الصفحة 79  

  المقدمة


2





الوضع



حقيقة الوضع .
تشخيص الواضع .
الأقسام الممكنة للوضع .
ما هو الواقع من الأقسام الممكنة للوضع.

 
  الصفحة 81  

 

 

 

 

 

 

الأمر الثاني: في الوضع.

والكلام فيه يقع في أربع جهات:

1 ـ في حقيقة الوضع.

2 ـ في تشخيص الواضع.

3 ـ في الأقسام الممكنة للوضع.

4 ـ فيما هو الواقع من تلك الأقسام الممكنة.

 

حقيقة الوضع

 

أمّا الجهة الاُولى: وهي في حقيقة الوضع، فتوضيح المقصود: أنّه لا إشكال في أنّ انتقاش صورة اللفظ في ذهن العالم باللغة سبب حقيقي للوجود الذهني للمعنى، كما لا  إشكال في أنّ هذه السببيّة ليست سببيّة ذاتيّة لا  تحتاج إلى أمر خارجيّ، وإلاّ لما اختلف الناس في فهمهم للمعنى باختلاف علمهم باللغة وجهلهم بها. إذن، فيوجد حتماً أمر خارجيّ انضمّ إلى اللفظ، فأوجب انضمامه إليه صيرورة اللفظ سبباً لانتقاش المعنى في الذهن. وذلك الأمر الخارجيّ هو الذي نسمّيه بالوضع،

 
  الصفحة 82  

والذي نبحث في هذه الجهة عن اكتشاف حقيقته.

وهنا توجد ثلاثة مسالك:

   1 ـ مسلك التعهّد.

   2 ـ مسلك الاعتبار.

   3 ـ مسلك الجعل الواقعيّ.

 

مسلك التعهّد:

أمّا المسلك الأوّل: وهو مسلك التعهّد، فهو الذي اختاره السيّد الاُستاذ دامت بركاته(1) وجماعة من المحقّقين من قبله(2). وحاصله: أنّ هذا الأمر الخارجيّ عبارة عن تعهّد من قبل الإنسان اللغويّ بقضيّة شرطيّة، وهي: أنّه متى ما قصد تفهيم المعنى الفلانيّ أتى باللفظ الفلانيّ(3).


(1) راجع المحاضرات للشيخ الفيّاض، المجلّد الأوّل، ص 44 فصاعداً، وراجع أجود التقريرات، المجلّد الأوّل، ص 12 تحت الخطّ.

وهذا التفسير للوضع يفهم أيضاً من كلام الشيخ الحائريّ في كتاب الدرر، الجزء الأوّل ص 35.

(2) يشهد لوجود القول بمسلك التعهّد قبل السيّد الخوئيّ نقل الشيخ النائينيّ ذلك عمّن قبله. راجع أجود التقريرات، ج 1، ص 12 بحسب الطبعة المشتملة على تعاليق السيّد الخوئيّ، وفوائد الاُصول للشيخ الكاظميّ، ج 1، ص 29 ـ 30 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم. وراجع أيضاً نهاية الدراية، ج 1، ص 47 بحسب طبعة آل البيت، فإنّه ورد فيه نقل مسلك التعهّد عن بعض أجلّة العصر، وذكر المخرّج تحت الخطّ أنّ المقصود به الملاّ عليّ النهاونديّ صاحب تشريح الاُصول .

(3) راجع أجود التقريرات، ج 1، ص 12 بحسب الطبعة التي أشرنا إليها، ومحاضرات الشيخ الفيّاض، ج 43 من موسوعة الإمام الخوئيّ، ص 48 ـ 53.

  الصفحة 83  

وهذا التعهّد معقول في نفسه; لأنّه تعهّد بأمر اختياريّ له، وبإمكان كلّ إنسان أن يتعهّد بأمر داخل تحت اختياره. ونضمّ إلى هذا التعهّد أصالة وفاء العقلاء بتعهّداتهم، فتحصل الملازمة بين اللفظ والمعنى، بمعنى: أنّه متى ما قال: « أسد » مثلاً عرفنا بمقتضى تعهّده وأصالة الوفاء بالتعهّد أنّه أراد الحيوان المفترس، وقصد تفهيمه.

وهذا المبنى يستخلص منه:

أوّلاً: أنّ الملازمة قائمة بين طرفين: أحدهما اللفظ، والآخر قصد تفهيم المعنى; لأنّ هذين الأمرين هما طرفا التعهّد.

وثانياً: ـ وهو مترتّب على الأوّل ـ أنّ الدلالة التي نشأت ببركة هذا التعهّد ليست مجرّد دلالة تصوّريّة، بل دلالة تصديقيّة; فإنّ الدلالة التصوّريّة هي انتقاش المعنى من اللفظ في الذهن ولو صدر عن حجر، والدلالة التصديقيّة هي دلالة اللفظ على قصد تفهيم المعنى وإخطاره، وطرف الملازمة كان هو الثاني. إذن، فالوضع يتكفّل بالدلالة التصديقيّة، وطبعاً يوجد في ضمنها الدلالة التصوّريّة.

وثالثاً: أنّ كلّ من كان من أهل اللغة فهو واضع، وليس الواضع عبارة عن شخص واحد; إذ الوضع عبارة عن التعهّد، والتعهّد لا  يتعلّق إلاّ بما يكون تحت اختيار المتعهّد وهو استعماله، لا  استعمال الأجيال المتأخّرة إلى يوم القيامة، فالتعهّد يجب أن يكون من قبل كلّ أصحاب اللغة، فكلّهم واضعون لكن أحدهم واضع أصليّ(1) والآخرون واضعون بالتبع والمشايعة.


(1) وإن شئت فاجعل الوضع اسماً لخصوص التعهّد الأصليّ، فيكون الواضع إنساناً واحداً. وهذا مجرّد نقاش لفظيّ وبحث في التسمية، ولبّ المقصود واحد.

  الصفحة 84  

هذه خلاصة توضيح مبنى التعهّد، ولنا حول هذا المبنى ثلاث كلمات:

الكلمة الاُولى: أنّ هذا المبنى كان عبارة عن دعوى التعهّد بقضيّة شرطيّة، وببركته توجد الملازمة بين الشرط والجزاء، وعليه نقول: إنّ هذه القضيّة الشرطيّة المتعهّد بها والتي أوجدت الملازمة بين شرطها وجزائها تتصوّر على أنحاء ثلاثة:

1 ـ أن يكون الشرط عبارة عن قصد تفهيم المعنى، والجزاء هو الإتيان باللفظ، وهذا هو المطابق لظاهر كلمات السيّد الاُستاذ ـ  دامت بركاته  ـ(1) وهذا أمر عقلائيّ في نفسه لكنّه لا  يفيد المقصود، وهو دلالة اللفظ على المعنى; فإنّ التعهّد بقضيّة شرطيّة إنّما يوجب دلالة الشرط على الجزاء لا  دلالة الجزاء على الشرط، والشرط هنا هو قصد تفهيم المعنى، والجزاء هو الإتيان باللفظ، فلو عرفنا صدفة أنّ هذا الإنسان قاصد لتفهيم معنىً دلّنا ذلك على أنّه سوف يأتي باللفظ، وأمّا الإتيان باللفظ فليس دليلاً على أنّه قصد المعنى; إذ قد يكون الإتيان باللفظ لازماً أعمّ لقصد المعنى.

والحاصل: أنّه لم يتعهّد بأنّه متى ما أتى باللفظ قصد المعنى حتّى يكون إتيانه باللفظ دليلا على قصد المعنى.

2 ـ عكس الأوّل، وذلك بأن يكون الشرط هو الإتيان باللفظ، والجزاء هو قصد تفهيم المعنى، فهو متعهّد بأنّه متى ما أتى باللفظ قصد تفهيم المعنى، وحتّى لو صدر عنه اللفظ غفلةً فسوف يُحدث في نفسه قصد تفهيم المعنى وفاءً بتعهّده. وهذا يفيد المقصود ويوجب دلالة اللفظ على المعنى، لكنّه ليس أمراً عقلائيّاً; فإنّ التلفّظ هو


(1) ولكن صريح كلامه في بحث الاشتراك هو المعنى الثاني، راجع المحاضرات، ج  1، ص  202 بحسب طبعة مطبعة النجف.

  الصفحة 85  

الذي يكون في طول قصد تفهيم المعنى، وليس قصد تفهيم المعنى في طول اللفظ، وأيّ عاقل يُلزِم نفسه بأن يُحدث قصد تفهيم المعنى عندما يصدر عنه اللفظ ولو غفلة؟!

3 ـ أن يكون الشرط عبارة عن عدم كونه قاصداً لتفهيم المعنى، والجزاء عبارة عن عدم التلفّظ باللفظ. فهو يتعهّد مثلاً بأنّه لو لم يرد معنى الحيوان المفترس لا  يستعمل كلمة « أسد »، وعندئذ يصبح استعمال كلمة « أسد » دالاًّ على إرادة المعنى على أساس: أنّ انتفاء الجزاء يدلّ على انتفاء الشرط. وهذا يكون أمراً عقلائيّاً في نفسه، ويكون مفيداً للمقصود، ويصبح اللفظ على أساسه دالاًّ على قصد تفهيم المعنى، إلاّ أنّ هذا غير واقع خارجاً; فإنّ هذا لا  ينسجم مع الاستعمال المجازيّ الذي هو باب من أبواب اللغة، والواضع حتّى حين الوضع بان على الاستعمال المجازيّ، أو على الأقلّ يحتمل أنّه سوف يستعمل ذلك، والعاقل الباني على الاستعمال المجازيّ كيف يتأتّى منه التعهّد بعدم استعمال كلمة « أسد » مثلاً إلاّ حين إرادة تفهيم الحيوان المفترس؟!

والخلاصة: أنّ هذه الصيغة الثالثة للتعهّد تستلزم التعهّد الضمني بعدم الاستعمال المجازيّ، فلا  يعقل صدوره من واضع بان ولو احتمالاً على الاستعمال المجازيّ.

وقد ذكرت هذا الإشكال على مبنى التعهّد بصيَغه الثلاث للسيّد الاُستاذ ـ  دامت بركاته  ـ فذكر في مقام الجواب صيغةً رابعة أو تعديلاً للصيغة الثالثة، وذلك بأن يقال: إنّ الواضع يتعهّد بأن لا  يأتي باللفظ إلاّ إذا قصد المعنى الحقيقيّ، ويستثنى من ذلك فرض إقامة القرينة. وبكلمة اُخرى: أنّه يتعهّد بأن لا  يأتي بلفظة « أسد » مثلاً إلاّ في إحدى حالتين:

الاُولى: أن يقصد تفهيم الحيوان المفترس.

 
  الصفحة 86  

والثانية: أن يقصد تفهيم الرجل الشجاع مع انضمام القرينة، فإذا لم يأت بقرينة على المعنى المجازيّ تعيّن قصده لتفهيم المعنى الحقيقيّ.

ويرد على هذه الصيغة الرابعة:

أوّلاً: أنّه سواء اُريد بالقرينة القرينة المتّصلة أو اُريد بها الأعمّ من القرينة المتّصلة والمنفصلة لا  تكفي هذه العناية ـ  أعني: عناية استثناء فرض إقامة القرينة  ـ لتصحيح مبنى التعهّد; لوضوح: أنّ المستعمل اللغويّ قد يستعمل المجاز بلا  قرينة حينما يتعلّق غرضه بالإجمال أو الإهمال، فهذا التعهّد خلف بنائه ولو احتمالاً على الاستعمال المجازيّ بلا  قرينة. فهذا المقدار من العناية لا  يفي بتصحيح التعهّد ما لم تبذل عنايات إضافيّة اُخرى(1).

وثانياً: أنّه هل المراد بالقرينة خصوص القرينة المتّصلة أو الأعمّ من القرينة المتّصلة والمنفصلة؟ فإن اُريد خصوص القرينة المتّصلة كان هذا تعهّداً ضمنيّاً بإلغاء القرائن المنفصلة. ومن الواضح: أنّه كثيراً ما يعتمد على القرينة المنفصلة، ولا  يعقل صدور هذا التعهّد ممّن هو بان ولو احتمالاً على الاستعمال المجازيّ معتمداً على القرينة المنفصلة في بعض الأحيان. وإن اُريد الأعمّ من القرينة المتّصلة والمنفصلة لزم من ذلك أنّه متى ما سمعنا كلاماً من المتكلّم واحتملنا أنّه سوف يقيم قرينة منفصلة على إرادة المعنى المجازيّ لم يجز حمل كلامه على المعنى الحقيقيّ، ولم نحرز دلالة اللفظ على معناه الموضوع له; وذلك لأنّ الدلالة على المعنى الموضوع له فرع التعهّد، والتعهّد بذلك قد قيّد بحالة عدم القرينة ولو


(1) كأن يستثنى أيضاً فرض تعلّق غرضه بالإجمال أو الإهمال، ويستعان في مقام تتميم الدلالة بالبناء على عدم إرادة الإجمال أو الإهمال على أساس ندرة هذه الحالة.

  الصفحة 87  

المنفصلة، فمع احتمال ورود القرينة المنفصلة في المستقبل لا  نجزم بالتعهّد بإرادة المعنى الموضوع له، فلا  نجزم بالدلالة(1)، مع أنّه لا  إشكال في هذه الحالة في حمل الكلام على المعنى الموضوع له.

فإن قلت: إنّ احتمال مجيء القرينة المنفصلة في المستقبل ينفى بأصالة عدم القرينة المنفصلة; ومن المعلوم أنّ أصالة عدم القرينة أصل عقلائيّ نحرز بها قيد التعهّد، وبذلك يثبت التعهّد، فتتمّ الدلالة.

قلت: إنّ هذا الأصل أصل عقلائيّ، والعقلاء ليست لهم اُصول تعبّديّة، بل اُصولهم اُصول استظهاريّة، فأصالة عدم القرينة إنّما يبنون عليها من باب: أنّ القرينة المنفصلة على خلاف ظهور اللفظ ودلالته، فيجب أن نفرغ في المرتبة السابقة عن دلالة اللفظ، ولا  معنى لنشوء الدلالة من أصالة عدم القرينة.

الكلمة الثانية: أنّنا لو غضضنا النظر عن الكلمة الاُولى، وفرضنا تماميّة إحدى الصيغ الأربع الماضيّة للتعهّد، قلنا: إنّ تفسير الوضع بالتعهّد غير محتمل خارجاً. وتوضيح ذلك: أنّ فهم المعنى من اللفظ على أساس التعهّد عمليّة استدلاليّة مبنيّة على التمسّك بقانون: أنّه متى ما كان شيء مستتبعاً لشيء ووجد الشيء الأوّل وجد الثاني أيضاً من قبيل: أنّنا إذا رأينا إنساناً شرب السمّ جعلنا شربه للسمّ دليلاً على أنّه سوف يموت، ففهم المعنى من اللفظ يرجع إلى الاستدلال بأحد المتلازمين على الآخر على أساس: أنّه لو ثبت الأوّل ثبت الثاني. ومن الواضح:


(1) إلاّ أن يدّعى أنّ التعهّد مقيّد بفرض عدم القرينة المتّصلة وبفرض عدم إرادة الإجمال أو الإهمال ولو الموقّت، أي: خصوص ساعة الكلام، ويستعان أيضاً في مقام تتميم الدلالة بالبناء على عدم إرادة الإجمال أو الإهمال ولو الموقّت على أساس ندرة هذه الحالة.

  الصفحة 88  

أنّه يحصل عند الطفل فهم جملة من الكلمات كالاُمّ والحليب مثلاً قبل تحقّق أيّ قدرة له على الاستدلال والاستنتاج، ولا  يمرّ على ذهن الطفل ( بل ولا على ذهن الكبير ) حين فهم المعنى من اللفظ أنّه بما أنّ اُمّي تعهّدت مثلاً بأن لا  تقول كلمة الحليب إلاّ حين تريد معناها، وأنّها تفي بعهدها، إذن فكلمة الحليب تدلّ على معناها. ولا  ندري كيف يستكشف الطفل تعهّد الاُمّ بإرادة معنى الحليب مثلاً لدى ذكر كلمة الحليب؟! وقد قالوا: إنّ فهم المعنى من اللفظ متوقّف على العلم بالوضع، ومن الواضح: أنّ الطفل في بداية عمره إذا سمع اللفظ مستعملاً في معنىً معيّن مراراً عديدة انتقل ذهنه بعد ذلك من اللفظ إلى المعنى، فهل يقال: إنّه استكشف التعهّد من قبل المتكلّم بإرادة معنى الحليب عند التكلّم بلفظ الحليب مثلاً، واستنتج من هذا التعهّد وجود الملازمة بين الشرط والجزاء، فأخذ يستدلّ بوجود أحدهما على الآخر؟! طبعاً لا. فبهذا يتّضح: أنّ الانتقال له نكتة محفوظة بقطع النظر عن العلم بالتعهّد والملازمة. أمّا ما هي هذه النكتة؟ فسيأتي بيانها في آخر المسألة إن شاء الله.

الكلمة الثالثة: أنّ هناك إشكالاً مشهوراً اُورد على مذهب التعهّد، وهو إشكال الدور(1)، حيث يقال: إنّ التعهّد بإتيان اللفظ عند قصد المعنى معناه: إرادة الإتيان باللفظ عند قصد المعنى، وعندئذ نقول: إنّ إرادة الإتيان باللفظ هل هي إرادة مقدّميّة تنشأ من إرادة المعنى، أو إرادة نفسيّة غير مترشّحة من إرادة المعنى؟

فإن قيل: إنّها إرادة مقدّميّة تنشأ من إرادة المعنى لزم الدور; لأنّ ترشّح إرادة اللفظ من إرادة المعنى فرع كون اللفظ دالاًّ على المعنى، ودلالة اللفظ على المعنى


(1) راجع المحاضرات للشيخ الفيّاض، المجلّد الأوّل، ص 45 ـ 46.

  الصفحة 89  

فرع التعهّد، والتعهّد معناه: إرادة الإتيان باللفظ عند قصد المعنى، فأصبحت إرادة اللفظ عند قصد المعنى موقوفة على دلالة اللفظ على المعنى، وهذه الدلالة موقوفة على تلك اللإرادة، وهذا دور.

وإن قيل: إنّها إرادة نفسيّة، قلنا: إنّ الإرادة النفسيّة للّفظ تحتاج إلى غرض نفسيّ في الإتيان باللفظ بغضّ النظر عن تفهيم المعنى، في حين لا  يوجد أيّ غرض نفسيّ في ذلك، وإنّما الغرض من الإتيان باللفظ هو تفهيم المعنى. إذن، فإرادة اللفظ مقدّميّة حتماً، فيتسجّل إشكال الدور.

وقد يجاب(1) على هذا الإشكال بأنّه توجد عندنا إرادتان للّفظ: إحداهما إرادة جزئيّة للّفظ، وهي تحصل حين الاستعمال، والاُخرى إرادة كلّيّة تتعلّق على نحو القضيّة الحقيقيّة بهذه القضيّة الشرطيّة، وهي أنّه متى ما قصد المعنى أتى باللفظ، وهذه الإرادة تحصل عند الوضع، والإرادة الموقوفة على الدلالة هي الإرادة الاُولى، والإرادة الموقوفة عليها الدلالة هي الإرادة الثانية، فلا  دور(2).

إلاّ أنّ هذا الجواب بهذا اللسان غير تامّ; إذ إنّ هذه الإرادة الكلّيّة هي عين الإرادات الجزئيّة إلاّ أنّها تقديريّة، فعندنا إرادة واحدة تكون قبل تحقّق الشرط تقديريّة وشرطيّة، وبعد تحقّقه فعليّة، وذلك من قبيل: أنّ كلّ إنسان يريد أن يشرب الماء حين يعطش، فهذه الإرادة ثابتة قبل العطش وحين العطش إلاّ أنّها قبل العطش تقديريّة نعبّر عنها بقضيّة شرطيّة، وحين العطش فعليّة نعبّر عنها بقضيّة تنجيزيّة،وكلاهما تعبيران عن إرادة واحدة، وليست هنا إرادة جديدة تحدث حين


(1) راجع المصدر السابق.

(2) هذا جواب للشيخ الإصفهانيّ . راجع نهاية الدراية، ج 1، ص 48 بحسب طبعة آل البيت.

  الصفحة 90  

العطش.

والصحيح في الجواب: أنّ التعهّد ليس من سنخ الإرادة، بل من سنخ الالتزام وجعل المسؤوليّة على نفسه من قبيل النذر، وهو فعل نفسيّ يكون بنفسه ذا  مصلحة، ومصلحته حصول الدلالة للّفظ، حيث يقول أصحاب مبنى التعهّد: إنّ هذا التعهّد يجعل اللفظ دالاًّ على المعنى.

فظهر: أنّ هذا الإشكال المشهور غير وارد على مسلك التعهّد. والصحيح في ردّ هذا المسلك هو ما مضى في الكلمتين السابقتين.

هذا تمام الكلام في مسلك التعهّد.

 

مسلك الاعتبار:

وأمّا المسلك الثاني: وهو مسلك الاعتبار، فيتشعّب إلى عدّة شعب على أساس اختلاف أرباب هذا المسلك فيما تعلّق به الاعتبار، فهنا عدّة وجوه يُفرض ما هو المُعتبر ـ  أي: متعلّق الاعتبار  ـ في بعضها غير ما هو المعتبر في البعض الآخر:

الوجه الأوّل: أنّ متعلّق الاعتبار في الأوضاع اللُغويّة هو الوضع الخارجيّ، وتوضيح ذلك:

إنّه لا إشكال في أنّ وضع شيء على شيء خارجاً يكون في كثير من الأحيان دالاًّ على شيء، فمثلاً ينصبون الأعلام على الأرض في أمكنة متباعدة بين فرسخ وفرسخ مثلاً لتعيين رؤوس الفراسخ، أو يُنصب علم على بئر لمعرفة وجود البئر هنا ونحو ذلك. وفي باب الأوضاع اللغويّة أيضاً يقصد وضع شيء على شيء، أي: وضع اللفظ على المعنى لتتمّ الدلالة، إلاّ أنّ الوضع الخارجيّ غير ممكن هنا حقيقة، فيوجد هذا الوضع الخارجيّ اعتباراً، أي: يعتبر أنّ اللفظ وضع على المعنى فتتمّ

 
  الصفحة 91  

بذلك الدلالة(1).

وأورد السيّد الاُستاذ ـ  دامت بركاته  ـ على ذلك:

أوّلاً: أنّه لو فرض في باب الأوضاع اللغويّة اعتبار الوضع الخارجيّ الثابت في موارد وضع شيء على شيء خارجاً للدلالة، للزم أن يكون هذا الوضع الاعتباريّ كذاك الوضع الخارجيّ، إلاّ أنّ ذاك حقيقيّ وهذا اعتبار لذاك في حين أنّ الأمر ليس كذلك وتوضيح المقصود: أنّه في باب الوضع الخارجيّ توجد عندنا ثلاثة أشياء: الموضوع وهو العلَم مثلاً، والموضوع عليه وهي الأرض، والموضوع له وهو كون هذا المكان رأس الفرسخ مثلاً. وأمّا في باب اللغة فقد فرض وضع اللفظ على المعنى، فاللفظ موضوع، والمعنى موضوع عليه، ولا  يوجد شيء ثالث يكون موضوعاً له، فكيف صار هذا اعتباراً للوضع الخارجيّ، في حين يكون الوضع الخارجيّ للدلالة ذا أركان ثلاثة، وهذا لا  يكون له إلاّ ركنان؟!(2).

وثانياً: ما ينقدح من الأوّل، وهو: أنّه لا  إشكال في باب الأوضاع اللغويّة في أنّ اللفظ موضوع والمعنى موضوع له، بينما لازم هذا البيان أنّ المعنى موضوع عليه وليس موضوعاً له، فهذا كيف يكون؟(3).

أقول: إنّ صاحب هذا الوجه بإمكانه أن يدفع كلا هذين الإيرادين، وذلك بأن


(1) راجع نهاية الدراية في شرح الكفاية، ج 1 ، ص 47 بحسب طبعة آل البيت.

(2) راجع تقرير الشيخ الفياض، ص 47 بحسب طبعة موسوعة الإمام الخوئيّ، ج 43 من تلك الموسوعة.

(3) راجع أجود التقريرات، ج 1، ص 11 ـ 12 بحسب الطبعة المعلّق عليها من قبل السيّد الخوئيّ ، وراجع محاضرات الفيّاض الطبعة والمجلّد والصفحة المشار إليها في تخريجنا السابق.

  الصفحة 92  

يقول: إنّ الموضوع له والموضوع عليه في الوضع الخارجيّ قد يكونان متعدّدين في الوجود الخارجيّ، وقد يكونان متعدّدين بالتحليل لا  بالوجود الخارجيّ، فمثلاً قد ينصب علَم على أرض للدلالة على وجود السبع في هذه الأرض، فيكون الموضوع عليه هو الأرض والموضوع له هو السبع، وهما متعدّدان بحسب الوجود الخارجيّ، وقد ينصب علَم على أرض للدلالة على رأس الفرسخ، فيكون الموضوع عليه هو الأرض والموضوع له هو رأس الفرسخ، وهما متّحدان في الوجود الخارجيّ متعدّدان بالتحليل، فالأرض بما هي هي وبغضّ النظر عن تحديدها تعتبر موضوعاً عليه، وبما هي رأس الفرسخ تعتبر موضوعاً له، فليكن ما نحن فيه من هذا القبيل، وذلك بأن يفرض لفظ « الأسد » مثلاً موضوعاً، والمعنى المستعمل فيه على إجماله وبغضّ النظر عن تحديده وتعيينه موضوعاً عليه، وكون ذاك المعنى هو الحيوان المفترس موضوعاً له، فتعدّد الموضوع عليه والموضوع له بالتحليل، وصار الوضع هنا أيضاً ذا أركان ثلاثة، فارتفع الإشكال والاستغراب الأوّل، وهو: أنّه كيف أصبح هذا الوضع ذا  ركنين؟ فإنّك عرفت أنّه أيضاً ذو  أركان ثلاثة، غاية ما هناك: أنّه يكون التعدّد بين الموضوع له والموضوع عليه بالتحليل، وهذا ما يكون في كثير من موارد الوضع الخارجيّ أيضاً.

وبهذا يتّضح الجواب على الإشكال الثاني أيضاً، وهو: أنّ المعنى يجب أن يكون موضوعاً عليه، فإنّك قد عرفت أنّ المعنى وهو الحيوان المفترس موضوع له، وإنّما الموضوع عليه هو المستعمل فيه على إجماله.

فقد ظهر: أنّ صاحب هذا الوجه بإمكانه دفع هذين الإشكالين.

إلاّ أنّ الصحيح: أنّ أصل هذا الوجه لا يعدو أن يكون مجرّد تلاعب بالألفاظ. وتوضيح ذلك: أنّ هذا الوجه يفترض أنّه قد اعتبر في الأوضاع اللغويّة الوضع

 
  الصفحة 93  

الخارجيّ الموجود في مثل وضع العلَم على الأرض للدلالة على شيء، ولكنّنا نحن ننقل الكلام إلى نفس موارد الوضع الخارجيّ الحقيقيّ لكي نرى هل أنّ وضع العلَم على مكانه بذاته ـ  بلا أيّ مؤونة اُخرى  ـ يدلّ على رأس الفرسخ أو على وجود البئر أو السبع ونحو ذلك؟ طبعاً لا; ولهذا ترى لو أنّ النائم ونحوه جعل العَلَم من دون وعي على مكان لم يدلّ على شيء. إذن، فهذه الدلالة تكون ببركة ضمّ مؤونة اُخرى من بناء نفسيّ مثلاً على جعل الأعلام على رؤوس الفراسخ، أو من شيء آخر. فإذا كان الوضع الخارجيّ بوجوده الحقيقيّ لا  يدلّ وحده على شيء فما ظنّك بوجوده الاعتباريّ؟! إذن، فلابدّ من صرف عنان الكلام إلى معرفة حقيقة تلك المؤونة الاُخرى التي لولاها لا  تتمّ الدلالة.

الوجه الثاني: أنّ المعتبر هو كون اللفظ نفس المعنى. فلفظة « أسد » مثلاً وإن كانت حقيقة غير واقع الحيوان المفترس لكن الواضع يعتبر اللفظ عين المعنى لكي تتمّ بذلك الدلالة(1).


(1) من الطريف: أنّ بعض الكتابات فرضت أنّ العلاقة الوضعيّة عبارة عن حصول الهوهويّة الحقيقيّة أو التوحّد الحقيقيّ بين صورة اللفظ وصورة المعنى، وأنّه على هذا الفرض يتمّ ما يقال من فناء اللفظ في المعنى أو مرآتيّته له. أمّا اعتبار هو هو أو تخصيص اللفظ بالمعنى أو جعل الملازمة بينهما أو التعهّد أو نحو ذلك فكلّها من مقدّمات تحقّق الهوهويّة بين صورتَي اللفظ والمعنى، وقد أعرض وأطول في إثبات ذلك بالشواهد والأدلّة (راجع الرافد، ج 1 المدّعى كونه تقريراً لبحث آية الله السيّد السيستانيّ حفظه الله، ص 144 فصاعداً).

وطبعاً هو لا يقصد التوحّد بين واقع اللفظ وواقع المعنى الخارجيّين، فإنّ بطلان ذلك من أوضح الواضحات، وإنّما يقصد التوحّد بين صورتيهما الذهنيّة. ولا  أدري كيف
  الصفحة 94  

وأورد على ذلك السيّد الاُستاذ ـ  دامت بركاته  ـ بأنّه لو كان اللفظ منزّلاً منزلة المعنى لكن اللفظ حاملاً لأثر المعنى، فإنّ تنزيل شيء منزلة شيء آخر إنّما يعني تنزيله منزلته في الأثر وإسراء الأثر من المنزّل عليه إلى المنزّل، في حين نرى أنّ شيئاً من آثار المعنى لا  يترتّب على اللفظ، فواقع الحيوان المفترس مثلاً يأكل ويشرب ويمشي ويزأر وما إلى ذلك، ولا  يترتّب شيء من هذه الآثار على لفظة أسد(1).

وهذا الكلام من قبل السيّد الاُستاذ ـ  دامت بركاته  ـ مردّه في الحقيقة إلى مجموع أمرين:

أحدهما: تفسير الاعتبار بالتنزيل بلحاظ الآثار. والثاني: دعوى عدم ترتّب أثر من آثار المعنى على اللفظ.

ويمكن المناقشة في كلا هذين الأمرين:

أمّا الأمر الأوّل: فلأنّ الاعتبار لا ينحصر معناه في التنزيل، بل يمكن أن يقصد به الفرض والاعتبار بمعنىً يقابل التنزيل، ونظير ذلك: أنّ مدرسة المحقّق النائينيّ ادّعت في باب الأمارات أنّ دليل الحجّيّة اعتبرها علماً وجعلها طريقاً. وأورد على ذلك بأنّ تنزيل الأمارة منزلة العلم غير معقول; لأنّ أثر العلم الطريقي وهو التنجيز والتعذير إنّما هو أثر عقليّ لا  يمكن للشارع إسراؤه منه إلى غيره. وكان الجواب على ذلك من قبل مدرسة المحقّق النائينيّ أنّنا لا  نقصد بجعل


     يستطيع أن يصدّق توحّد الصورتين حقيقةً رغم تعدّد ذي  الصورة، مع وضوح: أنّ كلّ ذي  صورة إنّما يشعّ صورته هو دون صورة شيء آخر؟!

(1) راجع أجود التقريرات، ج 1، ص 12 تحت الخطّ.

  الصفحة 95  

العلم والطريقيّة تنزيل الأمارة منزلة العلم، بل نقصد بذلك إيجاد فرد اعتباريّ للعلم بالجعل والاعتبار، فيكون للعلم فردان: فرد حقيقيّ وفرد اعتباريّ، فليكن ما نحن فيه من هذا القبيل بأن نقصد أنّ الواضع اعتبر اللفظ نفس المعنى، أي: جعله وفرضه ادّعاءً نفس المعنى من قبيل الادّعاء السكاكيّ لكي تتمّ الدلالة، وهذا غير التنزيل.

وأمّا الأمر الثاني: فلأنّ أحد آثار المعنى هو أنّ الإحساس به يوجب تصوّره في الذهن، وقد سرى هذا الأثر بالوضع إلى اللفظ، فالإحساس به يوجب تصوّر المعنى.

نعم، الصحيح: أنّ هذا الوجه أيضاً تلاعب بالألفاظ; فإنّ مجرّد فرض أنّ الوضع عبارة عن اعتبار اللفظ متّحداً مع المعنى لا  يكشف السرّ في المقام، فإنّ المشكلة هي: أنّنا نرى أنّ مجرّد اعتبار شيء متّحداً مع شيء آخر وجعله هو بالفرض والاعتبار لا  يوجب سراية سائر آثاره منه إليه، فلو اعتبر الماء ناراً مثلاً لا  نرى أنّه يحرق، ولو اعتبر لفظة « الأسد » واقع الحيوان المفترس لم يترتّب عليه سائر آثاره التكوينيّة. فالسؤال هو: أنّه كيف صار من بين الآثار خصوص هذا الأثر سارياً إلى اللفظ بمجرّد فرض واعتباره نفس المعنى؟ فالمهمّ في المقام إنّما هو حلّ هذا اللغز، وفهم أنّه كيف ترتّب أحد الآثار التكوينيّة للمعنى على اللفظ؟!

الوجه الثالث: أنّ الواضع اعتبر اللفظ أداةً للدلالة على المعنى. فأداتيّة شيء لشيء قد تكون ذاتيّة وتكوينيّة ككون الصابون والماء أداة وآلة للنظافة، وقد تكون بالجعل والاعتبار كجعل اللفظ أداة وآلة للدلالة.

وهذا الوجه أيضاً ليس إلاّ تلاعباً بالألفاظ فإنّنا نريد أن نعرف أنّ شيئاً لم يكن سبباً لشيء كيف صار سبباً له بمجرّد الفرض والاعتبار، بينما نحن نعرف أنّ سائر

 
  الصفحة 96  

الآثار التكوينيّة لا  تترتّب على شيء بمجرّد الفرض والاعتبار؟ وليس حلّ سرّ الدلالة في باب الوضع بمجرّد فرض اعتبار في المقام سواء فرض المعتبر عبارة عن الوضع الخارجيّ أو عن كون اللفظ نفس المعنى أو عن كونه آلة للدلالة على المعنى، فإنّه على أيّ تقدير من هذه التقادير نتساءل: أنّ الاعتبار والجعل كيف أوجد سببيّة تكوينيّة بين الإحساس باللفظ وتصوّر المعنى؟

 

مسلك الجعل الواقعيّ:

وأمّا المسلك الثالث: وهو مسلك الجعل الواقعيّ، فبيانه: أنّ ثبوت الشيء يكون على ثلاثة أقسام:

1 ـ الثبوت في الخارج من قبيل الجواهر والأعراض.

2 ـ الثبوت الاعتباريّ، وقوامه يكون بنفس الاعتبار والفرض والخيال، وينعدم بمجرّد انعدام الاعتبار، كما لو اعتبرنا وجود بحر من زئبق، فيكون لهذا البحر وجود اعتباريّ وفرضيّ ينعدم برفع اليد عن هذا الاعتبار.

