر في مقام تطبيقه على تلك المراحل إلى سائر الأقسام أيضا، فنقول:


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة306/الجزء الرابع

 

الدوران بين الأقلّ و الأكثر في الأجزاء

إذا دار الأمر الواجب بحسب الأجزاء بين الأقلّ و الأكثر فهل تجري البراءة عن الزائد، أو لا؟ فيه أقوال ثلاثة:

  الأوّل: القول بجريان البراءة مطلقا، و هو ما اختاره الشيخ الأعظم قدّس سرّه في الرسائل»«.

و الثاني: القول بعدم جريانها مطلقا، و هو ما اختاره المحقّق الخراسانيّ رحمه اللّه في تعليقه على الكفاية»«.

و الثالث: القول بالتفصيل بين البراءة العقليّة و النقليّة، بجريان الثانية دون الأولى، و هو ما اختاره المحقّق الخراسانيّ رحمه اللّه في الكفاية»«.

و الحديث عن البراءة العقليّة لا أساس له على مبانينا، و يكون مبتنيا على مباني القوم، لكنّنا نتوسّع في الحديث فنتكلّم على كلتا البراءتين.

و نذكر أوّلا بشكل مطلق الموانع التي قد يقال بمنعها عن جريان البراءة، و سيأتي منّا بعد ذلك - في حوار مع صاحب الكفاية - حديث عن مدى إمكانيّة التفصيل بين البراءتين. فنقول:

 

الموانع العامّة عن جريان البراءة

إنّ أهم الموانع المذكورة عن جريان البراءة في المقام ثلاثة:

 

1 - دعوى العلم الإجمالي

المانع   الأوّل: هو العلم الإجمالي الظاهر في المقام، و هو العلم الإجمالي


 

مباحث ‏الأصول/الصفحة307/الجزء الرابع

 

بوجوب التسعة أو العشرة مثلا، و العلم الإجمالي كما قلنا لا يتصوّر إلاّ بإرجاع الأقلّ و الأكثر إلى المتباينين، و نقول فعلا في مقام التصوير الابتدائي لكيفيّة إرجاعهما إلى المتباينين: إنّ الوجوب في المقام ارتباطي، و الارتباطيّة تساوق الوحدة، و الوحدة تساوق التباين، إذ لا يتعقّل أقلّ و أكثر، إلاّ مع فرض الكثرة، فنحن حينما ننظر بالعين التي نرى بها الوجوب الارتباطي المتعلّق بالأجزاء وجوبا واحدا نرى بتلك العين ثبوت علم إجمالي متعلّق بأحد وجوبين وحدانيين متباينين، و الآن يكفينا تصوير إرجاعهما إلى المتباينين بهذا البيان الابتدائي، و سيظهر تحقيق الحال في ذلك.

 

انحلال هذا العلم

و قد أجيب عن هذا المانع بدعوى انحلال العلم الإجمالي بأحد وجهين:

  الأوّل: إثبات الانحلال بإدخال عنصر ثالث في البحث، و ذلك بأن يقال: إنّ العلم الإجمالي بوجوب الأقلّ و الأكثر ينحلّ بالعلم التفصيليّ بوجوب الأقلّ نفسيّا أو غيريّا، و أتذكّر أنّ هذا هو ظاهر عبارة الشيخ الأعظم قدّس سرّه في الرسائل»«.

و هذا الوجه متوقّف على تسليم كون الأجزاء مقدّمة داخليّة، و تسليم أنّ المقدّمة الداخليّة كالمقدّمة الخارجيّة تتّصف بالوجوب الغيري، و كلا الأمرين ممنوع عندنا، و تحقيقها مع إبطالها موكول إلى بحث مقدّمة الواجب، و سوف تأتي في هذا البحث - إن شاء اللّه - الإشارة إلى بعض نكاتها.

ثم بعد تسليم مباني هذا الوجه يرد عليه: أنّه إن أريد بهذا الانحلال الانحلال الحقيقيّ، فشرطه أن يتعلّق العلم التفصيليّ بأحد طرفي العلم الإجمالي، كما لو علم إجمالا بنجاسة أحد الإناءين، ثم علم بنجاسة الشرقي منهما، و هنا لم يتعلّق العلم التفصيليّ بأحد طرفي العلم الإجمالي، فإنّ طرفي العلم الإجمالي عبارة عن الوجوب النفسيّ للأقلّ، و الوجوب النفسيّ للأكثر، و العلم التفصيليّ تعلّق بالجامع بين أحد طرفي العلم الإجمالي، و هو الوجوب النفسيّ للأقلّ، و عنصر ثالث غريب، و هو الوجوب الغيري له.

و إن أريد به الانحلال الحكمي فهو موقوف على فرض منجّز ينجّز الأقلّ،


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة308/الجزء الرابع

 

حتى يقال بالانحلال الحكمي، إمّا من باب عدم جريان الأصل فيه، و بقاء الأصل في الطرف الآخر سليما عن المعارض، أو من باب أنّ المنجّز لا يتنجّز مرة أخرى، فيسقط العلم الإجمالي عن التأثير، على ما يقوله المحقّق العراقي، لكن هنا لم يتعلّق منجّز بالأقلّ، لأنّ الوجوب الغيري لا يقبل التنجيز، فلا مجال هنا لدعوى الانحلال الحكمي بكلا مبنييه.

هذا هو الّذي ينبغي أن يقال في إبطال هذا الانحلال، لا ما أفاده المحقّق العراقي في المقام»«، فقد قال المحقّق العراقي رحمه اللّه هنا بعد ذكر دعوى انحلال العلم الإجمالي بوجوب الأقلّ أو الأكثر بالعلم التفصيليّ بوجوب الأقلّ نفسيّا أو غيريّا: إنّ هذا الانحلال غير صحيح، لأنّ هذا العلم التفصيليّ معلول للعلم الإجمالي، فلا ينحلّ العمل الإجمالي به، لأنّه أسبق رتبة منه.

فإن كان مراده بهذا الكلام إبطال الانحلال الحقيقي بدعوى أنّ تأخّر العلم التفصيليّ رتبة يمنع عن انحلال العلم الإجمالي به، ففيه ما عرفت من أنّ هذا العلم التفصيليّ بنفسه لا يقتضي انحلال العلم الإجمالي، لأنّه لم يتعلّق بأحد طرفيه.

و إن كان مراده بذلك إبطال الانحلال الحكمي، فإن قصد به: أنّ الحكم التفصيليّ معلول للعلم الإجمالي، فيستحيل أن يحلّه، لأنّ المعلول لا يحلّ علّته، و لا يفنيه و إلاّ لأفنى نفسه، و رد عليه: أنّ العلم التفصيليّ معلول لذات العلم الإجمالي، و ليس المفروض انحلال ذات العلم الإجمالي، و إنّما المفروض انحلال أثره، لأنّ الكلام في الانحلال الحكمي لا الحقيقي.

و إن قصد به: أنّ العلم الإجمالي أسبق رتبة من العلم التفصيليّ، فقد أثّر أثره في المرتبة السابقة، فالأقلّ قد تلقّى التنجيز في المرتبة السابقة من العلم الإجمالي، فيستحيل أن يتنجّز بالعلم التفصيليّ، حتى ينحلّ بذلك العلم الإجمالي، لقاعدة: أنّ المنجّز لا يتنجّز، - و هذا الوجه هو الوجه المذكور في نهاية الأفكار - و رد عليه: أنّ العلم التفصيليّ و إن كان متأخّرا رتبة عن العلم الإجمالي، لكنّه ليس متأخّرا رتبة عن أثره، و هو التنجيز، بل هما معلولان لعلّة واحدة، و هي: العلم الإجمالي، فلا يصبح أثر العلم التفصيليّ متأخّرا عن أثر العلم الإجمالي، لعدم صحّة قانون: أنّ ما مع المتقدّم


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة309/الجزء الرابع

 

متقدّم. و عليه فحال العلم التفصيليّ و الإجمالي هنا حال العلم التفصيليّ و الإجمالي في سائر الموارد. و المفروض عنده قدّس سرّه في ذلك هو سقوط العلم الإجمالي عن التأثير.

فالصحيح في إبطال الانحلال بهذا التقريب هو ما ذكرناه.

الوجه الثاني: إثبات الانحلال من دون إدخال عنصر ثالث في المقام، و ذلك بأن يقال: إنّ الأقلّ قد تعلّق به الوجوب حتما سواء كان هو الواجب مستقلا، أم كان الوجوب عارضا عليه مع زيادة، فعلى كلّ تقدير علمنا بعروض الوجوب عليه، و إنّما الشكّ في أنّه هل امتدّ الوجوب إلى الجزء الزائد، أو لا؟، و هذا شكّ بدويّ تجري فيه البراءة.

و من يريد إنكار هذا الانحلال لا بدّ له - كما عرفت - من إرجاع الأقلّ و الأكثر إلى المتباينين، و إبراز عنصر التباين فيه، إذ لو تمّ هذا الثوب الّذي ألبسه صاحب القول بالانحلال، و هو: ثوب الأقلّيّة و الأكثريّة، فلا إشكال في الانحلال.

 

إبراز عنصر التباين

و لإبراز عنصر التباين في المقام اتجاهان:

  الأوّل: هو فرض المقابلة بالتباين بين الوجوبين بلحاظ ما لهما من الحدّ.

و الثاني: هو فرض التباين بلحاظ ذات متعلّقي الوجوب، و هما: الأقلّ على إطلاقه، و الأقلّ في ضمن الأكثر.

أمّا الاتجاه الأوّل فحاصله: أنّ الفعل بحدّه الواقف على الجزء التاسع مثلا مباين لا محالة للفعل بحدّه الممتدّ إلى الجزء العاشر، و التباين في الحدّ كاف في تباين الوجوبين.

و يرد عليه: أنّه هل المقصود هو النّظر إلى حدّ ذات الفعل بما هو في المرتبة السابقة على الوجوب؟ أو المقصود هو حدّ الفعل بما هو معروض للوجوب؟ أو قل: حدّ نفس الوجوب؟.

فإن كان المقصود هو الأوّل، فلا إشكال في أنّه إذا علم بعروض الوجوب إمّا على الفعل بحدّه المفروض في المرتبة السابقة وقوفه على الجزء التاسع، أو عليه بحدّه الممتدّ إلى الجزء العاشر، فهذا علم بأحد المتباينين، لكن هذا يعني دوران أمر الجزء العاشر بين الجزئيّة و المانعيّة، فيكون خروجا عمّا نحن فيه.


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة310/الجزء الرابع

 

و إن كان المقصود الثاني، فلا إشكال في أنّ وجوب الأقلّ المحدود بحدّ وقوفه على المقدار الأقلّ، و الوجوب الممتدّ إلى الجزء الزائد متباينان بما لهما من الحدّين المتباينين، و قد تعلّق بذلك العلم الإجمالي، إلاّ أنّ هذا التباين إنّما هو بلحاظ الحدّ، و حدّ وجوب الأقلّ الّذي يعني الوقوف على الجزء التاسع و عدم تعدّيه إلى الجزء العاشر لا يدخل في العهدة، و ليس له امتثال، و إنّما الّذي يدخل فيها و يتطلّب الامتثال هو ذات الوجوب، و حينما نلحظ ذات الوجوب بقطع النّظر عن حدّه لا نرى وجوبين متباينين، بل نعلم بعروض الوجوب على الأقلّ، و نشكّ في انبساطه على الزائد، و إنّما التردّد بين المتباينين في النّفس يكون في مرتبة الحدّ غير الواجب امتثاله.

و ممّا ذكرنا ظهر وجه الخلل - فيما مضى من التصوير البدائي لإرجاع الأمر إلى المتباينين - من أنّ الوجوب الارتباطي وجوب واحد، و الوحدة تساوق التباين، فإنّه إن لاحظنا الحدّ في المقام صحّ ذلك، إلاّ أنّ الحدّ غير واجب الامتثال، و إنّما الّذي يجب امتثاله ذات المحدود، و في مرتبة ذات المحدود ملغيّا عنه الحدّ لا يرى وجوبان حتى يقال: إنّ الوحدة تساوق التباين، بل يرى أنّ الوجوب عرض على الأقلّ، و يشكّ في امتداده على الزائد و عدمه.

و أمّا الاتجاه الثاني: فحاصله أنّنا و إن علمنا تفصيلا بوجوب الأقلّ استقلالا أو ضمنا، لكنّ الأقلّ المعروض للوجوب استقلالا غير الأقلّ المعروض للوجوب ضمنا.

و لتكن الآن صياغة بيان ذلك: هي أنّ المعروض للوجوب الاستقلالي هو الأقلّ بإطلاقه و بلا قيد، و المعروض للوجوب الضمني هو حصّة خاصّة من الأقلّ، و هي الحصّة المقيّدة بالاقتران بالزائد على ما هو شأن أجزاء الواجب الارتباطي، و المطلق مع المقيّد متباينان.

و توضيح حال هذا الاتجاه يتطلّب منّا الحديث عن أصل حقيقة الواجب الارتباطي فنقول:

 

تصوير حقيقة الواجب الارتباطي

إنّ في حقيقة الواجب الارتباطي تصويرات ثلاثة:

التصوير   الأوّل: ما يناسب صياغة البيان المذكور آنفا في إبراز عنصر التباين من


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة311/الجزء الرابع

 

أنّ الوجوب الارتباطي يتعلّق بالأجزاء، مع فرض أنّ كلّ جزء جزء في نفسه، و شرط لغيره من الأجزاء، و أنّ كلّ واحد منها مقيّدا بالباقي واجب.

و لا يرد على هذا استلزامه للدور، لكون الشرط مقدّما رتبة على المشروط، فيلزم تقدّم كلّ من الجزءين على الآخر.

فإنّ الجواب عن ذلك: هو أنّ الشرط له معنيان:

أحدهما: ما يتوقّف عليه الشي‏ء، كالصعود على الدرج بالنسبة لكون على السطح، و الشرطيّة بهذا المعنى هي التي لا يمكن أن تكون من الطرفين للزوم الدور.

و ثانيهما: ما قيّد به الشي‏ء و حصّص به، و الشرطيّة بهذا المعنى من الطرفين لا تستلزم الدور، إذ ليست ذات كلّ من الركوع و السجود مثلا متوقّفة على الآخر، و إنّما تكون نسبة كلّ منهما للآخر، و مقارنته له متوقّفة عليه، فيختلف المتوقّف على المتوقّف عليه.

إلاّ أنّ الكلام يقع فيما هو الدليل على دعوى أخذ كلّ واحد من الأجزاء مقيّدا بالباقي، و الدليل على ذلك يكون أحد أمرين:

الأمر   الأوّل: أنّ الوجوب الارتباطي بما أنّه وجوب واحد يستحيل تعلّقه بالمتكثّر بما هو متكثّر، فلا بدّ من فرض وحدة في متعلّقه، و توحيد هذه الأجزاء يكون بتقييد كلّ منها بالباقي، فهذا التقييد المتقابل يكون قضاء لحقّ وحدة الوجوب.

و الواقع: أنّ استحالة تعلّق الوجوب الواحد بالمتكثّر بما هو متكثّر، و إن كان أصلا بديهيا عندنا - رغم مخالفة المحقّق العراقيّ رحمه اللّه فيه كما سيأتي إن شاء اللّه - لكنّ هذا لا يفيد شيئا في المقام، لأنّ هذه التقييدات المتبادلة لا توحّد تلك الأمور المتكثّرة، غاية الأمر أنّه بغضّ النّظر عن التقييد تكون تلك الأمور ذوات أجزاء متكثّرة، و بالنظر إلى التقييد تكون مقيّدات متكثرة، و هذا لا يقتضي حقّ وحدة الوجوب، و الشاهد على ذلك أنّه يمكن فرض هذه التقييدات المتبادلة بين واجبات مستقلّة، فمثلا: يشترط في صحّة صلاة العصر إيقاعها بعد صلاة الظهر، و يمكن فرض اشتراط صحّة صلاة الظهر - أيضا - بإيقاع صلاة العصر بعدها، من دون أن يلزم من ذلك كونهما واجبا واحدا و متعلّقا لوجوب واحد.

و الخلاصة: أنّه يمكن فرض غرضين مستقلّين في أمرين مع افتراض أنّ كلّ واحد من الغرضين لا يحصل إلاّ بحصّة من أحد الأمرين مقارنة للآخر، و عندئذ يتحقّق لا محالة وجوبان مستقلاّن لهما امتثالان و عصيانان، و فاعلهما يثاب بثوابين،


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة312/الجزء الرابع

 

و تاركهما يستحق عقابين، مع أنّ كلّ واحد منهما مشروط بالآخر، و لم يخلق هذا الاشتراط توحّدا فيما بينهما.

فالتقييدات المتبادلة لا توحّد الكثير، بل نفس التقييد يستدعي التكثّر و التعدّد، حتّى يكون بعضها قيدا لبعض الأمر الثاني: أنّه لا إشكال في أنّ المكلّف لو أتى ببعض أجزاء الواجب الارتباطي دون البعض لم يكن ما أتى به متّصفا بالمطلوبيّة و الوجوب، و إلاّ لكان واجبا مستقلاّ، و عليه نقول: إنّ كلّ جزء من الأجزاء هل هو مقيّد بالباقي، أو مطلق من ناحية الباقي، إذ يستحيل الإهمال؟ فإن فرض الإطلاق لزم اتّصاف الجزء بالمطلوبيّة في كلتا حالتيه، أي: حالة انضمامه إلى الباقي و حالة انفراده عنه، و هذا خلف ما عرفت. و إن فرض التقييد فهو المطلوب.

و يرد عليه: أنّ هذا البرهان إنّما ينسجم مع القول بكون الإطلاق عبارة عن لحاظ السريان و عدم القيد، فعندئذ يكون إطلاق الركوع مثلا عبارة عن لحاظ سريان وجوبه للحصّة المنضمّة إلى الباقي، و للحصّة المنفردة، و هذا خلف ما فرضناه من أنّ المكلّف لو اقتصر على بعض الأجزاء لما كان ذاك البعض مطلوبا، و إلاّ لكان واجبا مستقلاّ.

لكن الصحيح في باب الإطلاق: أنّه عبارة عن مجرّد عدم لحاظ القيد، و عليه فبالإمكان أن نلتزم هنا بالإطلاق، و نقول مع ذلك: إنّ كلّ واحد من الأجزاء غير متّصف بالمطلوبيّة و الوجوب في حالة انفراده عن الباقي، لا لعدم الإطلاق في الموضوع، بل لعدم قابليّة المحمول، و هو الوجوب الضمني لهذا الانبساط، لكونه جزءا من وجوب وحداني ثابت على المجموع، و مشدودا ظهره بسائر الوجوبات الضمنيّة.

فتحصّل: أنّ كون الوجوب ارتباطيّا لا يقتضي بوجه من الوجوه تقيّد الأجزاء بعضها ببعض. نعم، نحن لا ننكر إمكان تقيّد بعضها ببعض، لعدم استلزام ذلك للدور كما عرفت، لكن هذا الأمر الممكن ثبوتا يتبع دلالة دليل ذلك الواجب عليه إثباتا، فإن دلّ عليه دليله، فهو أمر ثابت لذلك الواجب الارتباطي صدفة، من دون أن يكون دخيلا في صميم ارتباطيّة الوجوب.

التصوير الثاني: أنّ أجزاء الواجب الارتباطي متوحّدة فيما بينها بوحدة متأخّرة رتبة عن عروض الوجوب، و ليست فيما بينها وحدة معروضة للوجوب،


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة313/الجزء الرابع

 

و لعلّ هذا ممّا امتاز به المحقّق العراقيّ رحمه اللّه»«. و بيانه: أنّ وحدة الوجوب و تعدّده إنّما تتبع وحدة الملاك و تعدّده، لا وحدة معروضه و تكثّره.

نعم، لا إشكال في أنّ وحدة الوجوب تستلزم وحدة الواجب، لكن ليست هذه الوحدة مأخوذة في معروض الوجوب. و توضيح ذلك: أنّ الشي‏ء المتكثّر بذاته قد يصبح واحدا بوحدة عرضيّة ناشئة من وحدة ما عرض عليه، فمثلا: اللحاظ الواحد إذا طرأ على أمور متكثّرة حصلت لها وحدة عرضيّة بلحاظ وحدة ما عرض عليها من اللحاظ، و كذلك الشوق الواحد و الملاك الواحد و نحو ذلك. و الواجب الارتباطي لا إشكال في أنّه بذاته عبارة عن أمور متكثّرة، لكن قد عرضت عليه توحّدات باعتبار وحدة جملة من عوارضها كاللحاظ و الوجوب و الملاك، و هذه الوحدات يستحيل أخذها في معروض الوجوب، أمّا الوحدة الناشئة من وحدة الوجوب، فهي في طول الوجوب، فلا يعقل أخذها في متعلّقه، و أمّا الوحدة الناشئة من وحدة الملاك، فهي و إن لم تكن في طول الوجوب، لكن الوجوب تابع للملاك، فيتعلّق بما يتعلّق به الملاك، و من المعلوم أنّ تلك الوحدة غير دخيلة في متعلّق الملاك و معروضه، لأنّها في طول الملاك، و كذلك أيّ وحدة أخرى تفرض في المقام كوحدة اللحاظ، فبما أنّها غير مربوطة بمعروض الملاك لا تؤخذ في معروض الوجوب، لأنّ الوجوب يعرض على ما يعرض عليه الملاك.

فقد تحصّل: أنّ معروض الوجوب هو الشي‏ء المتكثّر بما هو متكثّر. و أمّا الوجه في وحدة هذا الوجوب، فهو وحدة الملاك، فإنّ الوجوب يستمدّ وحدته من وحدة الملاك، و إن فرض تكثّر ما عرض عليه الوجوب.

ثمّ إنّه يرد على هذا التصوير: أنّ العارض و المعروض لا بدّ أن يكونا في ظرف العروض متسانخين في الوحدة و التكثّر، فلو كان المعروض في ظرف العروض متكثّرا يكون العارض متكثّرا لا محالة، و يدلّ على ذلك أمران:

الأمر   الأوّل: أنّ روح الوجوب و الحبّ و الإرادة - و هي من قبيل العلم - من الصفات الحقيقيّة النفسيّة ذات الإضافة، أي: أنّ هذه الأعراض مضافا إلى إضافتها لمحلّها - و هي النّفس - لها إضافة إلى شي‏ء آخر كإضافة العلم إلى المعلوم، و هذه الإضافة داخلة في صميم ذاتها، و لا معنى لتصوير حقيقة العلم مثلا مستقلاّ و منحازا


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة314/الجزء الرابع

 

عن تصوير الإضافة. و بهذا يظهر أنّ المعلوم الخارجي هو معلوم بالعرض و المجاز، و لذا قد لا يكون ثابتا في الخارج، و يكون العلم خطأ، و معه ينفصل في الوجود عن العلم رغم أنّ إضافته إلى المعلوم داخلة في صميم ذاته، فلا بدّ من التفتيش عن معلوم آخر ألصق منه بالعلم، و لا ينفك عنه في صورتي الصواب و الخطأ معا، و ذلك هو المعلوم بالذات، و هي الصورة الذهنيّة.

