|
مباحث الأصول/ج5 / 301
الاحتمال الثاني: أنّ الحدوث اُخذ في لسان الدليل من باب سحب التعبّد من مرحلة الحدوث إلى مرحلة البقاء. وبكلمة اُخرى: أنّه توجد هنا ثلاثة احتمالات: احتمال الوجود بعد الوجود، واحتمال العدم بعد الوجود، واحتمال العدم بعد العدم. والشارع أراد أن يعبّدنا بنفي الثاني فقط دون الثالث، ففرض الحدوث مفروغاً عنه. وهذا بحاجة إلى شيء من التحليل. وتوضيحه: أنّ سحب التعبّد من مرحلة الحدوث إلى مرحلة البقاء، وإخراج الحدوث عن حيطة التعبّد إمّا أن يفترض بجعل التعبّد بالبقاء معلّقاً على الحدوث، بأن يقول: إن كان حادثاً فهو باق، حتّى يكون الحدوث شرطاً لهذا التعبّد، ومن قبيل قيد الوجوب الذي لا ينسحب عليه الوجوب لا من قبيل قيد الواجب، وإلاّ لسرى التعبّد إليه، كما أنّ إيجاب الصلاة المقيّدة بالطهارة يسري إلى الطهارة التي هي قيد الواجب، وهذا يعني أنّ الحدوث إذن كان موضوعاً للتعبّد بالبقاء، وهو الاستصحاب، فكأنّه لا يوجد هناك ترقٍّ عن الكلام الأوّل. وإمّا أن يفترض بجعل مصبّ التعبّد هو الملازمة بين الحدوث والبقاء، فلا يكون الحدوث دخيلاً في ذلك، كما أنّ وجود العلّة ليس دخيلاً في الملازمة بين العلّة والمعلول. وعندئذ يرد عليه: أنّ الملازمة والسببيّة ونحو ذلك ليست قابلة للجعل على ما هو الصحيح عندنا، وعند المحقق الخراساني(رحمة الله)، وإنّما المجعول هو منشأ انتزاع هذه الأشياء. ففي المقام إنّما يجعل الحكم بالبقاء مشروطاً بالحدوث، فتنتزع من ذلك الملازمة بين البقاء والحدوث، فرجعنا مرّة اُخرى إلى الكلام الأوّل. بقي في المقام الإشكال الذي أورده السيّد الاُستاذ على المحقّق الخراساني(رحمة الله) من دون أن يحلّل كلامه بالشكل الذي ذكرناه، وهو أنّه هل يقصد التعبّد بالملازمة بين الحدوث والبقاء الواقعيّين[1]، أو التعبّد بالملازمة بين تنجّز الحدوث وتنجّز البقاء[2]. فإن قصد الأوّل لم يكن الاستصحاب أصلاً، بل كان أمارة مثبتة للبقاء واقعاً. وإن قصد الثاني لزم من ذلك بقاء
________________________________________ [1] قيل له(رحمه الله): يمكن فرض الملازمة ظاهرية، فيكون الاستصحاب أصلاً. فأجاب(رحمه الله) بأنّ: مقصود السيّد الاُستاذ ليس هو التعبّد بالملازمة بين الحدوث والبقاء التي تعدّ من الأحكام الوضعيّة حتّى يقال: إنّه لعلّها ملازمة ظاهرية، وإنّما يقصد فرض التعبّد بالبقاء على تقدير الحدوث. أقول: والذي نسبه اُستاذنا الشهيد(رحمه الله) هنا إلى اُستاذه يختلف شيئاً مّا عمّا ورد في المصباح: ج 3، ص 97 ـ 98 من تقريب الإشكال على الآخوند، فراجع وقايس بينهما. [2] كأنّ الكلام مبنيّ على مبنى الآخوند(رحمه الله) من جعل المنجّزية، باعتبار أنّ الحديث متوجّه إلى الآخوند.
مباحث الأصول/ج5 / 302
تنجّيز العلم الإجمالي بعد انحلاله. فمثلاً لو علمنا إجمالاً بنجاسة أحد الإنائين فتنجّزت علينا النجاسة على كلا تقديريها، ثمّ علمنا تفصيلاً بنجاسة أحد الإنائين مسبقاً، فانحلّ العلم الإجمالي، تبقى النجاسة في الإناء الآخر على تنجّزها; للملازمة بين التنجّزين. وهذا ما لا يُلتَزم به[1]. ويرد عليه: أوّلا: أنّنا لو فرضنا انحصار الأمر فيما ذكره من الاحتمالين لاخترنا الاحتمال الثاني، ويقال: إنّ الاستصحاب عبارة عن التعبّد بالملازمة بين تنجّز الحدوث وتنجّز البقاء، لكن لا مطلقاً، بل عند فرض بقاء منجِّز الحدوث، كما في ما نحن فيه من فرض قيام الأمارة على الحدوث دون ما إذا انتفى منجِّز الحدوث، وانحلّ، كما في مثال العلم الإجمالي بناءً على انحلاله بالعلم التفصيلي. وإن شئت فقل: إنّنا لا ندّعي الملازمة بين التنجّز حدوثاً وبقاءً، وإنّما ندّعي أنّ المنجِّز للحدوث منجِّز للبقاء، باعتبار ما له من كشف ناقص للبقاء مثلاً، ومن الطبيعي أنّ منجّزية المنجّز تكون عند وجود ذلك المنجّز. وثانياً: أنّ بإمكاننا أن لا نقول: إنّ الاستصحاب تعبّد بالملازمة بين الحدوث والبقاء الواقعيين، ولا بين تنجّزهما، بل نقول: إنّه تعبد بالملازمة بين الوجود الواقعي للحدوث والوجود الظاهري للبقاء، ولا يرد عندئذ شيء من إشكالي الشقّين السابقين. الوجه الثالث: أنّ الحكم الظاهري ـ على ما ذكرناه مراراً ـ عبارة عن الخطابات والإنشاءآت المبرزة لشدّة اهتمام المولى بالواقع، أو مسامحته فيه، فروح الحكم الظاهري هو هذه الشدّة أو المسامحة، وعليه نقول: إنّنا لو أردنا استصحاب الحكم الواقعي ورد عليه ما مضى من أنّه غير معلوم الثبوت مثلاً، ولو أردنا أن نستصحب الحكم الظاهري بمعنى خطاب(صدّق العادل) مثلاً، ورد عليه ما مضى من انتفاء موضوعه; لأنّ العادل لم يخبر بأكثر من الحالة السابقة، وموضوع هذا الخطاب إنّما هو خبر العادل، فلا معنىً لاستصحاب هذا الخطاب في الزمان الثاني الذي لا يوجد فيه خبر عادل، لكنّنا لا نستصحب لا هذا ولا ذاك، وإنّما نستصحب روح الحكم الظاهري، وهو شدّة اهتمام المولى الموضوع لحكم العقل بوجوب الامتثال، أو المسامحة وعدم الاهتمام الموضوع لحكم العقل بالأمان.
________________________________________ [1] وورد في الدراسات ج4، ص 95 بحسب طبعة دائرة معارف الفقه الإسلامي، مثال آخر للنقض، وهو لزوم حجّيّة قاعدة اليقين; لأنّ ما تيقّنّا به قد تنجّز حدوثاً، فيكون منجّزاً بقاءً رغم الشكّ الساري.
مباحث الأصول/ج5 / 303
ولا يتخيّل أنّ هذا من استصحاب القسم الثالث من الكلّي; لانتفاء الشدّة المعلومة، واحتمال شدّة اُخرى في الاهتمام. فإنّ الجواب على ذلك: أنّ إخبار العادل بالواقع إنّما هو سبب لشدّة الاهتمام، أمّا ذات الشدّة والاهتمام فشيء واحد شخصي، كنّا نعلم بوجوده حدوثاً لهذا السبب، واحتملنا وجوده بقاءً لسبب آخر، فيجري استصحاب الشدّة والاهتمام. نعم، يبقى شيء في المقام، وهو أنّ هذا الوجه إنّما يتمّ لو لم يوجد حاكم على هذا الاستصحاب، والحاكم غير موجود في استصحاب المسامحة وعدم الاهتمام، لكنّه موجود في استصحاب شدّة الاهتمام، وذلك لحكومة دليل البراءة على هذا الاستصحاب; لأنّ هذا الاستصحاب استصحاب للاهتمام بالواقع، ودليل البراءة أمارة على عدم الاهتمام، والأمارة تقدّم على الاستصحاب. وهذا بخلاف ما لو استصحبنا نفس الواقع، كما هو الحال في الوجه الثاني، فإنّ دليل البراءة ليس أمارة على نفس الواقع، فيكون الاستصحاب والبراءة من هذه الناحية في عرض واحد، فيؤخذ بالاستصحاب من باب تقدّم الاستصحاب على البراءة. أو قل بكلمة اُخرى في مقام التعليق على هذا الوجه الثالث: إنّه إذا كانت الأمارة دالّة على حكم إلزامي حدوثاً، دخل المقام في دوران الأمر بين عموم العام واستصحاب حكم المخصّص; لأنّ دليل البراءة عامّ دلّ على عدم الاهتمام عند الشكّ في الواقع مطلقاً، وهو مخصَّص بدليل(صدّق العادل) الُمخرِج للحصّة الحدوثية منه; لدلالته على شدّة الاهتمام بمقدار قيام خبر العادل، والمفروض دلالة خبر العادل على الحدوث فقط، فبإنتهاء المدّة التي دلّ عليها الخبر تنتهي دلالة المخصِّص، وهو دليل(صدّق العادل)، فيدور الأمر بين عموم العامّ واستصحاب حكم المخصّص. والحقّ فيه هو: تقدم العامّ على استصحاب حكم المخصّص. الوجه الرابع: هو البنآء على قيام الأمارة مقام القطع الموضوعي، فإنّ القطع قد اُخذ ـ حسب الفرض ـ في موضوع الاستصحاب، فلو بني على قيام الأمارة مقام القطع الموضوعي انحلّت المشكلة في المقام. وتمامية هذا الوجه الرابع تكون بأحد تقريبين: 1 ـ دعوى قيام الأمارة مقام القطع الموضوعي بنحو الورود في خصوص باب الاستصحاب، بدعوى: أنّ موضوع الاستصحاب من أوّل الأمر ليس هو خصوص القطع، بل مطلق المنجّز.
مباحث الأصول/ج5 / 304
ويرد عليه: أوّلا: أنّ هذه الدعوى ليست في محلّها، لا بلحاظ المدلول اللفظي لليقين كما هو واضح; لأنّ مدلوله اللغوي ليس إلاّ ذات اليقين، لا مطلق المنجّز، ولم يثبت اصطلاح شرعي أو عرفي على خلافه، ولا بلحاظ ما يمكن أن يقرّب به هذا الوجه من أنّ دليل الاستصحاب يشير إلى قاعدة ارتكازية، فيحدّد بحدود الارتكاز، ومقتضى الارتكاز هو عدم الفرق بين اليقين وغيره من المنجّزات، وأنّ مفاد القاعدة هو عدم رفع اليد عمّا كان يجري عليه الشخص بمجرّد الشكّ، فإنّ هذا التقريب غير تامّ; إذ لا قطع بثبوت الارتكاز بهذا النحو، بل من المحتمل اختصاص الارتكاز أو اختصاص بعض مراتبه بخصوص صورة اليقين، بحيث لا يمكن التعدّي من حاقّ مدلول لفظ الدليل بقرينة الارتكاز، خصوصاً بلحاظ ما مضى منّا من أنّ ارتكازية الاستصحاب قد تكون على أساس العادة وأُنس الذهن بالحالة السابقة الموجب لميل النفس إلى فرض بقاءها، ولليقين دخل في هذه العادة وأُنس الذهن. نعم، ليس من الواضح ـ أيضاً ـ اختصاص الارتكاز بكلّ مراتبه بخصوص صورة اليقين، بحيث لو كان الدليل يدلّ على أعمّ من هذا يصرف إلى هذا المقدار، ولهذا ترى أنّنا في الوجه الثاني بنينا على إطلاق صحيحة عبدالله بن سنان، ولم نقيدها بالارتكاز. وثانياً: أنّه لو حمل اليقين على مطلق المنجّز والمعذّر فماذا نقول في الشكّ المأخوذ في مقابل اليقين في قوله:«لا تأخذ اليقين بالشكّ»؟ هل يقصد بالشكّ عدم العلم أو يقصد به عدم المنجّز والمعذّر؟ فإن فرض الأوّل كان ذلك خلاف ظاهر جعل الشكّ فى مقابل اليقين; فإنّ ظاهر السياق كون المقصود بالشكّ ما يضاد نفس ما قصد من اليقين ويقابله، فإن قصد باليقين المنجّز يجب أن يقصد بالشكّ عدم المنجّز لا عدم العلم، وإن فرض الثاني لزم من ذلك حكومة كلّ الاُصول على الاستصحاب; لأنّه قد اُخذ في موضوعه عدم المنجّز والمعذّر، وكلّ أصل هو منجّز أو معذّر. وهذا ما لا يقول به أحد. 2 ـ ما عن المحقّق النائيني(رحمة الله) من قيام الأمارة بشكل عامّ مقام القطع الموضوعي بالحكومة، من باب أنّ مفاد دليل حجّيّة الأمارة هو جعل الطريقية. وتماميّة هذا الوجه وعدمها موقوف على مبان مضى تحقيقها في محلها، وهي مايلي: (أ) هل أنّ جعل الطريقية معقول ثبوتاً بنحو الاعتبار، كما هو مبنى المحقّق النائيني(رحمة الله)، أو بنحو التنزيل، أو لا؟ (ب) إذا كان جعل الطريقية معقولاً ثبوتاً فهل هذا هو الظاهر من دليل الحجّيّة إثباتاً، أو لا؟
مباحث الأصول/ج5 / 305
(ج) على تقدير استفادة جعل الطريقية من الدليل هل يستفاد ذلك بلحاظ القطع الطريقي والموضوعي معاً، أو لا يستفاد ذلك إمّا لمحذور ثبوتي كما جاء في الكفاية، أو لمحذور إثباتي كما نحن اخترناه؟ فلو أجبنا على كلّ هذه الأسئلة الثلاثة بالإثبات أمكن الالتزام بهذا الوجه الرابع، في مقام حلّ الإشكال في المقام، وبما أنّ المحقّق النائيني(رحمة الله) يجيب بالإثبات على كلّ هذه الأسئلة الثلاثة التزم في المقام بهذا الوجه الرابع. ولكن بقي هنا شيء، وهو: أنّ المحقّق النائيني(رحمة الله) يعترف بأنّ الأمارة لا تقوم مقام القطع الموضوعي الصفتي، وإنّما يقول بقيامها مقام القطع الموضوعي الطريقي. وبناءً على هذا يشكل القول بقيام الأمارة موضع القطع في المقام ولو سلّمنا كلّ مباني المحقّق النائيني(رحمة الله) من الأجوبة الإثباتية على تلك الأسئلة. وتوضيح الكلام في ذلك: أنّه يقال في باب القطع الموضوعي: إنّ العلم تارةً يؤخذ موضوعاً بما هو كاشف، واُخرى يؤخذ موضوعاً بما له من خصوصية وصفية; فإنّ العلم ـ إضافةً إلى ما له من خاصّية الكشف التي هي عبارة عن ذات العلم ـ له خاصيّتان نفسيّتان: إحداهما: ما يوجد في نفس العالم من حالة الاستقرار. والثانية: ما يوجد ـ أيضاً ـ في نفس العالم من استحكام ارتباط صورة المتيقَّن بها، وتركّزها في النفس، وشدّة ارتباطها بها. فتارةً لا يلحظ في موضوع الحكم إلاّ ذات العلم بما هو انكشاف، واُخرى يلحظ بما هو ذو الصفة الاُولى أو الثانية. وذكر المحقق النائيني(رحمة الله) [1] ومن تبعه: أنّ كلمة(العلم) و (القطع) و (اليقين) كلّها وضعت في لغة العرب بمعنىً واحد، إلاّ أنّ الملحوظ في كلمة(العلم) إنّما هو جانب الانكشاف، ولوحظ في كلمة(القطع) صفة استقرار النفس، ولوحظ في كلمة(اليقين) جانب الاستحكام، ومن هنا ترى أنّه يطلق على الله ـ تعالى ـ العالم، ولا يطلق عليه القاطع، أو المتيقن، كما أنّه من هنا ترى أنّ إسناد النقض إلى اليقين شيء مستحسن لما فيه من الاستحكام، بخلاف إسناده إلى القطع أو العلم. وعلى هذا نقول: إنّ قوله:«لا تنقض اليقين بالشكّ» إن لم يكن ظاهراً في أخذ العلم بما هو ذو الصفة الثانية، وهي الاستحكام وشدّة ارتباط صورة المتيقّن بالنفس، فلا أقلّ من عدم كونه ظاهراً في خلاف ذلك، فإنّنا لو احتملنا كون ذكر كلمة(اليقين) لمجرّد النكتة اللفظية، وهي لحاظ المناسبة مع استعمال كلمة(النقض)،
________________________________________ [1] راجع أجود التقريرات: ج 2، ص 379. مباحث الأصول/ج5 / 306
فلا أقلّ من أن يحتمل ـ أيضاً ـ أن لا يكون لمجرّد النكتة اللفظية، بل يكون عنوان اليقين بما هو صفة دخيلاً حقيقةً في الاستصحاب، وعندئذ لا يثبت قيام الأمارة مقامه في باب الاستصحاب، لأنّ دليل حجّيّة الأمارة غاية ما استفيد منه هو جعل العلم والطريقية، أي: جعل جانب الكاشفية. وأمّا جعل المؤونة الاُخرى الزائدة على ذات العلم، وهي جعل الأمارة كأنّها واجدة لتلك الحالة النفسانية التي يكون العلم واجداً لها فغير ثابت.
إشكال جريان الاستصحاب في المورد إنّما يعقل في صورة من أربع صور وفي ختام الحديث عن الإشكال الذي كنّا نتكلّم عنه حتّى الآن، وذكرنا له حلولاً أربعة، مع تحقيق حالها نقول: إنّنا إنّما نكون بحاجة إلى هذا البحث في صورة واحدة، ولا مجال لأصل الإشكال في ثلاث صور. وتوضيح المقصود: أنّه تتصوّر في باب ثبوت الحالة السابقة بالأمارة أربع صور: 1 ـ أن تكون الأمارة دالّة على الحدوث في مورد الشبهة الموضوعية، ويكون الشكّ في البقاء بنحو الشبهة الموضوعية، كما لو كان الثوب نجساً فثبت تطهيره بالماء بالبيّنة، ثمّ شكّ في بقاء الطهارة من باب الشكّ في ملاقاته للدم مثلاً. 2 ـ أن تكون الأمارة دالّة على الحدوث في مورد الشبهة الحكمية، ويكون الشكّ في البقاء بنحو الشبهة الموضوعية، كما لو كان الثوب نجساً فغسلناه بالماء مرّة واحدة، ودلّت الأمارة على كفاية الغسل مرّة واحدة في التطهير، ثمّ شككنا في بقاء الطهارة من باب الشكّ في ملاقاته للدم مثلاً. 3 ـ أن تكون الأمارة دالّة على الحدوث في مورد الشبهة الموضوعية، ويكون الشكّ في البقاء بنحو الشبهة الحكمية، كما إذا ثبت بالبيّنة تغيّر الماء الكرّ بالنجاسة، ثمّ ارتفع التغيّر، فشككنا في بقاء النجاسة. 4 ـ أن تكون الأمارة دالّة على الحدوث بنحو الشبهة الحكمية، والشكّ في البقاء بنحو الشبهة الحكمية، كما لو ثبت بالأمارة وجوب صلاة الجمعة في زمن الحضور، وشككنا في وجوبها في زمن الغيبة. والإشكال إنّما يكون له مجال في الصورة الرابعة دون الصور الثلاث الاُولى. وتوضيح ذلك: أنّه في الصورة الاُولى لو اُورد الإشكال وقيل: هل يستصحب الحكم الواقعي أو يستصحب الحكم الظاهري، فإن اُريد استصحاب الحكم الواقعي فهو غير مباحث الأصول/ج5 / 307
مقطوع الثبوت، وإن اُريد استصحاب الحكم الظاهري فهو مقطوع الارتفاع. قلنا: إنّنا نختار الشقّ الثاني، أي: إنّنا نستصحب الحكم الظاهري. وقولكم إنّ الحكم الظاهري مقطوع الارتفاع جوابه: أنّه ليس مقطوع الارتفاع; وذلك لأنّ الأمارة التي دلّت بالمطابقة على طهارة الثوب حدوثاً دلّت بالالتزام على بقاء طهارته ما لم يلاقِ نجساً، وذلك لعلمنا الخارجي بالملازمة بين طهارة الشيء وبقاء طهارته ما لم يلاقِ نجساً، والحكم الظاهري كما يكون مجعولاً على طبق الدلالة المطابقية للأمارة كذلك يكون مجعولاً على طبق الدلالة الالتزامية لها، فالحكم الظاهري في المقام عبارة عن طهارة الثوب واستمرارها إلى أن يلاقي النجاسة، فالشكّ في ملاقاته للنجاسة وعدمها يوجب الشكّ في انتهاء أمد هذا الحكم وبقائه، فيستصحب الحكم الظاهري بلا إشكال. وإن شئت فاستصحب عدم الملاقاة المنقّح لموضوع الحكم الظاهري. إن قلت: كيف يمكن إجراء استصحاب الحكم الظاهري في المقام مطلقاً مع أنّه لابدّ أن يرجع روح هذا الاستصحاب إلى استصحاب روح الحكم الظاهري الذي هو عبارة عن شدّة الاهتمام وعدم شدّته، ولا يفيد مجرّد استصحاب الخطاب الظاهري بغضّ النظر عن الروح; إذ لا يترتّب عليه تنجيز أو تعذير. وعليه فاستصحاب الحكم الظاهري في المقام إنّما يجري في الأحكام غير الإلزامية، كما في المثال المذكور، ولا يجري في الأحكام الإلزامية; لما مضى من حكومة دليل البراءة عليه، لكونه أمارة على عدم شدّة الاهتمام. وهذا في الحقيقة إشكال مستقلّ يرد على استصحابات الأحكام الظاهرية فيما يكون الحكم إلزامياً، وأصل البراءة على خلافه. قلت: إنّ ما مضى منّا من مسألة حكومة دليل أصالة البراءة على استصحاب شدّة الاهتمام لا يجري هنا; وذلك لأنّه بعد أن فرضنا أنّ بقاء الطهارة إلى زمان ملاقاة الدم مثلاً مدلول التزامي للأمارة، يكون من المحتمل كون المورد خارجاً عن دليل البراءة بالأمارة، فيكون التمسّك بدليل البراءة هنا تمسّكاً بالعامّ في الشبهة المصداقية للمخصّص، فإنّ دليل البراءة قد خرجت منه بالتخصيص موارد الأمارة[1]. هذا تمام الكلام في الصورة الاُولى. وأمّا الصورة الثانية فيأتي فيها عين ما ذكرناه في الصورة الاُولى حرفاً بحرف.
________________________________________ [1] نعم، لولا استصحاب بقاء الاهتمام جرت البراءة عن الاهتمام باحتمال بقاء الاهتمام. وهذا غير البراءة النافية للاهتمام الأوّل التي يكون التمسّك بها تمسّكاً بالعامّ في الشبهة المصداقية.
مباحث الأصول/ج5 / 308
وأمّا الصورة الثالثة فنختار فيها ـ لتوضيح عدم ورود الإشكال ـ الشقّ الأوّل، أي: إننا نستصحب الحكم الواقعي، وقولكم: إنّ الحكم الواقعي غير معلوم الحدوث إنّما يتمّ لو لوحظت نجاسة هذا الماء بالخصوص، وفرض أنّ الفقيه إنّما يستطيع أن يستصحب في الشبهات الحكمية إذا وجد الموضوع بحسب الخارج. وأمّا بناءً على ما مضى من أنّ الفقيه يلحظ في الشبهات الحكمية الموضوع بنحو الفرض والتقدير، ويجري الاستصحاب، فلا يرد هذا الإشكال; لأنّ الفقيه يلحظ طبيعي الماء المتغيّر، وهو مقطوع النجاسة، ويثبت بحكم الاستصحاب أنّ طبيعي الماء المتغيّر تبقى نجاسته بعد زوال التغيّر، ثمّ يثبت موضوع هذا الحكم الكلّي وهو تنجّس الماء المتغيّر حتّى بعد زوال تغيّره بالأمارة الدالة على تغيّر هذا الحكم، ولا يرد إشكال. إذن فالإشكال منحصر في الصورة الرابعة، وقد عرفت حاله.
جريان الاستصحاب عند ثبوت الحالة السابقة بالأصل المقام الثاني: فيما إذا كانت الحالة السابقة ثابتة بالأصل. وقد جاء في كلام المحقّق النائيني(رحمة الله) ـ على ما في التقريرين[1] ـ ذكر الإشكال في باب الاُصول بهذا النحو، وهو: أنّه لا إشكال في جريان الاستصحاب من حيث عدم اليقين بالحدوث، فإنّ هذا الإشكال قد حللناه من ناحية قيام الأمارات والاُصول مقام القطع، ويكون الإشكال من حيث عدم الشكّ اللاحق، والقطع الوجداني بالبقاء، فنفس أصالة الطهارة مثلاً باقية بعد احتمال ملاقاة الثوب الذي أثبتنا طهارته بالأصل للدم، ولا حاجة إلى استصحابها. أقول: إنّ في هذا الكلام خلطاً بين استصحاب الحكم الواقعي واستصحاب الحكم الظاهري; إذ لو قصد استصحاب الحكم الظاهري فلا معنى لما ذكره من قيام الأمارات والاُصول مقام القطع، فإنّ الحكم الظاهري مقطوع الحدوث وجداناً. وإن قصد استصحاب الحكم الواقعي فلا معنى لما ذكره من أنّ البقاء ثابت وجداناً; فإنّ الذي يكون بقائه ثابتاً بالقطع الوجداني هو الحكم الظاهري لا الواقعي. إذن فينبغي التشقيق في الإشكال بأن يقال: لو قصد استصحاب الحكم الواقعي فلا يقين
________________________________________ [1] راجع فوائد الاُصول: ج 4، ص 404 ـ 406 طبعة جامعة المدرّسين بقم، وأجود التقريرات: ج 2، ص 388 ـ 389. مباحث الأصول/ج5 / 309
بالحدوث، ولو قصد استصحاب الحكم الظاهري فلا شكّ في البقاء. وإذا بنى المحقّق النائيني(رحمة الله) على قيام الاُصول مقام القطع الموضوعي فقد ارتفع الإشكال بلحاظ الشقّ الأوّل، وهو استصحاب الحكم الواقعي، وجرى الاستصحاب. هذا. ولا يصحّ الجواب عن إشكال الشق الثاني بما مضى في الوجه الثالث من وجوه الحل للاشكال في الأمارات من استصحاب روح الحكم الظاهري، وهو شدّة الاهتمام أو عدم الاهتمام; إذ لو سلّم القطع ببقاء الحكم الظاهري فقد سلّم القطع ببقاء روحه من شدّة الاهتمام أو عدمها. هذا. وإشكال الشقّ الثاني يسري منه إلى استصحاب الجامع بين الشقّين الذي هو الوجه الأوّل من وجوه حلّ الإشكال في الأمارات، فكما يقال في الشقّ الثاني: إنّ الطهارة الظاهرية مقطوعة البقاء كذلك يقال في استصحاب الجامع بين الطهارة الواقعية والطهارة الظاهرية بأنّه مقطوع البقاء ببقاء أحد فرديه، وهو الطهارة الظاهرية. وتحقيق الحال في المقام تارةً يقع في الشقّ الأوّل، أعني: استصحاب الطهارة الواقعية، واُخرى يقع في الشقّ الثاني، أعني: استصحاب الطهارة الظاهرية. أمّا الشقّ الأوّل، وهو استصحاب الطهارة الواقعية فكان إشكاله عبارة عن عدم اليقين بالحدوث، ويمكن الإجابة عليه بأحد تقريبات ثلاثة: التقريب الأوّل: إنكار أخذ اليقين بالحالة السابقة في الاستصحاب، وكفاية نفس الحالة السابقة. وهذا التقريب كان ينفعنا في باب الأمارات من باب أنّ موضوع الحكم بالاستصحاب، وهو نفس الحالة السابقة، كنّا نثبته تعبّداً بالأمارة، فكنّا نرتّب عليه حكمه وهو الاستصحاب. وأمّا في باب الاُصول فإنْ لم يكن الأصل تنزيلياً لم يصحّ هذا التقريب; لأنّه لا يوجد لنا محرِز لموضوع الاستصحاب، وهو الحالة السابقة، فكيف نستصحب؟ نعم، يصحّ هذا التقريب فيما إذا كان الأصل تنزيلياً، سواء كانت تنزيليته بمعنى تنزيل المؤدّى منزلة الواقع، أو بمعنى جعل الطريقية والإحراز والغاء الشكّ ولو بلحاظ الجري العملي. التقريب الثاني: الالتزام بقيام الاُصول مقام القطع الموضوعي، بدعوى استفادة ذلك من دليل الاُصول، كما كان يدعى ذلك في الأمارات بلحاظ جعل الطريقية، أو التنزيل منزلة القطع. وهذا التقريب ـ أيضاً ـ لو تمّ فإنّما يتمّ في الاُصول التنزيلية، ولا معنى لتوهّمه في الاُصول مباحث الأصول/ج5 / 310
غير التنزيلية. وتفصيل الكلام فيه بلحاظ الاُصول التنزيلية هو: أنّه إن كانت التنزيلية بمعنى جعل الطريقية، كما يقال في الاستصحاب، فعندئذ لو قيل بجعله طريقاً، أو تنزيله منزلة القطع مطلقاً لا من حيث خصوص الجري العملي، فحاله حال الأمارة، ويقوم مقام العلم كما قامت الأمارة مقامه، وينقّح بذلك موضوع الاستصحاب بناءً على أنّه ينقّح بالأمارة موضوعه بهذا التقريب. ولو قيل بذلك من حيث خصوص الجري العملي يجب أن يُرى أنّ اليقين المأخوذ في موضوع الاستصحاب هل اُخذ فيه بلحاظ هذه الحيثية أو مطلقاً، فعلى الأوّل يقوم الأصل مقامه، بخلافه على الثاني. وإن كانت التنزيليّة بمعنى تنزيل المؤدّى منزلة الواقع، فعندئذ إن قلنا بما ذكره المحقّق الخراساني(رحمة الله) في تعليقته على الرسائل[1] من أنّ جعل المؤدّى منزلة الواقع يدلّ بالدلالة الالتزامية العرفية على جعل العلم بالمؤدّى منزلة العلم بالواقع، صحّ إجراء آثار العلم، وإن لم نقل بعرفية ذلك ـ كما هو الصحيح ـ فإن ساعد العرف على تحليل موضوع الاستصحاب إلى جزئين بأن يقال مثلاً: إنّ موضوع استصحاب الطهارة الذي هو اليقين بالطهارة مركّب من اليقين بشيء، وكون ذلك الشيء طهارة، أمكن أن يقال في المقام أيضاً: إنّ موضوع الاستصحاب ثابت; لأنّنا عملنا بشيء وجداناً وهو المؤدّى، وذلك الشيء هو عبارة عن الطهارة الواقعية مثلاً تعبّداً; لأنّنا فرضنا تنزيل المؤدّى منزلة الواقع، فموضوع الاستصحاب تحقق جزء منه بالوجدان، والجزء الآخر بالتعبّد ، إلاّ أنّ العرف لا يساعد على مثل هذا التحليل في المقام. التقريب الثالث: الالتزام بأنّ اليقين المأخوذ في موضوع الاستصحاب إنّما اُخذ فيه بما هو منجّز أو معذّر، فيقوم الأصل مقامه; لأنّه ـ أيضاً ـ منجّز أو معذّر. وهذا إشكاله ما مضى منّا من توضيح بطلان المبنى، أعني: كون اليقين مأخوذاً بما هو منجّز أو معذّر[2].
________________________________________ [1] ص 9 بحسب الطبعة التي هي من منشورات مكتبة بصيرتي بقم. [2] هذه التقريبات الثلاثة كلّها مستقاة من نفس التقريبات الماضية في استصحاب ما ثبت حدوثه بالأمارة، وقد حذف من تلك التقريبات تقريبان، فلم نستفد منهما في مورد الأصل، لا لعلاج الشقّ الأوّل، ولا لعلاج الشقّ الثاني. أحدهما: الوجه الثالث من الوجوه الأربعة الماضية في استصحاب ما ثبت بالأمارة، وهو استصحاب روح الحكم الظاهري. والسبب في حذفه واضح، وهو أنّ هذا لا يعالج الشقّ الأوّل، وهو استصحاب الطهارة الواقعية; لأنّه راجع إلى الشقّ الثاني، وهو استصحاب الطهارة الظاهرية لا الواقعية، ولا يعالج الشقّ الثاني; لما مضى من اُستاذنا(رحمة الله) في المتن من أنّه لو كان الحكم الظاهري مقطوع البقاء فروح الحكم الظاهري ـ أيضاً ـ مقطوع البقاء.
مباحث الأصول/ج5 / 311
وأمّا الشقّ الثاني، وهو استصحاب الطهارة الظاهرية فكان إشكاله عبارة عن أنّها مقطوعة البقاء لجريان أصالة الطهارة بقاءً، فلا معنىً للرجوع إلى الاستصحاب. وقد ذكر المحقّق النائيني(رحمة الله) جوابين، أبطل أحدهما وارتضى الآخر: أمّا الجواب الذي أبطله[1] فهو أنّ الاستصحاب حاكم على أصالة الطهارة، فيقدّم عليها، ولا معنى للمنع عن جريانه باعتبار ثبوت أصالة الطهارة بقاءً. وأورد(رحمة الله) على ذلك: بأنّ الحكومة وإن كانت صحيحة في المقام لكنّها فرع جريان الاستصحاب ووجودِه، أي: إنّ الاستصحاب لو كان جارياً وموجوداً لكان حاكماً على أصالة الطهارة، لكنّنا نقول: إنّه غير موجود في المقام. أقول: بعد فرض تسليم الحكومة في نفسها على تقدير الجريان لا معنى للمنع عن جريانه; إذ المفروض أنّه لا مانع من جريان الاستصحاب إلاّ أصالة الطهارة، والأصل المحكوم يستحيل أن يصبح مانعاً عن جريان الأصل الحاكم، فهذا الإشكال على الجواب غير وارد[2].
________________________________________ [1] راجع فوائد الاُصول: ج 4، ص 406 بحسب طبعة جامعة المدرسين بقم، وأجود التقريرات: ج 2، ص 388. [2] جاء في تقرير السيد الهاشمي ـ حفظه الله ـ بدلاً عن هذا الكلام توجيه لكلام الشيخ النائيني(رحمه الله)مع إيراد. أمّا التوجيه فهو أنّه لئن كانت في الاستصحاب نكتة الحكومة على أصالة الطهارة ففي أصالة الطهارة في المقام توجد نكتة الورود على الاستصحاب، ومن الطبيعي أنّ نكتة الورود التي تفني الموضوع وجداناً هي التي تغلب نكتة الحكومة التي تحاول إفناء الموضوع تعبّداً. وأمّا الإيراد فهو: أنّ تغليب ما فيه نكتة الورود على ما فيه نكتة الحكومة وإن كان صحيحاً، لكن ذلك لا ينطبق على ما نحن فيه; لأنّه لو قصد بالاستصحاب استصحاب الطهارة الواقعية فأصالة الطهارة ليست واردة عليه. ولو قصد به استصحاب الطهارة الظاهرية فهذا الاستصحاب ليس حاكماً على أصالة الطهارة; لأنّ نسبته إليها نسبة الأصل إلى الأمارة.
مباحث الأصول/ج5 / 312
إلاّ أنّ أصل الجواب لا محصّل له، فإنّ المستصحب لو كان هو الطهارة الواقعية لأمكن أن يقال: إنّ الاستصحاب حاكم على أصالة الطهارة، لكنّ المستصحب في المقام هو نفس الطهارة المستفادة من أصالة الطهارة، فنسبة الاستصحاب هنا إلى دليل أصالة الطهارة نسبة الأصل إلى الأمارة، لا نسبة الاستصحاب إلى الأصل. وأمّا الجواب الذي ارتضاه[1] فهو: أنّ الحكم الظاهري المستفاد من الأصل ليس دائماً مقطوع البقاء عند الشكّ في الطهارة مثلاً، حتّى لا يكون مجال لاستصحابه، بل قد يكون مشكوك البقاء، فمثلاً لو كان ثوبك متنجّساً فغُسِل بالماء، وشككت في غَسله بالنحو الصحيح، فجرت أصالة الصحّة، وثبتت بذلك طهارة الثوب، ثمّ شُكّ في ملاقاة الثوب للدم وعدمها، فهنا نشكّ في بقاء الطهارة، ولا يكون دليل الحكم الظاهري، أي: دليل أصالة الصحّة دالاًّ على بقاء الطهارة الظاهرية بعد الشكّ في ملاقاته للدم; لأنّ أصالة الصحّة لا تنفي احتمال التنجس بملاقاة الدم، وإنّما تنفي احتمال بقاء النجاسة من باب عدم صحّة التطهير. وكأنّ السيّد الاُستاذ في المقام ـ بعد موافقته على ما ذكره المحقّق النائيني(رحمة الله) ـ صار بصدد بيان ضابط[2] لكون الحكم الظاهري المستفاد بالأصل مقطوع البقاء أو مشكوكه، فذكر: أنّ الأصل إن كان جارياً في مورد الشكّ كان مقطوع البقاء ما دام الشكّ باقياً، من قبيل أصالة الطهارة في نفس الثوب، فإنّ الأصل بنفسه جار بقاءً بعد الشكّ في ملاقاته للدم، وإن كان جارياً في موضوع المشكوك، وسببه لا في مورده، لم يكن دليل ذلك الأصل دالاًّ على ثبوت الحكم الظاهري بقاءً، وذلك من قبيل أصالة الطهارة الجارية في الماء الذي غسل به الثوب المتنجس، فإنّها لا تدلّ على ثبوت الطهارة للثوب بعد احتمال ملاقاته للدم. أقول: إنّ هذا الضابط بكلا طرفيه غير تامّ في المقام: أمّا قوله[3] بجريان الاستصحاب فيما إذا كان الأصل جارياً في موضوع المشكوك وسببه،
________________________________________ [1] راجع أجود التقريرات: ج 2، ص 388. [2] هذا الضابط غير موجود في مصباح الاُصول، راجع الجزء الثالث منه، ص 100 ـ 101. [3] هذا الشقّ الأوّل من الإشكال يرد على ما في مصباح الاُصول، ولكن ما يأتي من الشقّ الثاني من الإشكال لا مورد له فيما هو موجود في مصباح الاُصول. مباحث الأصول/ج5 / 313
ما في أصالة طهارة الماء الذي غسل به الثوب المتنجّس، فيرد عليه: أنّه هل نُجري استصحاب مطلق الطهارة الظاهرية، أو استصحاب خصوص الحصّة من الطهارة للثوب الثابتة بأصالة طهارة الماء الذي غسل به؟ فإن قصد الثاني قلنا: إنّ تلك الحصّة بما هي حصّة لا يترتّب عليها أثر. وإن قصد الأوّل قلنا: إنّ الطهارة الظاهرية الثابتة بأصالة الطهارة ليست مشكوكة البقاء; لجريان أصالة الطهارة بقاءً في نفس الثوب. ولا يقال: نحن نريد أن نثبت طهارة الثوب بقاءً بدليلين: أحدهما: أصالة الطهارة بلحاظ جريانها في نفس الثوب. والثاني: استصحاب الطهارة بلحاظ جريان أصالة الطهارة في الماء. والأوّل لا يمنع عن الثاني; لأنّ دليل أصالة الطهارة في الثوب ليس من الأدلّة القطعيّة كي يقطع الشكّ حقيقةً، ودليل أصالة الطهارة في الثوب إن لم يكن مطابقاً للواقع، ولم تكن أصالة الطهارة مجعولة فيه أمكن أن يكون دليل استصحاب الطهارة الظاهرية مطابقاً للواقع. فإنّه يقال: إنّ هذا الكلام إنّما يتمّ لو احتملنا اختصاص الطهارة الظاهرية ثبوتاً بالماء مثلاً، وعدم جريانها في الثوب، أو قل: احتملنا اختصاص الحكم الظاهري ثبوتاً بموضوع المشكوك دون مورد الشكّ، وإلاّ فلا معنىً لجريان الاستصحاب; إذ نحن نقطع بأنّ الطهارة الظاهرية إن كانت ثابتة حدوثاً فهي ثابتة بقاءً، واحتمال التفكيك بين الحدوث والبقاء غالباً غير موجود فيما يكون دليل الحكم الظاهري في موضوع المشكوك بنفسه متكفّلاً للحكم الظاهري في مورد الشكّ، كما في أصالة الطهارة[1]. نعم، هذا الاحتمال غالباً موجود في ما يكون دليل الحكم الظاهري في موضوع المشكوك غيره في مورد الشكّ، وذلك كما لو أثبتنا طهارة الثوب بأصالة صحّة غَسله، فإنّه من المحتمل مثلاً كون أصالة الصحّة في الواقع أصلاً مجعولاً في الشريعة، وعدم كون أصالة الطهارة كذلك، فهنا يكون مجال لاستصحاب الطهارة. وأمّا قوله بعدم جريان الاستصحاب فيما إذا كان الأصل جارياً في مورد الشكّ، فهو ـ أيضاً ـ منقوض ببعض الموارد، كما لو شكّ في صحّة الصلاة بلحاظ بعض أجزائها الماضية، فأجرى قاعدة التجاوز، ثمّ شكّ في صحّة الصلاة شكّاً لم يتجاوز محلّه، وقلنا باستصحاب الصحّة، فقاعدة التجاوز هي أصل جرى في مورد الشكّ، فإنّ صحّة الصلاة ـ في ذوق من يقول بجريان استصحاب الصحّة ـ شيء واحد مستمرّ، تكون صحّة الأجزاء السابقة وعدم
________________________________________ [1] إلاّ أن يكون دليلنا على أصالة الطهارة حديث(كلّ ماء طاهر) لا حديث(كلّ شيء طاهر). مباحث الأصول/ج5 / 314
فوتها حدوثاً له، واستمرار الصحة بقاءً له، فيجري في المقام استصحاب الصحّة بناءً على القول بجريان استصحاب الصحّة في نفسه، وليس الحكم بالصحة بقاءً ثابتاً بقاعدة التجاوز حتّى لا نحتاج إلى الاستصحاب، في حين أنّ قاعدة التجاوز أصل جرى في مورد الشكّ. بقي الكلام في تحقيق ما ذكره المحقّق النائيني(رحمة الله) في المقام من أنّه لدى الشكّ قد لا يكون الحكم الظاهري محرزاً بقاءً، فنثبته بالاستصحاب. ولا إشكال في أنّ مجرد عدم إحراز الحكم الظاهري لا يكفي في استصحابه، بل لا بدّ ـ أيضاً ـ من عدم القطع بانقطاعه، وتحقيق حال عدم القطع بالانقطاع يكون بالرجوع إلى ما ذكرناه في ختام البحث في المقام الأوّل فيما إذا كانت الحالة السابقة ثابتة بالأمارة من الصور الأربع، فنقول: الصورة الاولى والثانية: هما ما لو دلّ الأصل على الحدوث في مورد الشبهة الموضوعية أو الحكمية، وشككنا في البقاء بنحو الشبهة الموضوعية، كما إذا ثبتت طهارة الثوب بأصالة الصحّة في التطهير، أو باستصحاب طهارة الماء الذي طُهّر به الثوب، مع فرض كون الماء ملاقياً للمتنجّس، وقد شككنا أنّ المتنجّس ينجّس الماء، أو لا، ثمّ شككنا في ملاقاة الثوب للدم وعدمها، وهنا كما لا نقطع ببقاء الطهارة الظاهرية كذلك لا نقطع بارتفاعها; لأنّ أصالة الصحّة في التطهير، أو استصحاب طهارة الماء المغسول به هذا الثوب ينقّح لنا موضوع الحكم بالطهارة المستمرّة إلى حين الملاقاة للدم، فعند الشكّ في الملاقاة نكون شاكّين في بقاء الاستمرار وعدمه، فنجري استصحاب الطهارة[1]. الصورة الثالثة: ما لو دلّ الأصل على الحدوث في مورد الشبهة الموضوعية، وشكّ في البقاء بنحو الشبهة الحكمية، كما إذا ثبتت صحّة الوضوء بقاعدة الفراغ وشكّ في البقاء باعتبار خروج المذي المحتمل ناقضيته، وهنا يجري استصحاب الطهارة الظاهرية باعتبار أنّ قاعدة الفراغ في الوضوء تنقّح موضوعاً يكون حكمه مردّد الأمد، فلا ندري أنّ حكمه هو الطهارة إلى ما قبل خروج المذي، أو إلى ما بعده، أي: إنّنا شككنا في طول تلك الطهارة المجعولة وقصرها، فنستصحبها. كما يمكن هنا استصحاب الطهارة الواقعية بالتقريب الذي مضى في هذه الصورة في ختام البحث عن استصحاب ما ثبت بالأمارة، فنقول: إنّ الفقيه متيقّن بالوجدان بأنّ من توضّأ
________________________________________ [1] وهذا هو نفس التقريب الذي مضى في بحث استصحاب ما ثبت حدوثه بالأمارة. مباحث الأصول/ج5 / 315
بكامل الأجزاء والشرائط المعهودة فهو على طهارة واقعية، وهو شاكّ في بقاء هذه الطهارة الواقعية بعد خروج المذي، فيستصحبها، وبذلك يثبت ظاهراً وبالاستصحاب أنّ من توضّأ بكامل الأجزاء والشرائط فهو على طهارة واقعية حتّى بعد خروج المذي، ويبني على موضوع هذا الحكم بقاعدة الفراغ. وفي بحث استصحاب ما ثبت بالأمارة لم يكن بالإمكان في الصورة الثالثة استصحاب الطهارة الظاهرية، بخلافه هنا. والفرق بين الموردين هو: أنّنا هنا قد نقّحنا الموضوع بالأصل. والأصل المثبت للموضوع ليس مؤدّاه إلاّ التعبّد بآثار الموضوع، في حين أنّه في ما مضى كنّا ننقّح الموضوع بالأمارة، ومؤدّى الأمارة هو الواقع[1]. الصورة الرابعة: ما لو دلّ الأصل على الحدوث في مورد الشبهة الحكمية، وشككنا في البقاء بنحو الشبهة الحكمية أيضاً، كما إذا ثبتت طهارة الثوب باستصحاب طهارة الماء الذي طُهّر به الثوب عند ما كان الماء ملاقياً للمتنجس، ثمّ شكّ في بقاء طهارة الثوب لملاقاته للمتنجّس أو للكافر مثلاً، وهنا ـ أيضاً ـ يجري استصحاب الطهارة الظاهرية باعتبار أنّ أصالة الطهارة في الماء نقّحت موضوع الحكم بطهارة الثوب المردّد بين كونه حكماً قصير الأمد ينتهي بملاقاة الثوب للمتنجس أو الكافر، أو طويل الأمد، أي: إنّه يبقى بعد الملاقاة، فنثبت البقاء بالاستصحاب[2]. فتحصّل: أنّ عدم القطع بانقطاع الحكم الظاهري يتصوّر في كلّ الصور الأربعة. إلاّ أنّه قد يتّفق أنّنا نقطع بانقطاع الحكم الظاهري، فلا يجري استصحابه، مثاله: أنّ الماء البالغ مرتبة الكرّ لو أنّه نقص بمقدار قليل، وسلكنا مسلك القائلين بجريان استصحاب الكرّيّة من باب دعوى: أنّ نقص الماء بمقدار قليل لا يبدّل الموضوع عرفاً، ثمّ نقص الماء ـ أيضاً ـ بمقدار قليل، وهكذا أخذ يتدرّج في النقصان شيئاً فشيئاً إلى أن زاد النقص بدرجة لا يتسامح العرف فيها، فعندئذ لا يجري استصحاب الكرّيّة الواقعية لتبدّل الموضوع، وهل يجري استصحاب الكرّيّة الظاهرية، أو لا؟ يمكن أن يتخيّل أنّه يجري; لأنّ هذا الماء قبل
________________________________________ [1] فلو اُريد استصحاب مؤدّى الأمارة رجعنا مرّةً اُخرى إلى استصحاب الواقع دون استصحاب الحكم الظاهري. ولو اُريد استصحاب حجّيّة الأمارة أو بقاء الحجّة، فالمشكلة ليست هي مشكلة الشكّ في حجّيّة الأمارة أو بقاء الحجّة، وإنّما هي مشكلة قصور مفاد الأمارة يقيناً عن إثبات الطهارة بقاءً، فالحجّة منتهية قطعاً. [2] وفي بحث استصحاب ما ثبت حدوثه بالأمارة لم يكن يمكن إجراء استصحاب الحكم الظاهري في هذه الصورة. والفرق بين الموردين في هذه الصورة هو نفس ما عرفته من الفرق بين الموردين في الصورة الثالثة. مباحث الأصول/ج5 / 316
دقائق كان كرّاً ظاهرياً بمقتضى الاستصحاب، ثمّ زاد نقصه بمقدار قليل، وهذا أوجب تبدّل الموضوع بالنسبة لاستصحاب الكرّيّة الواقعية; لأنّ النقص أصبح بمقدار فاحش، ولكنّه لم يوجب تبدّل الموضوع بلحاظ ما قبل دقائق; لأنّ النقصان بلحاظ ما قبل دقائق قليل، والنقصان القليل بلحاظ ما قبل دقائق لا يوجب تبدّل الموضوع حسب الفرض، فيجري استصحاب الكرّيّة الظاهرية. إلاّ أنّ الصحيح عدم جريان استصحاب الكرّيّة الظاهرية; لأنّ الكرّيّة الظاهرية الاستصحابية مقطوعة الارتفاع; إذ المفروض عدم جريان استصحاب الكرّيّة الواقعية، فما كانت موجودة قبل دقائق من الكرّيّة المستصحبة غير موجودة الآن قطعاً، فكيف نستصحبها؟![1].