3 ـ ثبوت الشيء في الواقع من دون أن يكون له وجود خارجيّ كالجواهر والأعراض، ولا  أن يكون ثبوته بمجرّد الاعتبار والخيال كالبحر من زئبق، وذلك من قبيل إمكان الإنسان مثلاً; فإنّه ليس مجرّد أمر اعتباريّ وفرضيّ، فإنّ الإنسان ممكن الوجود واقعاً سواء وجد معتبر وفارض أو لا، وليس أمراً موجوداً في الخارج كنفس الإنسان، وإلاّ لاحتاج إلى إمكان آخر وهكذا إلى أن يتسلسل، وإنّما هو أمر له حظّ من الواقعيّة من دون أن يكون موجوداً في الخارج أو اعتباراً صِرفاً، ومن هذا القبيل جميع الملازمات والسببيّات، فسببيّة النار للإحراق مثلاً تكون أمراً واقعيّاً ثابتاً في لوح الواقع، لا  أمراً اعتباريّاً وليس لها وجود خارجيّ

 
  الصفحة 97  

من سنخ وجود الجواهر والأعراض. ومن جملة هذه السببيّات سببيّة سماع اللفظ لخطور المعنى في الذهن، فهذه السببيّة أمر واقعيّ لا  موجود خارجيّ ولا  شيء اعتباريّ. وعمليّة الوضع عبارة عن جعل هذه السببيّة الواقعيّة، وإيجادها للّفظ حقيقةً(1).

وأورد على ذلك السيّد الاُستاذ ـ  دامت بركاته  ـ بأنّه هل يفرض أنّ الواضع جعل السببيّة في حقّ خصوص العالم بالوضع، أو يفرض أنّه جعلها مطلقاً من دون فرق بين العالم والجاهل؟ فإن فرض الثاني لزم ثبوت الدلالة حتّى عند الجاهل بالوضع، بينما ليس الأمر هكذا. وإن فرض الأوّل لزم أخذ العلم بالوضع في موضوع الوضع، أي: أنّ اللفظ ليس سبباً لتصوّر المعنى إلاّ في حقّ العالم بالسببيّة، وهذا تهافت ودور، حيث إنّ السببيّة توقّفت على العلم بها توقّف الشيء على موضوعه، بينما العلم بها متوقّف عليها توقف العلم على معلومه(2).

أقول: لو كنّا نحن وهذا الإشكال لأمكن لصاحب هذا المسلك أن يصبّ مسلكه بصياغة لا  يرد عليها هذا الإشكال، وذلك بأن يقال: إنّ سبب الانتقال إلى المعنى مركّب من جزءين: أحدهما: اللفظ والآخر: العلم بالوضع، والواضع جعل اللفظ جزء السبب لا  تمام السبب، وقد جعله جزء السبب مطلقاً من دون فرق بين الجاهل بالوضع والعالم به، إلاّ أنّ الجاهل بالوضع لا  تثبت عنده الدلالة; لعدم انضمام الجزء الآخر من السبب وهو العلم بالوضع إلى الجزء الأوّل وهو اللفظ، فالسببيّة التامّة موقوفة على العلم بالوضع، والعلم بالوضع موقوف على السببيّة


(1) ربّما يكون هذا التفسير للوضع مأخوذاً من نهاية الأفكار، ج 1، ص 26، أو المقالات، ج 1، ص 62 بحسب طبعة مجمع الفكر الإسلاميّ.

(2) راجع المحاضرات للشيخ الفيّاض، ج 1، ص 39.

  الصفحة 98  

الضمنيّة لا  السببيّة التامّة، فلا  دور ولا  تهافت(1).

إلاّ أنّ هذا الكلام أيضاً لا يعدو أن يكون مجرّد عبارة فارغة كالمسلك السابق، فإنّنا نقول: ماذا يقصد بدعوى: جعل الواضع اللفظ سبباً للانتقال إلى المعنى؟ هل يقصد بذلك خلقه للسببيّة الذاتيّة في اللفظ، أي: جعل اللفظ سبباً ذاتيّاً للانتقال إلى المعنى على حدّ سببيّة النار للحرارة؟ أو يقصد بذلك جعل السببيّة العرضيّة للّفظ، بمعنى: أنّه يوجد في اللفظ ما هو سبب ذاتاً للانتقال إلى المعنى، من قبيل جعل الماء سبباً عرضيّاً للحرارة، بمعنى: أن يوجد فيه ما هو سبب للحرارة، وذلك بجعل الماء على النار مثلاً لكي يكسب الحرارة، ويكون سبباً بالعرض للحرارة، والسبب الحقيقيّ لها هو الحرارة التي أُوجدت في الماء، حيث إنّ الحرارة تولّد الحرارة؟

فإن قصد الأوّل، قلنا: من الواضح أنّ السببيّة في ذات الأسباب لا  تقبل الجعل، وإنّما هي ذاتيّة لها تنبع من حاقّ ذاتها، ولا  يمكنك أن تجعل الماء مثلاً سبباً للحرارة على حدّ سببيّة النار للحرارة(2)، وإن قصد الثاني، أي: أنّ الواضع يجعل السببيّة العرضيّة للّفظ، أي: أنّه يوجد في اللفظ شيئاً يكون ذلك الشيء سبباً ذاتيّاً للانتقال إلى المعنى، قلنا: إنّ الذي كان ينبغي بيانه ـ  لكي ينكشف سرّ اللغة  ـ هو: أنّه ما هو ذلك الشيء الذي يمتلك السببيّة الذاتيّة للانتقال إلى المعنى والذي


(1) وهذا الجواب غير الجواب الذي يذكر في مسألة أخذ العلم بالحكم في موضوع ذلك الحكم من التفكيك بين الجعل والمجعول مثلاً، وأخذ العلم بالجعل في موضوع المجعول، فلو اُسري ذاك الجواب إلى ما نحن فيه ثبت جوابان على هذا الإشكال.

(2) هذا على المسلك المعروف من ذاتيّة السببيّات للأسباب، أمّا على المسلك القائل بأنّه جرت حكمة الله تعالى ومشيئته على إيجاد المسبّبات متى ما توجد ما تسمّى بالأسباب، فالأمر أيضاً كذلك، فإنّ الواضع لا  يستطيع أن يوجِد مشيئة الله في ترتّب انتقال الذهن إلى المعنى على ما لم يكن قبلاً مترتّباً عليه في مشيئة الله، وهو اللفظ.

  الصفحة 99  

أوجده الواضع في اللفظ حتّى أصبح اللفظ سبباً للانتقال إلى المعنى؟ فصحيح: أنّ سببيّة اللفظ لتصوّر المعنى كسائر السببيّات هي من الاُمور الواقعيّة غير الموجودة في الخارج، ولا  مجرّد اعتبار وخيال، وأنّ الواضع أوجد في اللفظ ما يمتلك هذه السببيّة، ولكن الكلام في معرفة ذلك الشيء، ولم يبيّن هذا.

 

المبنى المختار في حقيقة الوضع:

وتحقيق الحال في المقام:

إنّ هناك سببيّة تكوينيّة، وقانوناً تكوينيّاً جعله خالق الكون الذي أوجد الطبيعة وأخضعها للقوانين المسيطرة عليها، وهو: أنّ الإنسان بحسب طبعه وفطرته التي فطره الله عليها متى ما أحسّ بشيء كان إحساسه بذلك الشيء سبباً لانتقال ذهنه إلى الصورة الذهنيّة لذلك الشيء، فإلاحساس بالأسد يوجب انتقال الذهن إلى معنى الأسد مثلاً.

وهناك سببيّتان اُخريان وقانونان ثانويّان تكوينيّان يحكمان على القانون الأوّل حكومة تكوينيّة، وكأنّهما توسيعان لذلك القانون:

الأوّل: أنّ الإحساس بما يشبه شيئاً سبب أيضاً لتصوّر معنى ذلك الشيء، فمن رأى صورة الأسد مرسومةً على الورق ينتقل ذهنه إلى معنى الأسد، وكأ نّ الإحساس بصورة الأسد إحساس بنفس الأسد.

الثاني: أنّ الإحساس بشيء اقترن في الذهن بشيء آخر اقتراناً مخصوصاً يكون أيضاً سبباً لتصوّر ذلك الشيء الآخر، فترى أنّ من أحسّ بزئير الأسد مثلاً انتقل ذهنه إلى معنى الأسد، وكأنّ الإحساس بزئير الأسد إحساس بنفس الأسد. وأقصد بالإحساس بصورة الأسد أو زئيره مثلاً ما يشمل انتقال الذهن إلى صورة

 
  الصفحة 100  

الأسد أو زئيره ولو من دون إحساس خارجيّ، وأقصد بالاقتران المخصوص أن تكون للاقتران خصوصيّة كمّيّة من قبيل كثرة اقتران زئير الأسد بالأسد، أو خصوصيّة كيفيّة بأن يكون الاقتران في ظرف مؤثّر وملفت للنظر كما لو اقترن سفر شخص إلى الحلّة مثلاً بمرض شديد، فمتى ما تذكّر السفر إلى الحلّة تذكّر المرض.

والبشر قد استفاد منذ أبعد العصور في مقام التفهيم والتفاهم من هذين القانونين الثانويّين، فمثلاً تراه يفهّم بعض المعاني بإيجاد صورته باليد وغيرها، فلكي يشير إلى كون فلان لابساً للعمامة أو طويلاً أو قصيراً أو غير ذلك يشير باليد بنحو يصوّر صورة شبيهة بذلك، فينتقل ذهن المخاطب إلى المعنى المقصود، وهذا تطبيق للقانون الأوّل. ولكي يفهّم معنى الأسد يزئر كزئير الأسد فينتقل الذهن من هذا الصوت الشبيه بزئير الأسد إلى زئير الأسد تطبيقاً للقانون الأوّل، ومن زئير الأسد إلى معنى الأسد تطبيقاً للقانون الثاني، فيحصل بذلك تفهيم المعنى المقصود، ولكي يفهّم كون فلان شجاعاً مثلاً يزئر زئير الأسد مشيراً إليه، فينتقل ذهن السامع من صوته إلى زئير الأسد تطبيقاً للقانون الأوّل، ومن زئير الأسد إلى الأسد تطبيقاً للقانون الثاني، ومن الأسد إلى الشجاع للشبه الموجود بينهما تطبيقاً للقانون الأوّل، فبهذا يحصل تصوّر المعنى المقصود وهو الشجاع. وإلى هنا أمكن تكوين لغة للبشر يتفاهمون بها من باب الاستفادة من القانونين التكوينيّين من دون أيّ تصرّف من قبل البشر في كبرى القانون بأن يوجد سببيّة ذاتيّة في شيء لم يكن سبباً، ولا  في صغرى القانون بأن يوجد الشبه أو المقارنة فيما لا  يكون شبيهاً أو مقارناً، وإذا تكرّر إيجاد صوت يشبه صوت الأسد للدلالة على الشجاع ـ مثلاً ـ أصبح بالتدريج نفس ذلك الصوت دالاًّ على الشجاع من دون توسّط دلالته على صوت الأسد، ودلالة صوت الأسد على الأسد، ودلالة الأسد على الشجاع، وذلك

 
  الصفحة 101  

لتكرّر المقارنة في الذهن بين هذا الصوت وبين الشجاع، فتوجد بهذه العمليّة صغرى لكبرى القانون الثاني، فيصبح هذا الصوت دالاًّ بكثرة الاستعمال على الشجاع. وهذا حقيقة الوضع التعيّنيّ الذي قالوا عنه: إنّه يحصل بكثرة الاستعمال، ثُمّ أصبح البشر بالتدريج متعوّداً على دلالة الأصوات على المعاني، وعلى الاستفادة من قانون المقارنة، فأصبحت الذهنيّة البشريّة مهيّأة للوضع بمعنى إقران لفظ بمعنى في الذهن للدلالة عليه، فيقرن الإنسان لفظاً بمعنىً من قبيل قرن لفظة « أسد » بمعناه، أو لفظة « حليب » بمعناه ونحو ذلك مرّة واحدة، لكنّه في ظرف مؤثّر من قبيل أن يقول: سمّيت ابني عليّاً، أو وضعت هذا الاسم عليه، أو اعتبرته عليّاً، وذلك أمام جماعة قد أنست أذهانهم من قبل بدلالة الأصوات على المعاني، والاستفادة من القرن، فيصبح هذا القرن في ظرف مؤثّر من هذا القبيل مُلفتاً للنظر، ويجعل اللفظ دالاًّ على المعنى، وتوجد بهذه العمليّة صغرى اُخرى لكبرى القانون الثاني، وهذا حقيقة الوضع التعيينيّ، فالوضع التعيينيّ والوضع التعيّنيّ كلاهما عبارة عن عمليّة إيجاد الاقتران بين اللفظ والمعنى حتّى يوجد بذلك صغرى من صغريات القانون الثاني، والفرق بينهما: أنّ الاقتران ـ  الذي مضى: أنّه لابدّ أن يكون بنحو مخصوص حتّى يوجب الدلالة  ـ يتمتّع في الوضع التعيّنيّ بخصوصيّة كمّيّة، وفي الوضع التعيينيّ بخصوصيّة كيفيّة، فروح الوضع والسبب الحقيقيّ للدلالة هو القرن بين اللفظ والمعنى في الذهن بنحو مخصوص(1) سواء تحقّق


(1) وفرق هذا البيان عن نظريّة بافلوف الشهيرة في قصّة دقّ الجرس أو نحو ذلك يمكن أن يفترض بأحد شكلين:

الأوّل: أن يقال: إنّ نظريّة بافلوف نظريّة فسلجيّة عضويّة، ونظريّة اُستاذنا الشهيد
  الصفحة 102  

إنشاء وجعل، أو اعتبار وتنزيل، أو وضع للّفظ على المعنى، أو تحت المعنى، أو لا، فالتفتيش عن نكتة الوضع والدلالة في كون الوضع اعتباراً أو تنزيلاً أو غير ذلك ليس إلاّ مجرّد تلاعب بالألفاظ.

وقد اتّضح ممّا بيّناه عدّة اُمور:

الأوّل: أنّ الصحيح في الوضع هو مسلك الواقعيّة، لكنّه لابدّ من بيان السرّ ونكتة الدلالة والوضع، وهذا ما صنعناه، لا  مجرّد أن يقال: « إنّ الواضع يجعل اللفظ سبباً واقعيّاً للدلالة »، وليس روح الوضع عبارة عن أمر إنشائيّ حتّى يتكلّم


     نظريّة سيكولوجيّة نفسيّة، فذاك يقول: إنّ الأثر المادّيّ للطعام ـ  ويفترضه سيلان اللعاب  ـ سرى إلى ما قارن الطعام لدى الكلب (راجع فلسفتنا، ص 372 ـ 374 بحسب طبعة منشورات عويدات ببيروت، واقتصادنا، ص 54 ـ 57 بحسب طبعة دار الفكر ببيروت). وإسراء ذلك إلى الفكر واللغة من قبل بعض الماديّين يعني: أنّ النشاط المخّيّ المادّيّ الذي يحصل بالإحساس بالشيء يحصل أيضاً بسماع اللفظ المقترن بذلك الشيء. وهذا المطلب لا  دليل على صحّته، وتجربة بافلوف لا  ينحصر تفسيرها بذلك، فبالإمكان أن تفسّر بأنّ سيلان اللعاب لم يكن أصلاً استجابة لذات الطعام المادّيّ بل كان استجابة للصورة الذهنيّة اللامادّيّة التي هي وراء النشاط المخّيّ المادّيّ، وبما أنّ صوت الجرس المقارن لتقديم الطعام أعطى نفس الصورة للذهن حصلت نفس الاستجابة; ولذا ترى أنّ ما يكون حقّاً نتيجة لذات المادّة كالموت بالنسبة للسمّ، أو الشفاء بالنسبة للدواء لا  يسري إلى ما يقارن تلك المادّة من لفظ أو غيره، وأمّا اُستاذنا الشهيد فإنّما قال بتماثل المتقارنين في خلق الصورة العقليّة الميتافيزيقيّة لدى الفكر اللامادّيّ.

والثاني: أن يفترض أنّ اُستاذنا الشهيد لا  يقول أصلاً بانتقال الأثر من شيء إلى ما يقارنه، وإنّما يقول: بأنّ التقارن الأكيد في الذهن يجعل تصوّر القرين سبباً للانتقال إلى قرينه من دون فرضيّة اكتساب أحد القرينين آثار قرينه الآخر، بينما نظريّة بافلوف هي نظريّة انتقال الأثر من القرين إلى القرين.

  الصفحة 103  

في أنّه هل هو تنزيل أو اعتبار؟ وأنّه هل يعتبر اللفظ نفس المعنى، أو أداة للدلالة على المعنى، أو فوق المعنى، أو تحت المعنى ونحو ذلك من العبارات والتلاعبات بالألفاظ؟ نعم، كثيراً ما يتّفق أنّ الواضع ينشئ شيئاً من اعتبار أو نحوه، فيقول بقصد الإنشاء: سمّيت ابني عليّاً، إلاّ أنّ هذه العمليّة لها جنبتان: جنبة الإنشاء، كأن ينشئ وضع اللفظ فوق المعنى أو تحته أو نحو ذلك، وجنبة إيجاد اقتران واقعيّ وحقيقيّ في الذهن بين اللفظ والمعنى بنحو مخصوص، والجنبة الثانية هي سرّ الوضع والدلالة دون الاُولى; ولذا قد تتمّ الدلالة على أساس الجنبة الثانية مع فقدان الجنبة الاُولى، كما لو سمع الطفل من اُمّه كلمة الحليب مقترنةً بتقديم الحليب له من دون أن يُنشأ أمامه شيء، أو يستطيع أن يتعقّل الإنشاء، فتتمّ في ذهنه الدلالة تارة بتكرّر الاقتران كثيراً، واُخرى بالاقتران مرّة واحدة أو عدداً قليلاً من المرّات إذا كان ذكيّاً، فمتى ما سمع كلمة الحليب انتقل ذهنه إلى معناه.

الثاني: أنّ الوضع يوجب الدلالة التصوّريّة للّفظ ولو سمع من جدار، ولا  يوجب الدلالة التصديقيّة، وإنّما الدلالة التصديقيّة تكون وليدة اُمور اُخرى من ظاهر حال وقرائن أحوال ونحو ذلك، وهذا واضح على ما عرفت من أنّ روح الوضع عبارة عن الاقتران في الذهن بين اللفظ والمعنى، وإيجاد الصغرى للقانون الثاني من القانونين التكونيّين الثانويّين، فإنّ من الواضح: أنّ ذاك القانون مفاده إنّما هو انتقال الذهن من أحد المتقارنين إلى الآخر من دون دلالة تصديقيّة، ولا  تعقل دلالة اللفظ على المعنى دلالة تصديقيّة إلاّ على مسلك التعهّد، حيث تعهّد الإنسان مثلاً بأن لا  يتكلّم بالكلام الفلانيّ إلاّ إذا قصد المعنى الفلانيّ، فكلامه كاشف عن تحقّق ذاك القصد، وأمّا مجرّد الاعتبار كما هو المسلك الثاني، أو خلق سببيّة اللفظ واقعاً لانتقال الذهن إلى المعنى كما هو المسلك الثالث، أو عمليّة القرن

 
  الصفحة 104  

كما هو المختار في تعميق المسلك الثالث وتكميله، فكلّ هذا لا  يعطي للّفظ الدلالة التصديقيّة، فإنّ مجرّد اعتبار اللفظ معنىً، أو اعتباره على المعنى، أو دالاًّ عليه بعد فرض كفايته لانتقال الذهن إلى المعنى لا  ربط له بالتصديق بإرادة المتكلّم لذلك المعنى، وكذلك الإيجاد الواقعي للسببيّة في اللفظ لانتقال الذهن إلى المعنى، فإنّ هذا لا  علاقة له بالكشف عن إرادة المتكلّم له، وعمليّة القرن أيضاً إنّما توجب انتقال الذهن من أحد المتقارنين إلى الآخر، لا  الكشف عن شيء.

وقد ذكر السيّد الاُستاذ ـ  دامت بركاته  ـ : أنّ الدلالة التصوّريّة في اللفظ المسموع من الجدار لا  يصحّ فرضها دلالة وضعيّة; لأنّ الهدف من الوضع إنّما هو التفهيم والتفاهم بين العقلاء، وأمّا الجدار الذي لا  يعقل ولا  يريد شيئاً، فمدّ الوضع إلى ما يسمع منه لغو ولا  فائدة فيه، ويكون خلاف حكمة الواضع(1).

وأنت ترى: أنّ هذا البيان لا موضوع له بناءً على ما بيّناه من أنّ الوضع هو أن يوجد الواضع في اللفظ ما هو سبب ذاتاً للدلالة، وهو الاقتران، وسببيّة الاقتران للدلالة تكوينيّة، ولا  تفكيك فيها بين مورد يوجد فيه هدف الواضع ومورد لا  يوجد فيه هدفه، فالواضع حينما قرن اللفظ بالمعنى تمّت الدلالة مطلقاً شاء أو أبى، ولا  يمكنه أن يفكّك بين ما يُسمع من إنسان فيكون دالاًّ وما يسمع من جدار فلا  يكون دالاًّ(2).


(1) راجع المحاضرات للشيخ الفيّاض حفظه الله، ج 1، ص 49 و 104 ـ 105.

وقد أتى في الموضع الثاني ـ  أعني: ص 104 ـ 105  ـ بهذا البيان لإثبات عدم إطلاق الوضع للّفظ الصادر من لافظ غير ذي  شعور حتّى على مسلك الاعتبار، أمّا على مسلك التعهّد فهو ليس بحاجة إلى هذا البيان، أعني: بيان لزوم اللغويّة; وذلك لأنّ التعهّد من اللافظ غير ذي  شعور لا  معنى له.

(2) هذا بناءً على المسلك المختار، وهو مسلك القرن الأكيد. والواقع: أنّنا حتّى لو
  الصفحة 105  

الثالث: قد اشتهر: أنّ الدلالة على أساس الوضع مشروطة بالعلم بالوضع، وقد اتّضح بما ذكرناه معنى اشتراطها بالعلم. وسرّ ذلك، فإنّك عرفت: أنّ روح الوضع هو اقتران اللفظ بالمعنى في الذهن، إذن ففي الحقيقة لم يتمّ الوضع بعدُ في حقّ الجاهلين بالوضع; لعدم تحقّق الاقتران المخصوص بين اللفظ والمعنى في أذهانهم، وتتمّ الدلالة عندهم غالباً بأن يعلموا بالوضع بمعنى: أنّهم إذا علموا بإنشاء اعتبار أو تنزيل مثلاً، أو قرن سابق في ذهن الآخرين بين اللفظ والمعنى، فقد تحقّق الاقتران في أذهانهم أيضاً، وعلموا بالوضع، فتتمّ الدلالة عندهم. وقد تتّفق تماميّة الدلالة من دون علم بالوضع بهذا المعنى، وذلك كما إذا تمّ الاقتران في الذهن من دون اطّلاع من اُريد تعليمه على الوضع، وذلك من قبيل الأطفال الذين تتمّ الدلالة في أذهانهم بمثل قرن كلمة الحليب بالحليب عندهم.


     تكلّمنا على مسلك الاعتبار مثلاً، فبرهان اللغويّة الذي ذكره السيّد الخوئيّ لنفي إطلاق الوضع للّفظ الصادر من غير ذي  شعور غير صحيح; وذلك لأنّ الإطلاق ليست فيه مؤونة زائدة كي تُنفى باللغويّة.

  الصفحة 106  

 

تشخيص الواضع

 

وأمّا الجهة الثانية: وهي في تشخيص الواضع، فقد استقرب جملة من المحقّقين ومنهم المحقّق النائينيّ (1) كون الواضع هو الله تعالى، ويُستفاد من مجموع كلماتهم استبعادان لكون الواضع هو الإنسان:

الأوّل: أنّه يلزم من فرض الواضع إنساناً أن يكون ذلك الإنسان مطّلعاً على دقائق المعاني وخصوصيّاتها، وشوارد الأفكار، واسع الاطّلاع والالتفات ممّا لا  يوجد عادة في غير مثل الأنبياء، وطبعاً يرتفع هذا الاستبعاد حينما نفترض أنّ الواضع هو الله تعالى، وأنّه جلّ شأنه قد ألهم البشر باللغة المشتملة على دقائق وخصوصيّات فائقة مع السعة والشمول(2).

وقد اُجيب على ذلك بأنّنا لا نفترض واضعاً واحداً حتّى يأتي هذا الاستبعاد; فإنّ اللغة لم توجد في يوم واحد ودفعة واحدة، بل وجدت على مراحل وبالتدريج حسب حاجات الناس التي تبدأ قليلة ثُمّ تتّسع بالتدريج(3).

الثاني: أنّه لو وضع إنسان لغة لكان ذلك حادثة مهمّة ملفتة للنظر تسجّل في


(1) راجع أجود التقريرات، ج 1، ص 11 ـ 12 بحسب الطبعة المشتملة على تعاليق السيّد الخوئيّ ، وفوائد الاُصول، ج 1، ص 30 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم المقدّسة.

(2) راجع المصدرين السابقين.

(3) راجع ج 43 من موسوعة الإمام الخوئيّ، ص 38 ـ 39.

  الصفحة 107  

التواريخ، ويعرف أنّ فلاناً هو واضع اللغة الفلانيّة، بينما ليس الأمر هكذا(1).

وقد اُجيب على ذلك أيضاً بأنّنا لا نفترض أنّ إنساناً واحداً خرج من بيته يوماً ما وكان بيده قاموس معيّن، وقال: أيّها الناس، إنّي وضعت لغة جديدة، ولو صنع إنسان هكذا لقيل عنه: إنّه مجنون، بل نقول: إنّ وضع اللغة أمر تدريجيّ، فقد وضع شخص ما شيئاً، وجاء شخص آخر وأضاف شيئاً آخر، وهكذا إلى أن تكوّنت لغة واسعة خلال مدّة مديدة(2).

والصحيح: أنّ الاستبعاد في كون البشر هو الواضع لا ينحصر في هذين الاستبعادين، بل هناك استبعادات اُخرى لابدّ من التأمّل فيها:

الأوّل: أنّه قد يقال: إنّ الإنسان لو غضّ النظر عن إلهام الله تعالى إيّاه، يأتي سؤال: أنّه كيف التفت إلى إمكانيّة خلق الدلالة بأصوات معيّنة؟ وكيف تَوجَّه إلى نكتة دلالة هذه الأصوات على المعاني؟ فإنّ هذه النكتة وإن كانت تبدو الآن واضحة; لأنّ كلّ إنسان ينشأ في ظلّ لغة، فيمكن أن يلتفت إلى مسألة الوضع، ولكن الواضع الأوّل كيف التفت إلى الوضع والدلالة بهذا الترتيب؟ وهذا من قبيل ما يقال من أنّه: كيف التفت أوّل فلاّح إلى أنّه لو زرع حنطة وسقاها بكذا مقدار أثمرت بهذا الشكل؟ فقد يقال: إنّ الله تعالى هو الذي ألهم باللغة والوضع، كما يقال: إنّه ألهم الإنسان بالزرع.

ويمكن حلّ هذا الاستبعاد بما مضى من أنّ دلالة الأصوات من قبيل دلالة صوت الزئير على الأسد، والنهيق على الحمار، والصهيل على الفرس، وخرير


(1) راجع أجود التقريرات، ج 1، ص 11 بحسب الطبعة المشتملة على تعليق السيّد الخوئيّ .

(2) راجع ج 43 من موسوعة الإمام الخوئيّ، ص 39.

  الصفحة 108  

الماء على الماء، وصوت تساقط ورق الأشجار على ذلك وما إلى ذلك دلالات قهريّة ثابتة للإنسان بالقانون الثاني وبالاقتران القهريّ، من دون إعمال أيّ عناية من قبله، فلعلّ هذا هو الذي ألفت الإنسان إلى أنّ الصوت بالإمكان أن يدلّ على معنىً، فانفتح عليه باب الخيرات.

الثاني: مبنيّ على مسالكهم من التعهّد والاعتبار ونحو ذلك، وهو: أنّ الإنسان إذا كان هو الواضع، فطبعاً قد وضع الألفاظ قبل التكلّم والاستعمال; لأنّ الاستعمال دائماً في طول الوضع. وهذا معناه: أنّ الإنسان استطاع أن يصل إلى هذه المرتبة من التدقيق بحيث يلتفت إلى الملازمات والمعقولات والتنزيلات الاعتباريّة والتعهّدات قبل أن يتكلّم، ومن البعيد جدّاً أن يصل الإنسان إلى هذه المرتبة من التعقّل والتفكّر والتفلسف قبل أن يتكلّم مع أخيه أو زوجته، بل كان صامتاً وبقي صامتاً إلى أن وصل إلى هذا الحدّ، وأمّا إذا كان الواضع هو الله تعالى فقد ارتفع الاستبعاد.

وهذا الاستبعاد في محلّه جدّاً بناءً على تلك المسالك المعروفة، ومن وصل إلى هذه الدرجة من الذكاء والالتفات كيف سكت طيلة هذه المدّة؟ ألم تكن له حاجات ورغبات؟! وأمّا على مبنانا من أنّ الوضع ليس إلاّ عبارة عن قرن اللفظ بالمعنى، فهذا مطلب يمكن حصوله حتّى من الأطفال، ويمكن الالتفات إليه قبل بلوغ الإنسان إلى مرحلة التكلّم بهذا الترتيب، فقد اقترن قهراً صوت الزئير مع الأسد، وبالتالي اقترن مع الشجاع، وبالتدريج توسّعت اللغة من دون أيّ استبعاد في ذلك.

الثالث: مبنيّ على مسالكهم أيضاً، وهو أنّنا لنفرض أنّهم وصلوا إلى تلك المرحلة من التعقّل والتفلسف قبل الكلام، ولكن كيف أبرزوا هذه التعهّدات أو

 
  الصفحة 109  

التنزيلات؟ وكيف قال مثلاً: إنّي تعهّدت بذكر كلمة كذا عند إرادة معنى كذا؟ أليست هذه ألفاظاً تحتاج إلى تعهّدات سابقة، خصوصاً أنّها جملة محتوية على نكات كثيرة من اللغة من الاسم والفعل والحرف والمادّة والهيئة والنسبة التامّة والناقصة، أو قل: إنّها محتويةٌ على نفائس اللغة، خصوصاً أنّ بعض معانيها غير محسوسة كالتعهّدات النفسيّة، ولا  يُتوصّل إليها ابتداءً إلاّ بالتشبيه بالمعاني المحسوسة.

وهذا لا يأتي على مبنانا حيث نقول: نشأت اللغة من حيث لا  يدري الإنسان، فالزئير دلّ بالاقتران الكثير على الأسد وبالتالي على الشجاع، وتوسّعت اللغة بالتدريج.

الرابع: ما يكون مبنيّاً على مبانيهم أيضاً، وهو: أنّ اللغة ظاهرة تحصل بين المجتمع; ولذا تعمّ جماعةً وقطّاعاً من الناس، وهنا يأتي السؤال عن أنّه: كيف يتمّ الاتّفاق بينهم على كلمات معيّنة؟! فإن كان هذا بتوارد الخاطر، فكلّهم كانوا يصبحون الصباح وقد خطر على بالهم أن يسمّوا الماء ماء، فهذا هو الإلهام، وكان الواضع هو الله تعالى، وهو المقصود، وإلاّ فما هو التنظيم الدقيق الذي يجعلهم لا  يختلفون، ولا  يضع كلّ واحد منهم صدفة غير ما وضع الآخر، بل تنتظم اللغة فيما بينهم؟! ولا  يمكن افتراض: أنّ كبيرهم أو رئيسهم هو الذي يضع اللغة، ويتبعه الآخرون مثلاً، فلا  يلزم الفوضى; وذلك لأنّ ظاهرة اللغة أعمق من ظاهرة السيادة والرئاسة والمرؤوسيّة وما شابه ذلك; فإنّ هذه الظواهر إنّما توجد بين الناس بعد أن يتمّ التفاهم بينهم باللغة والتكلّم، ويصلوا إلى مرحلة درك هذه الأشياء وجعلها، وإلاّ احتجنا إلى الإلهام أيضاً.

وهذا الاستبعاد في محلّه، والجواب عليه على مبناهم في غاية الإشكال، وعلى مبنانا نقول: إنّ هناك مناسبات ونكات مشتركة حصلت عندهم جميعاً في

 
  الصفحة 110  

وقت واحد، فالزئير مثلاً عند الكلّ صار دالاّ على الأسد، وأخذوا يصوّتون كصوت الزئير للدلالة على الأسد، وللدلالة على الشجاعة التي هي من ملازمات الأسد، وهكذا إلى أن تمّت لغة مختصرة من هذا القبيل، بحيث أمكن تولّد السيادة ومفهوم الأكبر والأصغر ونحو ذلك فيما بينهم، فاستطاعوا وضع اللغة بانتظام بأن يضع شخص ويتبعه الآخرون. وتعدّد اللغات نشأ من اختلاف الجوّ والبيئة والعوامل الطبيعيّة والفسيولوجيّة والهواء والمناخ وما إلى ذلك من قبيل الاختلاف في اللهجات مثلاً، والاختلافات تتجمّع فتوجد لغات متعدّدة.

وقد تحصّل من كلّ ما ذكرناه: أنّه لا استبعاد في فرض الواضع هو البشر.

ولكن لا استبعاد أيضاً في كون الواضع الأوّل هو الله تعالى ﴿ وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا (1)، وبعد اللغة الاُولى كفّ عن الإلهام، وبعد ذلك أخذ الناس يشعّبونها ويطوّرونها ويوسّعونها، فهذه الفرضيّة أيضاً لا  دليل على خلافها بل يقتضيها الذوق الدينيّ.

 


(1) سورة البقرة، الآية: 31. وقد يشهد لذلك أيضاً قوله: ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ سورة الرحمن، الآية:  4.

  الصفحة 111  

 

الأقسام الممكنة للوضع

 

وأمّا الجهة الثالثة: وهي في الأقسام الممكنة للوضع، فقد قسّموا الوضع التعييني ـ  حسب مبانيهم من كون الوضع أمراً إنشائيّاً  ـ إلى أربعة أقسام، ذلك: أنّ الواضع يجب أن يتصوّر المعنى حتّى ينشئ وضع اللفظ له، فإمّا أن يتصوّر معنىً عامّاً، أو يتصوّر معنى خاصّاً، وعلى أيّ حال: إمّا أن يضع اللفظ للعامّ، أو يضعه للخاصّ. وبهذا ينقسم الوضع إلى أربعة أقسام:

1 ـ أن يكون الوضع عامّاً والموضوع له عامّاً.

2 ـ أن يكون الوضع خاصّاً والموضوع له خاصّاً.

والجامع بين هذين القسمين هو أنّ المعنى الذي تصوّر الواضع مع المعنى الذي وضع له اللفظ متّحدان.

3 ـ أن يكون الوضع عامّاً والموضوع له خاصّاً، أي: أنّ الواضع تصوّر معنىً عامّاً ووضع اللفظ لأفراده.

4 ـ أن يكون الوضع خاصّاً والموضوع له عامّاً، أي: أنّه تصوّر معنىً خاصّاً ووضع اللفظ للعامّ.

ولا إشكال في إمكان القسمين الأوّلين، والمشهور في القسم الثالث هو الإمكان، وقيل بالامتناع، والمشهور في القسم الرابع هو الامتناع، وقيل بالإمكان.

ونتكلّم الآن في القسم الثالث، وبتحقيقه يظهر الحال في القسم الرابع.

فنقول: قد ذكروا في تقريب إمكان القسم الثالث أنّ الواضع وإن كان لابدّ له من تصوّر المعنى، لكن ليس عليه أن يتصوّر المعنى تصوّراً تفصيليّاً، فإنّه يكفي في

 
  الصفحة 112  

إمكان الحكم على شيء تصوّر ذلك الشيء إجمالاً، وتصوّر الجامع هو تصوّر إجماليّ لأفراده.