كما يتبرهن بذلك: أنّ تعدّد العلم و المعلوم بالذات إنّما يكون بالتحليل العقلي، و يكون كلاهما موجودا في الخارج بوجود واحد، و ليسا موجودين بوجودين شدّ أحدهما بالآخر بخيط الإضافة - كما يقال بذلك في نسبة سائر الأعراض إلى محلها، و إن كان الصحيح أنّ العرض و المحلّ فيها - أيضا - متّحدان وجودا، و أنّ العرض شأن من شئون المعروض - إذ لو كان الأمر كذلك، لأمكن إفراز العلم بحسب التحليل التصوّري، و تصوّره منحازا عن إضافته إلى معلوله، و لم تكن الإضافة داخلة في صميم ذاته، في حين أنّه ليس الأمر كذلك، و كذا الحال في جميع الصفات الحقيقيّة النفسيّة ذات الإضافة كالحبّ و الإرادة، فإذا ظهر اتّحاد الحبّ و المحبوب بالذات ظهر أنّ تكثّر المحبوب يستدعي - لا محالة - تكثّر الحبّ، و لا معنى لتكثّر أحدهما و وحدة الآخر، لأنّهما موجودان بوجود واحد.

نعم، ما تبرهن بذلك أنّما هو وحدة المحبوب النفسيّ الموجود في عالم الذهن عند وحدة الحبّ، دون وحدة المحبوب بالعرض الخارجي، و هذا معنى ما قلناه من أنّ العارض و المعروض في ظرف العروض يجب أن يكونا متسانخين في الوحدة و التكثّر، فلو أريد من فرض تكثّر المحبوب رغم وحدة الحبّ تكثّر أجزائه الخارجيّة، و في ظرف الخارج، فهذا ليس هو محلّ الكلام، أي: لم يتوهّم أيّ عاقل توحّد أجزاء الصلاة مثلا خارجا، و لا إشكال في أنّها تشتمل على أشياء كثيرة و ماهيّات مختلفة، فالمقصود إنّما هو البحث عن المعروض بالذات للحبّ دون المعروض بالعرض، و قد عرفت أنّه متسانخ حتما مع الحبّ وحدة و تكثّرا.

الأمر الثاني: لو غضضنا النّظر عن وحدة العارض و المعروض فأيضا لا محيص عن الالتزام بأنّ تكثّر المعروض يستلزم تكثّر العارض، و ذلك لأنّه إذا عرض عارض على عدّة أمور فإن فرض أنّ ذلك العارض بتمامه عرض على هذا الأمر، و بتمامه عرض على ذاك الأمر، و هكذا، إذن فهذا العارض لم يعرض بوحدته على أمور متكثّرة بما هي متكثّرة، بل عرض على كلّ واحد من هذه الأمور مستقلاّ، و كان


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة315/الجزء الرابع

 

المعروض أمرا واحدا لا متكثّرا، و إن فرض أنّ ذلك العارض لم يعرض بتمامه على كلّ واحد من هذه الأمور مستقلاّ، بل انبسط على تمام هذه الأمور، و عرض على الكلّ المتكثّر بما هو متكثّر، فلا محالة يأخذ - عندئذ - كلّ أمر من هذه الأمور المتشتّتة و المستقلّة قطعة خاصّة به من ذاك العارض بالاستقلال، و يصبح العارض في المقام عدّة وجودات عرضيّة مستقلّة و متشتّتة.

التصوير الثالث: أنّ معروض الوجوب الارتباطي بالذات عنوان وحدانيّ ذهنيّ. و توضيح ذلك: أنّه قد مضى منّا في بعض الأبحاث السابقة: أنّ العناوين على قسمين، فبعضها تستورده النّفس من الخارج، كعنوان الإنسان الّذي تستورده النّفس من الخارج عن طريق أخذ الصورة الذهنيّة من الأفراد، و تقشيرها للخصوصيّات الفرديّة و المائزة بين الأشخاص، و بعضها تصنعه النّفس في معملها الخاصّ و تخيّطه و تلبسه الخارج، كعنوان (أحدهما) المنصبّ عليه العلم الإجمالي. و من هذا القبيل عنوان (المجموع) و (الكلّ)، و عليه نقول: إذا وجد لأحد غرض واحد لا يتحقّق إلاّ بمجموع أمور بحيث لو ترك أيّ فرد من تلك الأمور لا ينفعه الباقي في غرضه أصلا، فلا محالة ينقدح في نفسه حبّ واحد و شوق واحد، و بما أنّ هذا الحبّ و الشوق الواحد يجب أن يعرض في ظرف عروضه - و هو الذهن - على شي‏ء واحد - كما مضى -، فلا محالة تضطرّ النّفس إلى اصطناع عنوان المجموع، و إلباسه على ما في الخارج، ليعرض الحبّ عليه. نعم، ما في الخارج متكثّر، لكنّه في غير ظرف العروض فلا بأس بتكثّره.

إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى أصل المطلب، لنرى أنّه هل ينجح الاتّجاه الثاني لإبراز عنصر التباين بين الأقلّ و الأكثر الارتباطيين بدعوى أنّ الأقلّ المعروض عليه الوجوب الضمني غير الأقلّ المعروض عليه الوجوب الاستقلالي، أو لا؟ فنقول: أمّا على النظريّة الثانية القائلة بعروض الوجوب الواحد على الكثير بما هو كثير، فعدم نجاح هذا الاتجاه واضح، إذ الأقلّ بنفسه موجود في ضمن الأكثر، و إنّما الشكّ في أنّ الوجوب هل عرض على الأقلّ فقط، أو عرض على الزائد أيضا، بأن كان ذاك الأقلّ مع هذا الزائد بما هما متكثّران معروضا للوجوب؟.

و أمّا على النظريّة الأولى - و هي النظريّة القائلة بتقييد كلّ جزء بسائر الأجزاء - فقد يتوهّم نجاح هذا الاتجاه، إذ الأمر دائر بين وجوب الأقلّ المقيّد بالزائد، و وجوب مطلق الأقلّ، و كذلك الحال على النظريّة الثالثة - القائلة بعروض الوجوب


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة316/الجزء الرابع

 

على عنوان المجموع الّذي هو عنوان وحدانيّ تخيطه النّفس، و تلبسه الخارج - إذ الأمر دائر بين وجوب هذا المجموع، أو ذاك المجموع، و هذان عنوانان متباينان، و ثوبان مخيطان من قبل النّفس متعدّدان، و مختلفان بالسعة و الضيق.

لكنّ الصحيح: عدم نجاح هذا الاتجاه على هاتين النظريتين أيضا.

أمّا بناء على النظريّة الأولى القائلة بأنّ الأقلّ المعروض للوجوب الضمني يختلف عن الأقلّ المعروض للوجوب الاستقلالي بالإطلاق و التقييد. فإن قلنا: إنّ الإطلاق أمر عدمي، و ليس شيئا وراء عدم التقييد، فمن المعلوم أنّه لا يمكن فرض التباين بين الطرفين بمجرّد الإطلاق و التقييد بوجه من الوجوه، فإنّ الأقلّ المقيّد المعروض للوجوب الضمني هو عين الأقلّ المطلق المعروض للوجوب الاستقلالي، مع إضافة لحاظ التقييد في المقام، و هذه الإضافة غير موجودة في جانب الوجوب الضمني، لا أنّه وجدت مكانها إضافة أخرى.

و إن قلنا: إنّ الإطلاق أمر وجودي، و هو لحاظ عدم القيد فهنا يتحقّق التباين بحسب ما هو معروض الوجوب في عالم ذهن المولى، لأنّ المطلق - و هو الملحوظ بوجوده السعي الشامل بما هو كذلك - غير المقيّد، فهما أمران وجوديان متباينان، لكنّ العلم الإجمالي الدائر بين المتباينين بهذا النحو لا يفيد الأصولي شيئا، كما يظهر ذلك بذكر مقدّمة:

و هي أنّنا و إن قلنا: إنّ المعروض بالذات للوجوب هي الصورة الذهنيّة، لكنّها ليست هي الملقاة على عاتق المكلّف مولويّا بما هي صورة ذهنيّة، إذ ليس المطلوب أن يوجد العبد تلك الصورة الذهنيّة في ذهن المولى، و ليس ذلك تحت قدرة العبد، على أنّ ذلك تحصيل للحاصل، فإنّ المولى حين الإيجاب قد وجدت في ذهنه تلك الصورة، و إنّما عرض الوجوب على تلك الصورة بما هي مرآة و حاكية، فما يكون في عهدة المكلّف مولويّا إنّما هو محكيّ هذه الصورة.

فإذا عرفت هذه المقدّمة قلنا: إنّه لو دار الأمر بين المتباينين بلحاظ محكيّ الصورة و ذيها - الّذي هو في عهدة المكلّف مولويّا - لتسجّل على العبد وجوب الاحتياط حتما. و أمّا إذا كان هذا الدوران بلحاظ عالم الصورة الذهنيّة للمولى، فلا يقتضي ذلك وجوب الاحتياط، إذ ليست تلك الصورة في عهدة المكلّف مولويّا، و الأمر فيما نحن فيه من هذا القبيل، و ذلك لأنّ التقييد الثابت في عالم الصور الذهنيّة للمولى و إن كان له ما بإزاء في محكيّ الصورة، لكنّ الإطلاق الثابت في عالم الصور


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة317/الجزء الرابع

 

الذهنيّة له ليس له ما بإزاء في محكيّ الصورة، و إنّما شغله عبارة عن أن يجعل الصورة أوسع انطباقا و حكاية على ما في الخارج، فتنطبق على عدّة فروض لم تكن تنطبق لو لا الإطلاق، إلاّ على بعضها.

و أمّا إذا بنينا على النظريّة الثالثة القائلة بعروض الوجوب على أحد عنواني المجموع، و هما عنوانان متباينان، و يختلفان بالسعة و الضيق، فقد تبيّن الحال على هذه النظريّة ممّا ذكرناه، فإنّ الّذي يقع في عهدة المكلّف مولويّا - كما اتّضح - إنّما هو المعنون و المحكيّ، لا العنوان و الصورة، و هو مردّد بين الأقلّ و الأكثر لا بين المتباينين.

و قد اتّضح بكلّ ما ذكرناه: أنّ كلتا المحاولتين لإبراز عنصر التباين بين الأقلّ و الأكثر غير ناجحتين في المقام، و هما: إبراز التباين بلحاظ حدّ الوجوب، و إبرازه بلحاظ متعلّق الوجوب، و هو الأقلّ الواجب ضمنا مع الأقلّ الواجب استقلالا، و قد عرفت أنّ حدّ الوجوب لا يقع على عاتق العبد، و كذلك الصورة الذهنيّة للمولى لا تقع بما هي صورة ذهنيّة على عاتق العبد.

و بهذا يظهر: أنّ من ادّعى الانحلال الحقيقي في المقام، إن أراد به الانحلال الحقيقي بلحاظ ما في عهدة المكلّف مولويّا، فهو صحيح. و إن أراد الانحلال الحقيقي بلحاظ تمام عالم التكوين، فهو غير صحيح، و من ادّعى الانحلال الحكمي كالسيّد الأستاذ»« الّذي قال: إنّ العلم الإجمالي منحلّ حكما، لجريان الأصل في نفي الزائد من دون معارض. يقال له: إنّه لو سلّم ثبوت العلم الإجمالي حقيقة المردّد بين المتباينين بلحاظ ما في عهدة المكلّف مولويّا، فلا مجال للانحلال الحكميّ، و يكون الأصل النافي لأحد المتباينين معارضا للأصل النافي للآخر، و لا بدّ من الاحتياط لا محالة، و لو لم يسلّم ذلك، و رأى أنّ التباين غير ثابت بلحاظ ما في عهدة المكلّف، و إن قلنا بثبوته في الجملة في عالم التكوين، فهذا الانحلال لا بدّ من الاعتراف به حتّى على قول من لا يؤمن أساسا بالانحلالات الحكميّة، فإنّه بعد فرض عدم الدوران بين المتباينين بلحاظ ما في عهدة المكلّف مولويّا لا وجه للزوم الاحتياط.


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة318/الجزء الرابع

 

2 - العلم التفصيليّ بوجوب الأقلّ

المانع الثاني: العلم التفصيليّ بوجوب الأقلّ استقلالا أو ضمنا، و تقريب المانعيّة: أنّه لنسلّم أنّ العلم الإجمالي بوجوب الأقلّ أو الأكثر انحلّ بالعلم التفصيليّ بوجوب الأقلّ استقلالا أو ضمنا، لكنّ نفس هذا العلم التفصيليّ يقين بالاشتغال، و يستدعي اليقين بالفراغ، و لو اختصرنا على الإتيان بالأقلّ لم نجزم بسقوط التكليف بالأقلّ، لأنّه و إن كنا نعلم بسقوطه على تقدير كونه تكليفا مستقلاّ، و لكنّه على تقدير كونه تكليفا ضمنيّا لا يسقط إلاّ بالإتيان بالأكثر، فلأجل حصول الجزم بسقوط التكليف بالأقلّ لا بدّ من الإتيان بالأكثر. و لعلّ أوّل من ذكر هذا الوجه هو صاحب الفصول رحمه اللّه.

و يرد عليه:

أوّلا: أنّ سقوط التكليف بالأقلّ بمعناه الحقيقي غير ممكن حتّى بإتيان الأكثر، و بمعنى سقوط فاعليّة التكليف حاصل بنفس الإتيان بالأقلّ، بلا حاجة إلى الإتيان بالزيادة.

و توضيح المقصود: أنّه تارة يفترض أنّ المقصود بسقوط التكليف هو معناه الحقيقي الّذي يكون إمّا بمعنى سقوط الجعل، أو بمعنى سقوط المجعول. فلو أريد بذلك سقوط الجعل، فإنّه لا يكون إلاّ بمعنى النسخ الحقيقي و البداء المستحيل على اللّه تعالى، و لو أريد سقوط المجعول و فعليّة التكليف، فهو لا يكون إلاّ بانتفاء موضوعه، أو أحد أجزاء موضوعه أو قيوده، و معلوم أنّ الامتثال لا يحقّق سقوط التكليف بشي‏ء من المعنيين.

أمّا   الأوّل: فواضح، فإنّ امتثال التكليف لا يوجب حصول البداء للمولى و نسخ الوجوب.

و أمّا الثاني: فكيفيّة تصويره في المقام: هو أن يفترض أنّ أحد قيود موضوع الوجوب هو عدم إتيان العبد بمتعلّقه، فلو أتى العبد بمتعلّقه سقطت فعليّة التكليف، لانتفاء موضوعه بالإتيان، و لكن من الواضح أنّ أخذ قيد في موضوع الوجوب ليس أمرا جزافا، و إنّما هو باعتبار دخله في محبوبيّة الفعل و مصلحته، و من المعلوم أنّ عدم الامتثال ليس دخيلا في ذلك، فما صدر من العبد في مقام الامتثال يكون محبوبا للمولى و ذا مصلحة حتّى بعد صدوره. نعم، قد لا يكون تكرار العمل و الإتيان بفرد ثان للمتعلّق محبوبا و ذا مصلحة، و لكن هذا مطلب آخر، فإنّ وجوب فرد ثان


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة319/الجزء الرابع

 

عليه تكليف آخر غير التكليف السابق، قد يكون و قد لا يكون، و هذا غير مسألة سقوط التكليف السابق. نعم، الشي‏ء الّذي تحقّق بالامتثال: هو أنّ المصلحة قد استوفيت، و المطلوب قد تحقّق، و التكليف قد استنفد مقتضاه من التحريك و الفاعليّة، فانتهت فاعليّته، و هذا غير سقوط المطلوبيّة و عدم المصلحة، و يزداد وضوح ذلك بقياس الإرادة التشريعيّة بالإرادة التكوينيّة، فالعطشان المريد للماء إذا شرب الماء و زال عطشه قد استوفى مراده و مصلحته، و ليس ما فعله من شرب الماء قد خرج عن المطلوبيّة و الاتّصاف بالمصلحة. نعم، بعد صدور ما أراده من الشرب قد سقطت محبوبيّة الشرب و مطلوبيّته عن الفاعليّة و المحرّكيّة، لفرض حصول محبوبه، و كذلك الحال في الإرادة التشريعيّة، فالتكليف بالحجّ مثلا لا يسقط بنفسه بإتيان العبد بالحجّ، و إنّما تسقط بذلك فاعليّته و محركيّته. إذن فسقوط التكليف بمعناه الحقيقي لا يحصل حتّى بالإتيان بالأكثر، فلا معنى لفرض إيجاب الاحتياط بالإتيان بالأكثر لتحصيل الجزم بسقوط التكليف.

و أخرى يفترض أنّ المقصود بسقوط التكليف هو سقوط فاعليّته و محرّكيّته فيقال: إنّ وجوب الأقلّ إن كان استقلاليّا فقد سقطت فاعليّته بالإتيان بالأقلّ، و أمّا إن كان ضمنيّا فالإتيان بالأقلّ ليس مسقطا لفاعليته، و هذا هو معنى الشكّ في الفراغ.

و يرد على هذا: أنّ فاعليّة التكليف باتجاه الأقلّ حتّى إذا كان ضمنيّا قد سقطت بالإتيان، إذ بعد الإتيان بالأقلّ لا يعقل تحريك وجوبه الضمني نحو الإتيان به، أو نحو سدّ باب العدم من قبل الأقلّ، لأنّ المفروض حصول ذلك. نعم، تحتمل فاعليّة التكليف حتّى بعد الإتيان بالأقلّ بلحاظ الزائد، لكن احتمال ذلك يكون ناشئا من احتمال انبساط التكليف على الجزء الزائد، فتجري البراءة.

و ثانيا: أنّنا لو سلّمنا أنّ سقوط التكليف الضمني بالمعنى الحقيقي للكلمة يحصل بامتثال ما هو في ضمنه من التكليف الاستقلالي، و لا يحصل بالاقتصار على الإتيان بمتعلّقه، و هو الأقلّ، قلنا - كما أفاده السيّد الأستاذ»« و غيره من المحقّقين -:

إنّ الواجب عقلا على المكلّف ليس هو عنوان إسقاط التكليف عند تماميّة شرائط تنجيزه، و إنّما الواجب عليه عقلا هو الإتيان بمتعلّق التكليف المنجّز، ففي مورد يفترض سقوط التكليف ملازما للإتيان بمتعلّق التكليف يحصل لا محالة ذلك


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة320/الجزء الرابع

 

بالإتيان بمتعلّق التكليف، و في مورد يفترض عدم ملازمته إيّاه يكفينا الإتيان بمتعلّق التكليف المنجّز، و لا حاجة لنا إلى إحراز سقوط التكليف، و المفروض في المقام: أنّ العلم الإجمالي بوجوب الأقلّ أو الأكثر ليس منجّزا، لانحلاله بالعلم التفصيليّ بوجوب الأقلّ، إمّا ضمنا أو استقلالا، فالشي‏ء المنجّز إنّما هو الأقلّ الّذي قد تنجّز بالعلم التفصيليّ بوجوبه الضمني أو الاستقلالي، و المفروض أنّنا قد أتينا بهذا المتعلّق للتكليف، و عملنا بالوجوب بالمقدار الّذي تنجّز، فلنكن غير محرزين لعنوان سقوط التكليف، و أيّ ضرر في ذلك؟.

إن قلت: إنّنا لا نتكلّم عن عنوان إسقاط التكليف، و إنّما نتكلّم عن قبح مخالفة تكليف المولى و حسن امتثاله، و نقول: لا بدّ من تحصيل الجزم بالامتثال، و عدم مخالفة التكليف المعلوم، و الوجوب الضمني بما أنّه مندكّ ضمن الوجوب الاستقلالي و جزء منه، و ليس له وجود مستقلّ، كذلك يكون لا محالة امتثاله بامتثال الوجوب الاستقلالي و مندكّا فيه، و مخالفته بمخالفته، و عليه فلو كان الأقلّ واجبا ضمنيّا و قد ترك الزائد، فقد خالف ذلك الوجوب الضمني، لأنّه خالف الوجوب الاستقلالي، و بما أنّه يحتمل كون وجوب الأقلّ ضمنيّا، فهو يحتمل مخالفة هذا الوجوب بترك الزائد، و لا بدّ من الجزم بترك المخالفة.

قلت بعد غضّ النّظر عن أنّ الكلام - أعني: دعوى كون اندكاك الوجوب الضمني في الوجوب الاستقلالي موجبا لكون امتثاله عين امتثاله و مخالفته عين مخالفته - مجرّد تنميق من الكلام و شعر و خيال: إنّه بناء على هذا البيان نقول: إنّ الانحلال يقع في نفس المخالفة. و توضيح ذلك: أنّه إذا ترك الزائد فهو و إن كان يحتمل حصول مخالفة الوجوب الضمني، لكنّ احتمال المخالفة هنا ليس من باب أنّه يعلم بأنّ الشي‏ء الفلاني المعيّن مخالفة، و يشكّ في حصوله، كما لو علم بأنّ عدم قتل الكافر مخالفة، و شكّ في أنّ عدم إطلاق الرصاص الثاني يوجب عدم قتله أو لا؟، أو علم بأنّ ترك الصلاة مخالفة، و شكّ في أنّه هل ترك الصلاة أو لا؟ حتّى يكون ذلك مجرى للاشتغال، بل هو من باب أنّه لا يدري أنّ وجوب الأقلّ هل هو بنحو تكون له مخالفة واحدة، و هي ترك الأقلّ، أو بنحو تكون له مخالفتان: إحداهما: ترك الأقلّ، و الأخرى ترك الزائد، فتجري البراءة العقليّة و النقليّة؟ أمّا العقليّة فواضح، إذ لم يبيّن للعبد كون ترك الزائد مخالفة، فالعقاب على هذه المخالفة عقاب بلا بيان، و هو قبيح حسب ما هو المفروض عند القائل بالبراءة العقليّة، و أمّا النقليّة فينفي بها


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة321/الجزء الرابع

 

الوجوب الضمني للأقلّ، فإنّه الوجوب الّذي يوجب المئونة الزائدة، بخلاف الوجوب الاستقلالي للأقلّ، فهما أقلّ و أكثر من حيث ما يوجبان من المئونة فتجري البراءة عمّا يوجب المئونة الزائدة.