________________________________________ [1] نعم، يجري صدفةً في هذا المثال استصحاب روح الحكم الظاهري; لأنّ الحكم الظاهري كان ترخيصياً ولم يكن إلزامياً كي يصبح دليل أصالة البراءة حاكماً على استصحاب شدّة الاهتمام.
مباحث الأصول/ج5 / 317
التنبيه الرابع: في جريان الاستصحاب في الكلّيّات. وهنا نعقد مقامين، حيث نتحدث أوّلا: في أصل استصحاب الكلّي، وما قيل أو يمكن أن يقال في مناقشته، ونبحث ثانيا: أقسام استصحاب الكلّي، وأنّه هل يجري فيها جميعاً أو لا يجري إلاّ في بعض تلك الأقسام.
أمّا المقام الأوّل، فربّما يستشكل في جريان استصحاب الكلّي في الموضوعات، وربّما يناقش في استصحاب كلّي الحكم بإشكال يختلف عن الأوّل. فهنا جهتان: الجهة الاُولى: في مناقشة استصحاب الكلي بين فردي الموضوع. وحاصلها: أنّ الكلّي والجامع بين الفردين كالجامع بين زيد وعمرو ليس له وجود مستقلّ في الخارج، بل هو مفهوم منتزع من منشأ هو: الفرد، وهو الذي له الحكم، إذن فكيف يراد إجراء الاستصحاب فيه، فإنّه إن اُريد استصحاب المنشأ فأركان الاستصحاب لم تتمّ فيه. وإن اُريد استصحاب المفهوم الانتزاعي فهو ليس بموضوع الحكم، ولا معنى لاستصحابه بما هو مفهوم في الذهن[1]. وللتعليق على هذه المناقشة ينبغي أن يقال: إنّ مقصودكم من استصحاب الكلّي إن كان هو استصحاب المفهوم، بان تصوّرتم أنّ من يجري استصحاب الكلّي يقصد به استصحاب المفهوم، فأشكلتم عليه بهذا الإشكال، فهو أمر صحيح في ذاته، حيث إنّ المفهوم بما هو مفهوم لأ معنى لإجراء الاستصحاب فيه، غير أنّ هذا لم يكن مقصود من أجرى استصحاب الكلّي; إذ كان مقصوده إجراء الاستصحاب في أمر له ما بإزاء وحقيقة في الخارج.
________________________________________ [1] وهذا الإشكال لو تمّ لم يختصّ باستصحاب الكلّي في الموضوعات، بل يجري مثله في استصحاب جامع الحكمين أو الأحكام أيضاً، فيقال: إنّ الجامع بينهما ليس عدا أمر انتزاعيّ، وما هو موضوع لحكم العقل بوجوب الامتثال هو واقع الحكم، لا ما انتزع الذهن منه.
مباحث الأصول/ج5 / 318
وإن قصدتم بهذه المناقشة أنّ الكلّي لا وجود له في الخارج كي يمكن إجراء الاستصحاب في حقيقة خارجية تكون هي موضوع الأثر الشرعي، فجوابكم: أنّ الكلّي يوجد له ما بإزاء في الخارج على حدّ الجزئي، فكما يجري الاستصحاب في حقيقة الجزئي كذلك يجري في الكلّي من دون فرق. توضيح ذلك: أنّ الموجود الخارجي عبارة عن مجموعة حيثيات وخصائص تجمعت والتقت في وجود واحد، وبذلك امتازت عن غيره من الأفراد، حيث تختلف عنها في هذه الخصائص والمشخّصات الكيفيّة، أو الكميّة، أو الأينيّة، أو المتائية، أو أيّ مقولة اُخرى من المقولات، وقد بُني الكيان الذهني للإنسان بنحو بإمكانه أن يتصوّر بعض هذه الحيثيات والخصائص مجرّدة عن الاُخرى، ويستطيع أن يتصوّرها مجتمعة ملتقية مكوّنة لجزئي وفرد معيّن. وهذا العمل الذي يقوم به الذهن ـ أعني: تصوّر الحيثيّة مجرّدة عن مقارناتها ـ يكون على نحوين، فإنّه تارةً يأخذ قيد التجرّد عن المقارنات قيداً في المتصوَّر، بأن ينصب التصوّر على الكيف المخصوص بما هو معرىً عن الحيثيّات الاُخرى، ومثل هذا المفهوم الذهني ـ لا محالة ـ لا تكون له حقيقة في الخارج; إذ كلّ حيثية تتحقّق في الخارج ـ لا محالة ـ تقارن حيثيّات ومشخّصات اُخرى، وتجتمع معها. وطوراً لا يكون التجرّد من خصائص المتصوّر، بل يكون حقيقة لنفس التصوّر، وذلك بأن تقتصر القوّة المتصوّرة لدى الإنسان على تصوّر حيثيّة معيّنة لا غير، بأن تقف عليها، ولا تتجاوزها إلى سائر ما يكتنف ويتقارن معها، فيكون التجرّد منه حالة لنفس التصوّر، لا للعنوان المتصوَّر. وهذا هو الذي نسمّيه بالكلّي. وقد اتّضح بهذا البيان أنّه مفهوم له ما بإزاء في الخارج، فإنّ مثل هذا التصوّر ـ لا محالة ـ يحكي ويكشف عن الحيثيّة المتصوّرة به على حدّ حكاية مفهوم الجزئي عن مجموع الحيثيات والخصائص مجتمعة، غاية ما هنالك من الفرق: أنّ المفهوم الكلّي باعتبار تجرّده ـ أي: تجرّد نفس التصوّر فيه ـ يكون أوسع من مفهوم الجزئي، بحيث تتساوى نسبة كلّ الأفراد والوجودات الخارجية إليه. وهذا لا يعني عدم وجود ما بإزاء للمفهوم خارجاً كي لا يمكن استصحابه، ويعدّ ذهنيّاً بحتاً، بل له ما بإزاء في الخارج بلحاظ جميع أفراده منسوب إليها نسبة الآباء إلى الأبناء. إذن فكما يجري الاستصحاب في الموضوع الجزئي باعتباره حقيقة خارجية كذلك يجري في الموضوع الكلّي باعتباره حقيقة خارجية أيضاً.
مباحث الأصول/ج5 / 319
وهذا المقدار من البيان كاف لإيضاح النقطة في المقام، وسيأتي شرح أكثر لحقيقة الكلّي. الجهة الثانية: في مناقشة استصحاب كلّي الحكم، كما لو أردنا استصحاب الجامع بين الوجوب والاستحباب، أو الجامع بين وجوب الجمعة ووجوب الظهر. وهذا النقاش مبنيّ على أصل موضوعي وهو دعوى: أنّ المجعول في الاستصحاب هو الحكم المماثل لمؤداه. حيث يقال عندئذ: إنّ الجامع بين الوجوب والاستحباب لا يمكن جعل مماثله بالاستصحاب; إذ كيف يجعل؟ أيجعل هذا الجامع الذي هو جنس لهما من دون فصل، أو يجعل مع فصل الوجوب أو الاستحباب؟ أمّا جعله من دون فصل ففيه محذور استحالة تحقّق الجنس من دون فصل. وأمّا جعله مع أحد الفصلين فهو على خلاف قاعدة الاستصحاب; إذ أركانه غير تامّة في الفصل; فإنّه لا علم به، فكيف يثبت به؟ ونحو هذا يقال ـ أيضاً ـ في استصحاب الجامع بين الوجوبين: وجوب الظهر ووجوب الجمعة; إذ كيف يثبت هذا الجامع والكلّي؟ أيثبت من دون متعلّق، أعني: الظهر أو الجمعة؟ فهذا مستحيل. أو يثبت على الجامع بين المتعلقين، بأن يثبت وجوب الجامع بين الظهر والجمعة؟ وهذا ـ أيضاً ـ باطل; إذ معناه ثبوت الوجوب التخييري بين الظهر والجمعة، وهو غير الحالة السابقة التي هي وجوب أحدهما يقيناً. وواضح أنّ هذا النقاش لا يرد بناءً على غير مبنى جعل الحكم المماثل، فإنّه على مبنى جعل الطريقية مثلاً يقال: إنّ الاستصحاب يحقّق ويثبت للمكلف العلم التعبّدي بالجامع، وهو معقول; لأنّ العلم يتعلّق بالجامع بين شيئين، والأمر واضح. وكذلك على مبنى التنجيز والتعذير، أو إبراز شدّة الاهتمام وعدمها، فإنّها كلّها معقولة في حقّ الجامع، حيث تكون شدّة الاهتمام أو التنجيز بمقدار الجامع لا أكثر. وهذا الإشكال مخصوص باستصحاب الجامع بين الحكمين، لا الجامع بين موضوعين، فإنّ الحكم المماثل هناك الذي يراد ترتيبه بتنقيح الجامع حكم معيّن شخصي، وليس بجامع بين حكمين أو أكثر، كي يستحيل وجوده. وقد أجاب عنه المحقّق الإصفهاني(رحمة الله) في حاشيته على الكفاية[1] بما حاصله: أنّ جعل الحكم المماثل ـ الأصل الموضوعي المأخوذ في هذا الإشكال ـ لا يعني جعل ملاك مماثل
________________________________________ [1] ج 5، ص 139 بحسب طبعة آل البيت. مباحث الأصول/ج5 / 320
للملاك الواقعي، أو جعل شوق مؤكّد وإرادة مماثلة لإرادة الحكم المستصحب، وإنّما يعني جعل إنشاء واعتبار مماثل لجعل الحكم المستصحب، وبما أنّ الوجوب والاستحباب، أو الحرمة والكراهة من واد واحد في هذه المرحلة، أعني مرحلة الإنشاء، فإنّ كلاًّ منهما طلب في الأوّلين، وزجر ومنع في الأخيرين، فيتّضح بذلك أنّه لا محذور في إجراء استصحاب كلّي الحكم الجامع بين الطلب الاستحبابي والوجوبي، أو الجامع بين الزجر التحريمي والكراهتي، فإنّ معناه على هذا هو جعل وإنشاء طلب مماثل للمستصحب سواء كان وجوباً أو استحباباً، وسواء كان حرمة أو كراهة طالما لا يختلفان من حيث الإنشاء. وهذا الجواب غير تامّ. وذلك: أوّلا: أنّه غير سديد فيما إذا كان الكلّي جامعاً بين حكمين مختلفين بالمتعلق، لا بالصنف، كما لو علمنا بوجوب الجمعة أو الظهر، فإنّه على هذا التقدير ليس بالإمكان دعوى جعل إنشاء وطلب مطلق من دون تشخّص بأحد المتعلّقين، كي يكون مماثلاً للكلّي. وثانياً: أنّا لو اعترفنا بأنّ الوجوب والاستحباب لا يختلفان في مرحلة الإنشاء، واعترفنا بأنّ الحكم المماثل مماثل جعلاً وإنشاءً لا ملاكاً ومبدءً، لابتلينا بمشكلة أفدح في الاستصحاب، لا في موارد استصحاب الكلّي، بل في مواضع استصحاب الوجوب المعلوم بشخصه، أو الحرمة المعلومة بعينها، فإنّه لا يمكن بالاستصحاب إلاّ إثبات أصل الإنشاء والإيجاب المماثل للمستصحب، ومن الواضح أنّ هذا لا يثبت خصوصية الوجوب ولزوم الموافقة، أو الحرمة والمنع عن المخالفة طالما لا فارق بين الوجوب والاستحباب، والحرمة والكراهة في المرحلة التي تثبت في الأحكام المماثلة، وإنّما يفترقان على أساس اللزومية في الملاك ومبادئ الأحكام، والمفروض أنّها غير مشمولة للحكم المماثل المجعول بالاستصحاب. إذن فجواب الشيخ الإصفهاني(رحمة الله) لا يمكن المساعدة عليه[1].
________________________________________ [1] لا يخفى أنّ الشيخ الإصفهاني(رحمة الله) يرى أنّنا إذا علمنا بخصوص الوجوب أثبت الاستصحاب حكماً مماثلاً له، وهو الوجوب، والذي هو عبارة عن الحكم المنشأ الذي كان من ورائه مبادئ الإلزام من الملاك والارادة، وأمّا إذا لم يكن المقدار المعلوم إلاّ الجامع بين الوجوب والاستحباب، والذي هو عبارة عن أصل الإنشاء بداعي جعل الداعي، فالاستصحاب لا يثبت خصوصيّة مبادئ الوجوب، لعدم العلم بها، ولكن يثبت أصل الإنشاء بداعي جعل الداعي، وهذا الإنشاء لم يكن تعتبر خصوصيّة تلك المبادئ أو مبادئ الاستحباب فصلاً له حتّى يرد إشكال عدم إمكانية وجود الجنس بلا فصل، وإنّما هي من المقارنات. ومن هنا قد يتراءى عدم ورود الإشكال الثاني المذكور في المتن عليه، فإنّ إلتزامه بأنّ الاستصحاب لم يثبت الحكم المماثل إلاّ بمقدار المماثلة في الإنشاء، لا في المبادئ مختصّ بفرض ما إذا لم نشخّص تلك المبادئ، فلم تثبت الحالة السابقة بلحاظها. أمّا إذا شخّصناها، كما في فرض العلم بالوجوب، فهي تثبت بالاستصحاب كما يثبت الإنشاء به. ولكنّ الواقع: أنّنا إمّا أن نفترض أنّ جعل الحكم المماثل تقصد به المماثلة في هويّة الحكم دون خصوصيّاته التي لا علاقة لها بالفصل، أو تقصد به المماثلة حتّى في خصوصية المبادئ التي فرض أنّها ليست فصلاً للحكم، فعلى الثاني نقع لدى استصحاب الجامع بين الوجوب والاستحباب في مشكلة: أنّ خصوصيّتي المبادئ لا يمكن افتراض وجود جنسهما دون الفصل، وعلى الأوّل نقع لدى استصحاب الوجوب في مشكلة: أنّه لا يتحقّق به الإلزام. أمّا لو ادّعي أنّه لدى العلم بخصوصيّة المبادئ الوجوبية نستصحب تلك المبادئ إلى جانب استصحاب أصل الحكم الإنشائي، فالجواب: أنّ المفروض في باب الاستصحاب أن يكون المستصحب حكماً شرعياً، أو موضوعاً لحكم شرعي; لأنّ الاستصحاب عبارة عن جعل الحكم المماثل للمستصحب، أو لحكمه، والمفروض لديه(رحمة الله) أنّ تلك المبادئ لا هي حكم شرعي، ولا موضوع لحكم شرعي، وإنما الحكم الشرعي الذي تجب علينا طاعته عبارة عن الأمر الإنشائي الذي يجعل بداعي جعل الداعي. مباحث الأصول/ج5 / 321
وثمّة جواب آخر ربّما يرد على الخاطر، وحاصله: إنّ استصحاب الكلّي غاية ما يريد إثباته هي التعبّد بوجود الكلّي وتحقّقه بنحو مماثل للمستصحب، والكلّي وإن كان لا يمكن وجوده إلاّ ضمن الشخصي والخصوصيّة الوجوبيّة أو الاستحبابيّة مثلاً، وهذه الخصوصية ـ حسب الفرض ـ لم تتمّ فيها أركان الاستصحاب، غير أنّ هذه الخصوصية لا ينفيها الاستصحاب حتّى يكون مؤدّاه جعل الجامع والكلّي في غير تشخّص، فيكون مستحيلاً، بل الاستصحاب لا يثبت أكثر من الكلّي، فهو ساكت عن المقدار الزائد الذي لابدّ من ثبوته واقعاً حتّى يثبت الكلّي، فيعبّدنا الاستصحاب بوجود هذا الكلّي المماثل للمستصحب ولو كان ضمن إحدى الخصوصيتين من الوجوب والاستحباب. وهذا الجواب مدخول فيه أيضاً: ذلك أنّه يستلزم الألتزام بأحد أمرين: استعمال اللفظ في أكثر من معنى، أو كون خطاب(لا تنقض اليقين بالشكّ) إخباراً عن الإنشاءآت الثبوتية، لا أنّه هو الإنشاء، والوجه في لزوم أحد هذين: أنّ الجامع الذي يعبّدنا به في موارد استصحاب الجامع لا يمكن إنشاؤه ـ كما عرفت ـ إلاّ في ضمن فرد معيّن الذي لا يقين بحدوثه، وعليه نقول: إنّنا إمّا أن نفترض أنّ قوله:«لا تنقض اليقين بالشكّ» إنشاء للأحكام المماثلة للمتيقّنات الموجودة في موارد الاستصحابات(ولا مانع من إنشاء الأحكام بالتصوّر الإجمالي، وبعنوان مشير كعنوان بقاء المتيقّن مثلاً)، وعندئذ فإمّا أن يقصد بعنوان عدم نقض اليقين بالشكّ بقاء ما كان متيقّناً، وبمقدار التيقّن فقط، فلا يشمل موارد استصحاب الجامع; مباحث الأصول/ج5 / 322
لأنّ الجامع بحدّه الجامعي غير قابل للإنشاء وإثبات الجامع في ضمن الفرد، يعني إنشاء أكثر ممّا كان متيقّناً، أو يقصد به ـ زائداً على ذلك ـ إنشاء ما يكون فرداً للمتيقّن، ومشتملاً على ما يزيد على المتيقّن، وهذا يعني إبراز جعلين، واستعمال اللفظ في معنيين[1]. وإما أن نفترض أنّ قوله:«لا تنقض اليقين بالشكّ» إخبار عن بقاء المتيقّن، ولا بأس بشمول ذلك للفرد المتيقّن وللجامع المتيقن، غاية ما هناك أنّ الجامع المتيقّن لا يمكن أن ينشأ بقاؤه إلاّ ضمن إنشاء بقاء الفرد، فنستكشف من إطلاق الأخبار أنّ الشريعة قد أنشأت مسبقاً تارةً: بقاء المتيقّن، وهو في مورد استصحاب الشخص، واُخرى: بقاء فرد المتيقّن، وهو في مورد استصحاب الجامع. ومن الواضح أنّ حمل هذا النصّ على الإخبار خلاف الظاهر. وهناك جواب ثالث على الشبهة، وفي هذا الجواب يفترض أنّنا نجري استصحاب الجامع بخصوصيّته الواقعية، لابحدّه الجامعي حتّى يبتلي بمشكلة عدم إمكان وجود الجامع بحدّه الجامعي، ومن هنا تكون هذه الإجابة تصحيحاً لاستصحاب الفرد في موارد استصحاب الكلّي، فهو يحلّ مشكلة الفقيه، غير أنّ المشكلة الاُصولية ـ وهي جريان الاستصحاب في الكلّي ـ لا تشمله هذه الإجابة. وحاصل هذه الإجابة: أنّ هنالك مبنيين في تفسير العلم الإجمالي وما يتعلّق به، المبنى الأوّل يرى العلم الإجمالي متعلّقاً بالجامع لا بالواقع. وهذا ما اختارته مدرسة المحقّق النائيني(قدس سره)، وعليه لا يمكن إجراء الاستصحاب; لأنّ الخصائص الفرديّة ليست تحت العلم. والمبنى الثاني يرى العلم الإجمالي متعلّقاً بالواقع بحدّه الواقعي، وإنّما فرقه عن العلم التفصيلي في الصورة والعلم، فالتفصيلي منه صورة واضحة جليّة، بينما العلم الإجمالي بمثابة الصورة المغبرّة التي اعتراها التشويه والغبر. أمّا من ناحية ما يتعلّقان به فكلاهما ينصبّ وينحطّ على الواقع والخارج دون الكلّي. وهذا ما اختاره المحقّق العراقي(رحمة الله). وعليه يكون الاستصحاب جارياً في موارد العلم الإجمالي بالوجوب أو الاستحباب، والظهر أو الجمعة ونحوهما من موارد استصحاب الكلّي، إذ العلم واليقين قد انصبّ على أحد الواقعين، فيكون استصحابه مثبتاً للحكم المماثل لذلك
________________________________________ [1] مضافاً إلى أنّ المعنى الثاني بعيد عن العبارة; لأنّ العبارة جاءت بلسان اليقين والشكّ، وخصوصيّة الفرد لم تكن متيقّنة. مباحث الأصول/ج5 / 323
الواقع، وليس فيه محذور. وهذه الإجابة باطلة ـ أيضاً ـ وذلك: أوّلا: لعدم صحّة المبنى، فإنّا قد شرحنا مفصّلاً في موضعه أنّ العلم الإجمالي لا يتعلّق بالواقع. وثانياً: أنّ العلم الإجمالي في بعض الموارد لا تعيّن واقعي لمتعلّقه، كما لو علمنا بوجوب الظهر أو الجمعة، واحتملنا وجوبهما معاً وكان في عالم الواقع كلاهما واجبين، فإنّ نسبة كلٍّ من الوجوبين بشخصه إلى العلم الإجمالي على حدّ واحد فإذا لم يمكن تعيّن شخصيّ لمتعلّق العلم واقعاً، فأيّ حكم مماثل يشرّع بالاستصحاب، أيجعل حكمان مماثلان لهما معاً؟ فهذا أكثر من مقدار اليقين. أو يجعل حكم واحد؟ فأيّهما الذي يستحقّ جعلاً مماثلاً؟ بعد أن كانت نسبتهما إلى العلم نسبة واحدة. نعم، ثمّة دعوىً اُخرى غير ما ذكر في هذه الأجوبة الثلاثة بالإمكان تخريج استصحاب الكلّي عليها، وهي: أنْ يلتزم بأنّ موضوع الاستصحاب هو ذات الحدوث، لا اليقين به، وإنّما اليقين مجرّد عنوان مشير يثبت به الحدوث، فالاستصحاب يعني التعبّد ببقاء الحادث أوّلاً من دون تدخّل لعنوان اليقين فيه سعةً أو ضيقاً. وعليه فيكون الحكم المماثل المجعول مطابقاً للحدوث على واقعه المشخّص، لا العلم الإجمالي المتعلّق بالجامع العاري عن الشخص. فأتّضح بهذا التفصيل: أنّ مشكلة جعل الجامع العاري عن الشخص في موارد استصحاب كلّي الأحكام لايمكن حلّها إلاّ بالهروب عن أحد الأصلين الموضوعيين أو كليهما، وهما البناء على جعل الحكم المماثل في مدلول الاستصحاب، وأنّ اليقين بالحدوث عنوان مأخوذ في موضوعه بحيث يتقيّد ويتقدّر بقدره.
المقام الثاني: في أقسام استصحاب الكلّي. نورد أقسام استصحاب الكلّي بالنحو التالي، فإنّه هو التقسيم الفنّي بلحاظ ما يرتبط بكلّ قسم من بحث. إنّ الشكّ في بقاء الكلّى تارةً يكون من جهة الشكّ في حدوث الفرد، واُخرى لا يكون من جهة الشكّ في حدوث الفرد. وعلى كلّ من التقديرين قد يكون الفرد الحادث مقروناً بالعلم الإجمالي، وقد لا يكون.
مباحث الأصول/ج5 / 324
مثال الأوّل: ما إذا علمنا إجمالاً بدخول أحد شخصين في المسجد: زيد أو عمرو، وشككنا في بقاء الكلّي للعلم بخروج زيد لو كان هو الداخل، حيث يكون هذا الشكّ ناشئاً من الشكّ في حدوث زيد أو عمرو المعلوم إجمالاً دخول أحدهما. وهذا هو القسم الثاني من استصحاب الكلّي في اصطلاح رسائل الشيخ(رحمة الله). ومثال الثاني: ما إذا شكّ في وجود كلّيّ الإنسان مثلاً في المسجد، من باب احتمال دخول عمرو إليه حين خروج زيد المعلوم حاله دخولاً وخروجاً، أو دخوله معه من أوّل الأمر، فيكون الشكّ في بقاء الكلّي ناشئاً من الشكّ البدوي في حدوث الفرد الثاني وهو عمرو. وهذا هو الكلّي من القسم الثالث في اصطلاح رسائل الشيخ(رحمة الله). ومثال الثالث: ما إذا علمنا إجمالاً بوجود زيد أو عمرو في المسجد ويكون الفرد على كلٍّ من التقديرين محتمل البقاء ومحتمل الارتفاع، فأصبح الكلّي مشكوك البقاء من ناحية الشكّ في بقائه ضمن الفرد، لا من ناحية الشكّ في حدوث أحد الفردين، لكن الفرد في نفسه مقرون بالعلم الإجمالي. ومثال الرابع: ما إذا شكّ في بقاء كلّي الإنسان في المسجد من ناحية الشكّ في بقاء زيد الذي نعلم بالتفصيل دخوله فيه. ولنبدأ بتفصيل الحديث في كلٍّ من الأقسام الأربعة. وقبل الشروع في تفصيل الأقسام ينبغي أن نشير إلى إشكال عامّ في استصحاب الكلّي يبتني على ما ذكرناه في الجهة الاُولى من المقام السابق، حيث قلنا: إنّ الكلّي ـ خلافاً للرجل الهمداني ـ موجود في كلّ فرد بوجوده، وإنّ نسبته إلى الأفراد نسبة الآباء إلى الأبناء، لا الأبّ الواحد إلى الأبناء، فإنّه قد يقال ـ بناءً على هذا الرأي ـ: إنّه لا يبقى فرق بين استصحاب الفرد واستصحاب الكلّي، حيث يكون مصبّ الاستصحاب، وما يثبت به هو الوجود الخارجي; لأنّ الاستصحاب يعني إبقاء ما كان موجوداً حقيقياً، ولا معنىً لإبقاء المفهوم، والمفروض أنّه في الخارج ليس إلاّ شيء واحد، هو الفرد بلحاظ، والكلّي بلحاظ آخر، بمعنى: أنّ الكلّيّة والجزئيّة من خصائص كيفيّة تلقّي الذهن للموجود الخارجي، لا لنفس الموجود في الخارج. إذن فبماذا يمتاز استصحاب الفرد عن الكلّي؟! نعم، لو تصوّرنا الكلّي بوجود يمتاز خارجاً عن الفرد، كما في تصوّر الرجل الهمداني امتاز الاستصحابان أحدهما عن الآخر، غير أنّ المفروض عدم صحّة هذا المبنى. وللإجابة على هذا الإشكال يوجد طريقان:
مباحث الأصول/ج5 / 325
أحدهما: ما قد يستفاد أو يستنتج من كلمات بعض الاُصوليين ـ في مواضع غير هذا الموضع ـ، وحاصله: أنّا نستصحب الحصّة، أي: تلك الحصّة من الإنسانية الموجودة في زيد وعمرو مثلاً، والحصّة تختلف عن الفرد، فإنّ الفرد يعني وجود الذات مع الخصائص والأعراض الاُخرى، بينما الحصّة تعني الذات الموجودة مع قطع النظر عن الأعراض والخصوصيّات، فيكون استصحاب الكلّي استصحاباً وتعبّداً ببقاء الذات الموجودة سابقاً، بينما استصحاب الفرد يعني الذات الموجودة مع صفاتها وخصائصها المتصفة بها. الطريق الثاني: أنّ الاستصحاب الذي هو حكم شرعي وتعبّد ظاهري على حدّ سائر الأحكام والتعبّدات لا يتعلّق بالواقع والوجود الخارجي، بل يستحيل أن يتعلّق به وإنّما يتعلّق بالوجود الذهني والصورة المفهومية، لكنّها ملحوظة بالحمل الأوّلي، أي بما هي تعكس الخارج وتحكي عنه، لا بالحمل الشايع، ومن الواضح أنّ صورة الفرد بالحمل الأوّلي غير صورة الجامع والكلّي، كما ذكرنا في تصوير الكلّيّة والجزئيّة. إذن فمعنى استصحاب الكّليّ التعبّد شرعاً وظاهراً ببقاء الصورة الذهنية الكلّيّة، لكن لا ببقائها بالحمل الشائع وبما هي أمر ذهني، بل بالحمل الأوّلي وبما هي تحكي عن الخارج، بينما استصحاب الفرد يعني التعبّد ببقاء الصورة الجزئيّة بالحمل الأوّلي وبما هي تحكي عن الخارج، ويكون حال الاستصحاب الذي هو منجّز شرعي حال العلم الإجمالي الذي هو منجّز عقلي، فإنّه ـ أيضاً ـ غير متعلّق إلاّ بالجامع، لا بهذه الحصّة خاصّة ولا بتلك، ومع ذلك يكون منجّزاً ومجدياً. فتلخّص ممّا ذكرنا: أنّ هنالك تصوّرات ثلاثة لاستصحاب الكلّي: التصوّر الأوّل: هو الذي يميّز بين استصحاب الكلّي واستصحاب الفرد بالتمييز بين الكلّي الذي هو موجود خارجي وحداني بنحو السعة، والفرد الذي هو إشعاع ومرتبة وواجهة من واجهات الجزئيّ الخارجي، كما يقوله الرجل الهمداني. والتصوّر الثاني: يميّز بينهما بأنّ استصحاب الكلّي يعني استصحاب الحصّة الخاصّة، بينما استصحاب الفرد يعني استصحاب الحصّة مع خصوصياتها العرضية المشخّصة. والتصوّر الثالث: يميز بينهما بأن استصحاب الكلّي يعني الحكم شرعاً ببقاء الواقع بمقدار ما تحكي عنه الصورة الذهنية الكلّية، كالعلم الإجمالي، بينما استصحاب الفرد هو الحكم ببقاء الواقع بالمقدار الذي تحكي عنه الصورة الشخصيّة الجزئيّة، كالعلم التفصيلي. وعلى أساس الاختلاف بين هذه التصورات تختلف النتائج التطبيقية في كلّ من الصور الأربع التي نريد البحث فيها بالتفصيل، فنقول:
مباحث الأصول/ج5 / 326
صورة العلم بأحد الفردين والشكّ في الجامع بينهما الصورة الأولى: ما إذا علم إجمالاً بحدوث أحد الفردين وشكّ في بقاء الجامع بينهما من دون أن يكون الشكّ في البقاء هذا ناتجاً من الشكّ في حدوث أحد الفردين، كما لو علم بدخول زيد أو عمرو في المسجد مع الشكّ في بقاء الداخل على كلّ تقدير. ولاستيعاب الحديث في هذه الصورة نعقد جهات:
جريان استصحاب الجامع بين الفردين الجهة الاُولى: في جريان استصحاب الكلّي والجامع بين الفردين في هذه الصورة فيما إذا كان هو موضوع الأثر. وهنا ينبغي أن يقال: إنّه لا إشكال فوق ما ذكر في المقام السابق من المناقشة العامّة في استصحاب الكلّي بناءً على التصوّر الأوّل والثالث من التصوّرات الثلاثة لاستصحاب الكلّي. وأمّا لو بني على التصوّر الثاني القائل باستصحاب الحصّة، فسيتوجّه إشكالٌ; وهو: أنّ العلم واليقين في هذه الصورة لم يتعلّق بالحصّة; إذ الصحيح ـ كما حققناه في محلّه ـ : أنّ العلم الإجمالي يتعلّق بالجامع بين الحصّتين دون هذه أو تلك. وعليه، فلا يمكن إجراء الاستصحاب فيها. أجل، لو قيل بمبنى المحقّق العراقي(قدس سره) من أنّ العلم يتعلّق بالواقع حقيقةً، أو قيل: بأنّ الاستصحاب لم يؤخذ فيه اليقين بالحدوث موضوعاً، وإنّما الموضوع هو واقع الحدوث، واليقين لا يعدو أن يكون طريقاً لإثباته، أمكن تصحيح هذا الاستصحاب. أمّا من دون الالتزام بأحد هذين المسلكين فلا يمكن بوجه إجراء الاستصحاب.
الجهة الثانية: في جريان استصحاب الفرد في هذه الصورة، فهل يجوز إجراء الاستصحاب بلحاظ الفرد الذي وجد على إجماله، أو لا يجوز ذلك؟ الصحيح: أنّه لا يجوز ذلك، إلاّ بعد الاعتراف بأحد المسلكين، أقصد مبنى المحقّق العراقي(رحمة الله) في متعلّق العلم الإجمالي من أنّه يتعلّق بالواقع لا بالجامع. أو مبنى: أنّ العلم واليقين ليس موضوع الاستصحاب، وإنما الموضوع هو واقع الحدوث. وأمّا من دون ذلك فلا يصحّ الاستصحاب في الفرد.
مباحث الأصول/ج5 / 327
كفاية استصحاب الجامع عن استصحاب الفرد: الجهة الثالثة: في أن استصحاب الجامع في هذه الصورة هل يكفي عن استصحاب الفرد، ويثبت الأثر المترتّب على الفرد، أو لا؟ وقد يستغرب في النظرة الاُولى من هذا التساؤل; إذ كيف يتصوّر ذلك مع أنّ استصحاب الجامع لا يجري لعدم الأثر فيه، حيث إنّ المفروض تعليق الأثر على الفرد، ولو جرى لا يفيد لإثبات الفرد بالجامع إلاّ بناءً على الأصل المثبت، وهو باطل على التحقيق. والصحيح: أنّه بالإمكان تصحيح هذا الاستصحاب، وتخريجه بنحو تثبت به آثار الفرد. بيان ذلك: أنّ هنالك تفسيرين لقوله(علیه السلام):«لا ينقض اليقين بالشكّ» أحدهما: يرى أنّ المدلول لهذه الجملة هو التعبّد بلحاظ المتيقّن، بأن يكون المقصود التعبّد ببقائه، أو ببقاء آثاره، أو جعل حكم مماثل لحكم المتيقّن ونحو ذلك. والثاني: يرى أنّ المدلول هو التعبّد بلحاظ نفس اليقين، بأن كان المقصود هو التعبّد ببقاء اليقين، وأنّه غير زائل بالشكّ، وأنّه ينبغي ترتيب نفس النتيجة التي كانت تثبت باليقين في حال الشكّ أيضاً. فلو بنينا على الأوّل لم يصحّ هذا الاستصحاب، فإنّ المتيقّن ـ وهو الجامع ـ ليس له الأثر الشرعي، فلا يشمله التعبّد. ولو بنينا على الثاني كان الاستصحاب صحيحاً لا محالة، فإنّ معنى الاستصحاب عندئذ هو جري العمل وفق ما كان يتطلّبه اليقين والعلم، ومن الواضح أنّ العلم الإجمالي حتّى عند من يرى تعلّقه بالجامع لا بالواقع يكون منجِّزاً لآثار الفردين الإلزامية، فيتطلّب من الشخص الجري وفق تلك الآثار، فإذا كان مغزى دليل الاستصحاب وجوب الجري وفق ما كان يتطلّبه العلم، ثبتت به ضرورة إجراء آثار الفرد في المقام. وبما أنّنا قد ذكرنا في ما سبق: أنّ أدلّة الاستصحاب على قسمين: أحدهما ينظر إلى الحدوث، من قبيل قوله:«لأنّك أعرته إيّاه وهو طاهر»، والآخر ينظر إلى اليقين، من قبيل قوله:«لا تنقض اليقين بالشكّ»، فنحن نؤمن بكلا التفسيرين، أعني: التعبّد ببقاء المتيقّن وآثاره، والتعبّد بالجري وفق ما كان يتطلّبه اليقين، ونحن نستفيد من مكاسب كلا اللسانين الواردين، فمن ناحية نستفيد من الدليل الذي اُخذ فيه الحدوثُ الحكمَ ببقاء الحادث تعبداً، بلا تقيّد باليقين، فنُجري استصحاب ما ثبت حدوثه بالأمارة مثلاً، ونجري استصحاب الحصّة أو الفرد لدى العلم بالجامع. ومن ناحية اُخرى نؤمن ـ أيضاً ـ بالتعبّد بالجري العملي وفق ما يتطلّبه اليقين، فاستصحاب الجامع في المقام يكفي لترتيب آثار الفرد، فكأنّنا مباحث الأصول/ج5 / 328
بالاستصحاب نعلم إجمالاً بأحد الفردين بقاءً، كما كنّا كذلك حدوثاً.
كفاية استصحاب الفرد عن استصحاب الجامع: الجهة الرابعة: في أنّ استصحاب الفرد هل يجزي عن استصحاب الجامع، بمعنى: أنّه يثبت الأثر المترتّب على الجامع، أو لا؟ والصحيح في هذه الناحية هو إجزاء استصحاب الفرد عن الكلّي، وإثباته لآثاره; لأنّ الصورة الفرديّة تتضمّن صورة الجامع، فالتعبّد بمحكيّها يكون بالدلالة التضمّنية تعبّداً بمحكيّ الجامع، ولم يكن مأخوذاً في موضوع الأثر الجامع بشرط لا عن الخصوصية، بل الجامع لا بشرط.
صورة العلم بالجامع ضمن فرد ثمّ الشكّ فيه للشكّ في ذلك الفرد: الصورة الثانية: ما إذا علمنا بتحقّق الكلّي ضمن فرد خاصّ تفصيلاً، كما إذا علمنا بدخول زيد المسجد، وشككنا بعد ذلك في بقاء كلّي الإنسان فيه لاحتمال خروجه. والحكم في هذه الصورة واضح، فإنّ استصحاب الكلّي يجري فيها على كلّ التصورات الثلاثة في استصحاب الكلّي: أمّا على التصوّر الأوّل القائل بوجود الكلّي وجوداً وحدانياً سعيّاً فواضح، حيث إنّ هذا الوجود تحقّق بتحقّق الفرد، فيستصحب. وأمّا على تصوّر رجوع استصحاب الكلّي إلى استصحاب الحصّة فلأنّ الحصّة هنا معلومة; إذ الفرد معلوم حسب الفرض. وأمّا على تصوّر أنّ الاستصحاب كسائر المنجّزات والأحكام الشرعية والعقلية تعبّد بالجامع، وبالصورة الذهنية بحملها الأوّلي لا الشائع، فأيضاً يجري الاستصحاب; لأنّ الجامع والكلّي كان متصوراً ضمن تصوّر الفرد، ولا يضرّ بذلك تعلّق العلم والصورة الذهنية بالفرد، لا بالكلّي والجامع وحده، فإنّ هذا لا يمنع عن تعلّق التعبّد الاستصحابي بخصوص المقدار الجامع والكلّي الموجود ضمن الصورة الذهنيّة التفصيليّة. وهذا واضح. وأوضح من استصحاب الكلّي في هذه الصورة استصحاب الفرد فيما إذا كان الأثر له، فإنّه جار من دون مانع; لتمامية أركان الاستصحاب فيه، والأمر في سائر الجهات واضح في هذه الصورة; فلا نطيل.