هذا هو البيان البدائي لتصوير إمكان القسم الثالث.

وما يعترض به على ذلك أمران:

الأمر الأوّل: ما يكون في الحقيقة مركّباً من أمرين:

الأوّل: أنّ الجامع إنّما يعقل كونه حاكياً عن الأفراد إذا كان منطبقاً عليها بخصوصيّاتها الفرديّة.

والثاني: أنّ الجامع لا يكون منطبقاً على الأفراد بخصوصيّاتها; لأنّه إنّما ينتزع من الأفراد بتقشيرها عن الخصوصيّات، فمع إبقاء الخصوصيّات لا  يكون جامعاً، فيجب إلغاء الخصوصيّات إلى أن لا  يبقى إلاّ الجامع.

وعليه، فالجامع لا يكون حاكياً عن الأفراد بخصوصيّاتها الفرديّة حتّى يكفي تصوّره في مقام الحكم على الأفراد بما هي أفراد.

وتصدّى المحقّق العراقيّ للجواب على هذا الإشكال(1)، فكأنّه سلّم بالأمر الأوّل وأخذ يناقش في الأمر الثاني، وذلك بالتفصيل فيه بين الجوامع، بدعوى: أنّ الجامع قد يكون أخذيّاً وانتزاعيّاً، أي: أنّ النفس تأخذه وتنتزعه من الأفراد بعد تقشيرها عن الخصوصيّات، من قبيل جامع الإنسان الذي ينتزع من الأفراد بعد إلغاء خصوصيّة الحجم واللون وغير ذلك، وقد يكون إنشائيّاً وإلباسيّاً، بمعنى: أنّ النفس تُنشئ ذاك الجامع إنشاءً، وتُلبسه على الأفراد، وذلك من قبيل عنوان الفرد،


(1) راجع المقالات، ج 1، ص 18 ـ 19 بحسب طبعة المطبعة العلميّة في النجف الأشرف، وص 75 ـ 76 بحسب طبعة مجمع الفكر الإسلاميّ في قم.

  الصفحة 113  

وعنوان الخاصّ، ونحو ذلك ممّا ليس مأخوذاً من الأفراد والخصوصيّات بالتقشير، بل هو عنوان تنشئه النفس إنشاءً وتخترعه اختراعاً، وتُلبسه على الأفراد والخصوصيّات، فالنفس التي هي المنشئِة لهذا الجامع والمخيّطة له تخيطه بنحو ينطبق على الفرد بتمام خصوصيّاته، فجامع من هذا القبيل يعقل أن يكون حاكياً عن الأفراد بخصوصيّاتها، فيتصوّره الواضع ويضع اللفظ للأفراد.

فالمحقّق العراقيّ يتّفق مع صاحب الإشكال في القسم الأوّل من الجوامع، وهو ما يكون من قبيل الإنسان على أنّه لا يعقل للواضع أن يتصوّره ويضع اللفظ لأفراده، ويختلفان في القسم الثاني وهو ما يكون من قبيل الفرد والخاصّ.

أمّا جهة الاختلاف بينهما، فالتحقيق: أنّ مثل عنوان الفرد أو الخاصّ لا يعقل أن يكون إنشائيّاً وإلباسيّاً صرفاً، بل حتماً يجب أن تكون له جهة أخذ وانتزاع من الأفراد; إذ لو كان مجرّد إنشاء صرف من قبل النفس كما تنشئ بحراً من زئبق مثلاً، لما صحّ حمله على الخارجيّات إلاّ بالعناية، وذلك لأنّ ملاك الحمل هو الاتّحاد(1).


(1) لا  يخفى أنّ الكلام الذي أبطله اُستاذنا الشهيد هنا من الجامع الإلباسيّ أو الاختراعيّ الذي ينشئه الذهن، ويُلبسه على ما في الخارج قد تمسّك به هو في بحث حقيقة العلم الإجماليّ وما يتعلّق به، وهذا ما لا  يخلو من نوع من التهافت.

والواقع: أنّه لو قُصِد باختراعيّة الجامع خياليّته البحت حتّى يكون من قبيل بحر من زئبق، فهذا الكلام باطل هنا وهناك، ولو قصد بها كون الجامع جامعاً عَرَضيّاً منتزعاً من الأفراد بكلّ ما لها من قشور، لا  ذاتيّاً كي يكون تحصيله بتقشير الفرد، فهذا الكلام صحيح هنا وهناك.

  الصفحة 114  

وأمّا جهة الاتّفاق بينهما، فنحن وإن كنّا نوافق على أنّ الجامع الذي يكون من قبيل الإنسان لا  يعقل فيه الوضع العامّ والموضوع له الخاصّ كما سيأتي إن شاء الله، ولكنّنا نناقش النكتة التي يؤمن بها صاحب الإشكال والمحقّق العراقيّ . وتوضيح ذلك: أنّ الفرد له مصطلحان:

الأوّل: الفرد الخارجيّ بما له من خصوصيّات الحجم واللون وغير ذلك. وطبعاً الفرد بهذا المعنى يجب تقشيره حتّى ينطبق عليه الجامع، ولا  يكون الجامع حاكياً عنه بخصوصيّاته; فإنّ الخصوصيّات غير داخلة في الجامع، وإنّما هي اُمور إضافيّة لابدّ من غضّ النظر عنها عند إرادة اقتناص الجامع.

الثاني: الفرد بمعنى الحصّة المعيّنة من الجامع فمفهوم الإنسان مثلاً جامع، وأفراده بالمعنى الثاني عبارة عن تلك الحصّة من الإنسانيّة الموجودة في زيد، وتلك الحصّة الموجودة في عمرو وهكذا، فإنّ كلّ حصّة من هذه الحصص هي مباينة للحصّة الاُخرى ذاتاً بغضّ النظر عن الخصوصيّات الطارئة على الحصّة من حجم أو لون أو غير ذلك، وإنّما هذه الخصوصيّات تطرأ على الحصّة، فيجب أن تكون ذات الحصّة سابقاً مباينة للحصّة الاُخرى حتّى يطرأ على هذه الحصّة الوصف الفلانيّ، وعلى الحصّة الاُخرى الوصف الآخر، والمفهوم الجامع بين هذه الحصص ينطبق على كلّ حصّة بتمامها; إذ ليست فيها خصوصيّة زائدة على أصل طبيعة الإنسانيّة حتّى نحتاج إلى تقشيرها عنها، وما به الاشتراك في هذه الحصص


     وإن شئت مراجعة كلام اُستاذنا في تحقيق حقيقة العلم الإجماليّ فراجع كتابنا مباحث الاُصول، الجزء الرابع من القسم الثاني، ص 19 ـ 26 بحسب الطبعة الاُولى في مطبعة إسماعيليان.

  الصفحة 115  

عين ما به الامتياز فيها، فيعقل الوضع العامّ والموضوع له الخاصّ، بمعنى تصوّر المفهوم العامّ والوضع لهذه الحصص.

الأمر الثاني: أنّ الفرد والجامع متباينان مفهوماً وإنّ اتّحدا خارجاً، فتصوّر مفهوم الجامع لكي يتمّ الموضوع له الخاصّ غير معقول; لأنّ هذا لا  يكون إلاّ بأحد فروض أربعة:

1 ـ أن يفرض: أنّ تصوّر الجامع صار حيثيّة تعليليّة للانتقال إلى مفهوم الفرد، فتَصوّرَ الفرد ووضع له. لكن هذا ـ  كما ترى  ـ يرجع إلى الوضع الخاصّ والموضوع له الخاصّ، ولا  يحقّق المقصود.

2 ـ أن يفرض: أنّ المفهومين يوجدان بحضور واحد، وتصوّر واحد.

وهذا غير معقول; لما قلنا من أنّهما متباينان مفهوماً.

3 ـ أن يفرض: أنّ مفهوم الفرد غائب عن الذهن مطلقاً، ويتصوّر مفهوم الجامع، ويُصدر حكمه على مفهوم الفرد.

وهذا أيضاً غير معقول; لأنّ الحاكم حينما يحكم على شيء يجب أن يكون موضوع حكمه حاضراً في نفسه.

4 ـ أن يفرض: أنّه يتصوّر مفهوم الجامع ويضع اللفظ له، ومع ذلك يصبح الموضوع له خاصّاً.

وهذا أيضاً غير معقول; لأنّه إذا وضع للجامع فقد صار الموضوع له عامّاً(1).


(1) ورد في تقرير السيّد الهاشميّ حفظه الله، ج 1، ص 89 جواب على هذا الإشكال، وهو: أنّ المفاهيم العامّة على قسمين:

أحدهما: ما هو منتزع من المصاديق الخارجيّة كالإنسان، وهذا هو الذي لا يمكن أن
  الصفحة 116  

والتحقيق: أنّنا نختار الشقّ الرابع، أي نقول: إنّ الواضع يتصوّر الجامع ويضع اللفظ للجامع، ومع هذا يصير الوضع عامّاً والموضوع له خاصّاً، فالحكم يصدر على العامّ لكنّه يستقرّ على الخاصّ. وتوضيح ذلك يكون ببيان مقدّمتين:

1 ـ إنّ كلّ عنوان من العناوين، كعنوان الإنسان، وعنوان الكلّيّ والجزئيّ، وغير ذلك من العناوين يكون بالنظر الأوّليّ التصوّريّ واجداً لذاته ومقوّماته، وإلاّ لزم التناقض، فمن تصوّر الإنسان يرى بهذا النظر الحيوان الناطق، ومن تصوّر الكلّيّ أو الجزئيّ يرى بهذا النظر ما لا  يمتنع صدقه على كثيرين، أو ما يمتنع صدقه على كثيرين، وهكذا، ولكن بالنظر الثانويّ التصديقيّ حينما ينظر إلى نفس ذلك العنوان فقد يجده غير واجد لنفسه، بل مصداقاً لضدّه من قبيل عنوان الجزئي، فإنّ هذا العنوان ليس هو في حقيقته وهويّته جزئيّاً يمتنع صدقه على كثيرين، بل هو مصداق من مصاديق الكلّيّ وصادق على كثيرين، وقد يجده بالنظر الثانويّ والتصديقيّ أيضاً واجداً لنفسه من قبيل عنوان الكلّيّ، فإنّ هذا العنوان بنفسه كلّيّ ولا  يمتنع صدقه على كثيرين، وكذلك عنوان الإنسان، أي: حقيقة الإنسان الموجودة في ضمن كلّ فرد، فإنّها إنسان حقيقة وحيوان ناطق واقعاً.


     يكون الموضوع له فيه خاصّاً; لأنّه لا  يفنى في مفهوم جزئيّ، بل هما مفهومان متباينان منتزعان عن الخارج في عرض واحد.

والثاني: ما هو منتزع من المفاهيم الجزئيّة كمفهوم الجزئيّ المنتزع من مفهوم زيد وعمرو وبكر ... لا  من المصاديق، فهنا بما أنّه ليس المفهوم العامّ في عرض المفهوم الخاصّ منتزعاً من الخارج، بل هو منتزع من المفاهيم الجزئيّة فيكون وجهاً وعنواناً للمفاهيم الجزئيّة، فبإمكان الواضع أن يضع اللفظ لتلك المفاهيم الجزئيّة التي تصوّرها إجمالاً وبوجهها الذي هو المفهوم العامّ.

  الصفحة 117  

2 ـ إنّ القضيّة توجد فيها مرحلتان:

الاُولى: مرحلة إصدار الحكم وعقده، وفي هذه المرحلة تحتاج إلى تصوّر الموضوع، ويكفي فيها تصوّر ما هو موضوع بالنظر التصوّريّ ولو لم يكن تصوّراً لواقع الموضوع.

والثانية: مرحلة ثبوت الحكم واقعاً، وفي هذه المرحلة يثبت الحكم على واقع الموضوع، ومثال ذلك قول المتكلّم: «الجزئيّ ما يمتنع صدقه على كثيرين»، فهذه القضيّة صادقة عند من يقول بإمكان الوضع العامّ والموضوع له الخاص وعند من ينكر ذلك، مع أنّ فيها إشكالاً، وهو: أنّه كيف يصحّ القول بأنّ الجزئيّ يمتنع صدقه على كثيرين مع أنّ الجزئيّ بنفسه كلّيّ ويصدق على كثيرين؟! والجواب: أنّ الحكم بامتناع الصدق على كثيرين وإن كان في مرحلة الثبوت الواقعيّ ثابتاً على واقع الجزئيّ، وهو زيد وعمرو وبكر، لا  عنوان الجزئيّ، ولكن في مرحلة إصدار الحكم من قبل المتكلّم لا  يلزمه تصوّر واقع الجزئيّ بأن يقول: زيد يمتنع صدقه على كثيرين، وعمرو يمتنع صدقه على كثيرين، وهكذا، بل يكفيه تصوّر ما هو جزئيّ بالنظر الأوّليّ التصوّريّ وإن كان كلّيّاً بالنظر الثانويّ التصديقيّ، والجزئيّ هو جزئيّ بالنظر الأوّليّ التصوّريّ، وإلاّ لزم التناقض; ولهذا صحّ أن يقال: الجزئيّ ما يمتنع صدقه على كثيرين. فقد حكم بامتناع الصدق على كثيرين على عنوان الجزئيّ، ولكن الحكم استقرّ وثبت على مصاديق هذا العنوان.

والخلاصة: متى ما كان الموضوع بالنظر التصديقيّ واجداً لنفسه وحكم عليه بحكم ما، ثبت واستقرّ له ذلك الحكم، كما في قولنا مثلاً: «الكلّيّ لا  يمتنع صدقه على كثيرين»، أو قولنا: «الإنسان يمشي». ومتى ما كان الموضوع بالنظر التصديقيّ غير واجد لنفسه، وحكم عليه بحكم ما، لم يستقرّ الحكم عليه، وإنّما

 
  الصفحة 118  

يستقرّ على مصاديقه، كما في قولنا: «الجزئيّ يمتنع صدقه على كثيرين».

إذا عرفت ذلك، قلنا: أنّه بدلاً عن الحكم بامتناع الصدق على كثيرين يمكن أن نفرض الحكم بوضع اللفظ، وكما كان يحمل الحكم بامتناع الصدق على كثيرين على عنوان الجزئيّ الذي هو بالنظر التصوّريّ جزئيّ وبالنظر التصديقيّ كلّيّ، كذلك يحمل الواضع الحكم بوضع اللفظ على عنوان الجزئيّ، أو الفرد، أو الخاصّ، وما شابه ذلك الذي هو بالنظر الأوّليّ فرد وخاصّ وبالنظر التصديقيّ عامّ. وكما كان الحكم بامتناع الصدق يستقرّ على واقع ما هو الجزئيّ، لا  على عنوان الجزئيّ، كذلك الحكم في الوضع يستقرّ على ما هو واقع الفرد، لا  على العنوان الذي وقع موضوعاً للحكم والذي هو عامّ في الحقيقة، فمثلاً يقول الواضع: «وضعت لفظة كذا لأفراد الإنسان» فهو لم يتصوّر واقع الأفراد، وإنّما تصوّر عنواناً كلّيّاً وهو فرد الإنسان، لكنّه وضع لواقع الأفراد; لما عرفت من كفاية تصوّر ما هو موضوع للحكم بالنظر التصوّريّ(1).


(1) لا  يخفى: أنّ هذا الجواب لا  يتمّ إلاّ بعد فرض استبطانه لروح الجواب الذي نقلناه عن تقرير السيّد الهاشميّ حفظه  الله; وذلك لأنّ انتقال الحكم من المعنى العامّ الذي تصوّره الواضع، أو الحاكم والذي لا  يجد نفسه بالنظر التصديقيّ إلى المفاهيم الجزئيّة التي تكون واجدة للحقيقة المستبطنة بالنظر التصوّريّ في الموضوع لا  يكون إلاّ بنكتة فناء ذاك المفهوم العامّ في تلك المفاهيم الجزئيّة، وكونه وجهاً لها و عنواناً لها، وذلك لا  يكون إلاّ بفرض ذاك المفهوم العامّ منتزعاً من تلك المفاهيم الجزئيّة لا  منتزعاً من الخارج في عرض انتزاع المفاهيم الجزئيّة.

وبهذا يتبيّن أنّ هذا الجواب لا  يدفع الإشكال الأوّل; لأنّنا ما دمنا رجعنا إلى مسألة الانتزاع من تلك المفاهيم الجزئيّة يأتي في المقام إشكال التقشير، ونحتاج في دفعه إلى ما مضى من الجواب عن ذاك الإشكال.

  الصفحة 119  

وقد اتّضح بما ذكرناه أنّ الجوامع على قسمين:

1 ـ ما يكون بالنظر التصديقيّ خاصّاً وفرداً، كعنوان فرد الإنسان، وفي ذلك يعقل الوضع العامّ والموضوع له الخاصّ; وذلك لما عرفت من أنّ الحاكم لابدّ له في مقام الحكم من أن يتصوّر ما هو موضوع لحكمه بالنظر التصديقيّ، أو ما هو موضوع لحكمه بالنظر التصوّريّ، وما تصوّره هنا وإن لم يكن خاصّاً وفرداً بالنظر التصديقيّ، لكنّه خاصّ وفرد بالنظر التصوّريّ، وهذا كاف في مقام إصدار الحكم، ولا  يرد عليه الإشكال الثاني، كما لا  يرد عليه الإشكال الأوّل، بلا  حاجة إلى ما مضى من الجواب عليه، فإنّ هذا الجواب يدفع كلا الإشكالين كما هو واضح(1).

2 ـ ما لا يكون بالنظر التصوّريّ خاصّاً وفرداً، كعنوان الإنسان، وفي مثل ذلك لا  يعقل الوضع العامّ والموضوع له الخاصّ; لأنّه لم يتصوّر ما هو خاصّ بالنظر التصديقيّ، ولا  ما هو خاصّ بالنظر التصوّريّ، ولابدّ للحاكم من تصوّر ما هو موضوع حكمه بأحد النظرين.

وقد اتّضح بما ذكرناه تحقيق الحال في القسم الرابع، وهو الوضع الخاصّ والموضوع له العامّ، فمن الواضح أنّه لا  يمكن افتراض تصوّر الواضع لزيد مثلاً ووضعه للعامّ كالإنسان، فإنّه لابدّ للحاكم من تصوّر موضوع حكمه بأحد النظرين، وموضوع حكمه هنا هو العامّ، وزيد ليس عامّاً، لا  بالنظر التصوّريّ ولا  بالنظر التصديقيّ. فيجب إمّا أن يُحضِر نفس مفهوم الإنسان، أو يحضر في نفسه مفهوم العامّ، فيقول: «أضع لفظ إنسان للعامّ الذي ينطبق على زيد» فهذا يرجع إلى الوضع العامّ والموضوع له الخاصّ.


(1) قد اتّضح بتعليقنا الماضي: أنّ هذا الجواب لا  يدفع الإشكال الأوّل.

  الصفحة 120  

فتحصّل: أنّ القسم الثالث معقول في الجملة، والقسم الرابع غير معقول(1).


(1) هذا كلّه حسب مبانيهم من كون الوضع أمراً إنشائيّاً.

أمّا على مبنى القرن الأكيد، فيمكن تصوير ما يشبه ذلك:

فأوّلا: قد يقصد الواضع قرن اللفظ بالمعنى العامّ ويتوفّق لذلك، فلنسمّه بالوضع العامّ والموضوع له العامّ.

وهذا يكون في عدّة فروض:

الأوّل: أن يحضر المعنى العامّ في ذهن السامع عن طريق الإحساس، أي: أنّ الواضع يُحضر مصداقاً من مصاديق المعنى المقصود أمام السامع مثلاً، ويُطلق اللفظ المفروض وضعه لذلك المعنى، ثُمّ يُحضر مصداقاً آخر من تلك المصاديق، ويُطلق فرداً آخر للّفظ مماثلاً للفرد السابق... وهكذا، وتكون النتيجة: أنّ السامع يُغفِل خصوصيّات الأفراد، ويقترن كلّيّ ذلك اللفظ في ذهنه بكلّيّ المعنى، فيتكوّن الوضع العامّ والموضوع له العامّ.

والثاني: أن يقتصر الواضع على إحضار مصداق المعنى وقرنه باللفظ مرّة واحدة، ولكن توجد هناك خصوصيّات كيفيّة تناسب كلّيّ المعنى، لا  ذاك المصداق بالخصوص، فيصبح اللفظ في ذهن السامع مقترناً بالمعنى العامّ، ويتمّ أيضاً الوضع العامّ والموضوع له العامّ.

والثالث: ما قد يتّفق من أنّ الواضع يقرن ابتداءً اللفظ بالمعنى العامّ كي يتمّ في ذهن السامع هذا الاقتران، وذلك كما لو استعان الواضع بإطلاق لفظ تمّ وضعه قبلا لإحضار المعنى العامّ في ذهن السامع مع قرنه باللفظ المقصود وضعه الآن بقرن أكيد، فيقول مثلا للذين كانوا يعرفون البشر: «الإنسان هو البشر»، أو يقول للذين كانوا يعرفون معنى الحيوان الناطق: «الإنسان هو الحيوان الناطق» مع تأكيد هذا القرن كمّيّاً أو كيفيّاً. وهنا أيضاً يتمّ الوضع العامّ والموضوع له العامّ.

وثانياً: قد يقصد الواضع القرن الأكيد في ذهن السامع كميّاً أو كيفيّاً بين اللفظ ومعنىً خاصّ، ويتوفّق عملا لذلك، كما هو الحال في وضع الأعلام، فهذا ما نسمّيه بالوضع الخاصّ والموضوع له الخاصّ.

  الصفحة 121  

 

ما هو الواقع من الأقسام الممكنة للوضع

 

وأمّا الجهة الرابعة: وهي في الأقسام الواقعة للوضع:

فقد اتّفقوا على وقوع القسم الأوّل، وهو الوضع العامّ والموضوع له العامّ، من قبيل أسماء الأجناس، والقسم الثاني، وهو الوضع الخاصّ والموضوع له الخاصّ من قبيل الأعلام. ووقع الكلام في القسم الثالث، وهو الوضع العامّ والموضوع له الخاصّ، فقد ذكر جماعة: أنّ هذا وضع الحروف والهيئات، ومن هنا دخلوا في


وثالثاً: قد يقصد الواضع قرن اللفظ بالمعنى العامّ لو أمكنه، ولكنّه لا  يتوفّق لذلك، فلو أمكنه قلب المعنى الحرفيّ إلى المعنى الاسميّ لأخذ المعنى العامّ وقرن اللفظ به، ولكنّه يعجز عن ذلك; لأنّ المعنى الاسميّ يفقد النسبة المقصودة، فالواضع يقرن اللفظ بمصداق من مصاديق المعنى، ثُمّ بمصداق آخر، وهكذا إلى أن يتمّ الوضع، ولكن ليس بإمكان الذهن اقتناص الجامع بين تلك المصاديق إلاّ بإجراء تعديل جذريّ عليه، من قلب المعنى الحرفيّ النسبيّ مثلاً إلى المعنى الاسميّ الذي لا  يحقّق النسبة، فهنا يبقى الذهن مقتصراً على الانتقال إلى المصاديق المناسبة من المعنى لكلّ مصداق من مصاديق اللفظ، ولنسمّ ذلك بالوضع العامّ والموضوع له الخاصّ.

أو أنّ الواضع يقرن اللفظ بمصداق من مصاديق المعنى مرّة واحدة، ولكن هناك خصوصيّة كيفيّة تقتضي القرن الأكيد، والمناسبة كانت تناسب عموم المعنى لا  خصوص ذلك المصداق، ولكن الذهن أيضاً كان عاجزاً عن اقتناص الجامع من دون إجراء ذلك التعديل الجذريّ، أي: قلب المعنى الحرفيّ إلى المعنى الاسميّ والذي لا  موجب للمصير إليه; لأنّه يهدم المقصود، فأيضاً يقتصر الذهن على الانتقال من كلّ مصداق من مصاديق اللفظ إلى المصداق المناسب له من المعنى، فيتمّ أيضاً الوضع العامّ والموضوع له الخاصّ.

  الصفحة 122  

البحث عن الحروف والهيئات. ويقع البحث هنا في مقامين:

 

حقيقة المعاني الحرفيّة:

المقام الأوّل: في تحقيق حقيقة الحال في معاني الحروف. وهناك ثلاثة مسالك في حقيقة المعنى الحرفيّ:

1 ـ إنّ الحروف لا معنىً لها(1).

2 ـ إنّ معنى الحرف من قبيل معنى الاسم، وليس بينهما فرق ذاتيّ. نعم، يوجد بينهما فرق عرضيّ(2).

3 ـ إنّ الحرف له معنىً مغاير ذاتاً لمعنى الاسم.

أمّا المسلك الأوّل:

فيقال في شرحه: إنّ الحروف ليس لها معنىً، وإنّما هي علامات لمعاني وخصوصيّات في الأسماء من قبيل الإعراب; ولهذا لا  يفهم معنىً


(1) (2) هذان القولان منسوبان إلى المحقّق الرضيّ الاستراباديّ وكأنّ النسبتين نشأتا من الاختلاف في فهم عبارته، وعبارته ـ  كما ورد في شرح الكافية، ج 1، ص 10 بحسب طبعة منشورات المكتبة المرتضويّة لإحياء الآثار الجعفريّة للشيخ عبدالكريم التبريزيّ  ـ ما  يلي:

«ثُمّ نقول: إنّ معنى (مِن) الابتداء، فمعنى (من) ومعنى لفظ الابتداء سواء، إلاّ أنّ الفرق بينهما أنّ لفظ الابتداء ليس مدلوله مضمون لفظ آخر، بل مدلوله معناه الذي في نفسه مطابقةً، ومعنى (مِن) مضمون لفظ آخر ينضاف ذلك المضمون إلى معنى ذلك اللفظ الأصليّ; فلهذا جاز الإخبار عن لفظ الابتداء، نحو: (الابتداء خير من الانتهاء) ولم يجز الإخبار عن (مِن); لأنّ الابتداء الذي هو مدلولها في لفظ آخر، فكيف يخبر عن لفظ ليس معناه فيه، بل في لفظ غيره؟! وإنّما يخبر عن الشيء باعتبار المعنى الذي في نفسه مطابقةً، فالحرف وحده لا  معنى له أصلاً; إذ هو كالعلم المنصوب بجنب شيء ليدلّ على أنّ في ذلك الشيء فائدة ما، فإذا اُفرِد عن ذلك الشيء بقي غير دالّ على معنىً أصلاً».

  الصفحة 123  

من الحروف حينما تستعمل وحدها.

وقد أوردوا عليه: أنّ هذا يستبطن شبه التناقض، فمن ناحية يفرض أنّ الحرف لا  معنى له، ومن ناحية اُخرى يفرض أنّه دخيل في الدلالة، وهذا تناقض. فنحن نقول: هل إنّ قولنا: «سرت من البصرة إلى الكوفة» لو حذفت منه الحروف يبقى المعنى المتحصّل من الكلام على حاله، أو لا؟ فإن قيل: نعم، فهو خلاف الوجدان. وإن قيل: لا، قلنا: إنّ الخصوصيّات الموجودة في هذا الكلام التي تفقد عند حذف الحروف هل هي مستفادة من الحروف، أو من «السير» و  «البصرة» و  «الكوفة» مثلاً التي هي أسماء؟ فإن قيل بالأوّل، فهذا معناه أنّ الحروف ذات معنىً. وإن قيل بالثاني، قلنا: إنّ «السير» و  «البصرة» و  «الكوفة» بذاتها لا  تدلّ على هذه الخصوصيّات; ولذا لا  تدلّ عليها عند التجرّد من الحروف، ففهم هذه الخصوصيّات يحتاج إلى قرينة. فإن كانت القرينة هي الحروف، رجعنا مرّة اُخرى إلى القول بكون الحروف ذات معنىً، وإلاّ فليست هناك قرينة اُخرى، إذن فهذا المسلك يستبطن المحال.

أقول: إنّ هذا المسلك بناءً على الرأي المشهور في حقيقة الوضع من إرجاعه إلى الإنشاء بأحد الوجوه الماضية يمكن تفسيره بنحو لا  يستبطن تناقضاً، ولا  استحالة، وذلك بأن يدّعى: أنّ لكلمة «السير» مثلاً أوضاعاً عديدة بعدد حالاتها من حيث اكتنافها بالحروف وعدمه، فمثلاً كلمة «السير» حينما لا  تكون مكتنفة بحرف تكون موضوعةً لطبيعيّ السير، وحينما تكون مكتنفة بـ  «من» و  «إلى» تكون موضوعةً لحصّة خاصّة من السير، وهي: السير من كذا إلى كذا. فنفس «من» و  «إلى» لا  تدلاّن على معنىً، وإنّما الخصوصيّة تستفاد من نفس السير; لأنّها موضوعة بوضع آخر حينما تكون مكتنفة بـ  «من» و  «إلى»، فلا  يكون

 
  الصفحة 124  

هذا المسلك مستبطناً لتناقض أو استحالة. نعم، قد يقال: إنّه خلاف الوجدان.

وأمّا المسلك الثاني:

فهو الذي اختاره المحقّق الخراسانيّ (1). وكلامه ينحلّ إلى جهتين:

الجهة الاُولى: أنّ كلمة «من» مع كلمة الابتداء في جوهر المعنى واحد، وإنّما بينهما فرق عرضيّ، وهو أنّ كلمة «من» يقصد بها الابتداء ملحوظاً باللحاظ الآليّ الفاني في غيره، وكلمة الابتداء يقصد بها الابتداء ملحوظاً باللحاظ الاستقلاليّ، فالاستقلاليّة والآليّة من شؤون لحاظنا، لا  من ذاتيّات جوهر المعنيين.

الجهة الثانية: أنّ الآليّة والاستقلاليّة اللتان هما من شؤون اللحاظ هل اُخذتا قيداً في الموضوع له، فأوجبتا نوع فرق بين المعنى الموضوع له الحرف والمعنى الموضوع له الاسم، أو اُخذتا قيداً في الوضع، فلم يبق أيّ فرق ولو غير جوهريّ بين الموضوع له الحرف والموضوع له الاسم؟ اختار أنّه قيد في الوضع. وكأنّ المحقّق الخراسانيّ فرض الجهة الاُولى أمراً مفروغاً عنها، فأشبع الكلام في أكثر من مورد في الجهة الثانية فحسب، وأخذ يبرهن بعدّة براهين على أنّ اللحاظ الآليّ قيد في الوضع لا  الموضوع له، وفهمت الجهة الاُولى من كلامه ضمناً، في حين أنّ كون الفرق بين الاسم والحرف إنّما هو في اللحاظ الآليّ واللحاظ الاستقلاليّ أوّل الكلام، فيجب أوّلاً أن نتكلّم في الجهة الاُولى:

فنقول: إنّه قد اعترض على ما اختاره المحقّق الخراسانيّ من أنّ الفرق بين «من» و «الابتداء» إنّما هو باللحاظ بإشكالات:

الإشكال الأوّل: ما ذكره المحقّق الإصفهانيّ وهو: أنّ المعنى الحرفيّ


(1) راجع الكفاية، ج 1، ص 15 بحسب الطبعة المشتملة على تعليقة المشكينيّ.

  الصفحة 125  

لا  يمكن أن يكون له لحاظان، أي: وجودان ذهنيّان: آليّ واستقلاليّ حتّى يقال: إنّه متى ما كان استقلاليّاً عبّر عنه بالاسم، وهو الابتداء، ومتى ما كان آليّاً عبّر عنه بمن; وذلك لأنّ الوجود الذهنيّ لشيء يجب أن يكون مطابقاً للوجود الخارجيّ له، والمعنى الحرفيّ وهو النسبة كالنسبة الابتدائيّة مثلاً ليس له في الخارج نحوان من الوجود، وإنّما يوجد في الخارج دائماً بالوجود الفاني والمندكّ، وليس له في الخارج وجود استقلاليّ، فيجب أن يكون وجوده في الذهن أيضاً آليّاً وفانياً دائماً(1).


(1) راجع نهاية الدراية، ج 1، ص 23 بحسب طبعة مطبعة الطباطبائيّ في قم.

وأقول: لا يخفى أنّ صدر عبارة الشيخ الإصفهانيّ وإن كان يوهم ما نقله عنه اُستاذنا الشهيد هنا من مجرّد التمسّك بأنّ النسبة ليس لها نحوان من الوجود في الخارج، فكذلك لا  يمكن أن يكون لها نحوان من الوجود في الذهن; ولذا نقض عليه ما بالعرض الذي له نحو واحد من الوجود في الخارج، وهو الوجود في المحلّ، في حين أنّ له نحوين من الوجود في الذهن، وهما الوجود في المحلّ والوجود الاستقلاليّ، وذكر: أنّه لا  برهان على ضرورة تماثل أنحاء الوجود الذهنيّ تماماً لأنحاء الوجود الخارجيّ، ولكن مراجعة تمام عبارة الشيخ الإصفهانيّ تُثبت بوضوح أنّ مقصوده لم يكن هو هذا التقريب الساذج، وهو ملتفت إلى الفرق بين النسبة والعرض. وحاصل مقصوده في المقام هو: أنّ العرض إنّما يكون بحاجة إلى المحلّ في وجوده الخارجيّ لا  في ماهيته وهويّته، فالعرض كالبياض مثلاً مستقلّ في الهويّة والماهية عن الجسم الأبيض، ولكنّه مفتقر إليه في وجوده الخارجيّ وهذا الافتقار كان مخصوصاً بالوجود الخارجيّ، ولم يشمل الوجود الذهنيّ، فأمكن وجوده في الذهن مستقلاًّ. وبكلمة اُخرى: أنّ العرض له وجود نفسيّ في الخارج كالعين، بفرق: أنّ العين لها وجود في نفسه لنفسه، ولكن العرض له وجود في نفسه لغيره. وأمّا النسبة فليس لها وجود نفسي في الخارج أصلا، وإلاّ لم يكن ثبوت شيء لشيء، بل ثبوت أشياء ثلاثة، فتحتاج
  الصفحة 126  


     إلى رابطة اُخرى، والنسبة مبتلاة بالنقص في ذاتها وهويّتها، فهي في هويّتها متقوّمة بالطرفين، فكما يستحيل وجودها مستقلاًّ في الخارج كذلك يستحيل وجودها مستقلاًّ في الذهن.

وهذا البيان ـ  كما ترى  ـ لا  يرد عليه النقض بالأعراض الوارد في كلام اُستاذنا الشهيد . نعم، برهنته على عدم إمكان وجود هذه النسبة في الذهن بوجودين، ببيان: أنّ النقص والفقر ثابتان في ذاتها وهويّتها لا  في وجودها الخارجيّ بعد فرض كمالها الذاتيّ متوقّف على الفهم الفلسفيّ القائل بأنّ الماهية توجد في الذهن حقيقةً كما توجد في الخارج حقيقةً، وإنّما الاختلاف في نوع الوجود، فما هو من شؤون الوجود الخارجيّ كمحرقيّة النار لا  يتعدّى إلى الذهن; ولذا ترى أنّ النار في الذهن لا  تحرق الذهن، وما هو من شؤون الماهية تراه ثابتاً في الخارج وفي الذهن، كزوجيّة الأربعة. وفي المقام بما أنّ النقصان والافتقار كان من شأن ماهية النسبة، فهو ثابت في الذهن أيضاً كما هو ثابت في الخارج، وهذا بخلاف نقص الأعراض وافتقارها إلى المحلّ، فإنّ ذلك من شؤون الوجود الخارجيّ للعرض، لا  من شؤون ماهيته; ولذا يمكن تواجد العرض في الذهن مستقلاًّ عن المحلّ. أمّا لو أنكرنا هذه القاعدة الفلسفيّة، وقلنا: إنّ الوجود الذهنيّ ليس إلاّ تصويراً عمّا في الخارج، فبطبيعة الحال ينهار هذا البرهان، بل ويمكن إرجاع النقض أيضاً بأن يقال: لو كان تصوير الذهن عمّا في الخارج بصورتين مختلفتين غير ممكن فكيف وقع ذلك في باب الأعراض؟!