 

3 - العلم بالغرض

المانع الثالث: مسألة العلم بالغرض، و هذا الوجه مركّب من مقدّمات ثلاث:

1 - إنّ الشكّ في المحصّل للواجب مجرى للاشتغال لا البراءة.

2 - إنّنا إذا لاحظنا متعلّق الوجوب كان ذلك مردّدا بين الأقلّ و الأكثر، لكنّنا إذا لاحظنا الغرض كان من باب الشكّ في المحصّل، إذ لا نعلم أنّ الغرض الوحدانيّ المقصود حصوله من العلم بهذا المركّب الارتباطي هل يحصل بالأقلّ أو بالأكثر؟ 3 - إنّ حال الغرض حال نفس متعلّق الوجوب في حكم العقل بلزوم تحصيله على حدّ لزوم تحصيل متعلّق الوجوب.

فينتج من هذه المقدّمات وجوب الاحتياط في المقام، لأنّ الشكّ في المقام بلحاظ الغرض شكّ في المحصّل بحكم المقدّمة الثانية، و الشكّ في المحصّل للغرض كالشكّ في المحصّل للواجب، لأنّ الغرض أيضا واجب التحصيل كنفس الواجب بحكم المقدّمة الثالثة، و قد كان الشكّ في المحصّل للواجب مجرى للاشتغال دون البراءة - كما قلناه في المقدّمة الأولى - فيتعيّن الاحتياط بإتيان الأكثر.

و الجواب عن ذلك يكون بوجهين:

الوجه   الأوّل: أنّه قد فرض في المقام العلم بغرض وحداني واجب التحصيل غير دائر بين الأقلّ و الأكثر، مع الشكّ في حصوله بالأقلّ، فلزم الاحتياط بفعل الأكثر، لكنّنا نمنع ثبوت مثل هذا العلم، إذ من المحتمل كون الغرض المطلوب تحصيله بنفسه مردّدا بين الأقلّ و الأكثر، و في مقام إبداء هذا الاحتمال نبدي خمس فرضيات:

الفرضيّة الأولى: ما يستوحى من كلام المحقّق النائيني رحمه اللّه»« حيث أفاد قدّس سرّه


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة322/الجزء الرابع

 

في مقام الجواب عن شبهة الغرض: أنّ الغرض إنّما يجب تحصيله إذا كانت نسبته إلى المقدّمة التي هي فعل المكلّف نسبة المعلول إلى العلّة، كالإحراق بالنسبة إلى الإلقاء في النار، فعندئذ يجب تحصيل الغرض، بل الّذي يفهمه العرف من الأمر بمثل هذه المقدّمة إنّما هو الأمر بتحصيل الغرض، فلو قال المولى: ألق هذا الشي‏ء في النار فهم منه الأمر بإحراقه، و أمّا إذا كان الغرض متوقّفا حصوله على مقدّمات خارجة عن قدرة المكلّف زائدا على توقّفه على الفعل الداخل تحت قدرة المكلّف، و كانت نسبة الغرض إلى فعل المكلّف نسبة ذي المقدّمة إلى المقدّمات الإعدادية، كما هو الحال في المصالح المترتّبة على الواجبات الشرعيّة مثل الصلاة، فلا يجب على العبد تحصيله، لأنّ تحصيله خارج عن قدرته، و إنّما الّذي يجب تحصيله في مثل ذلك إنّما هو خصوص تلك المقدّمات الداخلة تحت قدرة العبد، و الدليل على كون الغرض في أمثال هذه الأمور من قبيل القسم الثاني - أي: الخارج عن قدرة العبد - لا القسم الأوّل، هو تعلّق الأمر في لسان الأدلة بنفس الأفعال، فإنّه في المورد الّذي يشكّ في أنّ الغرض هل هو من قبيل القسم الأوّل أو الثاني، سيتكشف الحال فيه من ظاهر لسان الدليل، فإن كان الأمر في لسان الدليل متعلّقا بنفس الغرض فهذا ظاهر في كونه من القسم الأوّل، و عدم توقّفه على أمور أخرى خارجة عن قدرة المكلّف، و إن كان متعلّقا بنفس الأفعال فهذا ظاهره أنّ الغرض ليس بنفسه تحت قدرة المكلّف  [1]، و إنّما الّذي يكون تحت قدرته و يجب عليه تحصيله هو هذه الأفعال و المقدّمات.

هذا ما أفاده المحقّق النائيني رحمه اللّه في المقام.

 

__________________________________________

 

[1] و إلاّ لزم الأمر بالنتيجة أو تقييد الأمر بالمقدّمة بالذي تترتب عليه النتيجة، إذ لو لم يفعل ذلك لزم نقض غرض المولى، لأنّه بعد إن لم يكن هناك ظهور عرفي في إرادة المسبّب، كما في مثل الأمر بالإلقاء في النار الظاهر في إرادة الإحراق يكون إطلاق الكلام موجبا لعدم اهتمام العبد بتحصيل المسبّب، و اقتصاره على فعل المقدّمة، سواء ترتّبت عليها النتيجة أو لا، هذا ما يستفاد من كلمات المحقّق النائينيّ رحمه اللّه، و لكن الواقع أنّ تعلّق الأمر بالمقدّمة دون النتيجة إنّما يكون ظاهرا في عدم إيجاب حصول النتيجة، سواء كان ذلك من باب خروجها عن قدرة المكلّف أو من باب ما سيأتي من أستاذنا الشهيد في الفرضيّة الثانية من عدم اهتمام المولى بالنتيجة بأكثر من سدّ باب العدم من ناحية تلك المقدّمة.


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة323/الجزء الرابع

 

و أورد عليه السيّد الأستاذ»«: بأنّ هذا إنّما يتمّ في الغرض الأقصى، و لكن هنا غرض أدنى مباشر لفعل المكلّف الّذي هو مقدّمة إعداديّة، و ذلك الغرض هو نفس حصول الإعداد بمقدار هذه المقدّمة للغرض الأقصى، و هذا الغرض نسبته إلى الفعل نسبة المعلول إلى علّته، فعاد الإشكال.

هذا ما أفاده السيّد الأستاذ.

و لكنّنا نكمل هنا تسلسل البحث بأن نقول: إنّ الغرض الإعدادي الأدنى لم يثبت كونه أمرا وحدانيّا يترتّب على مجموع الأجزاء، فلعلّه يترتّب على كلّ جزء من هذه الأجزاء غرض إعدادي، بأن يكون كلّ واحد منها معدّا بقدره للمكلّف للوصول إلى الغرض الأقصى، و إنّما صار المجموع واجبا واحدا ارتباطيّا بالرغم من تعدّد الأغراض المباشرة بتعدّد الأجزاء، لأنّ تلك الأغراض إنّما تكون غرضيّتها لأجل ذلك الغرض الأدنى الوحدانيّ، فالواجب واحد ارتباطي لوحدة الغرض الأقصى، و لكن مع ذلك تكون الأغراض المباشرة المترتّبة على نفس الأفعال متعدّدة بتعدّد الأفعال.

و هذا هو ما قلناه منذ البدء من احتمال دوران الغرض بين الأقلّ و الأكثر.

إلاّ أنّ هذه الفرضيّة فيها نقطة ضعف: و هي أنّ المحقّق النائيني قدّس سرّه فرض الغرض الأقصى بنحو يستدعي الإتيان بكلّ ما له من مقدّمات اختياريّة، و إنّما لم يجب تحصيله بإتيان تمام المقدّمات، لأنّ بعض مقدّماته غير اختياريّة، و إذا كان الأمر كذلك فعند الشكّ في كون فعل اختياري خاصّ داخلا في مقدّمات ذلك الغرض و عدمه يكون ذلك مجرى للاشتغال، و حكم العقل بوجوب حفظ الغرض بهذا المقدار، أي: بمقدار سدّ أبواب عدمه، و لو الاحتماليّة الداخلة تحت قدرة المكلّف.

الفرضيّة الثانية: هي عين الفرضيّة الأولى - أعني فرضيّة تعدّد الأغراض المباشرة المترتّبة على الأجزاء المتعدّدة - لكن بعد تجريدها عن نقطة الضعف التي عرفت، بأن يفرض أنّ الغرض الأقصى ليس بنحو يطلب سدّ جميع أبواب عدمه الاختياريّة، فالشارع إنّما أوجب بعض الأفعال الاختياريّة التي هي مقدّمة لذلك الغرض، لإتمامها لمصلحة التسهيل، أو غيرها من النكات، فقد ترى المولى يأمر


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة324/الجزء الرابع

 

عبده مثلا بالتفتيش عن كتاب في المكتبة الفلانيّة لغرض تحصيل ذاك الكتاب، و لكن ليس اهتمامه بهذا الغرض بدرجة يطلب من عبده التفتيش في جميع المكتبات حتى المكتبات الموجودة في غير بلده، فيقتصر على طلب التفتيش في المكتبة الفلانيّة الموجودة في بلده، و عليه فليس من المحتّم افتراض لزوم الإتيان بجميع الأمور الاختياريّة التي هي في الواقع الدخيلة في تحصيل الغرض إعداديّا، كي لا تجري البراءة في فرض الشكّ في داخل أمر اختياري ما في ذلك، بل نشكّ في أصل مطلوبيّة تمام هذه الإعدادات المتعدّدة و عدمها، و هذا هو ما قلناه من دوران الغرض بين الأقلّ و الأكثر.

الفرضيّة الثالثة: أن يفترض أنّ الغرض عبارة عن نفس الأفعال: أمّا بذاتها كالسجود، بناء على أنّ يكون وجوبه لحسنه الذاتي، و كونه بذاته كمالا للعبد لا لغرض آخر متولّد منه، أو بعنوان منطبق على تلك الأفعال، كما لو فرضنا أنّ إيجاب الصلاة مثلا لم يكن لأجل غرض متولّد من نفس متعلّق التكليف بما هو، بل لأجل أن يتّصف الإتيان به بعنوان طاعة المولى، التي هي بنفسها كمال للعبد، فالغرض إذن مردّد بين الأقلّ و الأكثر. بل لو كان الغرض حصول الطاعة فعند جريان البراءة عن الزائد تحصل الطاعة بالباقي.

الفرضيّة الرابعة: أن يفرض الغرض مردّدا بين المرتبة الضعيفة و المرتبة الشديدة، كأن يتردّد الأمر بين أن يكون الغرض هو الارتواء الضعيف الّذي يحصل بكأس واحد من الماء، و الارتواء الشديد الّذي يحصل بكأسين من الماء، بمعنى أن يكون الارتواء الشديد بمرتبته مطلوبا واحدا، لا بمعنى مطلوبيّة المرتبة الضعيفة مع مطلوبيّة المقدار الزائد كي ينافي ذلك فرض ارتباطيّة الواجب، فإذا تردّد الغرض بين المرتبة الضعيفة لشي‏ء و المرتبة الشديدة له جرت البراءة بلحاظ المقدار الزائد، لأنّ المرتبة الضعيفة مطلوبة إمّا استقلالا أو ضمنا، و كون الزائد مطلوبا غير معلوم.

الفرضيّة الخامسة: أن يفرض أنّ كلّ جزء من هذه الأجزاء يترتّب عليه أثر مستقلّ، و الغرض كان عبارة عن نفس تلك الآثار، فتردّد أمر الغرض بين الأقلّ و الأكثر.

و لا ينافي ذلك فرض ارتباطيّة الواجب، و ذلك لإمكان افتراض أنّ الغرض عبارة عن مجموع تلك الآثار، لا عن كلّ واحد منهما، كما لم يكن ينافيه فيما مضى من الفرضية الثالثة - و هي افتراض كون الغرض عبارة عن نفس الأفعال - حيث كان


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة325/الجزء الرابع

 

المقصود هناك - أيضا - كون مجموع الأفعال هو الغرض، لا كلّ جزء جزء منها كي ينافي الارتباطيّة. فمثلا: قد يقال: إنّ الجرأة وحدها ليست كمالا، و التروّي وحده ليس كمالا، و مجموعهما كمال، فلنفترض تلك الأفعال في الفرضية الثالثة، أو تلك الآثار في هذه الفرضية من هذا القبيل.

فهذه فرضيات خمس أو أربع - بعد إسقاط الفرضية الأولى لما كان فيها من نقطة ضعف - في صالح تردّد الغرض بين الأقلّ و الأكثر.

و مع فرض تردّده بين الأقلّ و الأكثر تجري البراءة العقليّة و النقليّة: أمّا العقليّة فظاهر، فإنّ عقاب العبد تجاه الجزء الزائد من الغرض غير المبيّن عقاب بلا بيان، و هو قبيح عندهم.

و أمّا النقليّة فيمكن أن يستشكل فيها في مثل »رفع ما لا يعلمون« باعتبار أنّ التعبير (بالرفع) يناسب أن يكون النّظر إلى ما هو فعل المولى من الإلزام و التحريك، و نحو ذلك من العناوين التي ينتزعها العرف من أمر المولى، لا إلى الغرض فإنّ الرفع يناسب الفعل الاختياري للمولى الّذي يكون بيده و باختياره رفعه و وضعه.

و هذا الاستشكال غير صحيح، إلاّ أنّ الجواب عنه يرجع إلى ما سيأتي - إن شاء اللّه - من الوجه الثاني من وجهي الجواب عن شبهة الشكّ في المحصّل في المقام، في حين أنّ المقصود - الآن - تتميم المطلب بقطع النّظر عن ذاك الوجه، فلنقتصر في المقام على القول بأنّ هذا الاستشكال لو تمّ في مثل حديث الرفع لم يضرّنا شيئا، إذ تكفينا في المقام أدلّة البراءة التي لا تكون بلسان الرفع، بل تكون بمثل لسان عدم العقاب، من قبيل قوله تعالى: و ما كُنّا معذّبين حتّى نبعث رسولاً»« لو تمّت دلالتها على البراءة، و قوله تعالى: و ما كان اللّه ليضلّ قوماً بعد إذ هداهم حتّى يبيّن لهم ما يتّقون»« فمثل هذه الأدلّة حالها حال البراءة العقليّة، و تنفي العقاب من دون بيان، و من المعلوم أنّ العقاب بلحاظ الجزء الزائد من الغرض غير المبيّن عقاب بلا بيان.

ثمّ إنّ هناك إشكالا آخر: و هو أنّنا لو كنّا نعلم أنّ الغرض أمر مركّب مردّد بين الأقلّ و الأكثر سنخ ما هو حال أجزاء المتعلّق لصحّ إجراء البراءة بلحاظ الجزء الزائد


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة326/الجزء الرابع

 

المشكوك من الغرض، و لكنّ المفروض أنّنا لا نعلم بذلك، بل نحتمل كونه كذلك، و نحتمل أيضا كونه غرضا واحدا بسيطا دار أمره بين الترتّب على الأجزاء التسعة مثلا، أو الأجزاء العشرة المتعلّقة للتكليف، فلم يثبت الانحلال و دوران الغرض بين الأقلّ وحده، و هو مع الزائد عليه كي تجري البراءة بلحاظ الزائد.

و الجواب: أنّه إذا دار الأمر مثلا بين الغرض البسيط الوحدانيّ الموقوف على الأكثر، و الغرض المركّب الّذي يحرز حصول المقدار المعلوم منه بالإتيان بالأقلّ، جرت البراءة بلحاظ ذلك الغرض البسيط، و لا تعارض بالبراءة بلحاظ الغرض المركّب المستدعي للإتيان بالأقلّ، لأنّ إجراء البراءة عن ذاك المقدار من الغرض المركّب لا معنى له، إذ ليست فيه مئونة زائدة غير المئونة المعلومة بالتفصيل، بخلاف الغرض البسيط الموقوف على الأكثر.

فإن قلت: على هذا لا أثر لفرض احتمال كون الغرض مركّبا و مردّدا بين الأقلّ و الأكثر، إذ حتّى مع فرض وحدة الغرض و بساطته نقول: إنّنا علمنا إجمالا بثبوت غرض وحداني إمّا في الأكثر أو في الأقلّ فتجري البراءة بلحاظ الغرض في الأكثر، و لا تعارض بالبراءة بلحاظ الغرض في الأقلّ، لأنّ الأوّل هو المشتمل على المئونة الزائدة دون الثاني الّذي ليست فيه مئونة عدا المئونة المعلومة بالتفصيل، و هي ضرورة الإتيان بالأقل.

قلت: إنّ تردّد الأمر بين غرض بسيط و غرض مركّب هو تردّد بين سنخين من الغرض، فإنّ تركّبه أو بساطته داخل في ذات الغرض، فيعقل إجراء البراءة عن أحد الغرضين، و هو الغرض المستدعي لمئونة زائدة على المكلّف إضافة إلى المئونة المتيقّنة، و أمّا تردّد الأمر بين توقّف الغرض الوحدانيّ على الإتيان بالأكثر، و توقّفه على الإتيان بالأقل فليس هذا تردّدا بين سنخين من الغرض، فإنّ كون محصّله عبارة عن الأكثر أو الأقلّ ليس داخلا في ذات الغرض، فجهة الشكّ متمحّضة في المحصّل، أي: أنّنا نشير إلى ذاك الغرض الوحدانيّ و نقول: لا ندري هل يكفي الأقلّ في تحصيله أو لا؟ فعندئذ لا مجرى للبراءة بقطع النّظر عمّا سوف يأتي - إن شاء اللّه - من الوجه الثاني.

نعم، لو كان هنا شيئان نعلم أنّ أحدهما متوقّف على الأكثر، و الآخر متوقّف على الأقلّ، و لم ندر أنّ غرض المولى هل هو الأوّل أو الثاني؟ جرت البراءة عن الأوّل، و لكن الأمر ليس كذلك، فأيّ غرض يفترض في المقام يكون مردّدا عندنا بين


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة327/الجزء الرابع

 

أن يحصل بالأقلّ و أن يحصل بالأكثر.

الوجه الثاني: أنّنا لو سلّمنا العلم بغرض وحدانيّ مردّد أمر تحصيله بين أن يكون بالأقلّ أو بالأكثر حكمنا مع ذلك بالتأمين بلحاظ البراءة العقليّة - لو قلنا بها - و الشرعيّة.

أمّا البراءة العقليّة فتقريب جريانها في المقام: هو أنّ أحد ملاكات البراءة العقليّة عند القائلين بها هو أخذ المولى على عاتقه بيان المطلب، فمتى ما التزم المولى ببيان شي‏ء على تقدير وجوبه مثلا، و لم يصلنا البيان قبح العقاب على ترك ذاك الشي‏ء، رغم أنّنا نحتمل صدور البيان، و هذا الملاك و إن لم يكن موجودا في الشبهات الموضوعيّة، لأنّ المولى غير ملتزم ببيان حال الموضوع، و المقدار الّذي التزم به قد وصل و هو بيان كبرى الحكم، لكنّ الّذي يؤمن بالبراءة العقليّة في الشبهات الموضوعيّة يؤمن بملاك آخر - أيضا - يتمّ في الشبهات الموضوعيّة  [1].

و على أية حال فكلامنا الآن يدور حول هذا الملاك الّذي بيّناه، فنقول: إذا أمر المولى بتحصيل غرض، كما لو أمر بقتل كافر، و لم يكن بصدد بيان ما هو المحصّل لهذا الغرض، هل هو إطلاق رصاص واحد مثلا أو إطلاق رصاصين؟ بل أوكل ذلك إلى العبد، فهنا لا تجري البراءة، لأنّ الّذي التزم المولى ببيانه و إلقائه إلى العبد إنّما هو الغرض، و قد بيّنه و وصل البيان، و إنّما الشكّ في المحصّل، و لم يكن المولى ملتزما ببيان المحصّل، و أمّا إذا لم يلق المولى نفس الغرض إلى المكلّف، و إنّما التزم ببيان نفس الأعمال المباشريّة للمكلّف المحصّلة لتلك الأغراض، كما هو الحال فيما نحن فيه، لأنّ المولى أخذ يبيّن نفس الأفعال اللازم صدورها من المكلّف، من الصلاة و أجزائها و غير ذلك، فحينما لم تصل جزئيّة شي‏ء كالسورة يصبح العقاب على تركه قبيحا حسب هذا المبنى.

و أمّا البراءة الشرعيّة فقد فرغنا فيما مضى عن أنّه لو كنّا نحن و مسألة التكليف و متعلّقه، مع غضّ النّظر عن إشكال الغرض الوحدانيّ في المقام فلا إشكال في جريان البراءة عن الإلزام و التحريك الزائد، لما عرفته مفصّلا من انحلال العلم

 

__________________________________________

 

[1] مضى من أستاذنا الشهيد رحمه اللّه في التنبيه الثالث من تنبيهات البراءة و الاحتياط دعوى أنّ من يعمّم البراءة العقليّة للشبهات الموضوعيّة لا يؤمن بملاك خاص بالشبهات الحكميّة و يعتقد أنّ البراءة في الشبهتين إنّما تكون بملاك مشترك.


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة328/الجزء الرابع

 

الإجمالي بالأقلّ و الأكثر إلى العلم التفصيليّ بوجوب الأقلّ، و الشكّ البدوي في وجوب الزائد، و إنّما الّذي لم يوجد لنا مؤمّن تجاهه - فأوجب الإشكال - هو الغرض، و هنا نقول: إنّ نفس ما يؤمّن عن إلزام الشارع و تحريكه نحو الزائد هو الّذي يؤمّن عن الغرض، فإنّ التأمين عن إلزام الشارع و تحريكه أو تنجيزه دائما يكون بلحاظ ما يحفظه ذلك الإلزام من الغرض، ففي الشبهات البدويّة الاستقلاليّة مثلا حينما نجري البراءة عن إيجاب شي‏ء و الإلزام به تكون نفس تلك البراءة مؤمّنة عمّا يحفظه ذلك الإلزام من غرض، لا أنّنا نجري براءة أخرى عن الغرض مثلا، و لا فرق فيما قلناه - من أنّ البراءة عن الإلزام هي بنفسها تؤمّن عمّا يحفظه ذلك الإلزام من غرض - بين أن يكون ما يحفظه ذلك الإلزام عبارة عن نفس الغرض رأسا، كما في الشبهات البدويّة، أو عن توقّفه على شي‏ء زائد، كما في المقام، فالبراءة في باب الشكّ في المحصّل للغرض إنّما لا تجري فيما إذا تعلّق الإلزام و التحريك ابتداء بنفس الغرض، أو تعلّق بالفعل، و كانت نسبة الغرض إلى ذلك الفعل بحيث يفهم العرف من كلام المولى أنّه في الحقيقة أمر بأصل الغرض، كما يرى العرف أنّ أمر المولى بالإلقاء في النار هو أمر بالإحراق، و أمّا في مثل ما نحن فيه فلا مانع من جريان البراءة.