مباحث الأصول/ج5 / 329
صورة العلم بالجامع ضمن الفرد المردّد بين الطويل والقصير: الصورة الثالثة: ما إذا علمنا بتحقّق الكلّي ضمن أحد الفردين: الطويل الأمد أو قصيره، ثمّ شككنا في بقائه للشكّ في أنّ الحادث هل كان هو القصير فهو مرتفع قطعاً، أو الطويل فهو باق، أو محتمل البقاء، فيكون الشكّ في الكلّي من ناحية الشكّ في حدوث الفرد في هذه الصورة، وهي التي قد اصطلح عليها في رسائل الشيخ الأعظم بالقسم الثاني من الكلّي. وهنا نعقد جهات للبحث أيضاً:
الجهة الاُولى: في استصحاب الكلّيّ. من ناحية التصوّرات الثلاثة في استصحاب الكلّي واختلافها لا مزيد في استصحاب الكلّي في هذه الصورة على ما ذكر في الصورة الاُولى، لكنّها تختصّ دونها في مناقشات اُخرى عديدة بالإمكان استخلاصها في إشكالات رئيسة ثلاثة: 1 ـ إنّ استصحاب الكلّي بين الفردين لا يجري هنا; لعدم تماميّة الركن الثاني للاستصحاب فيه، وهو الشكّ في البقاء; ذلك أنّنا نريد إجراء الاستصحاب في العنوان الإجمالي الجامع بين الفردين، لا العنوان التفصيلي، لوضوح عدم اليقين بالحدوث في العنوان التفصيلي، فإذا كان الاستصحاب بلحاظ هذا العنوان الإجمالي المردّد بين الفردين الذي نحن على علم به، إذن لزم أن يكون الشكّ ـ أيضاً ـ شكاً فيه على تردّده، فإنّ الشكّ في كلّ معلوم يكون بحسبه، فلو كان اليقين تفصيليّاً فالشكّ يكون في متعلّقه بالتفصيل، ولو كان مردّداً بين أمرين ينبغي أن يكون الشكّ فيه موجوداً على كلا طرفي الترديد، ونحن هنا لا نشكّ إلاّ في بقاء الفرد الطويل الذي هو أحد طرفي العلم الإجمالي، وأمّا الطرف الآخر فهو مقطوع العدم بقاءً، إذن، فالعلم واليقين قد تعلّق بالجامع المردّد بين الفردين، بينما الشكّ طارئ على أحد الفردين والطرفين. وهذا النقاش جوابه واضح، ذلك أنّه مبنيّ على تصوّر تعلّق العلم الإجمالي بالفرد المردّد بين الفردين، وعليه يقال: بأن الشكّ فيه ينبغي أن يكون متعلّقاً بهذا الفرد المردّد; لكي يكون شكّاً في المعلوم، بَيدَ أنّا حقّقنا في محله أنّ الفرد المردّد كما يستحيل في الخارج يستحيل في الذهن أيضاً، وأنّ العلم الإجمالي يتعلّق بالجامع، وهو صورة ذهنية معيّنة غير مردّدة مباحث الأصول/ج5 / 330
أصلاً، ومن الواضح: أنّ الشكّ في الجامع والصورة الكلّية يكون من الشكّ في الأفراد، فهذه الصورة الجامعة بين الفردين المعلومة سابقاً يحتمل بقاؤها واستمرارها بمجرّد احتمال بقاء أحد الفردين على تقدير حدوثه. 2 ـ دعوى معارضة استصحاب الكلّي في هذه الصورة لاستصحاب عدم الفرد الطويل، وذلك: أنّ المفروض ترتّب الأثر على الكلّي والجامع، فيكون موضوع الحكم الشرعي هو الكلّي الذي يوجد بوجود الفرد، فيكون ـ لا محالة ـ عدم المحمول موضوعه عدم الموضوع، أي: عدم الكلّي، وعدم الكلّي يتحقّق بعدم هذا الفرد وذاك الفرد وذلك الفرد، وهكذا إلى تمام الأفراد، ونحن في المقام نعلم في الآن اللاحق أنّ الفرد القصير غير موجود، وإنّما نحتمل بقاء الكلّي ضمن الفرد الطويل، فنستصحب عدمه، وبذلك نضم التعبّد بعدم هذا الفرد إلى العلم الوجداني بعدم فرد آخر، ونثبت عدم الأثر، لأنّه مترتّب على عدم الكلّي الذي يعني عدم الأفراد. وقد أحرزناه بالتلفيق بين التعبّد والوجدان، وهو أمر جائز، فينافي استصحاب الكلّي ويعارضه. وتفصيل الحديث في هذه المناقشة أن نقول: إنّ موضوع الأثر الشرعي تارةً هو الحصّة، كما إذا كان دليل الحكم قد اثبته على الطبيعة بنحو مطلق الوجود والاستغراق، بأن جعل لكلّ حصّة فرداً من الحكم يستقلّ في كونه موضوعاً له، وطوراً يكون الموضوع هو الطبيعة بنحو صرف الوجود. فعلى الأوّل يكون هذا النقاش صحيحاً، وفي محلّه; لأنّ الموضوع إذا كان هو الحصّة فاستصحاب عدم الفرد ـ أو قل: عدم الحصّة الطويلة ـ ينفي ذلك الفرد من الحكم المرتّب على هذه الحصّة، والمفروض أنّنا نعلم بعدم وجود حصّة اُخرى تستقلّ بالحكم، فلا محالة ينتفي الحكم باستصحاب عدم الفرد الطويل، فيكون معارضاً لاستصحاب بقاء الجامع بناءً على جريانه لإثبات الحكم. وأمّا على الثاني بأن كان الأثر للكلّي والجامع والطبيعة، بأن كانت هي الموضوع للحكم والأثر الشرعي، والأفراد والحصص مصاديق له ليس إلاّ، فإن بنينا على التصوّر الذي يرجع استصحاب الجامع إلى استصحاب الحصّة، فأيضاً لهذه المناقشة مجال، فإنّ استصحاب عدم الحصّة الطويلة ينفي ما يثبته استصحاب الحصّة، غير أنّ هذا بالحقيقة ليس استصحاباً للكلّي وللجامع، بل هو استصحاب الحصّة. وأمّا إذا بنينا على الكلّي الهمداني، أو التصوّر الثالث، فهذا النقاش غير تام.
مباحث الأصول/ج5 / 331
أمّا على الأوّل فلأنّ استصحاب عدم الحصّة الطويلة لا يثبت عدم الكلّي الهمداني، أي: الوجود السعي للطبيعة إلاّ بالملازمة العقلية بين انعدام الأفراد وانعدام الكلّي السعي. وأمّا على الثاني، أعني التصوّر الثالث الذي كان يعتبر الاستصحاب كسائر الأحكام الشرعية والمنجّزات العقلية يركب وينحط على الوجودات والصور الذهنية بالحمل الأوّلي، أي: بمقدار حكايتها عن الخارج، فاستصحاب الكلّي تعبّد على قدر محكيّ الصورة الإجمالية، كما أنّ استصحاب الفرد تعبّد على قدر محكيّ الصورة التفصيليّة، ولا مجال ـ أيضاً ـ لإشكال المعارضة، فإنّ استصحاب عدم الفرد الطويل يعني التعبّد بعدم محكيّ الصورة الذهنيّة التفصيلية، وهذا لايثبت عدم محكيّ الصورة الذهنية الإجمالية إلاّ على أساس الملازمة. 3 ـ إنّ الشكّ في باب الاستصحاب يجب أن يكون شكّاً في البقاء، فإنّ الاستصحاب تعبّد ببقاء ما كان كما هو واضح، في حين أنّ هذا غير محرز في المقام; وذلك لأنّ ما كان لو كان عبارة في علم الله عن الفرد القصير، فنحن قاطعون بزواله، ولو كان عبارة عن الفرد الآخر فنحن نحتمل بقاءه أو نجزم ببقائه. إذن فالتمسّك بقوله:« لا تنقض اليقين بالشكّ» أو «لا تنقض اليقين بالشكّ في البقاء» تمسّك بالعامّ من دون إحراز موضوعه، وهو الشكّ في البقاء; إذ على الأقلّ نحتمل كون الحادث مقطوع الارتفاع. ولابدّ من الرجوع في مقام الإجابة عن هذه المناقشة الى التصورات الثلاثة عن الكلّي. أمّا على التصوّر الأوّل وهو تصوّر الرجل الهمداني، فهذا الإشكال واضح الجواب; وذلك لأنّ المفروض ترتب الأثر على الكلّي ذي الوجود السعي وهذا الكلّي متعلّق للشكّ في البقاء، ولم يكن مقطوع الارتفاع، وإنّما المقطوع ارتفاعه هو الفرد الذي لا نريد إجراء استصحابه، فهذه المناقشة على هذا التصوّر للمستصحب تكون من باب الخلط بين الكلّي والفرد، وكأنّ صاحبها يتصوّر أنّ المراد استصحاب ذلك الفرد الذي تحقّق، فقال: إنّ هذا مقطوع الارتفاع على تقدير، وليس بمشكوك البقاء على كلّ تقدير. وأمّا على التصوّر الثاني الذي كان يرجع استصحاب الجامع إلى استصحاب الحصّة، فهذه المناقشة تامّة، لكن هذا في الواقع ليس استصحاباً للكلّي، بل هو ملحق باستصحاب الفرد المردّد الذي سوف يأتي تفصيل الكلام فيه في الجهة الآتية. وأمّا على التصوّر الثالث الذي كان يرى الاستصحاب منصبّاً على الصور الذهنية بحملها الأوّلي، أي: بمقدار حكايتها عن الخارج، فوجه المغالطة واضح، فإنّ استصحاب الكلّي على مباحث الأصول/ج5 / 332
هذا يعني التعبّد ببقاء الصورة الذهنية الكلّية، لكن بلحاظ ما تحكي عنه، وبما أنّ المفروض ترتّب الأثر عليه لا على الفرد، فلا ريب في صحّة هذا الاستصحاب وتماميّة أركانه فيه، فإنّ الصورة الذهنية الكلّية لسنا على يقين بارتفاعها، وإنّما نشكّ في ذلك. نعم، الصورة التفصيلية للفرد القصير نحن نقطع بارتفاعها، إلاّ أنّ هذا لا يعني تعلّق القطع بارتفاع الصورة الكلّيّة التي هي مصبّ الاستصحاب. وبهذا ينتهي استعراض المناقشات التي أوردوها على استصحاب الكلّي في هذه الصورة، وقد تبيّن من ذلك عدم تماميّة شيء منها، وأنّ الصحيح جريان استصحاب الكلّيّ في المقام.
الجهة الثانية: في استصحاب الفرد في هذه الصورة، وذلك فيما إذا كان الأثر للفرد لا للكلّي، كما إذا رتّب المولى وجوب الصدقة على وجود زيد في المسجد بما هو زيد، وكذلك رتّب حكماً من سنخ الأوّل أو غيره على وجود عمرو فيه، وعلمنا إجمالاً بدخول أحدهما في المسجد مع القطع بخروجه لو كان زيداً; لأنّنا رأيناه في الخارج، فهل بالإمكان إجراء الاستصحاب بلحاظ الفرد الذي كان موضوعاً للأثر وكان داخلاً في المسجد قطعاً، أو لا يمكن ذلك؟ الصحيح: أنّه لا يجري، وذلك لعدّة نقاط لا يمكن التخلّص من بعضها وإن كان البعض الآخر ممّا يمكن تفاديه، ونقاط الضعف هذه مايلي: أ ـ عدم اليقين بالحدوث بالنسبة للفرد; لأنّ العلم الإجمالي لم يتعلّق إلاّ بالجامع، وهو عنوان أحد الفردين مثلاً، لا بالعنوان التفصيلي المفروض ترتّب الأثر عليه، والمقصود استصحابه. وهذه النقطة للضعف هي التي ذكرت في الجهة الثانية للصورة الاُولى من الصور الأربع، وقد مرّ هناك: أنّ هذا النقاش يمكن التخلّص عنه بأحد أمرين: إمّا الاعتراف بمبنى المحقّق العراقي(قدس سره) من تعلّق العلم بالواقع لا بالجامع، أو الإيمان بأنّ اليقين بالحدوث ليس ركناً في الاستصحاب، وإنّما الركن هو ذات الحدوث، كما هو الذي استفدناه نحن من بعض روايات الاستصحاب. ب ـ عدم الشكّ في البقاء على أحد التقديرين، توضيح ذلك: أنّ هناك فرقاً بين هذه الصورة والصورة الاُولى. ففي الصورة الاُولى كان الحادث محتمل البقاء على كلا تقديريه، مباحث الأصول/ج5 / 333
فبعد فرض حلّ مشكلة اليقين السابق: إمّا بإنكار ركنيّة اليقين، أو بدعوى تعلّق العلم الإجمالي بالواقع، كنّا نثبت قضيتين شرطيّتين ببركة الاستصحاب، أي: كنّا نقول: إنْ كان الحادث هو زيداً فاستصحاب الفرد الواقع المعيّن عند الله المردّد عندنا قد حكم ببقائه، وإن كان الحادث هو عمراً فذاك الاستصحاب قد حكم ببقائه، وبما أنّنا نعلم إجمالاً بصدق أحد الشرطين، كان يحصل لنا العلم الإجمالي بأحد الجزاءين، وآثاره الشرعية، وكان هذا العلم الإجمالي منجِّزاً. أمّا في ما نحن فيه فأحد الفردين مقطوع الارتفاع، فلا يمكن إجراء الاستصحاب بشأنه على تقدير حدوثه. وأمّا الفرد الآخر فإن قصد باستصحابه ـ مع فرض الشكّ في بقائه على تقدير الحدوث دون القطع به ـ إثبات أثره بالخصوص، فهذا غير ممكن; لأنّه ليس مقطوع الحدوث بالتفصيل، فموضوع الاستصحاب سواء كان هو اليقين أو هو الحدوث غير محرز. وإن قصد باستصحابه على تقدير الحدوث تكوين العلم الإجمالي، كما في الصورة الاُولى، فالعِدل الآخر للعلم الإجمالي مفقود، وهو استصحاب الفرد الأوّل; للقطع بانتهائه حسب الفرض، فلا يتكوّن لدينا علم إجمالي. ج ـ لو غضّ النظر عمّا سبق من عدم الشكّ في البقاء على كلّ تقدير، وتخيّل أنّ الشكّ في البقاء بلحاظ عنوان ما حدث، ولو باعتبار تردّد ما حدث بين مقطوع الارتفاع وغيره كاف في انحفاظ الركن الثاني للاستصحاب بلحاظ واقع ما حدث، قلنا: إنّ هذا الاستصحاب لا يجدي شيئاً في المقام لعيب آخر، وهو: أنّ غاية ما يمكن أن يقال في المقام هو: إنّه يتكوّن لنا علم إجماليّ بأحد استصحابين ظاهريين: إمّا استصحاب الفرد القصير، وإمّا استصحاب الفرد الآخر ـ ولنفترض أنّنا لم نقطع ببقاء الفرد الآخر على تقدير حدوثه ـ إلاّ أنّ هذا العلم الإجمالي المفترض لا قيمة له; لأنّ أحد الاستصحابين غير قابل للتنجيز، وهو استصحاب الفرد القصير; لأنّ المفروض العلم الوجداني بانتهاء الفرد القصير وانتهاء حكمه. فهذا العلم الإجمالي ليس علماً إجمالياً بحكم قابل للتنجيز، وبكلمة اُخرى: لو فرض محالاً العلم الإجمالي الوجداني بأحد حكمين مع العلم التفصيلي بعدم الفرد القصير منهما، لما كان هذا العلم الإجمالي منجِّزاً، فكيف يكون العلم الإجمالي التعبّدي والمنزّل منزلة مثل هذا العلم الإجمالي منجزاً عقلاً؟! هذا كلّه مناقشتنا لاستصحاب واقع الفرد، بأن نشير إلى واقع الحادث المعيّن عند الله المردّد عندنا بعنوان مشير. وقد يفترض أنّنا نجعل مصبّ الاستصحاب العنوان الانتزاعي، كعنوان أحدهما بذاته(لا مباحث الأصول/ج5 / 334
بما هو عنوان مشير)، ولكن نرتّب على ذلك تنجيز أثر واقع الفرد، وهذا سنخ ما مضى منّا في الجهة الثالثة من الصورة الاُولى، من أنّنا نستصحب الجامع لتنجيز وترتيب آثار الفرد بناءً على أنّ الاستصحاب يعبّدنا وفق ما يتطلّبه اليقين من الجري، واليقين بالجامع يتطلّب منّا الجري وفق الآثار الإلزامية لكلا الفردين، فالاستصحاب ـ أيضاً ـ يحلّ محلّ اليقين في ذلك، فلنقل في المقام أيضاً: إنّ استصحاب الجامع علم إجماليّ تعبّدي ينجّز آثار الأفراد المحتملة. إلاّ أنّ هذا ـ أيضاً ـ باطل في المقام لأمرين: أوّلا: ما اتّضح ممّا مضى من أنّ هذا يعني التعبّد بالجامع بين ما يقبل التنجيز وما لا يقبل التنجيز; لأنّ الفرد القصير بعد العلم بانتهائه لا يقبل التنجيز. وثانياً: بعد التنزّل عن الإشكال الأوّل، وافتراض أنّ التعبّد بالجامع بين فردين أحدهما غير قابل للتنجيز يوجب تنجيز الفرد الآخر، نقول: إنّ هذا العلم الإجمالي التعبّدي في المقام لا يكفي لتنجيز الفرد الطويل الذي لم نقطع بارتفاعه; لأنّنا إمّا أن نبني في تنجيز العلم الإجمالي على الاقتضاء أو على العلّيّة: فإن بنينا على الاقتضاء فلا تنجيز لهذا العلم الإجمالي التعبّدي; وذلك لجريان الأصل المؤمّن كاستصحاب العدم، أو البراءة عن الفرد الطويل الذي هو طرف لهذا العلم الإجمالي. ولا معارض له حتّى يسقط بالتعارض; لأنّ الفرد القصير لا يجري فيه الأصل بعد العلم بارتفاعه. وإن بنينا على العلّيّة قلنا: إنّ هذا العلم الإجمالي لمّا لم يكن علماً إجمالياً وجدانياً، بل كان وليداً للتعبّد الاستصحابي، فهذا الاستصحاب الذي شكّل هذا العلم الإجمالي التنزيلي معارض بالأصل العمليّ المؤمّن عن الفرد الطويل; لأنّ التعبّد الاستصحابي بالعلم بالجامع يريد تنجيز هذا الفرد، واستصحاب عدم هذا الفرد أو البراءة عنه يقتضي التأمين عنه، واستصحاب الجامع لا يكون حاكماً على البراءة عن الفرد بناءً على مباني الحكومة; لأنّ تلك المباني إنّما تكون فيما إذا كان مصبّ الاستصحاب والبراءة واحداً. وهنا مصبّ الاستصحاب هو الجامع، ومصبّ البراءة هو الفرد[1].
________________________________________ [1] إنّ تعدّد مصبّ الاستصحاب والبراءة مع التعارض بينهما يكون بنحوين: الأوّل: افتراض الاستصحاب النافي للتكليف في أحد طرفي العلم الإجمالي، والبراءة في الطرف الآخر، فكلّ منهما لو كان وحده كان جارياً بناءً على كون تنجيز العلم الإجمالي لوجوب الموافقة القطعية بالاقتضاء لا بالعلّيّة،
مباحث الأصول/ج5 / 335
أقسام استصحاب الفرد المردّد بين القصير والطويل الجهة الثالثة: في أقسام استصحاب الفرد المردّد بين القصير والطويل، وصور كلّ قسم منه، وحكم كلّ صورة من حيث جريان الاستصحاب فيه وعدم جريانه. ونقصد باستصحاب الفرد الاستصحاب الذي يُجرى لهدف إثبات آثار الفرد سواءً كان استصحاباً لواقع الفرد، أو استصحاباً للجامع بين الفردين بهدف تنجيز أثر الفرد. ونجري التقسيم في ذلك : أوّلا: بلحاظ علمنا بحدوث أحد الفردين، وعلمنا بكون أحدهما قصيراً، فبملاحظة هذين الأمرين نستخلص أقساماً ثلاثة: واحد منها أجنبيّ عن باب الفرد المردّد، وأثنان منها مرتبطان بهذا الباب:
______________________________________________________ والآن قد تعارضا، وهنا لا تجري نكتة الحكومة فيتعارض الاستصحاب والبراءة، ويتساقطان. والثاني: افتراض استصحاب الجامع الموجب للعلم الإجمالي التعبّدي بالتكليف، والبراءة عن الفرد الطويل، فهما يتعارضان بناءً على علّيّة العلم الإجمالي لتنجيز الموافقة القطعية، وقد ورد في المتن أنّ نكتة الحكومة غير موجودة هنا. ولكن قد يدّعى في المقام ثبوت نكتة الحكومة. وتوضيح ذلك: أنّ نكتة الحكومة المفترضة للاستصحاب على البراءة لدى وحدة المصبّ هي: أنّ البراءة حدّد جعلها بفرض الشكّ، والاستصحاب يرفع الشكّ: إمّا وفق مسلك التنزيل، أو وفق مسلك الاعتبار، ومن الواضح أنّه بناءً على علّيّة العلم الإجمالي للتنجيز يكون جعل البراءة محدّداً ـ أيضاً ـ بعدم العلم الإجمالي بالجامع، والاستصحاب يرفع هذا العدم: إمّا وفق مسلك التنزيل، أو وفق مسلك الاعتبار، فلا فرق إذن بين الاستصحاب الذي يكون مصبّه هو مصبّ البراءة، والاستصحاب الذي يكون مصبّه الجامع. والصحيح في المقام هو التفصيل بين فرض دعوى الحكومة على أساس التنزيل ودعواها على أساس مسلك الاعتبار القائل بأنّ جعل شيء علماً بالاعتبار يخلق له نفس الأثار العقلية من التنجيز والتعذير: فلو قلنا بالحكومة على أساس التنزيل لم يبقَ فرق بين الإستصحاب الجاري في مورد البراءة والاستصحاب الجاري في الجامع; لما مضى من أنّ البراءة كما هي محدّدة بعدم العلم بموردها كذلك هي محدّدة بعدم العلم بالجامع، لفرض الإيمان بالعلّيّة، وقد نزّل الاستصحاب منزلة العلم. ولو قلنا بالحكومة على أساس الاعتبار فبالإمكان التفصيل بين المقامين; وذلك لأنّ تقيّد البراءة بعدم العلم بالتكليف في موردها ثابت في نفس لسان دليل البراءة، وهو قوله:«رفع ما لا يعلمون»، فليس دليل البراءة قادراً على نفي حدّها، وهو العلم، فدليل الاستصحاب الخالق للعلم يكون حاكماً عليه، ولكن تقيّد البراءة بعدم العلم بالجامع ليس إلاّ بدليل العقل الحاكم بعلّيّة العلم الإجمالي للتنجيز، فدليل البراءة ينفي هذا العلم بناءً على ما هو الحقّ من جواز التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقية للمخصّص اللّبّي في مثل المقام، فيقع التعارض بين البراءة والاستصحاب.
مباحث الأصول/ج5 / 336
القسم الأوّل: أن يكون شكّنا في البقاء ناتجاً عن كون العلم بالحدوث علماً إجمالياً بأحد فردين: إمّا القصير أو الطويل. أمّا علمنا بالقصر فهو علم تفصيلي، كما إذا رأينا زيداً في الزمان الثاني خارج المسجد، فعلمنا أنّه لو كان هو الداخل في المسجد فقد خرج، فهذا الفرد من الموضوع فرد قصير، وشككنا في أنّ الداخل في المسجد في الزمان الأوّل هل هو زيد أو عمرو ؟ القسم الثاني: أن يكون شكّنا في البقاء ناتجاً عن إجماليّة العلم بالقصر. أمّا العلم بالحادث فهو علم تفصيلي، كما إذا علمنا تفصيلاً بدخول زيد في المسجد في الزمان الأوّل، ثمّ شككنا في أنّ الذي رأيناه في الزمان الثاني خارج المسجد هل هو زيد أو عمرو، فشككنا في أنّ وجود زيد هو الفرد القصير على تقدير حدوثه، أو وجود عمرو. القسم الثالث: أن يكون شكّنا في البقاء مستنداً إلى إجمالية كلا العلمين، كما لو علمنا في الزمان الأوّل إجمالاً بدخول زيد أو عمرو في المسجد، ثمّ شككنا في أنّ الذي رأيناه في الزمان الثاني خارج المسجد هل هو زيد أو عمرو؟ وثانياً: بلحاظ كيفيّة علمنا بتعلّق الحكم، فكلّ قسم من تلك الأقسام الثلاثة الماضية تحته فروض عديدة بلحاظ كيفيّة علمنا بتعلّق الحكم، فتارةً يفترض كون الحكم متعدّداً، بأن كان قد تعلّق بكلّ واحد من الفردين حكم سواءٌ كان الحكمان من سنخين كوجوب الصدقة ووجوب الصلاة، أو من سنخ واحد كوجوب الصدقة ووجوب الصدقة فيما إذا كان كلّ فرد موضوعاً مستقلاً للحكم، واُخرى يفترض كون الحكم واحداً تعلّق بأحد الفردين دون الآخر. وعلى كلّ من التقديرين تارةً يكون موضوع الحكم أو الحكمين معلوماً بالتفصيل، واُخرى يكون معلوماً بالإجمال. فهذه صور أربع تحت كلّ قسم من الأقسام الثلاثة الاُولى: أمّا الحديث في هذه الأقسام فهو مايلي: القسم الأوّل: ما إذا شخّصنا الفرد القصير بعنوانه التفصيلي كما إذا رأينا زيداً في الزمان الثاني خارج المسجد فعلمنا أنّه لو كان قد دخل المسجد فقد خرج، ولكن الحادث كان معلوماً بالإجمال لا بالتفصيل، فتردّدنا بين أن يكون الذي دخل المسجد في الزمان الأوّل زيداً أو عمراً، وتحت هذا القسم صور أربع كما عرفت: 1 ـ أن يكون الحكم متعدّداً وموضوعهما معلوماً تفصيلاً، كما لو علمنا بوجوب الصدقة على تقدير كون زيد في المسجد، ووجوب الصلاة على تقدير كون عمرو في المسجد.
مباحث الأصول/ج5 / 337
وهذه الصوره هي التي كنّا نتكلّم عنها في الجهة السابقة، والحكم فيها ما ذكرناه من أنّ استصحاب الفرد المردّد الذي علمنا بدخوله في المسجد لا يجري; لأنّه إن قصد بذلك استصحاب واقع الفرد فهو محتمل الانطباق على ما قطع بارتفاعه، وإن قصد بذلك استصحاب الجامع الانتزاعي بين الفردين لترتيب آثار الفرد، فهذا ـ أيضاً ـ غير صحيح; لأنّ أحد الطرفين وهو القصير يعلم بارتفاعه، وبانقطاع حكمه، فلا يمكن تنجيزه وتنجيز الطرف الآخر وحده ليس من شأن العلم الإجمالي. 2 ـ أن يكون الحكم واحداً، ولنفرضه وجوب الصدقة مثلاً، وقد عرفنا موضوعه بالتفصيل بأن كان موضوعه الفرد الطويل لا القصير، وإلاّ لقطعنا بعدم التكليف في الزمان الثاني، وفي مثل هذه الصورة لا يجري استصحاب الفرد المردّد حتّى لو قيل بتماميته في الصورة الاُولى، لأنّه إن قصد بذلك استصحاب واقع الفرد فانطباقه على الفرد الطويل الذي هو موضوع الحكم غير معلوم، وإن قصد بذلك استصحاب الجامع الانتزاعي بقصد توليد العلم الإجمالي بأحد الفردين المنجّز لحكم الفرد، فهذا قد يفترض تماميّته في الصورة الاُولى بتخيّل أنّ العلم الإجمالي التعبّدي بموضوع ذي حكم وإن عجز عن تنجيز حكم الفرد القصير للعلم الوجداني بانتفائه، لكنه يبقى منجّزاً لحكم الفرد الآخر مادام الشارع قد عبّدنا ـ على أيّ حال ـ بحكم إلزامي، أو قل: بالجامع بين موضوعين لحكم الزامي، ولكن عدم تماميّته في هذه الصورة أوضح; لأنّه أساساً ليس علماً إجمالياً تعبّدياً بموضوع ذي حكم، أو علماً إجمالياً تعبّدياً بحكم إلزامي، بل هو علم إجمالي بالجامع بين الفرد الطويل الذي يترتّب عليه الحكم والفرد القصير الذي ليس موضوعاً للحكم، ولم يشكّ أحد في أنّ العلم الحدوثي الوجداني بالجامع بين ما له الحكم وما ليس له الحكم لا قيمة له، فكيف تفترض قيمة للتعبّد ببقاء علم من هذا القبيل؟! 3 ـ ما إذا كان الحكم متعدّداً، لكن موضوعهما معلوم إجمالاً لا تفصيلاً ـ وهذا لا يكون بالطبع إلاّ فيما إذا كان الحكمان غير متسانخين ـ ، فنعلم بوجوب الصدقة وبوجوب الصلاة، كما نعلم بأنّ أحد الوجوبين مرتّب على وجود زيد في المسجد، والآخر على وجود عمرو في المسجد، والمفروض: أنّنا نعلم بعدم بقاء زيد في الآن الثاني بعد أن علمنا بأنّ أحدهما قد دخل المسجد في الآن الأوّل. والحكم في هذه الصورة جريان استصحاب الفرد المردّد حتّى لو قلنا بعدم استصحابه في الصورة الاُولى; وذلك لأنّنا لا نجري الاستصحاب في واقع الفرد كي يقال: إنّه يحتمل أن مباحث الأصول/ج5 / 338
يكون مقطوع الارتفاع، بل نجريه في العنوان الإجمالي الانتزاعي لإثبات أثر الفرد بالعلم الإجمالي; لأنّه في هذه الصورة لا يعلم بارتفاع أحد الحكمين بالتفصيل كما في الصورة الاُولى، فلا وجوب الصدقة معلوم الارتفاع، ولا وجوب الصلاة، فكلّ منهما محتمل عند المكلّف، ومعه يمكن للمولى أن لا يرفع يده عن الواقع، ويحافظ عليه على كلّ تقدير، فيكون العلم الإجمالي التكويني أو التنزيلي المتمثّل في الاستصحاب منجّزاً لكلا الحكمين[1]. والعلم بعدم وجود أحد الحكمين إجمالاً في الآن الثاني لا يمنع عن التنجيز، فإنّ العلم الإجمالي بالترخيص وعدم الحكم لا يمنع عن تنجيز العلم الإجمالي بالحكم، كما إذا علمنا بنجاسة أحد الإناءين وطهارة الآخر، فإنّ العلم بالطهارة وعدم لزوم الاجتناب بالنسبة لأحد الطرفين لا يمنع عن تنجّز التكليف المعلوم، ولزوم الاجتناب عن كلا الطرفين. 4 ـ أن يكون الحكم واحداً، ويكون موضوعه مردّداً معلوماً بالإجمال، كما لو علمنا بأنّ وجود زيد أو وجود عمرو في المسجد موضوع لوجوب الصدقة، وعلمنا بدخول أحدهما فيه في الآن الأوّل، والمفروض العلم تفصيلاً بخروج زيد لو كان هو الداخل.
________________________________________ [1] لا يخفى; أنّ استصحاب الجامع الانتزاعي لإثبات أثر الفرد كان يرد عليه في الصورة الاُولى اعتراضان: 1 ـ أنّ العلم الإجمالي التعبّدي الذي يتولّد من هذا الاستصحاب لا يكون مؤثّراً في تنجيز آثار الفرد; لأنّ أحد طرفيه ـ وهو أثر الفرد القصير ـ غير قابل للتنجيز للعلم الوجداني التفصيلي بانتفائه. 2 ـ لو قبلنا أنّ هذا العلم الإجمالي التعبّدي بإمكانه أن ينجّز أثر الفرد الآخر ـ وهو الفرد الطويل ـ لوحده رغم عجزه عن تنجيز الطرف الأوّل، قلنا: إنّ الأصل المؤمّن في طرف الفرد الطويل يصبح مانعاً عن تأثير العلم الإجمالي، بناءً على اقتضاء العلم الإجمالي للتنجيز; لأنّ هذا الأصل المؤمّن لا معارض له، فهو يمنع المقتضي عن التأثير، ويعارض استصحاب الجامع، ويتساقطان بناءً على علّيّة العلم الإجمالي للتنجيز. أمّا في هذه الصورة الثالثة، فالاعتراض الأوّل لا يرد; لأنّ شيئاً من الحكمين ليس مقطوع الانتفاء. فحكم الفرد القصير لو ميّزناه عن الحكم الآخر بإضافته إلى موضوعه ـ وهو الفرد القصير ـ وإن كان مقطوع الانتفاء، لكن حينما نميّزه عن الحكم الآخر بإضافته إلى متعلّقه فحسب، أي: بعنوان وجوب الصدقة ووجوب الصلاة، فشيء منهما ليس مقطوع الانتفاء، فهما يتنجّزان بهذا العلم الإجمالي التعبّدي، ولكن الاعتراض الثاني يرد في المقام; وذلك لأنّ الأصل المؤمّن عن كلّ من الحكمين لو مَيّزنا أحدهما عن الآخر بمجرد الإضافة إلى المتعلّق وإن كانا متعارضين، فالبراءة عن وجوب الصدقة مثلاً تعارض البراءة عن وجوب الصلاة، ولكنّنا لو ميّزنا أحدهما عن الآخر بالإضافة إلى موضوعه، فالأصل المؤمّن عن حكم الفرد الطويل لا يعارضه الأصل المؤمّن عن الحكم الآخر; لأنّ الفرد القصير مقطوع الارتفاع، فيصبح هذا الأصل مانعاً عن تأثير العلم الإجمالي بناءً على الاقتضاء، ومعارضاً لاستصحاب الجامع بناءً على العليّة. فلعلّ ما ورد في المتن من التفريق بين هذه الصورة والصورة الاُولى، وأنّ الاستصحاب حتّى لو لم يتمّ في الصورة الاُولى يتمّ في هذه الصورة، كان مبنيّاً على قصر النظر على الاعتراض الأوّل، والغمض عن الاعتراض الثاني.
مباحث الأصول/ج5 / 339
وهذه الصورة تلحق بالصورة الثانية فيما إذا لم يعلم فيها بوحدة المعلومين الإجماليين، أعني المعلوم دخوله والمعلوم كونه موضوعاً للحكم، فإنّه على هذا التقدير لم يحرز العلم بموضوع التكليف أصلاً، وتلحق بالصورة الثالثة فيما إذا علم بوحدة المعلومين الإجماليين، وأنّ الذي دخل المسجد على إجماله كان هو موضوع الحكم، حيث يجري فيها استصحاب الفرد المردّد، بمعنى استصحاب الجامع الانتزاعي لتكوين العلم التعبّدي بفرد ذي حكم[1]. القسم الثاني: ما إذا علمنا بأنّ أحد الفردين من زيد وعمرو خارج في الزمان الثاني عن المسجد، لكنّا كنّا نعلم بأنّ الداخل فيه في الزمان الأوّل هو زيد مثلاً الذي هو موضوع للحكم الشرعي، فهنا يجري استصحاب بقائه بعنوانه التفصيلي، وهو من استصحاب الفرد المعيّن، ولا علاقة له بباب الفرد المردّد. القسم الثالث: ما إذا كان كلّ من الفرد الحادث والفرد القصير معلوماً بالإجمال، كما إذا علمنا إجمالاً بدخول زيد أو عمرو في المسجد في الآن الأوّل، وعلمنا بعد ذلك بوجود شخص خارج المسجد: إمّا هو زيد أو عمرو. وهنا يجري استصحاب واقع الفرد بأن نتّخذ عنوان أحدهما الحادث مثلاً رمزاً إلى الواقع ونستصحبه، ويجري أيضاً استصحاب الجامع، بأن ننظر إلى عنوان أحدهما بوصفه جامعاً انتزاعياً لا رمزاً إلى الواقع ونستصحبه، فالاستصحاب الأوّل يجري في المقام لأنّه لا يوجد علم تفصيلي في أحد الفردين بالخروج، كي يرد: أنّ واقع الفرد محتمل الانطباق على ما نعلم بارتفاعه. وأمّا إشكال عدم اليقين بالحدوث فقد عرفنا إمكان الجواب عنه بكفاية الحدوث وحده لإجراء الاستصحاب. والاستصحاب الثاني ـ أيضاً ـ يجري في المقام لترتيب آثار الفرد بناءً على ما استفدنا من بعض الروايات من الأمر بالجري العملي وفق ما كان يتطلّبه اليقين[1].
________________________________________ [1] قد عرفت منّا عدم جريان الاستصحاب، لا في الصورة الثانية ولا في الصورة الثالثة، فهذه الصورة الرابعة ـ أيضاً ـ لا يجري الاستصحاب فيها، سواءٌ ما يلحق منها بالصورة الثانية وما يلحق منها بالصورة الثالثة. [2] ولا يرد عليه شيء من الإشكالين اللذين مضى إيرادهما على استصحاب الجامع لترتيب آثار الفرد في الصورة الأولى: أمّا الإشكال الأوّل وهو عدم قابليّة أحد الطرفين للتنجيز، فواضع; لعدم القطع الوجداني التفصيلي بانتفاء أيّ واحد من الحكمين، فكلاهما قابل للتنجيز. وأمّا الإشكال الثاني وهو جريان الأصل المؤمّن عن أحد الحكمين بلا معارض، فأيضاً واضح; لأنّنا سواء
مباحث الأصول/ج5 / 340
وكلّ واحد من هذين الأسلوبين للاستصحاب أثره تكوين علم إجماليّ بأحد الفردين: نعم، كلّ هذا مشروط بأن يكون هذا العلم التعبّدي علماً بما يكون موضوعاً للحكم الشرعي على كلا التقديرين، فنستثني من الاستصحاب الصورة الثانية، والشقّ الأوّل من الصورة الرابعة; إذ فيهما لا يتكوّن علم إجمالي بحكم شرعي، أو بموضوع ذي حكم شرعي على كلّ تقدير.
ضابط استصحاب الفرد المردّد: الجهة الرابعة: في ضابط استصحاب الفرد المردّد. وقد عقدنا هذا البحث للتنبيه على خطأ كلام وارد في تقرير الشيخ الكاظمي(رحمة الله)، حيث جاء فيه: أنّه لو علم بوجود حيوان في الدار وتردّد بين أن يكون في الجانب الشرقي أو في الجانب الغربيّ، ثمّ انهدم الجانب الغربيّ، وكان ذلك موجباً لموت الحيوان لو كان في ذاك الجانب، فاستصحاب بقاء الحيوان هنا ليس من استصحاب الكلّي; لأنّ المتيقّن السابق أمر جزئيّ حقيقي، وهو أشبه باستصحاب الفرد المردّد بين الطويل والقصير، والذي لا يجري بعد ارتفاع أحد فردي الترديد[1]. وهذا الكلام ـ لو اُريد ظاهره فهو غريب جدّاً ـ ناتج عن الغفلة عن ضابط استصحاب الفرد المردّد، فإنّه ليس استصحاب كلّ فرد يكون منتفياً على تقدير، من قبيل استصحاب الفرد المردّد، وغير جار للجزم بانتفائه على بعض التقادير، وإنّما الميزان في ذلك هو أن يكون القطع بالانتفاء بنحو القضية التنجيزيّة، لا بنحو القضية الشرطيّة التعليقية، وذلك: لأنّه تارةً يقطع بالفعل بانتفاء الفرد، كما في مثال دخول زيد أو عمرو في المسجد، مع الجزم بخروج زيد لو كان قد دخل، فهنا يكون استصحاب واقع الفرد المردّد عندنا المعيّن عندالله محتمل
________________________________________ حصّصنا هنا الحكم إلى حكمين بالإضافة إلى متعلّقه أو بالإضافة إلى موضوعه، يكون كلّ منهما مورداً للشكّ ومصبّاً للأصل، فيتعارض الأصلان بسبب العلم الإجمالي التعبّدي. نعم، لو اضيف الحكمان إلى عنوان الفرد الطويل والفرد القصير، فقد يقال: إنّ الأصل المؤمّن عن حكم الفرد الطويل لا معارض له; لأنّ حكم الفرد القصير مقطوع الانتفاء، ولكنّ الواقع: أنّ عنوان زوال الفرد أو بقائه ليس محصّصاً للحكم، وإنّما المحصّص له هو الموضوع والمتعلّق، فالأصل المؤمّن عن كلّ من حصّتي الحكم يعارض الأصل المؤمّن عن الحصة الاُخرى على كلّ تقدير. [1] راجع فوائد الاُصول: ج 4، ص 153 ـ 154 وفق طبعة مؤسّسة النصر ومكتبة الصدر، و ص 422 وفق طبعة جامعة المدرّسين بقم. مباحث الأصول/ج5 / 341
الانطباق على فرد لا يشكّ في انتفائه، فلا يجري الاستصحاب. واُخرى لا يقطع بالفعل بانتفاء الفرد، وإنّما يعلم بقضية شرطيّة كما في المثال الوارد في التقرير، حيث يعلم بهلاك الحيوان على تقدير وجوده في الجانب الغربيّ من الدار، والعلم بالقضية الشرطيّة ليس إلاّ علماً بالملازمة بين الشرط والجزاء، وليس علماً بالجزاء بالفعل، ولا علماً بالجزاء على تقدير وجود الشرط واقعاً، ولهذا قد يكون الشرط في علم الله متحقّقاً، ومع ذلك لا يعلم الإنسان بالجزاء فعلاً. نعم، لو حصل القطع بالشرط حصل القطع بالجزاء. إذن، فلا مبرّر لإنكار جريان الاستصحاب في مثل المثال الذي ورد في التقرير، وهو من استصحاب الفرد المعيّن.
موارد استغناء المكلف عن استصحاب الفرد المردّد : الجهة الخامسة: في الموارد التي يستغني المكلف عن استصحاب الفرد المردّد، حيث يتنجّز عليه أثره، سواءٌ جرى استصحاب الفرد المردّد بمعنى: استصحاب واقع الفرد المعيّن عند الله والمردّد عندنا، أو بمعنى: استصحاب الجامع الانتزاعي بهدف تنجيز آثار الفرد، أو لم يجرِ. وتوضيح الكلام في ذلك: أنّ المكلّف تارةً يحصل له العلم الإجمالي بأحد الفردين قبل ارتفاع الفرد القصير، وأخرى يحصل له العلم بذلك بعد ارتفاعه وزوال أثره. أمّا القسم الأوّل، فنذكر تحته ثلاث صور : 1 ـ أن يعلم المكلّف حدوثاً بتحقّق أحد الفردين، والمفروض أنّ ثمة أثراً على كلّ من التقديرين، وهو يعلم بالإضافة إلى ذلك أنّ أحد الفردين طويل، أي: على تقدير وجوده فهو باق إلى الآن الثاني أيضاً. وفي مثل هذه الصورة يكون المكلّف في غنىً عن استصحاب الفرد المردّد; لأنّه إنّما يريده لكي ينجّز أثر الفرد الطويل في الآن الثاني، وأمّا القصير فهو منتف حسب الفرض ـ وكلامنا في موارد الإلزام الذي يراد بالاستصحاب فيه تنجيز التكليف لا الترخيص ـ ، وأثر الفرد الطويل في مثل هذه الصورة منجّز بنفس العلم الإجمالي الذي يحمله المكلّف، حيث إنّه كما ينجّز الفردين حدوثاً ينجّز الفرد الطويل بقاءً مع الفرد القصير حدوثاً، للعلم إجمالاً بأحدهما، وهو منجّز على ما هو الصحيح من منجّزيه العلم الإجمالي في التدريجيات. وعليه، فلا يحتاج إلى استصحاب الفرد المردّد، بل ويكون لغواً; لأنّ أثره حاصل بنفس العلم الإجمالي، ولو كان قد جرى فتأثيره وتنجيزه يكون بالعلم الإجمالي كما رأينا في الجهة الثانية، فبعد أن كان العلم الإجمالي نفسه موجوداً، وجعل هذا مباحث الأصول/ج5 / 342
الاستصحاب لا يوصل إلى التنجيز إلاّ بنفس قانون تنجيز العلم الإجمالي فيكون ـ لا محالةـ جعله لغواً في مثل هذا المورد. 2 ـ نفس الصورة مع فرض أنّ المكلّف غير عالم بأنّ أحد الفردين طويل، ولكن المفروض أنّه محتمل البقاء إلى الآن الثاني على تقدير حدوثه. والحكم في هذه الصورة كالصورة السابقة ـ أيضاً ـ من حيث الاستغناء عن استصحاب الفرد المردّد دون لغويّته. ذلك: أنّ المكلف وإن لم يكن عنده علم إجمالي بين الفرد القصير حدوثاً والطويل بقاءً، كي يتنجّز أثره بهذا العلم، إلاّ أنّه يجري في حقّه استصحاب بقاء الفرد الطويل على تقدير حدوثه ـ على مبنانا الذي لم نشترط فيه اليقين بالحدوث في جريان الاستصحاب، واكتفينا بذات الحدوث أيضاً، وبذلك يتشكّل له علم إجمالي ـ إذا كان ملتفتاً إلى هذا الاستصحاب، بأنّه: إمّا يجب عليه الآن آثار الفرد القصير واقعاً، أو يجب عليه آثار الفرد الطويل في الآن الثاني استصحاباً وظاهراً. وهذا علم إجمالي منجّز حسب قواعد تنجيز العلم الإجمالي. وأمّا قولنا: إنّ استصحاب الفرد المردّد في هذه الصورة ليس كالصورة السابقة في اللغوية، مع أنّه هنا ـ أيضاً ـ توصّلنا إلى أثره ونتيجته العمليّة من دون الاحتياج إليه، فلإنّه هنا قد توصّلنا إلى ذلك بالاستصحاب المعلّق على حدوث الفرد الطويل، لا بالعلم الإجمالي. وحال هذا الاستصحاب كاستصحاب الفرد المردّد من حيث كونهما معاً أصلين مؤثّرين في إيجاد العلم الإجمالي المنجّز، فكلاهما في مرتبة واحدة من حيث الأثر والنتيجة، فلا يمكن فرض أحدهما لغواً في قبال الآخر. 3 ـ ما إذا لم يكن للفرد القصير أثر حدوثاً، وإنّما أثره في فرض بقائه. وهنا نحتاج إلى استصحاب الفرد المردّد; إذ ليس هنالك ما يحرز لنا أثر الفرد الطويل بقاءً لو لم نقل بجريان الاستصحاب في الفرد المردّد بأحد معنييه الماضيين. وأمّا القسم الثاني الذي يكون فيه العلم الإجمالي بأحد الفردين حاصلاً بعد ارتفاع الفرد القصير، فهذا حكمه حكم الصورة الثالثة من القسم الأوّل، من الاحتياج إلى استصحاب الفرد المردّد وعدم الاستغناء عنه; لأنّ العلم الإجمالي قد حصل حسب الفرض بعد زوال أحد طرفيه، وبذلك لا يمكنه التنجيز بنفسه. وهذا واضح لا شائبة فيه.