ولكن يمكن أن يستبدل البرهان الذي ينهار بإنكار تلك القاعدة الفلسفيّة ببيان آخر، وهو: أن يقال: إنّ ما يكون في ذاته متلاشياً في الغير وفانياً كيف يمكن للذهن أن يأخذ عنه صورة في غير ضمن صورة ما تلاشى فيه؟! وبهذا تختلف النسبة عن العرض الذي ليس في ذاته متلاشياً في الغير. والفرق بينهما: أنّ العرض وإن كان لا يوجد في الخارج إلاّ في المحلّ لكن الذهن قادر على أن يجرّده عن محلّه. أمّا النسبة المفتقرة في هويّتها إلى
  الصفحة 127  

أقول: إنّنا وإن كنّا نؤمن ـ على ما سوف يتّضح ـ بأنّ المعنى الحرفيّ لا  يوجد في الذهن إلاّ آليّاً، لكن البرهنة على ذلك بأنّ وجوده الخارجي لا  يكون إلاّ آليّاً غير صحيحة; إذ لا  برهان على ضرورة كون أقسام الوجود الذهنيّ مطابقة لما في الخارج، بل نبرهن على خلافه، وذلك بالتمثيل بالأعراض، فالبياض مثلاً لا  يوجد في الخارج إلاّ في محلّ، لكنّه يوجد في الذهن تارةً في محلّ حينما يتصوّر الجسم الأبيض، واُخرى مستقلاًّ حينما يتصوّر نفس البياض.

ثُمّ إنّ في هذا الكلام للمحقّق الإصفهانيّ تحميلاً على المحقّق الخراسانيّ حيث يحمّله أنّ المعنى الحرفيّ هو النسبة، وهذا تحميل بلا  موجب.

الإشكال الثاني: ما ذكره المحقّق النائينيّ (1) والسيّد الاُستاذ ـ  دامت بركاته  ـ(2) وهو: أنّه لو كان معنى «من» والابتداء واحداً، وكان الفرق بينهما في اللحاظ فحسب، لصحّ استعمال أحدهما في موضع الآخر على حدّ صحّة الاستعمال المجازيّ في الموارد المتعارفة على الأقلّ، فإنّنا إن فرضنا أنّ اللحاظ الآليّ والاستقلاليّ قيد للموضوع له، فغاية ما يلزم من استعمال أحدهما في مكان الآخر هو استعمال الشيء في معنىً غير ما وضع له قريب من المعنى الموضوع له; لوجود جامع بينهما، وهو معنى الابتداء، وهذا استعمال مجازيّ جائز. وإن فرضنا


     الطرفين فبمجرّد أن يجرّدها الذهن من طرفيها لا  يبقى شيء حتّى في عالم التقرّر حتّى يصوّره، فلا  طريق للذهن إلى تصويرها إلاّ تصوير المفنيّ فيه والمتلاشى فيه الذي هو تصوير ضمنيّ للفاني والمتلاشي.

(1) راجع أجود التقريرات، ج 1، ص 15، وفوائد الاُصول، ج 1، ص 49 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم.

(2) راجع المحاضرات، ج 1، ص 57.

  الصفحة 128  

أنّ الآليّة والاستقلاليّة قيد للوضع فالأمر أحسن; لعدم تصرّف في الموضوع له، فهذا استعمال مجازيّ جائز أيضاً; فإنّه في المجازات المتعارفة يستعمل اللفظ في معنىً مباين للمعنى الموضوع له، ويقال بجواز ذلك. وفيما نحن فيه يستعمل اللفظ في نفس المعنى الموضوع له مع مخالفة قيد الوضع، ولئن جاز استعمال اللفظ في المباين فكيف لا  يجوز استعماله في نفس المعنى مع رفض القيد؟!

أقول: إنّنا لو مشينا حسب مسالك القوم، كان هذا الإشكال أيضاً قابلاً للردّ; وذلك لأنّ المعنى المجازيّ إنّما يصحّ في طول وجود معنى حقيقيّ للّفظ بالوضع، فالواضع ينشئ وضع اللفظ لمعنىً ثُمّ تتمّ له الدلالة على معنىً آخر مجازيّ بالعلاقة والشبه والذوق; فكلمة «أسد» إنّما تدلّ على الرجل الشجاع; لأنّها موضوعة للحيوان المفترس، فلو فرض نسخ هذا الوضع مثلاً لم تبقَ لها دلالة على الرجل الشجاع، والمدّعى للمحقّق الخراسانيّ في المقام هو: أنّ وضع «مِن» مقيّدٌ باللحاظ الآليّ، أي: أنّ دائرة الوضع مضيّقة، فالواضع إنّما وضع لفظة «من» للابتداء حينما يلحظ آليّاً، فلو لوحظ استقلاليّاً لم يكن هناك وضع أصلاً، من قبيل أن يفرض أنّ الواضع إنّما جعل لفظة أسد دالّةً على الحيوان المفترس في الليل، ففي النهار لا  تدلّ على ذلك، إذن فحينما يلحظ المعنى استقلاليّاً لا  تبقى لكلمة «من» دلالة ووضع حتّى يصحّ استعمالها مجازاً.

الإشكال الثالث: ما ذكره السيّد الاُستاذ ـ  دامت بركاته  ـ في تعليقته من أنّه لو كان امتياز المعنى الحرفيّ عن المعنى الاسميّ إنّما هو باللحاظ الآليّ والاستقلاليّ والفناء وعدم الفناء، إذن لكانت الأسماء حينما تقع في قضايا ناظرة إلى الخارج حروفاً، فمثلاً حينما يقال: «النار محرقة» يكون مفهوم النار معنىً حرفيّاً; لأنّه لوحظ آليّاً وفانياً في واقع النار، فإنّ مفهوم النار الموجود في الذهن حينما يلحظ

 
  الصفحة 129  

استقلاليّاً لا  يحكم عليه بالإحراق; إذ هو صورة ذهنيّة موجودة في عالم النفس غير محرقة أصلاً(1).


(1) راجع أجود التقريرات، ج 1، ص 15 تحت الخطّ.

والنصّ الوارد في كلام السيّد الخوئيّ في هذا التعليق ما  يلي: « مضافاً إلى أنّ لحاظ المعنى آلة لو كان موجباً لكونه معنىً حرفيّاً، لزم منه كون كلّ معنىً اسميّ يؤخذ معرّفاً لغيره في الكلام وآلة للحاظه كالعناوين الكلّيّة المأخوذة في القضايا معرّفات للموضوعات الواقعيّة معنىً حرفيّاً ». وكأنّ هذا التعبير فُسّر من قبل اُستاذنا الشهيد بمعنى فناء العمومات في مصاديقها الخارجيّة، فأورد عليه: بأنّ المقصود بالفناء في المقام لم يكن هو فناء العنوان في المعنون والمفهوم في المصداق، بل كان هو فناء مفهوم في مفهوم، ولكن الذي يبدو من كتاب المحاضرات (ج  1، ص  58) أنّ مقصود السيّد الخوئيّ ليس هو هذا المعنى (أو كان هذا المعنى مقصوداً في تعليقه على أجود التقريرات، ثُمّ صحّحه وبدّله بالبيان الموجود في المحاضرات). ففي المحاضرات قد نقض بمثل مرآتيّة التبيّن في الآية الشريفة لحلول الفجر، فليس التبيّن ملحوظاً بذاته وموضوعاً لحرمة الأكل والشرب، وإنّما اُخذ مرآةً وطريقاً إلى طلوع الفجر، فلو كانت ميزة المعنى الحرفيّ أنّه لوحظ آلة لغيره وفانياً فيه، لزم أن يكون معنى التبيّن هنا معنىً حرفيّاً. وهذا البيان لا  يرد عليه إشكال اُستاذنا الشهيد ، فإنّ فناء معنى التبيّن في معنى طلوع الفجر إنّما هو فناء مفهوم في مفهوم كما هو الحال في المعاني الحرفيّة، لا  فناء المفهوم في المصداق، أو العنوان في المعنون.

إلاّ أنّ هذا البيان أيضاً غريب; فانّ مقصود القائل بفناء المعنى الحرفيّ في المعنى الاسميّ إنّما هو الفناء في باب دلالات الألفاظ على مستوى الدلالة اللغويّة التصوّريّة، لا  على مستوى الأهداف، أو على مستوى الدلالات الجدّيّة، أو على مستوى الملاكات. ومن الواضح: أنّ التبيّن في الآية لا  يعطي على مستوى الدلالة اللغويّة وعلى مستوى استعمال اللفظ في معناه اللغويّ إلاّ معنى التبيّن، وليس فانياً في معنى طلوع الفجر بمعنى اندكاك هذا في ذاك في عالم التصوّر، إلاّ أنّه كان الهدف من إعطاء مسألة التبيّن كمقياس
  الصفحة 130  

أقول: إنّ هذا الإشكال في غير محلّه. وتوضيح ذلك: أنّ الفناء له معنيان:

الأوّل: فناء العنوان في المعنون، والمفهوم في الواقع والمصداق، من قبيل فناء مفهوم النار الموجود في الذهن في واقع النار في قولنا: «النار حارّة»، وهذا في الحقيقة ليس فناء شيء في شيء; فإنّه لم يدخل في الذهن إلاّ مفهوم النار ويستحيل دخول واقع النار فيه حتّى يقال: إنّ هذا فنى في ذاك، فلو فرض ثبوت مفهوم النار في الذهن إذن فليس فانياً في شيء، ولو فرض فناؤه في النار الخارجيّة إذن لم يبق شيء في الذهن، وإنّما معنى الفناء هنا هو: أنّه نظر إلى مفهوم النار بالنظر التصوّريّ; ولذا حكم عليه بالحرارة، ولم ينظر إليه بالنظر التصديقي، وإلاّ لم يكن يرى إلاّ صورة ذهنيّة ليست لها أيّة حرارة. فالفناء هنا يكون بمعنى


     لترك الأكل والشرب، أو كان الملاك في ذلك أنّ التبيّن يكون دليلاً على طلوع الفجر، أو أنّ المراد الجدّي هو طلوع الفجر. وأين هذا من الفناء المدّعى للمعاني الحرفيّة في المعاني الاسميّة؟!

هذا، وكان بالإمكان تقريب المطلب ببيان ثالث، إلاّ أنّ هذا البيان لا  يتحمّله تعبير السيّد الخوئيّ الذي نقلناه عن تعليقه على أجود التقريرات، وهو أن يقال: إنّ المقياس في حرفيّة الحرف لو كان هو آليّة النظر، للزم أن تكون كلمة «الابتداء» مثلاً حينما ينظر إلى معناها بما هي حالة للسير بالقياس إلى البصرة كما في قولنا: «السير المبتدأ به من البصرة» حرفاً.

ولكن بإمكان الشيخ الآخوند أن يجيب على هذا النقض أيضاً بأنّ نفس التصوّر هنا لم يكن تصوّراً فنائيّاً واضمحلاليّاً في معاني الأسماء كما هو الحال في تصوّر معنى «مِن» في قولنا: «سرت من البصرة»، وإنّما كان المتصوّر بالتصوّر الاستقلاليّ معنى الابتداء المنتزع من السير والبصرة، وحاله حال سائر المفاهيم الانتزاعيّة الإضافيّة كالاُبوّة والبنوّة.

  الصفحة 131  

تبديل نظرة إلى مفهوم بنظرة اُخرى إليه، وليس بمعنى اندكاك شيء في شيء.

الثاني: فناء مفهوم في مفهوم، من قبيل فناء المعنى الحرفيّ في المعنى الاسميّ في قولنا: «سرت من البصرة». فالفناء هنا يكون بمعنى اندكاك معنىً في معنى، وكون أحد المفهومين ملحوظاً بالتبع وطوراً للمعنى الآخر، أي: أنّه وقع التصوّر أوّلا وبالذات على ذي  الطور، فنفس الطور يكون مندكّاً وفانياً وملحوظاً تبعاً نظير أنّ من تصوّر الأبيض فقد تصوّر البياض تبعاً ومندكّاً في ضمن تصوّر الأبيض وفانياً فيه. والمحقّق الخراسانيّ إنّما يقصد بالفناء هذا المعنى الثاني، حيث يقول: المعنى الحرفيّ حالة في غيره، ويقصد بذلك: أنّه حالة في معنىً اسميّ، لا  أنّه فان في المعنون; ولذا يشبّهه بالعرض مع موضوعه. وممّا يؤيّد ذلك أنّه فرّع في بحث مفهوم الشرط على مبناه في المعنى الحرفيّ عدم إمكان الإطلاق والتقييد في المعنى الحرفيّ; لأنّه آليّ ومغفول عنه، فكيف يطلق أو يقيّد. وأمّا إنّ هذا التفريع هل صحيح أو لا، فسيأتي في محلّه ـ  إن شاء الله  ـ وإنّما المقصود هنا أنّ هذا التفريع شاهد على إرادة فناء مفهوم في مفهوم، لا  فناء العنوان في الخارج; إذ من الواضح إمكان الإطلاق والتقييد فيه وعدم الغفلة عن العنوان، غاية الأمر أنّه التفت إليه بالنظر التصوّريّ لا  التصديقيّ.

الإشكال الرابع: ما ذكره السيّد الاُستاذ ـ  دامت بركاته  ـ أيضاً في تعليقته من النقض بالمصادر(1). وتوضيح ذلك: أنّ الأصحاب ـ  ومنهم السيّد الاُستاذ  ـ قد ذكروا: أنّ الفرق بين المصدر واسم المصدر هو: أنّ اسم المصدر يدلّ على ذات الحدث بما هو هو، والمصدر يدلّ على الحدث بما هي حالة في الفاعل أو المفعول.


(1) راجع أجود التقريرات، ج 1، ص 16 تحت الخطّ.

  الصفحة 132  

وعليه يقال: إنّه يلزم كون المصدر حرفاً; لأنّه يلحظ حالة في غيره وفانياً فيه.

وفيه: أنّ المصدر قد وضعت مادّته لمفهوم الحدث، وهيئته للدلالة على كون الحدث حالة في الفاعل أو المفعول، وفرقه عن اسم المصدر هو: أنّ اسم المصدر قد وضع بمادّته لمفهوم الحدث من دون أن يكون لهيئته وضع مستقلّ يدلّ على صدوره من الفاعل، أو وقوعه على المفعول وكونه حالة فيه. فإن كان المراد من هذا النقض أنّ مادّة المصدر يلزم أن تكون حرفاً فللمحقّق الخراسانيّ أن يقول: إنّ مادّته تدلّ على مفهوم الحدث وهو اسم، والهيئة تدلّ على الصدور بما هو حالة في غيره. وإن كان المراد أنّ هيئة المصدر صارت حرفاً; فهذا لا  بأس به، ومداليل الهيئات دائماً معان حرفيّة.

الإشكال الخامس: ما ذكره السيّد الاُستاذ أيضاً في التعليقة(1) من أنّ المعنى الحرفيّ قد يتعلّق به النظر الاستقلاليّ، وذلك من قبيل ما لو كان السائل يعرف أصل سفر زيد، وإنّما يشكّ في أنّ سفره كان في السيّارة أو على السيّارة، أو كان في السيّارة أو في الطائرة ونحو ذلك، فهو ينصبّ رأساً سؤاله على معنى «في» أو «على» في قوله: هل سافر زيد في السيّارة أو على السيّارة؟ أو هل سافر في السيّارة أو في الطائرة؟ ونظره الاستقلاليّ الاستفهاميّ إنّما هو منصبّ على المعنى الحرفيّ، وأمّا أصل السفر فهو معلوم لديه.

ويرد عليه: أنّ الصحيح ـ  كما قال المشهور  ـ أنّ المعنى الحرفيّ لا  يمكن لحاظه مستقلاًّ، وهو مقتضى مبنى السيّد الاُستاذ ـ  دامت بركاته  ـ فإنّ السيّد الاُستاذ مع المشهور بانون على الفرق الذاتيّ بين المعنى الحرفيّ والمعنى الاسميّ، وإنّ المعنى


(1) راجع أجود التقريرات، ج 1، ص 19، وراجع أيضاً المحاضرات، ج 1، ص 58.

  الصفحة 133  

الحرفيّ بذاته معنىً مفتقر، وتنشأ تبعيّته من حاقّ ماهيته، كما أنّ المعنى الاسميّ في ذاته وماهيته مستقلّ. وإذا كان الأمر كذلك وجب أن يكون لحاظ المعنى الحرفيّ آليّاً وغير مستقلّ; لأنّ الوجود سواء كان ذهنيّاً ـ  وهو اللحاظ  ـ أو خارجيّاً إنّما يبرز واقع الماهية وخصائصها، فإذا كانت الماهية في عالم الماهويّة والذات غير مستقلّة، فلا  يمكن أن يكون وجودها الذهنيّ مستقلاًّ. وأمّا مثل من علم بأصل سفر زيد وأراد أن يسأل عن أنّ سفره في السيّارة أو في الطائرة مثلاً، فله طريقان إلى هذا السؤال:

1 ـ أن يأخذ مفهوماً اسميّاً إجماليّاً مشيراً إلى المعنى الحرفيّ كمفهوم الكيفيّة والخصوصيّة ونحو ذلك، فيقول: أسألك عن كيفيّة ركوبه، أو خصوصيّة سفره، ونحو ذلك.

2 ـ أن يسأل عن الحصّة الخاصّة من حصص المفهوم الاسميّ، فهو يعلم بأصل السفر، لكن السفر له حصّتان: الاُولى: السفر المتحصّص والمتقيّد بكونه في السيّارة، والثانية: السفر المتحصّص والمتقيّد بكونه في الطائرة، وهو إنّما يعلم بالجامع بين الحصّتين، ولا  يعلم بإحدى الحصّتين بالخصوص، فيقول: هل سافر زيد في السيّارة أو في الطائرة؟ واللحاظ الاستقلاليّ لم يتعلّق بالمعنى الحرفيّ، بل تعلّق بطرفه المتحصّص به، وتعلّق بالمعنى الحرفيّ بالتبع. فمعنى سؤاله هو: أنّ أيّ الحصّتين من السفر وجدت خارجاً؟ هل السفر المقيّد بكونه في السيّارة، أو السفر المقيّد بكونه في الطائرة؟ بعد العلم بالجامع بينهما.

والتحقيق بعد اندفاع هذه الاعتراضات: أنّ أصل هذا المسلك غير صحيح. والبرهان على ذلك هو: أنّه يوجد عندنا شيئان: أحدهما: مفهوم الابتداء، أي: كون السير قد ابتدأ من البصرة، والآخر: النسبة الواقعة بين السير والبصرة، وهما أمران

 
  الصفحة 134  

مستقلاّن، بدليل: أنّ مفهوم الابتداء قابل لأن يوجد بوجود استقلاليّ في الذهن، وكلّ إنسان يستطيع أن يتصوّر مفهوم الابتداء دون أن يتصوّر أطرافه، وبحسب القائمة المعروفة للمقولات العشر يمكن إدخاله في مقولة الإضافة من قبيل الاُبوّة والبنوّة. وأمّا حاقّ النسبة بين السير والبصرة، فلا  يمكن وجودها في الذهن مستقلاًّ; لما سوف نبرهن عليه من أنّها بذاتها فقيرة ومتعلّقة بالغير، فلا  يمكن لحاظها مستقلاًّ، فهي أمر تعلّقيّ ماهيةً ووجوداً. فمن يقول بأنّ معنى «من» ومعنى الابتداء واحد هل يقصد أنّ معنى الابتداء هو النسبة كَمِنْ، أو يجرّد كلمة «من» من معنى النسبة، ويقول: إنّ معناها هو الابتداء؟ فإن قصد الثاني وقال: إنّ «من» والابتداء كلاهما بمعنى الابتداء، إلاّ أنّه حينما يلحظ الابتداء لحاظاً مستقلاًّ سمّي بالابتداء، وحينما يلحظ فانياً وحالة في غيره سمّي بمن، قلنا: إنّ الابتداء وإن كان قابلاً للّحاظين، بمعنى: أنّه تارةً يلحظ بما هو هو، واُخرى بما هو حالة وطور لغيره، لكنّه حينما يلحظ بما هو حالة وطور لغيره لا  محالة يشتمل على نسبة بين الابتداء وبين ما كان طوراً له; لأنّ كلاّ منهما مفهوم استقلاليّ، وكلّ مفهوم استقلاليّ إذا اُريد ربطه بمفهوم استقلاليّ آخر فلا  محالة لابدّ من ربط ونسبة بينهما، ففي مورد لحاظ الابتداء طوراً وحالة في غيره يوجد ابتداء وتوجد نسبة، فإن كان «من» للابتداء كما فرض احتجنا إلى دالّ آخر على النسبة، وليس ما يدلّ على النسبة إلاّ الحرف بمعنىً يشمل الهيئات، فرجعنا إلى أنّ معنى الحرف هو النسبة، وهو مباين لمعنى الاسم. فكلمة «مِن» في «سرت من البصرة» ليس معناها الابتداء، وإلاّ لاحتاج إلى النسبة، وليس معناها النسبة بين الابتداء والبصرة; إذ لا  ابتداء عندئذ في الكلام. وعليه، فيجب أن يكون معناها النسبة بين السير والبصرة.

 
  الصفحة 135  

وإن قصد الأوّل، وقال: إنّنا نسلّم أنّ معنى «من» هو حاقّ النسبة، ولكنّنا نقول: إنّ معنى الابتداء أيضاً هو حاقّ النسبة، قلنا: إنّنا سوف نبرهن على أنّ حاقّ النسبة لا  يمكن أن يوجد في الذهن مستقلاًّ، ومن الواضح: أنّ مفهوم الابتداء يمكن تصوّره في الذهن مستقلاًّ.

هذا تمام الكلام في الجهة الاُولى، وبنسفها لم يبقَ موضوع للجهة الثانية، ولكن مع ذلك نقول:

وأمّا الجهة الثانية: فقد ذكر المحقّق الخراسانيّ : أنّ قيد اللحاظ الآليّ ـ  الذي فَرَض أنّه المميّز للحرف عن الاسم الذي يلحظ باللحاظ الاستقلاليّ  ـ إنّما هو قيد في الوضع، وليس قيداً في الموضوع له، وذكر عدّة براهين لإثبات عدم كونه قيداً في الموضوع له، ونحن لنا هنا عدّة كلمات(1):

الكلام الأوّل: أنّه لا إشكال ـ بناءً على كون الفرق بينهما باللحاظ الآليّ والاستقلاليّ  ـ في أنّه كما أنّ المتكلّم يكون تصوّره لمعنى «مِنْ» بنحو اللحاظ الآليّ دائماً كذلك السامع يكون تصوّره لمعنى «مِنْ» الذي يسمعه بنحو اللحاظ الآليّ دائماً، والنكتة في ذلك بناءً على كونه قيداً للموضوع له واضحة، حيث إنّ الوضع يدعو السامع إلى تصوّر المعنى بما له من قيود، وقد فرض تقيّد المعنى بنحو اللحاظ الآليّ. أمّا إذا كان قيداً في الوضع فيبقى ذلك بلا  تفسير، فإنّ الوضع لا  يدعو السامع إلاّ إلى تصوّر ما وضع له اللفظ، فلماذا يفترض أنّ السامع يتصوّر دائماً معنى ما يسمعه من كلمة «مِن» بنحو اللحاظ الآليّ؟!


(1) بعد غضّ النظر عن أصل أنّ تقييد الوضع إنّما يعقل على مبانيهم من فرض الوضع أمراً جعليّاً قابلاً للإطلاق والتقييد، ولا  يعقل على مبنانا في فهم حقيقة الوضع.

  الصفحة 136  

نعم، قد يستنتج السامع بالنظر التصديقيّ أنّ المتكلّم قد لاحظه آليّاً; لأنّه لا  يستعمل لفظاً غير موضوع، لكن هذا الاستنتاج بالنظر التصديقيّ شيء وكون نظره التصوّريّ بنحو اللحاظ الآليّ شيء آخر.

الكلام الثاني: أنّ البراهين التي ذكرها إن تمّت، فإنّما توجب عدم أخذ قيد اللحاظ الآليّ في الموضوع له للحرف; لأنّه يلزم من ذلك مثلاً تعدّد اللحاظ وعدم الصدق على الخارجيّات، وكون المعنى الاسميّ أيضاً خاصّاً; لأنّه اُخذ فيه اللحاظ الاستقلاليّ، فلنفترض أنّ القيد المأخوذ في الموضوع له للحرف هو عدم اللحاظ الاستقلاليّ، فإنّ هذا يؤدّي إلى الفرق المطلوب له في المقام بين الاسم والحرف من دون أن يرد عليه شيء من تلك الإشكالات(1).

الكلام الثالث: فيما ذكره صاحب الكفاية من الأدلّة على أنّ اللحاظ الآليّ غير مأخوذ في الموضوع له(2)، وهي ما  يلي:

الأوّل: أنّه لو فرض أخذ اللحاظ الآليّ في الموضوع له، للزم تعدّد اللحاظ لدى المستعمل الذي يستعمل اللفظ في الموضوع له، بداهة أنّ تصوّر المستعمل فيه ممّا لابدّ منه في استعمال الألفاظ، وهو كما ترى.

وتوجيه ما ذكره دام  ظلّه من القضيّة الشرطيّة وهي: « أنّه لو فرض أخذ اللحاظ الآليّ في الموضوع له لزم تعدّد اللحاظ  » هو أنّه لو فرض أخذ اللحاظ الآليّ في الموضوع له، فإمّا أن يفرض أخذ مفهوم اللحاظ أو واقع اللحاظ: أمّا الأوّل، فهو خلاف المدّعى، ولا  يحقّق جزئيّة المعنى الحرفيّ التي اُريد استنتاجها من فرض


(1) ويبقى الموضوع له للحرف أيضاً عامّاً كما يريده الشيخ الآخوند .

(2) راجع الكفاية، ج 1، ص 14.

  الصفحة 137  

أخذ اللحاظ الآليّ. وأمّا الثاني فإن فسّر بمعنى أخذ نفس اللحاظ الذي يمكّن المستعمل من الاستعمال لزم التهافت; لأنّ المستعمِل إنّما يلحظ معنىً مفروضاً في المرتبة السابقة، ويُطرئ عليه لحاظه. وإن فسّر ذلك بمعنى أخذ لحاظ آخر غير ذلك اللحاظ، لزم تعدّد اللحاظ، والتالي باطل، فالمقدّم مثله.

وتوجيه بطلان التالي أنّه: أوّلاً: يكون تعدّد اللحاظ خلاف الوجدان.

وثانياً:(1).


(1) من هنا إلى أوّل المسلك الثالث ساقط لدينا من كتابتنا الأصليّة، ومن المناسب أن يكون المحذوف ما  يلي:

وثانياً: يمكن البرهنة على بطلان تعدد اللحاظ بأنّ اللحاظ بذاته من المعلومات الحضوريّة لدى الذهن، فلا  يعقل تعلّق اللحاظ به; لأنّ تعلّق اللحاظ بشيء ما يعني أخذ الذهن صورة عنه، وهذا إنّما يكون فيما يغيب بذاته عن الذهن.

وقد يعترض على هذه البرهنة بأنّ المعلومات الحضوريّة كالحبّ والبغض ونحوهما يمكن لحاظها بإلقاء نظرة ثانويّة عليها، ولا  محذور في إحضار صورتها لدى الذهن مع حضورها هي بالذات أيضاً لديه، فإن تصوّرنا إمكانيّة ذلك لا  يبقى في المقام عدا دعوى الوجدان.

ويمكن الجواب على هذا الدليل بإبطال القضيّة الشرطيّة، وذلك باختيار الشقّ الذي يقول: إنّ الواضع أخذ واقع اللحاظ قيداً في الموضوع له، مع بيان: أنّ هذا لا  يستلزم تعلّق اللحاظ المصحّح للاستعمال بذاك اللحاظ، فإنّ المستعمل إنّما يحتاج إلى لحاظ القيد بمعنى أخذ صورة عنه لو لم يكن ذاك القيد من المعلومات الحضوريّة لديه، ومن الواضح: أنّ واقع لحاظه معلوم حضوريّ لديه، فيصبح نفس اللحاظ المأخوذ في المرتبة السابقة على الاستعمال في معنى اللفظ ممكّناً للمستعمِل من الاستعمال.

الثاني: أنّه لو أخذ اللحاظ الآليّ الذي لا موطن له إلاّ الذهن في المعنى الوضعيّ الذي يستعمل فيه اللفظ، لزم امتناع صدق المعنى على الخارجيّات; لأنّه دخل فيه قيد من قيود
  الصفحة 138  

وأمّا المسلك الثالث:

وهو القول بوجود فارق جوهريّ بين المعنى الحرفيّ والمعنى الاسميّ، فهو المشهور بين المحقّقين المتأخّرين، كالمحقّق النائينيّ والمحقّق الإصفهانيّ والسيّد الاُستاذ دامت بركاته. وهذا المسلك قد يشتمل على وجوه عديدة يختلف بعضها عن بعض حسب ما ينسب إلى أصحاب هذه الوجوه، فنحن نذكر أوّلاً الجامع بينها، وهو التفريق بين المعنى الحرفيّ والاسميّ بالفارق الذاتيّ بالنحو الذي سوف نوضّح، ثمّ نذكر ما قد ينسب من الوجوه الفرعيّة


     عالم اللحاظ الذي هو عالم الذهن، والمركّب ممّا يحكي عمّا في الخارج وينتزع منه وما يؤخذ رأساً من عالم الذهن لا  يقبل الانطباق على ما في الخارج، كما هو الحال تماماً في الكلّيّ العقليّ.

وبالإمكان الإجابة على ذلك بأنّه لم يكن مقصود المستعمِل ولا  الواضع انطباق المقيّد على ما في الخارج بالمعنى المستلزم لانطباق ذات القيد على ما في الخارج، وإنّما المقصود انطباق ذات المقيّد على ما في الخارج بما هو مقيّد، وهذا منحفظ بانحفاظ القيد في وعائه المناسب له، وهو الذهن حسب الفرض.

الثالث: أنّه لو فرض اللحاظ الآليّ مأخوذاً في المعنى الموضوع له في الحروف، وأنّه أصبح الموضوع له بذلك خاصّاً، فلم لا  يفرض مثل ذلك في الأسماء بأن يقال: إنّ اللحاظ الاستقلاليّ مأخوذ في المعنى الموضوع له في الأسماء، فقد أصبح الموضوع له بذلك خاصّاً في الأسماء أيضاً؟! ونحن نعلم أنّ كيفيّة أخذ اللحاظ في الأسماء وفي الحروف متماثلة، بفرق أنّه في أحدهما آليّ وفي الآخر استقلاليّ.

ويمكن الجواب على ذلك بأنّه لو فرض أنّ كلّيّة معنى اسم الجنس وجزئيّة المعنى الحرفيّ كانتا وجدانيّتين لشخص ما، وكان يفحص ذاك الشخص عن تفسير لذلك، كان بإمكانه أن يفترض: أنّ المعنى الحرفيّ مقيّد باللحاظ الآليّ، فأصبح جزئيّاً; لأنّ واقع اللحاظ فرد يمنع عن انطباق المعنى على كثيرين، والمعنى الاسميّ مقيّد بعدم اللحاظ الآليّ لا  باللحاظ الاستقلاليّ، ولهذا لم يصبح جزئيّاً.

  الصفحة 139  

المختلفة إلى أصحاب هذا المسلك.

فنقول: إنّنا نوضّح الفارق الذاتيّ والجوهريّ بين المعنى الحرفيّ والمعنى الاسميّ ضمن مراحل خمس:

المرحلة الاُولى: من التوضيح(1) هي: أنّنا حينما نواجه قضيّة خارجيّة من قبيل (نار في الموقد) مثلاً، ننتزع منها مفاهيم عديدة موازية للحقائق الثابتة، فننتزع مفهوم النار ومفهوم الموقد في مقابل حقيقة النار وحقيقة الموقد، وننتزع علقةً ونسبةً بين المفهومين في مقابل العلقة والنسبة الواقعيّة الموجودة بين واقع النار وواقع الموقد، والهدف من انتزاع مفهوم النار ومفهوم الموقد ليس هو إيجاد الخصائص التكوينيّة للنار والموقد بأن تصبح النار مثلاً محرقة للذهن، وإنّما الهدف من ذلك هو إصدار الحكم بكون النار في الموقد، وإصدار الحكم لا  يتوقّف على أن يحضر في الذهن بالنظر التصديقيّ ما هو طرف للحكم، بل يكفي فيه إحضار ما هو طرفه وموضوعه بالنظر التصوّريّ; ولهذا يُحضر في الذهن مفهوم النار، ومفهوم النار ليس ناراً حقيقة وبالنظر التصديقيّ، وإنّما هو نار بالنظر التصوّريّ، هذا حال إحضار النار والموقد في الذهن، وأمّا العلقة والنسبة التي يحضرها المتكلّم مثلاً في الذهن فهو يهدف من وراء هذا الإحضار إيجاد الخاصّيّة والأثر التكوينيّ للعلقة والربط، وهو شدّ شيء بشيء، والتوحيد والربط بينهما، وإيجاد الخصائص التكوينيّة لشيء لا  يكون بمجرّد إحضار ما هو ذاك الشيء بالنظر التصوّريّ، بل يحتاج


(1) كأنّ هذه المرحلة من البيان مصاغة بصياغة مناسبة لفرضيّة تفسير الوجودات الذهنيّة بكونها وجودات لصُور عمّا في خارج الذهن، دون فرضيّة تفسيرها بكونها وجوداً لنفس الماهية الموجودة في الخارج، وأنّ اختلافها عمّا في الخارج إنّما يكون باختلاف الوجود، أمّا الماهية فواحدة.

  الصفحة 140  

إلى إحضار ما هو ذاك بالنظر التصديقيّ أيضاً; إذ خاصّيّة الشيء وأثره التكوينيّ لا  تترتّب إلاّ على وجوده حقيقة، لا  على مجرّد وجوده بالنظر التصوّريّ، فيجب إحضار ما هو علقة ونسبة وربط بالنظر التصديقيّ أيضاً. والقسم الأوّل وهو مثل مفهوم النار والموقد نسمّيه بالاسم، والقسم الثاني وهو مثل الربط بينهما نسمّيه بالحرف. فقد تحصل فرق جوهريّ بين المعنى الاسميّ والمعنى الحرفيّ، وهو: أنّ مفهوم الاسم سنخ مفهوم يكفي بلحاظ الهدف من إحضاره أن يكون ما يحضر في الذهن عين حقيقته بالنظر التصوّريّ كمفهوم النار، ولا  يلزم بلحاظ الهدف منه كونه عين حقيقته بالنظر التصديقيّ أيضاً، وإن كان صدفة هو كذلك أحياناً كمفهوم الكلّيّ. وأمّا مفهوم الحرف فهو سنخ مفهوم لا  يكفي بلحاظ الهدف من إحضاره إحضار ما هو عين حقيقته بالنظر التصوّريّ، بل لابدّ بلحاظ الهدف من إحضار ما هو عين حقيقته بالنظر التصديقيّ; لأنّ المطلوب منه هو آثاره التكوينيّة، وهي لا  تترتّب إلاّ على واقع الشيء.