هذه هي عمدة الوجوه لمنع جريان البراءة في الأقلّ و الأكثر الارتباطيين مع إبطالها. و هذه الوجوه التي ذكرناها كانت هي الوجوه المشهورة للمنع، و التي تفيد المنع عن جريان البراءة في مطلق موارد دوران أمر الأجزاء بين الأقلّ و الأكثر.

 

الموانع الخاصّة عن جريان البراءة

و لنذكر الآن وجوها أخرى للمنع كلّ منها يختصّ ببعض أقسام دوران الأمر بين الأقلّ و الأكثر:

 

1 - فيما يجب إتمامه:

الوجه   الأوّل: ما ذكره المحقّق العراقي رحمه اللّه و أبطله»«، و هو يختصّ بخصوص


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة329/الجزء الرابع

 

الواجب الّذي يجب بالدخول فيه إتمامه ما لم يعص بالإبطال، و يفوت بالدخول في بعض أجزائه محلّ تدارك ذاك الزائد المتروك، و ذلك كما في الصلاة، فلو شكّ في جزئيّة السورة مثلا فهو و إن كان من أوّل الأمر تجري في حقّه البراءة عن السورة، لكنّه إذا ترك السورة إلى أن دخل في الركن فلم يمكن تداركها، و بنينا على ما هو المشهور من عدم جريان قاعدة (لا تعاد) في صورة الجهل، و لو مع معذّريّة جهله و عدم تقصيره - أو يفترض الكلام بدلا عن مثل السورة فيما لا تجري فيه قاعدة (لا تعاد) كالطهارة مثلا، أو يفترض الكلام في واجب آخر غير الصلاة فرض وجوب إتمامه على تقدير الشروع فيه - فعندئذ يحصل له العلم الإجمالي بأنّه إمّا يجب عليه إتمام هذا الفرد من الصلاة، و ذلك على تقدير صحّته لعدم جزئيّة السورة، أو استئناف الصلاة بالإتيان بها مع سورة، و ذلك على تقدير بطلان هذا الفرد لجزئيّة السورة، فيجب عليه الامتثال القطعي لهذا العلم الإجمالي، بإكمال هذه الصلاة ثم استئنافها مع السورة، فقد ابتلي بأزيد ممّا كان يبتلي به لو كان بانيا على الاحتياط من أوّل الأمر، إذ قد ابتلي بذاك الاحتياط زائدا إكمال ما بيده من الصلاة.

و المحقّق العراقي رحمه اللّه صوّر العلم الإجمالي بالشكل التالي: و هو أنّه يحصل له بعد الركوع العلم الإجمالي التالي: إمّا قد انقلب وجوب طبيعي الصلاة إلى وجوب هذا الفرد بالخصوص، أو يجب عليه طبيعي الصلاة مع السورة، فكأنّه قدّس سرّه اعتقد أنّ وجوب إتمام الصلاة على تقدير الشروع فيها مرجعه إلى انقلاب وجوب الطبيعي إلى وجوب هذا الفرد  [1].

و لكنّ الأولى هو التقريب الّذي بيّناه نحن، فإنّ هذا الانقلاب و إن كان معقولا بوجه من الوجوه: بأن يفرض أنّ الواجب من أوّل الأمر كان هو الصلاة التي لم يشرع قبلها في صلاة، و هذا العنوان بعد الشروع يصبح منحصرا بما تكون بيده من الصلاة، و لكن المستفاد فقهيّا هو أنّ وجوب الإتمام تكليف زائد مستقلّ يتوجّه إلى المكلّف بالشروع في الصلاة غير مربوط بوجوب أصل طبيعي الصلاة، فالمكلّف إذا شرع في الصلاة فقد وجب عليه الإتمام، مضافا إلى ما هو واجب عليه من الإتيان بطبيعي الصلاة، لا أنّه انقلب تكليفه بالإتيان بطبيعي الصلاة إلى تكليفه بإتيان هذا الفرد الّذي بيده.

 

__________________________________________

 

[1] عبارته رحمه اللّه في المقالات لها ظهور في ذلك، و تقبل التوجيه، و لكن عبارة نهاية الأفكار ساكتة عن ذلك.


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة330/الجزء الرابع

 

و على أيّة حال فالمحقّق العراقي رحمه اللّه بعد أن ذكر في المقام هذا الإشكال المانع عن جريان البراءة بعد الشروع في الركوع أجاب عنه بجوابين، نحن نذكر الثاني منهما أوّلا، و الأوّل ثانيا فنقول:

الجواب   الأوّل: ما يكون حاصل النكتة فيه بعد حذف الزوائد: أنّ هذا العلم الإجمالي إنّما حصل في طول عمله بما كان معذورا فيه من ترك السورة، و ما وقع من المكلّف معذورا فيه و خاليا عن القبح يستحيل أن ينقلب في المرتبة المتأخّرة عن وقوعه إلى القبيح و غير المعذور عنه.

و يرد عليه: أنّ هذا العلم الإجمالي إنّما هو في طول تركه للسورة في هذه الصلاة، و ما يتكلّم في أنّه هل هو معذور فيه أو لا ليس هو تركه للسورة في هذه الصلاة، بل تركه لها في هذه الصلاة ليس مخالفا لأمر المولى بالصلاة مع السورة في نفسه، بلا حاجة إلى التمسّك بالبراءة، إذ يمكنه أن يصلّي بعد هذه الصلاة صلاة مع السورة، و الأمر بالصلاة مع السورة إنّما أوجب طبيعيّ الصلاة مع السورة في تمام الوقت، لا خصوص هذه الصلاة، فلو كان هذا العلم الإجمالي في طول ترك السورة في تمام الوقت، و هو الّذي يؤمّننا عنه دليل البراءة، صحّ ما ذكر: من أنّ العلم الإجمالي الحاصل في طول ذلك لا يوجب قبح ما تحقّق في السابق خاليا عن القبح في المرتبة السابقة، فلا يؤثّر هذا العلم الإجمالي إلاّ مع فرض عامل جديد في المقام، و هو الأمر بالقضاء، فإنّه - عندئذ - يعلم إجمالا بوجوب إتمام هذه الصلاة أو القضاء.

الجواب الثاني: أنّ هذا العلم الإجمالي الحاصل بعد دخوله في الركوع لا ينجّز، لأنّ أحد طرفيه - و هو وجوب الإتمام بالإتيان بالركوع و ما بعده من الأجزاء إلى آخر الصلاة - كان منجّزا عليه من قبل، لأنّه قبل أن يركع يوجد له - إضافة إلى علمه الإجمالي الثابت من قبل الصلاة بوجوب طبيعي تسعة أجزاء أو عشرة في تمام الوقت - علم إجمالي آخر، و هو العلم بوجوب السورة في خصوص هذه الصلاة و ما بعدها من الأجزاء إلى آخر الصلاة، أو وجوب الركوع فيها و ما بعده من الأجزاء إلى آخر الصلاة، و ذلك لعلمه بوجوب الإتمام، و هذا العلم الإجمالي مردّد أيضا بين أقلّ و أكثر، و ينحلّ إلى العلم بالأقلّ، و هو وجوب الركوع و ما بعده من الأجزاء إلى آخر الصلاة الّذي هو في نفس الوقت أحد طرفي العلم الإجمالي الحاصل له بعد الدخول في الركوع، و الشكّ في الزائد، و هو السورة، فالأقلّ قد تنجّز عليه قبل الركوع،


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة331/الجزء الرابع

 

و المنجّز لا يتنجّز مرّة ثانية، فالعلم الإجمالي الأخير الحاصل في الركوع لا ينجّز شيئا، إذ يجب أن يكون تنجيز طرفي العلم الإجمالي في عرض واحد.

و يرد عليه: أنّه قدّس سرّه لا يقول بكبرى الانحلال الحكمي بتنجّز أحد طرفي العلم الإجمالي بعلم إجمالي آخر سابقا زمانا، و إنّما يقول بذلك لدى تعلّق منجّز تفصيلي بأحد طرفي العلم الإجمالي، أمّا إذا كان المنجّز الأوّل - أيضا - علما إجماليّا يشترك مع العلم الإجمالي المتأخّر في أحد الطرفين فهو يقول: إنّ العلم السابق بوجوده البقائي، و العلم الحادث بوجوده الحدوثي يؤثّران في عرض واحد، و فيما نحن فيه و إن علم تفصيلا قبل الركوع بوجوب الركوع من هذه الصلاة عليه و ما بعده، إمّا استقلالا أو ضمن وجوب السورة و ما بعدها، لكنّه بعد أن ركع قد سقط عنه الوجوب الضمني - و لو بمعنى سقوط فاعليّته - بالمخالفة بترك السورة، فلم يبق منجّز للركوع و ما بعده إلاّ طرفيّته للعلم الإجمالي بالوجوب الضمني أو الاستقلالي، و هذه حالها حال طرفيّته للعلم الإجمالي الجديد الحاصل بعد الركوع، فالعلم الأوّل بوجوده البقائي، و العلم الثاني بوجوده الحدوثي يؤثّران في عرض واحد حسب مبانيه هو قدّس سرّه.

نعم، نحن حيث لا نقول بعلّيّة العلم الإجمالي لوجوب الموافقة القطعيّة، كما يقول هو رحمه اللّه بذلك، يكفينا في حلّ الإشكال ما ذكره من الجواب بتنجّز أحد طرفي العلم الإجمالي، لأنّه عندئذ يبقى الأصل في الطرف الآخر سليما عن المعارض  [1].

 

__________________________________________

 

[1] و قد ورد في الجزء الثاني من الحلقة الثالثة، ص 178 - 177 جواب آخر عن الإشكال، و هو مبتن على مبنى فقهي كان يبني عليه أستاذنا الشهيد رحمه اللّه: و هو أنّ دليل حرمة قطع الصلاة لا إطلاق له للصلاة التي لا يجوز للمكلّف بحسب وظيفته العمليّة الاقتصار عليها في مقام الامتثال، أي: متى ما وجب عليه الاحتياط بالإعادة جاز له قطع ما بيده من الصلاة، إذن ففيما نحن فيه تكون البراءة عن وجوب السورة هي الموجبة لاحتمال حرمة القطع، إذ لولاها لم يجز للمكلّف بحسب الوظيفة العمليّة الاقتصار على هذه الصلاة التي ترك السورة فيها، و بالتالي كان يجوز له قطعها، و عليه فظرفيّة حرمة القطع للعلم الإجمالي موقوفة على جريان البراءة عن السورة، فلا معنى لافتراض البراءة عن حرمة القطع معارضة للبراءة عن السورة بسبب العلم الإجمالي.


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة332/الجزء الرابع

 

2 - في خصوص العبادات

الوجه الثاني: ما كنّا نذكره في قديم الزمان وجها للمنع عن جريان البراءة في الأقلّ و الأكثر الارتباطيين في العبادات، و كان ذلك في الحقيقة نقضا على الأصحاب في مبنى فقهيّ لهم في مسألة ما إذا قصد المكلّف في عبادته خصوصيّة في الحكم، أو في المتعلّق، فتبيّن خلافها، فهل تصحّ عبادته أو لا؟ مثلا لو أتى بعمل بقصد الاستحباب فتبيّن كونه واجبا أو بالعكس، أو صلّى في المسجد بقصد وجوب خصوص الصلاة في المسجد ثم تبيّن أنّ الوجوب متعلّق بطبيعة الصلاة لا بخصوص الصلاة في المسجد، فصاحب العروة قدّس سرّه فصّل في ذلك بين ما إذا كان قصده بنحو الاشتباه في التطبيق، أو كان بنحو التقييد، بحيث لا داعي له إلى الامتثال على تقدير كون الواقع خلاف ما تخيّله، فعلى الأوّل يصحّ عمله، و على الثاني يبطل للإخلال بقصد القربة، لأنّ ما قصد القربة بلحاظه لم يكن ثابتا في الواقع، و ما كان ثابتا في الواقع لم يقصد القربة بلحاظه فقد قصد هو أمرا أو ملاكا خاصّا غير موجود، و لم يقصد ما هو الموجود من أمر أو ملاك. و أكثر المعلّقين على العروة وافقوا المصنّف على هذا التفصيل.

و على هذا المبنى نقول في المقام: ليس الأقلّ هنا إذا دار الأمر بين وجوب الصلاة مع سورة أو بلا سورة مثلا محفوظا دائما ضمن الأكثر كي نجري البراءة عن الزائد المشكوك، بل النسبة بين الأقلّ و الأكثر عموم من وجه، فمادّة الاجتماع هي: ما إذا أتى بالأكثر لا بنحو التقييد، فعندئذ قد حصل الأقلّ و الأكثر معا، و مادّة الافتراق من جانب الأقلّ: هي ما إذا أتى بالأقل بأن صلّى بلا سورة في هذا المثال، فقد حصل الأقلّ و لم يحصل الأكثر، و مادّة الافتراق من جانب الأكثر هي: ما إذا أتى بالأكثر بنحو التقييد بأن قصد في هذا المثال وجوب الصلاة مع سورة، بحيث إنّه لا يريد الامتثال لو كان الواجب واقعا هو الأقلّ، و لنفرض أنّه قصد امتثال الأمر بالأكثر رجاء لا بنحو الجزم و التشريع كي يبطل العمل من هذه الناحية، فإذا صلّى بهذا الشكل فقد حصل امتثال الأكثر، و لكنّه لم يحصل امتثال الأقلّ على تقدير وجوبه، فالأقلّ مقيّد بعدم تقييد القصد بالأكثر، بناء على تصوير تعلّق الوجوب الشرعي بوجه من الوجوه بقصد القربة، فالأقلّ لم يعد بالدقّة أقلّ، بل كلّ منهما مشتمل على زيادة منفيّة بالبراءة، فتتعارض البراءتان.


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة333/الجزء الرابع

 

و بما أنّنا لا نؤمن بما ذكروه من التفصيل، و لا نتعقّل صورتين نسمّي إحداهما بالاشتباه في التطبيق، و الأخرى بالتقييد، فنحن في فسحة من هذا الإشكال، و نجري البراءة في باب الأقلّ و الأكثر من حيث الأجزاء بلا مشكلة في المقام، و أمّا شرح الكلام في هذا التفصيل و تنقيح القول فيه فهو موكول إلى الفقه.

 

3 - في فرض مبطليّة الزيادة

الوجه الثالث: ما يختصّ بما تكون الزيادة فيه مبطلة كما في الصلاة، فهنا يمكن إبراز علم إجمالي مانع عن جريان البراءة، ببيان: أنّنا لو شككنا مثلا في جزئيّة السورة و عدمها فقد تشكّل لدينا علم إجمالي بالتكليف دائر بين المتباينين، أحد طرفيه جزئيّة السورة و وجوبها، و الطرف الآخر مانعيّة الإتيان بالسورة بقصد الجزئيّة، و بكلمة أخرى: نعلم إجمالا بوجوب الصلاة مع السورة، أو وجوب الصلاة الخالية عن السورة قصد بها الجزئيّة.

و الجواب: أنّ هذا العلم الإجمالي منحلّ بالعلم التفصيليّ بمبطليّة الإتيان بالسورة بقصد الجزئيّة للصلاة في هذا الفرض - أعني فرض الشكّ في جزئيّتها -، و ذلك لأنّ الإتيان بالسورة بقصد الجزئيّة مع الشكّ فيها تشريع و لو كانت جزءا في الواقع، و السورة المشرّع بها ليست جزءا، بل هي زيادة مبطلة.

هذا تمام الكلام في أصل جريان البراءة في الأقلّ و الأكثر من حيث الأجزاء.

 

محاورات حول ما جاء في الكفاية

بعد هذا نذكر أمورا ترجع إلى المطالب التي ذكرها المحقّق الخراسانيّ قدّس سرّه في الكفاية:

 

حول دعوى الانحلال

الأمر   الأوّل: أنّ المحقّق الخراسانيّ قدّس سرّه برهن على عدم انحلال العلم الإجمالي بوجوب الأقلّ و الأكثر بالعلم التفصيليّ بوجوب الأقلّ بلزوم الخلف و التهافت، و لتوضيح ما ذكره في المقام نقدّم أمرين:

  الأوّل: أنّ هنا أمرا مصادرا مفروغا عنه في نظر المحقّق الخراسانيّ رحمه اللّه دمجه


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة334/الجزء الرابع

 

في برهانه و بيانه، و لم يذكره مستقلاّ، و نحن نفرزه هنا، و هو أنّ الواجب الارتباطي يستحيل أن يتبعّض في التنجّز بأن يتنجّز بعض أجزائه، و لا يتنجّز البعض الآخر، بل هنا تنجّز واحد للمجموع، فإمّا أن يتنجّز الكلّ أو لا يتنجّز شي‏ء منه.

و الثاني: أنّ الانحلال في المقام تارة يفرض حقيقيّا بلحاظ مجموع ما في عالم الواقع حتّى الحكم، فيقال: إنّه لا علم إجمالي في المقام، كما هو الحال في الأقلّ و الأكثر الاستقلاليّين، إذ نعلم لا محالة فيهما بوجوب الأقلّ بحدّه، و نشك في وجوب الزائد، و لا ينبغي الإشكال في انتفاء هذا الانحلال في الأقلّ و الأكثر الارتباطيين، إذ من الواضح أنّنا لا نعلم تفصيلا بوجوب الأقلّ بحدّه، كي ينحلّ العلم الإجمالي بوجوب الأقلّ بحدّه، أو وجوب الأكثر بحدّه، و لعلّه لم يستشكل أحد في نفي هذا الانحلال، و ليس هذا الانحلال هو المنظور إليه في كلام المحقّق الخراسانيّ رحمه اللّه.

و أخرى يفرض حقيقيّا بلحاظ خصوص عالم الإيجاب و العهدة بغضّ النّظر عن الحدود، باعتبار أنّ حدود الوجوب ليست داخلة في العهدة، و إنّما الّذي يدخل في العهدة هو ذات الوجوب.

و ثالثة يفرض حكميّا بلحاظ عالم التنجّز، و يقال: قد علمنا بصلاحية الأمر الموجود في المقام لتنجيز الأقلّ على كلّ تقدير، و أمّا الزائد فلا نعلم بصلاحية الأمر لتنجيزه على كلّ تقدير، لاحتمال تعلّقه بالأقلّ، فلم يعلم وجود أمر يقتضى تنجيزه، فهو باق تحت قاعدة (قبح العقاب بلا بيان).

و هذا الانحلال الأخير سنحتاج إليه حتما فيما بعد في غير فرض كون الدوران بين الأقلّ و الأكثر بلحاظ الأجزاء، و عندئذ نتكلّم عنه - إن شاء اللّه - بجميع صيغه، و نختار منها صيغته الفنّيّة، و الآن لا نحتاج إلى تصوير هذا الانحلال بأكثر ممّا ذكرناه استطراقا إلى فهم كلام صاحب الكفاية.

و أكبر الظن أنّ المحقّق الخراسانيّ قدّس سرّه إنّما يكون ناظرا إلى مناقشة هذا الوجه الثالث من الانحلال دون الوجه الثاني، فكأنّه يأخذ حدود الوجوب بعين الاعتبار، فيفرغ عن بطلان الانحلال الحقيقي، و يتكلّم عن الانحلال الحكمي بالمعنى الّذي عرفت.

و حاصل مرامه رحمه اللّه في المقام: هو أنّ الانحلال يتوقّف على تنجّز الأقلّ على كلّ تقدير، و أحد تقديريه هو تعلّق الأمر بالأكثر، فلا بدّ من الفراغ عن تنجّز الأمر بلحاظ الأقلّ و لو كان متعلّقا بالأكثر، و هذا يساوق تنجّز الأمر بالأكثر بلحاظ الزائد


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة335/الجزء الرابع

 

- أيضا - بعد ما عرفت المصادرة المشار إليها آنفا في كلامه من افتراض عدم إمكان تبعّض أجزاء الواجب الارتباطي في التنجّز و عدمه، إذن ففرض الانحلال في المقام يوجب الخلف و التهافت.

و يمكن أن يقرّب مقصوده بصياغة تصبح إشكالا حتّى على الانحلال الثاني فضلا عن الثالث، و هو أن يقال: إنّ من ترك الصلاة رأسا فلم يأت بالأكثر و لا بالأقلّ، و كان الواجب في علم اللّه هو الأكثر، فهل يستحق عقاب المعصية أو لا؟ فإن قيل:

لا، فهو خلاف البداهة و الضرورة. و إن قيل: نعم، قلنا: على ما ذا يعاقب؟ هل يعاقب على مخالفة الأمر بالأقلّ؟ و المفروض عدمه، أو يعاقب على مخالفة الأمر بالأكثر؟ و هذا معناه تنجّز الأمر بالأكثر، و لا يمكن تنجّزه بلحاظ بعض أجزائه دون بعض، فلا بدّ من تنجّز الجميع  [1].

أقول: قد عرفت فيما مضى البرهان على الانحلال الحقيقي، و لم نكن بحاجة في مورد دوران أمر الأجزاء بين الأقلّ و الأكثر إلى الانحلال الحكمي بالمعنى الّذي عرفت، فكلام المحقّق الخراسانيّ رحمه اللّه لو أريد جعله إشكالا علينا يجب أن نأخذ بالتقريب الثاني له، و أمّا التقريب الأوّل فهو في نفسه غير وارد علينا.

و على أيّة حال فشي‏ء من التقريبين غير تامّ، لعدم تماميّة الأصل المصادر في المقام من عدم تبعّض أجزاء الواجب الواحد في التنجيز و عدمه، و عدم تعدّد التنجيز، فإنّه لو أريد بذلك أنّ الواجب الارتباطي الواحد ليست له تنجّزات عديدة

 

__________________________________________

 

[1] إلاّ أنّ مقصود المحقّق الخراسانيّ رحمه اللّه حتما هو إبطال الانحلال الثالث، فالانحلال الثاني إمّا كان غافلا عنه، أو كان مفروض البطلان لديه، و الدليل على ذلك أنّه رحمه اللّه ذكر وجها آخر لتقريب عدم إمكانيّة الانحلال، و هو لا يمكن أن ينظر إلاّ إلى الوجه الثالث للانحلال، و حاصل هذا الوجه: أنّه يلزم من الانحلال عدمه، و ما يلزم من وجوده عدمه فهو باطل في المقام، و ذلك لأنّ الانحلال يعني عدم تنجّز التكليف على تقدير تعلّقه بالأكثر المستلزم لعدم تنجّز الأقلّ على كلّ تقدير، إذ أحد تقديريه هو وجوبه ضمن الأكثر، و التنجيز لا يتبعّض كما مضى في الأصل المصادر في المقام، و إذا لم يكن الأقلّ مقطوع التنجيز مطلقا لزم عدم الانحلال. و هذا الوجه كما ترى ينحصر في أن يكون ناظرا إلى الانحلال الثالث دون الثاني، و على أيّة حال، يكفي لبطلان هذا التقريب - أيضا - أنّه متوقّف على تلك المصادرة، و التي سيبطلها أستاذنا الشهيد رحمه اللّه في المتن.