عدم جريان الاستصحاب الموضوعي في موارد الشبهات المفهومية الجهة السادسة: قد اتضح مما ذكرناه عدم جريان الاستصحاب الموضوعي في موارد مباحث الأصول/ج5 / 343
الشبهات المفهومية، كما إذا شك في أنّ مفهوم العادل هل يشمل من فعل الصغيرة أو لا، وكان زيد عادلاً تاركاً لجميع الذنوب، ثمّ ارتكب الصغيرة، فهنا لا يجري استصحاب بقاء العدالة; لأنّ استصحاب بقاء العدالة بعد ارتكاب الصغيرة إن قصد به استصحاب صدق لفظة العادل عليه عرفاً ولغةً، فهذا وإن تمّت فيه أركان الاستصحاب، غير أنّه ليس بموضوع الأثر الشرعي كي يترتّب عليه الحكم والأثر; وذلك لأنّ الحكم للواقع والمعنى، لا للفظ وصدقه. وإن قصد به إجراء الاستصحاب في المعنى والواقع، فهذا من استصحاب الفرد المردّد بين ما يجزم بارتفاعه وهو ترك الذنوب جميعاً، وما لا يجزم بارتفاعه وهو ترك الكبائر، والحكم ثابت لأحدهما المردّد بين ما ارتفع يقيناً وما لم نعلم بارتفاعه.
الجهة السابعة: في الشبهة العبائية، وهي محاولة أثيرت للقضاء على استصحاب الكلّي في هذا القسم، حيث يحاول أن يبرز النتائج واللوازم العملية الغريبة التي لا يمكن الالتزام بها فقهياً وشرعياً، فيكون ذلك دليلاً وشاهداً على بطلان الملزوم، أي: استصحاب الكلي، وقد اُبرز هذا الشيء في مثال العباءة، حيث فرض أنّ هنالك عباءة علم إجمالاً بنجاسة أحد جانبيها، ثمّ غُسل أحد جانبيها، وعندئذ يقال: إنّنا لو لاقينا بيدنا الطرف غير المغسول فقط كان الحكم طهارة اليد وعدم لزوم الاجتناب، بناءً على عدم وجوب الاجتناب عن ملاقي بعض أطراف الشبهة المحصورة، بينما لو لاقينا بيدنا إضافة إلى ذلك الطرف المغسول والمطهّر حقيقة، كان الحكم نجاسة اليد الملاقية، حيث تكون ملاقية للنجاسة الثابتة باستصحاب كلّي النجاسة في العباءة، وهذا معناه أنّ ملاقاة الطرف الطاهر توجب التكليف ولزوم الاجتناب على المكلف. وهذا أمر غريب فقهيّاً ومتشرعيّاً. وقد ردّ السيّد الاُستاذ هذه الشبهة بأنّ الاعتراف بهذه النتيجة الغريبة لا مانع منه، فإنّ الحكم بنجاسة اليد الملاقية ظاهراً بمجرد الملاقاة للطرف الطاهر مع الحكم بطهارة ذلك الطرف أمر معقول، يلتزم به على مستوى الاُصول العمليّة والأحكام الظاهريّة، فإنّ التفكيك في مؤدّياتها بين المتلازمات أمر ليس بعزيز[1] ، وأيّاً ما كان، فهنا مطلبان ينبغي أن نتعرّض لهما:
________________________________________ [1] راجع مصباح اصول: ج3، ص113.
مباحث الأصول/ج5 / 344
المطلب الأوّل: في مورد هذه الشبهة. فإنّ ظاهر عبائر بعض من تعرّض لهذه الشبهة عدم التفرقة بين ما إذا كانت الملاقاة للجانب المغسول من العباءة أوّلاً ثمّ للجانب غير المغسول، أو بالعكس، بينما الصحيح: أن تجعل الشبهة في الصورة الثانية فحسب وهي ما إذا لاقت اليد مثلاً الجانب غير المغسول أوّلاً، ثمّ لاقت الطرف المغسول. وأمّا في الصورة الأولى فلا تجري الشبهة حتّى لو جرت وتمّت في الثانية; وذلك لأنّ استصحاب بقاء النجاسة على إجمالها في العباءة لأثبات نجاسة الملاقي معارض باستصحاب طهارة الملاقي ـ وهو اليد ـ تلك الطهارة الثابتة بين الملاقاتين، حيث إنّ الملاقي نحن نقطع ببقاء طهارته حتّى بعد ملاقاته للطرف المغسول، فنستصحب هذه الطهارة لا الطهارة الثابتة قبل الملاقاتين معاً، التي هي محكومة لاستصحاب بقاء النجاسة المجملة في العباءة. وهذا الاستصحاب لا يكون محكوماً لاستصحاب النجاسة المجملة في العباءة; لوضوح أنّ النجاسة المجملة المردّدة بين الجانبين على تقدير ثبوتها إنّما يكون بإمكانها أن ترفع الطهارة الثابتة للملاقي قبل الملاقاتين معاً، أمّا الطهارة التي هي ثابتة بالقطع والوجدان بين الملاقاتين، فبقاؤها ليس إلى ما بعد الملاقاة الثابتة محكومة لاستصحاب تلك النجاسة المردّدة; لأنّ استصحاب تلك النجاسة لا يثبت أنّها في الطرف الآخر الذي لاقيناه ثانياً، إلاّ بنحو الملازمة التي هي من الأصل المثبت. إذن، فالتعبّد: ببقاء هذه الطهارة بالاستصحاب غير محكوم لشيء، وبكلمة أخرى: أنّ هذه الطهارة المثبتة بين الملاقاتين والتي يستصحب بقاؤها لا يكون زوالها مسبّباً عن نجاسة الجامع بين الطرفين على حدّ تسبّب نجاسة الملاقي عن نجاسة الملاقى، وإنّما زوالها يكون بنجاسة خصوص الطرف غير المغسول التي لا تثبت باستصحاب الكلي. إذن، فاستصحاب كلّي نجاسة أحد الجانبين لا يكون حاكماً على استصحاب طهارة اليد، بل يتعارضان في إثبات طهارة اليد ونجاسته [1]. هذا. ويمكن تعميم فكرة التعارض للصورة الاُخرى أيضاً، أعني: صورة ما إذا لاقت اليد أوّلاً الجانب غير المغسول من العباءة، ثمّ لاقت الجانب المغسول; فيصبح هذا البيان بذاته جواباً عن الشبهة العبائية وذلك بأحد تقريبين : التقريب الأوّل: أنّنا نستصحب أوّلاً طهارة اليد إلى ما بين الملاقاتين، وهذا الاستصحاب إلى هنا غير محكوم لاستصحاب نجاسة الجامع كما هو واضح، ثمّ نستصحب الطهارة الثابتة
________________________________________ [1] ويكون المرجع أصالة الطهارة في اليد. مباحث الأصول/ج5 / 345
لليد بين الملاقاتين إلى ما بعد الملاقاة الثانية، وهي لا ترتفع إلاّ بنجاسة الطرف الذي تلاقيه اليد ثانياً، لا بنجاسة الجامع، ولا نقصد بهذا الاستصحاب استصحاب الطهارة الظاهرية، كي يقال بأنّ الطهارة الظاهرية تزول بعد الملاقاة الثانية وجداناً لحكومة استصحاب نجاسة الجامع عليه، بل نقصد به استصحاب الطهارة الواقعية التي أحرزها الاستصحاب ظاهراً فيما بين الملاقاتين، وذلك بأحد تخريجين : 1 ـ إنّ الطهارة الواقعية فيما بين الملاقاتين متيقّنة لنا تعبّداً وإن لم تكن متيقّنة وجداناً، فإنّ الاستصحاب قطع تعبّدي بناءً على مبنى قيامه مقام القطع الموضوعي، وقد تعلّق بها الشكّ بعد الملاقاة الثانية، فتكون أركان الاستصحاب تامّة. 2 ـ إنّنا نبني على عدم أخذ اليقين بالحدوث في الاستصحاب، بل نفس الحدوث كاف في الموضوع، كما استظهرناه من بعض الروايات، وبما أنّ هذا الركن يثبت بالاستصحاب، والركن الآخر وهو الشكّ في البقاء بعد الملاقاة الثانية محرز وجداناً فتتمّ أركان الاستصحاب ـ أيضاً ـ على هذا التخريج، ويكون جارياً. إذن فلا يكون استصحاب النجاسة المجملة في أحد الطرفين حاكماً ـ حتّى في هذه الصورة ـ على استصحاب طهارة اليد، بل يتعارضان، غير أنّ هذا البيان فيه جانبان ينبغي الالتفات إليهما : الأوّل: أنّه هل المأخوذ في الاستصحاب هو الشكّ في الوجود في الآن الثاني، أو الشكّ في الارتفاع؟ فلو استظهرنا الثاني لم يكن في المقام استصحاب بقاء الطهارة الثابتة فيما بين الملاقاتين جارياً; لأنّه لا يحتمل ارتفاع تلك الطهارة التي أثبتناها بالاستصحاب فيما بين الملاقاتين على تقدير ثبوتها في هذه الصورة; إذ المفروض أنّ الملاقاة الثانية كانت مع الطرف المغسول والطاهر، وإنّما المحتمل هو ثبوتها في ذلك الوقت وفيما بعده، أو ارتفاعها كذلك، أمّا التفكيك فغير محتمل. إذن فاحتمال ارتفاع تلك الطهارة فيما بعد الملاقاة الثانية غير موجود حتّى يتحقّق موضوع الاستصحاب، وهو الشكّ في الارتفاع. نعم، الشكّ في أصل الوجود فلو كان المستظهر من دليل الاستصحاب أصل الشكّ في وجود المستصحب في الآن الثاني جرى الاستصحاب. الثاني: أنّ الشكّ بعد الملاقاتين في الطهارة هو ـ في الحقيقة ـ نفس الشكّ بين الملاقاتين فيها، وليس شكّاً جديداً; لعدم احتمال التفكيك بين الزمانين كما قلنا. إذن فيكون هو عين الشكّ في بقاء الطهارة الثابتة قبل الملاقاتين، وقد قلنا: إنّ استصحاب الطهارة الثابتة قبل الملاقاتين محكوم بعد الملاقاتين لاستصحاب بقاء جامع النجاسة; لأنّه مسبّب بلحاظه.
مباحث الأصول/ج5 / 346
التقريب الثاني: أن نفترض مبنىً فقهياً هو: أنّ لدينا موضوعاً مركّباً للحكم بالطهارة بقاءً، وهو طهارة الشيء حدوثاً وعدم ملاقاته للنجاسة بقاءً. وفي المقام قد ثبتت طهارة الملاقي فيما بين الملاقاتين بالاستصحاب، وعدم ملاقاتها للنجاسة إلى ما بعد الملاقاة الثانية محرز بالوجدان حسب الفرض; لأنّ الملاقاة كانت مع الطرف المغسول، فترتّب على نفس استصحاب بقاء الطهارة إلى ما بين الملاقاتين الطهارة بعد الملاقاة الثانية، ويقع التعارض بين هذا الاستصحاب واستصحاب جامع النجاسة أيضاً. وهذا البيان ـ أيضاً ـ باطل لبطلان مبناه الفقهي، حيث إنّ الصحيح فقهياً، والذي يستفاد من الأدلّة أنّ الطهارة حدوثاً وبقاءً جعلت في عرض واحد على الشيء ما لم يلاقِ النجاسة، لا أنّ الطهارة في الساعة الاُولى جزء الموضوع للحكم بطهارة الشيء في الساعة الثانية، بل الشيء الذي ليس من أعيان النجاسات حكم عليه بحكم واحد بالطهارة المستمرّة إلى أنّ يلاقي النجس.
والمطلب الثاني: في صحّة الشبهة وبطلانها. والصحيح أنّها غير تامّة; وذلك لأنّه: إن قصد بها استصحاب النجاسة المضافة إلى طرف من الطرفين المعيّن عند الله وفي الواقع، دَخَل هذا في استصحاب الفرد المردّد الذي قلنا بعدم جريانه. وإن قصد بذلك استصحاب النجاسة بما هي مضافة إلى مجموع الملاقيين لليد، أي: إلى الجامع بين الطرفين، فهذا الاستصحاب لا يثبت نجاسة اليد الملاقية إلاّ بالملازمة العقلية; وذلك: أنّ هذه النجاسة لو فرض محالاً وقوفها على الجامع وصرف الوجود، ولم تسرِ إلى شيء من الطرفين الملاقيين لليد، وبقي الطرفان طاهرين، لم تكن تتنجّس اليد الملاقية لهما، غير أنّنا نعلم من الخارج أنّ النجاسة يستحيل أن تقف على الجامع بحدّه الجامعي; إذ ليست هي كالأحكام التكليفية من الأمر والنهي التي قد تقف على الجامع وصرف الوجود من دون سريانها إلى الأفراد، وإن كان امتثالها وعصيانها بلحاظ الإتيان بالأفراد أو تركها، فإذا كان الجامع بين الطرفين نجساً فالنجاسة موجودة حتماً في أحد الطرفين المتلاقيين مع اليد، فتتنجّس اليد لا محالة، إلاّ أنّ هذا الأمر العقلي لا يمكن إثباته بالاستصحاب. ثمّ إنّه هل تثبت باستصحاب نجاسة الجامع بين الطرفين المانعية عن الصلاة وإن كان الطرف غير المغسول بنفسه منجّزاً على المكلف بالعلم بالإجمالي; إذ لا يرفع تنجيزه الثابت منذ البدء بإخراج أحد طرفيه عن مورد الابتلاء، فيكون هذا الاستصحاب مؤكّداً للتنجيز، مباحث الأصول/ج5 / 347
وموجباً للاحتياط بنفسه؟[1]. قد يقال في الجواب: إنّ النجاسة إن فرضت مانعة في الصلاة بنحو صرف الوجود، ويترتّب على ذلك: أنّ من اضطرّ إلى لبس شيء من النجس في الصلاة جاز له تكثير النجاسة لتحقّق هذا الوجود، ولا يفرّق بعد ذلك بين القليل والكثير، أو بنحو مطلق الوجود، فكلّ نجاسة مانع مستقلّ، ويترتّب عليه لزوم الاقتصار على قدر الاضطرار عند الاضطرار إلى لبس النجس، فعلى الأوّل تثبت المانعية باستصحاب نجاسة الجامع. وعلى الثاني يكون الأثر للحصّة; إذ الأثر إذا كان بنحو مطلق الوجود رجع إلى الحكم على الحصص، فيدخل في استصحاب الفرد المردّد في الحصّة، أي: استصحاب الحصّة المردّدة. غير أنّ الصحيح: أنّه لا يجري هذا الاستصحاب حتّى إذا بنينا على أنّ النجاسة ملحوظة بنحو صرف الوجود; وذلك: لأنّنا ذكرنا فيما سبق: أنّ مانعية صرف الوجود لا تكون معقولة إلاّ بأن ترجع إلى شرطية ضدّها، وهو الطهارة، وشرطية الطهارة تكون ـ لا محالة ـ بنحو مطلق الوجود حيث يجب أن تكون تمام الحصص والقطعات طاهرة فيكون الاستصحاب بلحاظها في الحصص لا في الجامع فيكون من الفرد المردد.
استصحاب جامع الحكمين بعد انتفاء أحدهما الجهة الثامنة: في استصحاب الجامع بين حكمين بعد انتفاء أحدهما. والحكمان اللذان يعلم بانتفاء أحدهما تارةً يفترض اختلافهما من حيث المتعلّق، كما لو دار الأمر بين وجوب الظهر ووجوب الجمعة، وقد سقط أحدهما بالامتثال مثلاً. وأخرى يفترض اتّحادهما في المتعلّق، كما لو دار الأمر بين وجوب الجلوس في المسجد إلى الظهر ووجوبه إلى المغرب : فإذا اختلف الحكمان في المتعلّق فالكلام هو الكلام في استصحاب الجامع بين موضوعين بهدف تنجيز آثار الفرد، حيث يقال: إنّ استصحاب الجامع بين الحكمين إن قصد به إجراء الاستصحاب في أحدهما الثابت المعيّن عند الله، فهو من الفرد المردّد الذي يكون مقطوع الارتفاع على أحد التقديرين. وإن قصد به استصحاب الجامع لتنجيز الحكم الذي لم يقطع
________________________________________ [1] ويظهر الأثر العملي لذلك فيما لو فرض عدم الاطّلاع على النجاسة إلاّ بعد غسل أحد الطرفين. مباحث الأصول/ج5 / 348
بارتفاعه، فهو غير ممكن; لأنّ أحد الطرفين ممّا لا يقبل التنجيز للقطع بارتفاعه بالامتثال، أو العصيان، أو غير ذلك من فروض الارتفاع. وإذا اتّحد الحكمان في المتعلّق فهذا ينقسم إلى قسمين : 1 ـ أن تكون الشبهة حكمية، كما لو علم إجمالاً بأحد جعلين لوجوب الجلوس من الآن: إمّا جعل قصير أمده إلى ساعة مثلاً أو جعل طويل أمده إلى ساعتين، فنحن في الساعة الثانية نشكّ في وجوب الجلوس، فنستصحب الجامع بين الحكمين، فقد يتصوّر أنّ هذا ملحق بالقسم السابق، وأنّه يرد فيه نفس الإشكال السابق. ولكنّ الصواب: أنّ هذا ليس من استصحاب الكلّي أصلاً، بل هو من استصحاب الشخص، حيث يعلم بجعل واحد معيّن لا يدرى أمده، وأنّه هل يرتفع إلى ساعة. أو يمتدّ إلى ساعتين، فيستصحب. نعم، إذا فرض تعدّد الموضوع والشرط في كلّ من الجعلين، بأن أحتمل جعل وجوب الجلوس إلى ساعة معلّقاً على دخول زيد، أو جعل وجوب الجلوس إلى ساعتين معلّقاً على دخول عمرو، وقد علمنا بدخولهما، أو بدخول ما هو موضوع الأثر على إجماله إلى المسجد، فهنا قد يتوهّم ورود الإشكال الذي ذكرناه فيما سبق; لتعدّد الجعل، غير أنّه يندفع بما نذكره في القسم الآتي. 2 ـ أن تكون الشبهة موضوعية، كما لو علم بوجوب الجلوس في المسجد إلى الظهر لو دخل زيد الدار، وإلى المغرب لو دخل عمرو الدار، وقد علمنا بدخول أحدهما، ولم نعلم أيّهما هو الذي دخل، وهنا قد يتصوّر ـ أيضاً ـ جريان ما مضى في فرض تعدّد المتعلّق، فلا يمكن استصحاب الجامع; لأنّه غير قابل للتنجّز على أحد تقديرين. غير أنّ الصحيح: جريان الاستصحاب هنا، وذلك بأحد بيانين : 1 ـ إنّ الجامع هنا بما هو جامع قابل للتنجّز مع قطع النظر عن فرديه، بحيث لو فرض محالاً وجوده بحدّه الجامعي كان منجّزاً بالعلم به، وهذا بخلافه في صورة تعدّد المصبّ، فإنّه هناك لا يتنجّز الجامع بين الحكمين لو وجد محالاً مجرّداً عن خصوصياته في أحد الفردين، وإنّما يقبل التنجيز بما هو في ضمن أحد فرديه: من وجوب الجمعة أو وجوب الظهر، فإذا كان أحد الفردين غير قابل للتنجيز، كان الجامع جامعاً بين ما يقبل التنجّز وما لا يقبل، فلا يتنجّز، والعلم بالجامع بين ما يقبل النتجّز وما لا يقبل لا يدفع الإنسان نحو الاحتياط وامتثال الواقع.
مباحث الأصول/ج5 / 349
ونكتة الفرق بين المقامين: أنّه في فرض تعدّد المتعلّق ليس الجامع معيّناً من ناحية التعلّق، فلا هو متعلّق بصلاة الجمعة، وإلاّ لما كان جامعاً لوجوب صلاة الظهر، ولا هو متعلّق بصلاة الظهر، وإلاّ لما كان جامعاً لوجوب صلاة الجمعة، ولا هو متعلّق بالجامع بينهما، وإلاّ كان وجوباً تخييريّاً، بل هو جامع بين وجوبين لكلّ منهما متعلّق ينفرد عن الآخر في مرحلة الامتثال الخارجي، فهذا الجامع لا متعلّق له، ولهذا لا يكون منجّزاً بنفسه; لأنّ الحكم طالما لا متعلّق له لا يقتضي التنجيز; لأنّه لا يطلب الامتثال. وهذا بخلاف فرض وحدة متعلّق الحكمين، فإنّ الجامع بينهما ـ على كلّ تقدير ـ له متعلّق معيّن، وهو الجلوس في المسجد، فإذا تعلّق العلم به كان منجّزاً ولو فرض محالاً وجود هذا الجامع في غير فرد. إذن، فالجامع هنا بنفسه يدخل في ذمّة التنجّز بقطع النظر عن فرديه، فيجري الاستصحاب بلحاظه لا بلحاظ فرديه، حتّى يقال: إنّه جامع بين ما يقبل التنجّز وما لا يقبل التنجّز. 2 ـ إنّه قد مضى في بحث استصحاب الحكم لدى تردّد المجعول بين الطويل والقصير أنّ النظر العرفي إلى الحكم لدى استصحابه هو نظر الحمل الأوّلي، أي: حمل هو هو، وبهذا المنظار يرى الحكم أمراً خارجياً (أو قل: يُرى المجعول) ولا يُرى الجعل الذي ليس إلاّ جزءً من ذهن المولى، فإذا طبّقنا هذا الكلام على المقام قلنا: لا يُرى بالجعلين إلاّ مجعول واحد، أو قل: لا يرى بلحاظ الأمر الخارجي إلاّ حكم واحد مردّد بين أن يكون قصيراً أو طويلاً، ولا يُرى الموضوع ـ وهو دخول زيد أو عمرو مثلاً ـ إلاّ حيثية تعليليّة، فيجري في المقام استصحاب هذا الحكم الواحد.
تطبيق استصحاب القسم الثاني من الكلّي الجهة التاسعة: بعد أن عرفنا صحّة استصحاب الكلّي في هذه الصورة المسمّاة بالقسم الثاني من الكلّي، لوقوعه ثانياً في ترقيم الشيخ(رحمة الله) في الرسائل ينبغي الالتفات إلى التطبيق الذي ذكر من قبل المحققين كممارسة في مرحلة التطبيق، وإبراز آثار ونتائج هذا الاستصحاب من الناحية الفقهية والعملية من جهة، ومن جهة اُخرى ملاحظة المورد الذي يكون فيه استصحاب عدم الفرد الطويل حاكماً ومقدّماً عليه. والمذكور في هذا المضمار ـ على ما يظهر من كلمات المحققين ـ فرعان : أحدهما: في من يعلم بخروج بلل مشتبه منه لا يدري هل هو بول فيكون محدثاً بالأصغر، أو منيّ فيوجب الحدث الأكبر، حيث يقال بجريان استصحاب كلّي الحدث المعلوم مباحث الأصول/ج5 / 350
بالإجمال عليه بعد الوضوء; لأنّه إن كان محدثاً بالأصغر فقد زال بالوضوء. لكنه لو كان محدثاً بالأكبر فهو باق على حدثه، وحيث إنّ الجامع بين الحدثين معلوم، فيستصحب بقاؤه. وثانيهما: ما إذا افترض العلم إجمالاً بنجاسة شيء بإحدى النجاستين: البولية أو الدمّيّة، فإن كانت دمّيّة فهي تزول بغسلة واحدة، وإن كانت بولية فلا بدّ في رفعها من غسلتين، فيقال في مثل هذا الفرض ببقاء كلّي النجاسة بعد الغسلة الاُولى. أمّا الفرع الأوّل، فقد قسّمه المحقّق العراقي(قدس سره) إلى أقسام [1]: القسم الأوّل: ما إذا كانت الحالة السابقة للشخص الطهارة، ثمّ خرج منه البلل المشتبه المردّد بين موجب الحدث الأصغر وموجب الحدث الأكبر. وهذا القسم واضح من حيث كونه من موارد جريان استصحاب كلّي الحدث المعلوم بالإجمال سابقاً فيما بعد الوضوء لترتيب آثاره، من حرمة مسّ القرآن ونحوها، ولا كلام زائد فيه على ما قيل في أصل استصحاب الكلي في هذه الصورة. القسم الثاني: ما إذا كانت حالته السابقة الحدث الأكبر ثم خرج منه البلل المشتبه. وفي مثل هذا القسم واضح: أنّ الحكم هو لزوم الغسل وعدم جريان شيء من الاستصحابات; لأنّه يقطع بأنّه على جنابة، وخروج موجب الجنابة أو موجب الوضوء بعد الجنابة لا يؤثّر شيئاً في إسقاط وجوب الغسل عنه. القسم الثالث: ما إذا كانت حالته السابقة غير معلومة، فخرج منه البلل المشتبه. وحكم هذا القسم حكم القسم الأوّل من حيث جريان استصحاب كلّي الحدث فيما بعد الوضوء. القسم الرابع: ما إذا افترضنا حالته السابقة هي الحدث الأصغر، فابتلى بالبلل المشتبه. وهذا القسم شقّقه إلى عدّة فروض من حيث المبنى الفقهي في تفسير النسبة والمقابلة بين الحدثين: الأصغر والأكبر، فهل هما يجتمعان إذا وجد سببهما، أو لا يجتمعان لأنهما متضادان في ذاتيهما، أو في حدّيهما ومرتبتهما؟ وهي على ما يلي : 1 ـ أن نفرض الجزم فقهياً بعدم التضاد بين الحدثين. وقد أفاد (قدس سره) في هذه الصورة: أنّ الاستصحاب ـ أعني: استصحاب كلّي الحدث بعد الوضوء ـ ليس من استصحاب الكلّي من القسم الثاني، بل من استصحاب الكلي من القسم الثالث بحسب اصطلاح الرسائل، وذلك:
________________________________________ [1] راجع نهاية الأفكار: القسم الأوّل من الجزء الرابع، ص138 ـ 142، والمقالات: ج2، ص 384 ـ 389 بحسب طبعة مجمع الفكر الإسلامي بقم. مباحث الأصول/ج5 / 351
لأنّه في مثل هذا يكون الحدث الأصغر مقطوع التحقّق والوجود على كلّ تقدير، أي: سواء كان البلل الخارج بولاً أو منيّاً، فيكون من موارد العلم التفصيلي بتحقّق الكلّي في ضمن فرد معيّن في الزمن الأوّل، كما يعلم بانتفائه في الزمن الثاني من أجل الوضوء، والشكّ البدوي في تحقّق فرد آخر مقارناً للفرد الأوّل، كي يكون الكلّي باقياً بعد ارتفاع الأوّل، وفي مثله يعالج الحدث الأصغر بالوضوء، والحدث الأكبر باستصحاب عدمه، دون إجراء استصحاب الكلّي; لأنّه غير جار على التحقيق في هذا القسم. وتعليقنا على هذا الكلام: أنّ الحكم في هذه الصورة جريان استصحاب الشخص بعد الوضوء، وذلك بناءً على المبنى الفقهي المشهور والصحيح، من أنّ الحدث الأصغر لا يرتفع بالوضوء إذا كان مع الحدث الأكبر، وعليه فيكون المكلّف شاكّاً بعد الوضوء: هل ارتفع حدثه الأصغر فيما إذا لم يكن محدثاً بالأكبر، أو لم يرتفع بوجود الحدث الأكبر، فيجري استصحاب بقائه. غير أنّ هذا الاستصحاب محكوم لاستصحاب آخر هو استصحاب عدم الحدث الأكبر، وبذلك يتنقّح موضوع الطهارة من الحدث بعد الوضوء; لما سيأتي من أنّ الموضوع مركّب من الحدث الأصغر وعدم الحدث الأكبر، أي: إنّ كلّ محدث بالأصغر من دون أن يكون محدثاً بالأكبر يرتفع حدثه بالوضوء، فباستصحاب عدم الحدث الأكبر هنا نثبت رافعية الوضوء للحدث الأصغر، ويبقى بعد ذلك استصحاب الجامع بين الحدثين المعلوم سابقاً، فإنّه لا يثبت انتفاؤه إلاّ بالملازمة، وهي لا تثبت بالأصول، فيترتّب عليه آثار الجامع، غير أنّه يكفي في الجواب حينئذ أنّه لا يجري، لأنّه من القسم الثالث كما ذكر المحقق العراقي(قدس سره). 2 ـ أن نفرض أنّ الحدثين متضادّان بالمرتبة والحدّ، لا بالذات، كالسواد الشديد مع السواد الضعيف، وقد أفاد(رحمة الله)في هذا الفرض: أنّه يجري هنا استصحاب الفرد; لأنّه يشكّ في بقاء نفس الحدث الأصغر بعد الوضوء، فإنّه لو كانت مرتبته قد اشتدّت لتحقيق موجب الحدث الأكبر فهو باق، وإلاّ فلا، فنستصحب بقاءه بالشخص، ومهما حاول المكلّف أن يرفع حدثه بالوضوء فهو غير قادر; لمكان هذا الاستصحاب. وللتعليق على هذا نقول: إنّ هذا الاستصحاب الذي ذكره محكوم لاستصحاب آخر، هو استصحاب بقاء الحدث على المرتبة الخفيفة، حيث يكون هنالك شكّ في أنّ الحدث الأصغر ذا المرتبة الخفيفة هل تغيّرت مرتبته وحدّه كي يكون حكمه الارتفاع بالوضوء، أو لا فيرتفع بالوضوء، فيستصحب بقاؤه، وبذلك ينقّح موضوع الطهارة بعد الوضوء.
مباحث الأصول/ج5 / 352
3 ـ أن نفترض التضادّ الذاتي بين الحدثين. وقد أفاد(رحمة الله)في هذه الفرضية: أنّه يجري استصحاب كلّي الحدث بنحو استصحاب القسم الثاني للكلّي، حيث تحقّق علم إجمالي بأحد الحدثين المتضادّين، فإن كان الأصغر فقد ارتفع بالوضوء، وإلاّ فهو باق قطعاً، فيستصحب بقاء الكلّي. ومن هنا وقع في مشكلة من الناحية الفقهية، حيث لا يمكن الالتزام بعدم كفاية الوضوء، ولزوم الغسل في مثل هذه الفرضية، وقد أفتى الأصحاب بكفاية الوضوء للطهارة، فاضطرّ إلى أن يجمع بين هذه الفتيا مع هذا التحقيق الاُصولي، بحمل فتاواهم على مبنى عدم التضادّ بين الحدثين. لكنّ الصواب: أنّ المشكلة محلولة حتّى على هذه الفرضية كما حقّقه المحقّق النائيني(رحمة الله)[1] مبنيّاً على مبنىً فقهي في تحديد موضوع الطهارة من الحدث الأصغر والطهارة من الحدث الأكبر، بيانه: أنّ المستفاد من آية (إذا قمتم إلى الصلاة... إلخ)التي وردت في بيان الوضوء والطهارة أنّها فرضت المقسم هو الحدث الأصغر، حيث إنّه يستظهر منها ـ إمّا في نفسها أو بضميمة الروايات المفسّرة ـ أنّ المقصود هو القيام من النوم، وقد قسّم هذا المقسم إلى ما إذا كنتم على جنابة، وإذا لم تكونوا عليه، فجعل الأوّل موضوعاً لوجوب الغسل، والثاني موضوعاً لوجوب الوضوء، فيستفاد من ذلك أنّ موضوع الطهارة الوضوئية مركّب من جزئين: من كان على حدث أصغر ولم يكن محدثاً بالأكبر، وتفصيل الكلام في هذا المبنى ومبرراته موكول إلى محلّه في الفقه. أمّا هنا فنأخذه أصلاً موضوعياً، ونقول: إنّ المكلّف في هذا الفرض بإمكانه أن ينقّح موضوع الطهارة بالوضوء، وذلك بإجراء استصحاب عدم الحدث الأكبر بعد أن كان محدثاً بالأصغر بالوجدان، فيثبت الموضوع المركّب، ويترتّب عليه حكمه، وهو الطهارة بالوضوء، وبذلك يحكم على استصحاب كلّي الحدث. 4 ـ أن نفترض الشكّ في التضادّ بين الحدثين، فلا يدري هل هما يجتمعان، أو لا؟ وقد أفاد(رحمة الله)هنا بأنّ هذه الصورة لا تلتحق بالصورة الاُولى، بل تلتحق بالصورة الثالثة، أي: ما إذا علم بالتضادّ من حيث النتيجة، حيث إنّ احتمال التضادّ مؤد إلى تشكيل العلم الإجمالي بين الحدثين، بحيث لا يبقى قطع وجزم بالحدث الأصغر على كلّ تقدير، فلا يكون استصحاب كلّي الحدث بعد الوضوء من القسم الثالث.
________________________________________ [1] راجع فوائد الاصول: ج 4، ص 427 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم.
مباحث الأصول/ج5 / 353
وقد كان المترقّب منه (قدس سره) ـ على هذا الأساس ـ أن يقول بجريان هذا الاستصحاب في هذه الصورة أيضاً، كما قال به في الصورة الثالثة، لكنّه أفتى بعدم جريان استصحاب كلّيّ الحدث بترتيب آثاره. وما يمكن أن يكون محطّ نظره من عبارته المجملة هو: أنّ الاستصحاب ـ كما قرأنا ـ عبارة عن التعبّد ببقاء المتيّقن بحيث ينبغي أن يكون الباقي على تقدير وجوده واقعاً في مرحلة البقاء بقاءً لما كنّا على يقين به، فذلك هو المستفاد من جملة: «لا تنقض اليقين بالشكّ»، حيث أضيف اليقين والشكّ إلى متعلّق واحد ولو بقرينة حذف المتعلّق. إذن، فلا بدّ ـ لكي يجري الاستصحاب ـ من تماميّة الشكّ في البقاء، وكون ذلك بقاءً للمتيّقن. أمّا إذا لم يكن كذلك فلا يجري الاستصحاب، كما أنّه إذا احتمل أن لا يكون الباقي بقاءً للمتيّقن أيضاً، لم يجرِ الاستصحاب; لأنّ التمسّك به بعموم دليله تمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقية. وفي هذه الصورة يحتمل أن لا يكون الباقي هو ما تيقّنّا به; وذلك لأنّ استصحاب بقاء الحدث بعد الوضوء ـ لو صح وتمّ ـ فهو ـ على تقدير صدقه ومطابقته للواقع ـ متعيّن في الحدث الأكبر فقط، بينما قد يكون متيقننا الواقعي قبل الوضوء إنّما هو الحدث الأصغر، لا الأكبر، بعد احتمال عدم التضادّ فلنفرض أنّ الاستصحاب كان صحيحاً، وأن الحدث الأكبر باق; لأنّه الذي حدث بالبلل المشتبه، لكن قد يكون الذي دخل في علمنا هو الحدث الأصغر طالما يمكن اجتماع الحدثين. نعم، لو جزمنا بالتضادّ، وكان علمنا الإجمالي بنحو مانعة الجمع، لقلنا: إنّه لو طابق الاستصحاب الواقع كان معناه أنّ الحدث هو الأكبر فقط، وهو المتيّقن، لا غير، للتضادّ بينه وبين الأصغر ممّا يستدعي عدم وجود الأصغر. وبالإمكان أن يستخلص من هذا الكلام كبرى كلّيّة، هي التفصيل في استصحاب الكلّي من القسم الثاني بين ما إذا كان العلم الإجمالي بنحو مانعة الجمع أو كان بنحو مانعة الخلوّ فقط، ففي الأوّل يقال بجريانه; لأنّ المستصحب الباقي ـ على تقدير مطابقته للواقع ـ يكون عين ما علمنا إجمالاً; لأنّ الواقع ليس إلاّ واحداً بعد امتناع الجمع، بينما في الثاني لا يجري الاستصحاب; لأنّه مع احتمال الجمع يكون من المحتمل أنّ المتيقن هو أحد الفردين الّذي يقطع بانتفائه، وهو الفرد القصير، بينما الباقي هو الفرد الآخر الطويل. وللتعليق على هذا التفصيل نقول : أوّلا: إنّ العلم الإجمالي ـ كما بينّا في محلّه ـ لا يتعلّق إلاّ بالجامع بين الفردين، لا بهذا بالخصوص، ولا بذاك والواقع يكون بعيداً عن مصبّ العلم. وعليه فسواء كان العلم مباحث الأصول/ج5 / 354
الإجمالي بنحو مانعة الجمع أو مانعة الخلوّ يكون المعلوم هو الجامع بين الفردين، لا القصير بخصوصه، ولا الطويل بعينه، ويكون استصحاب هذا الجامع الكلي إبقاءً لنفس المتيّقن، وهو الكلّي، وكونه في الفرد الطويل لا يجعله غير ما تيّقنّا به كما لا يخفى. نعم، لو قلنا بأنّ العلم الإجمالي يتعلّق بالواقع كما بنى عليه هو (قدس سره)، كان لهذا الكلام مجال. ثانياً: لو بنينا على الاُصول الموضوعية التي بنى عليها، وقلنا بأنّ العلم الإجمالي لو كان بنحو مانعة الجمع، جرى استصحاب الكلّي، وإلاّ فلا، مع ذلك نقول: إنّ استصحاب كلّي الحدث يجري في المقام; لأنّ العلم الإجمالي هنا يمكن تقريبه بنحو مانعة الجمع ذلك أنّ العلم الإجمالي هنا علم إجمالي بين أمور ثلاثة: إمّا الحدث الأصغر وحده فيما إذا كان الخارج بولاً، أو الحدث الأكبر وحده فيما إذا كان منيّاً، وكان التضادّ بين الحدثين، أو مجموع الحدثين فيما إذا كان الحادث منيّاً، ولم يكن تضادّ بين الحدثين، فنحن نعلم إجمالاً بأحد هذه الاُمور الثلاثة بنحو مانعة الجمع; لأنّ الحدث الأصغر وحده مع الأكبر وحده لا يجتمعان، كما أنّهما لا يجتمعان مع فرض مجموع الحدثين. إذن، فنحن نعلم بالجامع بين الأطراف الثلاثة بنحو مانعة الجمع، فيجري استصحاب بقاء الجامع بينها، لكنّ هذا الإشكال ربّما لا يلتزم به، لفظاعة ما يستلزم منه، من أن يكون العلم الإجمالي متعلقاً بمجموعهما لو كان الموجود واقعاً من الفروض الثلاثة هو المجموع، فإن هذا ما لا يقرّ به وجدان إنسان. ثالثا: إنّ الشرط الذي فرضه في الاستصحاب موجود حتّى في العلوم الإجمالية بنحو مانعة الخلو فقط، ذلك أنّ نفس احتمال انصباب اليقين على الفردالطويل معناه احتمال بقاء المتيقّن. نعم، لو فرض أنّنا استفدنا من قوله: «لا تنقض اليقين» أنّ الموضوع مأخوذ بنحو التركيب من الشكّ في بقاء شيء، وأن يكون ذلك هو المتيقّن، لم يجرِ الاستصحاب; لأنّنا نحتمل أنّ اليقين تعلّق بغير الفرد الطويل، فيكون الشكّ في شيء يحتمل أن لا يكون هو المتيقّن، فالجزء الثاني غير محرز، لكنّه لا وجه له، بل إنّ الشرط هو عنوان احتمال بقاء المتيقّن، وهذا الاحتمال متحقّق بنفس احتمال تعلّق اليقين بالفرد الطويل، وليس هذا منافياً لوحدة المتعلّق في جملة: «لا تنقض اليقين بالشك»; لأنّ احتمال بقاء المتيّقن معناه احتمال بقاء ذاك الواقع الذي تعلّق به اليقين، فالشكّ واليقين منصبّان على مصبّ واحد[1].
________________________________________ [1] كأنّ المقصود: أنّ وحدة المتعلّق المفهومة من النصّ ليست بأكثر من انصباب الشكّ على بقاء المتيقّن، وهو حاصل، ولا يشترط انصباب الشكّ في البقاء على المتيّقن كي يقال: إنّ هذا غير محرز.
مباحث الأصول/ج5 / 355
رابعاً: إنّ المبنى المشهور والصحيح: هو أنّ الحدث الأصغر لا يرتفع بالوضوء فيما إذا اقترن بالأكبر. وبناءً عليه نقول: حتى إذا كان هنالك اجتماع لكلا الحدثين في الواقع، كما لو كان الخارج منيّاً، ولم يكن تضادّ، فالذي تعلّق به اليقين باق سواء كان هو الأصغر أو الأكبر; لأنّ الوضوء لا يرفع الحدث الأصغر مع وجود الأكبر. هذا تمام الكلام في الفرع الأوّل من الفرعين. وأمّا الفرع الثاني، وهو ما إذا علم إجمالاً بملاقاة شيء للدم أو البول، ثمّ غسل مرّة واحدة. فحصل الشكّ بارتفاع النجاسة وعدمه; إذ لو كانت النجاسة بوليّة فهي باقية، وإلاّ فمرتفعة، فيستصحب بقاء كلّي النجاسة الجامعة بين البوليّة والدمّيّة. وهذا الاستصحاب لحكم النجاسة بنحو الكلّي من القسم الذي بينّا في الفرع السابق جريانه فهنا نتكلّم في أنّه هل هناك استصحاب حاكم عليه وبلامعارض أو لا؟ من هنا نعقد مقامين: المقام الأوّل: في جريان الاستصحاب الحاكم في نفسه : وبيان ذلك موقوف على ملاحظة الأدلّة الاجتهادية، وما جعل فيها موضوعاً للحكم بوجوب الغسلة أو الغسلتين، فنقول: إنّ الأدلّة العامّة والمطلقة قد دلّت على نجاسة كلّ شيء يلاقي النجس، وأنّ تلك النجاسة السارية ترتفع بغسلة واحدة، ثمّ جاءت روايات أُخرى قيّدت بنحو المخصّص المنفصل هذه المطلقات، وحكمت في ملاقي البول بأنّ نجاسته السارية لا ترتفع إلاّ بغلستين. والمبنى الصحيح في مثل ذلك هو أن يحدّد موضوع المطلق بعد التقييد والتخصيص بنقيض عنوان الخاصّ، بأن يصبح مركّباً ممّا أُخذ في لسان المطلق والعام ومن عدم العنوان الخاصّ بنحو التركيب من عنوان وجودي وآخر عدمي، لا كما في الكفاية من أنّ موضوع العام بعد التخصيص يبقى وجودياً، وهو العنوان الذي لم يكن بعنوان الخاصّ من العناوين الوجودية الاُخرى. إذن فينبغي ملاحظة عنوان الخاصّ في المقام كي نفهم على ضوء فهمه موضوع العام. فنقول: إنّ المعقول في المقام صياغتان لتحديد موضوع الخاصّ. الأولى: أن يكون عنواناً وحدانيّاً إفراديّاً هو الملاقي للبول بنحو التقييد لا التركيب. وعلى هذا يكون نقيضه ـ أيضاً ـ عنوان عدم الملاقاة للبول، فيكون موضوع العامّ بعد التخصيص كلّ شيء لاقى النجس ولم يلاقِ البول.