هذا تمام الكلام في المرحلة الاُولى من التوضيح.

وهذا الذي ذكرناه في هذه المرحلة إحدى مدلولات ما اشتهر في هذا المسلك، وما جاء عن المحقّق النائينيّ (1) من أنّ المعاني الاسميّة إخطاريّة، والمعاني الحرفيّة إيجاديّة، فمعنى ذلك: أنّ المعنى الاسميّ لا  يجب بلحاظ الهدف من إحضاره إيجاده حقيقة في الذهن، بل يكفي إخطاره بمعنى تصوّر صورة عنه تُرى بالنظر التصوّريّ أنّها عين الحقيقة. وأمّا في المعنى الحرفيّ فلابدّ من إيجاده حقيقة في الذهن حتّى يترتّب عليه ما هو أثره التكوينيّ.


(1) راجع فوائد الاُصول، ج 1، ص 42 فصاعداً بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم، وأجود التقريرات، ج  1، ص 18 فصاعداً.

  الصفحة 141  

المرحلة الثانية: أنّه يتفرّع على ما مضى أنّ المعنى الحرفيّ ليس هو مفهوم النسبة والعلقة والربط ونحو ذلك، فإنّ هذه المفاهيم إنّما هي نسبة وعلقة وربط بالنظر التصوّريّ، وليست نسبة وربطاً حقيقة وبالنظر التصديقيّ، وقد عرفت أنّ مفهوم الحرف يكون بالنظر التصديقيّ عين الحقيقة، فهو واقع الربط والنسبة(1).

المرحلة الثالثة(2): أنّه توجد عندنا ثلاث نسب في ثلاثة أوعية:

1 ـ النسبة بين النار الخارجيّة والموقد الخارجيّ مثلاً في وعاء الخارج.

2 ـ النسبة بين النار الذهنيّة والموقد الذهنيّ في وعاء ذهن المتكلّم.

3 ـ النسبة بين النار الذهنيّة والموقد الذهنيّ في وعاء ذهن السامع.

فهل يوجد بين هذه النسب جامع ذاتيّ أو لا؟

قد يتراءى وجود جامع ذاتيّ بينها، وهو مفهوم النسبة. والصحيح: أنّه جامع عرضيّ من قبيل جامع «أحدها» أو «الشيء» ونحو ذلك، وليس جامعاً ذاتيّاً. والبرهان على ذلك يتكوّن من ثلاث كلمات:

1 ـ إنّ تحصيل الجامع الذاتيّ يكون بالاحتفاظ على المقوّمات الذاتيّة أو بعضها للأفراد، وإلغاء الخصوصيّات العرضيّة لها، فمثلاً في تحصيل الجامع الذاتيّ بين أفراد الإنسان تلغى الخصوصيّات العرضيّة من قبيل البياض والطول والقصر


(1) كأنّ ما ورد في هذه المرحلة أيضاً مصاغة بالصياغة المناسبة للتفسير الأوّل من تفسيري الوجودات الذهنيّة الماضي ذكرهما في تعليقنا على المرحلة الاُولى من البيان، وهو تفسيرها بكونها مجرّد تصاوير وانعكاسات عمّا في الخارج، وكيف لا وهي متفرّعة ـ  كما قال اُستاذنا  ـ على المرحلة الاُولى المصاغة على مبنى ذاك التفسير!

(2) هذه المرحلة من البيان تستفاد من كلام الشيخ الإصفهانيّ في كتابه: «الاُصول على النهج الحديث» ص  25 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم.

  الصفحة 142  

وغير ذلك، ويحتفظ على المقوّمات الذاتيّة وهي الحيوانيّة والناطقيّة، فيصبح الجامع هو الحيوان الناطق، أو الإنسان، أو على بعض المقوّمات الذاتيّة على الأقلّ كالحيوانيّة فقط، فيكون الحيوان جامعاً ذاتيّاً بين أفراد الإنسان.

2 ـ إنّ كلّ نسبة من هذه النسب تكون مقوّماتها الذاتيّة تماماً مغايرة للمقوّمات الذاتيّة للاُخرى; لأنّ النسبة في الحقيقة ليست إلاّ حدّاً لوجود طرفيها، وليست وجوداً مستقلاًّ في قبالهما، فمقوّماتها عبارة عن شخص وجود طرفيها، وأطراف النسب المتعدّدة حتّى إذا اتّحدت في المفهوم تكون متغايرة في أشخاص الوجودات، والنسبة متقوّمة بشخص الوجودات بما هي أشخاص، لا  بالمفاهيم بما هي هي، فالمفاهيم بما هي مفاهيم بغضّ النظر عن أيّ وجود لها خارجيّ أو ذهنيّ أو فرضيّ واعتباريّ لا  يتعقّل بينها أيّ نسبة.

3 ـ أنّنا إذا أردنا أن ننتزع جامعاً ذاتيّاً بين أفراد النسب، فهل نحتفظ على المقوّمات الذاتيّة لها كما قلنا في الكلمة الاُولى، أو نلغي تلك المقوّمات وهي أشخاص وجودات الأطراف؟ فإن فرض الأوّل وهو الاحتفاظ على المقوّمات الذاتيّة وهي شخص وجودات الأطراف، لم يتحقّق جامع لما عرفت في الكلمة الثانية من أنّ تلك المقوّمات متباينة. وإن فرض الثاني وهو إلغاء الأطراف، لم يبقَ شيء يكون هو النسبة، ومع إلغاء المقوّمات الذاتيّة لا  معنى لانتزاع جامع ذاتيّ، إذن فمفهوم النسبة الذي هو جامع بين النسب ليس إلاّ جامعاً عرضيّاً من قبيل جامع «الشيء» وجامع «أحدها» ونحو ذلك.

المرحلة الرابعة(1): أنّ المعنى الحرفيّ ليس له تقرّر ماهويّ في المرتبة السابقة


(1) هذه المرحلة من البيان أيضاً تستفاد من كلام الشيخ الإصفهانيّ في المصدر الذي أشرنا إليه في تعليقنا على المرحلة الثالثة.

  الصفحة 143  

على الوجود. وتوضيح ذلك: أنّ المفهوم الاسميّ في الذهن يمكن بنظرة تحليليّة أن يحلّل إلى ماهية ووجود، وتشكّل قضيّة تحليليّة، فيقال: النار وجدت في الذهن. فالوجود والماهية وإن كانا متّحدين خارجاً ولكن بحسب التحليل تتقرّر في المرتبة السابقة ماهية، ويحمل عليها الوجود أو العدم. وهذا معناه: أنّ مفهوم النار في مرتبة وقوعه موضوعاً لهذه القضيّة التحليليّة له تقرّر في نفسه بقطع النظر عن الوجود، وهذا التقرّر الماهويّ يوجد في باب المفاهيم الاسميّة. وأمّا في المفاهيم الحرفيّة فهذا النحو من التقرّر الماهويّ غير معقول. بيان ذلك: أنّه لو لم تكن هويّة أفراد النسب عبارة عن حدود أشخاص الوجودات كما عرفت في المرحلة الثالثة، بل كانت لها ماهية مستقلّة عن وجود الطرفين، أمكن أن يشار إلى تلك الماهية وتجعل موضوعاً لقضيّة تحليليّة، ويحمل عليها الوجود، وكان لها تقرّر ماهويّ في ذاتها بغضّ النظر عن الوجود، ولكن قد عرفت أنّ المعنى الحرفيّ ليس إلاّ عبارة عن حدّ الوجودات فليست له ماهية وراء حدّ الوجود، فإذا غُضّ النظر عن الوجود كان معنى ذلك غضّ النظر عن ماهية المعنى الحرفيّ، فليس له تقرّر ماهويّ في المرتبة السابقة على الوجود.

بكلمة اُخرى: أنّ المفهوم الاسميّ له تقرّر ماهويّ قبل مرتبة الوجود في الذهن، ثُمّ يوجد في الذهن، وأمّا المفهوم الحرفيّ فقبل مرتبة وجود الطرفين بحدّهما في الذهن ليس له تقرّر ماهويّ، ويحصل له التقرّر الماهويّ في نفس مرتبة وجود الطرفين بما لهما من حدّ في الذهن; لأنّ هويّة المعنى الحرفيّ ليست إلاّ عبارة عن نفس حدّ شخص وجود الطرفين، إذن ففي مرتبة سابقة على عالم الذهن لا  يوجد تقرّر ماهويّ للمعنى الحرفيّ كما كان يوجد للمعنى الاسميّ، وإنّما يكون تقرّره الماهويّ بنفس تكوّنه في عالم الذهن.

 
  الصفحة 144  

وهذا أيضاً أحد مداليل ما جاء عن المحقّق النائينيّ من أنّ معاني الأسماء إخطاريّة، ومعاني الحروف إيجاديّة، أي: أنّ المفهوم الاسميّ له تقرّر ماهويّ في نفسه بغضّ النظر عن مرتبة عالم الذهن، ثُمّ يخطر في الذهن. وأمّا المفهوم الحرفيّ فتقرّره الماهويّ لا  يكون إلاّ بنفس وجوده في الذهن.

المرحلة الخامسة: أنّ مفهوم النار مثلاً الذي هو معنىً اسميّ إذا التفت إليه بقيد وجوده في الذهن، فنسبته إلى النار الخارجيّة نسبة المماثل إلى المماثل. وأمّا إذا التفت إليه بقطع النظر عن وجوده الذهنيّ، فنسبته إليها نسبة الكلّيّ إلى فرده. وأمّا العلاقة الذهنيّة فنسبتها إلى العلاقة الخارجيّة دائماً هي نسبة المماثل إلى المماثل; لأنّها بالنظر إلى الوجود تكون فرداً مماثلاً للفرد الخارجيّ، وبقطع النظر عن الوجود عرفت أنّه ليس لها تقرّر ماهويّ حتّى تنسب إلى الخارج، وليس هناك جامع حتّى تكون نسبته إلى ما في الخارج نسبة الكلّيّ إلى فرده.

وهذا الفرق بين المعنى الاسميّ والمعنى الحرفيّ مدلول ثالث من مداليل ما جاء عن المحقّق النائينيّ من أنّ معاني الأسماء إخطاريّة، ومعاني الحروف إيجاديّة، فالمعنى الاسميّ منطبق على ما في الخارج انطباق الكلّيّ على فرده، فكأنّه أُخذ من الخارج واُخطر إلى الذهن من الخارج. وأمّا المعنى الحرفيّ فلا  يخطر إلى الذهن من الخارج، بل نسبته إلى ما في الخارج نسبة الوجود إلى الوجود، لا  الكلّيّ إلى فرده.

ويبقى هنا سؤال وهو أنّ النسبة الذهنيّة الحرفيّة بعد أن كانت وجوداً مماثلاً للوجود الخارجيّ، ولم تكن بأيّ وجه من الوجوه عنواناً للمعنون الخارجيّ، أو كلّيّاً منطبقاً على الأفراد الخارجيّة، فكيف تحكي عن الخارج؟!

وبكلمة اُخرى: أنّ المعنى الاسميّ إنّما كان يحكي عن الخارج باعتبار أنّه

 
  الصفحة 145  

بلحاظه مفهوماً (وبقطع النظر عن وجوده الذهنيّ) كان عنواناً ينطبق على معنونه الخارجيّ، وكلّيّاً ينطبق على مصداقه الخارجيّ، فكان يعتبر فانياً في الخارج، أو قل: كان يُرى بالنظر التصوّريّ عين ما في الخارج، فمن هنا جاءت حكايته عمّا في الخارج. أمّا المعنى الحرفيّ فقد فرضتم أنّه ليست نسبته إلى ما في الخارج إلاّ نسبة المماثل إلى المماثل، لا  العنوان إلى المعنون أو الكلّيّ إلى الأفراد، فيتوجّه السؤال عن أنّه كيف تتمّ إذن حكايته عمّا في الخارج؟!

والجواب: أنّ حكايته عمّا في الخارج تكون بتبع المفهوم الاسميّ، حيث إنّه بالنظر التصوّريّ يرى أنّ ما تصوّره من النار والموقد هو نفس النار والموقد الخارجيين، فبهذا النظر يرى أنّ النسبة بينهما هي نفس النسبة بينهما.

وقد اتّضح بما ذكرناه التباين الذاتيّ بين المعنى الاسميّ والمعنى الحرفيّ.

واتّضح بهذه المراحل الخمس معنى القول المعروف في هذا المسلك من كون معاني الأسماء إخطاريّة ومعاني الحروف إيجاديّة، وصفوة القول في ذلك: إنّ الإيجاديّة لها ثلاثة أركان:

1 ـ إنّ المعنى الحرفيّ لا يتأتّى الغرض منه إلاّ إذا كان عين الحقيقة، كما مضى في المرحلة الاُولى.

2 ـ إنّ المعنى الحرفيّ بغضّ النظر عن وجوده في الذهن ليس له تقرّر ذاتيّ وماهويّ، بخلاف المعنى الاسميّ المتقرّر ذاتاً وماهيةً بقطع النظر عن عالم الوجود، وهذا ما اتّضح بالمرحلة الثالثة والرابعة.

3 ـ إنّ المعنى الحرفيّ نسبته إلى الفرد نسبة الوجود إلى الوجود، لا  نسبة الكلّيّ إلى الفرد، وهذا ما بيّن في المرحلة الخامسة.

هذا تمام الكلام في بيان أصل المسلك الثالث.

 
  الصفحة 146  

هذا، وقد نسب السيّد الاُستاذ ـ  دامت بركاته  ـ في ذلك كلاماً إلى المحقّق النائينيّ ، واعترض عليه، وكلاماً إلى المحقّق الإصفهانيّ ، واعترض عليه. ولعلّ التأمّل فيما ذكرناه من المراحل الخمس، مع التحفّظ على ما ينبغي أن ينسب إلى هؤلاء يورث القطع بأنّ مراد المحقّق النائينيّ ، والمحقّق الإصفهانيّ والسيّد الاُستاذ ـ  دامت بركاته  ـ واحد، ولا  خلاف حقيقيّ بينهم.

أمّا المحقّق النائينيّ فقد فسّر السيّد الاُستاذ مدّعاه بأنّ المعنى الحرفيّ إيجاديّ بمعنى أنّ المعنى الحرفيّ هو نفس الربط الذي يوجده الحرف في مرحلة الكلام، فكلمة «في» مثلاً في قولنا: «النار في الموقد» لا  تكشف عن معنىً ثابت وراء عالم اللفظ، وإنّما هي توجد الربط في عالم اللفظ بين لفظة «النار» ولفظة «الموقد».

وفسّر برهان المحقّق النائينيّ على مدّعاه بأنّ المعنى: إمّا إخطاريّ أو إيجاديّ، ومعنى كونه إخطاريّاً أن يكون قابلاً للّحاظ الاستقلاليّ، ومعنى كونه إيجاديّاً أن يكون عبارة عن الربط في عالم اللفظ والكلام، وبما أنّ المعنى الحرفيّ ليس إخطاريّاً; إذ لا  يعقل لحاظه مستقلاًّ فينحصر الأمر في كونه إيجاديّاً.

وأورد على مدّعاه بأنّ الحرف لا يوجد الربط الكلاميّ بالمعجز، وإنّما يوجده باعتبار الدلالة على معنىً، فالربط في عالم الكلام انعكاس للربط في عالم قبل الكلام، ولولا  وجود ربط في عالم آخر كيف يوجد «في» ربطاً في الكلام، فإيجاديّة الحرف غير صحيحة; إذ إيجاده للربط فرع معنىً سابق، فيجب في مرتبة سابقة تنقيح ذاك المعنى.

وأورد على برهانه بأنّ قسمة المعنى إلى إيجاديّ وإخطاريّ غير حاصرة، بل هناك شقّ ثالث، وهو أن يكون للحرف معنىً ثابت قبل مرحلة الكلام، ويكون

 
  الصفحة 147  

الكلام حاكياً عنه، فلا  يكون إيجاديّاً، ولكن ذاك المعنى لا  يقبل اللحاظ الاستقلاليّ، فلا  يكون إخطاريّاً(1).

أقول: من البعيد جدّاً أن يكون مدّعى المحقّق النائينيّ أنّ الحرف يوجد الربط في عالم اللفظ من دون وجود أيّ ما بإزاء له غير الربط الحاصل في مرحلة الكلام، فإنّ هذا واضح البطلان إلى حدّ لا  يعرف الإنسان كيف يبيّنه، وأيّ ارتباط بين الألفاظ بما هي ألفاظ؟! وكيف يغفل المحقّق النائينيّ عن بطلان مثل ذاك؟!

والمظنون: أنّ مقصوده ليس هو إيجاديّة ألفاظ الحروف، وإنّما مقصوده إيجاديّة معاني الحروف. نعم، أحياناً يعبّر بأنّ الحرف يوجد الربط في عالم الكلام، ولكن أكبر الظنّ أنّه يقصد إيجاد الربط بلحاظ مدلول الكلام، أي: بلحاظ اُفق القضيّة الذهنيّة القائمة في ذهن المتكلّم، لا  بلحاظ نفس اللفظ الذي هو صوت في الهواء. ومعنى الإيجاديّة في ذلك الاُفق هو ما ذكرناها من الأركان الثلاثة، والتي أهمّها الركن الثاني، وهو: أنّ المعنى الحرفيّ ليس له تقرّر ماهويّ بقطع النظر عن عالم الوجود، فبقطع النظر عن هذا الاُفق ليست له مقوّماته الذاتيّة. وأمّا المفهوم الاسميّ فمقوّماته الذاتيّة محفوظة قبل هذا الاُفق، وتخطر في هذا الاُفق. وهذا معنىً دقيق صحيح لا  يحتمل أن يرفضه نفس السيّد الاُستاذ دامت بركاته.

وأكبر الظنّ أنّه ليس مراده بالإخطاريّة قابليّة المعنى للّحاظ الاستقلاليّ، بل هي ما يقابل الإيجاديّة بالمعنى الذي عرفت، أي: أنّ المعنى الاسميّ له تقرّره ومقوّماته الذاتيّة قبل عالم الذهن، فكأنّه شيء يخطر على الذهن في مقابل


(1) راجع أجود التقريرات، ج 1، ص 18 ـ 20 تحت الخطّ بحسب طبعة (كتابفروشي مصطفوي) بقم، وراجع المحاضرات، ج 1، ص 59 فصاعداً بحسب طبعة الصدر بقم.

  الصفحة 148  

الإيجاديّة التي هي بمعنى: أنّ مقوّماته الذاتيّة وتقرّره إنّما هو في نفس اُفق الذهن، فإذا فسّرنا الإخطاريّة والإيجاديّة بهذا التفسير، فالقسمة حاصرة، وبما أنّ المعنى الحرفيّ ليس إخطاريّاً، أي: يستحيل له التقرّر القبليّ; لأنّه متقوّم بشخص وجود الطرفين، وحدّ لهما كما بيّنّا في المرحلة الثالثة، فتتعيّن الإيجاديّة، ويتطابق كلام المحقّق النائينيّ مع ما عرفته من المراحل الخمس، فمرامه نِعمَ المرام وبرهانه نِعمَ البرهان، وكلامه مطابق لما هو المشهور، وليست له إضافة على ما ذكرناه، بل ما قلناه مستفاد من إفاداته.

وأمّا المحقّق الإصفهانيّ (1) فقد قسّم الوجود الخارجيّ إلى ثلاثة أقسام:

1 ـ ما هو موجود في نفسه لنفسه. ويقصد بكونه موجوداً في نفسه أنّ له تقرّراً ماهويّاً قبل الوجود، ويقصد بكونه لنفسه أنّه لا  يحتاج في وجوده الخارجيّ إلى موضوع. وهذا هو عبارة عن الجواهر، فالجواهر موجودة في نفسها لنفسها. نعم، يكون وجودها بغيره، لا  بنفسه، وذلك في مقابل واجب الوجود الذي يكون وجوده في نفسه لنفسه بنفسه.

2 ـ ما هو موجود في نفسه لغيره، ويقصد بكونه موجوداً في نفسه ما عرفت من أنّ له تقرّراً ماهويّاً قبل الوجود، ويقصد بكونه لغيره أنّه يحتاج في وجوده الخارجيّ إلى موضوع وهو الأعراض، ويسمّى بالوجود الرابطيّ.

3 ـ ما هو موجود في غيره لغيره. ويقصد بكونه في غيره أنّه ليس له تقرّر بغضّ النظر عن الوجود، وبكونه لغيره ما عرفت من الاحتياج في وجوده الخارجيّ إلى


(1) راجع نهاية الدراية، ج 1، ص 23 ـ 24 بحسب طبعة مطبعة الطباطبائيّ بقم، أو ج 1، ص  52 بحسب طبعة آل البيت.

  الصفحة 149  

موضوع. وهذا هو المسمّى بالوجود الرابط في مقابل القسمين الأوّلين المسمّيين بالوجود المحموليّ.

وقد نسب السيّد الاُستاذ ـ  دامت بركاته  ـ إلى المحقّق الإصفهانيّ أنّه يرى الحرف موضوعاً للوجودالرابط، فاعترض على ذلك بما يرجع إلى ثلاثة إشكالات(1):

1 ـ إنّ الكلمات دائماً تكون موضوعة للمفاهيم بغضّ النظر عن الوجود، فإنّ الوضع إنّما يكون لمعنىً قابل لأن يوجد في الذهن، والوجود الخارجيّ لا  يأتي في الذهن، كما أنّ الوجود الذهنيّ أيضاً لا  يوجد في الذهن مرّة اُخرى.

2 ـ إنّ الحروف تستعمل في موارد لا إشكال في عدم وجود الرابط فيها، وذلك من قبيل قولنا: الوجود لله تعالى واجب، فاللام معنىً حرفيّ بين الوجود والله تعالى، بينما لا  يوجد في الخارج وجود رابط بين الله والوجود، فلو كان الحرف بإزاء الوجود الرابط لزم أن يكون بين الله والوجود وجود رابط، مع أنّه عين الوجود، وكذلك الحال في التحليلات الاعتباريّة الصرف، كما لو قلنا: الحيوانيّة جنس للإنسان، فإنّ الحيوانيّة بحسب الخارج متّحدة مع الإنسان، وليس بينهما وجود رابط، وإنّما هذا تحليل في عالم الاعتبار.

3 ـ إنّه أساساً لا برهان على الوجود الرابط، ولا  مفروغيّة عن وجوده في الخارج حتّى في العرض الحقيقيّ المقوليّ مع موضوعه الخارجيّ، كالبياض للجسم فضلاً عن بقيّة الموارد، فلا  دليل على أنّه توجد في الخارج إضافة بين البياض والجسم مثلاً زائداً على أصل وجود البياض ووجود الجسم تسمّى


(1) راجع المحاضرات، ج 1، ص 67 فصاعداً بحسب طبعة مطبعة الصدر بقم، أو راجع ج 43 من موسوعة الإمام الخوئيّ ص 74 فصاعداً.

  الصفحة 150  

بالوجود الرابط(1).

وهذه الإشكالات كأنّها كلّها مبنيّة على الاعتقاد بأنّ المحقّق الإصفهانيّ يرى أنّ الحرف موضوع للوجود الرابط، ونحن لا  طريق لنا إلى التأكّد من صحّة هذه النسبة وعدمها إلاّ الرجوع إلى كتاباته ، ولا  يتحصّل من كتاباته هذا المعنى، والظاهر ممّا يتحصّل ممّا كتبه في المعنى الحرفيّ أنّه لا  يقول بأنّ الحرف وضع للوجود الرابط، وإنّما يقول بأنّه وضع للنسبة التي توجد في الذهن أحياناً، وفي الخارج أحياناً اُخرى. نعم، يشبّه المعنى الحرفيّ بالوجود الرابط(2) وهو يصرّح


(1) ورد في المحاضرات، ج 1، ص 68 بحسب طبعة مطبعة الصدر بقم أو ج 43 من موسوعة الإمام الخوئيّ، ص 75 برهان على ذلك، وهو: أنّنا قد نتيقّن بوجود الجوهر والعرض كالجسم والبياض، ونشكّ في ثبوت العرض له ككون هذا الجسم بالخصوص أبيض، ومن الواضح أنّ اليقين والشكّ لا  يمكن أن يتعلّقا بأمر واحد، فلابدّ من افتراض وجود رابط كان هو متعلّق الشكّ.

وأجاب عليه في الصفحة 70 ـ 71 بحسب الطبعة الاُولى التي أشرنا إليها، أو في الصفحة 77 ـ 78 بحسب الطبعة الثانية التي أشرنا إليها بأنّ اليقين والشكّ يتعلّقان بصورتين ذهنيّتين، ولا  يمكن تعلّقهما بصورة واحدة، إلاّ أنّه ليست بالضرورة حكاية الصورتين عن وجودين مستقلّين في الخارج، فقد نعلم إجمالاً بوجود إنسان في الدار ولكن نشكّ في أنّه زيد أو عمرو، فهذا الفرد بحدّه الجامعيّ متيقّن في الذهن، وبصورته الفرديّة مشكوك، وكذلك في المقام يكون وجود جسم أبيض بنحو الكلّيّ الطبيعيّ متعلّقاً لليقين، ومن جهة انطباقه على فرد معيّن متعلّقاً للشكّ.

(2) لعلّه يشهد لكون مقصوده مجرّد التشبيه قوله في ج 1، ص 52 من نهاية الدراية بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت: «... إنّ تنظير المعنى الاسميّ والحرفيّ بالجوهر والعرض غير وجيه; فإنّ العرض موجود في نفسه لغيره، والصحيح: تنظيرهما بالوجود المحموليّ والوجود الرابط لا  الرابطيّ...».

  الصفحة 151  

بأنّ النسبة الحرفيّة محفوظة حتّى في موارد هل البسيطة، كهل الإنسان موجود، فضلاً عن موارد هل المركّبة، كهل الإنسان قائم، مع أنّه من الواضح: أنّه لا  يدّعي المحقّق الإصفهانيّ ولا  أحد منهم وجود رابط بين الماهية والوجود، فإنّ ذلك أمر تحليليّ ينتزع من الوجود، فهذا أكبر شاهد على أنّ مراده من المعنى الحرفيّ ليس هو الوجود الرابط الخارجيّ الذي لا  يعقل تحقّقه بين الماهية والوجود، بل المراد من المعنى الحرفي هو تلك النسبة المستهلكة في الطرفين التي يكون تقرّرها الماهويّ في طول وجود الطرفين، وكيف يفرض أنّ مقصوده هو وضع الحرف بإزاء الرابط الخارجيّ، مع أنّه في القضايا الكاذبة ـ  على الأقلّ  ـ لا  وجود لرابط خارجيّ، مع أنّ كذب القضيّة لا  يعني أنّ الحرف ليس له معنىً، والقضيّة حينما تكون كذباً معناها هو عين معناها حينما تكون صدقاً(1).

وقد ظهر: أنّ ما ذكره المحقّق الإصفهانيّ ليس شيئاً مختلفاً عمّا أوضحناه في المراحل السابقة، وهو: أنّ الحرف موضوع للنسبة المستهلكة في الطرفين، وليس لها تقرّر ماهويّ إلاّ في طول الوجود، وهو التفت إلى ما يقوله السيّد الاُستاذ ـ  دامت بركاته  ـ من أنّ الغرض من الوضع هو نقل ذات المعنى، فلا  ينبغي أخذ الوجود في الموضوع له، فذكر(2): أنّه لا  ينبغي أن يأخذ الواضع الوجود الخارجيّ


(1) الأولى أن يعبّر بأنّه لو كان الحرف موضوعاً للوجود الرابط الخارجيّ، لما كان للكلام صدق وكذب، كما لا  يكون للأمر والنهي مثلاً صدق وكذب، حيث يكشفان عن الوجود الواقعيّ للطلب أو الزجر في النفس، لا  عن حكايتهما القابلة للصدق والكذب.

(2) لم أجد هذا المقطع في نهاية الدراية، ولكن وجدت ما يشبهه أو ما يمكن تفسيره بهذا البيان في الكتاب الآخر للشيخ الإصفهانيّ وهو: (الاُصول على النهج الحديث) ص  26 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم.

  الصفحة 152  

أو الذهنيّ في مقام الوضع; لأنّ الهدف من الوضع هو الانتقال إلى ذات المعنى. نعم، إذا كان المعنى في طول وجود الطرفين، أي: أنّ الوجود كان مقوّماً للتقرّر المفهوميّ للمعنى، فلابدّ من أخذه لا  باعتباره قيداً زائداً، بل باعتباره مقوّماً للمعنى.

هذا، وقد اتّضح بما بيّناه عدم ورود شيء من الإشكالات الثلاثة على المحقّق الإصفهانيّ :

أمّا الإشكال الأوّل وهو: أنّ الوجود الخارجيّ لا  يقبل الانتقال إلى الذهن، فنحن نقول: إنّه نعم، الوجود الخارجيّ لا  ينتقل إلى الذهن، ولكن المدّعى ليس هو وضع الحرف للوجود الخارجيّ، وإنّما هو موضوع للنسبة، والأصل في الوضع وإن كان هو الوضع للمفهوم دون أخذ أيّ وجود خارجيّ أو ذهنيّ; لأنّ الهدف من ذلك هو نقل المتكلّم ما في ذهنه إلى ذهن المخاطب، ولا  يوجد الوجود الخارجيّ في الذهن، كما لا  ينتقل الوجود الذهنيّ الموجود في ذهن المتكلّم إلى ذهن المخاطب، ولكن حينما يتعذّر ذلك، أي: نقل المفهوم الذي ليس له تقرّر فوق الوجود في هذا الذهن أو ذاك الذهن كما عرفت تعذّره في المعنى الحرفيّ; إذ ليس له تقرّر مفهوميّ في المرتبة السابقة على الوجود، فهنا لابدّ من التنزّل من استهداف نقل ما في ذهن المتكلّم إلى ذهن المخاطب إلى استهداف إيجاد مماثل لما في ذهن المتكلّم في ذهن المخاطب، فالمعنى الحرفيّ باعتباره متقوّماً في هويّته بالوجود لا  ينتقل من ذهن المتكلّم إلى ذهن السامع، لكن يتكوّن في ذهن السامع من سماع الكلام وجود آخر مماثل للوجود الثابت في ذهن المتكلّم.

وأمّا الإشكال الثاني وهو استعمال الحرف في موارد لا  يوجد فيها وجود رابط خارجاً، فقد اتّضح جوابه أيضاً، فإنّ المدّعى كون المعنى الحرفيّ شبيهاً بالوجود

 
  الصفحة 153  

الرابط، لا  كونه هو الوجود الرابط.

وأمّا الإشكال الثالث وهو الاستشكال في ثبوت الوجود الرابط أساساً، فأيضاً ظهر حاله، فإنّ ثبوت الوجود الرابط وعدمه إنّما هو بحث فلسفيّ، ولعلّه من أهمّ الأبحاث الفلسفيّة، لكنّه لا  دخل له بما نحن فيه; إذ ليس المدّعى وضع الحرف للوجود الرابط(1) نعم، هذه الاعتراضات قد تكون واردة لو كان مراد المحقّق الإصفهانيّ وضع الحروف للوجود الرابط الخارجيّ. والله أعلم بمراده.

ثُمّ إنّ السيّد الاُستاذ ـ  دامت بركاته  ـ بعد أن حمل كلام المحقّق النائينيّ على


(1) وبكلمة اُخرى: أنّ المدّعى هو وضع الحرف لواقع النسبة، سواء فرضنا أنّ واقع النسبة وجود ثالث غير وجود الطرفين، وهو وجود رابط، أو فرضنا أنّ واقع النسبة يكون تقرّرها الماهويّ في طول وجود الطرفين باعتبارها حدّاً لوجود الطرفين، لا  في طول وجود ثالث اسمه الوجود الرابط، أو فرضنا أنّ واقع النسبة من لوح الواقع الذي هو أوسع من لوح الوجودات الخارجيّة، وقد يفترض أنّ الوجود الرابط أساساً هو من اُمور لوح الواقع، فلتكن النسبة أيضاً من الوجود الرابط.

ثمّ إنّ الذي أفهمه من ظاهر عبارة نهاية الدراية، ج 1، ص 52 بحسب طبعة آل البيت أنّ الشيخ الإصفهانيّ يؤمن بالوجود الرابط في مفاد الهليّات المركّبة وجوابها الإيجابيّ دون جوابها السلبيّ ودون الهليّات البسيطة وجوابها دون سائر أنحاء النسب. وتلك العبارة التي أستظهر منها هذا المعنى ما  يلي:

«... أن الأمر كذلك في جميع أنحاء النسب، سواء كان بمعنى ثبوت شيء لشيء كما في وجود الرابط المختصّ بمفاد الهليّات المركّبة الإيجابيّة أو بمعنى (كون هذا ذاك) الثابت حتّى في مفاد الهليّات البسيطة وهو ثبوت الشيء أو كان من النسب الخاصّة المقوّمة للأعراض النسبيّة ككون الشيء في المكان أو في الزمان أو غير ذلك.»

وبهذا اتّضح: أنّ إنكار الوجود الرابط لا  يوجب إنهيار أصل كلام الشيخ الإصفهانيّ; إذ غاية ما يلزم لحوق الهليّات المركّبة بباقي أقسام النسب.

  الصفحة 154  

الربط الكلامي، وكلام المحقّق الإصفهانيّ على الوجود الرابط الخارجيّ أفاد هو وجهاً ثالثاً في المقام(1)، وهو: أنّ المعنى الاسميّ من قبيل الضرب مثلاً موضوع للطبيعة القابلة الانطباق على أفراد كثيرة وحصص عديدة، فتارةً يقصد إفهام ذات الطبيعة، فيستعمل المفهوم الاسميّ ككلمة الضرب، واُخرى يقصد إفهام حصّة خاصّة من الطبيعة تكون أضيق دائرة في مقام الانطباق على الأفراد والحصص، كخصوص الضرب في الدار الذي لا  ينطبق على الضرب في السوق مثلاً، وهذا لا  يمكن تفهيمه بنفس كلمة الضرب; لأنّ كلمة الضرب وضعت لأصل الطبيعة، فيفهّم ذلك عن طريق تعدّد الدالّ والمدلول، وذلك بتحليل الحصّة إلى أصل الطبيعة وإلى التحصّص، فأصل الطبيعة يدلّ عليه بكلمة الضرب، والتحصّص والضيق يدلّ عليه بكلمة «في»، فيقول: «الضرب في الدار»، فهذا يدلّ على حصّة معيّنة من طبيعة الضرب أضيق دائرة في مقام الصدق والانطباق من أصل مفهوم الضرب، فالحرف موضوع لتحصيص المفهوم الاسميّ وتضييقه وتحديد دائرة قابليّته للانطباق، وليس مفاد الحرف هو مفهوم الضيق، فإنّ مفهوم الضيق يعبّر عنه بالاسم، وإنّما الحرف موضوع لواقع الضيق والمحدوديّة.

هذا حاصل ما أفاده ـ  دامت بركاته  ـ في الوجه الثالث.

أقول: إنّنا لتمحيص هذا الوجه نقدّم مقدّمة للتوضيح، وهي: أنّه متى ما لوحظ مفهوم مع مفهوم آخر كمفهوم الضرب مع مفهوم الدار، أو مفهوم الإنسان مع مفهوم الحصان، فتارة ننتزع من بينهما نسبة كانتزاع نسبة الظرفيّة بين الضرب والدار،


(1) راجع المحاضرات، ج 1، ص 75 فصاعداً بحسب طبعة دار الهاديّ للمطبوعات بقم، أو ج 43 بحسب طبعة موسوعة الإمام الخوئيّ، ص 83 فصاعداً، وراجع أجود التقريرات، ج 1، ص 18 ـ 19 تحت الخطّ.