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة336/الجزء الرابع

 

بعدد أجزائه بمعنى تعدّد العقاب بتعدّد الأجزاء المتروكة، فهذا واضح لا غبار عليه، إذ هو واجب واحد ذو غرض واحد ليس له إلاّ تنجّز واحد و استحقاق واحد للعقاب، و لا معنى لاستحقاق عقوبات متعدّدة، إلاّ أنّنا لا ندّعي تعدّد التنجيز بهذا المعنى، و إنّما نحلّ الإشكال في المقام عن طريق التبعّض في التنجّز بمعنى آخر، و لو أريد بذلك إنكار التبعّض في التنجّز بذلك المعنى الآخر، و هو أن يثبت ذلك التنجّز الواحد للأمر بالأكثر من بعض الجهات دون بعض، فتكون مخالفته عن طريق ترك الأقلّ موجبة لاستحقاق العقاب، و مخالفته عن طريق ترك الزائد غير موجبة لذلك، فهذا الإنكار نمنعه أشدّ المنع، و لا وجه له، بل البرهان على خلافه، لأنّ ملاك التنجّز إنّما هو الوصول، و الوصول يمكن تبعّضه بتعدّد الأجزاء، فتتبعّض لا محالة أجزاء الواجب بلحاظ التنجّز بهذا المعنى، و يبقى الجزء غير الواصل تحت التأمين العقلي، من باب عدم البيان حسب تصورات القائلين بالبراءة العقليّة.

و لا يقاس تنجّز الأجزاء بوجوباتها، بتخيّل أنّ الارتباط بين وجوباتها و رجوعها إلى وجوب واحد يستدعي الارتباط بين تنجّزاتها بمعنى عدم إمكان تنجّز الأمر بالأكثر من بعض الجهات دون بعض، لأنّ تلك الجهات مترابطة، فإنّ هذا قياس مع الفارق، لأنّ هذه الوجوبات ملاكها الجعل، و بما أنّ الجعل كان واحدا و غير متعدّد و متبعّض ترابطت هذه الوجوبات و اتّحدت، و أمّا تنجّزاتها فملاكها الوصول، و هو قابل للتبعّض بأن يصل تعلّق الوجوب ببعض الأجزاء و لا يصل تعلّقه بالباقي.

على أنّ التقريب الثاني لكلامه قدّس سرّه ليس إبطالا لما مضى منّا فيما سبق من البرهان على الانحلال الحقيقي، و إنّما هو إبراز لمشكلة في المقام في كيفيّة تصوير استحقاق العقاب، فلو ضممنا هذا التقريب إلى ذاك البرهان كانت النتيجة إشكالا لا بدّ للمحقّق الخراسانيّ - أيضا - أن يجيب عنه، و حاصله أنّ هذا الشخص الّذي ترك الصلاة - و هو متردّد بين وجوب الأقلّ و وجوب الأكثر و كان الواجب في علم اللّه هو الأكثر - هل يستحق عقاب المعصية أو لا؟ فإن قيل: لا، فهذا خلاف البداهة مثلا، و إن قيل: نعم، قلنا: هل يعاقب من ناحية تركه للأقل؟، أو من ناحية تركه للأكثر لتنجّز الزائد عليه أيضا؟ فإن قيل بالأوّل فهذا خلاف المصادرة المفروضة من عدم قابليّة الواجب الواحد للتبعّض في التنجيز، و إن قيل بالثاني كان هذا تخصيصا لقاعدة (قبح العقاب بلا بيان)، لعدم تماميّة البيان بالنسبة للزائد، بعد ما برهنّا عليه من الانحلال الحقيقي،


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة337/الجزء الرابع

 

و لعلّ أهون المحاذير له قدّس سرّه هو إنكار الانحلال الحقيقي.

على أنّ بالإمكان إيراد نقض على التقريب الثاني، و هو: أنّه ما ذا يقال فيما لو قطع بعدم جزئيّة السورة و ترك الصلاة، و كانت السورة في علم اللّه جزءا؟ فهل يلتزم بعدم استحقاقه للعقاب إلاّ من باب التجرّي؟ فبناء على إنكار استحقاق المتجرّي للعقاب لا عقاب عليه، في حين أنّ استحقاقه للعقاب هنا أوضح من استحقاق المتجرّي، فمثل الشيخ الأعظم رحمه اللّه المنكر لاستحقاق المتجرّي للعقاب لا ينكر استحقاق هذا الشخص للعقاب، أو يلتزم باستحقاقه للعقاب على مخالفة وجوب الأقلّ، في حين أنّ الواجب هو الأكثر لا الأقلّ، أو يلتزم باستحقاقه للعقاب على ترك الأكثر، في حين أنّه يقطع بعدم وجوب الأكثر، و لا يمكن تبعّض الأكثر بلحاظ أجزائه في التنجيز حسب الفرض.

 

التفصيل بين البراءة العقليّة و الشرعيّة

 الأمر الثاني: أنّ المحقّق الخراسانيّ رحمه اللّه فصّل في الكفاية بين البراءة العقليّة و البراءة الشرعيّة، فمنع عن جريان الأولى، و اعترف بجريان الثانية. و اعترض عليه المحقّقون المتأخّرون عنه كالسيّد الأستاذ: بأنّ وجه المنع عن جريان البراءة العقليّة - لو تمّ - لا يفرّق فيه بين البراءتين. و المحقّق الخراسانيّ رحمه اللّه بنفسه - أيضا - عدل عن كلامه، و ذهب في تعليقته على الكفاية إلى المنع عن جريان كلتا البراءتين.

أقول: إنّ ما اعتمد عليه المحقّق الخراسانيّ في الكفاية في مقام منع جريان البراءة العقليّة وجهان: أحدهما: مسألة الغرض و الشكّ في المحصّل. و الثاني: العلم الإجمالي بالتكليف المردّد بين الأقلّ و الأكثر. و نحن نقتصر في مقام بيان إمكان التفصيل بين البراءتين و عدمه على التكلّم على هذين الوجهين فنقول:

أحد الوجهين: مسألة الغرض و الشكّ فيما يحصّل الغرض، فهل يمكن على أساس هذا الوجه التفصيل بين البراءتين، بأن يفترض أنّه يبطل البراءة العقليّة فحسب؟ أو أنّ إبطاله للبراءة العقليّة يستلزم إبطاله للبراءة الشرعيّة؟ ذكر السيد الأستاذ»«: أنّه لا يمكن في المقام التفصيل بين البراءتين، إذ بعد


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة338/الجزء الرابع

 

الالتزام بمشكلة الغرض بلحاظ البراءة العقليّة لا معنى لحلّ الإشكال عن طريق البراءة الشرعيّة، لأنّ البراءة الشرعيّة إنّما تكون ناظرة إلى التكاليف لا إلى الأغراض.

و قد أوردت على السيّد الأستاذ: أنّكم ما ذا تصنعون إذن في موارد الشبهات البدويّة، فإنّ البراءة الشرعيّة حسب كلامكم إنّما أمّنت عن التكليف، و يبقى احتمال الغرض الّذي يكمن وراء التكليف، فإن قلتم: إنّنا نتخلّص عنه بالبراءة العقليّة، فهذا يعني أنّ البراءة الشرعيّة يجب أن تنضمّ دائما إلى البراءة العقليّة، و تلزم من ذلك لغويّة البراءة الشرعيّة.

فأجاب السيّد الأستاذ عن ذلك بأنّنا لو اقتصرنا على المدلول المطابقي لدليل البراءة لزم عدم تأمينه عن احتمال الغرض في الشبهات البدويّة، و لكن بما أنّ هذا يوجب لغويّة البراءة الشرعيّة نتمسّك بدلالة الاقتضاء، و تثبت بالدلالة الالتزاميّة من باب صون كلام الحكيم عن اللغوية التأمين عن الغرض، و بما أنّ دلالة الاقتضاء لا إطلاق لها فلا بدّ من الاقتصار في ذلك على القدر المتيقّن، و هو الشبهات البدويّة البحتة دون موارد دوران الأمر بين الأقلّ و الأكثر.

و أوردت عليه - عندئذ - النقض بأنّه لئن كانت الأصول الشرعيّة في حدّ ذاتها لا تجري إلاّ بالنسبة لذات التكليف دون الأغراض، و أنّ التعدّي إلى الأغراض إنّما يكون بدلالة الاقتضاء التي لا إطلاق لها لزم من ذلك عدم جواز التمسّك بأصالة الطهارة في مقام تصحيح الوضوء بماء مشكوك الطهارة، لأنّ التكليف بالتطهّر بالماء الطاهر معلوم، و الشكّ إنّما يكون في الامتثال، فهنا لا تؤمّن أصالة الطهارة عن الغرض، لأنّ تأمينها عن الغرض إنّما هو بدلالة الاقتضاء التي لا إطلاق لها، فيجب الاقتصار فيها على موارد الشبهات البدويّة، و الشكّ في أصل التكليف، كما في جواز الشرب، لأنّ ذلك هو القدر المتيقّن. و هنا توقّف السيّد الأستاذ عن الجواب.

و أقول: يلزمه - أيضا - أن لا تجري أصالة الطهارة حتّى بلحاظ جواز الشرب لو علم إجمالا بنجاسة أحد الماءين، و كان أحدهما غير مجرى لأصالة الطهارة بنكتة خاصّة.

أمّا حقيقة الحال في المقام: فهي أنّ التكاليف تنجيزا و تعذيرا إنّما تلحظ بمعناها الحرفي، و بما هي حافظة لما وراءها من غرض، أو توقّف، لحصول الغرض على الجزء، و بقطع النّظر عن ذلك لا تكون سوى اعتبارات جوفاء لا معنى للتنجيز و التعذير عنها، فالبراءة الشرعيّة الجارية عن التكليف المشكوك بنفسها تؤمّن بالدلالة


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة339/الجزء الرابع

 

العرفيّة الواضحة الابتدائيّة عمّا وراء التكليف ممّا يحفظه من غرض أو توقّف لحصول الغرض على الجزء، بلا حاجة إلى دلالة الاقتضاء، و صون كلام الحكيم عن اللغويّة.

و بهذا يظهر أصل إمكان التفكيك بين البراءتين، فلو فرضنا عدم جريان البراءة العقليّة في المقام عن الغرض لتماميّة البيان حسب الفرض، لأنّه غرض وحداني و أصل، لا يلزم من ذلك عدم جريان البراءة الشرعيّة، لأنّ البراءة الشرعيّة إنّما نجريها بلحاظ التكليف، و البيان لم يتمّ بالنسبة للتكليف الزائد، فتجري بلحاظه و تؤمّن - عندئذ - عمّا وراءه من توقّف حصول الغرض على هذا الزائد.

و الوجه الثاني: مسألة العلم الإجمالي بوجوب الأقلّ أو الأكثر، و عندئذ يقال أيضا: ما الفرق بين البراءة العقليّة و البراءة الشرعيّة، حيث جعل المحقّق الخراسانيّ ذلك مانعا عن جريان البراءة العقليّة، و لم يجعله مانعا عن جريان البراءة الشرعيّة؟ و قد فرّع السيّد الأستاذ و المحقّق النائينيّ إمكان التفصيل بين البراءتين و عدمه في المقام على أنّ البراءة الشرعيّة عن القيد هل تثبت الإطلاق فهي كما تنفي أحد طرفي العلم الإجمالي تثبت الطرف الآخر، أو لا؟ فإن اخترنا الثاني لم تجر البراءة الشرعيّة بعد فرض عدم انحلال العلم الإجمالي في نفسه في المقام، فإنّه يمنع جريانها إمّا بعلّيّة العلم الإجمالي لوجوب الموافقة القطعية، أو بتعارض البراءتين في طرفي العلم الإجمالي و تساقطهما، بناء على الاقتضاء دون العلّيّة، و إن اخترنا الأوّل جرت البراءة، إمّا لعدم المعارض لها بناء على الاقتضاء، لأنّ المفروض أنّ البراءة عن أحد طرفي العلم الإجمالي أثبتت بنفسها الطرف الآخر  [1]، أو لأنّ العلم الإجمالي - و لو قلنا فيه بالعلّيّة - ينحلّ أثره بقيام منجّز في أحد طرفيه، و المفروض أنّ البراءة عن أحد الطرفين نجّزت الطرف الآخر.

أمّا ما هو الصحيح من هذين الفرضين، أي: هل يثبت الإطلاق بجريان البراءة

 

__________________________________________

 

[1] نقل لي السيّد الهاشمي (حفظه اللّه) عن أستاذنا الشهيد رحمه اللّه أيام حضورنا لديه رحمه اللّه في هذه المباحث: أنّ الوجه في عدم وجود براءة أخرى في الطرف الآخر هو ما بنوا عليه - و إن كان ذلك غير صحيح عندنا - من أنّه إذا كان أحد الأصلين نافيا للآخر، دون العكس أوجب ذلك حكومة الأصل النافي، و لذا تجري أصالة الطهارة في الماء، و لا يجري استصحاب النجاسة في الثوب المتنجّس المغسول به.


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة340/الجزء الرابع

 

عن القيد أو لا؟ فقد فرّع السيّد الأستاذ و المحقّق النائيني ذلك على أنّ الإطلاق هل هو عبارة عن عدم القيد؟ أو هو أمر وجودي مضادّ للقيد؟ فعلى الأوّل يثبت الإطلاق بأصالة عدم القيد، و على الثاني لا يمكن إثبات أحدهما بأصالة عدم الآخر.

و من هنا افترق السيّد الأستاذ و المحقّق النائيني في النتيجة، فبما أنّ السيّد الأستاذ يرى أنّ التقابل بين الإطلاق و التقييد تقابل التضاد انتهى هنا إلى نتيجة عدم إمكان التفكيك بين البراءتين عن هذا الطريق، فلو لم تجر البراءة العقليّة لم تجر البراءة الشرعيّة أيضا»«، و بما أنّ المحقّق النائيني يرى أنّ التقابل بينهما تقابل العدم و الملكة انتهى هنا إلى نتيجة أنّ البراءة عن القيد تثبت الإطلاق، و بالتالي تكون البراءة الشرعيّة جارية حتّى على تقدير عدم جريان البراءة العقليّة»«.

و لا يخفى أنّ هذا الوجه للتفصيل بين البراءتين ليس هو ما أفاده المحقّق الخراسانيّ في المقام، و سيأتي الحديث عمّا أفاده المحقّق الخراسانيّ فيما بعد.

أمّا تقييم ما أفاده السيّد الأستاذ و المحقّق النائيني هنا فهو: أنّ التفصيل بين البراءتين بفرض القول بكون الإطلاق عبارة عن عدم التقييد غير صحيح، و لا فرق في ذلك بين القول بأنّ التقابل بين الإطلاق و التقييد هو تقابل العدم و الملكة - كما هو مختار المحقّق النائيني - أو هو تقابل التضاد - كما هو مختار السيّد الأستاذ - أو هو تقابل السلب و الإيجاب كما هو مختارنا.

و توضيح ذلك: أنّ التقييد تارة يكون بلحاظ عالم الجعل و الواقع، و هذا هو الّذي يفرض تعلّق العلم أو الشكّ به، و يقابله الإطلاق، و أخرى يفرض بلحاظ المرتبة المتأخّرة عن الشكّ، بأن يقال: إذا شككت في القيد فقد جعلنا عليك القيد، و ذلك بمعنى إيجاب الاحتياط تجاه احتمال وجود القيد.

و عليه نقول: إنّ الشي‏ء النافي للقيد تارة يفرض عبارة عن أمارة من الأمارات، فيثبت بذلك - لا محالة - الإطلاق، حتّى مع فرض كونه أمرا وجوديّا مضادّا للتقييد، لأنّ مثبتات الأمارات حجّة، و أخرى يفرض عبارة عن أصل ناظر إلى وجود القيد في العالم الأوّل - أعني عالم الجعل و الواقع - و ذلك كما في فرض استصحاب عدم التقييد، و عليه يتّجه التفصيل بين ما إذا كان الإطلاق عبارة عن عدم القيد، فيثبت


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة341/الجزء الرابع

 

بهذا الاستصحاب، لأنّ الاستصحاب لسانه لسان إبقاء الواقع السابق على حاله ظاهرا، و الواقع السابق عبارة عن عدم التقييد، فيثبت عدم التقييد ظاهرا، و عدم التقييد بنفسه هو الإطلاق، فقد ثبت الإطلاق ظاهرا. و ثالثة يفرض عبارة عن أصل يكون لسانه لسان رفع وجود القيد في العالم الثاني، و عندئذ لا يثبت بذلك الإطلاق حتّى لو كان عبارة عن عدم القيد، فإنّ الإطلاق إنّما يكون عبارة عن عدم القيد في مقابل وجوده في العالم الأوّل، و الأصل إنّما ينفي وجوده في العالم الثاني - أي أنّه ينفي إيجاب الاحتياط تجاهه - فلا علاقة لذلك بإثبات الإطلاق، و البراءة تكون من هذا القبيل، فإنّ متعلّق الرفع - أعني الموصول في قوله: رفع ما لا يعلمون - و إن أريد به الواقع، لكن المفروض أنّه ضمنت كلمة (الرفع) معنى الظاهريّة بمعنى كونه رفعا في مقابل إيجاب الاحتياط، و الرفع بهذا المقدار لا مساس له بمسألة الإطلاق الّذي هو في مقابل وجود التقييد في عالم الجعل و الواقع.

هذا. و يمكن توجيه التفصيل بين البراءتين على أساس آخر، و نبيّن ذلك بما يكون في نفس الوقت شروعا في الأمر الثالث من الأمور التي وعدنا بيانها هنا.

 

البراءة عن الجزئيّة لا عن ذات الجزء

الأمر الثالث: أنّه ما هو الوجه في عدول المحقّق الخراسانيّ عن إجراء البراءة عن الزائد، أو الأكثر إلى إجراء البراءة عن الجزئيّة؟ يمكن الإجابة عن هذا السؤال بنحو يكون على تقدير تماميّته جوابا عن السؤال السابق - أيضا - عمّا هو الوجه في التفصيل بين البراءتين بمانعيّة العلم الإجمالي عن العقليّة دون الشرعيّة.

و نحن نذكر هذا الجواب عن السؤالين، و نبحث عن صحّته و بطلانه حسب مباني المحقّق الخراسانيّ في نفسه - و لو لم يكن هو المستفاد من كلام المحقّق الخراسانيّ رحمه اللّه - و بعد ذلك نتعرّض إلى محتملات كلام المحقّق الخراسانيّ في المقام.

فنقول: إنّ هذا الجواب عبارة عن أنّ البراءة عن وجوب الأكثر تعارضت بالبراءة عن وجوب الأقلّ و تساقطتا، و وصلت النوبة إلى أصالة البراءة عن الجزئيّة، فجرت البراءة عنها بلا معارض، بناء على أنّ الأصل الطولي في أحد الطرفين يجري بلا معارض بعد تعارض الأصلين العرضيّين و تساقطهما، فإنّ البراءة عن الجزئيّة في


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة342/الجزء الرابع

 

طول البراءة عن وجوب الأكثر، لأنّ الجزئيّة أمر منتزع عن وجوب الأكثر، فالسرّ في العدول عن إجراء البراءة عن وجوب الأكثر إلى البراءة عن الجزئيّة ابتلاء البراءة عن الأكثر بالمعارض و تساقطهما، و وصول النوبة إلى البراءة عن الجزئيّة غير المبتلاة بالمعارض، و بهذا تتضح النكتة في التفصيل بين جريان و عدم جريان البراءة العقليّة أيضا، و ذلك لما عرفت من بقاء البراءة عن الجزئيّة بلا معارض بعد تعارض البراءتين العرضيتين و تساقطهما.

و يرد عليه:

أوّلا: أنّ هذا إنّما يتمّ على مبنى الاقتضاء دون العلّيّة المتبنّاة للمحقّق الخراسانيّ رحمه اللّه، إذ على هذا المبنى لا تجري البراءة، و لو لم تكن مبتلاة بالمعارض.

و ثانيا: أنّ الأصل في جانب الجزئيّة ليس في طول الأصل في جانب الأكثر، إذ ليس ترتّب الجزئيّة على وجوب الأكثر ترتّبا شرعيّا، و إنّما تنتزع منه عقلا، فنفيه لا يوجب نفي الجزئيّة إلاّ بالملازمة العقليّة.

و ثالثا: أنّ إجراء البراءة عن الجزئيّة في نفسه غير معقول، لأنّ الجزئيّة لا تقبل التنجيز، و إنّما الّذي يتنجّز هو منشأ انتزاعها، فلو فرض محالا تحقّق الجزئيّة من دون وجوب الأكثر لم يكن المكلّف ملزما بالإتيان بالأكثر، إذن فالجزئيّة لا تقبل الوضع الظاهري بمعنى إيجاب الاحتياط تجاهها حتّى يرفع رفعا ظاهريّا - بمعنى نفى إيجاب الاحتياط تجاها - و إنّما الّذي يقبل الوضع الظاهري و الرفع الظاهري هو منشأ انتزاعها من وجوب الأكثر، و أمّا الجزئيّة فليس لها وضع و وجود إلاّ الوجود الواقعي دون الظاهري، نعم قد تكون للشي‏ء الجزئيّة الواقعيّة للواجب الواقعي تنتزع من الأمر الواقعي بذلك الواجب، و أخرى تكون له جزئيّة واقعيّة للواجب الظاهري تنتزع من الأمر الظاهري بذلك الواجب.

و قد يقول الشارع في مقابل الترخيص الظاهري: رفعت عنك جزئيّة السورة لدى الشكّ في الجزئيّة، لكن هذا الكلام منه يعدّ كناية عن رفع منشأ الانتزاع، و رفع إيجاب ذلك الجزء، و ليس ذلك رفعا ظاهريّا للجزئيّة بالدقّة.

و رابعا: ما ذكره المحقّق الأصفهاني رحمه اللّه في المقام»« من أنّ البراءة عن الجزئيّة معارضة مع البراءة عن كلّيّة الأقلّ، إذ لو صحّت البراءة عن الجزئيّة المنتزعة عن


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة343/الجزء الرابع

 

وجوب الأكثر صحّت البراءة عن الكلّيّة المنتزعة من وجوب الأقلّ.

و بهذا تحصّل أنّه لا يمكن تصحيح الفرق بين البراءة العقليّة و الشرعيّة، و لا تفسير الرجوع عن البراءة عن الأكثر إلى البراءة عن الجزئيّة تفسيرا صحيحا بهذا الوجه.