مباحث الأصول/ج5 / 356
وبناءً على هذه الصياغة نجري استصحاب عدم الملاقاة للبول لتثبت ارتفاع النجاسة بعد الغسلة الاُولى، حيث يكون الملاقي ملاقياً للنجس بالوجدان، وهذا هو الجزء الأوّل، وغير ملاق للبول بالاستصحاب، فيثبت كلا الجزئين، وبالتالي يتنقّح موضوع العام، فيحكم على استصحاب النجاسة; لأنّها أثر شرعي مسبّب عن الموضوع، فبنفيه يرتفع الحكم لا محالة. الثانية: أن يكون عنواناً تركيبيّاً وهو أن يكون ملاقياً لشيء وأن يكون ذلك الشيء بولاً. وهذه الصياغة هي الصحيحة عندنا، لما يأتي وتقدّم مراراً في الفقه من أنّ العناوين التقييديّة كقوله(علیه السلام): ما لاقى البول ينحلّ بالارتكاز العرفي إلى التركيب بين أمرين: أن يلاقي شيئاً، ويكون ذلك بولاً. وبناءً على هذه الصياغة يتقيّد موضوع العامّ بنقيض الجزء الثاني من الجزءين. وأمّا الجزء الأوّل وهو أن يلاقي شيئاً فهو موجود في الدم أيضاً، فلا ينافيه إلاّ الجزء الثاني، فيصبح الموضوع مركبّاً من أن يلاقي نجساً من النجاسات، وأن لا يكون ذلك النجس بولاً. وبما أن الجزء الأوّل محرز في المقام بالوجدان فلا بدّ من إحراز الجزء الثاني، وهو عدم كون الملاقى بولاً، وإثبات هذا بالاستصحاب موقوف على القول بجريان استصحاب العدم الأزلي، فمن لا يقول بجريانه كالميرزا(رحمة الله)لا يمكنه تنقيح هذا الموضوع بالاستصحاب. فالصحيح في المقام الأول جريان الاستصحاب الحاكم في نفسه في هذا الفرع. المقام الثاني: في وجود المعارض لهذا الاستصحاب، حيث توهّم معارضته باستصحاب عدم الملاقاة للدم بناءً على الصياغة الاُولى، أو عدم كون الملاقي دماً على الصياغة الثانية. فلقد تصوّر المحقق الإصفهاني(رحمة الله)المعارضة بين الاستصحابين بدعوى: أنّ لدينا في المقام علماً إجمالياً بأنّ النجاسة نجاسة يجب غسلها مرّة واحدة، أو نجاسة يجب غسلها مرّتين. ونفي الثانية يعارضه نفي الاُولى، فيتساقط الاستصحابان[1] ، ونرجع إلى استصحاب الكلّي. وهذا التصوّر غير صحيح; وذلك: لأنّه إن قصد باستصحاب عدم كون النجاسة نجاسة يجب غسلها مرّة واحدة الانتهاء إلى نفي أصل هذا الوجوب، فلا قيمة له; لأنّه لا يؤدّي إلى التأمين عن الغسلة الاُولى لليد; لفرض العلم التفصيلي بوجوبها، وإن قصد به الانتهاء إلى
________________________________________ [1] راجع نهاية الدراية: ج 5، ص 149 بحسب طبعة آل البيت. مباحث الأصول/ج5 / 357
نفي قيد المرّة، أي: إنّنا نستصحب عدم كون النجاسة نجاسة رُخّصنا في الاقتصار في غسلها على مرّة واحدة، فهذا لا يعارض الاستصحاب الذي ينفي النجاسة الاُخرى التي اُلزمنا بغسلها مرّتين; لأنّ الأصل النافي للترخيص لا يقع طرفاً للمعارضة، وإنّما يتعارض الاصلان في أطراف العلم الإجمالي إذا كانا نافيين لفردين من الإلزام المعلوم أحدهما بالإجمال. على أنّ الواقع: أنّه ليس هناك إلاّ الحكم بالنجاسة وبقائها بعد الغسلة الاُولى لو كانت النجاسة بوليّة، والحكم بعدم بقائها[1] لو كانت دمّيّة. وعليه، فإن قصد باستصحاب عدم النجاسة الدمّيّة نفي أصل النجاسة قبل الغسلة الاُولى، فهذا ممّا يقطع به تفصيلاً فكيف يجوز نفيه؟! وإن قصد به إثبات بقاء النجاسة، فهذا لا يكون إلاّ عن طريق الملازمة، باعتبار أنّها لو لم تكن دمّيّة فهي بولية لا محالة، فتكون باقية، ولوازم الاُصول ليست حجّة، إذن، فالصحيح في المقام عدم وجود المعارض لهذا الاستصحاب الحاكم على استصحاب كلّي النجاسة. وبهذا ينتهي الكلام عن كلّ الجهات التي أردنا تقديمها في الصورة الثالثة من الصور الاربعة لاستصحاب الكلي.
صورة العلم بالجامع ضمن فرد والشك في بقائه ضمن آخر الصورة الرابعة: ما إذا علم بحدوث الكلّيّ من ناحية العلم التفصيلي بحدوث الفرد،
________________________________________ [1] كأنّ المقصود: أنّه لو لوحظت النجاسة نجاستين بأن تقصد قذارة البول العينيّة وقذارة الدم العينيّة، أو بأن تقصد نجاستين حكميّتين، إحداهما غير الاُخرى، كما هي كذلك بلحاظ مرحلة الجعل وفرض وجوب الغسل مرّة ووجوبه مرّتين مضافين إلى متعلقيّن، أي: غسل هذه النجاسة وغسل تلك النجاسة، أمكن القول ـ بقطع النظر عن الإشكال الذي مضى بيانه ـ بأنّ استصحاب عدم كلّ من النجاستين يعارض استصحاب عدم الاُخرى، ولكنّ الواقع: أنّ الكلام ليس في إزالة القذارتين العينيّتين، وقد يفترض زوالهما من قبل. وأمّا النجاسة الحكمية فهي بلحاظ مرحلة الجعل وإن كانت متعدّدة، ولكنّ الصحيح في باب استصحاب الحكم لدى تردّد المجعول بين الطويل والقصير هو النظر إلى الحكم بالحمل الأوّلي، أي: حمل هو هو، وبهذا المنظار تُرى النجاسة أمراً خارجياً واحداً لا يجري إلاّ استصحاب بقائها. أمّا استصحاب عدم النجاسة الدمّيّة بمعنى استصحاب عدم كون الملاقاة ملاقاة دمّيّة، فهو لا يجري; لأنّه لا ينفي أصل النجاسة للعلم به تفصيلاً، ولا بقاء النجاسة; لأنّه تمسّك بالأصل المثبت; إذ لا يثبت بقاء النجاسة إلاّ باعتبار أنّ انتفاء ملاقاة الدم يلازم ثبوت ملاقاة البول; لفرض العلم الإجمالي بإحداهما. مباحث الأصول/ج5 / 358
وشكّ في بقائه لاحتمال بقائه في فرد آخر بعد الجزم بارتفاع الأوّل ومن دون اقتران بالعلم الإجمالي، وذلك كما لو علمنا بدخول زيد في المسجد وخروجه، وشككنا في دخول عمرو في المسجد مقارناً لخروج زيد أو مقارناً لزمان تواجد زيد في المسجد، فهل يمكن إجراء استصحاب كلّي الإنسان مثلاً في المسجد، أو لا ؟ ولتحقيق حال هذه الصورة من حيث جريان الاستصحاب فيها ـ وقد عبر عنه في اصطلاح الرسائل باستصحاب القسم الثالث من الكلي ـ ينبغي مراجعة التصوّرات التي ذكرناها في أوّل الحديث، والتي كان يختلف حال الاستصحاب باختلافها، فعلى التصوّر الأوّل الذي قال به الرجل الهمداني من أنّ هنالك وجوداً واحداً سعياً تفرق فيه الأفراد والتعينّات والجزئيات، ينبغي المصير إلى جريان الاستصحاب في هذا القسم على اعتبار أنّ هذا الوجود الواحد السعي كان مقطوع الحدوث، وبالفعل يشكّ في بقائه، فإمكان الاستصحاب واضح فيه، والجزم بارتفاع الفرد الأوّل لا يوجب ارتفاع الشكّ عن الوجود السعي بعد أن كان الكلّي أمراً واحداً لا يتغيّر بتغيّر الأفراد، ولا يتعدّد بتعدّدها، ولا ينتفي بانتفاء بعضها، فهو واحد ذاتاً وحقيقة ووجوداً، ولا تنثلم هذه الوحدة بتغيّر فرد وتبدّله إلى آخر. إذن فاستصحابه وإبقاؤه قد حفظت فيه وحدة القضية المشكوكة والقضية المتيقّنة. وعلى التصوّر الثاني الذي كان يرى من الكلّي الحصّة، ويفهم منه ذات الفرد مع قطع النظر عن خصوصيّاتها العرضيّة، والتحفّظ على خصوصيّة وجودها، يكون من الواضح عدم جريان الاستصحاب في المقام; لأنّ الحصّة التي علم بوجودها وتحقّقها قد علم بانتفائها أيضاً، والحصّة الثانية التي تتحقّق بالفرد الثاني ممّا لا يقين بحدوثها، وليس وراءها شيء آخر حتّى يكون هو المستصحب. إذن فعلى هذا التصوّر لا يوجد هنالك إلاّ حصّتان، لا يجري الاستصحاب بلحاظ شيء منهما; لعدم توفّر الشكّ في البقاء بلحاظ إحداهما وعدم إحراز الحدوث أو اليقين بالحدوث بلحاظ ثانيتهما. وأمّا على التصوّر الثالث الذي لا يفهم الكلّيّ على أنّه وجود سعي، كما أنّه غير الحصّة التي هي الكلّي في التصوّر الثاني، بل هو مفهوم عامّ ينطبق على الأفراد، فإذا انسقنا من هذا التصور مع ما يتراءى من كلمات المشهور من علماء الكلام، والذي لعلّه هو المشهور عند الاُصوليين من أنّ هنالك مثلاً إنسانيتين: إنسانية ما، وهي الإنسانية المقشّرة عن تعيّنات الحصص، وإنسانية خاصّة، وهي الحصص، والثانية مشتملة على الاُولى، فهذا التصور يودّي بنا إلى الاعتراف بكون الكلّي أمراً خارجياً مع كلّ فرد فرد، لا ذهنياً، وإلاّ فكيف مباحث الأصول/ج5 / 359
يكون موجوداً بوجود الإنسانية الخاصّة؟! فعنئذ يقال: بأنّ الاستصحاب جار في المقام; لأنّ الإنسانية الخاصّة التي تعلّق العلم بها وإن زالت يقيناً لكنّنا كنّا نعلم ضمناً بالإنسانية العامّة أيضاً، ولم يحصل لنا القطع بزوالها، بل نحتمل بقاءها ضمن فرد آخر، فكأنّ كلّ فرد مشتمل على إنسانيتين: إنسانية تخصّه وإنسانية مشتركة بين الكلّ، والاُولى قد زالت، والثانية محتملة البقاء ضمن وجود خارجيّ آخر، فيكون الاستصحاب بلحاظ الكلي تامّاً. ولا يوجد ما يبطل جريان هذا الاستصحاب سوى ما ادّعاه المحقق العراقي(رحمة الله)[1] من استظهار اشتراط وحدة المتيّقن والمشكوك خارجاً، وعدم كفاية الوحدة المفهومية والذاتية لجريانه، وفي المقام هذه الوحدة غير محفوظة; لأنّ الإنسانية العامّة في زيد غيرها في عمرو وجوداً وإن كانت نفسها حقيقةً وذاتاً، ولا يبعد صحّة هذا الاستظهار عرفاً. وأمّا على مسلكنا الذي شرحناه فيما سبق من أنّ الكليّة والجزئية ليست بلحاظ الخارج أصلاً، فليس هنالك إلاّ إنسانية واحدة في الخارج، لكن هذه الإنسانية تختلف نحو تلقيّها وانطباعها في الذهن، فإذا جاءت بما هي هي، أي: بما هي مفهوم مجرّد عن التعيّنات سمّي ذلك بالكلّي، وإذا جاءت مع التعيّن كان جزئياً، فعندئذ نستغني عن الشرط الذي استظهره المحقق العراقي(قدس سره) سواء كان في نفسه صحيحاً أو لا، فنقول: هل يراد استصحاب بقاء زيد؟ فهذا ما نعلم بانتفائه، أو بقاء عمرو؟ فهذا ما لم نحرز حدوثه، أو بقاء الجامع، أي: كلّي الإنسانية؟ فهذا ممّا لم نعلم به إلاّ بنفس العلم بالفرد الذي زال بالفرض. إذن فلا تتمّ أركان الاستصحاب في هذه الصورة في شيء حتّى يمكن جريانه. وربّما يناقش في هذا البيان بأنّنا كما نعلم بالفرد كذلك نعلم في ضمن ذلك بالجامع، فإنّ العلم بالفرد ينحلّ إلى العلم بالكلّي والعلم بالخصوصية والتعيّن، فإذا انتفى الثاني للقطع بانتفاء الفرد فالأوّل لا يقطع بارتفاعه; لأنّ نسبة الصورة الكليّة إلى كلّ الأفراد على حدّ واحد. إذن فليستصحب الكلّي في الصورة التي علمنا فيها تفصيلاً بالفرد وكان الأثر للكلّي وشكّ في بقائه، حيث يستصحب بمقدار الكلّي المعلوم ضمن العلم بالفرد. وقد يصاغ الإشكال بنحو النقض، فيقال: إنّه بإمكاننا أن نقصد صورة تدخل في هذا القسم من استصحاب الكلّي لا يتمّ فيها هذا الإشكال، وذلك بأن نفرض أنّ علمنا بالكلّي لم
________________________________________ [1] راجع نهاية الأفكار: القسم الأوّل من الجزء الرابع ص134 ـ 135، والمقالات: ج2، ص382 بحسب طبعة مجمع الفكر الإسلامي في قم. مباحث الأصول/ج5 / 360
يكن تفصيلياً، بل إجمالياً، كما إذا علمنا بدخول زيد أو عمرو إلى المسجد، وعلمنا بخروج الداخل في الآن الأوّل مع احتمال بقاء الكلّي في ضمن الآخر، فيقال: إنّ علمنا هنا بالجامع منذ البدء لا الفرد، فليجرِ الاستصحاب هنا. ولتوضيح حال هذين الإشكالين بنحو يرتفع الغموض وينجلي المقصود بتمام حدوده ينبغي أن نقدّم أموراً ثلاثة : 1 ـ إنّنا قرأنا في المنطق الجزئي والكلي، وعرفنا أنّ الجزئي يعني الصورة التي يمتنع بحسب نفس تصوّرها في الذهن فرض صدقها على كثيرين، والكلّي يعني الصورة الذهنية التي لا يمتنع بحسب نفس تصورها فرض صدقها على كثيرين. وهذا مطلب صحيح، إلاّ أن الذي ليس بصحيح هو أنّهم جعلوا الجزئية والكليّة بلحاظ المفاهيم، وقسّموها إلى طائفتين: جزئية، ويمثّل لها بالأعلام وبأسماء الإشارة ونحوها، وكلّيّة، وهي التي تعبّر عن الطبائع ونحوها من المفاهيم العامّة. وهذا غير صحيح : ذلك أنّ المفاهيم بما هي مفاهيم لا تكون إلاّ كلّية، ومهما نضيف مفهوماً إلى مفهوم ونجمع بينها لا نصل بالتالي إلى الجزئي. نعم قد ينحصر المصداق لمجموع المفاهيم التي ضممنا بضعها إلى بعض في واحد باعتبار التقييد والتضييق، غير أن هذا لا يجعلها جزئياً يمتنع صدقه على كثيرين ولو بالفرض; إذ من الواضح أنّه لا يمتنع فرض مصداق وفرد آخر تنطبق عليه هذه المفاهيم على حدّ ما تنطبق على الأوّل، فلو لاحظنا المفاهيم التي نتلقّاها من زيد مثلاً فنرى أنّها عبارة عن الإنسانية مع الطول والبياض، وأنّه ابن عمرو مثلاً، وأنّه ولد في يوم كذا وفي مكان كذا إلى غير ذلك، وواضح أنّ هذه المفاهيم جميعها كلّيّة، وضمّ بعضها إلى بعض لا يؤدّي إلى الجزئية وإن أدّى إلى تضييق في دائرة أفرادها العقلية من الخارج، بل قد يؤدّي إلى انتفائها، لكنّ ذلك لا يعني الجزئية كما هو واضح، إذن، فما هو الجزئي؟! وهل يمكننا أن نقول: إنّ زيداً وعمراً وبكراً وخالداً من الجزئيات ليست بجزئية؟! الواقع: أنّ الجزئية ليست من خصائص المفهوم والصورة المنطبعة في الذهن، وإنّما هي من شؤون نحو استعمال الذهن وملاحظته للمفهوم والصورة المنعكسة فيه، فإنّ الذهن البشري زوّد من الله تعالى بفعّالية يتمكّن على أساسها أن يلحظ الصورة والمفهوم بما هو هو وبالمعنى الاسمي، أي ينظر إلى نفس المفهوم مستقلاً، وهذا يكون كلّياً، أو أن يلحظه بنحو الإشارة به إلى الخارج والحصّة في عالم تحقّقها ـ عالم الخارج أو عالم لوح الحقيقة الذي هو أوسع من عالم الخارج ـ فيأخذ الذهن المفهوم أداة إشارة وإضافة إلى الحصّة، كما يستعمل الإنسان مباحث الأصول/ج5 / 361
الإشارة الحسّيّة والخارجية للإشارة إلى الاُمور الخارجية، وقد وضعت أسماء الإشارة لهذا المعنى الإشاري، وكذلك الأعلام وضعت للمفاهيم بما هي مشيرة إلى الخارج، وهذا هو الجزئي، حيث تكون هذه الصورة والمفهوم المشار به إلى الخارج والملحوظ بهذا النحو من الاستعمال الذهني مختصّاً وغير قابل للانطباق على كثيرين ولو بالفرض; لأنّ المفهوم أُخذ مشيراً إلى الخارج والواقع الذي هو عالم التشخّص، فيكون مثل هذا المفهوم جزئياً لا محالة. 2 ـ إنّ الصورة الذهنية كما قرأنا في المنطق على قسمين: تصوّر وتصديق، والتصديق من صميمه أن يكون صورة إشارية إلى متعيّن في الخارج أو في لوح الواقع، كما في الملازمات الواقعية، بحيث لا يمكن فرضه من دون الإشارة، ولهذا كانت كاشفيّته ذاتية كما يقولون. وهذا بخلاف التصوّر، فإنّه لم يؤخذ في صميمه أن يكون مستعملاً بنحو الإشارة إلى متعيّن. إذن فالعلم قوامه بالإشارة، ولولاها لما كان علماً. وبهذا يكون العلم دائماً جزئياً. 3 ـ إنّ تعدد العلوم بتعدّد أداة الإشارة مع وجود الإشارة أعني بتعدد المفاهيم التي بها يشار إلى الخارج، فإذا جمعنا في لحاظنا بين مفاهيم عديدة وأشرنا بها إلى الموجود المتعيّن في الخارج، كانت هنالك علوم بعدد المفاهيم، والتي هي أدوات استعملت للإشارة، ودليل ذلك ما نجده من أنّ زوال بعضها لا يستدعي زوال العلم بلحاظ الباقي، فمثلاً لو علمنا بوجود شيء في الدار، وتصوّرنا أنّه حيوان ناطق، أي: اشرنا إليه بمفهومي الحيوانية والناطقية وبعد ذلك وجدنا أنّه ليس بناطق، بل صاهل مثلاً، كان علمنا بحيوانيّته باقياً على حاله لم يعتره الشكّ، ولو علمنا مثلاً بأنّ هنالك إنساناً طويلاً أبيض البشرة هو زيد، فإنّ هذا مجموعة علوم ـ ولو مجتمعة منضمّة ـ لا ينتفي كلّها لو التفتنا بعد ذلك إلى خطئنا في تخيّل بياض البشرة، بل يبقى علمنا بالإنسان والطويل على حاله. أمّا إذا جردّنا أداة الإشارة عن نفس الإشارة فلا يمكن أن نجعلها علماً في قبال الإشارة، بل ارتفاع الإشارة معناه زوال العلم وارتفاع اليقين; لما قلنا في الأمر السابق من أنّ اليقين قوامه الإشارة. إذا عرفنا هذه الاُمور الثلاثة قلنا في المقام: إنّ دليل الاستصحاب يعبّدنا فيما إذا علمنا بشيء أي: كانت لدينا إشارة بمفهوم تصديقي إلى الخارج المتيّقن، ثمّ شككنا في بقاء طرف هذه الأشارة والذي استعمل الذهن المفهوم للتأشير نحوه ببقاء ذلك الطرف، وأنّ الإشارة كأنّها باقية، فتترتّب الآثار الشرعيّة والعمليّة. وأمّا إذا علمنا بزوال طرف الإشارة وارتفاعه فهذا ليس ممّا يشمله دليل الاستصحاب; لأنّ هذا هو نقض اليقين باليقين كما لا يخفى.
مباحث الأصول/ج5 / 362
وعليه نقول: إنّنا في الصورة التي كنّا نعلم فيها بدخول زيد في المسجد ولا نعلم بخروجه لو أردنا استصحاب الكلّي كانت أركان الاستصحاب تامّة، حيث إنّ اليقين السابق وهي الصورة التصديقية لمفهوم الإنسان غير منتقض باليقين; لأننا نشكّ في ارتفاع طرف الإشارة وزواله، فنتعبّد بالبقاء ونرتّب الآثار. وأمّا في هذه الصورة التي بين أيدينا والتي نعلم فيها بخروج زيد، ونحتمل دخول عمرو مقارناً لخروج زيد، أو قبل خروجه، فصحيح أنّنا كنّا قد استعملنا مفهوم الإنسان للإشارة، غير أنّنا قد علمنا بعد ذلك بارتفاع طرف الإشارة، وبالتالي بزوال الإشارة التي بها قوام العلم; لأنّ طرف الإشارة هو المعيّن; إذ لا تكون الإشارة إلاّ إلى المعيّن، وقد علمنا بخروج المعيّن، فعدم التعبّد ببقاء الإشارة وطرفها نقض لليقين باليقين، وتصوّر الإنسان ومفهومه ليس علماً لما قلناه في الأمر الثالث من أنّ المفاهيم التي هي أدوات الإشارة لا تكون علوماً مستقلّة قبال نفس الإشارة ومجرّدة عنها كما لا يخفى[1]. إذن فلا معنى لجريان الاستصحاب في هذه الصورة سواءً كان العلم التفصيلي بالفرد والإشارة إليه بمفهوم الإنسان أو بمفهوم آخر أكثر ضيقاً أو أقل. هذه هي لغة التحقيق في هذه الصورة.
________________________________________ [1] يبدو أنّ مغزى الكلام في المقام هو أنّ العلم بالكليّ ليس إلاّ جزءً تحليليّاً من العلم بالحصّة، كما أنّ الكلّي ليس إلاّ جزء تحليلياً من الحصّة. والوجه في كون العلم بالكلّي جزءً تحليليّاً من العلم بالحصّة أنّ العلم متقوّم بالإشارة المتقوّمة بالتعيّن، والتعيّن يكون للحصّة، فإذا جزمنا بانتفاء الحصّة فقد انتقض اليقين باليقين. ونقصد بالاشارة إلى الحصّة معنىً واسعاً يشمل الإشارة الموجودة في موارد العلم الإجمالي الذي لا تعيّن لمتعلّقه في علم الله، وذلك لما ظهر في بحثنا عن معرفة حقيقة العلم الإجمالي من أنّ العناوين الانتزاعية من قبيل عنوان (أحدهما) قالبٌ صاغه الذهن البشري على قامة فرد واحد ومتمتّع بخاصيّة الإشارة. وإذا علمنا إجمالاً بوجود أحد الفردين في الدار، ثمّ علمنا بخروج ذاك الفرد من الدار، واحتملنا دخول الفرد الآخر مقارناً لخروج الأوّل أو قبل دخوله، لم يجر ـ أيضاً ـ استصحاب الكلّي; لأنّ علمنا بخروج ذاك الفرد على إجماله يعني العلم بزوال طرف الإشارة، وهذا يعني انتقاض اليقين باليقين. وقد يستنتج من هذا الكلام الذي ذكرناه أنّ استصحاب الكلي في القسم الثاني دائماً يبتلي بمشكلة استصحاب الحصّة فيه، وهي مشكلة استصحاب الفرد المردّد; لأنّ الحصّة فيه مردّدة بين ما يقطع بزوالها وما لا يقطع بحدوثها، والعلم بالكلي متقوّم بالإشارة إلى الحصّة. إلاّ أنّ هذا غير صحيح; فإنّ إشكال الفرد المردّد إنّما يرد في استصحاب الحصّة بالمعنى الذي لا بدّ له من التعيّن عند الله رغم تردّده عندنا. أمّا استصحاب عنوان (أحدهما) القابل للانطباق على كلّ واحدة من الحصّتين من دون فرض الإشارة إلى ما هو المعيّن عند الله فلا يرد عليه هذا الإشكال، فهذا العنوان من ناحية متمتّع بالإشارية بالمعنى الذي يكفي في تقوّم العلم، ومن ناحية اُخرى ليس له تعيّن عند الله، وتردّد عندنا حتى يبتلي استصحابه بإشكال استصحاب الفرد المردّد.
مباحث الأصول/ج5 / 363
واللغة الساذجة العرفية هي أن يقال: إنّ الجامع قد علمنا به في ضمن زيد الذي نقطع بانتفائه ولم نعلم به في ضمن فرد آخر حتّى يستصحب. وبهذا انتهى الحديث عن الصورة الرابعة من استصحاب الكلّيّ، ولا بأس قبل أن نأتي على ختام هذا التنبيه الذي عقدناه لبحث استصحاب الكلّي أن نتعرّض لما يتراءى في بعض الكلمات أنّه قسم رابع لاستصحاب الكلّي غير الأقسام الثلاثة التي جرى عليها اصطلاح الشيخ الأعظم(رحمة الله)
القسم الرابع من الكلّيّ على غير اصطلاح الشيخ الأعظم والمثال الذي طبّق عليه ذلك ما إذا تيقّنّا بالجنابة عند الصباح كما أنّه اغتسلنا عنها يقيناً، لكنّنا وجدنا في وقت متأخر أثر الجنابة على الثوب مثلاً ممّا أدّى إلى الشكّ في أنّه هل حصل بعد الغسل عن الجنابة الصباحية أو أنّه منها؟ فيشكّ على هذا الأساس في بقاء الجنابة التي يدلّ عليها هذا الأثر وعدمه. وإنّما جعل هذا قسماً جديداً ـ كما عن السيّد الاُستاذ ـ[1] على اعتبار أنّه يعاكس القسم الثاني الذي كان اليقين فيه منصبّاً على الجامع وعنوان واحد له فردان يشكّ في أنّ الحادث هذا الفرد أو ذاك. أمّا هنا فاليقين قد انصبّ على فرد واحد وهو الجنابة التي نشير إليها عن طريق الأثر المرئي في الثوب، ولهذا الفرد عنوانان يتردد بينهما وهي الجنابة الصباحية والجنابة الناشئة من هذا المني، ولا يدري أنّ هذا الفرد هل هو فرد لكلا العنوانين، أو لأحدهما دون الآخر. وأيّاً ما كان، فهل يلحق هذا بالقسم الثاني، فيقال فيه بجريان استصحاب الكلّي، أو يلحق بالقسم الثالث فيقال بعدم جريانه فيه؟ قد يقال بالأوّل على أساس أنّنا نعلم إجمالاً بجنابة ناشئة من هذا الأثر المرئي، ولا نعلم بارتفاعها على كلّ تقدير، فإنّها مرتفعة على تقدير كون الجنابة الصباحية هي الناشئة من هذا الأثر، وإلاّ فهي باقية وغير مرتفعة بالغسل السابق، إذن فيستصحب البقاء. وقد ذهب إلى هذا السيد الاُستاذ، وادّعى جريان استصحاب كلّي الجنابة في المثال في نفسه ولا مانع منه إلاّ استصحاب الطهارة المتيقّنة بعد الغسل المتيقن، فتيعارضان
________________________________________ [1] راجع مصباح الاُصول: ج3، ص104. مباحث الأصول/ج5 / 364
ويتساقطان، ويرجع بعد ذلك إلى أصالة الاشتغال في تحصيل الطهارة المشترطة في العبادات. وقد يقال بالثاني، وأنّ هذا الفرع ليس إلاّ مصداقاً من مصاديق القسم الثالث، إذ نعلم تفصيلاً بفرد من الجنابة، وهو الجنابة عند الصباح، وهو قد زال بالفرض، ويشكّ في بقاء الكلّي ضمن فرد آخر متحقّق بعد انتفاء الفرد الأوّل، ومقتضى الأصل عدمه . وهذا ما أفتى به المحقق الهمداني(رحمة الله). ونحن في غنىً عن جعل هذا قسماً جديداً، وصورة اُخرى غير الصور الأربعة التي ذكرناها وأقمناها على نكات فنيّة، فإنّه سواء جرى الاستصحاب فيه أم لا فهو ملحق موضوعاً بإحدى الصورتين: الثالثة أو الرابعة، حيث إنّه وقع الشكّ في بقاء الجامع الناشئ من الشكّ في حدوث الفرد، فإذا لاحظنا الجامع عنوان الجنابة فالشكّ في بقائه من ناحية حدوث فرد جديد، أي: من دون علم إجمالي في الفرد. وإن فرضنا الجامع عنوان الجنابة الحادثة مع هذا الأثر فالشكّ في بقائه من ناحية العلم الإجمالي في حدوثه ضمن أحد فردين وحصّتين يعلم بانتفاء أحدهما. وأيّاً ما كان، فالصحيح عدم جريان استصحاب كلّي الجنابة في هذا القسم، فما ذكره السيّد الاستاذ غير تامّ، وذلك : أوّلا: للنقض بأنّ السماح بمثل هذا التمحّل، وهو أن يؤخذ فيه الجنابة الناشئة من هذا الأثر ونحوه من القيود لتشكيل علم إجمالي غير منحلّ يؤدّي إلى عدم جريان استصحاب الحدث إلاّ معارضاً لاستصحاب الطهارة، وكذا العكس بحيث تسقط إمكانية إجراء استصحاب الحدث أو الطهارة من دون تعارض إطلاقاً، مع أنّه مما لا يلتزم به، وممّا هو خلاف مورد الصحيحة الدالّة على الاستصحاب. أمّا كيفيّة اللزوم فبيانها: أنّ الشخص الذي بال ثمّ توضّأ ثم شكّ مثلاً في بقاء وضوئه وطهارته لاحتمال أنّه بال ثانياً أو لم يبُل يتصوّر بشأنه علم إجمالي بحدث بنحو غير منحلّ، وذلك بأن يقول: إنّني أعلم إجمالاً بوجود حدث عندي مقارناً لاخِر بول خرج منّي، فلو كان آخِر بول قبلَ الوضوء فكلّ الحدث قد ارتفع، وإلاّ فهو باق، فيستصحب بقاء هذا الجامع غير المنحل، فيتعارض مع استصحاب الطهارة، وهكذا في طرف استصحاب الحدث. وثانياً: للنقض ـ أيضاً ـ باستصحاب الكلّي من القسم الثالث حسب اصطلاح الشيخ(رحمة الله)، فإنّه دائماً يمكن إرجاعه إلى علم إجمالي بالجامع بنحو غير منحلّ، حيث إنّا لو مباحث الأصول/ج5 / 365
علمنا مثلاً بدخول زيد في المسجد، وعلمنا بخروجه مع الشكّ في وجود الكلّي ضمن عمرو، أمكننا تصوير عنوان كلّي غير منحل وهو عنوان الإنسان الذي ليس معه إنسان آخر غير متيّقن، فهذا ينطبق على زيد لو كان هو الموجود فقط، وعلى عمرو لو كان هو موجود أيضاً; لأنّه إنسان ليس معه إنسان آخر غير متيّقن، وإنّما معه زيد المتيّقن، فهذا الجامع ينطبق على عمرو ـ على تقدير وجوده واقعاً ـ دون زيد; لأنّه حينئذ إنسان معه فرد آخر غير متيّقن، وهو عمرو. فهذا عنوان إجمالي منطبق: إمّا على زيد أو على عمرو، وليس انطباقه على زيد على كل تقدير، أي: سواء كان عمرو موجوداً أم لا كي يقال بالانحلال. وبالإمكان أن نختصر العنوان الإجمالي فنقول: الانسان الذي لم يدخل بعده غيره، فإن كان زيد هو الداخل فقط فهو ينطبق عليه، وإن كان عمرو قد دخل بعده فهو الذي ينطبق عليه هذا العنوان لا زيد، وعليه فيجري الاستصحاب بلحاظ هذا العنوان الكلّي غير المنحل. وثالثا: للحلّ بأنّ هذا الاستصحاب إن اُريد إجراؤه بلحاظ عنوان الجنابة من دون قيد فهو من القسم الذي لا يجري استصحاب الكلّي فيه، حيث إن كلّيّ الجنابة نعلم تفصيلاً بتحقّقه ضمن الفرد الصباحي، ونشكّ في تحقّقه ضمن فرد آخر لا يعلم وجوده من اصله، وإن اُريد إجراؤه بلحاظ عنوان الجنابة الحادثة مع الأثر المرئي فعندئذ نقول: إن اُريد إجراء الاستصحاب على هذا العنوان لإثبات الأثر بلحاظه بحيث كان هذا العنوان هو مركب الاستصحاب، فجوابه: أنّ هذا العنوان ليس هو موضوع الأثر، وإنّما موضوع الأثر هو ذات الجنابة من دون أن يكون لحدوثه من هذا الأثر دخل في الأثر، وإن اُريد ذلك بنحو يكون العنوان الإجمالي مشيراً إلى ذات الجنابة في الواقع فتكون هي مركب الاستصحاب، فهذا من استصحاب الفرد المردّد الذي تقدّم الكلام فيه. إذن، فالصحيح أنّ أقسام استصحاب الكلّي هي ما ذكرناه، وهذا الفرع ليس إلاّ تطبيقاً من تطبيقات الصورة الرابعة حسب ترقيمنا لأقسام الاستصحاب، والذي قلنا فيه بعدم جريان استصحاب الكلّي. ولا بأس أن ننبّه هنا إلى استثناء عن هذا الكلام سوف يأتي الحديث عنه مفصّلاً في محلّه إنشاء الله تعالى. وعنوان التخصيص هو: أنّ ما نستصحبه تارةً يكون ثابتاً للفرد صدفة، من قبيل وجود الإنسان في الدار ضمن زيد صدفة وأردنا استصحابه وإبقاءه ولو ضمن عمرو، وأخرى يكون كذلك بلحاظ اقتضاء الطبيعة لذلك، كما إذا فرضنا أنّ طبيعة الإنسان الأفريقي يقتضي مباحث الأصول/ج5 / 366
سواد البشرة، ثمّ مات الأفريقيون، وجاء جيل جديد منهم نشكّ في أنّهم على غرار آبائهم أو لا، فهنا يستصحب بقاء السواد للأفريقي ويثبت سواد الجيل الجديد منهم; لصدق عنوان نقض اليقين بالشكّ هنا عرفاً. وكأنّ الميزان في ذلك: أنّ منشأ الشكّ لو كان هو مرور الزمان كما في مثال الأفريقي، بحيث لو كان الفرد الجديد موجوداً من قبل كان أسود يجري الاستصحاب لصدق العنوان، وإلاّ فلا. وتفصيل الحديث موكول إلى محلّه.
مباحث الأصول/ج5 / 367
التنبيه الخامس: يبحث في هذا التنبيه عن حال الاستصحاب في عالم الموجودات الحركيّة غير القارّة والساكنة، وهي: إمّا تكون حركيّة بنفسها وبطبيعتها، كالزمان، والمشي، والكنس، والكلام، وغيرها ممّا هي حركة بطبعها، أو تكون غير قارّة باعتبار ربطها وشدّها بأمر غير قارّ، كتقييد الجلوس الذي هو بطبعه سكون وقرار بالزمان، فيقع الكلام في مقامين:
المقام الأوّل: في استصحاب الاُمور التي من طبعها الحركة وهذا المقام هو أيضاً يتضمّن أمرين : استصحاب الزمان، واستصحاب المتحرّك من غير الزمان، كالمشي، والجري، والكلام التي تسمّى بالزمانيات.
وهنا نتكلم أوّلاً في تمامية أركان الاستصحاب في الزمان، ثمّ ننظر فيما يترتّب عليه من الآثار والأحكام، فنقول: الاستصحاب في الزمان تارةً يقصد إجراؤه بنحو مفاد كان التامّة، كما إذا شككنا في بقاء النهار فنستصحب بقاءه، واُخرى بنحو مفاد كان الناقصة، بأن نثبت أنّ هذا الزمان نهار.
الاستصحاب بنحو مفاد كان التامّة: أمّا الاستصحاب بنحو مفاد كان التامّة فنقطة الضعف المتصوّرة فيه هو: أنّ الزمان باعتباره أمراً تدريجياً فليس له حدوث وبقاء، وإنّما هو عبارة عن الحدوث والتجدّد المتتالي، فالجزء المشكوك منه غير الجزء المتيّقن، وعليه لا يكون قابلاً للاستصحاب والإبقاء التعبّدي. وهذه النقطة غير تامّة، وذلك لأنّا حتّى إذا سلّمنا بأنّ الزمان بحسب الدقّة الفلسفية مباحث الأصول/ج5 / 368
عبارة عن وجودات حادثة وليس وجوداً واحداً مستمراً وإن كان خلاف التحقيق; إذ مع فرض تعدّد الوجودات الزمانية يلزم إمّا القول بالجزء الذي لا يتجزّأ، أو انحصار ما لا نهاية له بين حاصرين، قلنا بجريان الاستصحاب وتمامية أركانه; لأنّ العبرة في شمول إطلاق دليله له بالوحدة العرفية، وهي ثابتة جزماً، ويكفينا دليلاً على ثبوتها الأوضاع اللغوية والعرفية، حيث وضعت كلمة (النهار) لقطعة من الزمان وهي ما بين طلوع الشمس وغروبها مثلاً، وهذا ليس إلاّ بملاحظة هذه القطعة الزمانية واحدة متصلة، وإلاّ فنتساءل: هل كلمة (النهار) موضوعة لكلّ آن من هذه الآنات العديدة بنحو الاشتراك اللفظي؟ وهذا واضح البطلان; إذ ليست لكلمة (النهار) أوضاع متعدّدة بتعدّد الآنات. أو أنّها موضوعة بنحو الاشتراك المعنوي، بنحو يكون لنا في يوم واحد عدد كبير من النهار بعدد الآنات مثلاً، تكون نسبة الكلمة إليها نسبة الكلّي إلى أفراده؟ وهذا ـ أيضاً ـ واضح البطلان; لوضوح عدم وجود نهارات عديدة في اليوم الواحد. أو أنّها موضوعة بنحو تكون نسبتها إلى كلّ آن نسبة الكلّ إلى الجزء على نهج وضع كلمة (البيت) مثلاً لمجموع المرافق ونحو ذلك من الاُمور القارّة؟ وهذا ـ أيضاً ـ واضح البطلان; فإنّ عنوان (البيت) مثلاً ونحوه من الاُمور القارة اسم على المجموع، ولا يكون عنوان (البيت) صادقاً ومتحقّقاً بتحقّق الغرفة الاُولى مثلاً، في حين أنّ عنوان (النهار) يعتبر فعليّاً منذ الآن الأوّل، وباقياً على فعليّته إلى الآن الأخير. إذن، لا يبقى إلاّ ما أردناه، وهو أنّ نسبة النهار إلى الأجزاء والآنات نسبة الكلّ إلى أجزائه بنحو يختلف عن الكلّ والإجزاء في عالم السكون، وذلك بصدق العنوان بالفعل بتحقّق جزئه الأوّل، وبجزئه الثاني، وبجزئه الثالث، وهكذا إلى آخر الأجزاء. وهذا يعني أنّ تعدّد الأجزاء الطولية له ولنحوه من سائر الاُمور الحركية يكون بمعنى كونه شيئاً واحداً متصرماً ومتدرّجاً في الحصول، فإذا لوحظ عمود الزمان وآناته وأجزائه، فهذا يستدعي الكثرة والتعدّد. أمّا إذا لوحظ مفهوم (النهار) أو غيره ممّا وضع للكلّ يُرى أنّه أمر واحد كالخيط الواحد الممتدّ تمام حقيقته تبرز في كلّ آن ومرحلة[1].
________________________________________ [1] ويمكن تقريب الفكرة إلى الذهن بتشبيه ذلك بالاُمور القارّة التي لو قطّعت نصفين لانتهينا إلى مصداقين لذلك الأمر، في حين أنّه قبل التقطيع لا يوجد إلاّ مصداق واحد. فمثلاً الماء حينما يكون في إناء واحد يكون ماءً واحداً مهما بلغ من الكثرة، وحينما يصبّ نفس ذاك المقدار في إنائين يكون لدينا ماءآن، واذا قسمّ إلى أقسام ثلاثة منقطع بعضها عن بعض كان لدينا مصاديق ثلاثة لمفهوم الماء، وهكذا. أو قل: إنّ المياه المتعدّدة حينما نضمّ بعضها
مباحث الأصول/ج5 / 369
فإذا اتّضح هذا الأمر العرفي اتّضح الوجه في جريان الاستصحاب في الزمان وتماميّة أركانه فيه، حيث إنّه بهذا الاعتبار العرفي الذي ينزّل عليه دليل الاستصحاب يكون الزمان شيئاً واحداً له حدوث وبقاء يمكن التعبّد به حين الشكّ في بقائه على حدّ موجودات عالم السكون والقرار. وقد حاول المحقّق الخراساني (قدس سره) التصدّي إلى جواب آخر[1]، وهو أنّ الحركة على قسمين: الحركة التوسطيّة، والحركة القطعيّة. ويقصد بالأوّل الحركة بين المبدأ والمنتهى الذي يكون التحرّك فيها صادقاً بتمام حقيقته بين المبدأ والمنتهى في جميع الأنات كصدق الكلّيّ في تمام أفراده. ويقصد بالثاني الخطّ المقطعي الذي نسبته إلى كلّ أجزائه كنسبة الخط الوهمي الممتد في الخيال من مكان إلى مكان، وهي من قبيل نسبة الكلّ إلى أجزائه التي لا يستكمل حقيقته إلاّ بتمامها. ففي مثل الأوّل يجري الاستصحاب دون الثاني، ووجه ذلك: أنّ العنوان متحقّق وصادق في الأوّل بتمامه منذ اللحظة الاُولى فيجري استصحابه، وهذا بخلاف الثاني الذي لم يكتمل في كلّ مرحلة حقيقته، بل هو في اكتمال وتجدّد وحدوث. والواقع: أنّ هذا البيان لا أثر له في دفع الإشكال; وذلك لأنّه: إمّا أن يعترف بالوحدة ولو عرفاً بين مراحل الحركة وحلقاتها بنحو يُرى شيئاً واحداً متّصلاً له حدوث وبقاء، فعندئذ ينبغي أن يعترف بجريان الاستصحاب حتى في مثل الحركة القطعية، أو لا يعترف بهذه الوحدة، أو يغضّ النظر عنها، فهنالك لا يتمّ هذا الكلام لتصحيح جريان الاستصحاب; إذ لو لم تكن هنالك وحدة بين المراحل والآنات في الزمان، بل كان كلّ آن ومرحلة وجزء فرداً جديداً آخر، فلا جدوى في جعل الحركة توسطيّة لإجراء الاستصحاب، فإن هذا الموضوع الكليّ المنتزع والذي نسبته إلى المراحل نسبة الكلّي إلى أفراده إذا اُريد استصحابه حين الشكّ، فهذا لا يكون إلاّ استصحاباً من القسم الثالث من أقسام الكلّي حسب مصطلح الرسائل في تقسيم الكلي; لأنّه يعلم بتحقق هذا المفهوم المنتزع ضمن الفرد المتيقن ويشكّ في
________________________________________ إلى بعض نحصل على ماء واحد لا على مياه متعدّدة، فالنهار ـ أيضاً ـ حينما يوجد ولو بجزئه يسمّى نهاراً، وحينما يضمّ إليه جزئه الآخر يفرض المجموع ـ أيضاً ـ نهاراً واحداً، وحينما يلتحق به الآن الثالث يكون المجموع ـ أيضاً ـ نهاراً واحداً، وهكذا الحال إلى آخر النهار. [1] راجع الكفاية: ج 2، ص 315 بحسب الطبعة المشتملة في حاشيتها على تعليقات المشكيني. مباحث الأصول/ج5 / 370
بقائه ضمن فرد وجزئي آخر مسبوق بالعدم، والمفروض عند المحقّقين عدم جريان الاستصحاب في هذا القسم. ثم لو فرض قيام الدليل والبرهان العقلي والفلسفي على وحدة مّا فهل يكفي ذلك في تصحيح جريان الاستصحاب مع عدم التفات العرف إلى مثل هذه الوحدة المبرهن عليها؟ أو لا يكفي; لأنّ خطاب الاستصحاب يُنزّل على المفهوم العرفي، فلا يشمل في مدلوله العرفي مثل هذه الصورة ؟ الصحيح: أن يقال بأنّ النظر العرفي النافي للوحدة أو الشاكّ فيها تارة: يكون بلحاظ الوحدة لا وجود الواحد، بأن لا يعترف أو يشككّ في صدق الوحدة وتحقّقها، واُخرى يعني: أنّه لا يدرك وجود الواحد بحيث إنّه على تقدير وجوده يعترف بوحدته وعدم تعدّده، كما إذا فرضنا أنّ العرف لا يدرك وجود الملك لكننا أثبتناه ولو بقاعدة إمكان الأشرف، ففي مثل الثاني يجري الاستصحاب بلا إشكال; لأنّ العرف يسلّم بتحقّق الوحدة وأن هذا الملك بقاءً عينه حدوثاً، وإنّما هو لم يكن يدرك الوجود. أمّا في الأوّل فلا جريان للاستصحاب; لأنّ العرف لا يرى الوحدة، فلا يرى من دليل الاستصحاب المشروط فيه الوحدة إطلاقاً لذلك، أو يراه مجملاً فيما إذا شكّ في الوحدة وعدمها.