  الصفحة 155  

واُخرى لا  ننتزع منهما نسبة. فإن انتزعنا نسبة بينهما، أمكن تحصيص أحد المفهومين إلى ما هو واجد لتلك النسبة وإلى ما ليس واجداً لها، من قبيل تحصيص الضرب إلى ضرب وقع في الدار وضرب لم يقع في الدار، فيكون تحصيص الضرب مثلاً بواسطة أخذ هذه النسبة فيه، حيث إنّه بأخذ هذه النسبة فيه يصبح ضيّقاً; لأنّه لا  يقبل الانطباق على ما يكون فاقداً لهذه النسبة. وأمّا إن لم ننتزع نسبة بينهما كما لولاحظنا مفهوم الضرب ومفهوم الدار من دون فرض أيّ نسبة بينهما، من قبيل نسبة الظرفيّة، فيستحيل تضييق أحدهما بالآخر وتحصيصه به، وكذلك مفهوم الإنسان والحصان، فترى أنّ مفهوم الإنسان لا  يمكن أن يضيّق ويحصّص بمفهوم الحصان إلاّ بعد انتزاع نسبة بينهما، من قبيل نسبة المعيّة، أو نسبة الاستعلائيّة، أو المالكيّة، أو غير ذلك، فحينما نحصّص ونضيّق مفهوم الإنسان بكونه إنساناً مع الفرس، أو إنساناً على الفرس، أو إنساناً مالكاً للفرس وغير ذلك، فإنّما يكون هذا تضييقاً بلحاظ نسبة من النسب، وتحصيصاً للإنسان إلى ما هو طرف لهذه النسبة وواجد لها وإلى ما هو فاقد لها، فيكون الواجد لها مضيّقاً لا  يقبل الانطباق على الفاقد لها، ففي مثل قولنا: «إنسان على الفرس» أو «فراش في الدار» أو نحو ذلك لا  يوجد فقط مفهوم الطرفين مع التحصيص والضيق، بل هناك طرفان مع نسبة بينهما، ويكون التحصّص والضيق في طول النسبة، ولو لم تكن هناك أيّ نسبة بينهما، ولم يكن يُوجد عدا التحصّص والضيق، لما أمكن تفسير وجود فرق في المعنى بين قولنا مثلاً: «فراش في الدار» أو «فراش للدار» أو «فراش على الدار»، فإنّ واقع التحصّص والضيق لولا  النسب لا  تتصوّر له عدا هويّة واحدة يشار إليها بمفهوم اسميّ واحد، وهو التحصّص والضيق، ولكن النسب هي اُمور عديدة يشار إليها بمفاهيم اسميّة عديدة، كالنسبة الظرفيّة والنسبة الاستعلائيّة

 
  الصفحة 156  

والنسبة الاختصاصيّة ونحو ذلك، والتحصّص إنّما ينقسم إلى أقسام باعتباره في طول هذه النسب، فهناك تحصّص وضيق ناشئ من طرفيّة الشيء للنسبة الظرفيّة، وهناك تحصّص وضيق ناشئ من طرفيّة الشيء للنسبة الاستعلائيّة ... وما إلى ذلك.

وبعد هذه المقدّمة نقول: ما هو المقصود بقولكم: إنّ الحرف وضع لواقع الضيق؟ فإن كان المقصود هو كون الحرف موضوعاً لما هو منشأ الضيق وملاكه وهو النسبة، فهذا تعبير مسامحيّ عن نفس ما ذكرناه، ويطابق قول المشهور، وليس أمراً جديداً، وإن كان المقصود هو كون الحرف موضوعاً لنفس واقع الضيق والتحصّص، فهذا مطلب جديد، ولكنّه يرد عليه:

أوّلاً: أنّك قدعرفت أنّه لايعقل فرض التحصيص والضيق إلاّ بلحاظ فرض النسبة، فهل يُدّعى أنّ الحرف يدلّ على النسبة أيضاً؟ أو يقال: إنّه يدلّ على الضيق فقط؟

فإن قيل: إنّه يدلّ على الضيق فقط، قلنا: لا  يوجد هناك دالّ آخر يدلّ على النسبة والضيق، وتحصيص المفهوم بمفهوم آخر يستحيل أن يأتي بذاته، بل يجب أن يتحقّق بواسطة النسبة. وإن قيل: إنّه يدلّ على النسبة أيضاً قلنا: دلالته على النسبة تكفي، ويكون وضعه للضيق لغواً; وذلك لأنّ النسبة بذاتها توجد الضيق قهراً، فالضرب الواجد للنسبة الظرفيّة إلى الدار مثلاً يستحيل قهراً انطباقه على الضرب في السوق، أو أيّ ضرب آخر بلا  حاجة إلى فرض وضع الحرف للضيق.

وثانياً: أنّ هناك حروفاً لا  يوجد في موردها ضيق للمفهوم بواسطتها، فماذا يصنع السيّد الاُستاذ ـ  دامت بركاته  ـ بمثل تلك الحروف؟! وهذا شاهد لما قلناه من أنّ الحرف ليس موضوعاً للضيق، وإنّما هو موضوع للنسبة. وسنوضّح أنّ بعض الحروف والنسب لا  تضيّق ولا  تحصّص، فمنها الحرف المتمحّض في العطف، كقولنا: جاء الإنسان والحيوان، فأيّ تحصيص ورد على الإنسان من هذا العطف؟!

 
  الصفحة 157  

قد يتصوّر أنّه اُريد بالإنسان الحصّة الخاصّة من الإنسان التي هي مع الحيوان، واُريد بالحيوان الحصّة الخاصّة من الحيوان التي هي مع الإنسان، ولكن ما رأيكم في قولنا: الحرارة والبرودة لا  تجتمعان؟ فهل اُريد من الحرارة الحصّة المقترنة للبرودة، ومن البرودة الحصّة المقترنة للحرارة؟! طبعاً لا، بداهة أنّ المقصود: بيان أنّهما لا  يقترنان أصلاً، وهذا من أجل أنّ الحرف ليس ابتداءً موضوعاً للتحصيص، بل موضوع للنسبة، والنسبة التي بإزاء حرف العطف لا  تحصّص، ومنها أداة الاستثناء كعندي عشرة دراهم إلاّ درهماً، أفهل تحصّص هذه العشرة بالتسعة، مع أنّ التسعة ليست عشرة حتّى يراد تلك الحصّة من العشرة التي هي تسعة؟ فالتحصيص هنا غير معقول، وقولوا نفس الشيء عن حرف الإضراب، كجاء زيد بل عمرو، وحرف التفسير، كهذا عسجد، أي: ذهب، وغير ذلك، وليس كلّ هذا إلاّ لأنّ مفاد الحرف ليس ابتداءً هو التحصيص والضيق، بل مفاده منشأ الضيق، أي: النسبة، والنسبة قد تضيّق وقد لا  تضيّق، كما سيأتي بيانه إن شاء الله. فهذا الوجه لا  يمكن تصحيحه إلاّ إذا رجع إلى ما ذكرناه، فيكون نفس مسلك المشهور، وتعبيراً مسامحيّاً عمّا قلناه.

وهناك توجيه دقيق لكلامه دامت بركاته، إلاّ أنّ كلامه لا  يفي ببيانه، ولا  بإثباته، ولعلّه كان ينظر ارتكازاً إلى ذلك وإن كانت الفكرة غير واضحة ومحدّدة عنده، وهذا التوجيه هو ما نذكره بعنوان:

 

تعميق المسلك الثالث في تصوير المعنى الحرفيّ:

فنقول: إنّ الذي يبدو من ظاهر كلماتهم في بيان هذا المسلك الثالث خصوصاً المحقّق الإصفهانيّ هو: أنّ النسبة الحرفيّة هي جزء ممّا هو ثابت في الذهن في مثل قولنا: «نار في الموقد» في مقابل ما في الخارج، فكما يوجد في الخارج نار وموقد،

 
  الصفحة 158  

وتكون بينهما نسبة، ويكون النار والموقد موجودين في نفسهما والربط مستهلك بينهما، كذلك يوجد في الذهن موازياً لما في الخارج مفهوم النار بإزاء واقع النار الخارجيّ، ومفهوم الموقد بإزاء واقع الموقد الخارجيّ، وربط بين المفهومين بإزاء الربط الخارجيّ. وهذا الربط ليس هو مفهوم الربط، بل حقيقة الربط، ونسبته إلى الربط الخارجيّ نسبة المماثل إلى المماثل، والوجود إلى الوجود مثلاً، ومفهوم النار والموقد موجودان في نفسهما، وهذا الربط موجود لا  في نفسه، وليس له تقرّر ماهويّ قبل وجوده.

هذه خلاصة المسلك الثالث، وكأنّه يدّعى فيها: أنّ ما في الذهن مركب من ثلاثة أجزاء، وهي: مفهوم النار، ومفهوم الموقد، والربط بينهما.

إلاّ أنّ الصحيح خلاف هذا. وتوضيح ذلك: أنّه حينما يوجد في الخارج نار في الموقد مثلاً، فهناك اُمور عديدة قد يقال بوجودها في الخارج، منها:

1 ـ النار.

2 ـ الموقد، وهما من الجواهر الموجودة في نفسها.

3 ـ الوجود الرابط الخارجيّ بينهما مثلا وهو موجود لا  في نفسه.

4 ـ صفة الظرفيّة للموقد.

5 ـ صفة المظروفيّة للنار، وهما عرضان ومفهومان انتزاعيّان من مقولة الإضافة عندهم، كالاُبوّة والبُنُوّة.

6 ـ ما يدّعونه من وجود هيئة وجوديّة للمكين بلحاظ إحاطة المكان به، وهو مقولة الأين(1).


(1) كان يرى : أنّ هذه الهيئة المسمّاة بمقولة الأين مجرّد وهم وخيال، وليست أمراً واقعيّاً، وأنّ الظرفيّة والمظروفيّة من اُمور لوح الواقع، لا  من موجودات العالم الخارجيّ.

  الصفحة 159  

وهناك روابط اُخرى في المقام; لأنّ كلّ عرض يحتاج إلى رابط بمعروضه، والشيء الموجود لا  في نفسه من هذه الاُمور الستّة التي عددناها هو الشيء الثالث.

هذا حال ما في الخارج. وأمّا الذهن حينما يتصوّر ما في الخارج من النار في الموقد فلا  إشكال في أنّه لا  يحضر في الذهن بنفس هذا التصوّر والحضور مفهوم الظرفيّة، ولا  مفهوم المظروفيّة، ولا  مفهوم الأين. نعم، بإمكان الذهن أن ينظر نظرة اُخرى غير هذه النظرة إلى ما في الخارج وينتزع منها بمعونة مفهوم النار والموقد هذه المفاهيم الثلاثة، فيقول: الموقد ظرف للنار، والنار مظروفة للموقد ومتّصفة بصفة الأين، إلاّ أنّ هذا كلّه خارج عن تصوّر «نار في الموقد» كما هو واضح، فلم يبق في الذهن من تلك الاُمور الستّة ما عدا الثلاثة الاُولى، فقد يدّعى أنّه يوجد في الذهن موازياً لتلك الاُمور الثلاثة الخارجيّة مفهوم النار ومفهوم الموقد وربط بينهما، فالأوّلان موجودان في أنفسهما، والثالث موجود لا  في نفسه.

والصحيح: أنّه لا  يوجد في الذهن عند تصوّر «نار في الموقد» مثلاً مفهومان مستقلاّن: أحدهما مفهوم النار والآخر مفهوم الموقد وقد ربط الذهن بينهما، بل يوجد رأساً وجود ذهنيّ واحد في النفس. والبرهان على ذلك: أنّه لو وجد في الذهن عند تصوّر «نار في الموقد» مفهومان مستقلاّن لم يخل الأمر من أحد فرضين:

1 ـ أن لا  يوجد رابط بينهما. وهذا لازمه أن يكون المعنى المتصوّر من «نار في الموقد» عين المعنى المتصوّر من «نار، موقد» بلا  أيّ فرق في عالم التصوّر. وهذا واضح البطلان.

2 ـ أن يوجد ربط بينهما. وهذا لا  يخلو من أحد وجهين:

 
  الصفحة 160  

الأوّل: أن يكون الرابط هو مفهوم النسبة والربط. وهذا أيضاً باطل; لأنّ هذا كما مضى مفهوم اسميّ وليس ربطاً.

الثاني: أن يكون الرابط هو واقع النسبة. وهذا لا  يخلو من أحد وجهين:

1 ـ أن تكون النسبة الموجودة بينهما هي النسبة الظرفيّة، فهي نسبة مماثلة للربط الخارجيّ، فكما أنّ النار في الخارج مظروف والموقد ظرف وبينهما نسبة ظرفيّة، كذلك مفهوم النار في الذهن مظروف ومفهوم الموقد في الذهن ظرف له وبينهما نسبة ظرفيّة. وهذا أيضاً باطل; فإنّ النار الذهنيّة والموقد الذهنيّ وكلّ الصور الذهنيّة هي أعراض، وكلّها من مقولات الكيف، وليس بعضها ظرفاً لبعض، بل هي ليست اُموراً مكانيّة، فإنّها مجرّدة، والمجرّد لا  يأخذ مكاناً وحيّزاً.

2 ـ أن تكون النسبة الموجودة بينهما نسبة اُخرى غير النسبة الظرفيّة، من قبيل نسبة الاقتران الزمانيّ، فهذان المفهومان مقترنان زماناً، فإنّ الصور الذهنيّة وإن لم تكن مكانيّة لكنّها زمانيّة، ووجود نسبة من هذا القبيل لا  بأس به، ولكن نسبة من هذا القبيل لا  تحكي عن النسبة المكانيّة، فلا  تكون صورة «نار في الموقد» حاكية عن نار خارجيّة تكون واقعة بحسب الخارج في مكان، وهو الموقد. وهذا أيضاً واضح البطلان.

فإذا بطلت كلّ الشقوق، انحصر الأمر في أن نقول تعميقاً للمسلك الثالث: إنّ هناك وجوداً واحداً في الذهن لماهية «نار في الموقد»، أي: كما أنّنا نحلّل ماهية الإنسان الخارجيّ إلى الحيوان والناطق، من دون أن يشكّل كلّ منهما جزءاً وجوديّاً للإنسان في عالم الخارج، كذلك نحلّل ماهية هذا الوجود الذهنيّ الواحد إلى أجزاء ثلاثة: النار، والموقد، والنسبة بينهما، من دون أن تشكّل هذه الاُمور أجزاء وجوديّة لذلك في عالم الذهن، فالنسبة الحرفيّة جزء تحليليّ للوجود

 
  الصفحة 161  

الذهنيّ، وليست ـ  كما يتراءى من عبائرهم خصوصاً المحقّق الإصفهانيّ   ـ جزءاً وجوديّاً له، فالحرف والاسم يتعاونان معاً في إيجاد وجود واحد، وهو وجود «نار في الموقد» في الذهن. وخير تعبير عرفيّ عن هذا الوجود الواحد هو ما جاء على لسان السيّد الاُستاذ ـ  دامت بركاته  ـ من التعبير بالحصّة، وهذا أحد الفوارق الأساسيّة بين نشأة الذهن ونشأة الخارج. فنشأة الخارج تحتفظ بأمرين مستقلّين، وتربط بينهما ربطاً منسجماً مع الموادّ والأجسام، من قبيل: ربط الظرفيّة أو الاستعلائيّة أو نحو ذلك، وأمّا نشأة الذهن فتأخذ المفهومين، وإذا أرادت الاحتفاظ باستقلالهما استحال عليها إيجاد ربط بينهما مواز لتلك النسب الخارجيّة; لأنّ صور تلك الأشياء ليست مادّيّةً وجسماً حتّى تقبل النسب المنسجمة مع الأجسام الخارجيّة، وإنّما هي أعراض ومجرّدات، فلكي تجعلها حاكية عمّا في الخارج توحّد بين المفهومين في الوجود الذهني، وتجعل النسبة الموازية للنسبة الخارجيّة جزءاً تحليليّاً لماهية ذلك الوجود الذهنيّ، فكأنّ الخلط بين النسبة التحليليّة والنسبة الواقعيّة صار منشأً للتشويش. وأظنّ أنّ السيّد الاُستاذ ـ  دامت بركاته  ـ إنّما ضرب صفحاً عن رأي المشهور; لأنّه فهم منه النسبة الواقعيّة، وأنّ في الذهن ثلاثة أشياء: النار والموقد والنسبة، فالأوّلان مستقلاّن، والثالث مستهلك، وحيث إنّه بارتكازه يرى أنّ الأمر ليس هكذا، فأراد تغيير التعبير، فعبّر بتعبيرات غامضة.

فإن قيل: إنّ بالإمكان مناقشة ما ذكرتموه من البرهان على تحليليّة هذه النسب، كنسبة الظرفيّة في الذهن، وذلك باختيار دعوى إيجاد الربط في الذهن بقيام نسبة واقعيّة مكانيّة، لكن لا  بين نفس التصوّرين واللحاظين الذهنيّين للنار والموقد، ليقال: إنّهما وجودان ذهنيّان عرضيّان، ولا  يعقل قيام نسبة مكانيّة بينهما،

 
  الصفحة 162  

بل بين الملحوظين الذهنيّين.

قلنا: إن اُريد بقيام النسبة بين الملحوظين قيامهما بين الملحوظين بالذات، فمن الواضح أنّ الملحوظ بالذات نفس اللحاظ، وبهذا يرجع إلى قيامها بين نفس اللحاظين. وإن اُريد قيامها بين الملحوظين بالعرض بما هما ملحوظان بالعرض، أي: بالمقدار المطابق لما هو الملحوظ بالذات، فمن الواضح أنّ هذا لا  يمكن إلاّ مع أخذ ما يكون قابلاً للحكاية عن تلك النسبة في مرتبة الملحوظ بالذات; لأنّ الملحوظ بالعرض لا  يرى إلاّ بمنظار الملحوظ بالذات، وقد عرفت سابقاً امتناع ذلك. وإن اُريد قيامها بين الملحوظين بالعرض بذاتيهما، لا  بما هما ملحوظان، فهذا صحيح، غير أنّه لا  ينفع لإيجاد الربط في عالم الذهن الذي هو المطلوب كما هو واضح.

فإن قيل: إنّنا ندّعي أنّ في الذهن وجوداً لحاظيّاً لماهية النار، ووجوداً لحاظيّاً آخر لماهية الموقد، وكما أنّ كلّ واحد من هذين الوجودين رغم كونه وجوداً لماهية النار أو الموقد بحيث يرينا بالنظر التصوّريّ ناراً وموقداً ليس في الحقيقة وبالنظر التصديقيّ ناراً وموقداً، بل صورة ذهنيّة، كذلك نفرض وجوداً ربطيّاً بين ذينك الوجودين الذهنيّين، وهذا الوجود الربطيّ بالنظر التصوّريّ نسبة مكانيّة، كما أنّ طرفيه بالنظر التصوّريّ نار وموقد، ولا  ينافي ذلك أن لا  يكون بالنظر التصديقيّ نسبة مكانيّة، كما أنّ طرفيه بالنظر التصديقيّ ليس ناراً أو موقداً.

وبكلمة اُخرى: أنّ قيام ما هو نسبة مكانيّة بالنظر التصديقيّ بين الوجودين الذهنيّين للنار والموقد مستحيل، ولكن قيام ما هو نسبة مكانيّة بالنظر التصوّريّ، بينهما ليس مستحيلاً، وهذا يكفي للحصول على رؤية بالنظر التصوّريّ للنار في الموقد بنحو الارتباط.

 
  الصفحة 163  

قلنا: إنّ هذا غير متصوّر أيضاً; وذلك لأنّ العقل لو كان ينال من النسبة الخارجيّة المكانيّة ماهية على حدّ ما ينال من النار الخارجيّة ماهية النار، ومن الموقد الخارجيّ ماهيته، لأمكن القول بأنّ هذه الماهية التي ينالها العقل من النسبة المكانيّة توجد بوجود ذهنيّ، ويكون هذا الوجود عين النسبة المكانيّة الحقيقيّة بالنظر التصوّريّ، وإن كان غيرها بالنظر التصديقيّ، كما هو الحال في وجود النار الذهنيّ، غير أ نّا برهنّا فيما سبق على أنّ النسبة ليس لها تقرّر ماهويّ، ولا  انحفاظ مفهوميّ على حدّ انحفاظ الوجودات المحموليّة في ماهياتها، وأنّ العقل لا  يمكن أن ينال من النسب الخارجيّة ماهيتها الحقيقيّة; لأنّها متقوّمة بشخص وجود طرفيها في اُفقها، وكلّ ما يناله العقل من النسبة الخارجيّة إنّما هو مفهوم عرضيّ من قبيل مفهوم النسبة المكانيّة، وهو مفهوم اسميّ، ولا  يتحقّق به الربط بين الصورتين، وإنّما يتحقّق الربط بإيجاد نسبة واقعيّة في الذهن بينهما، وهذه النسبة إن كانت نسبة مكانيّة فإيجادها بين الصور الذهنيّة مستحيل، وإن كانت نسبة اُخرى، فالحكاية بها عن النسبة المكانيّة الخارجيّة مستحيل، فتعيّن أن تكون تحليليّة.

ثُمّ إنّه وإن تلخّص من كلّ ما ذكرناه: أنّ الحرف وضع للنسبة التحليليّة، لا  للنسبة الواقعيّة الذهنيّة فضلاً عن النسبة الواقعيّة الخارجيّة، إلاّ أنّ هذا كلّه في النسب الأوّليّة دون النسب الثانويّة.

وتوضيح المقصود: أنّه كما تنقسم المفاهيم الاسميّة إلى معقولات أوّليّة، وهي المفاهيم الموازية لما في الخارج، كالإنسان والناطق والحيوان والبياض وما إلى ذلك، وإلى معقولات ثانويّة، وهي المفاهيم المتحصّلة والمتعقّلة بحسب الاُفق الذهنيّ للمعقولات الأوّليّة، وليس لها ما بإزاء خارجيّ من قبيل مفهوم النوع والجنس والفصل، حيث إنّه بعد أن نتصوّر الإنسان والحيوان والناطق نقول: إنّ

 
الصفحة 164

الإنسان نوع، والحيوان جنس، والناطق فصل، من دون أن يكون لهذه العناوين ما بإزاء خارجيّ، كذلك تنقسم النسب الحرفيّة بتقسيم شبيه بهذا التقسيم، وذلك بأن يقال: إنّ هذه النسب قد تكون أوّليّة، وهي النسب التي توازي ما في الخارج، كالنسبة بين مفهوم النار والموقد في الذهن، وقد تكون ثانويّة، وهي النسب التي ليس تَحَصُّلها وانتزاعها من الخارج، بل من نفس اُفق عقد القضيّة في الذهن، من قبيل النسبة الإضرابيّة والنسبة الاستثنائيّة والنسبة التوكيديّة والنسبة التحقيقيّة وكثير من النسب. ولنأخذ من باب المثال النسبة الإضرابيّة، فكلمة «بل» مثلاً تدلّ على الإضراب (وطبعاً لا  تدلّ على مفهوم الإضراب، وإنّما تدلّ على نسبة قائمة بين المضرب عنه والمضرب إليه) وهي نسبة ثانويّة، وليست من قبيل النسبة الظرفيّة، فبينما حاقّ منبت النسبة الظرفيّة وموطنها هو الخارج يكون حاقّ موطن هذه النسبة هو الذهن، ولولا  متصوّر ومُضرِب لم توجد نسبة إضرابيّة.

وما برهنّا عليه من أنّ مفاد الحرف هو النسبة التحليليّة إنّما هو في القسم الأوّل من قبيل: «في» و«من» و«عن» و«على» و«إلى» ونحو ذلك من النسب التي أصل موطنها هو الخارج، ويكون الذهن فيها طفيليّاً على الخارج، وأمّا في النسب الثانويّة كالنسبة الإضرابيّة في قولنا: «جاء زيد بل عمرو»، فالموضوع له الحرف هو النسبة الواقعيّة الذهنيّة، وليس في الذهن وجود واحد لزيد وعمرو معاً، وليس هنا تحصيص أصلاً، وإنّما يوجد هنا وجود ذهنيّ للمضرب عنه وهو زيد، ووجود ذهني للمضرب إليه وهو عمرو، وبينهما نسبة واقعيّة فنائيّة واندكاكيّة، ولا  يأتي هنا ما ذكرناه من البرهان; لأنّ النسبة الإضرابيّة واقعاً يمكن أن توجد بين وجودين ذهنيّين; لأنّ موطنها هو الذهن، وليست من قبيل النسبة المكانيّة، وبهذه النسبة يرتبط أحدهما بالآخر نحو ارتباط بحيث ينتزع ببركة هذا الارتباط مفهومان

 
  الصفحة 165  

متضايفان، فيقال: «زيد معدول عنه» و«عمرو معدول إليه» كما وينتزع ببركة النسبة الظرفيّة مظروف وظرف، ومع فرض طرفين متغايرين في الذهن يمكن النسبة بينهما; لأنّ حاقّ هذه النسبة أمر ذهنيّ، ومنبته هو الذهن، وطبعاً لا  أقول: إنّ النسبة الإضرابيّة تقع بين وجودين ذهنيّين بما هما ذهنيّان، بل تقع بينهما بما هما حاكيان عن الخارج. وأمّا مثل النسبة الظرفيّة فيستحيل وقوعها بين وجودين ذهنيّين بما هما ذهنيّان، ولا  بينهما بما هما حاكيان عن الخارج.

وقد تلخّص من كلّ ما ذكرناه: أنّ الحروف موضوعة لواقع النسب(1)، وأنّها على قسمين:

الأوّل: ما وضع بإزاء النسب التحليليّة من قبيل: «في».

والثاني: ما وضع بإزاء النسبة الواقعيّة، من قبيل أدوات الإضراب.

وميزان القسمين هو: أنّه متى ما كانت النسب التي بإزائها الحروف موطنها الأصليّ هو الخارج والذهن انعكاس لها، فالنسب تحليليّة لا  واقعيّة، كالنسبة الظرفيّة والابتدائيّة والانتهائيّة ونحو ذلك، فإنّه ينطبق عليها جميعاً ما ذكرناه من البرهان على كونها تحليليّة لا  واقعيّة، ومتى ما كانت تلك النسب موطنها الأصليّ ومحلّ نشأتها الأصليّة هو الذهن، فهي مدلولة للحرف بما هي نسب واقعيّة


(1) جاء في تقرير السيّد الهاشميّ حفظه الله، ج 1، ص 257 نقلاً عن اُستاذنا الشهيد : أنّ ما قلناه من أنّ الحروف موضوعة للنسبة التي تستدعي تعدّد الأطراف حقيقة تارةً، وتحليلاً اُخرى إنّما هو الأمر الغالب، ولكن قد يتّفق أن يكون مفاد الحرف خصوصيّة في المعنى الاسميّ، فليست حرفيّتها باعتبار كونها نسبة بين طرفين، بل باعتبار كونها خصوصيّة في الصورة الذهنيّة التي تكون بإزاء المدخول، كما في اللام الدالّة على التعيين بأحد أنحائه من الجنسيّ وغيره، كما في قولنا: «العالم» فإنّ اللام تستوفي مدلولها الحرفيّ هنا بطرف واحد، ولو كان مدلولها نسبة بين شيئين لما كانت كذلك.

  الصفحة 166  

لا  تحليليّة، من قبيل النسبة الإضرابيّة(1). هذا تمام الكلام في المقام الأوّل.


(1) لا  يخفى: أنّ دعوى: أنّ النسب متى ما كان موطنها الأصليّ هو الخارج، وكان الذهن فيها طفيليّاً على الخارج، فهي في الذهن نسب تحليليّة لا  واقعيّة أمر صحيح; لأنّ البرهان ساقنا إليه، وهو: أنّ نفس تلك النسب يستحيل انتقالها من الخارج إلى الذهن، كما هو الحال في كلّ الاُمور الخارجيّة، سواء كانت نسبيّة أو عينيّة أو عرضيّة، ومثل تلك النسب يستحيل وجودها في الذهن; لأنّ الذهن ليس فيما بين تصوّراته ظرفيّة مثلاً أو صدوريّة أو نحو ذلك. وشبيه تلك النسب لو وجد في الذهن استحال حكايته عن الخارج، ومفهوم تلك النسب لو وجد في الذهن لم يخلق الربط بين المعاني الاسميّة في الذهن، لأنّ مفهومها بنفسه اسم يحتاج إلى ربط، فإذا استحالت كلّ الشقوق الأربعة لم يبق شيء عدا افتراض النسب التحليليّة، ولكن دعوى أنّ النسب متى ما كان مولدها وموطنها الأصليّ هو الذهن، إذن فهي واقعيّة لا  تحليليّة دعوىً لا  برهان عليه. فصحيح: أنّ البرهان الذي ذكر لتحليليّة القسم الأوّل لا  يأتي في القسم الثاني، ولكن هذا لا  يعني ضرورة كون القسم الثاني دائماً واقعيّاً لا  تحليليّاً، بل يمكن أن يكون واقعيّاً ويمكن أن يكون تحليليّاً، وبهذا نستطيع أن نفسّر الفرق بين نسبة الإضافة ونسبة التوصيف. فنسبة الإضافة كما في «غلام زيد» تحليليّة وتحصيصيّة، والموطن الأصليّ لهذه النسبة هو الخارج; لأنّه توجد في الخارج الاثنينيّة بين الطرفين، وهما غلام وزيد، ويوجد ربط بينهما، بينما النسبة الوصفيّة كما في «زيد العالم»، أو «الرجل العالم» وإن كانت أيضاً تحليليّة وتحصيصيّة; لأنّها نسبة ناقصة، ولكنّها ليست نسبة مأخوذة من الخارج، بل يكون موطنها الأصليّ هو الذهن; لأنّ وجود النسبة الواقعيّة في أيّ صقع فرع الاثنينيّة والتعدّديّة بين الطرفين في ذاك الصقع، ولا  يوجد في عالم الخارج تعدّد بين زيد والعالم، أو بين الرجل والعالم. وهذا هو عين البرهان الذي سيأتي ـ  إن شاء الله  ـ من قبل اُستاذنا على واقعيّة النسبة بين المبتدأ والخبر. وأمّا ما ورد في كتاب السيّد الهاشميّ حفظه الله، ج  1، ص 270 في نسبة الوصف والموصوف، فلو كان المقصود منه ما قد توحي إليه عبارته من أنّ النسبة الوصفيّة إنّما صارت تحليليّة لأنّها تحكي عن النسبة التصادقيّة الذهنيّة، ولعلّه لهذا قالوا: إنّ الأوصاف

  الصفحة 167  

هيئات الجمل:

المقام الثاني: في تحقيق حال هيئات الجمل، سواء كانت الجملة تامّة من قبيل «زيد عالم»، أو ناقصة من قبيل «زيد العالم».

ويوجد في مفاد هيئة الجملة مسلكان:

المسلك الأوّل: ما نسب إلى المشهور، وهو: أنّ مفاد هيئة الجملة في مثل «زيد عالم» هو النسبة بين الموضوع والمحمول، وفي مثل «زيد العالم» هو النسبة بين الوصف والموصوف ونحو ذلك، وهيئة الجملة التامّة موضوعة للنسبة التامّة، وهيئة الجملة الناقصة موضوعة للنسبة الناقصة، فكأنّ النسبة لها سنخان: تامّة وناقصة، فالجملة حينما تكون هيئتها موضوعة للتامّة، صحّ السكوت عليها، وحينما تكون هيئتها موضوعة للناقصة لم يصحّ السكوت عليها.


     قبل العلم بها أخبار، وإنّ الجملة الوصفيّة متأخّرة رتبة عن الجملة التامّة، إذن فللنسبة الوصفيّة منبتٌ خارجيّ وإن كان خارجه هو الذهن، فنسبة الجملة الوصفيّة إلى الجملة التصادقيّة كنسبة «نار في الموقد» إلى الخارج، فهذا غير صحيح; لأنّ الواصف ينتزع النسبة الوصفيّة بالمعنى المعقول من الانتزاع في عرض النسبة التصادقيّة، وقد لا  تخطر بباله أصلاً النسبة التصادقيّة، ولكنّه يأتي بالجملة الوصفيّة، فمن أين تأتي الطوليّة؟!

وبكلمة اُخرى: أنّ الذهن قد ينتزع من الوجود الوحدانيّ في الخارج الذي هو زيد وعالم مثلاً صورتين منفصلتين: وهما صورة زيد وصورة عالم، ويخلق بينهما النسبة التصادقيّة، فتكون النسبة عندئذ واقعيّة، واُخرى ينتزع من أوّل الأمر من ذاك الوجود الوحدانيّ صورة واحدة على شكل الحصّة، وهي صورة زيد العالم، فتكون النسبة لا  محالة تحليليّة، أمّا إذا كانت النسبة خارجيّة المولد، فلا  يمكن للذهن إذا أراد احتفاظ النسبة إلاّ انتزاع صورة الحصّة.

  الصفحة 168  

المسلك الثاني: ما ذهب إليه السيّد الاُستاذ دامت بركاته(1)، حيث قال: لا  يعقل كون الجمل موضوعة للنسب، ولا  يتمّ التقسيم إلى النسبة التامّة والنسبة الناقصة، وإنّما الجملة التامّة موضوعة لأمر نفسانيّ، وهو قصد الحكاية عن ثبوت شيء أو نفيه، والجملة الناقصة موضوعة لتحصيص المعاني الاسميّة وتضييقها، كما اختار هو ذلك في الحروف.

هذا هو البيان البدائيّ للمسلكين، وسوف يتّضح حاقّ كلا المسلكين مع ما هو الحقّ منهما من خلال بيان اعتراضات السيّد الاُستاذ ـ  دامت بركاته  ـ على مسلك المشهور مع مناقشتها، فإنّ السيّد الاُستاذ اعترض على مسلك المشهور باعتراضات أربعة، جعلها برهاناً على تماميّة مسلكه هو:

الاعتراض الأوّل: أنّه كيف تكون الجملة موضوعة للنسبة مع أنّه في بعض موارد الجملة لا  تتعقّل النسبة، كما هو الحال في مثل «شريك الباري ممتنع»، أو «العنقاء ممكن»(2); لأنّ تحقّق النسبة خارجاً بين طرفين فرع تحقّق طرفيها خارجاً، وشريك الباري أو العنقاء غير موجود خارجاً، فيعرف: أنّ مفاد الجملة ليس هو النسبة; لعدم وجودها في بعض الموارد، ويجب أن يكون مفادها ما يوجد في تمام الموارد، وإنّما هو قصد الحكاية.


(1) راجع أجود التقريرات، تحت الخطّ، ص 24 ـ 27، والمحاضرات، ج 1، ص 85 ـ 89 بحسب طبعة دار الهاديّ للمطبوعات بقم، و ج 43 من موسوعة الإمام الخوئيّ، ص 94 ـ 99.

(2) هذا الاعتراض الأوّل مذكور في أجود التقريرات، ج 1، ص 24 تحت الخطّ، وبدلاً عن التمثيل بـ «العنقاء ممكن أو غير موجود» ورد فيه التمثيل بـ «الإنسان ممكن أو موجود». وبعض هذه الأمثلة يشتمل على الغفلة عن لوح الواقع الذي هو أوسع من لوح الخارج.