هذا. و قد مضى توجيه الفرق بين البراءتين من وجهة نظر المحقّق النائيني رحمه اللّه و هو أنّ البراءة عن التقييد تثبت بدلالتها المطابقيّة الإطلاق، لكونه متقابلا مع التقييد تقابل العدم و الملكة، و بإمكان المحقّق النائيني أن يفسّر - من وجهة نظره هذه - العدول عن البراءة عن الأكثر إلى البراءة عن الجزئيّة، و ذلك بأن يقال: إنّ البراءة عن الأكثر، أو عن وجوب الزائد لا تثبت الإطلاق، لأنّ عدم وجوب الأكثر، أو الزائد أعمّ من وجوب الأقلّ أو عدم وجوب شي‏ء عليه أصلا. نعم، هو يعلم بوجوب أحدهما عليه، لكن نفي أحد طرفي العلم الإجمالي لا يثبت بالملازمة الطرف الآخر، إلاّ بناء على التعويل على الأصل المثبت، و هذا بخلاف البراءة عن الجزئيّة بعد إرجاعها - حسب ما يستفاد من كلام المحقّق النائيني رحمه اللّه - إلى البراءة عن التقييد و التقيّد، و نحو ذلك من المفاهيم، فإنّ المطلق عبارة عن وجوب الأقلّ من دون تقييد، و وجوب الأقلّ ثابت بالوجدان، و عدم التقييد ثابت بالأصل، فقد ثبت الإطلاق بالأصل.

و أمّا تفسير المطلب من وجهة نظر المحقّق الخراسانيّ نفسه، فله رحمه اللّه كلام في الكفاية في الجواب عن السؤال الأوّل توجد فيه عدّة احتمالات، و هو على الاحتمال الثالث منها يصلح جوابا عن كلا السؤالين، و على الاحتمال الأوّل الّذي هو الظاهر من عبارته، و الاحتمال الثاني لا يصلح إلاّ جوابا عن السؤال الأوّل دون الثاني، و ذلك الكلام هو دعوى أنّ نسبة حديث الرفع إلى أدلّة الإجزاء نسبة الاستثناء إلى المستثنى منه، و هذا الكلام فيه احتمالات ثلاثة:

الاحتمال   الأوّل: ما هو الظاهر من عبارته في الكفاية، و هو أنّ دليل جزئيّة السورة مثلا غير الواصل إلينا على تقدير وجوده في الواقع مطلق، يشمل صورتي العلم و الجهل، كما لو ورد ابتداء دليل يدلّ على عدم جزئيّة السورة في حال من الحالات، كحال ضيق الوقت مثلا، فإنّ هذا نسبته إلى دليل جزئيّة السورة نسبة الاستثناء إلى المستثنى منه، و يتعيّن لا محالة - بضمّ هذا الدليل بمدلوله المطابقي إلى دليل وجوب السورة و جزئيّتها في كلّ حال - وجوب الأقلّ عند ضيق الوقت، فكذلك الأمر في المقام، فبالجمع بين دليل الإجزاء و حديث الرفع المقيّد لها يثبت


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة344/الجزء الرابع

 

وجوب الأقلّ مطلقا، و من دون تقييد بالأكثر.

و يرد عليه: أنّ حديث الرفع لا يصلح لتقييد دليل الجزئيّة بمدلوله المطابقي، لأنّ دليل الجزئيّة يفيد الحكم الواقعي، و حديث الرفع يفيد الحكم الظاهري، فهما في واديين مختلفين، و لا معنى لتقييد الأوّل بالثاني، و جعل الثاني كالاستثناء للأوّل، و بكلمة أخرى: أنّ مرتبة العامّ و أدلّة الإجزاء تكون قبل مرتبة الشكّ، و مرتبة جريان حديث الرفع تكون بعد مرتبة الشكّ، و في مرحلة الحكم الظاهري فكيف يجعل استثناء لتلك المرحلة؟ الاحتمال الثاني: أنّ نسبة حديث الرفع - بلحاظ دلالته الالتزاميّة - إلى دليل الجزئيّة نسبة الاستثناء، و ذلك لأنّ حديث الرفع و إن كان بمدلوله المطابقي يدلّ على الحكم الظاهري، لكنّه بمدلوله الالتزامي - حسب تصوّرات المحقّق الخراسانيّ من فرض مراتب للحكم، و استحالة اجتماع مرتبة الفعليّة مع الترخيص الظاهري - يدلّ على انتفاء الحكم الواقعي بمرتبته الفعليّة، فهذا نسبته إلى الدليل الدالّ على الحكم الواقعي بمرتبته الفعليّة نسبة الاستثناء إلى المستثنى منه، بمعنى أنّ دليل الحكم الواقعي الفعلي كان مجملا مردّدا بين الأقلّ و الأكثر، و دليل البراءة دلّ بالالتزام على عدم فعليّة الأمر بالأكثر، فبضمّه إلى دليل وجود أمر فعلي يثبت أنّ الأمر الفعلي متعلّق بالأقل  [1]، و لا يعارض ذلك بالبراءة عن الأقلّ، فإنّنا لا نحتمل أن يكون الأمر على تقدير تعلّقه بالأكثر فعليّا، و على تقدير تعلّقه بالأقل غير فعلي [2].

و يرد عليه: بطلان المبنى حيث عرفت فيما سبق مفصّلا عدم استحالة اجتماع الحكم الواقعي الفعلي مع الحكم الظاهري.

الاحتمال الثالث: دعوى الدلالة الالتزاميّة العرفيّة، بأن يقال: إنّ ما يدلّ على نفي جزئيّة السورة في حال الجهل مثلا و إن كان بحسب الدقّة العقليّة منسجما مع فرض رفع وجوب الأكثر من دون إيجاب الأقلّ ظاهرا، لكنّ المستفاد عرفا من نفى جزئيّة شي‏ء للصلاة في حال، هو وجوب الباقي عليه، بلا تقيّد بذلك الجزء في تلك الحال.

 

__________________________________________

 

[1] هذا مبنيّ على القول بأنّ المجمل يمكن رفع إجماله بالمبيّن الّذي يدلّ على خلاف أحد المعنيين المحتملين في المجمل.

[2] لم يعلم الوجه في عدم احتمال ذلك، و احتمال عكسه.


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة345/الجزء الرابع

 

و هذا الوجه متين لو كان دليل نفي جزئيّة السورة دليلا خاصّا واردا في مثل هذا المقام، و أمّا الدليل الدالّ على (رفع ما لا يعلمون) بنحو الإطلاق المنطبق صدفة على الجزئيّة، فلا يدلّ على ذلك.

هذا. و لو تمّ هذا الوجه لصلح - كما أشرنا إليه - جوابا عن السؤال الثاني أيضا، بأن يقال: إنّ ما يستفيد منه العرف وجوب الباقي ظاهرا إنّما هو لسان رفع الجزئيّة، دون لسان رفع وجوب الأكثر.

 

حول التفتيش عن منجّز للأقلّ

الأمر الرابع: أنّ المحقّق الخراسانيّ رحمه اللّه ذكر بعد دعوى جريان البراءة الشرعيّة عن جزئيّة الزائد ما نصّه:

»لا يقال: إنّما يكون ارتفاع الأمر الانتزاعي برفع منشأ انتزاعه، و هو الأمر، و لا دليل على أمر آخر بالخالي عنه«»«.

و أجاب رحمه اللّه عن هذا الإشكال بجعل نسبة حديث الرفع إلى أدلّة الأجزاء نسبة الاستثناء إلى المستثنى منه، و هذا ما فسّرناه بوجوبه ثلاثة كما عرفت، و حملناه على بيان المبرّر لإجراء البراءة الشرعيّة عن جزئيّة الزائد، لأنّه لو لم يوجد منجّز آخر لأحد طرفي العلم الإجمالي لا تجري البراءة عن الطرف الآخر.

إلاّ أنّ السيّد الأستاذ حمل هذا الإشكال و الجواب على أنّه بصدد التفتيش عن منجّز للأقل، بعد فرض جريان البراءة عن جزئيّة الزائد، فأورد عليه بأنّه لا وجه للتفتيش عن منجّز للأقلّ، إذ وجوب الأقلّ معلوم تفصيلا، فسواء تنجّز الباقي، أم فرض جريان البراءة عنه، لا إشكال في تنجّز الأقلّ بالعلم بوجوبه ضمنا أو استقلالا، و على هذا الأساس ذكر السيّد الأستاذ: أنّه لعلّ هذا الكلام كان صادرا من قبل الآخوند بلحاظ رفع الجزء المنسيّ، و أنّه بعد فرض رفعه ما هو الدليل على وجوب الباقي، حيث لا يمكن رفع الجزء المنسيّ إلاّ برفع أصل الأمر؟ فكان جوابه: أنّ نسبة دليل رفع المنسيّ إلى دليل الواجب هي نسبة الاستثناء إلى المستثنى منه، فوقع


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة346/الجزء الرابع

 

الخطأ في الكتابة فكتب الكاتب هذا المقطع في مسألة رفع الجزء المشكوك»«.

أقول: لو حملنا كلام المحقّق الخراسانيّ رحمه اللّه على المعنى الّذي فهمناه نحن من كلامه، لم يكن موضوع لهذا الإشكال، فهو يفتّش عن منجّز آخر لأحد الطرفين، و هو الأقلّ استطراقا إلى إجراء البراءة عن الطرف الآخر، و لا يفتّش عن مبرّر لتنجيز الأقلّ بعد فرض جريان البراءة عن جزئيّة الزائد.

و لو حملنا كلامه على ما فهمه السيّد الأستاذ فأيضا لا يرد عليه هذا الإشكال، فإنّ كلامه متّجه حسب مبانيه القائلة بوجود المراتب للحكم، و بأنّ المنجّز إنّما هو العلم الإجمالي بمرتبة الفعليّة، و بأنّ الإباحة الظاهريّة تنافي مرتبة الفعليّة، فعندئذ يقال: إنّه مع فرض جريان البراءة عن جزئيّة الزائد يثبت عدم فعليّة الأمر بالزائد، و الأوامر الضمنيّة تكون - لا محالة - مترابطة فيما بينها في الفعليّة و عدمها، إذ لو كانت المصلحة الثابتة في الأكثر بنحو توجد الإرادة و الحبّ الموجب للفعليّة، فلا محالة توجد الإرادة نحو الجميع، و إن لم تكن كذلك لم توجد الإرادة نحو شي‏ء منها أصلا، و لا معنى لثبوت الإرادة بلحاظ الأقلّ فقط إلاّ بفرض وجود المصلحة في نفس الأقلّ، إذن فبإجراء البراءة عن الزائد يصبح الأمر بالأكثر غير فعليّ، و بذلك ينتفي تكوينا العلم الإجمالي بالتكليف الفعلي على كلّ تقدير، و لا يقطع بوجوب الأقلّ بدرجة الفعليّة، لاحتمال كون وجوبه ضمن وجوب الأكثر غير الفعلي فلا بدّ من التفتيش عن منجّز للأقلّ.

 

حول ما ذكره الخراسانيّ رحمه اللّه في تعليقته

 الأمر الخامس: أنّ المحقّق الخراسانيّ رحمه اللّه ذكر في تعليقته على الكفاية»«: أنّ البراءة الشرعيّة - أيضا - لا تجري في المقام، و ذلك لأنّ المفروض وجود علم إجمالي غير منحلّ في نفسه، و لذا لم تجر البراءة العقليّة، فإن فرض ذلك علما بالتكليف الإنشائيّ فلا أثر له في التنجيز أصلا، و إن فرض علما بالتكليف الفعلي استحال


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة347/الجزء الرابع

 

جريان البراءة، و لو عن خصوص جزئيّة الزائد، لأنّ المفروض احتمال وجود أمر فعلي بالأكثر، و على تقدير وجوده تكون هذه البراءة مناقضة للواقع، فيلزم من إجراء البراءة احتمال المناقضة.

أقول: إنّ هذا الكلام منه قدّس سرّه أكثر انسجاما مع مبانيه ممّا ذكره في الكفاية هنا، إذ مع فرض علّيّة العلم الإجمالي لوجوب الموافقة القطعيّة و عدم إمكان الترخيص في المخالفة الاحتماليّة من باب المضادّة بينه و بين الحكم الواقعي الفعلي، لا وجه لدعوى انحلال العلم الإجمالي، و جريان البراءة عن أحد الطرفين بمجرّد وجود منجّز في الطرف الآخر.

نعم، لو كان مبناه في العلّيّة و عدم إمكان الترخيص في المخالفة الاحتماليّة مبنى المحقّق العراقي من المضادّة بينه و بين حكم العقل بالتنجيز، لا بينه و بين نفس الحكم الواقعي، أمكن دعوى الانحلال بمجرّد قيام منجّز في أحد الطرفين.

ثمّ إنّه لو اخترنا الوجه الثاني من الوجوه الثلاثة التي فسّرنا به كلامه قدّس سرّه في مقام تفتيشه عن منجّز للأقلّ من جعل نسبة حديث الرفع إلى أدلّة الأجزاء نسبة الاستثناء إلى المستثنى منه، اتّجه ما اختاره في الكفاية: من التفصيل بين البراءة العقليّة و الشرعيّة. و لم يرد عليه ما أورده في تعليقته على الكفاية، و ذلك لأنّه في ذلك الوجه تثبت فعليّة الأمر بالأقل، إذ يفرض أنّ دليل التكليف مجمل مردّد بين الأمر الفعلي بالأقل و الأمر الفعلي بالأكثر، و دليل البراءة في طرف الأكثر ينفي الأمر الفعلي بالأكثر، فتثبت بالملازمة كون الأمر الفعلي متعلّقا بالأقلّ.

و بكلمة أخرى: أنّ الاستثناء على هذا الوجه استثناء واقعي، و أمّا على الوجه الأوّل و الأخير فالاستثناء استثناء ظاهري، فيرد عليه ما في تعليقته على الكفاية من فرض احتمال المضادّة بين هذا الحكم الظاهري و الحكم الواقعي الفعلي.

هذا تمام الكلام في دوران الأمر بين الأقلّ و الأكثر بلحاظ الأجزاء.


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة348/الجزء الرابع

 

الدوران بين الأقلّ و الأكثر في الشرائط

و أمّا الكلام في دوران الأمر بين الأقلّ و الأكثر بلحاظ الشرائط فتفصيله ما يلي:

أنّ الشرط المحتمل قد يفرض شرطا لمتعلّق التكليف، كما إذا احتملت شرطيّة الطهارة لصلاة الميّت، و قد يفرض شرطا لمتعلّق المتعلّق، كما إذا احتملت شرطيّة الإيمان في الرقبة التي تعتق في الكفارة. و على أيّ حال قد يفرض هذا الشرط أمرا مستقلاّ عن المشروط، كاحتمال اشتراط الطهارة في الصلاة، و أخرى يفرض أمرا غير مستقلّ عنه، و حالا من حالاته، كاحتمال اشتراط التأنّي في الصلاة.

و المحاولات الماضية لمنع جريان البراءة فيما سبق من بحث الاجزاء يكون جريان بعضها في المقام - لو تمّ في نفسه - أخفى منه في المقام السابق  [1]، و يكون بعضها أخفى فشلا هنا منه في المقام السابق [2]، إلاّ أنّنا لا نتعرّض إلى تفصيل ذلك، و نقتصر في الحديث على جوابنا عن مانعيّة العلم الإجمالي بالأقلّ أو الأكثر، لرجوعه بالدقّة إلى المتباينين، و هو ما مضى من أنّ فرز الحدود من الحساب يخرج العلم الإجمالي عن الدوران بين المتباينين، و نوضّح جريان نفس الجواب حرفا بحرف في هذا المقام أيضا، ثمّ نتعرّض لكلام المحقّق العراقي قدّس سرّه مع إبطاله.

فنقول: إن فرض الشرط المحتمل شرطا للمتعلّق سواء كان من قبيل الطهارة،

 

__________________________________________

 

[1] من قبيل مانعيّة العلم التفصيليّ بوجوب الأقلّ المشكوك في امتثاله على تقدير ترك الزائد، فقد يخفى جريانه في المقام لعدم انفراز عينيّ للمقدار المعلوم وجوبه عن الزيادة، لأنّ الشرط ليس محتمل الوجوب في نفسه، و إنّما هو مقيّد و محصّص للواجب.

[2] من قبيل مانعيّة العلم الإجمالي بالأقلّ أو الأكثر المتوهم رجوعه إلى العلم الإجمالي بأحد المتباينين، و ذلك على أساس الغفلة عن إسقاط الحدود التي لا تدخل في العهدة من الحساب، فالغفلة عن ذلك في باب الشرط تكون أقوى، لأنّ الشرط محصّص للواجب المعلوم وجوبه، فيتخيّل أنّ الحدّ هنا لا يمكن تفكيكه عن المحدود، و إسقاطه عن الحساب، و ذلك باعتباره معنى حرفيّا مندكّا في المحدود.


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة349/الجزء الرابع

 

أو من قبيل التأنّي، فهنا يأتي ما ذكرناه في بحث الأجزاء من أنّه إن لوحظ كلّ ما في عالم التكوين من التكليف بحدوده كان العلم الإجمالي دائرا بين المتباينين، و لكن الحدود لا تدخل في العهدة، فنسقطها من الحساب، و نلحظ ذات الحكم، فعندئذ نرى الأمر دائرا بين الأقلّ و الأكثر، فإنّنا قد شككنا في أنّ الوجوب هل عرض على ذات الواجب بمعناه الاسمي فحسب أو انبسط على التقيّد بالشرط بالمعنى الحرفي؟ و هذا هو دوران الأمر بين الأقلّ و الأكثر، كما هو الحال في باب الأجزاء، و إنّما الفرق بين البابين: هو أنّه مضى في باب الأجزاء أنّ النّفس تخلق في الواجب الارتباطي عنوانا وحدانيّا، و هو عنوان المجموع و الكلّي، و تلبس هذا العنوان على ما في الخارج استطراقا إلى أن يعرض عليه وجوب واحد، و قلنا: إنّ العلم الإجمالي و إن كان - بلحاظ هذا اللباس الوحدانيّ - أمره دائرا بين المتباينين، لكنّ الّذي يدخل في العهدة إنّما هو ذو اللباس لا اللباس، و ذو اللباس أمره دائر بين الأقلّ و الأكثر، أمّا فيما نحن فيه فلا حاجة إلى أن تخلق النّفس عنوانا وحدانيّا تلبسه على ما في الخارج، و ذلك لأنّ الدخيل في الواجب في باب الشروط إنّما هو تقيّد الفعل بذلك الشرط، و هو معنى حرفي مندكّ في المعنى الاسمي، و متّحد معه في الوجود، فلا حاجة إلى عروض لون الوحدة على الواجب باعتبار عنوان وحداني تخلقه النّفس، فهذا فرق بين باب الأجزاء و الشرائط، إلاّ أنّ هذا الفرق ليس فارقا فيما هو المقصود كما هو واضح.

و إن فرض الشرط المحتمل شرطا لمتعلّق المتعلّق كالإيمان بالنسبة للرقبة فالصحيح أنّه - أيضا - يأتي في ذلك عين ما ذكرناه، من أنّه إن لوحظ الحكم بحدوده كان دائرا بين المتباينين، و لكن الحدود لا تدخل في العهدة، فالمتعيّن هو لحاظ ذات الحكم، و عندئذ نراه دائرا بين الأقلّ و الأكثر، و توضيح ذلك: أنّ نسبة العتق إلى الرقبة أو إلى الرقبة المؤمنة معنى حرفي واقع تحت الوجوب، و يقع الكلام في أنّ هاتين النسبتين هل هما متباينتان، أو هما من قبيل الأقلّ و الأكثر؟ و قد حقّقنا في بحث المعاني الحرفيّة: أنّ تباين المعاني الحرفيّة يكون بتباين بعض الأطراف. و عليه ففيما نحن فيه يكون تباين هاتين النسبتين بتباين طرفيهما، و هما: الرقبة و الرقبة المؤمنة، فيجب نقل الكلام إلى متعلّق المتعلّق، و هو الرقبة و الرقبة المؤمنة، و هما مطلق و مقيّد. و قد عرفت أنّ المطلق و المقيّد و إن كانا لو لوحظا بحدّيهما كانا متباينين، و لكن لو لوحظا بذاتيهما و بالمقدار الّذي يدخل في العهدة فهما أقلّ و أكثر، حتّى لو


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة350/الجزء الرابع

 

فرض الإطلاق أمرا وجوديّا، لما مضى من أنّ الإطلاق ليس له ما بإزاء في محكيّ الصورة، و إنّما شغله عبارة عن أن يجعل الصورة أوسع انطباقا و حكاية عمّا في الخارج، و بهذا يتّضح الحال في نسبة العتق إلى الرقبة و إلى الرقبة المؤمنة، فهما مع ملاحظة تلك الحدود متباينتان، و مع إلغاء الحدود تكونان أقلّ و أكثر.

ثمّ إنّ المحقّق العراقي رحمه اللّه ذكر في المقام تفصيلا في فرض دوران الأمر بين الأقلّ و الأكثر بلحاظ شرائط متعلّق المتعلّق، لكنّه يظهر ببيان نكتة التفصيل أنّه لو تمّ لجرى في شرائط المتعلّق أيضا، و قبل ذكر هذا التفصيل نذكر مقدّمتين:

الأولى: أنّ تلوّن الشي‏ء بلون الإطلاق تارة، و بلون التقييد أخرى إنّما هو بلحاظ عالم الجعل، و أمّا بلحاظ عالم التطبيق فلا يتّصف الشي‏ء بالإطلاق و التقييد، و إنّما يتّصف بالفقدان و الوجدان، فالرقبة مثلا في عالم جعل وجوب العتق إمّا مطلقة أو مقيّدة بالإيمان، و أمّا في عالم التطبيق فهي إمّا واجدة للإيمان أو فاقدة له، و لا يتصوّر فيها الإطلاق و التقييد.

و الثانية: أنّ هنا اختلافا جوهريّا بين الانحلال الّذي نحن اخترناه في دوران الأمر بين الأقلّ و الأكثر بلحاظ الأجزاء، و الانحلال الّذي اختاره المحقّق العراقي رحمه اللّه في ذلك، فإنّنا اخترنا الانحلال بلحاظ نفس التكليف، و بحسب عالم العهدة، حيث قلنا: إنّه لو لوحظ ذات التكليف ملغيّا عنه حدوده، لأنّها لا تدخل في العهدة، تردّد لا محالة بين الأقلّ و الأكثر، و يكون الزائد مشكوكا بالشكّ البدوي، لكنّ المحقّق العراقي لا يقول بالانحلال بهذا المعنى، و إنّما يقول بالانحلال بمعنى آخر، و هو قدّس سرّه لم يصرّح في مقام تقريب الانحلال بذلك، و لكنّنا نقتنص هذا المبنى له من كلامه فيما اختاره فيما نحن فيه من التفصيل، فهو رحمه اللّه لا يقول بالانحلال بلحاظ نفس التكليف باعتبار عالم العهدة، فكأنّه قدّس سرّه يأخذ الحدود بعين الاعتبار مثلا، فيصبح الأمر دائرا بين المتباينين، و إنّما يقول بالانحلال بلحاظ عالم الامتثال و التطبيق، لأنّه لا بدّ له بحسب عالم الامتثال و التطبيق من الإتيان بالأجزاء التسعة، و يشكّ في لزوم ضمّ جزء آخر إليها و عدمه، فالأمر بلحاظ عالم الامتثال و التطبيق دائر بين الأقلّ و الأكثر، و يكون الزائد مشكوكا بالشكّ البدوي و منفيّا بالبراءة.