ولا بأس ونحن بعد في المقام الأوّل ان نبيّن مناشي الوحدة في الموضوع المعتبرة في الاستصحاب كضابطة عامة نرجع إليها في الموجودات القارّة وغير القارّة حسب اختلافها. فنقول: إنّ هنالك مناشئ عديدة كلّ منها صالحة لتحقيق الوحدة الموضوعية المعتبرة في الاستصحاب وهي : 1 ـ الثبات والقرار. فإنّ الموجودات القارّة تعتبر واحدة لها حدوث وبقاء، فتكون واحدة عقلاً وعرفاً. 2 ـ الاتّصال والتلاصق الحقيقي. فإنّ هذا ـ ايضاً ـ منشأ للوحدة عقلاً وعرفاً، فالحركة باعتبار اتّصالها عقلاً ودقّةً وعرفاً تعتبر أمراً واحداً ويجري فيها الاستصحاب. 3 ـ الاتّصال بالنظر العرفي الكاذب وغير المطابق للواقع. فإنّ هذا ـ أيضاً ـ يحقّق الوحدة التي تشترط في الاستصحاب من قبيل ما إذا فرضنا أنّ عقارب الساعة في دورانها مباحث الأصول/ج5 / 371
وحركتها لها وقفات وسكنات ضيئلة لا ترى بالنظر السطحي، وبما أنّ هذه الوقفات والسكنات لا تلحظ عرفاً لا ترى الحركة إلاّ واحدة ممتدة متّصلة، وبذلك تتحقّق الوحدة المعتبرة، ولا يتصوّر أنّ هذا من باب اشتباه العرف وخطئه في تشخيص المصداق، وهو في مثله غير متّبع، وإنّما المتّبع نظر العرف في المفاهيم، فإنّ هذه القاعدة لو سلّمت بشكل عام لا يسلّم بها في المقام بالخصوص; لأنّ اعتبار الوحدة في جريان الاستصحاب ليس من باب الفهم العرفي والمفهومي للوحدة والتعدد حتّى لا يكون نظره محكّماً في تشخيص المصداق مثلاً، وإنّما هو بنكتة اُخرى تقتضي اعتبار الوحدة العرفية في جريان الاستصحاب، وتتميم الإطلاق في مفهوم الاستصحاب سوف يأتي شرحه في موضعه إن شاء الله. 4 ـ الاتّصال الادّعائي العرفي، أو قل: تغطية العرف للوقفات والسكنات والانفصالات المتخللّة بأن يوسّع في المفهوم بحيث يعمّ التخلل الواقع في البين، والذي يدركه ـ ايضاً ـ بنظره السطحي، لكنّه مع ذلك يغطيه ويوسّع من المفهوم بنحو يُرى واحداً، من قبيل ما إذا لاحظنا مفهوم الخطابة أو الكلام، فإنّه لا إشكال عقلاً وعرفاً في عدم اتّصال الجمل والأصوات الخطابية والكلامية بعضها ببعض، بل هنالك فجوات وتخللات، غير أنّ هذه الفجوات المتخلّلة باعتبار أنّهاترى كتوابع وشؤون للكلام يتغطّى في مفهوم الخطابة والكلام، بحيث يشمل الأعمّ من الأصوات والألفاظ مع الفجوات المتخللّة، ولهذا يقال: (خطب أو تكلّم فلان ساعة كاملة) مع أنّه إذا اُريد استثناء الفجوات والوقفات المتخللة لكان الزمان أقلّ من ساعة في المثال، فمثل هذا شاهد على دعوانا من أنّ العرف يوسع من دائرة المفهوم بحيث يجعله شاملاً لمثل هذه الفجوات التي يبصرها هو ـ أيضاً ـ ولا تخفى عليه كما في الصورة السابقة في مثال دوران عقرب الساعة، فيكون ـ لا محالة ـ شيئاً واحداً عرفاً له حدوث وبقاء. 5 ـ وقد يكون المنشأ في الوحدة العرفية أمراً آخر غير هذه الاُمور الأربعة جميعاً، فقد لا يكون هنالك ثبات وقرار، ولا اتّصال عقلي واقعي، ولا اتّصال عرفي كاذب، ولا تغطية وتوسيع في دائرة المفهوم، ومع ذلك تكون الوحدة العرفية المعتبرة في الاستصحاب محفوظة، وذلك حينما يتكرّر العمل ويتوالى في الوقوع والتحقّق ولو بفواصل زمنية واسعة، غير أنّ التكرار المتواصل والتعاقب المستمرّ يؤدّي إلى أن يعتبر العرف وحدة بلحاظ هذه الوقائع المتعدّدة، يجعل لها حدوثاً واحداً وبقاءً لذلك الأمر الواحد. مثاله: ما إذا اعتاد أن يباحث شخص في كلّ يوم، أو اعتاد على المشي فجر كلّ يوم، فإنّ زمن البحث أو المشي لا يقاس مباحث الأصول/ج5 / 372
بالزمن المتخلل بين البحثين والواقعتين، لكنّه مع ذلك يرى العرف أن هنالك أمراً واحداً هو البحث المستمر المتواصل، أو المشي كذلك، يعبّر عن ذلك بأنّه ما زال يباحث وأنّه باق على عمله ومشيه، فتكون الوحدة العرفية المحقّقة للحدوث والبقاء محقّقة في مثل هذه الموارد، ولهذا نجد جريان نكتة الاستصحاب الارتكازي في مثل هذه الموارد، أي: إنّه لا يفرق في نظر العرف المعترف بالاستصحاب في الاُمور القارّة وفيما يكون من هذا القبيل ممّا يدلّ على انحفاظ الوحدة المعتبرة. وأيّما كان فهذا ـ أيضاً ـ منشأ من مناشئ الوحدة العرفية المصحّحة لجريان الاستصحاب. ولا شيء يقابل به هذا المنشأ إلاّ ما قد يقال من أنّ استصحاب بقاء هذا الشيء الواحد كالبحث مثلاً معارض باستصحاب آخر يجري بلحاظ العدم المتخلل بين الواقعتين، فيقال مثلاً: إنّنا نستصحب عدم البحث الثابت قبل الوقت المعرّض للبحث من كلّ يوم، وبذلك ينتفي البحث في اليوم الذي نشكّ فيه. فالحاصل: أنّنا إذا ما نظرنا بإحدى العينين نرى أنّ هنالك شيئاً واحداً عرفاً له حدوث وبقاء بالرغم من تخلّل العدم، فيستصحب بقاء هذا الشيء الواحد عند الشك فيه، وإذا ما نظرنا بالعين الثانية نرى أنّ المشكوك مسبوق بالعدم مثلاً، فيستصحب العدم. وإجمال الجواب على ذلك هو: أنّ الشيء المشكوك لو كانت له حالة سابقة مركّبة، أي: كانت لحالته السابقة حالةٌ وصفةٌ سابقة أيضاً، يكون الجاري هو الاستصحاب بلحاظ تلك الحالة السابقة الثانية لا الاُولى، ففي مثال البحث وإن كانت الحالة السابقة قبل البحث المشكوك هي العدم غير أنّ هذا العدم حالته سابقاً أنّه كان ينتقض بالوجود في كلّ يوم سابق (وتخلل الوجود بين العدم في هذا اليوم والعدم في الأيّام السابقة لا يضرّ بالوحدة العرفية كما قلنا)، فتكون الحالة السابقة المعتبرة في مثل هذا هي حالة انتقاض العدم بالوجود، لا حالة العدم، فلا معارضة في البين على شرح موكول إلى محلّ آخر. فيتلخّص من كلّ ما ذكر: أنّ هنالك مناشئ خمسة لتحقّق الوحدة العرفية المعتبرة في الاستصحاب بحيث يكون كلّ واحد كافياً لتحقيق هذا الشرط. نعم، ربما يعرض في البين مانع آخر يثلم الوحدة بنكتة مستقلّة، فتوجب عدم إمكان الاستصحاب في شخص الواحد الذي وجد، بحيث يحدث في البين عنوان جديد يرى أنّه موضوع آخر غير الأوّل وإن كان منشأ الوحدة بالنظر الدقّي موجوداً، مثلاً إذا استحال الشيء الواحد القارّ إلى موضوع آخر، أو إذا انتقل الباحث إلى كلام آخر غير بحثي مباحث الأصول/ج5 / 373
كالمجاملات والتعارفات في المجلس بعد انتهاء البحث، فمثل هذه توجب أن يرى العرف انتهاء موضوع وبدء أمر وكلام جديد مستقل منفصل، فلا يجري الاستصحاب عند الشكّ في بقاء الحركة في كلام جديد مثلاً. فإنّ هذا يرى عند العرف فرداً جديداً يشكّ في حدوثه، ولا يرى نفس الأمر الأوّل وبقاءه، ولهذا يكون جريان استصحاب الحركة أو الكلام من استصحاب القسم الثالث من الكلي الذي لم يكن جارياً. وقد اتّضح من بياننا في هذا المقام أنّ تنبيه استصحاب الزمان والزمانيات ليست جهة البحث فيه إلاّ مسألة الوحدة العرفية وتعقلها في الزمان الذي هو أمر مضطرب متصرّم متجدّد، فهو بحسب الحقيقة من شؤون التنبيه الذي يعقد لملاحظة هذا الشرط في الاستصحاب، فلا ينبغي جعله مستقلاً عنه، غير أنّ مثل هذا التشويش والاضطراب في مباحث الاستصحاب وتنبيهاتها مطّرد في أغلب التنبيهات، وحقّ البحث أن تصاغ مباحث الاستصحاب من جديد في صياغة اُخرى يحدّد فيها لكلّ بحث موضعه ومقامه، وهذا مأمول أن نقوم به ـ إن شاء الله تعالى ـ في الدورات القادمة، بعون الله وقوّته تعالى، فإنّنا في هذه الدورة بنينا على أن لا نمسَّ الهيكل العظمي لمباحث علم الاُصول الفاظها وعقلياتها. هذا تمام الكلام بلحاظ استصحاب الزمان بنحو مفاد كان التامة.
الاستصحاب بنحو مفاد كان الناقصة وأمّا استصحابه بنحو مفاد كان الناقصة لإثبات أنّ هذه اللحظة المشكوكة نهار أو ليل، فقد قال المحققون قاطبة ما عدا المحقّق العراقي في تقريراته[1] لا في مقالاته بعدم جريان هذا الاستصحاب; لأنّ الزمن المشكوك لم يكن قد وجد نهاراً فيما سبق حتى نستصحب له ذلك، فيثبت مفاد كان الناقصة، بل منذ أن وجد وحدث يشكّ أنّه نهار أو لا. واستصحاب بقاء النهار الذي هو مفاد كان التامّة لا يثبت نهارية الزمن المشكوك إلاّ بالملازمة العقليّة الخارجة عن مدلول الاستصحاب. غير أنّ الصحيح جريان استصحاب الزمان بنحو مفاد كان الناقصة ـ أيضاً ـ كما كان يجري بنحو مفاد كان التامة، ولا يمكن التفكيك بين المفادين; لأنّ نفس النكتة التي صحّحت جريان استصحاب مفاد كان التامة تصحّح جريانه.
________________________________________ [1] راجع القسم الأوّل من الجزء الرابع من نهاية الأفكار ص 148 ـ 149 بحسب طبعة جماعة المدرّسين في قم.
مباحث الأصول/ج5 / 374
توضيح ذلك: أنّ المفروض تحقّق وحدة عرفية للزمان بحيث أوجبت أن تصبح الآنات واللحظات المتتابعة كأنّها أمر واحد ممتدّ مستمرّ وقد كان متّصفاً بالفجرية مثلاً ونحن نشكّ في أنّ هذه الصفة بعد باقية لهذا الموجود الواحد أو أنّها زالت وانتفت، فنستصحب بقاءها، فأمّا لو لاحظ العرف الآنات واللحظات بما هي امور متعدّدة وحدوثات تتلو حدوثات، فعندئذ كما لا يجري استصحاب مفاد كان الناقصة; لأنّ هذا الحدث لم يكن سابقاً موصوفاً بالفجرية كذلك لا يجري استصحاب كان التامة. أمّا إذا اعترفنا بأنّها أمر واحد عرفاً له حدوث وبقاء فلا محالة عند الشك في بقاء وصف من أوصاف هذا الموجود الواحد كالفجرية مثلاً نستصحب بقاءه، فإنّ مثل هذه الأوصاف والأعراض والحالات حدوثها وبقاؤها يتبع حدوث وبقاء موصوفاتها. وإن شئت قلت: إنّ الشكّ في الفجريّة بالإمكان رفعه بأن يُلحظ المفهوم الوحداني الذي يضمّ الفجر أيضاً، وهو النهار مثلاً، حيث إنّه أمر واحد موصوف أوّلاً بأنّه فجر، وثانياً بأنّه زوال، وثالثاً بأنّه عصر مثلاً، فنقول: إن هذا النهار المشكوك أنّه فجر أو لا كان فجراً سابقاً فالآن كما كان، فتثبت فجريّته.
الآثار المترتبة على الاستصحاب بالنحوين بعد هذا ننتقل إلى ما يمكن أن يترتّب على استصحاب الزمان بنحو كان التامة أو الناقصة من آثار، ونتكلّم في هذه النقطة هنا على نحو الإجمال والكليّة; لأنّا سوف ندخل في تفصيلات ذلك في ذيل البحث عن المقام الثاني ـ إن شاء الله ـ. فنقول: إنّ الزمان بنحو مفاد كان التامة أو الناقصة لو كان قد اُخذ في الموضوع كجزء الموضوع لا كقيد، فاستصحابه بالنحو الذي أُخذ فيه يفيد في ترتيب الأثر لا محالة. وأما إذا كان قد اُخذ بنحو التقييد، فنحن نعلم أنّ القيد خارج عن حقيقة الموضوع، وأنّ التقيّد هو الجزء التحليلي الحقيقي له، فعندئذ استصحاب الزمان بأحد المفادين لا يثبت إلاّ ذات المقيّد، أمّا التقيّد فثبوته يحتاج إلى ملازمة عقلية خارجة عن مدلول الاستصحاب، فلا يثبت به لا محالة. هذا حاصل الكلام في الأمر الأوّل وهو استصحاب الزمان.
الأمر الثاني: استصحاب الزمانيات: أي: سائر موجودات عالم الحركة والتجدّد، كالجري والكنس والبحث وغيرها من مباحث الأصول/ج5 / 375
الحركات، وقد اتّضح حالها ممّا ذكرنا في الأمر السابق، حيث بيّنا أنّ منشأ الوحدة العرفية غير منحصر في الثبات والقرار حتى لا يجري الاستصحاب في الحركة، بل هنالك مناشئ اُخرى فيها ما يشمل ما لا يكون حركة بالدقّة العقلية كحركة عقارب الساعة، بل العرفية ـ أيضاً ـ كالكلام ونحوه، بل فيها ما يشمل مثل البحث في كلّ يوم من الاُمور التي من الواضح عقلاً وعرفاً عدم الاتصال بينها، لكنّه مع ذلك يُرى ذلك واحداً عرفاً باعتبار التسلسل الرتيب بينها. وعليه فلا يبقى مجال للاستشكال في جريان الاستصحاب فيها أيضاً، إذن فكلّ ما ذكر في الأمر السابق جار هنا دون زيادة. وبهذا ينتهي المقام الأوّل.
استصحاب الاُمور القارّة المقيّدة بالزمان المقام الثاني: في الأمور القارة المقيّدة بالزمان، كالجلوس النهاري، فيكون بذلك منصرماً متجدداً باعتبار تصرّم وتجدد ما قيّد به. هنا ـ ايضاً ـ يرد الإشكال المذكور في الاُمور الحركية وغير القارّة، حيث إنّ الجلوس في المثال وإن كان قارّاً في نفسه غير أنّه بعدما قيّد بالزمان الذي هو متجدّد ومتصرّم يصبح المقيّد ـ أيضاً ـ عبارة عن مجموعة حدوثات وتجدّدات متصرّمة، فإنّ تعدّد القيد وتكثّره يستدعي تعدّد المقيّد لا محالة. ويكون الجواب عندئذ هو ما ذكر من المقام السابق من أنّ عمود الزمان في نظر العرف يرى شيئاً واحداً، وأنّ منشأ الوحدة اللازمة في الاستصحاب تحقيقاً لعنوان نقض اليقين بالشكّ غير منحصر في القرار والثبات كما ذكرنا ذلك مفصّلاً. وعليه فيجري استصحاب بقاء المقيّد بما هو مقيّد عند الشكّ فيه، أو قل: استصحاب التقيّد بعد وجدانية ذات المقيّد. ولكن جريان هذا الاستصحاب موقوف على أمرين : 1 ـ ان يكون للمقيد بما هو مقيّد حالة سابقة، أي: يكون هناك يقين بتحقّق الجلوس النهاري مثلاً قبل زمان الشكّ، وإنّما يشكّ في أنّ امتداده ـ ايضاً ـ نهاري أو لا، فيستصحب. وأمّا إذا افترض أنّ الجلوس لم يكن سابقاً وإنّما تحقّق في الزمن المشكوك فيه فلا يمكن الاستصحاب; لعدم الحالة السابقة للمقيّد بما هو مقيّد، واستصحاب ذات القيد وهو النهار لا يثبت التقيّد المفروض.
مباحث الأصول/ج5 / 376
وأمّا دعوى: أنّ هذا الجلوس لو كان فيما مضى من الزمان لكان نهارياً، فالآن كما كان، فهذا الاستصحاب التعليقي من الاُمور التكونية، أي: في القضية الشرطية التي شرطها وجزاؤها خارجيان معاً، فتكون الملازمة حقيقيّة وخارجية لا شرعية، ومثل هذا الاستصحاب التعليقي غير جار حتّى لو قيل بالاستصحاب التعليقي في الملازمات الشرعية على ما يأتي إن شاء الله تعالى. 2 ـ أنّ لا يؤخذ الزمان بنحو التقطيع والتجزئة قيداً، كما لو اُخذت الساعة الاُولى قيداً مستقلاًّ، والساعة الثانية قيداً آخر وهكذا، والمفروض الشكّ في إحدى الساعات: هل هي من النهار الذي أُخذت ساعاته قيداً أو لا، فإنّه في مثل هذا لا يجري استصحاب المقيّد; لأنّه توجد هنا مقيّدات متعدّدة بتعدّد التقيّدات كما هو واضح. وينبغي بعد هذا أن ندخل في التطبيقات لهذه الكبريات التي عرفتها لنرى ماذا يمكن استفادته من الاستصحاب حينما يكون الزمان مأخوذاً جزءاً أو قيداً فنقول : إنّ الزمان بنحو مفاد كان التامة أو الناقصة تارةً يؤخذ في طرف التكليف أي في موضوع الحكم، فيكون من موضوع الوجوب أو شرطه، وطوراً يؤخذ في طرف الواجب. وعلى كلّ من التقديرين قد تكون الشبهة موضوعية، وقد تكون حكمية. ونحن الآن نتكلّم على افتراض الشبهة موضوعية. فإذا كان الزمان مأخوذاً في طرف التكليف فهذا ـ كما أشرنا ـ قد يؤخذ على نحو مفاد كان التامّة كأن يقول: (إن كان الجلوس في النهار فتصدّق) أو (إن كان النهار فتصدق). وقد يفرض بنحو مفاد كان الناقصة، بأن يقول: (إن كان الجلوس في زمان يكون نهاراً فتصدّق) أو (إن كان الزمان نهاراً فصلِّ). فكلا الأمرين معقول ممكن. فما ذكره المحقق النائيني(رحمة الله) [1] من أنّ مفاد كان الناقصة لا يمكن أن يكون مأخوذاً في الحكم والوجوب; لأنّ معناه أن يكون الشرط في وجوب الصلاة مثلاً هو أن تكون الصلاة في النهار، وهذا من أخذ الواجب في الوجوب، وهو غير معقول غير صحيح; إذ ليس معنى أخذ مفاد كان الناقصة في طرف الوجوب أن يؤخذ الزمن في متعلق الوجوب وهو الواجب، والاصطلاح المألوف في أخذ مفاد كان الناقصة في موضوع الحكم هو ما ذكرناه الذي ليس مستلزماً لأخذ الواجب في طرف الوجوب، فكأنّ هذا المحقق(رحمة الله) يتكلّم وفق مصطلح آخر.
________________________________________ [1] راجع أجود التقريرات: ج2، ص402.
مباحث الأصول/ج5 / 377
وأيّاً ما كان فإذا أخذ الزمان في الوجوب وشكّ في تحقّقه فهذا يكون على نحوين : الأوّل: أن يكون جزءً من الموضوع ولو بأن يكون جزءه الآخر هو المكلّف نفسه. وفي هذا الفرض يجري استصحاب الزمان المأخوذ جزءً ولو كان مأخوذاً بنحو مفاد كان الناقصة لما عرفت من عدم تمامية ما ذكروه في ذلك المقام من إشكال المثبتيّة. الثاني: أن يكون شرطاً وقيداً للموضوع، كما لو كان الجلوس المقيّد بالنهار، أو بكون الزمان نهاراً موضوعاً للوجوب. وفي هذا الفرض لا يجري الاستصحاب لإشكال المثبتية، لا ذلك الذي تخيّل في موارد كون الزمان بنحو مفاد كان الناقصة، فإن ذاك الإثبات كان من ناحية تخيّل أنّ استصحاب النهار مثلاً لا يثبت كون هذا الزمان نهاراً، ولا استصحاب آخر يثبت ذلك. وأمّا هذا الإثبات فبلحاظ أنّ استصحاب القيد لا يثبت التقيّد بصورة أصلاً سواء كان الزمان قد اُخذ بنحو مفاد كان التامة أو الناقصة. وقد خلط المحقّق النائيني في المقام بين هذين الإثباتين[1]. ولعلّه ناشئ من خلط سابق في أصل تصوير الزمان المأخوذ بنحو مفاد كان الناقصة. إذن فلو كان الزمان قد أخذ بنحو مّا قيداً في موضوع الحكم لم يثبت باستصحابه موضوع ذلك الحكم. نعم، لو كان المقيّد بما هو مقيّد ثابتاً في الحالة السابقة كما إذا كان الجلوس في النهار قد تحقق من قبل جرى الاستصحاب. وأمّا إذا حصل الجلوس في الوقت المشكوك فلا يمكن إثبات نهارية الجلوس باستصحاب بقاء النهار ولا باستصحاب نهارية زمان الجلوس. وهذا الإشكال في هذه الصورة ممّا لا جواب عليه كبروياً، غير أنّه بالإمكان التخلّص عنه في كثير من الموارد في الفقه بإرجاع التقييد إلى التركيب بنكتة نوعيّة سوف يأتي بيانها ـ إن شاء الله تعالى ـ توجب أن يرى العرف التقييد منحلاًّ إلى التركيب، فلو جعل الجلوس في النهار موضوعاً لحكم فهمه العرف على نحو الانحلال إلى الجلوس في زمان وأن يكون ذلك الزمان نهاراً، فما دامت لم تقم قرينة لفظية أو عقلية على إرادة التقييد لا التركيب نفهم من أمثال هذه الصيغ التقييدية تركيباً، وعلى أساسه يكون الاستصحاب جارياً لا محالة; لعدم الاحتياج عندئذ إلى إثبات التقيّد. ولولا هذه النكتة النوعية لبطل جريان الاستصحاب في أكثر الموارد، فمثلاً إذا شكّ في
________________________________________ [1] راجع أجود التقريرات: ج2، ص400. مباحث الأصول/ج5 / 378
بقاء إطلاق الماء واُريد به التطهير، جرى استصحاب الإطلاق عند الفقهاء، في حين أنّ ذلك لا يثبت أنّ الغسل تحقق بالماء المطلق إلاّ أن يكون هنالك تحليل وتركيب في النظر العرفي إلى أن يكون الغسل بمائع، وأن يكون المائع ماءً، فيكون الجزء الأوّل وجدانياً، ويحرز الثاني بالتعبّد. ثمّ إنّ المحقق الخرساني(رحمة الله)ذكر في المقام: أنّ الزمان لو كان دخيلاً في الوجوب لجرى فيه استصحاب الزمان واستصحاب المقيّد بما هو مقيّد، فكأنّه يرى أنّ كلا الاستصحابين يجريان في موضوع واحد[1]. في حين أنّه ليس كذلك، بل كلّ منهما يجري فيما لا يجري فيه الآخر; إذ لو كان الزمان قيداً لموضوع الحكم لا يجري إلاّ استصحاب المقيّد لو كانت له حالة سابقة. وأمّا استصحاب الزمان فهو مثبت كما قلنا، ولو كان الزمان جزءً لموضوع الحكم جرى استصحاب الزمان ولم يجرِ استصحاب المقيّد; إذ الأثر ليس للمقيّد وإنّما هو لمجموع ذات المقيّد المحرز وجداناً والزمان المشكوك وجداناً والثابت تعبداً، فلا معنى لاستصحاب المقيّد. هذا كلّه في الوجوب. وأمّا إذا كان الزمان مأخوذاً في طرف الواجب وهو ـ لا محالة ـ يكون دخيلاً في الوجوب بوجه من الوجوه باعتباره من الاُمور غير الاختيارية، كما إذا وجب صوم النهار، أو صوم الوقت الذي هو نهار (الاُولى (كان) الناقصة والثانية تامّة) فالصحيح عدم جريان الاستصحاب فيه بوجه أصلاً، لا استصحاب الزمان ولا استصحاب المقيّد بما هو مقيد، فإذا كان نهار شهر رمضان دخيلاً في الواجب وصام المكلف إلى أن شكّ في انتهاء النهار وبقائه لم يجرِ استصحاب النهار ولا استصحاب الإمساك النهاري. أمّا عدم جريان استصحاب المقيّد، أعني الإمساك الثابت في النهار، فتوضيحه: أنّ الشكّ في بقاء هذا القيد تارةً يبيّن في قضية تعليقية هي: أنّه لو بقى ممسكاً لكان ذلك إمساكاً نهارياً، واُخرى يبيّن بنحو القضية التنجزية، أي: إنّ إمساكه النهاري هل يبقى أو سوف ينقطع. أمّا الأوّل فلا يجري الاستصحاب بلحاظه; لعدم جريانه في قضية تعليقية من هذا القبيل. وأمّا الثاني فأيضاً لا يجري; لأنّه بالإمكان رفع الشكّ التنجيزي هذا باختيار نقض
________________________________________ [1] راجع الكفاية: ج2، ص317 بحسب الطبعة المشتملة على تعليقة المشكيني في الحاشية. مباحث الأصول/ج5 / 379
الإمساك الموجب لقطعه على كلّ تقدير بعدم بقاء الإمساك النهاري بنحو القضية التنجيزية، فلا يعقل تنجيز الإمساك عليه وتسجيله باستصحاب الإمساك النهاري بعد أن كان المكلّف قادراً على رفع موضوع هذا الاستصحاب، وهو الشكّ بنفس المخالفة. وأمّا عدم جريان استصحاب الزمان بنفسه فلأنّك عرفت فيما مضى في فرض أخذ الزمان في الوجوب: أنّ الزمان لو كان قيداً لم يمكن إثباته بالاستصحاب إلاّ بنحو الملازمة العقلية; لأنّ التقيّد لازم للمستصحب في هذا الفرض. نعم، لو كان جزءً لثبت بالاستصحاب. وهنا نقول: إنّ الزمان المأخوذ في طرف الواجب يكون قيداً دائماً، ويستحيل أن يكون جزءً من الواجب، ذلك لأنّه دخيل في الواجب حسب الفرض، فلو كان جزءً كان واجباً مع كونه غير اختياري وخارجاً عن قدرة المكلّف، فلا يتعقّل تعلّق الوجوب به. نعم، تقييد العمل بذلك الزمان داخل في قدرته، ولهذا يُعقل أخذه قيداً. وأمّا اعتباره جزءً للواجب فهو غير عقليّ ولا عرفيّ; لأنّ انبساط الوجوب على الزمان الذي هو خارج عن اختيار المكلّف غير معقول حتى عرفاً، فلا يرد ما ذكرناه من أنّ نظر العرف مبنيّ على التركيب والتحليل في باب التقيّدات. وبهذا البيان ظهر بشكل وآخر بطلان ما ذكره المحقّقون في المقام لأثبات صحة جريان الاستصحاب في الزمان المأخوذ في طرف الواجب. أمّا المحقّق النائيني فقد ذكر ما حاصله: أنّه إذا كان الأثر لمجموع شيئين، فإن كان من قبيل العرض ومحلّه رجع إلى التقييد، وإلاّ رجع إلى التركيب، وبما أنّ الزمان والصوم عرضان في محلّ واحد، وعلى معروض واحد، فلذلك يرجع إلى التركيب لا التقييد، فيكون الاستصحاب جارياً[1]. أقول بغض النظر عن أنّ الزمان والصوم هل هما عرضان في مستوى واحد أو لا: إنّ رجوع ما عدا العرض ومحلّه إلى التركيب إنّما يكون عند تعقّل التركيب في نفسه، وما نحن فيه لا يعقل فيه ذلك حتّى في نظر العرف; لما ذكرناه من أنّ الزمان باعتباره أمراً غير اختياري فلا يمكن أن يكون تحت التكليف، فلا تصل النوبة إلى البحث عن أنّه عرض في عرض الصوم أو في طوله.
________________________________________ [1] راجع أجود التقريرات: ج2، ص402.
مباحث الأصول/ج5 / 380
وأمّا المحقّق العراقي(قدس سره) فقد ذكر في المقام كلامين[1]: أحدهما: ما يرجع من حيث الروح إلى مقالة المحقّق النائيني(رحمة الله) حيث قال: إنّ التقييد في المقام ينحلّ بالنظر العرفي إلى التركيب. وفيه: أنّ هذا تامّ في غير ما يكون من قبيل الزمان الذي هو خارج عن قدرة المكلّف ممّا يستحيل انبساط الوجوب عليه. ثانيهما: كلام يشبه كلاماً آخر للمحقّق النائيني(رحمة الله) [2] ونحن نذكر في المقام المجموع المركّب من الكلامين، وهو: أنّ تقيّد الصوم مثلاً بقيد الظرفيّة في النهار يكون مؤونة زائدة تحتاج إلى بيان مفقود، بل الأثر في مثل قوله: (صم في نهار شهر رمضان) يكون للصوم مع النهار، أو قل: للصوم مجتمعاً مع النهار، أو للصوم والنهار الثابت عنده، وما يشبه ذلك من التعبيرات. وهذا الكلام غير تام ثبوتاً وإثباتاً. أمّا عدم التماميّة إثباتاً فلأنّها تكفي لإثبات هذه المؤونة المدعاة وهي الظرفية كلمة (في)، وهل يوجد في لغة العرب ما يكون أوضح منها دلالة عليه؟! وأمّا عدم التماميّة ثبوتاً فلأنّها لا فائدة في المقام للتخلّص عن الإشكال والفرار عنه بتبديل قيد الظرفية إلى قيد آخر هو المعيّة والاجتماع والمصاحبة ونحو ذلك، فإنّ هذا القيد الآخر ـ أيضاً ـ لا يثبت باستصحاب النهار إلاّ بناءً على التعويل على الأصل المثبت. وأمّا المحقق الإصفهاني(رحمة الله)فقد ذكر في المقام: أنّه تارةً يفرض أنّ الواجب هو تحصيل العنوان الانتزاعي الذي يحصل من مجموع الصوم والنهار، وتقيّد أحدهما بالآخر. واُخرى يفرض أنّه لا يطلب شيء غير منشأ الانتزاع. فإن فرض الأوّل لم يجرِ استصحاب الزمان; لأنّه حتّى مع ثبوت القيد وذات المقيّد والتقيّد لا يثبت ذلك العنوان الانتزاعي إلاّ بناءً على الأصل المثبت; لأنّ ترتّب العنوان الانتزاعي على منشأ الانتزاع لا يكون إلاّ بالملازمة. وإن فرض الثاني جرى الاستصحاب، وترتّبت النتيجة المقصودة، حيث يكون ذات المقيّد والتقيّد والقيد كلّها ثابتة، ولا يقصد شيء وراءها.
________________________________________ [1] راجع نهاية الأفكار: القسم الأوّل من الجزء الرابع، ص149 ـ 150. [2] جاء هذا في كلمات الشيخ النائيني(رحمه الله)مع ردّه بالإشكال الإثباتي حسب ما ورد في تقرير الشيخ الكاظمي: ج4، ص437 حسب طبعة جماعة المدرسين بقم.
مباحث الأصول/ج5 / 381
أمّا ذات المقيّد فالمفروض ثبوته بالوجدان. وأمّا القيد وهو النهار فقد ثبت بالتعبّد. وأمّا تقيّد الصوم بالنهار، أي: كون الصوم في النهار، فهذا ثابت بالوجدان; وذلك لأنّنا باستصحاب الزمان كما أثبتنا الزمان الواقعي تعبّداً كذلك أثبتنا الزمان التعبدي واقعاً ووجداناً، فيثبت كون الصوم في الزمان التعبدي بالوجدان[1]. ويرد على هذا الكلام: أوّلا: أنّ الاستصحاب إنّما يجري إذا ثبت أثر للمستصحب، ولا يجري لمجرّد ثبوت الأثر لذات الاستصحاب، وهذا الأثر في المقام إنّما يجري على ذات الاستصحاب; لأنّ المستصحب ليس إلاّ الزمان الواقعي دون التعبّدي. وثانياً: أنّه لو ثبت التقيّد وجداناً لثبوت الزمان التعبدي وجداناً، وادّعينا أنّه مهما ثبت طرف التقيّد وجداناً ثبت التقيّد كذلك قلنا: لو صحّ هذا ثبت ـ أيضاً ـ أيّ عنوان انتزاعي ينتزع من الاُمور الثلاثة لثبوت منشأ انتزاعه بالوجدان بجميع أركانه الثلاثة، فلماذا فصّل بين ما يكون المطلوب فيه هو العنوان الانتزاعي أو منشأ الانتزاع؟! وثالثا: أنّ ثبوت الزمان التعبّدي بالوجدان لا يثبت الظرفية بالوجدان أبداً; إذ ليس الزمان التعبّدي الثابت بالوجدان بحسب الحقيقة زماناً آخر ليقع ظرفاً للصوم في قبال الزمان الواقعي الذي ثبت بالتعبد; إذ ليس الزمان التعبدي إلاّ عبارة عن التعبد بالزمان الواقعي، وهو ليس إلاّ جعلاً واعتباراً غير صالح للظرفية، فكيف يثبت بذلك كون الصوم في النهار، وهل هذا إلاّ تعويل على الأصل المثبت! ورابعاً: أنّنا لو فرضنا أنّ القيد الواقعي للواجب هو الجامع بين الزمان الواقعي والزمان التعبدي، لزم من ذلك صحّة العمل واقعاً، وعدم وجوب إعادته في عمل بشرط وقوعه في ذلك الزمان عند انكشاف الخلاف فمثلاً لو ثبت وجوب التصدق في نهار مّا بنحو صرف الوجود، ولم نتصدّق إلى أن شككنا في بقاء النهار، وأثبتناه بالاستصحاب فتصدقنا، ثمّ انكشفت مخالفته للواقع، لزم من ذلك عدم لزوم الإعادة في يوم آخر. وهذا ما لا يلتزم به من قبل أحد. ولو فرضنا أنّ القيد هو الزمان الواقعي فمجرّد ثبوت الزمان التبعدي بالوجدان لا يثبت
________________________________________ [1] راجع نهاية الدراية: ج 5، ص 157 بحسب طبعة آل البيت. مباحث الأصول/ج5 / 382
تقيّد الصوم به. وقد تحصّل من مجموع ما ذكر: أنّه لا يمكن فيما إذا كان الزمان مأخوذاً في طرف الواجب إثبات التقيّد، لا باستصحاب الزمان ولا باستصحاب المقيّد. هذا ولكنّا بإمكاننا إثبات النتيجة المستهدفه من وراء محاولة إثبات التقيّد وهي تنجيز الواجب على المكلف، فإنّ هذا يثبت في المقام دون حاجة إلى إثبات التقيّد. وتوضيح ذلك: أنّ الواجب تارةً يكون بنحو صرف الوجود كوجوب الصلاة بين الحدّين، وطوراً يكون بنحو مطلق الوجود كوجوب الصوم في تمام آنات ما بين الحدين. أمّا الأوّل: فتارةً يفرض أنّه وجبت عليه الصلاة في أوّل الوقت، لكنّه أخّرها إلى أن شكّ في بقاء الوقت. وأخرى يفرض أنّه لم تجب عليه الصلاة إلاّ من حيث الشكّ كما إذا لم يكن بالغاً قبله مثلاً. ففي الفرض الأوّل تجري قاعدة الاشتغال; لأنّ الشكّ في الفراغ ـ أو قل: في القدرة على الامتثال ـ بعد اليقين بالتكليف. وفي الفرض الثاني لا تجري قاعدة الاشتغال ابتداءً، لكنّنا نجري استصحاب بقاء النهار; وذلك لأنّ الزمان مهما كان قيداً في الواجب فهو قيد في الوجوب أيضاً، فنستصحبه لا لكي نثبت حصول التقيّد الذي هو دخيل في الواجب، بل لكي نثبت عليه حكمه، وهو وجوب الفعل المقيّد، وعندئذ نشكّ في أنّ هذا الحكم الظاهري وهو وجوب المقيّد هل يمكن امتثاله لبقاء الوقت أو لا يمكن لانتفائه وانتهائه، والمرجع في مورد الشكّ في القدرة على الامتثال مع إحراز أصل التكليف إنّما هو الاحتياط لا البراءة. ولا بأس أن يلفت النظر إلى أنّه في الفرض الأوّل لا يجري استصحاب النهار لإثبات التكليف بهذه الشاكلة، ولا استصحاب نفس الوجوب; إذ انّ هذا الاستصحاب لا ينتج شيئاً إلاّ بالانتهاء إلى قاعدة الاشتغال كما عرفت، وهي ثابتة هناك من أوّل الأمر، فيلغو الاستصحاب. وأمّا الثاني: وهو ما كان من قبيل مطلق الوجود، فتارةً يفرض أنّ الشك في بقاء الزمان يكون من ناحية عدم الاطلاع على الساعات والأوقات، فنحن وإن كنّا نعلم مثلاً أنّ نهار اليوم هو اثنتي عشرة ساعة لكنّنا لا ندري هل انتهت الساعات الاثنتا عشرة أو لا، وفي مثل هذا الفرض لا ريب في الرجوع إلى أصالة الاشتغال، لأنّ الشكّ يكون في الامتثال والفراغ، لا في أصل التكليف الزائد.
مباحث الأصول/ج5 / 383
وأُخرى يفرض: أنّنا شاكّون في عدد ساعات النهار: هل هي اثنتى عشرة ساعة أو ثلاث عشرة، وقد مضت اثنتى عشرة بالتأكيد، فيشكّ في بقاء النهار بعدها، فهنا ربما يتصوّر صحّة الرجوع إلى البراءة، حيث يشكّ في التكليف الزائد في الساعة الزائدة سواء كان الواجب مركّباً استقلالياً بحسب الساعات، أو ارتباطياً، لكن هنا ـ أيضاً ـ يقال بجريان استصحاب الزمان لإثبات الوجوب وبقائه، وهو وجوب ظاهري يشكّ في القدرة على امتثاله، فتجري قاعدة الاشتغال بلحاظه[1].
________________________________________ [1] وهناك فرض آخر أُهمل في المتن، وهو ما إذا كان الهدف من الاستصحاب الاجتزاء بالفرد المأتيّ به في الزمان المشكوك، لا تنجيز الواجب على المكلّف. مثاله ما لو ثبت وجوب التصدّق في نهار مّا، فتصدّق بعد احتمال غروب الشمس، فالأثر المرجوّ من الاستصحاب المثبت لبقاء النهار هو جواز الاكتفاء بهذا التصدّق، وأن لا يجب عليه التصدّق في يوم آخر، ولكنّ الاستصحاب ابتلى ـ على ما مضى ـ بمشكلة الإثبات; لأنّه لا يثبت كون التصدّق في النهار إلاّ بالملازمة. وهنا ـ ايضاً ـ قد يقال: يمكن الوصول إلى الثمرة المطلوبة من دون إجراء الاستصحاب; وذلك لأنّ أمره ـ في الحقيقة ـ دائر بين التعيين والتخيير، أي: إنّه هل يتعيّن عليه التصدّق في يوم آخر، أو هو مخيّر بين ذلك وبين التصدّق في هذا الوقت؟ والمختار في موارد دوران الامر بين التعيين والتخيير هو البراءة عن التعيين. ولكنّ الواقع: أنّ المرجع ـ بناءً على هذا البيان ـ يكون هو الاشتغال; لأنّ المفروض هو العلم بوجوب عنوان التصدّق في النهار، والتردّد بين الأقلّ والأكثر ليس في التكليف، بل في مصداقية الامتثال، فيتعيّن عليه اختيار الفرد المتيّقن فرديّته لهذا العنوان وهو التصدق في يوم آخر. وهذا الذي ذكرناه لا يختصّ بباب الزمان، فلو قال مثلاً: صلِّ صلاة الجمعة خلف العادل، فالعدالة قيد للواجب، وعدالة الإمام خارجة غالباً عن اختيار المأموم، فلا ترجع إلى الجزء. أفهل يلتزم أستاذنا(رحمه الله)أنّه لو شكّ في بقاء عدالته لا يجري استصحاب عدالته، وبالتالي لا تجزي الصلاة خلفه؟! والذي يبدو لي فعلاً هو أنّه لا مانع من استصحاب الزمان في مورد كونه قيداً للواجب، فإذا شكّ مثلاً في وجوب الإمساك للشكّ في بقاء النهار جرى استصحاب بقاء النهار، وكذلك لا مانع من استصحاب العدالة في المثال الذي ذكرناه، وكذلك الحال في كلّ قيود الواجب ولو كانت خارجة عن القدرة. وتوضيح ذلك: أنّ نفس النكتة التي ترجع التقييدات الى التركيبات في الفهم العرفي ترجع مثل قوله: (أمسك في النهار) الى مثل قوله: (أمسك في وقت يكون نهاراً) تماماً كما هو الحال في ما لو كان جعل الوقت نهاراً أمراً اختيارياً للمكلّف، إلاّ أنّ الفرق هو أنّ هذا التحليل العرفي في فرض اختيارية وصف النهار يحوّل هذا الوصف إلى جزء الواجب، أي: يجب على المكلّف أن يصوم في وقت، وأن يجعل ذلك الوقت نهاراً، أو إلى مقدّمة الواجب، فيترشّح إليه الوجوب التقديري، ولكن بما أنّ هذا الوصف لم يكن اختيارياً، فهذا التحليل لا يؤدّي إلى تحوّل ذلك إلى جزء الواجب أو مقدّمة الواجب، بل يؤدّي إلى تحوّله إلى شرط اتّصاف الوقت بوجوب الإمساك فيه. والخلاصة: أنّنا إن آمنّا بأنّ قوله: (أمسك في النهار) ـ لو كان وصف النهار أمراً اختيارياً ـ ينحلّ إلى قوله: (أمسك في وقت متّصف بالنهارية) ـ بنكتة أنّه لا علاقة مباشرة بين الإمساك في الوقت ووصف نهارية الوقت إلاّ
مباحث الأصول/ج5 / 384
هذا ما يمكن أن يقال في مقام تنجيز الحكم على المكلف. غير أنّ هنا شيئاً وهو: أنّه قد يقال في فرض مطلق الوجود مع الشكّ في ساعة جديدة للنهار: أنّه تجري البراءة للشك في تكليف زائد، وبجريانها ترتفع قاعدة الاشتغال; لأنّ حكم العقل بالاشتغال معلّق على عدم ترخيص الشارع في الترك، والبراءة ترخيص منه. ولا يحكم عليها استصحاب بقاء الزمان; لأنّ هذا الاستصحاب إنّما يثبت بقاء وجوب الصوم بين الحدّين، ولا يثبت وجوب الصوم في هذه الساعة. وبكلمة اُخرى: الاستصحاب إنّما يثبت وجوب المقيّد، والمفروض أنّنا عجزنا عن إثبات حصول التقيّد للصوم في هذه الساعة، وإنّما نصوم في هذه الساعة لأنّ الشيء الوحيد الذي يحتمل كونه امتثالاً لذاك الحكم الاستصحابي هو هذا، فيجب بحكم قاعدة الاشتغال والبراءة نجريها عن وجوب صوم هذه الساعة بالخصوص، فليست البراءة جارية عمّا يترتب على الاستصحاب حتّى تكون محكومة له. ويقال هذا الكلام ـ أيضاً ـ في فرض وجوب صرف الوجود إذا كان التكليف يحدث في الزمن المشكوك، فإنّه في مثله يقال بجريان أصالة البراءة عن وجوب الصلاة في هذه الساعة، واستصحاب النهار لا يثبت وجوب هذه الصلاة كي يكون حاكماً على البراءة، ومع
______________________________________________________ وحدة المصبّ العرفي وهو الوقت ـ آمنّا بذلك حتى على تقدير عدم اختيارية وصف النهار بنفس النكتة، والفرق بينهما بإمكان تعلّق الوجوب بوصف النهار لو كان اختيارياً وعدم إمكانه لدى عدم اختياريته لا يُبطل أصل النكتة، ولا يُبطل هذا التحليل في نظر العرف، وإنّما يوجب عدم ترشّح الوجوب إليه وأن لا يبقى معنىً لكون هذا الوصف قيداً للوقت الذي هو قيد الواجب، إلاّ كونه قيداً لاتّصاف الوقت بوجوب الواجب فيه. وهذا لا يعني طبعاً إخراج أصل التقييد بالوقت النهاري عن كونه تقييداً للواجب، بحيث يصحّ عندئذ الصوم بعد انتهاء النهار بدلاً عن الصوم في النهار، فإذا رجع قوله: (أمسك في النهار) إلى قوله: (أمسك في وقت يكون نهاراً) قلنا: إنّ كون الإمساك الآن إمساكاً في وقت ثابت بالوجدان، واتّصاف ذات الوقت بكونه نهاراً الذي هو قيد لاتّصافه بوجوب إمساكه ثابت بالاستصحاب; لأنّنا بنينا على صحّة استصحاب مفاد كان الناقصة في الزمان. فليس حال الاستصحاب في المقام إلاّ حال استصحاب العدالة مثلاً في مثال (قلّد الفقيه العادل) إذ لا شكّ في أنّ عدالة الفقيه خارجة عادةً عن اختيار المقلّد، ومع ذلك لا شكّ في أنّه لو حصل التردّد في بقاء عدالة الفقيه جاز للمقلّد بقاؤه على تقليده; لأنّ تقليده تقليد للفقيه وجداناً، وهو باق على عدالته استصحاباً. وبنفس البيان يصحّح استصحاب العدالة في ما لو قال: (صلّ الجمعة خلف العادل) فإنّ العرف يحلّل ذلك إلى قوله: صلّ الجمعة خلف إمام متّصف بأنّه عادلّ، والصلاة خلف هذا الرجل صلاة خلفَ إمام بالوجدان وهذا الامام عادل بالاستصحاب، وتكون عدالته شرطاً في مصداقيته لمن تجب الصلاة خلفه. مباحث الأصول/ج5 / 385
جريان البراءة لا تجري قاعدة الاشتغال عند الشكّ في المقدرة. وللجواب عن هذا الإشكال في الفرض الأوّل، أعني ما إذا كان التكليف بنحو مطلق الوجود نقول: إن دليل البراءة الشرعية ـ وهي التامّة عندنا لا البراءة العقلية ـ لا يشمل إطلاقه ما إذا لم يكن مصبّ الشكّ أصل التكليف، من دون فرق بين أن يكون مصبّه هو تحقّق الامتثال، كما لو شكّ في أنّه هل صلّى صلاته الواجبة أو لا، أو القدرة على الامتثال، كما لو احتمل سقوط التكليف بالعجز مع علمه بأصل التكليف، أو يكون مصبّه شيئاً آخر كثبوت قيد الواجب في ما نحن فيه بعد علمه بأصل الوجوب ولو ببركة استصحاب الوقت. ولكن الجواب عن الإشكال في الفرض الآخر، أعني صرف الوجود لا ينحصر في هذا، بل هنا جواب آخر قبله، وهو: أنّ البراءة عن هذه الصلاة التي يؤتى بها في هذه الساعة بهذا العنوان لا معنى لها; إذ لا يحتمل وجوبها بما هي كذلك، وإنّما يحتمل وجوب الصلاة بين الحدّين، والبراءة عنه محكومة للاستصحاب. هذا تمام الكلام في فرض الشك في بقاء الزمان بنحو الشبهة الموضوعية. وأمّا إذا كان بنحو الشبهة الحكمية فقد ذكروا فيه أبحاثاً كلّها ترتبط بغير المقام ممّا مضى أو يأتي، فقد ذكروا فيه البحث عن صور ثلاث: صورة الشبهة المفهومية وتردّد المفهوم المأخوذ موضوعاً للحكم بين زمان قصير وطويل، وصورة تردّد الموضوع أساساً مع وضوح كلّ المفاهيم بين فترة قصيرة وفترة طويلة، وصورة العلم بكون الموضوع هي الفترة القصيرة، واحتمال كون الفترة الطويلة موضوعاً آخر للحكم. وكلّ هذه الأحكام والأبحاث لا تختصّ بمسألة الزمان والزمانيات، وإنّما تدخل في مطلق البحث عن الشكّ في بقاء الموضوع، والذي سيأتي البحث عنه إن شاء الله. وبحثوا ـ أيضاً ـ عن وجود معارض للاستصحاب هنا، وهو استصحاب عدم الوجوب بنحو عدم الجعل. وهذا كما ترى هو شبهة النراقي والسيد الاُستاذ التي مضى الحديث عنها بصورة مفصّلة، وعليه فالأجدر أن نختم هذا التنبيه بهذا المقدار.