  الصفحة 169  

أقول: إنّ السيّد الاُستاذ قد نسب إلى المشهور أنّهم يقولون بوضع الجملة للنسبة الخارجيّة، وهذا شبيه بما ذكره في المقام الأوّل، حيث فسّر كلام المحقّق الإصفهانيّ بأنّ الحرف موضوع للرابط الخارجيّ، وبناءً على كون مراد المشهور هو وضع هيئة الجملة للنسبة الخارجيّة لا  ينبغي تخصيص النقض على ذلك بمثل «شريك الباري ممتنع»، بل الإشكال يأتي في كلّ القضايا الخارجيّة المبنيّة على الهوهويّة، فلا  نسبة خارجيّة في مثل «زيد عالم» مثلاً بين زيد وعالم، فإنّ عالم هو وصف اشتقاقيّ متّحد مع زيد خارجاً على ما يأتي توضيحه ـ  إن شاء الله  ـ في المشتقّ، ولا  اثنينيّة خارجيّة بينهما، والنسبة الخارجيّة فرع الاثنينيّة الخارجيّة، فقد تكون هناك نسبة خارجيّة بين زيد والعلم، ولكن لا  تعقل ولا  تتصوّر بين زيد وعالم أيّة نسبة خارجيّة، فتخصيصه للإشكال بمثل «شريك الباري ممتنع» في غير محلّه.

وعلى أيّ حال، فالصحيح: أنّ المشهور لا  يقولون بوضع هيئة الجمل للنسبة الخارجيّة.

هذا كلّه لو كان مقصوده ـ  دامت بركاته  ـ من النسبة النسبة الخارجيّة، كما هو صريح كلامه، وأمّا لو كان مقصوده النسبة الذهنيّة بين المفهومين، فسوف يتّضح في الجواب على الاعتراض الرابع وجودها في مثل «شريك الباري ممتنع» كما هي موجودة أيضاً في مثل «زيد عالم».

الاعتراض الثاني(1): كأنّه بناه على مسلكه في باب الوضع، وهو التعهّد، وهو:


(1) هذا الاعتراض وارد في المحاضرات، ج 1، ص 85 ـ 86 بحسب طبعة دار الهاديّ للمطبوعات بقم. أمّا بحسب طبعة موسوعة الإمام الخوئيّ ففي ج 43 من تلك الموسوعة، ص 95.

  الصفحة 170  

أنّ التعهّد لا  يتعلّق إلاّ بما يدخل تحت الاختيار، والنسبة بين زيد وعالم ليست تحت اختياري أنا الواضع أو المستعمل حتّى أكون متعهّداً بها، فلا  أستطيع أن أجعل زيداً عالماً، فلا  يمكنني أن أقول: إنّني متى ما قلت: «زيد عالم» فأنا متعهّد بأنّ النسبة واقعة بين زيد وعالم، وإنّما الذي يكون تحت الاختيار هو قصد الحكاية عن علم زيد. فهذا هو مفاد هيئة الجملة.

وهذا الاعتراض أغرب من الاعتراض السابق; وذلك لأنّنا إذا جارينا هذا الطرز من التعبير، فماذا نقول عن الحروف مثلاً التي قال السيّد الاُستاذ ـ  دامت بركاته  ـ عنها: إنّها موضوعة لتحصيص المفاهيم الاسميّة، فإذا قال: «الإنسان في السماء ممكن» فهل تحت اختياره تحقّق «الإنسان في السماء»؟ وماذا نقول في المفردات؟ فحينما يقول: «زيد» مثلاً وهو اسم لابن خالد مثلاً، فما معنى تعهّده بابن خالد؟ وهل ابن خالد تحت اختياره؟!

وحلّ المغالطة هو: أنّه لا  إشكال في أنّ المتعهّد به أمر نفسانيّ، وهو قصد إخطار صورة زيد مثلاً في ذهن السامع، فحينما نقول: إنّ كلمة زيد مثلاً موضوعة لابن خالد نعني بذلك بناء على مسلك التعهّد أنّنا تعهّدنا قصد إخطار صورة ذاك المعنى في ذهن السامع، وكذا في الحروف تعهّدنا قصد إخطار صورة التحصيص في ذهن السامع، وعندئذ نقول في مثل «زيد عالم»: إنّ كونه مجعولاً للنسبة لا  ينافي مسلك التعهّد، ومعنى التعهّد هنا التعهّد بقصد إخطار صورة النسبة، فهذا الإشكال لا  يقتضي إبطال المسلك الأوّل، وتعيين المسلك الثاني، وغاية ما يقتضيه: أنّ المتعهَّد به يجب أن يكون أمراً نفسانيّاً، وهذا الأمر النفسانيّ، عند المشهور عبارة عن قصد إخطار صورة النسبة، وعند السيّد الاُستاذ ـ  دامت بركاته  ـ عبارة عن قصد الحكاية، فهذا الاختلاف لا  ربط له بمسألة التعهّد.

 
  الصفحة 171  

الاعتراض الثالث(1): كأنّه أيضاً مبنيّ على أصل موضوعيّ، وحاصله: أنّ جملة «زيد عالم» تختلف عن الكلمات الأفراديّة، فالكلمات الأفراديّة ليست لها دلالة تصديقيّة، وإنّما لها دلالة تصوّريّة. وأمّا «زيد عالم» فلها دلالة تصديقيّة، أي: توجب ولو اقتضاءً وشأناً التصديق بأنّ زيداً عالم. وبعد هذا الأصل الموضوعيّ نقول: إنّه إن كان مفاد الجملة هو النسبة كما يقوله المشهور لزم عدم الدلالة التصديقيّة; إذ مجرّد صدور هذا الكلام وكونه موضوعاً للنسبة لا  يقتضي كون متكلّمه صادقاً فيما يقول; إذ لا  يصدّق على تقدير الكذب بالنسبة. وأمّا إذا قلنا: إنّ مفاد الجملة قصد الحكاية فمقتضى الطبع الأوّليّ للكلام هو تحقّق قصد الحكاية، سواء كان صادقاً أو كاذباً، فتثبت الدلالة التصديقيّة، وحيث إنّنا فرضنا في الأصل الموضوعيّ ثبوت الدلالة التصديقيّة تعيّن كون مفاد الجملة قصد الحكاية.

وهذا الاعتراض أيضاً لا  يمكن المساعدة عليه. وتوضيح ذلك: أنّنا إن قلنا في باب


(1) هذا الاعتراض موجود في أجود التقريرات، ج 1، ص 24 ـ 25 تحت الخطّ، والمحاضرات، ج  1، ص  85 بحسب طبعة دار الهاديّ للمطبوعات بقم، وكذلك في ج  43 من موسوعة الإمام الخوئيّ، ص  95.

وهذا الأصل الموضوعيّ الذي افترضه اُستاذنا الشهيد لهذا الاعتراض، وهو تخصيص الدلالة التصديقيّة بالجمل التامّة دون المفردات كأنّه مستنبط من عدم إمكان توجيه هذا الاعتراض إلاّ بتفسير الدلالة التصديقيّة بوجه لا  يأتي في المفردات، وهو الوجه المذكور هنا في المتن في بيان هذا الاعتراض، لا  أنّ السيّد الخوئيّ يؤمن حقّاً باختصاص الدلالة التصديقيّة بالجملة، فإنّه مضى في بحث التعهّد في مقام شرح كلام السيّد الخوئيّ أنّ مبنى التعهّد يعني اشتمال الدلالة الوضعيّة على المعنى التصديقيّ دائماً، وقد ورد التصريح من السيّد الخوئيّ في المقام في مصابيح الاُصول، مباحث الألفاظ، تأليف علاء الدين بحر العلوم تقريراً لبحث السيّد الخوئيّ ص  59 بثبوت الدلالة التصديقيّة في المفردات أيضاً.

  الصفحة 172  

الوضع بغير مسلك التعهّد، من قبيل مسلك الاعتبار، فقد عرفت: أنّ الدلالة الوضعيّة إنّما هي دلالة تصوّريّة تنشأ من الوضع، وإن سمع من اصطكاك حجر، ولا  توجد دلالة تصديقيّة بالوضع، لا  في المفرد ولا  في الجملة الناقصة ولا  في الجملة التامّة، فكما أنّ كلمة نار لا  تدلّ بالوضع إلاّ على صورة النار كذلك «زيد عالم» لا  تدلّ بالوضع إلاّ على صورة زيد عالم، ولا  نتعقّل على غير مسلك التعهّد دلالة تصديقيّة بالوضع، وإنّما الدلالة التصديقيّة دائماً تنشأ من ظهورات حاليّة وسياقيّة وأمارات نوعيّة، غير باب الأوضاع على ما يأتي إن شاء الله; ولذا تتأثّر باختلاف الحالات، هذا إذا قلنا في باب الوضع بغير مسلك التعهّد. وأمّا إذا قلنا فيه بمسلك التعهّد فتثبت الدلالة التصديقيّة بالوضع حتّى في المفردات بالرغم من عدم وجود قصد الحكاية في المفردات، فحينما يقول: «زيد» يدلّ بالتعهّد على قصد إخطار معناه، وحينما يقول: «زيد عالم» يدلّ أيضاً بالتعهّد على قصد نفسانيّ، مع خلاف بين مقتضى مسلك المشهور ومسلك السيّد الاُستاذ في حقيقة هذا القصد النفسانيّ، هل هو قصد إخطار النسبة أو قصد الحكاية، فلا  دخل للدلالة التصديقيّة في تعيين مفاد الجملة في قصد الحكاية دون النسبة.

الاعتراض الرابع: هو أوجه تلك الاعتراضات وأمتنها وإن لم يذكر في كتابات كلماته دامت بركاته، وحاصله: أنّه لو كانت الجملة موضوعة للنسبة، استحال الفرق بين الجملة التامّة والناقصة، فالمشهور وإن كانوا يفرّقون بين جملة «زيد عالم» وجملة «زيد العالم» بأنّ الاُولى موضوعة للنسبة التامّة والثانية موضوعة للنسبة الناقصة، لكن هذا الفرق لا  محصّل له; لأنّ النسبة أمر بسيط لا  يتصوّر فيها زيادة ونقصان، وليست لها أجزاء وعناصر متعدّدة حتّى تشتمل تارة على كلّ العناصر الفلانيّة مثلاً، فتسمّى بالنسبة التامّة، واُخرى تفقد بعض تلك العناصر، فتسمّى بالنسبة الناقصة، إذن فما هو معنى كون النسبة تارة تامّة واُخرى ناقصة؟

 
  الصفحة 173  

فالمشهور يعجزون عن إعطاء فرق معقول بين الجملة التامّة والناقصة. فالصحيح في الفرق بينهما: أنّ هيئة الجملة الناقصة موضوعة للتحصيص كالحروف، وتكون دالّة على التحصيص دلالة تصوّريّة، والجملة التامّة موضوعة للدلالة التصديقيّة التي هي في مثل «زيد عالم» عبارة عن قصد الحكاية، فبهذا يتّضح الفرق بين مثل «زيد عالم» و«زيد العالم» حيث إنّ الأوّل مشتمل على دلالة تصديقيّة وهي قصد الحكاية والثاني لا  يدلّ إلاّ على دلالة تصوّريّة(1).

أقول: التحقيق: أنّ التماميّة والنقصان من شؤون النسبة بما هي هي في المرتبة السابقة على طروّ التصديق أو النفي، أو أيّ حالة نفسانيّة عليها، وممّا يشهد لذلك: أنّنا لو أدخلنا أداة الاستفهام على جملة «زيد عالم» فقلنا: «هل زيد عالم؟»، فمن المعلوم أنّ مدخول أداة الاستفهام هنا ليست له دلالة تصديقيّة على قصد الحكاية; لأنّه بصدد الاستفهام عن ذلك، فكيف يقصد الحكاية؟ ولا  يعقل الاستفهام عن المطلب التصديقيّ، وإنّما يعقل عن المطلب التصوّريّ، فالمستفهم عنه ليس إلاّ أمراً تصوّريّاً محضاً، بينما نحن نرى في هذا المثال بالذات أنّه لو بدّلنا جملة «زيد عالم» التي هي جملة تامّة إلى جملة «زيد العالم» التي هي ناقصة، وقلنا: «هل زيد العالم»، أصبح الاستفهام ناقصاً، ويحتاج إلى تتمّة، كَأن يقال: «هل زيد العالم موجود؟» أو «هل زيد العالم نائم؟» ونحو ذلك مع أنّ كلا المدخولين متمحّض في المطلب التصوّريّ» وليس في أحدهما قصد الحكاية، فهذا شاهد على وجود فرق في حاقّ النسبة التامّة والناقصة في عالم التصوّر المحض قبل أن نصل إلى مرحلة


(1) هذا التعبير لا  ينسجم مع ما مضى عن السيّد الخوئيّ في حقيقة الدلالة الوضعيّة، من أنّها دلالة تصديقيّة، وكان بالإمكان تتميم المطلب مع حذف فرضيّة كون دلالة المركّب الناقص تصوّريّة.

  الصفحة 174  

التصديق.

وأمّا تصوير هذا الفرق فهو وإن لم تف بذلك كلمات المشهور فيما أعلم، إلاّ أنّ التحقيق في ذلك هو: أنّ النسبة الناقصة في مثل «زيد العالم» نسبة تحليليّة، كما هو الحال في بعض الحروف، من قبيل: «في»، وليست موجودة في صقع الوجود الذهنيّ، وإنّما الموجود في صقع الذهن وجود ذهنيّ واحد، وليس هناك وجودان مع حبل بينهما. نعم، هذا الوجود الواحد وجود لمركّب تحليليّ يكون له بالتحليل أجزاء، وأحد أجزائه هو النسبة، فهذه النسبة طبعاً ناقصة لا  يصحّ السكوت عليها; لأنّها لا  ترى في عالم الذهن، وإنّما هي تحليليّة، فلا  يُرى إفادةً واستفادةً إلاّ شيء واحد، فكأنّه ألقيت كلمة مفردة، فكما لا  يصحّ السكوت على المفرد كذلك لا  يصحّ السكوت على «زيد العالم». وأمّا النسبة التامّة في «زيد عالم» فهي من قبيل القسم الآخر من النسب الحرفيّة، كالنسبة الإضرابيّة، أعني: أنّها نسبة واقعيّة موجودة في صقع الذهن، فتوجد في الذهن صورتان مستقلّتان لزيد ولعالم، وبينهما نسبة التصادق. ولأجل التشبيه والتوضيح نقول: إنّ حال الذهن هو حال المرآة، فقد ينعكس شيء واحد في مرآتين، فتوجد في عالم المرايا صورتان مستقلّتان وبينهما نسبة أشدّ من نسبة التماثل الموجود فيما لو كانت الصورتان لشيئين متماثلين، وهي نسبة التصادق، أي: أنّهما انعكاسان لشيء واحد، وحكايتان عن شيء واحد، فعلى رغم أنّه توجد في عالم المرايا صورتان مستقلّتان بينهما نسبة لا  يوجد في عالم المحكيّ والخارج إلاّ شيء واحد، فنحن نشبّه الرؤية الذهنيّة بالمرايا، حيث إنّها تأخذ من عالم الخارج أو أيّ عالم آخر صوراً، وقد تأخذ صورتين عن شيء واحد، فمثلاً تأخذ من عالم الخارج صورة زيد وصورة عالم بما هما حاكيان عن موجود واحد في الخارج، وتكون بينهما نسبة التصادق،

 
  الصفحة 175  

وعلى هذا الأساس صحّ السكوت على هذه النسبة، فإنّه يُرى في عالم الذهن شيئان وبينهما حبل، بينما في موارد النسبة الناقصة لم يكن يُرى إلاّ شيء واحد، وبهذا ظهر السرّ في أنّه: لماذا يصحّ «هل زيد عالم؟»، ولا  يصحّ «هل زيد العالم؟»، فإنّ الاستفهام يكون دائماً عن النسبة، وفي قولنا: «هل زيد عالم» توجد في مدخول «هل» نسبة واقعيّة موجودة في صقع النفس، ويستفهم عنها، أي: عن مدى تطابقها لما في الخارج. وأمّا في قولنا: «هل زيد العالم» فالنسبة تحليليّة، لا  واقعيّة، ففي عالم الذهن لا  يرى شيئان مع نسبة حتّى يستفهم عنها، وإنّما يرى شيء واحد، فقولنا: «هل زيد العالم» يكون من قبيل قولنا: «هل زيد»، فكما لا  يصحّ هذا لا  يصحّ ذلك.

فإن قلت: إذا كان السرّ في التماميّة وصحّة السكوت عليه في مثل «زيد عالم» هو كون النسبة واقعيّة، فلماذا لا  يصحّ السكوت على مثل النسبة الإضرابيّة، مع أنّها أيضاً نسبة واقعيّة، ففي مثل قولنا: «جاء زيد، بل عمرو» لو حذفنا كلمة جاء، وقلنا: «زيد بل عمرو» كان الكلام ناقصاً كما هو واضح.

قلت: السرّ في نقصان ذلك هو: أنّ النسبة الإضرابيّة وإن كانت نسبة واقعيّة، لكنّها نسبة بين ثلاثة اُمور، لا  بين أمرين، فإذا حذف أحد الاُمور الثلاثة كان من الطبيعيّ أن يصبح الكلام ناقصاً، فإنّ النسبة الإضرابيّة تحتاج إلى مضرب عنه وهو زيد، ومضرب إليه وهو عمرو، ومضرب فيه وهو الحكم بالمجيء بقوله: جاء; فإنّ الإضراب من زيد إلى عمرو لا  معنى له إلاّ في حكم من الأحكام، كالحكم بالمجيء.

وقد اتّضح بما ذكرناه: أنّ الاعتراضات الأربعة غير واردة على المسلك المشهور، وأنّ مسلك المشهور مطلب معقول متصوّر في نفسه، بل نقول: إنّ

 
  الصفحة 176  

المسلك الثاني في نفسه غير صحيح; لأنّه مورد لإشكالين: إشكال مبنائيّ وإشكال آخر:

أمّا الإشكال الأوّل: فهو أنّه ماذا يقصد السيّد الاُستاذ ـ  دامت بركاته  ـ بقوله: إنّ «زيد عالم» يدلّ على قصد الحكاية؟ فإن أراد أنّه يدلّ على قصد الحكاية دلالة تصوّريّة، أي ينقش في ذهن السامع تصوّراً صورة مفهوم (قصد الحكاية) فهذا بديهيّ البطلان; إذ معنى ذلك كون «زيد عالم» مرادفاً لقصد الحكاية، وهذا واضح البطلان، وإن أراد ـ  وهو صريح كلامه  ـ أنّه يدلّ على قصد الحكاية دلالة تصديقيّة، بمعنى الكشف عن قصد نفسانيّ جزئيّ في نفس المتكلّم، فهذه الدلالة مسلّمة، والمشهور لا  ينكرونها، إلاّ أنّها ليست بالوضع، بل بقرائن حاليّة كما أشرنا إلى ذلك، وسيأتي ـ  إن شاء الله  ـ في تنبيه تبعيّة الدلالة للإرادة. والبرهان على عدم كونها بالوضع: أنّنا بيّنّا في بحث الوضع: أنّ مبنى السيّد الاُستاذ وهو كون الوضع عبارة عن التعهّد غير صحيح، وأنّ من ثمرات الخلاف في حقيقة الوضع: أنّ الدلالة الوضعيّة على مبنى التعهّد تصديقيّة، وعلى سائر المباني تصوّريّة، ولا  يمكن أن تكون تصديقيّة.

وأمّا الإشكال الثاني: فهو أنّ الوجدان يشهد بأنّ جملة «زيد عالم» ينبغي أن يكون لها سنخ معنىً واحد محفوظ في تمام موارد استعمالاتها، وهذا الشيء ثابت بناءً على رأي المشهور من كون هذه الجملة موضوعة للنسبة التامّة. فنقول: إنّ «زيد عالم» تفيد بالدلالة التصوّريّة النسبة التصادقيّة، وهذه النسبة في مرحلة الدلالة التصديقيّة تارة تُحكى كما في قولنا: «زيد عالم» واُخرى يستفهم عنها كما إذا دخلت عليها أداة الاستفهام، فقلنا: «هل زيد عالم؟» وثالثة يتمنّى كما في قولنا: «ليت زيداً عالم» ورابعة يترجّى كما في قولنا: «لعلّ زيداً عالم» وما إلى ذلك.

 
  الصفحة 177  

وأمّا على مسلكه ـ  دامت بركاته  ـ من دلالة «زيد عالم» على قصد الحكاية، فمن الواضح: أنّ هذه الجملة حينما تصبح مدخولة لمثل الاستفهام لا  تدلّ على قصد الحكاية; فإنّ المتكلّم لا  يستفهم عن قصد الحكاية، وإنّما يستفهم عن الواقع، إذن فيتّضح: أنّ مسلك المشهور هو الصحيح دون هذا المسلك. ولو أنكرنا شهادة الوجدان بوحدة المعنى في «زيد عالم» في تمام موارد استعمالاتها، فلا  أقلّ من وجوب الاعتراف بمسلك المشهور في مثل هذه الموارد التي أصبحت هذه الجملة مدخولة لأمثال هذه الحروف لعدم إمكان الالتزام بقصد الحكاية في ذلك، أي: يجب على السيّد الاُستاذ أن يعترف بمسلك المشهور ولو في الجملة.

وقد أوردتُ عليه ـ  دامت بركاته  ـ النقض بـ   «هل زيد عالم؟» فأجاب عن الإشكال بأنّنا نلتزم بأنّ «هل» مع مدخوله قد وضع مجموعاً لقصد الاستفهام عن شيء.

فأوردتُ عليه بأمرين:

أحدهما: أنّنا نبدّل مثال: «هل زيد عالم؟» بقولنا: «أحكي لك: أنّ زيداً عالم»، حيث إنّ جملة الفعل مع مفعولها لها وضع نوعيّ مطّرد في سائر الموارد، ويبعد افتراض وضع خصوص مثل «أحكي لك: أنّ زيداً عالم» لمعنىً خاصّ.

وثانيهما: أنّه حينما يقول المتكلّم: «هل زيد عالم؟» يصحّ للمخاطب أن يجيب بقوله: نعم. وكلمة «نعم» تكون بمنزلة تكرار الكلام الذي استفهم عنه، لكي تكون دلالته التصديقيّة هي التصديق بوقوعه، ولو كانت جملة «هل زيد عالم؟» بمجموعها موضوعة لمعنىً، ومدخول «هل» ليس له معنىً، فلا  معنى لتصديقه بنعم.

فأجاب ـ  دامت بركاته  ـ عن ذلك بأنّ كلمة «نعم» تكون بمنزلة التكرار للّفظ المدخول دون معناه، ولا  ضير في أن يكون المدخول حينما يستعمل مع «هل»

 
  الصفحة 178  

لا  معنى له مستقلّ، وحينما يكرّر بكلمة «نعم» يفيد قصد الحكاية.

فقلت له: إنّ كلمة «نعم» تكون بحكم تكرار المعنى، وليست بحكم تكرار اللفظ فقط، ولهذا ترى: أنّه لو سأل سائل مثلاً: هل جاء المولى؟ وقصد بكلمة المولى العبد، لا  يصحّ أن يقال في جوابه: نعم، ويقصد بذلك: أنّه نعم جاء السيّد(1).

 

هيئة الجملة الفعليّة:

ثُمّ إنّنا إلى هنا وضّحنا مفاد هيئة الجملة الخبريّة التي حمل فيها اسم على اسم، من قبيل «زيد عالم». وأمّا الجملة الخبريّة التي اسند فيها فعل إلى اسم، من قبيل «ضرب زيد» فالصحيح: أنّها أيضاً تدلّ على النسبة التصادقيّة تماماً كالنسبة التصادقيّة في «زيد عالم»، أو على ما يشبهها.

وتوضيح ذلك: أنّه لا  إشكال في أنّ جملة «ضرب زيد» تدلّ على نسبة تامّة، ولهذا يصحّ السكوت عليها، كما لا  إشكال في أنّها تدلّ على النسبة الصدوريّة، ولهذا نعرف: أنّ الضرب قد صدر من زيد، والنسبة الصدوريّة نسبة تحليليّة ناقصة، لا  واقعيّة; لأنّ النسبة الصدوريّة موطنها الأصليّ هو الخارج، وليست صورة الضرب تصدر في عالم الذهن من صورة اُخرى، وقد عرفت فيما سبق: أنّ كلّ نسبة يكون موطنها الأصليّ هو الخارج لا  الذهن يستحيل أن تكون في الذهن واقعيّة، بل لابدّ أن تكون تحليليّة وناقصة، ومن هنا يعرف: أنّ جملة «ضرب زيد» مشتملة على نسبتين: نسبة صدوريّة ونسبة تامّة، ولا  يمكن افتراض كون النسبة


(1) كان بإمكان السيّد الخوئيّ أن يجيب على ذلك بأنّ كلمة «نعم» بمنزلة تكرار المعنى الذي كان يقصده المتكلّم من مدخول الاستفهام لولا  دخول الاستفهام عليه.

  الصفحة 179  

التامّة هي نفس النسبة الصدوريّة، فيتبرهن بهذا وجود نسبتين في هذه الجملة: إحداهما: نسبة مستفادة من هيئة الفعل التي هي خارجة عن محلّ الكلام; لأنّنا نتكلّم في هيئات الجملة، والاُخرى: نسبة مستفادة من هيئة الجملة. وإذا كان الأمر هكذا، فلابدّ أن تكون النسبة الصدوريّة هي المستفادة من الفعل، والنسبة التامّة هي المستفادة من الجملة، ببرهان: أنّه من نفس كلمة «ضرب» يستفاد معنى صدور الضرب، إذن فهيئة «ضرب» تدلّ على النسبة الصدوريّة بين الضرب وبين فاعل ما، وبالتالي تدلّ كلمة «ضرب» بالتبع على فاعل ما، فكان المستفاد من كلمة «ضرب» مركّباً بالتحليل العقليّ من الضرب وذات ما والنسبة الصدوريّة بينهما، وذلك: إمّا بأن يفرض الركن الأصليّ هو الذات، فكأ نّما قال: «ذات له الضرب»، أو يفرض الركن الأصليّ هو الضرب، فكأ نّما قال: «ضَرْبُ ذات»، والظاهر: أنّ كلمة «ضرب» تنسجم مع كلا الفرضين، أي: افتراض كون الركن الأصليّ هو الذات، وافتراض كونه هو الضرب. ثُمّ يأتي دور هيئة الجملة المتحقّقة بضمّ الفاعل إلى الفعل، حيث يقال: «ضرب زيد» وهذه الهيئة تدلّ على النسبة التامّة بين ضرب وزيد، وهذه النسبة التامّة يمكن تفسيرها بأحد شكلين: فإمّا أن يفرض أنّها تماماً كالنسبة التصادقيّة بين زيد وعالم في قولنا: «زيد عالم». وإذا كان الأمر كذلك تعيّن بعد ذكر كلمة زيد: أنّ مقصود المتكلّم من «ضرب» كان هو المعنى الأوّل، أعني: أنّ الركن الأصليّ في تلك الماهية التي ترجع بالتحليل العقليّ إلى الضرب وذات ما ونسبة صدوريّة هو الذات، فكأ نّما قال: «ذات له الضرب زيد» ومن الواضح عندئذ وجود النسبة التصادقيّة (بمعنى تصادق عنوانين على معنون واحد) بين تلك الذات وزيد.

وإمّا أن يفرض أنّها عبارة عن النسبة التصادقيّة بين الضرب وزيد، فكأ نّما

 
  الصفحة 180  

جعل الركن الأصليّ في مفاد «ضرب» هو الضرب، إلاّ أنّ المقصود من النسبة التصادقيّة هنا هو التصادق على مركز واحد، حيث إنّ هناك فرقاً بين أن يفرض الضرب منسوباً بنسبة تحليليّة إلى ذات، ويفرض زيد متّحداً مع ذات اُخرى، أو يفرض الضرب منسوباً بنسبة تحليليّة إلى ذات، ويفرض زيد متّحداً مع تلك الذات; فإنّه توجد في الفرض الثاني نسبة والتصاقٌ بين الضرب وزيد غير موجودين بينهما في الفرض الأوّل، وهي نسبة تصادق المنتزعين على مركز واحد، لا  التصادق على معنون واحد، فيقال: إنّ هيئة «ضرب زيد» تدلّ على هذه النسبة والالتصاق، أو التصادق في المركز، لا  في المعنون(1).


(1) هذا البحث الذي أفاده اُستاذنا الشهيد هنا يتّضح به الجواب على إشكال ينجم قهراً عن الطريقة التي اتّبعها اُستاذنا الشهيد في فهم معنى هيئة الجملة التامّة، وهيئة الجملة الناقصة، وحقيقة النسبة التامّة والناقصة، والإشكال ما  يلي:

بعد أن ساقنا البرهان إلى أنّ النسبة متى ما كان الذهن فيها طفيليّاً على الخارج فهي تحليليّة، ومتى ما كانت تحليليّة فمرجع الأمر إلى التحصيص، ومتى ما رجع الأمر إلى التحصيص كانت النسبة ناقصة، ولم يصحّ السكوت عليه، أمّا في جملة المبتدأ والخبر مثل: «زيد قائم» فالنسبة غير مأخوذة من الخارج; إذ لا  اثنينيّة في الخارج بين زيد وقائم حتّى تكون بينهما نسبة في الخارج، فهي نسبة ذهنيّة واقعيّة يصحّ السكوت عليها، نرى: أنّ هذا الأمر الذي انتهينا إليه يخلق لنا مشكلةً في الجملة الفعليّة مثل «ضرب زيد» وهي: أنّه لا  شكّ في أنّ جملة «ضرب زيد» جملة تامّة يصحّ السكوت عليها، في حين أنّه لا  شكّ في أنّ النسبة بين ضرب وزيد، وهي ـ  على ما اشتهر  ـ نسبة صدوريّة موطنها الأصليّ هو الخارج، والذهن فيها متطفّل على الخارج، فإنّ الضرب لا  يصدر عن زيد في الذهن، وإنّما يصدر عنه في الخارج، إذن فالبرهان السابق يجرّنا إلى القول بأنّ هذه النسبة تحليليّة تحصيصيّة ناقصة. وهذا البرهان يناقض الوجدان القائل بأنّ النسبة في «ضرب

  الصفحة 181  


     زيد» نسبة تامّة يصحّ السكوت عليها.

والجواب يكون من أحد وجهين:

الوجه الأوّل: ما جاء في المتن، من أنّ هذا الإشكال نتج من تخيّل وجود حرف واحد دالّ على النسبة في «ضرب زيد»، في حين أنّ هذا البرهان مع ذاك الوجدان يبرهنان لنا وجود نسبتين مفهومتين بهيئتين: إحداهما: نسبة ناقصة مفهومة من هيئة الفعل; وذلك قضاءً لحقّ النسبة الصدوريّة المفهومة من كلمة «ضَرَب»، والاُخرى: نسبة تامّة مفهومة من هيئة الجملة الفعليّة، وهي «ضرب زيد»، وذلك قضاءً لحقّ كون «ضرب زيد» جملة تامّة.

ولهذه النسبة أحد تفسيرين تبعاً لمحتملي معنى «ضرب»:

التفسير الأوّل: كونها نسبة تصادقيّة بين الموضوع والمحمول، تماماً من سنخ النسبة في «زيد قائم»، وهذا بتبع فرض الركن الأصليّ في الماهية التحليليّة لـ «ضَرَب» هو الذات، فكأ نّما قال: «ذات ضاربة زيد».

والتفسير الثاني: كونها نسبة تصادقيّة بلحاظ المركز، وهذا بتبع فرض الركن الأصليّ في الماهية التحليليّة لـ «ضَرَب» هو الضرب، فيكون المقصود بالنسبة التصادقيّة هنا هو التصادق بلحاظ المركز، باعتبار أنّ مركز عنوان الضرب متّحد خارجاً مع مركز عنوان زيد في مجموع مركّب من عرض ومحلّ.

الوجه الثاني: ما جاء نقله عن اُستاذنا الشهيد في كتاب السيّد الهاشميّ ـ  حفظه الله  ـ في الجزء الأوّل ص  310  ـ 311 بعنوان فرضيّة ثانية لتشخيص مدلول الفعل، وكأنّه من إضافته في وقت طبع الكتاب، وهو: أن يفترض في المقام وجود حرف واحد، وهو هيئة الفعل، لا  وجود حرفين، وأنّ هيئة الفعل تدلّ على تلك النسبة التصادقيّة (ويقصد بها التفسير الثاني من التفسيرين الماضيين، أعني: التصادق بلحاظ المركز). وأمّا النسبة الصدوريّة فهي مأخوذة ضمن مادّة الفعل دون هيئة، ولا  دلالة لهيئة الجملة الفعليّة في
  الصفحة 182  


     «ضرب زيد» على نسبة من النسب، وإنّما كان ذكر الفاعل وهو زيد لتشخيص الفاعل في شخص معيّن.

أمّا لماذا نفترض أنّ النسبة الصدوريّة مأخوذة ضمن المادّة، لا  ضمن هيئة الفعل؟ فله وجهان:

الأوّل: أن يكون هذا مجرّد فرض في مقابل الفرض الأوّل; وذلك لأنّ المتيقّن هو وجود نسبتين في مثل «ضرب زيد»: نسبة صدوريّة، كما هو مفهوم بوضوح من هذا الكلام، ونسبة تامّة، بدليل أنّ هذا الكلام تامّ، في حين أنّ النسبة الصدوريّة ناقصة، وهذا المتيقّن كما يمكن فرض تفسيره بإرجاع النسبة الصدوريّة إلى هيئة الفعل، وإرجاع النسبة التامّة إلى هيئة الجملة، كذلك يمكن فرض تفسيره بإرجاع النسبة الصدوريّة إلى مادّة الفعل(1) وإرجاع النسبة التامّة إلى هيئته.

والثاني: أن نثبت ذلك بالبرهان، وهذا البرهان موقوف على الإيمان بما يقال من أنّ وضع الهيئات وضع نوعيّ، فمبنيّاً على ذلك نقول: إنّ النسبة المفهومة من الفعل ليست دائماً هي الصدوريّة، بل يختلف ذلك باختلاف الموادّ، ففي بعضها تفهم النسبة الصدوريّة، وفي بعضها الآخر تفهم النسبة الحلوليّة، أو غير ذلك، فلو اُوعزت هذه النسب إلى الهيئة كان هذا خلف فرض كون وضع الهيئة وضعاً نوعيّاً، إذن فينحصر الأمر في إيعازها إلى المادّة.

أقول: بناءً على كلّ ما مضى تحصّلت لنا حتّى الآن وجوه ثلاثة لحلّ مشكلة تصادم البرهان والوجدان في مثل «ضرب زيد»:

1 ـ فرض هيئتين ونسبتين حرفيّتين: إحداهما ناقصة مستفادة من هيئة الفعل، والاُخرى تامّة مستفادة من هيئة الجملة، وهي عين النسبة التصادقيّة المفهومة من مثل ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ودمج النسبة الناقصة في المعنى الاسميّ لاعيب فيه; لأنّها نسبة تحليليّة لا  واقعيّة.

  الصفحة 183  


     «زيد قائم» أو «زيد ضارب» ونحو ذلك.

2 ـ عين الأوّل مع الفرق بأنّ النسبة التصادقيّة المستفادة من هيئة الجملة تكون بلحاظ المركز، لا  بلحاظ اتّحاد الطرفين في الخارج تماماً.

3 ـ فرض نسبة حرفيّة واحدة تامّة، وهي النسبة التصادقيّة بالمعنى الثاني، وأمّا النسبة الصدوريّة فهي مندكّة ضمن معنى المادّة.