إذا عرفت هاتين المقدّمتين ظهرت لك نكتة التفصيل فيما نحن فيه، حيث فصّل المحقّق العراقي بين ما إذا كان القيد المشكوك بنحو يكون كلّ فرد من أفراد الطبيعي قابلا للاتّصاف به كالإيمان و نحوه بالنسبة للرقبة، و بين ما لا يكون كذلك


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة351/الجزء الرابع

 

كالهاشميّة و نحوها، بالمصير إلى البراءة في الأوّل دون الثاني، و تلك النكتة: هي أنّه في القسم الأوّل توجد بلحاظ التطبيق رقبة يطبّق عليها الحكم، و يشكّ في لزوم إضافة وصف الإيمان إليها و عدمه، فتجري البراءة. و أمّا في القسم الثاني فبناء على اشتراط الهاشميّة لا بدّ في مقام التطبيق من تبديل الفرد غير الهاشمي إلى فرد آخر هاشمي، لا إضافة الهاشميّة إلى الفرد الأوّل»«.

و بهذا يظهر أنّه كان ينبغي له رحمه اللّه أن يجعل مصبّ التفصيل عنوان قدرة المكلّف على إضافة الشرط إلى الفرد الفاقد و عدمها، فيلحق مثل الإيمان عند عدم قدرة المكلّف على هداية الرقبة إلى الإيمان بمثل الهاشميّة، كما أنّ هذا التفصيل يأتي حتّى بلحاظ قيود المتعلّق.

هذا. و قد ظهر بالبيان الّذي بيّناه بطلان هذا التفصيل في المقام، لأنّك عرفت تماميّة الانحلال في نفس التكليف، و بلحاظ ما في العهدة، و لا مساس لما ذكره من التفصيل بهذا المعنى من الانحلال، فعلى أيّ حال من الأحوال يكون ما وقع تحت التكليف من نسبة العتق إلى الرقبة أو إلى الرقبة المقيّدة مردّدا - لدى قطع النّظر عن الحدود - بين الأقلّ و الأكثر فتجري البراءة.

على أنّنا لو تنزّلنا عن الانحلال الّذي اخترناه، و التجأنا إلى الانحلال بلحاظ عالم التطبيق و الامتثال الّذي اقتنصناه من كلام المحقّق العراقي رحمه اللّه، فهو لا يتمّ إلاّ بإرجاعه إلى بعض ما سوف يأتي - إن شاء اللّه - من وجوه الانحلالات الحكميّة، حيث سنلجأ إلى ذلك في مورد لا يتمّ الانحلال الحقيقي الّذي اخترناه في باب الأجزاء، و ذاك الوجه لا يفترق في حسابه بين مثل الإيمان و مثل الهاشميّة، أو بين قدرة المكلّف على إضافة الشرط إلى الفرد الفاقد و عدمها، إذن فهذا التفصيل ممّا لا أساس له.


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة352/الجزء الرابع

 

الدوران بين التعيين و التخيير

بقي الكلام في دوران الأمر بين التعيين و التخيير.

و بما أنّ التخيير تارة يكون عقليّا بأن يأمر بجامع عرفي بين أفراده، فيحكم العقل بالتخيير بينها، لتساوي نسبة الجامع إليها، و أخرى يكون شرعيّا، كما إذا لم يكن جامع عرفي بينها يوجّه الأمر إليه، فاستعان المولى في مقام تفهيم التخيير بمثل العطف ب (أو). فالكلام يقع في مقامين:

 

التعيين و التخيير العقلي

المقام   الأوّل: في دوران الأمر بين التعيين و التخيير العقلي، و هذا تارة يكون بلحاظ المتعلّق، كما إذا دار الأمر بين وجوب الإكرام بقول مطلق، أو وجوب إكرام مخصوص، و هو الإطعام مثلا، و أخرى بلحاظ متعلّق المتعلّق: كما إذا دار الأمر بين وجوب إطعام حيوان بالمعنى الشامل للإنسان و وجوب إطعام حيوان خاص، و هو الإنسان مثلا.

و الصحيح في كلا القسمين - ما دمنا نفترض أنّ الجامع جامع حقيقي، فهو مطلوب و لو ضمن قسم من أقسامه - هو الانحلال حقيقة، و الرجوع إلى البراءة بلحاظ الشكّ في الزيادة في عالم العهدة، و لا حاجة إلى التنزّل إلى الانحلال الحكمي بلحاظ عالم الامتثال و التطبيق.

و ذهب المحقّق العراقي رحمه اللّه»« إلى عدم الانحلال، بناء على مسلكه الّذي مضى منّا ذكره في فرض دوران الأمر بين الأقلّ و الأكثر بلحاظ الشرائط، حيث قلنا:

إنّه قدّس سرّه كأنّه يرى التباين بلحاظ نفس الوجوب، باعتبار إدخال الحدود في الحساب،


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة353/الجزء الرابع

 

فيقول بالانحلال بلحاظ عالم التطبيق بتقريب أنّه إذا دار الأمر بين وجوب الإكرام من دون شرط زائد و وجوبه متقيّدا بتعقيبه بالدعاء مثلا، فنحن نشير إلى شخص هذا الإكرام، و نقول: إمّا أنّه يجوز الاكتفاء بهذا، أو يلزمنا ضمّ شي‏ء آخر إليه، و هو تعقيبه بالدعاء، فتجري البراءة بلحاظ لزوم ضمّ شي‏ء آخر إليه. و عليه، ففيما نحن فيه لا مجال للبراءة، إذ لو شككنا في أنّ الواجب هو إطعام حيوان أو إطعام إنسان لا يمكن الإشارة إلى إطعام حيوان بالخصوص بأن يقال: إمّا يجوز الاكتفاء بهذا، أو يلزمنا ضمّ شي‏ء آخر إليه، حتّى نجري البراءة عن ذلك الشي‏ء، بل إمّا يجوز الاكتفاء بهذا، أو يلزمنا تبديله بفرد آخر مباين له.

و لكنّك عرفت فيما مضى من دوران الأمر بين الأقلّ و الأكثر بلحاظ الأجزاء أو الشرائط ثبوت الانحلال الحقيقي في عالم العهدة، و في مورد يتمّ ذلك لا نقع في المشكلة التي وقع فيها المحقّق العراقي رحمه اللّه.

و فيما نحن فيه يتمّ أيضا ما ذكرناه من الانحلال الحقيقي بلحاظ عالم العهدة على تمام المباني في باب علاقة النوع بالجنس، و من دون فرق فيما بين تلك المباني في ذلك، عدا أنّه يقع شي‏ء من الاختلاف في كيفيّة بيان تماميّة ما ذكرناه من الانحلال الحقيقي باختلاف تلك المباني، و نقتصر هنا على ذكر المبنى المشهور في الفلسفة التقليديّة، و توضيح تماميّة الانحلال الحقيقي مبنيّا عليه.

و توضيح ذلك: أنّه يوجد إشكال في باب النوع المحدّد بالجنس و الفصل كقولهم: (الإنسان حيوان ناطق) حيث يقال: إنّ الحدّ عين المحدود، و يقال - أيضا -:

إنّ مفهوم النوع بسيط، فعندئذ يظهر الإشكال، و هو: أنّه هل يكون كلّ من الحيوان و الناطق بإزاء جزء من الإنسان، أو يكون كلّ منهما بإزاء تمام الإنسان؟ فعلى الأوّل يلزم تركّب مفهوم الإنسان، و على الثاني تلزم وحدة مفهوم الحيوان و مفهوم الناطق، إذ المفروض وحدة مفهوم الحيوان مع الإنسان، و وحدة الإنسان مع مفهوم الناطق.

و أجابوا عن هذا الإشكال: بأنّ هذا التعدّد الماهوي الموجود في الحيوان الناطق موجود أيضا بنحو الكمون و الإجمال في الإنسان - و هذا التعدّد الماهوي لا ينافي وحدة الوجود، إذ ليست كلّ من الماهيتين متحصّلتين، حتّى يلزم من تعدّدهما تعدّد الوجود، بل الجنس ماهيّة بالقوّة تتحصّل و تتحصّص بواسطة الفصل، فلا مانع من أن تتحصّل ماهيّة واحدة و وجود واحد - و اختلاف مفهوم النوع عن مفهوم حدّه بالوحدة و التعدّد إنّما نشأ من اختلاف اللحاظ دون الملحوظ، فتارة يلحظ بلحاظ


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة354/الجزء الرابع

 

تفصيلي و أخرى يلحظ بلحاظ إجمالي، و ذلك يشبه اختلاف الرؤية بالإجمال و التفصيل، فقد يرى الإنسان الحديقة برؤية الوحدة و الإجمال، و قد يراها برؤية التفصيل و تعدّد الأشياء المتكثّرة من الأوراد و الأشجار و الأغصان و غيرها.

و الخلاصة: أنّ الاختلاف هنا اختلاف لحاظي، لا اختلاف في الملحوظ، و لذا قالوا: إنّ الجنس و الفصل أجزاء للحدود، دون المحدود. هذا ما ذهبوا إليه في المقام.

و عليه نقول: إنّ الجنس و النوع إذا لاحظناهما بما لهما من حدّ الكمون و التفصيل كانا متباينين، لا أقلّ و أكثر، فالإنسان بما أنّه يكمن فيه الحيوان يباين الحيوان الملحوظ بالتفصيل لا بالكمون، لكنّ هذا الحدّ الإجمالي و التفصيليّ ليس هو الّذي يدخل في العهدة، و إنّما الّذي يدخل في العهدة هو ذات المحدود و الملحوظ، و النسبة بينهما بما هما ذات المحدود و الملحوظ هي نسبة الأقلّ و الأكثر، فتأتي تلك الماهيّة التي هي بالقوّة - أعني الحيوان - في العهدة قطعيّ، و تأتّي مقدار زائد عليه فيها - و هو الفصل - مشكوك.

 

التعيين و التخيير الشرعي

المقام الثاني: في دوران الأمر بين التعيين و التخيير الشرعي، و بما أنّ الحال يختلف فيه باختلاف المباني في باب التخيير الشرعي، فلذا نتكلّم فيه على كلّ واحد من المباني المهمّة في باب التخيير الشرعي و هي ما يلي:

المبنى الأوّل في باب التخيير الشرعي هو: القول بأنّه عبارة عن عدّة وجوبات مشروطة، فكلّ عدل منها واجب بشرط ترك الباقي، و عليه فمعنى الشكّ في كون العتق مثلا واجبا تعيينيا أو تخييريا: هو أنّه هل يكون وجوبه مطلقا أو مشروطا بفرض عدم الصوم و الإطعام؟، و هذا يعني أنّنا نعلم تفصيلا بوجوب العتق في حالة عدم الصوم و الإطعام، و نشكّ في وجوبه في حالة الصوم أو الإطعام، فنجري البراءة عن وجوبه في تلك الحالة، و بكلمة أخرى: أنّنا نجري البراءة عن إطلاق الوجوب و لا يقاس إطلاق الوجوب بإطلاق الواجب، فإنّ إطلاق الواجب لم يكن تكليفا زائدا بخلاف إطلاق الوجوب، و الوجوب المشروط مع الوجوب المطلق و إن كانا بحدّهما المشروطي و الإطلاقي متباينين، لكنّ الّذي يدخل في العهدة هو المحدود لا الحدّ، و ذات الوجوبين تكون النسبة بينهما نسبة الأقلّ و الأكثر، نظير ما


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة355/الجزء الرابع

 

مرّ من أنّ الواجب المطلق و الواجب المقيّد متباينان بحدّهما الإطلاقي و التقييدي، لكنّ العبرة بذات المحدود، و هو مردّد بين الأقلّ و الأكثر، فالعلم الإجمالي على هذا المبنى منحلّ حقيقة.

إلاّ أنّه ناقش في هذا الانحلال المحقّق النائيني رحمه اللّه»«، لأنّه فرض مشروطيّة هذه الوجوبات في مرحلة البقاء دون الحدوث، و أنّ كلّ عدل من الوجوبات التخييرية واجب ما لم يأت بالآخر، فذكر في المقام: أنّه لو صام مثلا فقد شكّ في سقوط وجوب العتق عنه، لا في أصل حدوثه، و البراءة إنّما تجري في الشكّ في أصل حدوث التكليف، و أمّا مرحلة السقوط فهي مرحلة الاشتغال لا البراءة.

و يرد عليه:

أوّلا: أنّنا لا نساعد على أن يفرض جزميّا كون الاشتراط في مرحلة البقاء، بل لا أقلّ من احتمال كونه في مرحلة الحدوث، فمن صام مثلا كشف ذلك عن عدم وجوب العتق عليه من أوّل الأمر، و لو بنحو الشرط المتأخّر.

و ثانيا: هب أنّنا سلّمنا أنّ الاشتراط يكون في مرحلة البقاء، فيقع الشكّ في سقوط التكليف و بقائه، لا في حدوثه و عدم حدوثه، لكنّنا لا نسلّم اختصاص دليل البراءة بالشكّ في الحدوث دون الشكّ في البقاء، بل مهما كان الشكّ في أصل التكليف سواء كان بلحاظ حدوثه أو بلحاظ انبساطه بقاء تجري البراءة، بغضّ النّظر عن فرض تقدّم استصحاب بقاء التكليف على البراءة، و ذلك لإطلاق دليلها و عدم مبرّر لتخصيصها بالقسم الأوّل، و أنّما نقول في الشكّ في الامتثال بعدم جريان البراءة، لأنّ الشكّ في الحقيقة لا يكون في فعليّة التكليف، بل في فاعليّته كما مرّ بيانه.

و قد تحصّل ممّا ذكرناه: أنّ العلم الإجمالي بالأمر التعييني أو الأمر التخييري بناء على رجوعه إلى أوامر مشروطة منحلّ انحلالا حقيقيّا.

إلاّ أنّ هذا الانحلال إنّما هو بلحاظ العلم الإجمالي الواضح في المقام. و لكنّ المحقّق العراقي رحمه اللّه أبدى في المقام علما إجماليّا آخر»«، و بلحاظه لا يتمّ هذا الانحلال الحقيقي، و هذا العلم الإجمالي نؤجّل بيانه إلى ذيل المبنى الرابع من


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة356/الجزء الرابع

 

المباني في الوجوب التخييري الّذي هو مختار المحقّق العراقي رحمه اللّه، فإنّ هذا العلم الإجمالي مشترك الورود بين المبنيين، و نشير هنا إلى أنّه إذا امتنع الانحلال الحقيقي في المقام رجعنا إلى الانحلال الحكمي، بناء على قوانين الاقتضاء، و كون تساقط الأصول بملاك التعارض.

المبنى الثاني: ما اختاره المحقّق الخراسانيّ قدّس سرّه في بعض أقسام الواجب التخييري و هو: أن يفرض - أيضا - إرجاعه إلى وجوبات مشروطة بعدد الأطراف، كما في المبنى الأوّل بفرق أنّه في المبنى الأوّل لم يكن إطلاق لا للخطاب و لا للملاك، و لكن في هذا المبنى يفرض ثبوت الملاك في كلّ من العدلين مطلقا، و لكن المولى لم يأمر بالإتيان بكلا العدلين جمعا، لتزاحم في باب الأغراض، إمّا من باب أنّ الملاكين متنافيان في مقام التحصيل خارجا، أو من باب أنّ إيجابهما جمعا مناف لمصلحة التسهيل»«.

و على هذا المبنى لا بدّ من الاحتياط، للعلم بالملاك الملزم، و تمحّض الشكّ في القدرة على التحصيل، أو الترخيص في المخالفة لمصلحة التسهيل، و مثل هذا الشكّ ليس مؤمنا  [1].

المبنى الثالث: ما اختاره السيّد الأستاذ»« و يتراءى من كلمات المحقّق النائيني رحمه اللّه [2] - على تشويش و اضطراب في كلماته - و هو إرجاع التخيير الشرعي

 

__________________________________________

 

[1] لا يبعد القول بأنّ احتمال عدم مطلوبيّة تحصيل الملاك لتزاحمه بمصلحة التسهيل كاف في إجراء البراءة الشرعيّة، بل لعلّه كاف في إجراء البراءة العقليّة أيضا، و إلاّ للزم عدم إجرائها حينما تكون مطلوبيّة شي‏ء مقطوعا بها مع التردّد بين الوجوب و الاستحباب، فإنّ مجرّد كون الشي‏ء ذا ملاك مطلوب محرّك للمولى لإبرازه كاف في إيجابه لو لا التسهيل، مهما فرض الملاك خفيفا، إذ لا داعي لتفويته لو لم يكن مزاحما بمصلحة إحساس المكلّف بالحريّة و التسهيل.

[2] لا يخفى أنّ صريح كلام المحقّق النائيني رحمه اللّه ينفيه، راجع أجود التقريرات: ج 1، يتبع


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة357/الجزء الرابع

 

إلى التخيير العقلي، بأن يقال: إنّ الواجب عنوان انتزاعي، و هو عنوان أحدهما.

و أجرى السيّد الأستاذ هنا نفس الانحلال الثابت في دوران الأمر بين التعيين و التخيير العقلي، أو بين الأقلّ و الأكثر بلحاظ الأجزاء، أو الشرائط، و هو يقول: إنّ ذلك انحلال حكمي، لكنّنا قلنا: إنّه انحلال حقيقي.

فهو يقول هنا بالانحلال بدعوى أنّ وجوب أحدهما معلوم تفصيلا على كلّ تقدير، و وجوب تخصيص أحدهما بخصوصيّة العتق مثلا مشكوك تجري عنه البراءة، نظير ما يقال في دوران الأمر بين التعيين و التخيير العقلي: من أنّ وجوب إطعام الحيوان مثلا معلوم، و وجوب خصوصيّة إطعام الإنسان غير معلوم، فتجري عنه البراءة»«.

و لكنّ هذا منه خلط بين عنوان أحدهما و واقع أحدهما.

فإن فرض أنّ ما هو المعلوم تفصيلا وجوبه على كلّ تقدير، و الّذي أوجب انحلال العلم الإجمالي هو عنوان أحدهما الانتزاعي. قلنا: إنّه إنّما يكون عنوان أحدهما معلوم الوجوب على أحد التقديرين: و هو تقدير الوجوب التخييري، و أمّا على التقدير الآخر فالواجب هو ذات العتق، لا عنوان أحدهما الانتزاعي.

و إن فرض أنّ ما هو المعلوم تفصيلا وجوبه على كلّ تقدير هو واقع أحدهما، و هو ذات العتق، فمن الواضح - أيضا - أنّ هذا الواقع ليس هو معلوم الوجوب على كلّ تقدير، بل على أحد التقديرين، و هو كون الوجوب تعيينيّا، أمّا على تقدير التخيير فالواجب هو عنوان أحدهما الانتزاعي، فتخيّل وجود شي‏ء واحد معلوم الوجوب على كلّ تقدير به ينحلّ العلم الإجمالي خلط بين واقع أحدهما و عنوان أحدهما، لأنّ الأوّل هو المعلوم على أحد التقديرين، و الثاني هو المعلوم على

__________________________________________

 

.......- ص 184، و فوائد الأصول: ج 1، ص 32، و لعلّ مراد أستاذنا الشهيد رحمه اللّه من أنّه يتراءى ذلك من كلمات المحقّق النائيني على تشويش و اضطراب في كلامه هو أنّ ما اختاره المحقّق النائيني من أنّ حقيقة الوجوب التخييري هي تعلّق الأمر بكل واحد من الشيئين أو الأشياء على وجه البدليّة، كما ورد في فوائد الأصول، ج 1، ص 235، أو أنّ حقيقته هي تعلّق التكليف بواقع أحدهما، كما ورد في أجود التقريرات، ج 1، ص 184، لا يتصوّر له معنى معقول إن لم يرجع - و لو ارتكازا - إلى الأمر بالجامع الانتزاعي.


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة358/الجزء الرابع

 

التقدير الآخر، و لا يقاس ذلك بمسألة دوران الأمر بين التعيين و التخيير العقلي، فإنّ الجامع هناك جامع حقيقي، فيكون تحت الوجوب حتّى على تقدير تعلّق الوجوب بإحدى الحصّتين، لانطواء تلك الحصّة في ذاتها على ذلك الجامع، و أمّا العنوان الانتزاعي فلا يسري إليه الوجوب من الوجوب المتعلّق بمنشإ الانتزاع.

نعم، لو أنكرت الجوامع الحقيقيّة رأسا، و قيل: إنّ مثل كلمة الحيوان و غيرها من الكلّيّات ليست إلاّ مجرّد رمز، لا جامعا حقيقيّا بين عدّة أشياء، أصبح حال دوران الأمر بين التعيين و التخيير العقلي هو حال دوران الأمر بين التعيين و التخيير الشرعي، فهناك أيضا يبطل هذا الانحلال.

و على أيّة حال، ففرض رجوع الوجوب التخييري إلى وجوب الجامع الانتزاعي لا يساعد على الانحلال الحقيقي.

نعم، هنا شي‏ء: و هو أنّ الأمرين المتباينين اللذين نعلم بدخول أحدهما في العهدة، و هما واقع أحدهما - أعني العتق - و العنوان الانتزاعي، - أعني عنوان أحدهما - يكون بينهما في حصول الامتثال عموم مطلق، فالإتيان بواقع أحدهما - أعني العتق - يساوق الإتيان بعنوان أحدهما، دون العكس.

و هنا ينفتح علينا باب العلوم الإجماليّة التي تكون من هذا القبيل، أي يكون امتثال أحدهما غير منفكّ عن امتثال الآخر، بخلاف العكس، من دون وجود قدر متيقّن في الوجوب موجب لانحلال العلم الإجمالي حقيقة، و يمكن أن تذكر لذلك عدّة أمثلة من قبيل:

1 - ما لو دار الأمر بين وجوب شي‏ء و وجوب عنوان ينتزع منه و من غيره، كالقيام و التعظيم حينما يعلم إجمالا: إمّا بوجوب ذات القيام الّذي ينتزع منه التعظيم، أو وجوب التعظيم المنتزع من القيام و من غير القيام أيضا.