مباحث الأصول/ج5 / 386
التنبيه السادس: يقع البحث في هذا التنبيه عن الاستصحاب التعليقي، والآن يكون البحث في استصحاب الحكم التعليقي في الشبهات الحكمية. وأمّا الاستصحاب التعليقي في الموضوعات فسوف نعقد له بحثاً ضمن تنبيهات هذا التنبيه إن شاء الله تعالى. فالشك في الحكم الشرعي يُقسَّم في اصطلاح القوم بحثياً إلى ثلاثة أقسام; إذ تارةً يكون الشكّ في أصل جعل الحكم بقاءً وهو الذي يسمى بالشك في النسخ واُخرى يكون الجعل معلوماً، لكن يشكّ في سعة دائرة الحكم وضيقه، واحتمال أخذ قيد فيه يضيّقه، كما إذا شكّ في أنّ النجاسة للماء المتغيّر قد اُخذت فيها فعليّة التغيّر، فتكون مخصوصة بفرض وجود التغيّر، أو المأخوذ فيها هو حدوث التغير، فتكون ثابتة بعد ارتفاعه أيضاً. وهذا هو الذي يصطلح عليه بالشبهة الحكمية. وثالثة يكون أصل الجعل ودائرته وأبعاد ما اُخذ فيه كلّ ذلك معلوماً واضحاً وإنّما الشكّ في الحكم ناجم عن عدم معلومية الصغرى الخارجية، كما إذا شكّ في أنّ هذا الماء هل تغير أو لم يتغيّر، أو هل بقي تغيّره أو لم يبقَ تغيّره، فإنّ هذا الشكّ منصبّ على الموضوع والصغرى الخارجية. وهذا هو الذي يصطلح عليه بالشبهات الموضوعية. فأنحاء الشكّ في الحكم ثلاثة بحثيّاً. وإنّما قلنا بحثياً لأنّه ربما يبرهن على أنّ القسم الأوّل وهو الشك في النسخ يرجع بشكل وآخر إلى القسم الثاني. فلا يكون قسيماً له. وأيّا كان فموضوع كلامنا الآن هو القسم الثاني وهو الشك في الحكم من حيث سعته وضيقه الذي يسمّى بالشبهة الحكمية، فإنّه هنا تارةً يكون الشكّ باعتبار أن المكلف يشك في اعتبار قيد زائد على قيود الحكم، كما إذا شكّ في أنّ وجوب إكرام العالم مشروط بعدالته ـ ايضاً ـ أم لا، وقد كانت كلّ القيود المتيقّنة والمشكوكة ثابتة، فكان هذا الشخص بالأمس عالماً وعادلاً أمّا اليوم فقد زالت عدالته فيحصل عنده الشك في وجوب اكرامه تبعاً لأحتمال دخل العدالة. ومثل هذا الشك الحكمي يكون الاستصحاب فيه استصحاباً تنجيزيّاً، حيث إن القضية المستصحبة تنجيزية في الحالة السابقة لا تعليقية. وطوراً تكون الخصوصيات المأخوذة في موضوع الحكم متيقنها ومشكوكها غير حاصلة كلّها سابقاً، بل حصل مباحث الأصول/ج5 / 387
المشكوك ولم يحصل المتيّقن إلاّ بعد زوال القيد المشكوك. ففي المثال المذكور نفرض أنّ زيداً بالأمس كان عادلاً لكنه لم يكن عالماً أما اليوم الذي زالت فيه عدالته فهو عالم. ففي مثل هذا يكون المورد مورد الاستصحاب التعليقي، حيث لا قضية تنجزية، بل القضية هي أنّه لو كان قد أصبح عالماً بالأمس لوجب إكرامه جزماً لِوجدان شرائطها لحكم متيقنها ومشكوكها، فالآن ـ أيضاً ـ كذلك. فهذا هو الاستصحاب التعليقي، وأن شئت قلت في تعريفه: استصحاب الحكم عند الشكّ في بقاء الحكم المرتّب على موضوع مركب من جزئين ـ على أقلّ تقدير ـ عند فرض وجود أحد جزئيه وتبدّل بعض حالاته المحتملة الدخل قبل وجود الجزء الآخر. ولقد كان المشهور قبل الميرزا(رحمة الله)جريان هذا الاستصحاب إلاّ أنّ الميرزا(رحمة الله)قد برهن على عدم جريانه، فأصبح المشهور من بعده عدم الجريان. وصورة هذا الاستصحاب: أنّه توجد قضية متيّقنة معلّقة هي: لو كان عالماً لوجوب إكرامه فيستصحب بقاؤها إلى الحالة الثانية، ليحكم فيها بوجوب الإكرام لتحقّق الشرط وهو العلم حسب الفرض، فيكون جريانه كجريان الاستصحاب في سائر الشبهات الحكمية. وهذا الاستصحاب يقع مهمّ البحث فيه وفي مناقشاته في مقامين: أحدهما: يبحث فيه عن أصل جريانه وتماميّة أركانه. والثاني: يبحث فيه عن وجود معارض له وعدم وجوده. ولنشرع في كل من المقامين تفصيلاً:
تمامية الأركان في الاستصحاب التعليقي المقام الأوّل: في تمامية الأركان في الاستصحاب التعليقي. ومنطلق الإشكال في هذه النقطة أنّه لا يقين بالحدوث كي يجري الاستصحاب، وثمّة عبائر للميرزا(رحمة الله) يبدو على ملامحها في توضيح هذا الإشكال أنّ الاستصحاب يشترط فيه أن يكون المستصحب أمراً في صفحة الوجود، ومربوطاً بلوح الوجود وعالمه، وهذا ليس شيئاً في صفحة الوجود كي تكون الحالة السابقة موجودة. ومن الواضح أنّ هذا الكلام باطل، فإنّه لا يشترط في الاستصحاب سوى حالة سابقة يتعقّل تعلّق اليقين بها ،سواء كانت من لوح الوجود أو من لوح الواقع الذي هو أوسع من مباحث الأصول/ج5 / 388
الوجود، والذي تدخل فيه الملازمات، وما يشابهها، فإنّ الملازمة بين تعدد الآلهة وفساد العالم مثلاً أمر واقعي صالح لتعلّق اليقين به على حدّ الموجودات. إذن فهذه العبائر ليست إلاّ ضرباً من المسامحة في التعبير، ولا يراد بها واقع المطلب، وإنّما المراد الواقعي أنّنا لا نكتفي في الاستصحاب بمجرّد اليقين بالحدوث، بل لا بدّ أن يكون متعلّق اليقين أمراً يحمل حكماً وأثراً شرعياً عملياً لكي يجري الاستصحاب بلحاظه، والمدّعى: أنّ المقام لا يوجد فيه يقين بقضية حادثة لها أثر شرعي عملي حتّى يجري فيها الاستصحاب، فاليقين بالحدوث بالنحو الذي هو شرط في الاستصحاب وركن فيه غير موجود في الاستصحابات التعليقية. ولتوضيح هذا البيان نقول: هنالك أمران تشريعيان في نظر الميرزا(رحمة الله): أحدهما: الجعل، وهو القضية الحقيقة التي يعتبرها الشارع ويفرض فيها الموضوع موضع التقدير ليحكم عليه بالمحمول على ذلك التقدير. وهكذا الحال في القضايا الحقيقية الاُخرى غير الجعلية أيضاً. والثاني: المجعول، وهي القضية الفعلية التي تتحقّق حينما يتحّقق الموضوع فعلياً في الخارج حيث تكون فعلية الموضوع بتمام شرائطه واجزائه موجباً لفعلية المحمول أيضاً، وبذلك تتكون قضية فعلية منجّزة. وفي المقام إن اُريد استصحاب الأمر التشريعي الأوّل وتسميته بالاستصحاب التعليقي، فهذا جوابه: أنّه لا شكّ في بقاء تلك القضية الحقيقة المجعولة من قبل الشارع; إذ المفروض عدم احتمال النسخ ـ ولو فرض ذلك كان من استصحاب عدم النسخ وهو استصحاب تنجيزي ـ. وإن اُريد استصحاب الأمر التشريعي الثاني، وهي القضية الفعلية في الخارج، فهذا وإن كان الشك فيه موجوداً غير أنّ اليقين بالحدوث غير متحقّق بالنسبة إليه; إذ لم تكن الخصوصيات والقيود المأخوذة من الحكم كلّها قد تحقّقت في السابق حدوثاً كي يصبح الحكم فعلياً أيضاً. إذن فبلحاظ أحد الأمرين التشريعيين وهو الجعل لا شكّ في البقاء، وبلحاظ الأمر الثاني وهو المجعول لا يقين بالحدوث، وليست لدينا هنا قضية تشريعية اُخرى غيرهما. نعم، هنالك قضية ثالثة قد تمّ فيها اليقين بالحدوث والشكّ في البقاء، وهي القضية التعليقية القائلة بأنّ زيداً لو كان عالماً بالأمس لوجب إكرامه، فإنّنا على علم بهذه الشرطية بالنسبة للسابق، وعلى شكّ منها في الوقت الحاضر، غير أنّ هذه القضية لا جدوى في تعلّق مباحث الأصول/ج5 / 389
اليقين والشك بها على اعتبار أنّها قضية عقليّة، وليست شيئاً من القضيتين التشريعيتين، أمّا أنّها ليست الثانية فواضح، فإنّها فعلية، وهذه تعليقية، وأمّا أنّها ليست الاُولى فلأنّ القضية الشرعية الجعلية والتي نسمّيها بالقضية الحقيقية ليس التعليق فيها على العلم في المثال فحسب، وإنّما التعليق فيها على كلّ الخصوصيات والقيود المأخوذة في موضع الحكم، لأنّ الحكم يرتّب على مجموع ما اعتبر دخيلاً، فتلك هي القضية التعليقية. ولهذا لم نكن في شكّ من جهتها. وأمّا هذه القضية التعليقية فهي قضية عقلية منتزعة في طول جعل القضية الحقيقيّة من قبل الشارع، فإنّه حيث علم أنّ العلم دخيل في الموضوع، وعلم أنّ زيداً في الحالة السابقة كانت الشرائط والقيود حتى المحتملات منها قد تحقّقت في حقّه عدا هذا القيد المتيّقن وهو العلم، فكان هو الجزء الأخير من القيود، هنالك حكم العقل بأنّ هذا الجزء لو تحقق ترتّب عليه الحكم; لأنّ الحكم يترتّب حيث تتمّ شرائطه وقيوده. وعليه فلا معنى لإجراء الاستصحاب بلحاظ هذه القضية الثالثة. هذه هي الصورة التي تفهم من كلام الشيخ النائيني لإبطال جريان الاستصحاب التعليقي. يبقى بعد ذلك أن نستعرض أهمّ المناقشات التي اُثيرت حول مقالة الميرزا(رحمة الله)هذه لنرى كيف أنّها انحرفت في فهمها المقصود للميرزا(رحمة الله) فأطالت عليه بالنقد والنقاش. فنقول: ربما يناقش كما ناقش المحقّق العراقي(قدس سره) [1] في هذا البيان بأنّ الاستصحاب لو كان يشترط في جريانه وجود موضوع ومحمول في الخارج، بحيث يكون المستصحب شاغلاً لصفحة الوجود، وقلنا: إنّ هذا لا يكون إلاّ بعد فعلية الموضوع فكيف يجري استصحاب عدم النسخ وبقاء الجعل مع أنّه ـ أيضاً ـ ليس أمراً في صفحة الوجود لعدم فرض فعلية الموضوع. وكأنّ هذا الإشكال مبنيّ على تصوّر أنّ الميرزا(رحمة الله)يعتبر في جريان الاستصحاب أن يكون المستصحب أمراً خارجيّاً وجوديّاً، لكنّه قد اتّضح أنّه لا يقصد هذا المعنى، وإنّما مقصوده ما ذكرناه من أنّ المستصحب لا بدّ وأن يكون أمراً يعقل تعلّق اليقين به، ويكون قضيّة يترتّب عليها أثر عملي، وهنا لا توجد إلاّ قضايا ثلاث: إحداها: القضية الحقيقة الجعليّة. وهي لا شكّ في بقائها. والثانية: القضية الفعلية الخارجية. وهي لا يقين بحدوثها.
________________________________________ [1] راجع نهاية الافكار: القسم الأوّل من الجزء الرابع، ص 168. مباحث الأصول/ج5 / 390
والثالثة: قضية عقلية لا معنى للاستصحاب بلحاظها. فهذا النقض من قبل المحقق العراقي (قدس سره) على مقالة الميرزا(رحمة الله) لا محصّل له. وأغرب منه نقض آخر أورده أيضاً[1] حاصله: أنه لو كان الموضوع يشترط فعلية وجوده حتّى يجري استصحاب الحكم فكيف يجري الفقيه استصحاب الحكم في الشبهات الحكمية الكلّيّة دون أن يكون ثمّة موضوع في الخارج، فهو يجري استصحاب بقاء نجاسة الماء المتغيّر بعد زوال تغيره قبل أن يجد ماءً في الخارج قد تغيّر برهة من الزمن، ثمّ زال عنه تغيّره، بل يكتفي في ذلك بفرض ماء، وفرض تغيّره، وأنّه على ذلك التقدير كان يتنجس، فبعد زواله ـ أيضاً ـ باق على نجاسته، ولو لا كفاية فرض الحالة السابقة لما جرى الاستصحاب عند الفقيه إلاّ في موارد نادرة لا تأتي في الحسبان. وهذا الكلام غريب جداً، فإنّ ثمّة أمرين: أحدهما: أن المستصحب ينبغي أن يكون قضيّة فعلية لا تعليقية، كي يُسرّى إلى الحالة الثانية اللاحقة. والثاني: أنّ هاتين الحالتين السابقة المتيّقنة واللاحقة المشكوكة هل يجب إحرازهما بالنظر التصديقي، بأن يكونا في الخارج بالفعل، أو يكفي للمجتهد أن يلحظهما بالنظر التصوّري، والمختار المشهور عند المحقّقين أنّ النظر التصوّري كاف في جريان الاستصحاب، ولا يحتاج إلى إحراز للحالتين السابقة واللاحقة بالنظر التصديقي، بأن يقعا في الخارج بالفعل. ولقد بيّنا فيما سبق من المباحث ـ عند البحث عن التفصيل بين الشبهة الحكمية والموضوعية ـ النكتة الفنيّة في كفاية النظر التصوّري. وعليه فكفاية فرض الحالة السابقة المتيّقنة واللاحقة المشكوكة لجريان الاستصحاب بشأن الحالة الثانية شيء وإثبات حكم بالاستصحاب على شيء لاحقاً لفعلية قيد فرض تعليق الحكم عليه سابقاً شيء آخر. ففي الأوّل الحالة السابقة محفوظة ولو بالنظر التصوّري على شكل القضية الفعلية لا التعليق على أمر مفروض الفقدان، وفي الثاني ليس الإشكال كون الحالة السابقة مجرّد حالة فرضية وتصويرية كي ينقض بموارد استصحاب الفقيه في الشبهات الحكمية، بل الإشكال هو أنّ القيد المعلّق عليه الحكم لو اُخذ في نفس عالم التصوّر والفرض الثابت للفقيه في سائر موارد الاستصحاب في الشبهات الحكمية مفروض الوجود، بأن فرض في تصوّر الفقيه أنّ زيداً كان عالماً مثلاً في زمان عدالته فإذن أصبح الاستصحاب استصحاباً لحكم تنجيزي لا لحكم تعليقي، وهذا خارج عن محل
________________________________________ [1] راجع نفس المصدر. مباحث الأصول/ج5 / 391
الكلام. ولو لم يؤخذ هذا القيد في الحالة السابقة حتّى بالنظر التصوّري فبقي الحكم بلحاظ الحالة السابقة تعليقياً واُريد إثبات الحكم في الحالة اللاحقة التي فقدت قيداً آخر كان مفروض الوجود في الحالة السابقة ومحتمل الدخل في الحكم وهو العدالة، فهذه الحالة ليست لاحقة لتلك الحالة، أي: لا توحّد بين القضية المشكوكة والمتيّقنة، والقضية المتيقنة لا زالت متيّقنة، والمشكوكة كانت مشكوكة من أوّل الأمر، وإن جعل مصبّ الإشارة نفس هذا الوجود الخارجي وقيل: إنّ هذا لو كان بالأمس عالماً لوجب إكرامه والآن كما كان، فقد توحّدت القضية المتيّقنة والمشكوكة، ولكن هذه قضية عقلية انتزاعية. ولعمري إنّ الفرق بين مورد كلام الشيخ النائيني(رحمة الله) ومورد نقض الشيخ العراقي(رحمة الله)واضح، وكأنّه اشتباه نشأ من الخلط بين التقديرية الموجودة في القضية الحقيقية المجعولة على موضوع مقدّر الوجود والتقديرية في نظر الفقيه في استصحاب الحكم الكلّي. ثمّ إنّ السيد الحكيم(رحمة الله)اختار في المستمسك [1] التفصيل بين ما لو قال المولى مثلاً: (العنب الغالي يحرم) أو قال: (العنب إذا غلى يحرم) فذكر: أنّ القيد إذا كان راجعاً إلى الموضوع لم يجرِ الاستصحاب، وإذا كان راجعاً إلى الحكم جرى الاستصحاب، وذكر في وجهه: أنّه إذا كان راجعاً إلى الموضوع لم يجرِ الاستصحاب باعتبار عدم حصول اليقين بالحكم. وأمّا إذا كان راجعاً إلى الحكم دون الموضوع فقد حصل اليقين بالحكم. ولا يقال: إنّ الشيء الثابت إنّما هو الجعل، ولم يتحقّق للحكم ثبوت في مرحلة الوجود الخارجي بلون من الألوان، فإنّ هذا تفكيك بين الجعل والمجعول، بأن يوجد الجعل ولا يوجد المجعول إلاّ متأخراً عن الجعل، وهذا مستحيل، فإنّهما متلازمان. وذكر: أنّ المحقق النائيني(رحمة الله)قال بعدم جريان الاستصحاب التعليقي مطلقاً من باب أنّ القيد دائماً يرجع إلى الموضوع وإن كان بحسب الظاهر قيداً للحكم، فالقضية الشرطية مرجعها إلى القضية الحملية، والشرط يرجع إلى الموضوع، حيث برهن على أنّ انفكاك الحكم عن الموضوع وتأخّره عنه محال، فلو فرض قيد للحكم دون الموضوع كان هذا معناه تأخّر الحكم عن الموضوع وعدم وجوده عند وجوده حينما يكون ذلك القيد مفقوداً. وذكر في مقام الردّ على هذا الذي نسبه إلى المحقّق النائيني(رحمة الله): أنّه إن كان يقصد برجوع قوله (العنب إذا غلى يحرم) إلى قوله (العنب الغالي يحرم) أنّه عبّر عن القضية الحملية بلسان
________________________________________ [1] راجع المستمسك: ج1، ص415 ـ 419 بحسب الطبعة الرابعة بمطبعة الآداب في النجف الأشرف. مباحث الأصول/ج5 / 392
القضية الشرطية من باب المجاز، أو الكناية والمسامحة في التعبير ونحو ذلك، فهذا خلاف ظاهر الكلام بلا قرينة، وإن قصد بذلك أنّ روح هذه العبارة ترجع إلى تلك العبارة وأنّهما في الروح واحد ببرهان عقلي، فليكن هذا صحيحاً، وليكن البرهان تامّاً، ولتكن روح القضيتين واحدة، لكن هذا لا دخل له بجريان الاستصحاب وعدمه، فإنّه في جريان الاستصحاب ينظر إلى نفس القضية التشريعية، لا إلى مآلها ومرجعها بحسب الروح، فمثلاً لو قال المولى: (إن كان شهر رمضان فصم) جرى استصحاب بقاء شهر رمضان عند الشك فيه، ووجب الصوم، وأمّا إن قال: (صم في شهر رمضان) لم يجرِ استصحاب بقائه ;لأنّ ذلك لا يُثبت كون الصوم في شهر رمضان بنحو مفاد كان الناقصة، في حين أنّ روح القضيتين واحدة. أقول: إنّ ما ذكره في المستمسك توجد فيه مواقع للنظر : فأوّلا: يرد عليه: أنّه لو تمّ ما ذكره من البرهان على جريان الاستصحاب إذا كان القيد راجعاً إلى الحكم من استحالة انفكاك المجعول عن الجعل، لم يفرّق فيه بين فرض رجوع القيد إلى الحكم أو إلى الموضوع، فإنّه عند رجوع القيد إلى الموضوع ـ أيضاً ـ يكون الجعل ثابتاً حين إنشاء القضية، فيكون المجعول ثابتاً لاستحالة الانفكاك بينهما. وثانياً: يرد عليه: أنّه لو فرض عدم جريان الاستصحاب التعليقي إذا رجع القيد إلى الموضوع، وفرض برهان على رجوع القيد دائماً إلى الموضوع، فلا بدّ من القول بعدم جريان الاستصحاب التعليقي دائماً، ولا معنى لقوله: إن الاستصحاب تلحظ فيه نفس القضية التشريعية دون مآلها بحسب الروح، فإنّ القضية التشريعية التي يدور مدارها الاستصحاب ليست إلاّ المفاد الشرعي الذي يستفاد من الكلام بماله من القرائن الحالية والمقالية والعقلية المتصلة والمنفصلة. والبرهان العقلي على رجوع القيد إلى الموضوع قرينة على صرف القضية عن ظاهرها، وهي الشرطية إلى الحملية وقياس المقام بمثال (إن كان شهر رمضان فصم) و(صم في شهر رمضان) قياس مع الفارق، فإنّ هاتين القضيتين مفاد إحداهما غير مفاد الاُخرى، ولا توجد أيّ قرينة لإرجاع إحداهما إلى الآخرى. ومعنى وحدتهما في الروح ليس إلاّ وحدتهما في النتيجة العملية، أي: إنّ المكلّف على أيّ حال يصوم في شهر رمضان لا في شهر شعبان أو شوال مثلاً. وثالثا: يرد عليه: أنّ المحقّق النائيني(رحمة الله)لا يقول بما نسبه إليه، ولم يذكر أيّ برهان على رجوع قيد الحكم إلى قيد الموضوع، وكيف يقول برجوع قيد الحكم إلى قيد الموضوع مع أنّه مباحث الأصول/ج5 / 393
هو الذي يرى الميزان في باب المفاهيم كون القيد راجعاً إلى الحكم أو إلى الموضوع، فإذا كان القيد راجعاً إلى الحكم كانت القضية ذات مفهوم، وإذا كان راجعاً إلى الموضوع وكانت القضية وصفية أو لقبية فلا مفهوم لها؟! فلو أرجع كلّ القيود إلى الموضوع لا نسدّ عنده باب المفاهيم رأساً، مع أنّه ليس كذلك. صحيحٌ أنّه هو يسمّي كل القيود بقيود الموضوع، لكنه لا يقصد بالموضوع ما قصده به السيد الحكيم(رحمة الله)في المستمسك، ممّا هو معروض الحكم من قبيل الماء بالنسبة للطهارة أو النجاسة، أو من قبيل العالم بالنسبة لوجوب الإكرام، وإنما يقصد بذلك القيود المقدّرة الوجود التي رتّب عليها حكم مقدّر الوجود، ويصبح الحكم فعلياً بصيرورتها فعلية، توضيح ذلك: أنّه(رحمة الله)يرى أنّ الأحكام مجعولات ومخلوقات للمولى لا للأسباب الشرعية من قبيل زوال الشمس وغروبها مثلاً; إذ لا يتعقّل كونها مخلوقة لها إلاّ بناءً على دعوى أنّ الشارع أعطى لها السببية فأصبحت سبباً للحكم حقيقةً، فحينما تزول الشمس مثلاً يكون زوالها سبباً للحكم فيوجد الحكم، ولكن جعل السببية محال، إذن فالمولى هو الذي يوجد هذه الأحكام مباشرةً، ثم هنا طريقان لتصوير إيجاد المولى لها: أحدهما: أن يفترض أنّه متى ما يوجد مصداق للموضوع بحسب الخارج يجعل المولى الحكم على طبقه ويوجده، وهذا وإن كان ممكناً عقلاً لكنه غير محتمل خارجاً. والثاني: أنّه يُنشي من أوّل الأمر حكماً مقدّر الوجود على موضوع مقدّر الوجود، ويصبح الحكم فعلياً متى ما أصبح الموضوع فعلياً. هذا ما يقوله المحقّق النائيني(رحمة الله) فكلّما يكون دخيلاً في الحكم بمعنى أخذه مقدّر الوجود، ودخل فعليته في فعلية الحكم يسمّيه موضوع الحكم، وأيّ ربط لهذا بما ذكره في المستمسك من رجوع قيد الحكم إلى قيد الموضوع بالمعنى المقصود لصاحب المستمسك؟! والمحقّق النائيني(رحمة الله)يقول في كلماته: إنّ القضية الحملية ترجع إلى القضية الشرطية، ويقصد بذلك بيان كون الموضوع مقدّر الوجود، فحيث إنّ الشرط يكون بمعنى التقدير، وتكون التقديرية في القضية الشرطية بارزة وفي القضية الحملية مستترة يُرجع القضية الحملية إلى القضية الشرطية، ولم يذكر أبداً كون القضية الشرطية راجعة إلى القضية الحملية إلاّ في مقام تأكيد العكس، أعني: رجوع القضية الحملية إلى الشرطية واتّحادها معها. ثمّ إنّنا نذكر تعميقاً لفهمنا لما ذكره المحقّق النائيني(رحمة الله)من الوجه في عدم جريان الاستصحاب التعليقي اُموراً:
مباحث الأصول/ج5 / 394
الأوّل: إنّ المحقق النائيني(رحمة الله)ذكر في مقام بيان عدم جريان الاستصحاب أنّ قيود الحكم ترجع إلى الموضوع، فقبل تحقّقها لا تحقُّقَ للحكم حتى يستصحب[1] فكأنّما يبدو من هذا الكلام أنّه لو لم ترجع قيود الحكم إلى الموضوع جرى الاستصحاب، وأنّه ذكر(رحمة الله)رجوع القيود إلى الموضوع دفعاً لفرضية لو تمت لجرى الاستصحاب التعليقي، فما هي تلك الفرضية؟ فنقول: لو كان المقصود بما جاء في هذا الكلام من كلمة الموضوع وقيود الحكم ما مضى عن المستمسك إذن يستفاد منه ما نسبه إليه في المستمسك من التفصيل بين ما لو كان القيد راجعاً إلى الحكم أو راجعاً إلى الموضوع، مع دعوى رجوع القيد دائماً إلى الموضوع، ولكن قد مضى أنّه ليس مقصوده(رحمة الله)ذاك المعنى من الموضوع وقيود الحكم وإنّما يقصد بالموضوع القيود المقدّرة الوجود التي قدّر عليها الحكم. وقد فهم تلميذه المقرّر الكاظمي(رحمة الله)من كلامه أنّ المقصود هو التحرّز عن مبنى كون الأحكام مجعولة للأسباب الشرعية لا للمولى بنحو القضية الحقيقية المجعولة على القيود المقدّرة الوجود. ولهذا اعترض(رحمة الله)عليه تحت الخط بأنّه لا فرق بين ما إذا قلنا بأنّ الحكم مجعول للمولى بنحو القضية الحقيقية على الموضوع المقدر الوجود أو قلنا بأنّه مجعول للأسباب الشرعية، فإنّه على الثاني ـ أيضاً ـ ليس للحكم وجود قبل وجود السبب حتّى يستصحب. أقول: لو كان مقصود المحقّق النائيني(رحمة الله)ما ذكره المقرّر الكاظمي(رحمة الله)فبالإمكان أن يدفع إشكال المقرّر بأن يقال: إنّ المحقق النائيني(رحمة الله)أبطل فرضية استصحاب القضية التعليقية بأنّها عقلية; إذ تارةً يفرض استصحاب جعل الحكم، واُخرى يفرض استصحاب الحكم الفعلي، وثالثة يفرض استصحاب القضية التعليقية. فالمحقق النائيني(رحمة الله)أبطل الأوّل بعدم الشكّ في البقاء، والثاني بعدم اليقين بالحدوث، والثالث بأنّها قضية عقلية. أمّا لو قلنا بأنّ الأحكام مجعولة للأسباب وأنّ الشارع جعلها أسباباً، إذن فالقضية التعليقية ليست عقلية، بل هي شرعية، فلا يتمّ تقريب المحقّق النائيني(رحمة الله). نعم، بالإمكان أن يُذكر تقريب آخر لإبطال الاستصحاب، لكنّ المقصود أنّ التقريب الذي جاء به المحقّق النائيني(رحمة الله)يتوقّف على أن لا يفترض أنّ الأحكام مجعولة للاسباب وأنّ
________________________________________ [1] راجع فوائد الاُصول: الجزء الرابع ص171 بحسب الطبعة التي هي من منشورات مؤسسة النصر ومكتبة الصدر، وص467 بحسب طبعة جماعة المدرسين بقم. مباحث الأصول/ج5 / 395
الشارع جعلها أسباباً. إلاّ أنّني أظنّ أنّ مقصود المحقّق النائيني(رحمة الله) لم يكن هو الاحتراز عن مبنى جعل السببية، وكون الأحكام مجعولة لتلك الأسباب، بل مقصوده هو الاحتراز عمّا يقوله المحقّق العراقي وصاحب المستمسك من ثبوت الحكم بالفعل قبل وجود تلك القيود، فلو قيل بذلك بأيّ بيان من البيانات كأن يقال مثلاً بأنّ القيد في الحقيقة إنّما هو الوجود اللحاظي في نفس المولى، وهو فعليّ كما قال بذلك المحقّق الخراساني(رحمة الله)في مقام تصوير الشرط المتأخر، إذن فما دام أنّ الحكم كان ثابتاً بالفعل جرى استصحابه. وأمّا أنّ هذا الكلام هل هو صحيح كتقريب لجريان الاستصحاب في المقام أو لا فسيأتي الحديث عنه ـ ان شاء الله ـ . الثاني: أنّ الإشكال على استصحاب القضية التعليقية المذكور في تقرير الشيخ الكاظمي[1] وفي أجود التقريرات[2] هو أنّ القضية التعليقية عقلية، إلاّ أنّ الشيخ الكاظمي اختصّ بذكر إشكال آخر[3] أيضاً، وهو: أنّ القضية التعليقية مقطوعة البقاء، فإنّنا نعلم الآن ـ أيضاً ـ أنّ العنب إذا غلى يحرم، وأنّه مهما انضمّت القيود بعضها إلى بعض ثبت الحكم. وهذا الإشكال لا يرد حينما نريد إجراء الاستصحاب بعد العلم بوجود الزبيب خارجاً; لأنّنا نشير إلى هذا الوجود الخارجي ونقول: هذا الوجود كان سابقاً إذا غلى يحرم، ونعلّق الحرمة في هذا الكلام على غليانه فحسب دون عنبيّته; لأنّ عنبيّته سابقاً مقطوع بها. ومن الواضح أنّ حرمة هذا الوجود الآن على تقدير غليانه مشكوكة وليست مقطوعاً بها. نعم، يرد هذا الإشكال على استصحاب الفقيه قبل وجود الموضوع خارجاً، فإنّه عندما يتصوّر زبيباً فرضيّاً يضطّر أن يأخذ في طرف المعلّق عليه العنبيّة والغليان معاً كي يفرض القطع بالحرمة حدوثاً، ومع افتراض ذلك معلّقاً عليه تكون الحرمة مقطوعة بقاءً أيضاً. ولعلّ النظر في الإشكال كان إلى هذا النحو من إجراء الاستصحاب. الثالث: قد عرفت أنّ المحقّق النائيني(رحمة الله)ذكر ثلاث فرضيات : 1 ـ استصحاب جعل الحكم. 2 ـ استصحاب الحكم الفعلي.
________________________________________ [1] راجع فوائد الاُصول: ج4، ص469 بحسب طبعة جماعة المدرسين. [2] راجع أجود التقريرات: ج2، ص412. [3] راجع فوائد الاُصول: ج4 ص469 بحسب طبعة جماعة المدرسين.
مباحث الأصول/ج5 / 396
3 ـ استصحاب القضية التعليقية. وأبطل الأوّل بالعلم بالبقاء، والثاني بعدم العلم بالحدوث والثالث بأنها قضية عقلية. ثمّ ذكر بعد انتهائه من هذه الفروض فرضية، وهي استصحاب السببية وناقشها[1]. وقد يقال: إنّ هذه هي عين الفرضية الثالثة وهي استصحاب القضية التعليقية، فما معنى ذكرها مستقلاًّ ومناقشتها ؟ وتحقيق الكلام في ذلك: أنّه تارةً يقصد بالسببية تلك الحالة الثابتة حتى في زمان عدم وجود السبب ولا المسبب. وهذا مرجعه إلى القضية التعليقية فيتسجّل ما عرفته من الإشكال، وهو: أنّه لا معنى لذكرها كفرضية رابعة. واُخرى يقصد بها السببية بمعنى التأثير الفعلي الذي لا يتحّقق إلاّ بعد تحقّق تمام السبب خارجاً، وهذا يكون فرضية رابعة. والذي يناسب تقرير الكاظمي(رحمة الله)هو الأوّل، حيث إنّه اعترف بأنّ السببية كانت موجودة حدوثاً، وذكر في مقام مناقشة استصحابها أنّها عقلية وأنها متيّقنة البقاء، والذي يناسب أجود التقريرات هو الثاني، حيث إنّه اعترض على استصحاب السببية بأنّه إن قصد استصحاب جعل السببية فهو مقطوع البقاء لعدم احتمال النسخ، وإن قصد استصحاب السببية الفعلية فهي فرع تحقق السبب خارجاً بتمام قيوده وأجزائه، فهي ليست متيّقنة الحدوث. وبعد أن عرفنا كلام المحقق النائيني(رحمة الله)في مقام إبطال الاستصحاب التعليقي نشرع في تمحيصه، ونعقد الكلام في ذلك في مقامين : الأوّل: في ما هو المختار عندنا من مناقشته، وهي مناقشة في إطلاق كلامه لا في أصل كلامه، فيثبت بها التفصيل في جريان الاستصحاب التعليقي. والثاني: في مناقشات اُخرى لو تمّت لأبطلت أصل كلام المحقّق النائيني(رحمة الله)لا إطلاقه. أما المقام الأوّل: فالمدعى في المقام هو التفصيل بين ما لو كان كل قيود الموضوع في عرض واحد، أو كان بعضها مأخوذاً في موضوع بعض، فلا يجري الاستصحاب في الأوّل، ويجري في الثاني. وتوضيح المقصود: أنّنا نوافق على رجوع قيود الحكم إلى الموضوع، وأقصد بالموضوع ما هو مصطلح المحقّق النائيني(رحمة الله)من القيود المأخوذة في الحكم مقدّرة الوجود المحكوم عليها
________________________________________ [1] راجع فوائد الاُصول: ج4 ص471 و472 بحسب طبعة جماعة المدرسين، وأجود التقريرات: ج2، ص412 ـ 413. مباحث الأصول/ج5 / 397
بنحو القضية الحقيقية، لا الموضوع بالمعنى الذي مضى عن صاحب المستمسك، ولكن ليس هناك برهان يقتضي كون تلك القيود مأخوذة كلّها في عرض واحد، بل قد يؤخذ قيد في موضوع تقدير القيد الآخر. فتارةً يقول: (العنب الغالي يحرم)، أو يقول: (إذا كان العصير عنباً وكان غالياً يحرم) فقيد العنبيّة والغليان يكونان في عرض واحد، ومرجع القضية الاُولى إلى القضية الثانية لرجوع القضايا الحملية إلى القضايا الشرطية كما ذكر المحقّق النائيني(رحمة الله) فحينما يقول (العنب الغالي يحرم) كأنما قال: (إذا كان عنبٌ وكان غالياً يحرم)، فكلّ من قيد العنبية وقيد الغليان مقدّر في عرض تقدير الآخر. واُخرى يفرض أحد القيدين موضوعاً لتقدير القيد الآخر وذلك: إمّا بأن يذكر القيد الثاني بنحو القضية الشرطية المحمولة على القيد الأوّل، بأن يقول: (العنب إذا غلى يحرم) أو بأن يذكره لا بنحو الشرط، بل بنحو القيد، يجعله في قضية محمولة على القيد الأوّل بأن يقول مثلاً: (العنب يحرم الغالي منه) ففي القسم الأوّل وهو ما كان القيدان في عرض واحد لا يجري الاستصحاب، وفي القسم الثاني يجري. وهذا التفصيل يختلف عن التفصيل بين فرض أخذ القيد الثاني بلسان القضية الشرطية وأخذه بلسان القضية الحملية الذي مضى نقله عن المستمسك، فمفروض هذا التفصيل هو إلحاق مثل قوله: (العنب يحرم الغالي منه) بقوله: (العنب الغالي يحرم) ومفروض تفصيلنا هو الحاق ذلك بقوله: (العنب إذا غلى يحرم). وقد اختار السيّد الطباطبائي اليزدي(رحمة الله) في باب الاستصحاب التعليقي التفصيل الذي مضى عن المستمسك، أعني التفصيل بين ما لو أخذ القيد الثاني بلسان القضية الشرطية المحمولة على القيد الأوّل فقال مثلاً: (العنب إذا غلى يحرم) جرى الاستصحاب، ومتى ما اُخذ بلسان القضية الحملية لم يجرِ الاستصحاب. وذكر في وجه ذلك: أنّه لو اُخذ القيد الثاني بلسان القضية الشرطية فهذا يعني جعل الملازمة; لأنّ القضية الشرطية مفادها الملازمة بين الشرط والجزاء، فتصبح الملازمة شرعية وتستصحب، ولو اُخذ بلسان القضية الحملية فهذا جعل للمحمول على الموضوع والملازمة لا تكون إلاّ عقلية انتزاعية[1].
________________________________________ [1] راجع رسالة السيّد الطباطبائي اليزدي(رحمه الله)في منجزات المريض المطبوعة في ملاحق تعليقته على المكاسب ص17.
مباحث الأصول/ج5 / 398
وهذا البيان يرد عليه: أنّه إن قصدت به مجعوليّة الملازمة وشرعيّتها مباشرةً، فهذا غير معقول مطلقاً، فإنّ الملازمة من الاُمور التكوينية لا التشريعية، وإن قصدت به شرعيّتها باعتبار شرعيّة منشأ انتزاعها، فهذا ثابت حتّى في القضية الحملية ولو كان بلسان: (العنب الغالي يحرم). وأمّا التفصيل الذي نحن نتبنّاه فهو: أنّه لو كان القيد الثاني الذي لم يوجد في الزمان السابق ثمّ وجد بعد طروّ تغيّر على حالة القيد الأوّل مأخوذاً مع القيد الأوّل في عرض واحد، كأن يقول: (العنب الغالي يحرم) أو يقول: (العصير إذا كان عنباً وكان غالياً يحرم) لم يجرِ الاستصحاب، ولو كان القيد الأوّل مأخوذاً بعنوان الموضوع لتقدير القيد الثاني سواءً كان بلسان قضية شرطية محمولة على القيد الأوّل كقوله: (العنب إذا غلى يحرم) أو بلسان قضية حملية محمولة عليه كقوله: (العنب يحرم الغالي منه) جرى الاستصحاب. وإذا أردنا أن نتكلّم بلغة الشيخ النائيني(رحمة الله)الذي يقول: هل يستصحب الجعل أو المجعول أو التعليقية العقلية الانتزاعية؟ قلنا: نستصحب المجعول، وقول الشيخ النائيني(رحمة الله): إنّ المجعول لم يكن فعلياً لعدم الغليان مثلاً إنّما يأتي فيما إذا كان الغليان مع العنبية مثلاً قيدين في عرض واحد، فلا يوجد عندئذ إلاّ حكم واحد وهو الحرمة وموضوعه العنب الغالي، وهذا الحكم لم تفترض فعليّته لعدم افتراض الغليان. أمّا إذا كان الغليان مأخوذاً كموضوع أو كشرط للحرمة، وكان العنب مأخوذاً في موضوع القضية التي كان موضوعها أو شرطها الغليان، كما لو قال: (العنب يحرم الغالي منه) أو قال: (العنب إذا غلى يحرم) ففي الحقيقة يوجد في المقام حكمان، أو قل: قضيّتان: إحداهما: قضيّةٌ أمّ، وهي: (إذا غلى يحرم) أو (يحرم الغالي منه) وقد جعلت هذه القضية على العنب. والثانية: قضّيةٌ بنت وهي: (يحرم) وقد جعلت على الغليان، والثانية هي التي لم تفترض فعليّتها لعدم افتراض فعلية موضوعها، وهو الغليان، ولكنّ الاُولى افترضت فعلية لافتراض فعلية موضوعها، وهو العنب، فنحن نستصحب القضيّة الأُمّ أو الحكم الأُمّ[1].
________________________________________ [1] لا يخفى أنّ هذا البيان يستنبط من كلام الشيخ الإصفهاني(رحمه الله)بفرق أنّه(رحمه الله)لم يوضّح أنّ الأمر الذي هو جزء من القضية الأُم وربطت به القضية البنت قد يكون على شكل الموضوع في القضية الحملية، ومحموله القضية البنت. واُخرى يكون على شكل الشرط، وجزاؤه القضية البنت. ولولا أنّه(رحمه الله)اعتقد بوجود وجه آخر لحلّ مشكلة الاستصحاب التعليقي زائداً على هذا الوجه، وأنّ ذاك الوجه الآخر يحلّ الإشكال على الإطلاق لكان يقول بالتفصيل الذي اختاره اُستاذنا الشهيد(رحمه الله)في المقام. راجع نهاية الدراية: ج3، ص89 ـ 90 بحسب انتشارات مهدوي، وج 5، 172 ـ 173 بحسب طبعة آل البيت.
مباحث الأصول/ج5 / 399
وليس هذا رجوعاً إلى استصحاب الملازمة كما يظهر ذلك بالالتفات إلى استصحاب الجعل في الشكّ في النسخ، فإنّ المستصحب هناك نفس القضية التي هي شرعية وهي: (يحرم البول) مثلاً لا الملازمة بين الحرمة والبول غير القابلة للجعل شرعاً، والمنتزعة من الجعل. ولا فرق في تماميّة ما ذكرناه من التفصيل بين ما لو تصورنا استصحاب الحكم في الشبهات الحكمية بمعنى استصحاب الفعلية التي لا تكون في مسلك الشيخ النائيني إلاّ بعد تحقّق الموضوع خارجاً، ولازمه أنّه لا يمكن للفقيه إجراء الاستصحاب في الشبهات الحكمية ما لم يعشْ تحقّق الموضوع خارجاً، أو تصورناه بمعنى استصحاب المجعول الذي قلنا في تحقيق سابق لنا: إنّه عين الجعل، ولكن منظوراً إليه بالعنوان الأوّلي لا بالحمل الشائع، وإنّه ليست لنا فعليّة وراء ذلك بفعلية الموضوع. وقد مضى تفصيل ذلك في محلّه، وإجماله: أنّ الفرق بين الجعل والمجعول إنّما هو بالاعتبار، فالمولى حينما يجعل مثلاً نجاسة البول فهذا بعنوانه الأوّلي وبمنظار الحمل الأوّلي نجاسة مستندة إلى البول، وبالحمل الشائع ليست نجاسة، بل هي حالة مستندة إلى المولى، وجزء من المولى، فهو بالاعتبار الأوّل مجعول، وبالاعتبار الثاني جعل. وإذا جعل المولى نجاسة الماء المتغيّر فهذا بعنوانه الأوّلي نجاسة عارضة على الماء المتغيّر، يستصحب الفقيه بقاءها بعد فرض زوال التغيّر وهو جالس في الغرفة غير مطّلع على الواقع الخارجي، ولم يقع الموضوع في الخارج أصلاً. فعلى كلا هذين التصوّرين لاستصحاب الحكم نقول في المقام بالتفصيل بين مثل قوله: (العنب الغالي حرام) ومثل قوله: (العنب إذا غلى يحرم) أو (العنب يحرم الغالي منه). ففي الأوّل لا يجري استصحاب الحرمة لا على التصوّر الأوّل; لأنّ المجعول لم يوجد خارجاً في حالة العنبية حتّى يستصحب; لأنّ وجوده فرع وجود كلّ قيود الموضوع ومنها الغليان، ولا على التصوّر الثاني; لأنّه على هذا التصوّر وإن كان اليقين السابق متحقّقاً; لأنّنا في الحقيقة نستصحب الجعل بالحمل الأوّلي، والجعل ثابت حدوثاً، ولكنّ الجعل بعنوانه الأوّلي وبمنظار الحمل الأوّلي لم يكن هو حرمة العنب، وإنما هو حرمة العنب الغالي، فالعنب مباحث الأصول/ج5 / 400
الغالي يحقّ للفقيه أن يفترض تغيّراً في بعض حالاته ويستصحب حرمته، حيث لا يعتبر تلك الحالة مقوّمة للموضوع، فيُرى بمنظار ذلك الحمل الأوّلي أنّ الحرمة حكم متيّقن سابقاً مشكوك لاحقاً، ولا يحقّ له أن يفترض تغيّراً في العنب ويستصحب حكمه; لأنّ الحكم لم يكن للعنب. وفي الثاني والثالث يجري استصحاب الحكم بلا فرق ـ أيضاً ـ بين التصوّرين للاستصحاب. فعلى التصوّر الأوّل، أعني تصوّر استصحاب المجعول الذي يوجد عند وجود الموضوع خارجاً، نقول: إنّ هنا مجعولين وحكمين أحدهما يتحقّق خارجاً عند وجود العنب، وهو الحكم بالقضية الشرطية، وهي (إذا غلى يحرم) أو الحملية وهي (يحرم المغليّ منه) فهذا الحكم يصبح فعلياً بمجرد وجود العنب خارجاً; لأنّ موضوعه هو العنب. والثاني الحرمة، وهو يتحقّق خارجاً ويكون فعلياً عند وجود العنب مع الغليان خارجاً، ونحن نستصحب الحكم الأوّل الذي نقطع بتحقّقه وفعليّته خارجاً. وعلى التصوّر الثاني الذي هو في واقعه استصحاب للجعل بمنظار الحمل الأؤّلي يقال: إنّه يوجد لنا جعلان: أحدهما جعل قضية شرطية أو حملية على العنب، والثاني جعل الجزاء أو المحمول في تلك القضية الشرطية أو الحملية. ويكون الثاني بمنظار الحمل الأوّلي حالة ثابتة للعنب الغالي، ويكون الأوّل بمنظار الحمل الأوّلي حالة ثابتة للعنب، وهذا هو الذي نستصحبه[1].
________________________________________ [1] قد تقول: إنّ اختلاف الصيغ التعبيريّة لا يؤثّر في روح الحكم وهو الحبّ والبغض وإرادة البعث والزجر، ولا شكّ في أنّ البغض تعلّق بشرب العنب الغالي سواءً عبّر بتعبير يجعل القيدين في عرض واحد، أو بتعبير يجعل أحدهما مأخوذاً في موضوع تقدير الآخر. والجواب: أنّه لو كانت هذه التغييرات تغييرات تعبيريّة بحت فمن الواضح أنّها لا تؤثّر في الحساب، ولكنّ المدّعى: أنّ ما يجعله المولى على عهدة المكلّف يتصوّر بنحوين وإن كانت المبادئ الكامنة في المتعلّق واحدة. وهذا أمر معقول، وتكون العبرة بما جعله المولى في العهدة، ولذا نرى أنّه في الأوامر الامتحانية تنشغل العهدة مع أنّه لا توجد مبادئ للحكم في المتعلّق أصلاً، وإنّما توجد في أصل انشغال العهدة. وقد يفترض أنّ المبادئ الواقعية تكون في إكرام العالم مثلاً، ولكنّ المولى يجعل في العهدة إكرام المعمّمين لما يعلم من التلازم بين العنوانين مع كون الثاني هو المحسوس لدى المكلّف لا الأوّل، أو لما يرى من غلبة حالة التعمّم لدى العلم مع احتمال خطأ المكلّف في اعتقاد عدم العلم في معمّم كان عالماً في الواقع، فدفعاً لاحتمال فوات المصلحة بخطأ المكلف قد يعمد إلى تغيير مصبّ انشغال العهدة من إكرام العلماء إلى إكرام المعمّمين. فإذا اتّضح أنّ اختلاف ما يجعل في العهدة مع وحدة ما في المتعلّق من المبادئ أمر معقول، وأنّ العبرة بما يجعل في العهدة. قلنا في المقام: إنّ المولى تارةً يجعل على عاتق المكلف حرمة العنب الغالي بقوله: (العنب الغالي يحرم) واُخرى يجعل على عاتقه (أنّ العنب إذا غلى يحرم) مثلاً : ففي الفرض الأوّل لا يجري الاستصحاب; لأنّه: إن اُريد استصحاب حرمة العنب الغالي فلا شكّ في بقائها. وإن أريدت الإشارة إلى عنب خارجي أو عنب فرضي واستصحاب حرمته، فالعنب لم يكن حدوثاً متيّقن الحرمة، وإنّما العنب الغالي كان حدوثاً متيّقن الحرمة. أمّا في الفرض الثاني فأيضاً لو اُريد استصحاب (أنّ العنب إذا غلى يحرم) فلا شكّ في بقائها، ولكن لو اُريدت الإشارة إلى عنب خارجي أو عنب فرضي واستصحاب كونه (إذا غلى يحرم) فهذا الحكم كان متيّقن الحدوث له، فلا بأس باستصحابه.
مباحث الأصول/ج5 / 401
وأمّا المقام الثاني: فهنا إشكالات على كلام المحقّق النائينيّ(رحمة الله)لو تمّت تبطل كلامه بشكل مطلق، ومن دون تفصيل : الإشكال الأوّل: إنّ المحقّق النائيني(رحمة الله) كما مضى ـ ذكر أنّه هل يستصحب الجعل أو المجعول أو الملازمة؟ أمّا الأوّل فمقطوع البقاء، وأمّا الثاني فغير حادث حين العنبيّة، وأمّا الثالث فأمر عقليّ لا شرعي; لاستحالة جعل الملازمة. وقد يقال في مقام الإشكال على ذلك: إنّنا نأخذ الشقّ الثالث، وقولكم: إنّه أمر عقلي لا شرعي فلا يمكن استصحابه، جوابه: أنّ الملازمة وإن لم تكن تحت سلطان المولى مباشرة، لكنّها تحت سلطانه بواسطة كون منشأ انتزاعها تحت سلطانه. إذن فأمر رفعها ووضعها بيد الشارع. وهذا الكلام تامّ في مقام إبطال المقدار الذي جاء في كلام المحقّق النائيني(رحمة الله)إلاّ أنّه لا يصلح لتصحيح الاستصحاب التعليقي. وتوضيح الحال في ذلك: أنّه أساساً ليس من شرط الاستصحاب أن يكون المستصحب شرعياً وتحت سلطان الشارع حتّى يدور النزاع بين المحقّق النائيني(رحمة الله)والمستشكل في أنّ الملازمة في المقام هل هي تحت سلطان الشارع أو لا، فإنّ الاستصحاب وإن كان جعلاً شرعياً لكن هذا لا يستلزم كون المستصحب تحت سلطان المولى، بل يكفي أنّ التعبّد الاستصحابي بالمستصحب هو داخل تحت سلطان المولى دائماً، وإنّما يشترط في الاستصحاب الانتهاء إلى أثر عملي عقلي من التنجيز والتعذير سواء كان المستصحب داخل تحت سلطان المولى أو لا، وعندئذ يقال في المقام: هل يدّعى أنّ استصحاب الملازمة مباحث الأصول/ج5 / 402
بنفسه ينتهي إلى الأثر العملي من التنجيز، أو ينتهي إلى ذلك بواسطة ما يترتّب عليه من ثبوت الحرمة ؟ فإن قيل بالأوّل فمن الواضح أنّ الملازمة وحدها غير كافية لهذا الأثر، ولو فرض محالاً اجتماع العلم بالملازمة وبتحقّق العصير العنبي في الخارج مع عدم العلم بالحرمة لا يحصل تنجيز. وإن قيل بالثاني كان إثبات الحرمة باستصحاب الملازمة تعويلاً على الأصل المثبت، وهو غير جائز. وبالإمكان أن يقال: إنّ هذا الإشكال يتمّ بناءً على كلّ المباني في الجعل الاستصحابي ما عدا مبنى جعل الحكم المماثل. وأمّا بناءً على مبنى جعل الحكم المماثل فنقول: إنّ المجعول في المقام هو ملازمة ظاهرية مماثلة للملازمة الواقعية، وبما أنّ الملازمة يستحيل جعلها ابتداءً فهذا يكشف عن جعل منشأ انتزاعها، وليس هذا تعويلاً على الأصل المثبت، فإنّ جعل منشأ الانتزاع ملازم لنفس الحكم الظاهري، فيثبت منشأ الانتزاع، وهو الحكم الظاهري بأنّ الزبيب إذا غلى يحرم. وكلّ ما ذكرناه إلى هنا كان مأخوذاً من مقالات[1] المحقّق العراقي(رحمة الله)على فوارق دقيقة بين طرز بياننا وبيانه، إلاّ أنّ روح المطلب واحد. إلاّ أنّ التحقيق عدم تماميّة استصحاب الملازمة حتّى على مبنى جعل الحكم المماثل، وعدم تماميّة ما اختاره(رحمة الله) من التفصيل بين هذا المبنى وسائر المباني. وتوضيح ذلك: أنّ المدلول المطابقي لقوله: (لا تنقض اليقين بالشكّ) هو النهي عن النقض، وبما أنّ النقض التكويني غير معقول يحمل على النقض العملي، إلاّ أنّ هذا النهي عن النقض إرشاد ـ حسب مبنى جعل الحكم المماثل ـ إلى جعل الحكم المماثل، والنقض العملي لا يشمل الملازمة في المقام; لعدم ترتّب عمل عليها، فهذا قرينة على اختصاص النهي بغيرها، ويكون المرشد إليه تابعاً للمدلول المطابقي، وهو النهي الإرشادي، ولا معنىً لإجراء الإطلاق فيه مستقلاًّ، فيتحصّل في المقام عدم جريان استصحاب الملازمة بلا فرق بين المباني في تعيين ما هو المرشد إليه بالنهي الموجود في الحديث، وبهذا يتضح عدم جريان الاستصحاب في كلّ الأحكام الوضعية المنتزعة من الأحكام التكليفية، كالشرطيّة، والسببيّة، والمانعيّة، ونحو ذلك.
________________________________________ [1] ج 2، ص 399 ـ 400 بحسب طبعة مجمع الفكر الإسلامي.
مباحث الأصول/ج5 / 403
ويمكن أن يذكر في المقام إشكال ثان، وهو أنّه بهذا البيان لا تثبت الملازمة الظاهريّة، فإنّنا لو اكتشفنا باستصحاب الملازمة جعل المولى منشأ انتزاع تلك الملازمة ظاهراً، أي جعل الحرمة الظاهرية على تقدير غليان الزبيب، كان معنى ذلك الملازمة الواقعية بين غليان الزبيب والحرمة الظاهرية، والمفروض أنّ الاستصحاب يثبت حكماً ظاهرياً مماثلاً للمستصحب، لا حكماً واقعياً. إلاّ أنّ هذا الإشكال بالإمكان الإجابة عليه إذا لم نلتزم بحرفية كون مفاد دليل الاستصحاب هو الحكم الظاهري. توضيح ذلك: أنّ مفاد دليل الاستصحاب إنّما هو حكم اُخذ في موضوعه الشكّ في الواقع،ولوحظ فيه التحفّظ على نفس ملاكات الواقع، والمفروض أن يكون هذا الحكم مماثلاً للمستصحب. وهذا المقدار ثابت في المقام، فإنّ الملازمة الواقعية بين غليان هذا الجسم والحرمة الظاهرية مماثل للملازمة الواقعية بين غليانه والحرمة الواقعية، لفرض التماثل بين طرف هذه الملازمة وهي الحرمة الظاهرية وطرف تلك الملازمة وهي الحرمة الواقعية. وهذا الحكم المماثل، أعني الملازمة الواقعية بين غليان الزبيب والحرمة الظاهرية أخذ في موضوعه الشكّ في الملازمة الواقعية بين غليانه والحرمة الواقعية، وهذا الاستصحاب قد لوحظ فيه التحفّظ على ملاكات الواقع، ولا يوجد في مفاد دليل الاستصحاب مؤونة زائدة أزيد من هذا المقدار، فالعمدة هو الإشكال الأوّل. الإشكال الثاني: كلام المستمسك[1] والمحقّق العراقي(رحمة الله) [2] في المقام، وهو أنّنا نختار استصحاب الحرمة الفعلية، وقولكم: إنّها لم تكن فعلية وثابتة لأنّها معلّقة على الغليان غير صحيح، فإنّ الغليان وكذا كلّ شرائط الحكم ليست شرائط للحكم وقيوداً له بوجودها الخارجي، وإنّما هي شرائط له بوجودها اللحاظي في ذهن المولى، وهو ثابت من أوّل الأمر، ولا توجد فعلية متأخّرة عن الجعل تتحقّق عند تحقّق الموضوع. إذن فالحكم كان فعلياً من أوّل الأمر، ونستصحبه. أقول: إنّ عدم تعلّق الحكم بالقيد الخارجي صحيح، وترتّبه على الوجود اللحاظي
________________________________________ [1] راجع المستمسك: ج1، ص415 ـ 419، بحسب الطبعة الرابعة لمطبعة الآداب النجف الأشرف. [2] راجع المقالات: ج2 ص400 بحسب طبعة مجمع الفكر الإسلامي، ونهاية الأفكار: القسم الأوّل من الجزء الرابع، ص163 ـ 167. مباحث الأصول/ج5 / 404
للموضوع وقيوده صحيح، وعدم وجود فعلية للحكم وراء عالم الجعل توجد عند وجود الموضوع ـ أيضاً ـ صحيح، إلاّ أنّ كلّ هذا اكتنف ـ بحسب تصورات المحقق العراقي(رحمة الله) بأمرين خاطئين عندنا: (الأوّل) يرتبط بكيفية تصوير حقيقة الحكم[1]، وهذا مرّ في محله، لا نتكلّم عنه هنا. (والثاني) يرتبط بالمقام، وهو تخيّل جريان الاستصحاب. والصحيح: أنّ تلك المقدّمات لا تنتج هذه النتيجة: وتوضيح ذلك أنّ المجعول بناءً على تلك المقدّمات هو نفس الجعل. إذن نحن نستصحب نفس الجعل. إلاّ أنّ الجعل تارةً ينظر إليه بمنظار الحمل الشائع، وعندئذ ليس حكماً شرعياً مرتبطاً بالعصير المغلي، وإنما هي حالة من حالات المولى، وليس فيه شكّ في البقاء، وإنّما الذي يتصوّر فيه هو الشكّ في الحدوث دائماً، واُخرى ينظر إليه بمنظار العنوان الأوّلي، وهو بهذا المنظار عبارة عن نجاسة العنب الغالي، وهو بهذا المنظار يقع فيه شكّ في البقاء إذا لاحظنا اُفق ثبوت هذا الحكم بهذا المنظار، وهو العصير العنبي الغالي، ففي هذا الاُفق لا بأس بجريان الاستصحاب في فرض طروء تغيّر في العصير العنبي يوجب الشكّ في بقاء حكمه وأمّا إذا لاحظنا اُفقاً آخر وهو العنب غير الغالي فلا نرى بهذا المنظار ثبوت صفة الحرمة له أصلاً حتّى يشكّ في البقاء ويستصحب. الإشكال الثالث: ما ذكره المحقّق العراقي(رحمة الله) [2]. وحاصله: اتّخاذ شقّ رابع غير الشقوق الثلاثة التي أبطلها المحقّق النائيني(رحمة الله)من استصحاب الملازمة، واستصحاب الحرمة الفعلية، واستصحاب الجعل، وهو استصحاب الحرمة استصحاباً منوطاً ومقيّداً. بيان ذلك: أنّ العلم الفعلي قد يكون علماً مطلقاً وقد يكون علماً منوطاً، فالعلم بالملازمة بين الغليان والحرمة مثلاً علم فعلي ثابت في النفس ملازم لعلم فعلي آخر منوط ومقيّد، وهو العلم بالحرمة في اُفق الغليان، وعلى تقديره، وهذا نظير ما يتصوّر في الإخبار، فمثلاً حينما يقول: إن طلعت الشمس فالنهار موجود فهذا ليس مجرّد إخبار عن الملازمة بين طلوع الشمس ووجود النهار، بل هو إخبار عن أمر خارجي، وهو وجود النهار كما هو واضح، ولا معنى لافتراض كونه إخباراً عن وجود النهار على الإطلاق وبلا قيد، لوضوح أنّ طلوع الشمس قيد لذلك، ومن دونه لا يوجد نهار، وهذا القيد ليس قيداً في المخبر به، وإلاّ لكان
________________________________________ [1] حيث ذكر أنّها عين الإرادة والكراهة، وليس الحكم أمراً جعلياً. [2] راجع المقالات ج2 ص401 ـ 402 بحسب طبعة مجمع الفكر الإسلامي. مباحث الأصول/ج5 / 405
إخباراً عن المقيّد والقيد، وعندئذ لا يصدق الكلام في مثل لو كان فيهما آلهة إلاّ الله لفسدتا ممّا لا يوجد فيه القيد، وبالتالي لا يوجد فيه المقيّد، إذن هو قيد في الإخبار، وليس معنى قيديّته في الإخبار كون طلوع الشمس بوجوده الخارجي قيداً، أي: إنّ الإخبار لم يتمّ قبل طلوع الشمس مثلاً، وذلك لبداهة تماميّة الإخبار سواءً حصل القيد خارجاً، أو لم يحصل، أو لم يكن بالإمكان أن يحصل كما في مثال تعدّد الآلهة. إذن فتعيّن أن يكون معنى قيديّته كون الشرط بوجوده التقديري والفرضي قيداً في الإخبار أي: إنّ الإخبار بوجود النهار يكون في اُفق فرض طلوع الشمس، وهذا المطلب بعينه نتصوّره في العلم[1]. إذا عرفت هذا قلنا في المقام: إنّ العلم بالملازمة بين غليان العنب وحرمته يولّد علماً فعليّاً بالحرمة في اُفق الغليان، ومعلقاً على تقديره، وهذا علم منوط ومشروط، وهذا العلم المنوط يتبعه الشكّ المنوط حينما يصير العنب زبيباً، وهذا يوجب جريان الاستصحاب المنوط، فيثبت بذلك العلم بحرمة الزبيب منوطاً بتقدير الغليان، وهو المطلوب. وقد ذكر(رحمة الله) هذا الوجه مبنياً على مبنى جعل العلم في باب الاستصحاب، أو مبنى النهي عن نقض اليقين، أي: على المباني التي تثبت العلم بوجه من الوجوه، لا على المباني التي تثبت المتيقّن[1]. ويرد عليه: أنّ منوطيّة العلم الموجود فعلاً بالشرط وهو الغليان أمر غير معقول. وتوضيح الكلام في ذلك: أنّ الإناطة والشرط في عالم المفاهيم لها معنى، وفي عالم الوجودات الحقيقية لها معنىً آخر، فمعنى الاشتراط في عالم المفاهيم هو التقييد والتحصيص، فحينما يُشرط الإنسان مثلاً بالعلم في قولنا: (أكرم الإنسان العالم) يكون معنى هذا الشرط
________________________________________ [1] إذ لو كان علمه مطلقاً لا منوطاً لصحّ له الإخبار المطلق في حين أنّه لا يصحّ له ذلك، ولو لم يكن له علم أصلاً لما صحّ له الإخبار المنوط في حين أنّه صحّ له ذلك. [2] وإلاّ فالمفروض أنّ المتيّقن وهي الحرمة غير حاصلة في السابق; إذ لو رجعنا إلى مسلك فعليّة الحرمة قبل تحقّق الموضوع كان هذا يعني في نظر الشيخ العراقي رجوع الإشكال السابق، والشيخ العراقي حينما أراد تسجيل هذا الإشكال في مقالاته على الشيخ النائيني فرض التنزّل عن هذا المسلك كي يفترض عدم ورود الإشكال السابق. فلهذا كانت الحرمة غير حاصلة بالفعل في السابق، فما معنى استصحابها؟! وما هي فائدة فرض العلم المنوط بالحرمة؟!. ولا يخفى أنّ حلّ ذلك لا يكون بمجرّد الرجوع إلى مبنى جعل العلم والطريقيّة، وإنّما حلّه يكون بالرجوع إلى مبنى: أنّ مفاد دليل الاستصحاب هو النهي عن نقض اليقين، دون فرض ذلك استطراقاً إلى نقض المتيّقن، وهذا هو الوارد في كلام الشيخ العراقي في المقالات. لا مسلك جعل العلم والطريقية. مباحث الأصول/ج5 / 406
أنّنا أخذنا حصّة معيّنة من مفهوم الإنسان، وهي الإنسان العالم في موضوع الأمر بالإكرام، وكذلك الكلام في مفهوم الوجود أو أيّ مفهوم آخر اُريد إشراطه بشيء، فلو قيل مثلاً: (الوجود الطويل حكمه كذا) كان معنى ذلك أنّ حصّة معينة من الوجود وهو المقيّد بالطول حكمه كذا. وأمّا واقع الوجود الخارجي فليس معنى الشرط فيه التقييد والتحصيص; إذ هو جزئيّ خارجي لا معنىً لتحصيصه، وإنّما معنى الشرط فيه السببية والتولّد، فيقال مثلاً: (هذا الاحتراق مشروط بالنار) أي: متولد منه، وإنّ النار سبب له. وهذا المعنى من الشرط غير معقول في عالم المفاهيم; إذ لا سببيّة ولا تولّد في عالم المفاهيم. وبعد بيان هذه المقدّمة نقول: إنّه في عالم التصوّر والجعل والاعتبار والفرض ونحو ذلك من التعبيرات يوجد مفهوم وهو المتصوّر، أو المجعول، أو المعتبر، أو المفروض، ويوجد وجود نفسي وهو التصوّر، أو الجعل، أو الاعتبار، أو الفرض، فحينما يتصوّر المولى حرمة العصير المشروط بالغليان، أو يجعله يصحّ أن يقال: إنّ هذه حرمة فعليّة، وفي نفس الوقت يصحّ أن يقال: إنّها حرمة مشروطة. أمّا إنّها فعلية فباعتبار وجودها الذهني. وأمّا إنّها مشروطة فبالمعنى الأوّل من الشرط واعتبار المتصور، أو المجعول الذي هو مفهوم من المفاهيم، وبالمعنى الذي يكون فعلياً ليس مشروطاً، فالحرمة باعتبار وجودها الذهني فعلية، ولكنّها بهذا الاعتبار وجود واقعي لا يقبل التقييد والتحصيص، وليست متولّدة من الشرط ومسبّبة له. هذا بلحاظ الوجود التصوّري والفرضي. وكذلك الحال بلحاظ الوجود التصديقي، أي العلم، فيحنما يعلم بحرمة مشروطة بالغليان فالعلم وجود نفسي والمعلوم مفهوم، وهذه الحرمة بلحاظ وجودها العلمي فعلية، وهي غير مشروطة بالمعنى الأوّل; إذ لا تحصيص في واقع الوجودات، ولا بالمعنى الثاني; لأنّ هذا العلم ليس وليداً ومسبّباً للشرط. إذن فنحن نسأل المحقق العراقي(رحمة الله): أنّه ما هو المقصود بقوله: إنّ العلم بالحرمة فعليّ منوط ومشروط بتقدير الغليان؟ فإن قصد باشتراط الغليان كون المعلوم والمفهوم مضيّقاً ومحصّصاً بتقدير الغليان، فهذا معناه أنّنا علمنا بالحرمة المقيّدة بالغليان، أي علمنا بتحقق القيد والمقيّد خارجاً معاً، وهذا خلف، وليس هذا مراده(رحمة الله) وإن قصد به كون تقدير الغليان مأخوذاً شرطاً في نفس العلم وهو مراده(رحمة الله)قلنا: هل قصد بذلك اشتراطه بالمعنى الأوّل، أعني التحصيص والتضييق، أو بالمعنى الثاني، أعني مباحث الأصول/ج5 / 407
السببية والتولّد ؟ فإن قصد الأوّل قلنا: إنّ الاشتراط بهذا المعنى إنّما يعقل في عالم المفاهيم لا في عالم الوجودات، وإن قصد الثاني قلنا: إنّ العلم بوجوده الخارجي لا يتولّد من تقدير الغليان، وإنّما العلم وليد برهانه، هذا هو الإشكال الرئيسي في المقام، وهذا الذي بيّناه في العلم يأتي ـ أيضاً ـ في الإرادة والشوق، إلاّ أنّ المقدار المرتبط بالمقام كان هو تطبيق ما بيّنّاه على العلم[1]. أمّا تطبيقه على الإرادة والشوق فموكول إلى بحث الواجب المطلق والمشروط.
________________________________________ [1] قد تقول: إنّ هذا الذي أفاده اُستاذنا الشهيد(رحمه الله)في الحقيقة برهان على عدم إمكان فعليّة العلم المنوط بتقدير الشرط في المقام، وما أفادة الشيخ العراقي(رحمه الله)برهان على فعليّة العلم المنوط بتقدير الشرط. واُستاذنا الشهيد لم يبطل مقدّمة من المقدّمات البرهانية لكلام الشيخ العراقي، فأيّ موقف نحن نتخذه باتجاه برهانين منتهيين إلى نقيضين؟! ولعل اُستاذنا الشهيد(رحمة الله) لم يكن يحسّ بمأزق من هذا القبيل; لأنّه لم ير في كلام الشيخ العراقي(رحمه الله)برهاناً على مقصوده، لان قياس العلم بالإخبار لم يذكر في المقدار الوارد في نقل اُستاذنا الشهيد(رحمه الله)برهان عليه، ولكنّنا قد أشرنا إلى برهان ذلك تحت الخط في ما قبل هذا التعليق بتعليقتين فراجع. هذا. ولو كان الأمر منحصراً بمثل: (العنب إذا غلى يحرم) لأمكن الخروج عن هذا المأزق بدعوى بطلان المبنى الذي قام عليه كلام الشيخ النائيني(رحمه الله)، وردِّه، وهو فرض أنّ الحرمة إنّما تصبح فعليّة لدى فعلية الغليان، حيث إنّ هذا هو مبنى المحقّق النائيني، وهذا هو الذي تنازل إليه الشيخ العراقي في إشكاله هذا كي يكون غاضّاً للنظر عن إشكاله الأوّل، فالواقع بعد فرض بطلان هذا المبنى أنّ العلم تعلّق بالحرمة وأنّ تقدير الغليان قيد للمعلوم، وأن هذا لا يؤدّي إلى فرض العلم بالغليان; لأنّ فعليّة الحرمة المقيّدة بالغليان لا تكون بفعلية الغليان، فالعنب الغالي حرام حتّى قبل وجود الغليان، وقبل وجود العنب. ولكن الإشكال يستفحل في مثل (لو كان فيهما آلهة إلاّ الله لفسدتا) إذ في القضايا التكوينية لا يوجد جعل أو حكم مسبق على تحقّق الشرط يفترض كونه هو عين فعليّة الجزاء، ولا شكّ فيها في أنّ فعليّة الجزاء لا تكون إلاّ بفعلية الشرط، وعندئذ لو قبلنا كون الشرط قيداً اُنيط به العلم ورد عليه برهان اُستاذنا الشهيد(رحمه الله)، ولو نفينا ذلك ورد عليه برهان الشيخ العراقي(رحمه الله). وواقع المطلب هو: انّ ما استبدهَهُ المحقق العراقي(رحمه الله)من كون مثل هذه القضايا الشرطيّة إخباراً عن الجزاء لا عن الملازمة بين الشرط والجزاء، أوّل الكلام، وهذا هو الذي يوجب خروجنا من المأزق، ففي مثل (إن طلعت الشمس فالنهار موجود) لا بأس بافتراض الإخبار عن وجود النهار المقيّد بطلوع الشمس، بأن يكون إخباراً عن القيد والمقيّد ولو بلحاظ الزمان المستقبل، ولكن في مورد فرض الاستحالة كما في قوله: (لو كان فيهما آلهة إلاّ الله لفسدتا)، أو فرض عدم الاطّلاع على وقوع الجزاء في المستقبل لا بدّ من حمل الإخبار على الإخبار بالملازمة، وبه نخلص من مأزق البرهانين المتقابلين. أمّا لو كان إخباراً عن الجزاء على تقدير الشرط، فلو فرض تقدير الشرط قيداً للمخبر به لزم دخوله تحت الإخبار، وتعلّق الإخبار بالقيد والمقيّد، ولو فرض تقديره قيداً للإخبار وبالتالي قيداً للعلم فكونه قيداً له على حدّ مباحث الأصول/ج5 / 408
وهنا إشكال آخر يرد على المحقّق العراقي(رحمة الله) وهو: أنّ الاستصحاب إن فرض إجراؤه من قِبل الفقيه قبل وجود الموضوع خارجاً، فعلمه منوط بغليان العنب، فلو ثبت التعبّد بالعلم بواسطة الاستصحاب فمقتضى القاعدة هو أن يثبت التعبّد بالعلم بحرمة الزبيب منوطاً بغليانه عنباً، أي: أنّه لو غلى في حالة العنبية ثمّ فرض طروّ الزبيبيّة عليه كان حراماً، وهذا لا علاقة له بالاستصحاب التعليقي، إلاّ أن يقال بإجراء مسامحة في جانب العلم المنوط بإلغاء هذا القيد في طرف العلم، كما يفترض إلغاء حالة العنبيّة والزبيبية في مقام تصحيح وحدة المتيّقن والمشكوك، إلاّ أنّ إلغاء ذلك في طرف العلم المنوط مؤونة زائدة تحتاج إلى دليل. نعم، لو فرض إجراء الاستصحاب بعد العلم بوجود الموضوع خارجاً وهو العنب الذي صار زبيباً فقد يتخلّص من الإشكال الذي أثرناه بأن يقال: إنّنا نشير إلى هذا الجسم الخارجي ونقول: إنّنا نعلم أنّه في ما سبق كان إذا غلى يحرم، فالعلم كان منوطاً بفرض الغليان وتقديره، دون فرض العنبيّة; لأنّ العنبيّة ثابتة في الخارج[1] فنجرّ هذا العلم إلى ما بعد الزبيبية.
________________________________________ ... تقييد المفاهيم وتحصيصها غير معقول، وكونه قيداً له من باب تقيّد العلم بسببه ـ أيضاً ـ غير معقول; لأنّ تقدير الشرط ليس سبباً للعلم بالجزاء، وإنّما العلم بفعليّة الشرط قد يكون سبباً للعلم بفعليّة الجزاء. ثمّ إنّ ما نقلناه عن اُستاذنا الشهيد(رحمه الله)في المقام في المتن قد يوحي بالصياغة الواردة في ما كتبناه في المتن إلى أنّ العلم لا يعقل أن يكون منوطاً بمعنى وجود ضيق فيه، وإنما يعقل أن يكون منوطاً بشيء بمعنى كونه مسببّاً عنه، ومتولّداً منه. فإن كان حقّاً هذا هو مقصوده(رحمه الله)فإنّي أتذكّر أنّه(رحمه الله)عدل عن ذلك حين ما كان يهيّئ أبحاث ما أسماه بعد ذلك بالاُسس المنطقية للاستقراء، حيث رأى عندئذ: أنّ العلم قد يدخل عليه ضيقٌ من غير ضيق المعلوم، ولم يكن يقصد بذلك تضييق العلم مفهوماً وتحصيصه حتى يرد عليه: أنّ هذا إنّما يناسب باب المفاهيم لا باب الوجودات، بل كان يقصد بذلك تحجيم نفس الوجود الخارجي للعلم ببعض التقادير، إلاّ أنّ ذلك لا يبطل نتيجة البرهان الذي أقامه هنا لابطال كلام المحقق النائيني(رحمه الله); لأنّه لم يكن يقبل تحجيم العلم إلاّ بتقدير سببه، من قبيل أنّ علمنا بأنّ هذا الجسم الفلاني مثلثٌ مثلاً يكون محجّماً ومقدّراً بتقدير سلامة بصرنا، فلو سُئلنا: هل على تقدير عدم سلامة البصر وكونه يَرى نتيجة مرضه اُموراً خيالية تعلم ايضاً بذلك؟ لقلنا: لا، في حين أنّ علمنا باستحالة اجتماع النقيضين مثلاً مطلق، أي: ليس مقيّداً ومضيّقاً بتقدير سلامة بصرنا، فالعلم إنّما يعقل أن يكون فعليّاً ومنوطاً في وقت واحد حينما يلحظ بالقياس إلى سببه، مع فرض كون سببه فعليّاً. أمّا لو قيس إلى غير سببه فقد يكون فعلياً، لكنّه لا يكون منوطاً، ولو قيس إلى سببه غير الفعلي فلا يكون فعلياً، لكنّه منوط بسببه، بمعنى منوطيّة كلّ مسبّب بسببه، وبمعنى أنّه لو وجد ذاك العلم لما كان وجوده واسعاً، وعلى كلّ تقدير، بل محدداً بتقدير سببه. [1] هذا مبنيّ على تفسير الإناطة بمعنى لا يناسب إلاّ مع كون المنوط به تقديرياً لا فعليّاً .
مباحث الأصول/ج5 / 409
لكنّ الصحيح: أنّه هنا ـ أيضاً ـ لا يمكن إجراء الاستصحاب; لأنّ هذا العلم يكون منوطاً بفرض غليانه في الزمان السابق، لا بفرض غليانه ولو الآن، والفرق الزمني وإن كان المفروض إلغاؤه في باب الاستصحاب في طرف المستصحب لكنّ إلغاءه في طرف العلم المنوط[1] مؤونة زائدة تحتاج إلى قرينة. الإشكال الرابع: ما ذكره المحقّق الإصفهاني(رحمة الله)[2] ناقلاً له عن اُستاذه صاحب الكفاية من أنّ حكم حرمة العنب المغلي مجعول بنحو القضية الحقيقية لا الخارجية، والفرق بين القضيّة الحقيقيّة والخارجيّة هو: أنّ الحكم في القضيّة الخارجيّة إنّما هو على الأفراد الموجودين خارجاً. وأمّا في القضية الحقيقيّة فهو يشمل ـ أيضاً ـ الأفراد المقدّرة الوجود، فهذا العنب وإن كان غير غال، لكنّ تقدير غليانه موضوع للحرمة، فالحرمة فعليّة على الغالي المقدّر. ولا يقصد بهذا ما مضى في الإشكال الثاني من أنّ الشرط للحكم هو الوجود اللحاظي لا الخارجي، بل هو يسلّم أنّ الشرط هو الغليان الخارجي ويتكلّم في استصحاب الحرمة الجزئية لا الحرمة الكلّيّة التي جعلها المولى على لحاظه للغليان، كما في الإشكال الثاني، ولكنّه يقول: إنّ الغليان الخارجي كما تكون أفراده المحقّقة الوجود مشمولة للحكم كذلك تكون أفراده المقدّرة الوجود مشمولة للحكم، فيستصحب تلك الحرمة الجزئية الثابتة بلحاظ الفرد المقدّر الوجود. وهذا الكلام في غاية الغرابة، فإنّ معنى كون القضيّة الحقيقيّة شاملة للفرد المقدّر الوجود إنّما هو ثبوت الحكم على الفرد المقدّر الوجود بما هو منظور إليه بالنظر الأوّلي الذاتي دون الحمل الشائع; إذ بمنظار الحمل الشائع ليس إلاّ صورة نفسية داخلة في نفس المتصوّر، ولكن حينما ينظر إليه بمنظار الحمل الأوّلي الذاتي يُرى عنب غال، فيُحكم عليه بالحرمة، وهذه الحرمة تستصحب في الاُفق الذي تُرى، وهو اُفق النظر بمنظار الحمل الأوّلي إلى العنب الغالي. إذن يثبت الاستصحاب بقاء الحرمة في الظروف التي تُرى ـ أيضاً ـ بهذا المنظار بعد فرض كونه عنباً غالياً، أي: إنّه يستصحب بقاءً حرمة العنب الغالي إذا تغير طعمه بعامل وشككنا أنّ تغيّر طعمه يوجب تغيّر الحكم أو لا مثلاً، ولا يستصحب بقاء الحرمة في اُفُق
________________________________________ [1] مسامحةً وعرفاً كما ورد في كلام الشيخ العراقي(رحمه الله)في المقالات في مقام دفع هذا الإشكال. [2] في تعليقته على الكفاية: ج5، ص173 ـ 174 بحسب طبعة آل البيت.
مباحث الأصول/ج5 / 410
آخر وهو العنب غير الغالي، بأن تسحب الحرمة إلى الحالات المتأخّرة عن العنب غير الغالي; إذ في هذا الاُفُق لا تُرى حرمةٌ حتّى تستصحب. ثمّ إنّ هذا الذي أفاده(رحمة الله) في مقام توضيح كلام اُستاذه صاحب الكفاية إنّما هو تفسير بما لا يرضى صاحبه، فإنّ الذي ذكره صاحب الكفاية في تعليقه على الرسائل[1] لا يمتّ إلى هذا المعنى بصلة; ولذا صرّح في كلامه بأنّ الفرضيّة التي يذكرها خارجة اصلاً عن مسألة الاستصحاب التعليقي، وراجعة إلى مسألة الاستصحاب التنجيزي الذي لا كلام فيه، بل مقصوده هو التفصيل بين شرط الحرمة وشرط الحرام. وتوضيح ذلك: أنّه كما يقال في باب الوجوب: أنّ الشرط تارةً يكون شرطاً للوجوب واُخرى شرطاً للواجب، إلاّ أنّ شرط الواجب الخارج عن كونه قيداً للوجوب يجب أن يكون اختيارياً كي يصحّ ترشّح الوجوب إليه، كذلك يقول الشيخ الأخوند(رحمة الله) في باب الحرمة: إنّ الشرط وهو الغليان مثلاً يمكن أن يفرض شرطاً للحرام كما يمكن أن يفرض شرطاً للحرمة، ولا يضرّ هنا في فرض كونه شرطاً للحرام دون الحرمة خروجه عن القدرة; إذ ليس المفروض ترشّح وجوب إليه، وفي هذه الفرضية، أعني فرضية رجوع الشرط إلى الحرام دون الحرمة لا بأس باستصحاب الحرمة; لأنّها فعلية قبل الشرط، ويكون هذا استصحاباً تنجيزياً وخارجاً عن مبحث الخلاف في الاستصحاب التعليقي[1].
________________________________________ [1] ص207 بحسب النسخة التي هي من منشورات مكتبة بصيرتي في قم. [2] قد يتوهم أنّ ما ذكره صاحب الكفاية هنا من جريان الاستصحاب في فرض كون الغليان مثلاً شرطاً للحرام لا للحرمة مرجعه إلى ما اختاره اُستاذنا الشهيد(رحمه الله)من أنّه لو قال: (العنب إذا غلى يحرم) أو قال: (العنب يحرم الغالي منه) صحّ الاستصحاب، ووجه الرجوع إليه: أنّه في هذين المثالين أخذ شرط الغليان في طرف الحكم المحمول، فكان إذن شرطاً للحرمة، وهذا بخلاف ما لو قال: (العنب الغالي حرام) فإنّ الغليان أخذ عندئذ في طرف الموضوع، فهو شرط للحرام. ولكن لعلّه يظهر بأدنى تأمّل الفرق بين الرأيين، ففي كل من المثال الثاني والثالث كان الغليان موضوعاً والحرمة محمولة حسب مصطلح المنطق من الموضوع والمحمول، وفي المثال الأوّل كان الغليان شرطاً والحرمة جزاءً. وإنّما مقصود الشيخ الآخوند(رحمه الله)هو أنّ الغليان قد يكون داخلاً في ما يقدّر وجوده حتّى يحكم بالحرمة، وقد لا يكون كذلك، بل يكون قيداً للحرام، ففي الأوّل يكون الاستصحاب تعليقياً، وفي الثاني يكون تنجيزياً لا شك في جريانه، في حين أنّ أستاذنا الشهيد(رحمه الله)يقصد التفصيل بين عرضيّة القيدين المقدّري الوجود، وهما العنبية والغليان، وعدم العرضية بأن يكون العنب مأخوذاً مقدّر الوجود في موضوع قضية مؤتلفة من موضوع أو شرط، وهو الغليان، ومحمول أو جزاء وهو الحرمة، فإن فرض القيدان عرضيين لم يجرِ الاستصحاب; لانتفاء اليقين السابق في اُفق نظر الحمل الأوّلي إلى الجعل ما دام المفروض عدم الغليان، في حين أنّ الغليان مأخوذ في ذاك الاُفق. وهذا الإشكال ـ كماترى ـ يرد ليس على الاستصحاب التعليقي فحسب، بل حتّى على الاستصحاب التنجيزي لو اُريد إجراؤه فيما لو كان كلا القيدين مأخوذين في عرض واحد بعنوان قيد الحرام لا قيد الحرمة، أمّا إذا لم يكونا عرضيين فيرتفع الإشكال حتّى لو كان الغليان قيداً للحرمة.
مباحث الأصول/ج5 / 411 | ||||