2 - ما لو دار الأمر بين أحد عنوانين انتزاعيين يكون أحدهما أخصّ من الآخر في مقام الانتزاع، كما لو علم إجمالا بوجوب إظهار القراءة بالجهر المنتزع، و وجوب اسماعها، بمعنى أنّه لو كان عنده أحد لسمعه، فإنّ الأوّل لا ينفكّ عن الثاني لكنّ الثاني ينفكّ عن الأوّل، إذ يمكن الإسماع مع الإخفات.

3 - ما لو دار الأمر بين وجوب المعلول و وجوب أحد أجزاء علّته، فالأوّل لا ينفكّ عن الثاني دون العكس، كما لو علم إجمالا بوجوب وضع السلّم أو الكون على السطح.


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة359/الجزء الرابع

 

4 - ما لو دار الأمر بين وجوب شي‏ء يلازم شيئا آخر دون العكس و وجوب ذاك اللازم، كما لو علم إجمالا بوجوب إكرام الخادم أو المخدوم، و فرضنا أنّه يحصل بإكرام الخادم إكرام المخدوم - أيضا - دون العكس.

و كل علم إجمالي يكون من هذا القبيل لا يكون منحلاّ انحلالا حقيقيّا، لأنّه بلحاظ ما في العهدة يكون الأمر دائرا بين المتباينين. نعم، بلحاظ ما لا بدّ تكوينا من الإتيان به لو أراد حصول الامتثال يكون الأمر دائرا بين الأقلّ و الأكثر، لأنّ أحدهما لا ينفكّ امتثاله عن الآخر بخلاف العكس، لكنّ هذا انحلال بلحاظ اللابدّيّة التكوينيّة، لا بلحاظ اللابدّيّة الشرعيّة و ما يدخل في العهدة شرعا.

و هنا يجب أن ننتقل من الانحلال الحقيقي إلى البحث عن الانحلال الحكمي، لنرى هل يوجد في المقام انحلال حكمي أو لا؟ و التحقيق: أنّه إن فرضنا أنّ العلم الإجمالي ينجّز الواقع بمرتبة الموافقة القطعيّة تنجيزا علّيّا فلا معنى هنا للانحلال الحكمي، و لا بدّ من الاحتياط باختيار العتق، لأنّ كلا من عنوان العتق و عنوان أحدهما يحتمل أن يكون هو الواقع الّذي هو منجّز حسب الفرض.

و إن فرض أنّ العلم الإجمالي إنّما ينجّز الجامع، أو ينجّز الواقع بمقدار الجامع، أو أنّ تنجيزه للواقع بمرتبة الموافقة القطعيّة ليس بنحو العلّيّة، و أنّ تنجيزه بهذه المرتبة نتيجة لتعارض الأصول في الأطراف، ففيما نحن فيه يتّجه الانحلال الحكمي بجريان البراءة عن وجوب العتق، و لا تعارض بالبراءة عن وجوب أحدهما، لأنّ البراءة عن وجوب أحدهما غير جارية بقطع النّظر عن المعارضة، فإنّ الهدف من إجراء البراءة هو التأمين عن العقاب، ففي أيّ حال يفترض تأمين هذه البراءة عن العقاب؟ هل في حال الإتيان بأحدهما، أو في حال عدم الإتيان بذلك؟ طبعا ينبغي أن يطلب منها التأمين في الحال الثاني، إذ الحال الأوّل هو حال امتثال عنوان أحدهما، و لا معنى للتأمين عن عقابه في حال امتثاله، و إنّما المقصود من إجراء البراءة هو إثبات عدم استحقاق العقاب لو خالف، و من المعلوم أنّ الحال الثاني - و هو حال ترك عنوان أحدهما - مساوق لحال المخالفة القطعيّة للواجب، و ترك الجامع رأسا، و ثبوت العقاب في هذا التقرير قطعيّ، و ليس في هذا الحال عقاب ثان تفرض البراءة مؤمّنة عنه.

و إذا كان المختار في باب العلم الإجمالي التفصيل بين البراءة العقليّة و البراءة


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة360/الجزء الرابع

 

الشرعيّة، بأنّ البراءة العقليّة لا تجري بقطع النّظر عن المعارضة. و أمّا البراءة الشرعيّة فهي تجري لو لا المعارضة اتّجه هذا التفصيل هنا، فالبراءة العقليّة لا تجري، و البراءة الشرعيّة عن العتق تجري لما عرفت من عدم ابتلائها بالمعارض، و هذا هو مختارنا.

نعم، لا بدّ من التفتيش عن دليل يشمل في نفسه فرض العلم الإجمالي كالاستصحاب.

هذا. و قد يقال في المقام: إنّ ثبوت العلم الإجمالي من دون انحلال حقيقي بلحاظ ما في العهدة، و إن كان تامّا في مثل دوران الأمر بين وجوب القيام و وجوب التعظيم المنتزع من القيام و غيره، لدوران أمر ما علمنا إجمالا دخوله في العهدة بين المتباينين، و هما القيام و التعظيم، و لكن في مثل ما نحن فيه - و هو دوران الأمر بين عنوان أحدهما و واحد معيّن منهما، و هو العتق مثلا - لا يتمّ ذلك.

و الفرق بين الموردين: هو أنّه فيما نحن فيه لا يتشكّل علم إجمالي بلحاظ ما في العهدة، لأنّنا و إن كنّا نعلم إجمالا بوجوب العتق، أو وجوب أحدهما مثلا المنتزع منه و من الصوم مثلا، لكنّ الّذي يمكن أن يدخل في العهدة إنّما هو العتق، و أمّا عنوان أحدهما فلا يمكن أن يدخل في العهدة، إذ هو عنوان يخاط في معمل النّفس بوهمها و خيالها ليلبسه على ما في الخارج، و ليس له ما بإزاء في الخارج واقعا، فليس هذا حاله حال العناوين الانتزاعيّة التي تنتزع باعتبار مالها بإزاء في الخارج، فالتعظيم المنتزع من القيام يكون بلحاظ شي‏ء ثابت مع القيام لولاه لما انتزع ذلك من القيام، فتكوّن العلم الإجمالي بلحاظ ما في العهدة بين أمرين متباينين و هما التعظيم و القيام معقول بخلاف الحال فيما نحن فيه.

و الجواب: أنّ عنوان أحدهما و إن كان عنوانا تخيطه النّفس لكنّه ليس مجرّد أمر وهمي من قبيل أنياب أغوال، بل هو شي‏ء تصنعه النّفس في معملها الخاصّ لتري به درجة من التغيّر الواقع في العالم الخارجي، فحينما نعرف أنّه دخل أحد الشخصين في الدار فهذا في الحقيقة يكشف عن نوع تغيّر واقع في العالم الخارجي، و هو عدم انضمام عدم هذا الشخص في الدار إلى عدم انضمام ذاك الشخص فيها، إذن يكون له نحو ما بإزاء في الخارج و بلحاظه يدخل في العهدة.

المبنى الرابع: ما اختاره المحقّق العراقي رحمه اللّه من إرجاع الوجوب التخييري إلى عدّة وجوبات بعدد الأعدال كما هو الحال على المبنى الأوّل، مع فرض ضيق في جانب الوجوبات كما هو الحال أيضا على المبنى الأوّل، إلاّ أنّ الفرق بينه و بين


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة361/الجزء الرابع

 

المبنى الأوّل هو أنّه كان يتصوّر الضيق في المبنى الأوّل في نفس الوجوبات، فكانت الوجوبات تفرض بخطاباتها و ملاكاتها مشروطة بترك الآخر، و أمّا على هذا المبنى فالوجوب مطلق و إنّما الضيق يكون في المتعلّق، فيكون الواجب بعض مراتب الوجود، و بما أنّه في جانب الوجود لا تتصوّر مراتب بل الشي‏ء إمّا موجود أو معدوم، فصاحب هذا الوجه يرجع ارتكازا متعلّق الوجوب إلى سدّ أبواب العدم، فالواجب التعييني هو ما وجب سدّ جميع أبواب عدمه، و أمّا الواجب التخييري فهو ما وجب سدّ بعض أبواب عدمه، فصلاة الظهر يوم الخميس مثلا يجب سدّ تمام أبواب عدمها، و لكنّ صلاة الظهر في يوم الجمعة بناء على التخيير بينها و بين صلاة الجمعة يجب سدّ باب عدمه المقارن لعدم صلاة الجمعة، و لا يجب سدّ باب عدمه المقارن لوجود صلاة الجمعة»«.

و بناء على هذا المبنى نقول بالانحلال الحقيقي، كما قلنا به على المبنى الأوّل، لأنّ روح المبنيين في الحقيقة شي‏ء واحد، ففي المبنى الأوّل قلنا بالانحلال الحقيقي بتقريب: أنّ وجوب العتق في فرض الإتيان بالصوم غير معلوم فينفى بالبراءة و يقتصر على القدر المتيقّن من الوجوب، و هو وجوبه في فرض عدم الإتيان بالصوم، و هنا نقول: إنّ وجوب سدّ باب عدم العتق المقارن لعدم الصوم معلوم، و لكنّ وجوب سدّ باب عدمه المقارن لوجود الصوم غير معلوم فينفي بالبراءة، غاية الأمر أنّ الشكّ هناك كان في وجوب زائد، و هنا يكون في واجب زائد.

إلاّ أنّ هذا الانحلال الحقيقي الّذي ذكرناه هنا و هناك إنّما هو بقطع النّظر عمّا أبداه المحقّق العراقي رحمه اللّه»« من علم إجمالي في المقام مشترك الورود بين المبنيين، و تقريبه بلغة المبنى الأوّل هو أن يقال: إنّه إذا دار الأمر بين وجوب العتق تعيينا، أو التخيير بينه و بين الصوم فقد علمنا بأنّه إمّا أنّ العتق واجب حتّى على تقدير الصوم، أو أنّه لا يجوز ضمّ ترك الصوم إلى ترك العتق، فإنّ العتق لو كان واجبا تعيينيّا فهو واجب حتّى على تقدير الصوم، لكن لا يحرم ضمّ ترك الصوم إلى ترك العتق، و إنّما


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة362/الجزء الرابع

 

هو ضمّ لترك المباح إلى ترك الواجب، و المحذور إنّما هو في ترك الواجب، و لو كان واجبا تخييريّا فهو ليس واجبا على تقدير الصوم، و لكن يحرم - عندئذ - ضمّ ترك الصوم إلى ترك العتق. و شبيه بهذا التقريب يأتي - أيضا - على المبنى الرابع  [1].

و هذا البيان لتسجيل الاشتغال متين بناء على قوانين العلّيّة و كون الأصول ساقطة بقطع النّظر عن المعارضة، فإنّ العلم الإجمالي بوجوب العتق تعيينا و إطلاقا، أو وجوبه في حالة عدم الصوم و إن كان منحلاّ حقيقة كما عرفت إلاّ أنّ هذا العلم الإجمالي الّذي أبداه المحقّق العراقي رحمه اللّه غير منحل.

و أمّا بناء على كون تساقطها بالتعارض، فهذا البيان و إن كان تامّا بمقدار منع الانحلال الحقيقي، لكنّنا - عندئذ - نتنزّل إلى ما مضى من تقريب الانحلال الحكميّ، و نجري البراءة عن وجوب العتق عند فرض الصوم، و لا تعارض بالبراءة عن حرمة ضمّ ترك الصوم إلى ترك العتق، فإنّ هذه البراءة لا تفيدنا تأمينا عن العقاب، لا عن عقاب واحد، لأنّ هذا العقاب مسلّم للزوم المخالفة القطعيّة و ترك الجامع، و لا عن عقاب ثان، لأنّه لم يقل أحد و لا من الصحيح أن يقال بتعدّد العقاب في الوجوب التخييري لدى ترك كل الأعدال.

نعم، لو قيل بتعدّد العقاب في الوجوب التخييري لدى المخالفة وقعت المعارضة بين البراءتين و لم يصحّ التمسّك بالانحلال الحكمي بهذا التقريب.

و هنا تقريب آخر للانحلال الحكمي لو تمّ يأتي حتّى لو التزمنا بتعدّد العقاب في مخالفة الوجوب التخييري بعدد الأطراف: و هو أنّ العلم الإجمالي بوجوب العتق في حالة الصوم، أو حرمة ضمّ ترك الصوم إلى ترك العتق لا يمكن مخالفته القطعية، لأنّ مخالفة الطرف الأوّل إنّما تكون لدى الصوم و ترك العتق، و في هذا الفرض لا يتحقّق ضمّ ترك الصوم إلى ترك العتق الّذي هو مخالفة للطرف الثاني، فبناء على بعض المباني الماضية في بحث العلم الإجمالي المردّد بين المتباينين من أنّه إذا لم يتمكّن المكلّف من المخالفة القطعية جرى الأصل في كلا الطرفين بلا معارضة، لا مانع هنا من إجراء الأصلين.

 

__________________________________________

 

[1] بأن يقال حسب لغة المبنى الرابع: إنّنا نعلم إجمالا إمّا بوجوب سدّ جميع أبواب عدم العتق بما فيها الباب المقارن لوجوب الصوم، أو وجوب سدّ باب عدم الصوم المقارن لعدم وجود العتق.


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة363/الجزء الرابع

 

إلاّ أنّه مضى منّا في ذلك البحث بطلان هذا المبنى [1] فالعمدة هو الوجه الأوّل للانحلال الحكمي.

هذا تمام الكلام في أصل دوران الأمر بين الأقلّ و الأكثر الارتباطيين بأبوابه الثلاثة، أعني: الدوران بلحاظ الأجزاء، و بلحاظ الشرائط، و الدوران بين التعيين و التخيير. و ما تبقّى في المقام من بعض الأبحاث نذكره تحت عنوان التنبيهات.

 

__________________________________________

 

[1] لعلّه رحمه اللّه يشير إلى أنّ افتراض كون العجز عن المخالفة القطعية موجبا لجريان الأصول إمّا ينشأ من دعوى أنّ قبح شي‏ء فرع القدرة عليه، فالمخالفة القطعية لدى عدم القدرة عليها ليست قبيحة، فيجوز الترخيص فيها. و هذا قد مضى الجواب عنه في أوائل البحث عن الشبهة غير المحصورة و هو: أنّ القدرة ليست مقوّمة للقبح العقلي كما مضى - أيضا - في أصل مبحث منجّزيّة العلم الإجمالي أنّ إبطاله للأصول الشرعيّة ليس على أساس محذور ثبوتي و هو قبح الترخيص، بل على أساس محذور إثباتي، و إمّا ينشأ من دعوى أنّ إجراء الأصول في الأطراف لدى العجز عن المخالفة القطعيّة لا يؤدّي إلى الترخيص في المخالفة القطعيّة، لأنّ الترخيص فيها إنّما يتصوّر على تقدير القدرة عليها، و هذا إن سلّم فمرجعه إلى بطلان إطلاق كل من الأصلين لفرض ارتكاب الطرف الآخر للعجز عن ارتكابه على تقدير ارتكاب الطرف الآخر، و هذا يعني أنّ كلا من الأصلين قيّد بعدم ارتكاب الآخر. و قد مضى إبطال تقييد كل من الأصلين بعدم ارتكاب الآخر لدى البحث عن شبهة التخيير التي أثارها المحقّق العراقي رحمه اللّه على القول بالاقتضاء.


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة364/الجزء الرابع

 

تنبيهات

 

دعوى التمسّك بالاستصحاب

التنبيه   الأوّل: أنّ كلا من القائل بلزوم الاحتياط في باب الأقلّ و الأكثر الارتباطيين، و القائل بعدم لزوم الاحتياط فيه تمسّك في المقام بالاستصحاب.

فذكر القائل بلزوم الاحتياط: أنّه مع دوران الأمر بين وجوب الأجزاء التسعة أو العشرة مثلا قد علمنا بوجوب التسعة وجوبا مردّدا بين كونه وجوبا للتسعة بحدّها الإطلاقي، أو وجوبا لها بحدّها التقييدي و بعد الإتيان بالتسعة دون العشرة نقول: إنّ الوجوب على تقديره الأوّل قد سقط، و على تقديره الثاني لا زال باقيا، فالأمر دائر بين الفرد الطويل و الفرد القصير الّذي هو مجرى القسم الثاني من استصحاب الكليّ، فيجري استصحاب جامع الوجوب.

و أورد على ذلك السيد الأستاذ بما يرجع إلى تعبيرين أحدهما غير الآخر و إن وقع الخلط بينهما»«.

التعبير   الأوّل: أنّ أصالة عدم الفرد الطويل هنا حاكمة على استصحاب بقاء الكلي، و إنّما نرجع في موارد أخرى إلى استصحاب بقاء الكلي، لسقوط الأصل النافي للفرد الطويل بالتعارض مع الأصل النافي للفرد القصير، من قبيل لو كان متطهّرا فأحدث حدثا تردّد أمره بين الحدث الأصغر و الحدث الأكبر ثمّ توضّأ، فالأصل النافي للحدث الأكبر يسقط بالتعارض مع الأصل النافي للحدث الأصغر، فنرجع إلى استصحاب بقاء الحدث، أمّا فيما نحن فيه فأصالة عدم وجوب الأكثر غير معارضة حسب الفرض بأصالة عدم وجوب الأقلّ بلا قيد، أو قل: إنّ أصالة عدم وجوب التسعة بحدّها التقييدي غير معارضة بأصالة عدم وجوبها بحدّها الإطلاقي.


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة365/الجزء الرابع

 

و هذا الكلام لا ينسجم حتّى على مباني السيد الأستاذ، فإنّه لو كان بقاء الكلّي مسبّبا عن حدوث الفرد الطويل، فليس هو مسبّبا شرعيّا عنه، بل هو مسبّب عقلي، فلا مورد للحكومة المذكورة في المقام  [1].

التعبير الثاني: أنّنا نثبت بالتركيب بين الوجدان و الأصل أنّ الجامع الموجود إنّما هو موجود ضمن الفرد القصير، و ذلك للعلم وجدانا بأصل الوجوب و نفى التقييد بالأصل.

و هذا الكلام لا ينسجم حتّى مع طرز تفكيره هو، إذ مضى فيما سبق»« أنّ المحقّق النائيني قدّس سرّه كان يثبت الإطلاق بنفي التقييد بالأصل، و السيّد الأستاذ كان يورد عليه بأنّ الإطلاق أمر وجودي في قبال التقييد، فلا يثبت بالأصل النافي للتقييد، فكيف صار هنا يثبت الإطلاق بنفي التقييد بالأصل؟ ثمّ لو سلّم ثبوت الإطلاق بنفي التقييد فإنّما يثبت وجود الفرد القصير و لا يثبت أنّ الجامع الموجود يكون في ضمن القصير فإنّ هذا لازم عقليّ لذلك.

هذا. و نظّر السيّد الأستاذ»« ما نحن فيه بما إذا كان الشخص محدثا بالحدث الأصغر ثمّ صدر منه حدث مردّد بين الأصغر و الأكبر، فهنا لا يشكّ فقيه في أنّه ليس عليه إلاّ الوضوء، و لا يتمسّك بعد الوضوء باستصحاب الكليّ مع أنّه كان يعلم إجمالا بالفرد الطويل أو القصير، و ما نحن فيه من هذا القبيل.

و التحقيق: أنّ خصوص هذا المثال توجد فيه نكتة توجب جواز الاكتفاء بالوضوء: و هي أنّ لسان الدليل الشرعي كقوله تعالى إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم...»« - المفسّر بالقيام من النوم -، قد رتّب الحكم بالطهارة و ارتفاع الحدث على توضّؤ المحدث بالحدث الأصغر. و النوم المستبطن في قوله: (إذا قمتم) إنّما هو من باب المثاليّة و كلّ من أصبح محدثا بالحدث الأصغر يبقى محكوما

 

__________________________________________

[1] جاء في المصباح في مقام بيان هذا الوجه: أنّ استصحاب عدم الفرد الطويل إمّا حاكم على استصحاب الكلّي أو معارض له، فالاستصحاب الكلّي ساقط على كل حال إمّا للمعارضة أو لكونه محكوما.


 

 

مباحث ‏الأصول/الصفحة366/الجزء الرابع

 

بالحدث الأصغر ما لم يحدث منه ما يوجب التحوّل إلى الحدث الأكبر، فعندئذ يصبح موضوعا لقوله تعالى: و إن كنتم جُنباً فاطّهّروا»«، فإذا خرج من المحدث الحدث الأصغر بلل مشتبه بين البول و المني فقد شكّ في حدوث ما يوجب تحوّل الحدث إلى الحدث الأكبر، فمقتضى الأصل هنا كونه محدثا بالحدث الأصغر، و قد عرفت أنّ ذلك موضوع للحكم بالطهارة و ارتفاع جامع الحدث بالوضوء، و لهذا يصح منه الاكتفاء بالوضوء، و هذا بخلاف ما نحن فيه فإنّه لو سلّم ما مضى منه من ثبوت الفرد الصغير هنا بالأصل، فلا إشكال في أنّه لم يترتّب في لسان دليل شرعي على رفع ذلك الحكم بارتفاع الجامع.

و ذكر القائل بعدم لزوم الاحتياط: أنّنا نستصحب عدم وجوب التسعة بالحدّ التقييدي.

و أورد عليه السيّد الأستاذ بأنّ هذا معارض باستصحاب عدم وجوب التسعة بالحدّ الإطلاقي، فلا يقاس الاستصحاب بالبراءة، فالبراءة عن القيد لا تعارض بالبراءة عن الإطلاق، لأنّ البراءة إنّما تجري عن الإلزاميّات، و الإطلاق أمر ترخيصي يرجع إلى الترخيص في التطبيق على فروض و أفراد متعدّدة، فلا معنى لإجراء البراءة عنه، و أمّا الاستصحاب فليس كذلك فبالإمكان إجراء استصحاب العدم في جانب الوجوب المطلق أيضا»«.

أقول: لعلّ هذا التفصيل منه هنا بين البراءة و الاستصحاب قرينة على أنّ ما مضى منه في ردّ من تمسّك بالاستصحاب لإثبات لزوم الاحتياط من إثبات الإطلاق بنفي التقييد بالأصل كان يقصد به التمسّك بأصل البراءة لا بالاستصحاب، أمّا لو كان يقصد بالأصل فيما مضى ما يشمل الاستصحاب فإثباته للتعارض هنا يناقض ما مضى منه من فرض الأصل النافي للتقييد مثبتا للإطلاق من دون إبداء معارض له.

و التحقيق: أنّ التمسّك بالاستصحاب لإثبات البراءة صحيح، و التمسّك به لإثبات الاحتياط غير صحيح:

أمّا إثبات البراءة بالاستصحاب فلما مضى من جريان استصحاب عدم