والقاسم المشترك بين الأوّل والثاني هو فرض معنيين حرفيّين، والقاسم المشترك بين الثاني والثالث هو فرض النسبة التصادقيّة بلحاظ المركز، لا  بلحاظ ذات المعنون الذي يفنى فيه العنوانان.

وما جاء في كتاب السيّد الهاشميّ ـ ج 1، ص 272 ـ في تفسير الجملة الخبريّة الفعليّة منحصر في فرض النسبة التصادقيّة بلحاظ انطباقهما على مركز واحد مركّب من العرض ومحلّه، دون التصادق بمعنى انطباقهما على واقع واحد. وهذا يعني حصر حلّ الإشكال في المقام بالوجه الثاني والثالث، دون الأوّل.

أمّا السبب في حذف النسبة التصادقيّة بمعنى التصادق على واقع واحد في المقام، فالظاهر أنّه يعود إلى نكتة جاء ذكرها في نفس المجلّد، ص  307  ـ 308، وهي عبارة عن إيراد إشكال على فرض نسبتين وهيئتين، وهما هيئة الفعل وهيئة الجملة الفعليّة، مع حلّ الإشكال:

أمّا الإشكال فهو: أنّه كيف يُفترض فهم النسبة الصدوريّة الناقصة من هيئة الفعل في حين أنّها بحاجة إلى طرفين: أحدهما: مادّة الفعل، وهي موجودة في الكلام، والآخر: فاعل مّا، وهذا غير موجود في الكلام; لأنّ الذي فرض في الكلام فاعلاً قد جعل حسب الفرض طرفاً للنسبة التامّة(1) لا  الناقصة، وهذا يعني وجود نسبة ناقصة ذات طرف واحد وهو غير معقول.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ومعه لا  يمكن أن يكون طرفاً لنسبة ناقصة أيضاً; لأنّ ما يكون طرفاً لنسبة ناقصة يكون

  الصفحة 184  


     وأمّا الحلّ، فهو: أنّنا لا  نفترض أنّ هيئة الفعل دلّت على النسبة بمعناها التضايفيّ الذي هو بحاجة إلى طرفين، بل نقول: إنّها دلّت على حالة وخصوصيّة في الضرب، فإنّ الضرب تارة يلحظ بما هو حالّ، وهو الضرب الذي يضاف إلى المفعول، واُخرى يلحظ بما هو صادر، وهو الضرب الذي يضاف إلى الفاعل، فالهيئة في المقام دلّت على النحو الثاني، لا  بمعنى أخذ مفهوم الصدور الذي هو معنىً اسميّ واستقلاليّ، بل بما هي حالة فانية ومندكّة في المادّة، سنخ فناء بعض الحروف التي لا  تدلّ على النسبة بين طرفين، بل تتقوّم بطرف واحد، من قبيل لام التعريف بأقسامه الذي يدخل على الاسم.

أقول: بناءً على هذا، إذن لا  يمكن إرجاع «ضرب» إلى ذات لها الضرب; لأنّ الذات الفاعلة غير مأخوذة في الكلام، فينحصر الأمر في إرادة ما يرجع إلى معنى «ضرب صادر»، فتتعيّن النسبة التصادقيّة بين الفعل والفاعل في التصادق بلحاظ المركز.

أمّا الذي كان يقصده اُستاذنا الشهيد في وقت البحث، فهو لم يكن عبارة عن دعوى دلالة هيئة «ضَرَبَ» على مجرّد النسبة الصدوريّة من دون التفات إلى طرفها الثاني، حتّى يقال: كيف يتعقّل قيام النسبة بطرف واحد؟ أو كيف يتعقّل أن يكون «زيد» المذكور في الكلام طرفاً لكلتا النسبتين: التامّة والناقصة؟ ويجاب على ذلك بأنّ معنى الهيئة هنا شبيهة بلام التعريف، بل كان عبارة عن دعوى دلالة الهيئة على تلك النسبة الناقصة، وعلى ذات مّا، لا  بمعنى: أنّ الهيئة اشتملت على معنىً اسميّ باستقلاله، وهو معنى الذات، بل بمعنى: أنّ الهيئة دلّت على النسبة الصدوريّة المقيّدة بالذات.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قد انصهر بحكم النسبة الناقصة مع الطرف الآخر في حصّة، فكيف يمكن أن يكون بوحده طرفاً لنسبة اُخرى؟! فلا  يقاس هذا بمثل «زيد عالم عادل» مثلاً الذي لو فرض فيه كلّ من عالم وعادل خبراً مستقلاّ، لا  بمجموعهما خبراً واحداً، لكان زيد طرفاً لنسبتين تامّتين.

  الصفحة 185  


     إلاّ أنّه لا  يخفى أنّ هذا أيضاً لا  ينسجم مع تأويل «ضَرَب» إلى ذات لها الضرب; لأنّ الذات الذي هو المعنى الاسميّ يصبح عندئذ هو الركن الأساس في معنى الهيئة، وذلك غير محتمل في باب الهيئات.

وقد اتّضح بكلّ ما ذكرناه: أنّه لو دار الأمر في حلّ مشكلة التصادم بين الوجدان والبرهان في الجملة الفعليّة من قبيل «ضرب زيد» بين الوجه الأوّل والثاني من الوجوه الثلاثة الماضية، فالثاني أولى; وذلك لأنّ الأوّل، وهو فرض النسبة التامّة نسبة تصادقيّة بين عنوان الذات الضاربة وزيد على معنون واحد يستدعي كون مفاد «ضَرَب» نسبة ناقصة بين الضرب وذات مّا، وهذا لا  يكون إلاّ بأحد شكلين:

الأوّل: أن نفترض أنّ الركن الأساس المستفاد من الهيئة هو الذات الذي هو معنىً اسميّ، وهذا غير محتمل.

والثاني: أن نفترض مؤونة الحذف أو ما أشبهه في المقام، بأن نقدّر كلمة الذات مثلاً; لأنّ كلمة زيد الموجودة في الكلام قد فرضت طرفاً للنسبة التامّة، فلا يعقل أن تكون في نفس الوقت طرفاً للنسبة الاُخرى أيضاً، في حين أنّنا لا  نحسّ في جملة «ضرب زيد» بمؤونة من هذا القبيل.

فينحصر الأمر: إمّا بافتراض أنّ الهيئة الناقصة في الفعل دلّت على حالة في الضرب الملحوظ، وهي الضرب بما هو صادر، لا  بما هو حالّ، فليس المعنى الحرفيّ هنا بحاجة إلى طرف ثان، وهو الذات، أو بافتراض أنّ تلك الهيئة دلّت على النسبة الصدوريّة إلى الذات، من دون أن تكون الذات هي الركن الأساس في مفاد الهيئة، فيصبح مفاد «ضَرَب» أيضاً هي الضرب المتحصّص بالصدور عن ذات، وعلى كلا الافتراضين يبطل الوجه الأوّل، وينحصر الأمر بالوجه الثاني، وهو كون مفاد «ضَرَبَ» ضرب ذات، أو ضرب ملحوظ بما هو حالّ، وكون مفاد هيئة الجملة عبارة عن نسبة تصادقيّة بمعنى التصادق في المركز، لا  في المعنون.

  الصفحة 186  


     يبقى الكلام في أنّه لو دار الأمر بين هذا الوجه والوجه الثالث، فأ يّهما أولى؟ أي: هل الأصحّ: كون النسبة الناقصة مفهومة من هيئة الفعل، والنسبة التامّة مفهومة من هيئة الجملة؟ أو الأصحّ: أنّ نفس هيئة الفعل دلّت على النسبة التامّة، وأمّا تحصيص الضرب بالنسبة الصدوريّة الناقصة فمندمج في نفس مفهوم مادّة الفعل؟

قد يقال: إنّ الأخير هو الأصحّ; وذلك لأنّ النسبة الناقصة الكامنة في الفعل ليست دائماً صدوريّة، فقد تكون حلوليّة، فهناك فرق واضح مثلاً بين «ضَرَبَ» و«مات»، حيث إنّ الأوّل يدلّ على نسبة صدوريّة، والثاني يدلّ على نسبة حلوليّة. وهذا الفرق لا  يمكن إيعازه إلى الهيئة; لأنّ الهيئة فيهما واحدة، إذن فلابدّ من إيعازه إلى المادّة; لأنّها متعدّدة.

وفي مقابل هذا البيان يمكن أن يعكس الأمر، ويقال: إيعاز الفرق إلى الهيئة أولى منه إلى المادّة; وذلك لأنّ هناك فرقاً واضحاً بين «ضَرَب» بصيغة المبنيّ للفاعل و«ضُرِب» بصيغة المبنيّ للمفعول، فالأوّل يدلّ على نسبة صدوريّة، والثاني يدلّ على نسبة حلوليّة، أو وقوعيّة. وهذا الفرق لا  يمكن إيعازه إلى المادّة; لأنّ المادّة فيهما واحدة، فلابدّ من إيعازه إلى الهيئة; لأنّها في أحدهما عبارة عن هيئة المبنيّ للفاعل، وفي الآخر عبارة عن هيئة المبنيّ للمفعول، فهي فيهما متعدّدة، فلابدّ من أن يكون الفرق مستنداً إليها، لا  إلى المادّة.

وحاصل الكلام: أنّ اختلاف «ضَرَب» المبنيّ للفاعل، و«مات» في الصدوريّة والحلوليّة يبرهن على أنّ الصدوريّة والحلوليّة منتسبتان إلى المادّة، لا  الهيئة; لأنّ المادّة هي التي اختلفت في المثالين دون الهيئة، ولكن اختلاف «ضَرَب» المبنيّ للفاعل و«ضُرِب» المبنيّ للمفعول في الصدوريّة والحلوليّة، أو في الصدوريّة والوقوعيّة يبرهن على أنّ ذلك منتسب إلى الهيئة، لا  المادّة; لأنّ الهيئة هي التي اختلفت في المثالين، دون المادّة.

وهذا التضادّ المشاهَد بين البرهانين هنا موجود بعينه في المشتقّات، كاسم الفاعل

 
  الصفحة 187  


     واسم المفعول، فمن ناحية نرى أنّ النسبة الناقصة الكامنة في كلمة «ضارِب» نسبة صدوريّة، ولكنّها في كلمة «نائم» نسبة حلوليّة. وهذا يشهد لكون النسبتين مفهومتين من المادّة، لا  من هيئة اسم الفاعل; لأنّ المادّة هي التي اختلفت من مثال إلى مثال، دون الهيئة، ومن ناحية اُخرى نرى أنّ النسبة الناقصة الكامنة في كلمة «ضارِب» نسبة صدوريّة، ولكنّها في كلمة «مضروب» نسبة حلوليّة، أو وقوعيّة. وهذا يبرهن على أنّ مردّ الفرق يكون إلى الفرق في الهيئة; لأنّ المادّة فيهما واحدة.

ولا  أظنّ أنّ هناك حلاًّ لهذا التضادّ، إلاّ أحد أمرين:

الأوّل: أن تنكر فرضيّة كون الهيئة موضوعة بوضع نوعيّ، ويقال: إنّ كلّ كلمة بمادّتها وهيئتها موضوعة لمعنىً، فـ«ضَرَب» المبنيّة للفاعل بمادّتها وهيئتها موضوعة للمعنى المشتمل على جانب الصدور، و«ضُرِب» المبنيّة للمفعول بمادّتها وهيئتها موضوعة للمعنى المشتمل على جانب الحلول أو الوقوع عليه، و«نام» أو «مات» أو نحو ذلك أيضاً موضوعة بمادّتها وهيئتها للمعنى المشتمل على جانب الحلول، وكلمة «ضارِبٌ» موضوعة بمادّتها وهيئتها على معنى اسم الفاعل الصدوريّ، وكلمة «نائم» موضوعة بمادّتها وهيئتها على معنى اسم الفاعل الحلوليّ، وكلمة «مضروب» بمادتّها وهيئتها موضوعة على معنى اسم المفعول الحلوليّ، أو الوقوعيّ، وكلمة «الميّت» موضوعة بمادّتها وهيئتها على معنى اسم الفاعل الحلوليّ، وكلمة «المُمِيت» موضوعة بمادّتها وهيئتها على معنى اسم الفاعل الصدوريّ ... وما إلى ذلك. وعليه، ففي «ضرب زيد» نقول: إنّ النسبة الصدوريّة مستندة إلى الفعل بمادّته وهيئته، والنسبة التامّة مستفادة من هيئة الجملة الفعليّة، لا  من هيئة الفعل، وتلك نسبة تصادقيّة بمعنى التصادق على مركز واحد، لا  على معنون واحد.

والثاني: أن يحتفظ على ما قد يقتضيه الذوق من فرض معنىً موحّد للمادّة التي تتقلّب ضمن الهيئات المختلفة، وفرض معنىً موحّد أيضاً للهيئة التي تتقلّب ضمن الموادّ
  الصفحة 188  


     المختلفة، ويحلّ التضادّ الذي شاهدناه بين البرهانين بالفرضيّة التالية، وهي: أنّ الموادّ في معناها الأصليّ تختلف من الصدوريّة إلى الحلوليّة، فالضرب في معناه الأصليّ معنىً صدوريّ، وحتّى في المصدر المضاف إلى المفعول به كما في قولنا: «قتل المؤمن جريمة لا  تغتفر» نرى المصدر محتفظاً بمعناه الصدوريّ، ولولا  احتفاظه بمعناه الصدوريّ لما كان يعتبر جريمة، إلاّ أنّه نسب إلى المفعول به بنسبة تحصيصيّة إضافيّة، فالقتل الذي هو مشتمل على جانب الصدور له حصّتان:

إحداهما: قتل يكون مفعوله المؤمن.

والثانية: قتل يكون مفعوله الكافر مثلاً. والموت في معناه الأصليّ حلوليّ، وهذه الصدوريّة والحلوليّة الأصليّتان راجعتان إلى المادّة، لا  الهيئة، ولكن ربما يريد المتكلّم تحويل الصدوريّة إلى الحلوليّة أو العكس، وعندئذ يستعين في وصوله إلى هذا الهدف بتغيير الهيئة من المعلوم إلى المجهول، أو من اللازم إلى هيئة التعدية، فكلمة «ضَرَب» التي كانت بمادّتها صدوريّة يحوّلها إلى الهيئة المبنيّة للمفعول بقوله: «ضُرِب» بضمّ الضاد وكسر الراء، فيصبح معناه حلوليّاً، أو وقوعيّاً، وهذا التبدّل مستند إلى الهيئة، وكذلك يبدّل صيغة اسم الفاعل، وهو «ضارب» إلى صيغة اسم المفعول، وهو مضروب، فيتحوّل المعنى من الصدوريّة إلى الحلوليّة، أو الوقوعيّة، وهذا التحوّل مستند إلى الهيئة. وكلمة «مات» التي كانت بمادّتها حلوليّة يحوّلها إلى هيئة باب الإفعال بقوله: «أمات»، فيتحوّل إلى المعنى الصدوريّ، وهذا التحوّل مستند إلى الهيئة.

والخلاصة: أنّ الصدوريّة والحلوليّة الأصليّتين مستندتان إلى الموادّ، بمعنى: أنّ بعض الموادّ بخميرتها الأصليّة تقتضي الصدوريّة، وبعضها بخميرتها الأصليّة تقتضي الحلوليّة، أو ما شابهها، والهيئة هي التي تعيّن وصول تلك الخميرة الصدوريّة أو الحلوليّة إلى الفعليّة، أو انقلابها في عالم الفعليّة إلى ما يخالف ذلك، فمثلاً هيئة المبنيّ للفاعل وضعت لإبقاء الخميرة الأصليّة على حالها، وكذلك هيئة اسم الفاعل، في حين أنّ هيئة المبنيّ
  الصفحة 189  

فإن قلت: هناك احتمال آخر، وهو أن تكون النسبة التامّة في «ضرب زيد» بين الضرب وصادر، والنسبة الناقصة بين الضرب وزيد، فكأ نّما قال: «ضربُ زيد صادر».

قلت: هذا إنّما يكون معقولاً لو فرض أنّ مجموع «ضرب زيد» وضع لهذا المعنى، أي: معنى «ضرب زيد صادر». وأمّا بناء على النظرة التجزيئيّة، واستفادة الصدور من «ضرب» وإن لم يذكر الفاعل، كما يشهد لذلك الوجدان، فلابدّ من افتراض: أنّ استفادة الصدور من «ضرب» ليست إلاّ بمعنى دلالته على النسبة الصدوريّة الناقصة، فلابدّ أن تكون النسبة التامّة مستفادة من الجملة بالنحو الذي بيّنّاه. وأمّا إذا أردنا أن نفرض النسبة الناقصة بين الضرب وزيد، بأن يكون زيد في قولنا: «ضرب زيد» طرفاً للنسبة الناقصة، فالنسبة التامّة يجب أن تفترض استفادتها من هيئة «ضرب» بأن تكون هيئتها دالّة على النسبة التامّة للضرب المقيّدة بكون طرفها الآخر صادر، فيفهم بالتبع معنى «صادر». وهذا معناه أن يكون «ضرب» جملة تامّة يصحّ السكوت عليها، كما يصحّ السكوت على جملة «الضرب صادر»، بينما من الواضح: أنّه لا  يصحّ السكوت على «ضرب»، بل يأتي السؤال عن باقي الكلام، وهو الفاعل، بخلاف مثل «الضرب صادر».

فخلاصة المقصود من تمام ما ذكرناه: أنّ جملة «ضرب زيد» مشتملة على


     للمفعول، أو هيئة اسم المفعول موضوعة لتبديل الخميرة الأصليّة الصدوريّة إلى الحلوليّة، أو ما أشبهها، وهيئة باب الإفعال موضوعة لتبديل الحلوليّة إلى الصدوريّة مثلاً ... وهكذا. وعليه، فالنسبة الفعليّة الصدوريّة أو الحلوليّة تفهم بتعاون بين المادّة والهيئة، إذن فالنسبة التامّة في «ضرب زيد» مستفادة من هيئة الجملة لا  من هيئة الفعل، وتلك نسبة تصادقيّة، بمعنى التصادق على مركز واحد لا  على معنون واحد.

  الصفحة 190  

نسبتين: إحداهما: نسبة تامّة مستفادة من هيئة الجملة، وهي نسبة بين ذات مّا وزيد، أو بين الضرب وزيد، على ما عرفت تفصيله، والاُخرى: نسبة ناقصة دلّت عليها هيئة الفعل، فهيئة الفعل تدلّ على نسبة ناقصة للمبدأ، وهو الضرب مثلاً مقيّدة بكون طرفها الآخر عبارة عن ذات مّا، فتدلّ بالتبع على ذات مّا من باب دلالة المقيّد على قيده. وهذا التعبير منّا مجاراة مع ما يقال عادة في مثل الحروف الدالّة على النسب الناقصة من أنّها موضوعة بإزاء نفس النسبة، فكلمة «في» في مثل: «نار في الموقد» موضوع للنسبة الظرفيّة الناقصة. وأمّا بعد أن عرفت من أنّ النسبة الناقصة هي جزء تحليليّ من ماهية وجود ذهنيّ واحد، وليست نسبة واقعيّة، فالتعبير الدقيق هو أن يقال: إنّ «نار في الموقد» بتمامه موضوع لإفهام ذاك المعنى الواحد، وإنّ «ضرب» موضوع بمادّته وهيئته لإفهام معنىً واحد، وهو معنىً يرجع بالتحليل الماهويّ إلى الضرب، وذات مّا، ونسبة ناقصة بينهما، لا  أنّ المادّة تدلّ على الضرب، والهيئة تدلّ بالمطابقة على النسبة المقيّدة، وبالتبع على قيدها، وهو ذات مّا.

ثُمّ إنّ ما ذكرناه ليس تمام الكلام في مفاد هيئة الفعل، بل هناك نكات اُخرى لعلّنا نذكرها في بحث المشتقّ(1).

 

هيئة الجملة الإنشائيّة:

بقي الكلام في الجملة التامّة الإنشائيّة، فنقول:

إنّ حال الجملة الإنشائيّة عند السيّد الاُستاذ ـ  دامت بركاته  ـ هو حال الجملة


(1) الظاهر: أنّه لم يرد في بحث المشتقّ حديث عن هيئة الفعل، ولكن يوجد في تقرير السيّد الهاشميّ حفظه الله (ج  1، ص  306  ـ 314) حديث مفصّل عن هيئة الفعل، فراجع.

  الصفحة 191  

الخبريّة عنده من حيث إنّها موضوعة لأمر نفسانيّ تدلّ عليه دلالة تصديقيّة، وإنّما الفرق في ذلك الأمر النفسانيّ. فالجملة الخبريّة موضوعة لإبراز قصد الحكاية، والجملة الاستفهاميّة كـ «هل زيد عالم» موضوعة لإبراز أمر نفسانيّ آخر، وهو طلب الفهم، أي: أنّها تكشف عن فرد جزئيّ من طلب الفهم قائم في نفس المتكلّم، وجملة التمنّي مثل «ليت النبيّ حيّاً» موضوعة لإبراز أمر نفسانيّ ثالث، وهو التمنّي، فتدلّ على وجود تمنّ جزئيّ في نفس المتكلّم ... وهكذا.

وهذه الدلالات التصديقيّة من إبراز قصد الحكاية في الخبر، وطلب الفهم، أو التمنّي، أو غير ذلك في الإنشاء كلّها مقبولة عندنا وعند المشهور، لكنّها ليست وضعيّة، بل ناشئة من قرائن سياقيّة، وظهور حال المتكلّم، وما يكشفه من ملابسات; لما عرفت بالبرهان من أنّه لا  يمكن أن يكون الوضع وافياً بالدلالات التصديقيّة، فلابدّ في مرتبة سابقة على هذه الدلالات التصديقيّة من تصوّر دلالة تصوّريّة لتكون هي المدلول الوضعيّ، وهي محفوظة حتّى لو سمع اللفظ من اصطكاك حجرين، فبهذا تعيّن المصير إلى مسلك المشهور.

وتحقيق الحال في المقام: أنّ الجمل الإنشائيّة تنقسم إلى قسمين:

إحداهما: ما تكون مشتركة بين الإخبار والإنشاء، فقد تستعمل في الإخبار، واُخرى في الإنشاء، من قبيل: «أنت طالق» أو «بعتك هذا الكتاب بدينار».

والاُخرى: ما تكون متمحّضة في الإنشاء كـ «هل زيد قائم؟».

أمّا القسم الأوّل: فمدلوله التصوّريّ الوضعيّ هو عين ما شخّصناه سابقاً في الجملة الخبريّة، ولا  فرق عند المشهور في المدلول التصوّريّ الوضعيّ بين «أنت طالق» الإنشائيّ و«أنت طالق» الأخباريّ. وقد حقّقنا في الإخبار أنّ مدلوله هو النسبة التامّة التصادقيّة، وأمّا الإنشائيّة والإخباريّة فهي من الدلالات التصديقيّة،

 
  الصفحة 192  

وهذا الكلام حينما يصدر عن إنسان عاقل مختار لابدّ أن يكون في نفسه شيء دفعه إلى إيجاد هذه الدلالة التصوّريّة، فإن كان هو قصد الإخبار، صار خبراً، وإن كان هو اعتبار وقوع الطلاق، صار إنشاءً.

وأمّا القسم الثاني ـ وهو الجمل التي تختصّ بالإنشاء  ـ : فلنشرح الكلام فيه بالحديث عن مثل «هل زيد عالم؟»، فنقول: إنّ مدخول «هل» وهو «زيد عالم» قد عرفت أنّ مدلوله التصوّريّ الوضعيّ هو النسبة التصادقيّة التامّة. وأمّا مدلول «هل» فطبعاً ليس هو مفهوم الاستفهام، فإنّه مفهوم اسميّ استقلاليّ، ولكن لا  إشكال في أنّه يُفهم الاستفهام من الكلام، فكيف نتصوّر هذا الاستفهام؟

هناك وجهان لتفسير مفاد أداة الاستفهام بنحو ينسجم مع مسلك المشهور، نذكرهما تباعاً بعد إلفات النظر إلى أنّ حالة الاستفهام لها أركان ثلاثة: المستفهِم، والمستفهَم عنه، ونفس الاستفهام:

الوجه الأوّل: ما ذكره المحقّق العراقيّ من أنّ مفاد أداة الاستفهام(1) هو نسبة بين الاستفهام والنسبة الموجودة بين زيد وعالم، والطرف الثاني مذكور في الكلام. وأمّا الطرف الأوّل وهو الاستفهام فمأخوذ قيداً في نفس مدلول «هل»، أي: أنّ «هل» تدلّ على نسبة الاستفهام، فمدلولها المطابقيّ هو النسبة، وهي مقيّدة


(1) راجع المقالات، ج 1، ص 99 ـ 100 بحسب طبعة مجمع الفكر الإسلاميّ، والحديث في الكتاب وارد عن حروف التمنّي والترجّي، ولكنهما مع الاستفهام فيما هو محل الكلام من واد واحد.

وعلى أيّ حال، فالعبارة غير دالّة على ما نسب إليه اُستاذنا في المقام.

وعلى كلّ حال، نقول: لو كان هذا مقصوداً للمحقّق العراقيّ يرد عليه: أنّ مفهوم الاستفهام مفهوم اسميّ منتزع في طول تحقّق النسبة الاستفهاميّة، فلا  معنى لفرضه طرفاً لتلك النسبة.

  الصفحة 193  

بالاستفهام. وهذا من قبيل ما ذكرناه نحن في هيئة الفعل، من أنّها تدلّ على النسبة الصدوريّة المقيّدة بالذات التي هي مفهوم اسميّ.

الوجه الثاني: ما ذكره المحقّق الإصفهانيّ وحاصله: أنّ الاستفهام الذي هو حالة قائمة بين المستفهِم والمستفهَم عنه ينتزع عنها مفهوم اسميّ، وهو مفهوم الاستفهام، وفي طول هذه الحالة ينشأ ربط مخصوص بين المستفهِم والنسبة المستفهَم عنها، فإذا كان زيد يستفهم عن أنّ عمرواً عالم أو لا، فلا  محالة يوجد هناك ربط بين زيد وتلك الجملة، لا  يوجد بين شخص آخر وتلك الجملة، ولا  بين زيد وغير تلك الجملة. وكما ينتزع من تلك الحالة مفهوم اسميّ، وهو الاستفهام كذلك ينتزع من هذا الربط معنىً حرفيّ، وهو معنى «هل»، فيكون مفاد «هل» نسبة بين المستفهِم والقضيّة(1).

وهذا الوجه يختلف عن الوجه السابق:

أوّلاً: في أطراف النسبة، حيث إنّ الوجه الأوّل يرى أنّ النسبة بين الاستفهام والمستفهم عنه، وهذا الوجه يرى أنّ النسبة بين المستفهِم والمستفهَم عنه. وهذه


(1) راجع نهاية الدراية، ج 1، ص 30 بحسب طبعة مطبعة الطباطبائيّ بقم، وج 1، ص 62 بحسب طبعة مؤسّسة آل البيت.

والعبارة غير دالّة على ما نسبه إليه اُستاذنا في المقام من وجود نسبتين: إحداهما: النسبة الواردة في المدخول بين الطرفين، والاُخرى: نسبة بين تلك النسبة والمستفهم، بل هي ظاهرة في دعوى وجود نسبة واحدة ثلاثيّة الأطراف، أي: بين طرفي المدخول مع نفس المستفهم.

وإليك نصّ تعبيره الذي ذكره بشأن صيغة الأمر، لا  بشأن الاستفهام، وهو مايلي: «وذلك لأنّ صيغة «اضرب» مثلاً مفادها بعث المخاطب نحو الضرب، لكن لا  بما هو بعث ملحوظ بذاته، بل بما هو نسبة بين المتكلّم والمخاطب والمادّة».

  الصفحة 194  

النسبة موازية للاستفهام، حيث إنّ الاستفهام مفهوم اسميّ منتزع من تلك الحالة القائمة بين المستفهم والمستفهم عنه، وهذه النسبة معنىً حرفيّ منتزع ممّا يكون بإزاء تلك الحالة من ربط بين المستفهِم والمستفهَم عنه.

وثانياً: في شيء يترتّب على الفرق الأوّل، وهو: أنّ نفس مفهوم الاستفهام ـ  بناءً على هذا الوجه  ـ خارج عن حريم مدلول «هل» بالمرّة، وليس مأخوذاً فيه حتّى بنحو القيديّة. وبناءً على الوجه الأوّل كان مأخوذاً فيه بنحو القيديّة، فلفظة «هل» على هذا الوجه تدلّ تصوّراً بالمطابقة على ذلك الربط المخصوص، وتدلّ تصوّراً بالالتزام على الاستفهام، بينما على الوجه الأوّل كانت تدلّ على الاستفهام دلالة ضمنيّة تبعيّة.

والغريب: أنّ مقرّر بحث المحقّق العراقيّ(1) ذكر الوجه الثاني، بينما هذا الوجه للمحقّق الإصفهانيّ، ولم يذكر الوجه الأوّل الذي هو الموجود في مقالاته، والتمييز بينهما لا  يخلو عن دقّة.

وعلى أيّ حال، فالتحقيق: أنّ كلا هذين الوجهين غير صحيح، وأنّه لابدّ من المصير إلى وجه ثالث; وذلك لأنّ النسبة التي تفرض بين مفاد الجملة والاستفهام


(1) راجع نهاية الأفكار، ج 1، ص 57 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم.

والعبارة في هذا التقرير غير دالّة على ما نسبه اُستاذنا الشهيد إلى تقرير بحثه، ولعلّه ناظر إلى تقرير الشيخ الآمليّ، وهو غير موجود عندي.

والظاهر: أنّ المراد ممّا جاء في نهاية الأفكار، وما جاء في المقالات واحد، وهو: أنّ الجملة التامّة الدالّة ـ  بحسب تعبيره   ـ على النسبة الإيقاعيّة إن كانت خبريّة، فهي دالّة على النسبة الإيقاعيّة الناظرة إلى واقع خارجيّ تطابقه، أو لا  تطابقه، ولهذا تتّصف بالصدق والكذب، في حين أنّها في الإنشاء ليست ناظرة إلى الواقع الخارجيّ كي تطابقه أو لا  تُطابقه; ولهذا لا  تتّصف بالصدق والكذب.

  الصفحة 195  

أو المستفهِم: إمّا نسبة واقعيّة تامّة، أو تحليليّة ناقصة، فإن فرضت نسبة واقعيّة وتامّة(1)، فهذا غير معقول; لأنّ هذه النسبة تحاول أن تعطي انعكاساً عن ربط خارج حدود التصوّر الذهنيّ بين الاستفهام والجملة، أو بين المستفهِم والجملة(2)،


(1) لا  يخفى: أنّ هذا الكلام إنّما هو بلحاظ ما هو الصحيح من معنى النسبة التامّة والنسبة الناقصة. وأمّا المحقّق العراقيّ فهو يفسّر النسبة التامّة والناقصة بتفسير آخر، وهو: أنّ النسبة في فرض النقصان تلحظ وقوعيّة، وفي فرض التمام تلحظ إيقاعيّة، فمثلاً النسبة الواقعة بين نار وموقد في قولنا: «نار في الموقد» كأنّها نسبة مفروغ عن وقوعها جاءت في هذه الجملة، ولكن النسبة في قولنا: «النار في الموقد» على نحو المبتدأ والخبر كأنّها نسبة يوقِعُها المتكلّم; ولذا يقول: إنّ النسبة الناقصة في طول النسبة التامّة، حيث إنّه يتحقّق إيقاع فوقوع(1).

وهذا التفسير ـ  كما ترى  ـ لا  محصّل له، فإنّه إن لوحظ عالم الذهن بما هو، فكلتا النسبتين إيقاعيّة; فإنّ الذهن هو الموجد لهذه النسبة. وإن لوحظ أنّ الذهن في الجملة الناقصة كأنّه متوجّه إلى عالم آخر وراء الذهن; ولهذا تسمّى إيقاعيّة، ففي الجمل التامّة أيضاً كذلك.

(2) هذا الكلام مبنيّ على فرض النسبة التي هي بين المستفهِم والجملة عبارة عن معنىً حرفيّ منتزع من الربط الموجود بين المستفهِم والنسبة التامّة الكامنة في جملة المدخول موازياً لانتزاع مفهوم الاستفهام من حالة الاستفهام. فلا محالة تكون هذه النسبة ناقصة; لأنّ الذهن فيها متطفّل على واقع النسبة الاستفهاميّة الموجودة بين شخص المستفهِم والنسبة الكامنة في جملة المدخول، وقد مضى البرهان على أنّه متى ما كان الذهن متطفّلاً على ما في الخارج فيما توجد فيه من نسبة، فهي نسبة تحليليّة ناقصة، لا  واقعيّة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) راجع المقالات، ج  1، ص 95 ـ 96 بحسب طبعة مجمع الفكر الإسلاميّ، وراجع نهاية الأفكار، ج 1، ص  55 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم. وفي نهاية الأفكار قد أشار إلى إمكانيّة الفرق بين النسبتين بوجه آخر أيضاً فراجع.

  الصفحة 196  


     إلاّ أنّ الظاهر: أنّ هذا الكلام غير صحيح; وذلك لأنّ واقع طرفَي النسبة هنا من موجودات عالم النفس الحضوريّة; إذ إنّ أحدهما عبارة عن النسبة التامّة الكامنة في جملة المدخول، وهي النسبة التصادقيّة، والتي مضى: أنّها ليست خارجيّة، بل هي من مخلوقات عالم الذهن; لأنّ الموجود في الخارج إنّما هو الاتّحاد، لا  التصادق، ومن الواضح: أنّ جميع مخلوقات عالم الذهن موجودة بالوجود الحضوريّ لدى النفس. وثانيهما عبارة عن نفس المستفهِم، ومن الواضح: أنّ النفس موجودة لدى النفس بالوجود الحضوريّ. نعم، بإمكان النفس أن تصوّر نفسها بواسطة الذهن، فيكون لها وجود حصوليّ أيضاً، ولكن النفس ـ  على أيّ حال  ـ حاضرة لدى نفسها بالوجود الحضوريّ، وإذا كان كلا طرفي النسبة موجودين بالوجود الحضوريّ لدى النفس، فبإمكان النفس ـ  لا  محالة  ـ أن تخلق نسبة بينهما، وهي النسبة الاستفهاميّة، فالبرهان الذي مضت إقامته على تحليليّة النسب المأخوذة من الخارج لا  يأتي هنا; فإنّ ذاك البرهان يمكن أن يبيّن ببيان: أنّ النسبة الذهنيّة التي تريد أن تحاكي الخارج لو كانت واقعيّة، لما كان يخلو أمرها من إحدى صور ثلاث: إمّا أنّها هي نفس النسبة الواقعيّة الأصليّة، أو صورة عنها (وبتعبير مشهور الفلاسفة: انتقلت ماهيتها من دون وجودها الخارجيّ إلى الذهن)، أو مماثلة لها.

والشقّ الأوّل باطل; لأنّ ما في الخارج يستحيل أن ينتقل بوجوده الخارجيّ إلى الذهن.

والشقّ الثاني باطل; لأنّ النسبة ليس لها تقرّر ماهوي قبل وجودها المندكّ في وجود الطرفين، أو قل: قبل وجود الطرفين، فكيف يصوّرها الذهن باستقلالها، أو تنتقل الماهية إليه؟! على أنّ أثر النسبة وهو إلصاق أحد الطرفين بالآخر وإبطال التفكّك إنّما هو لواقع النسبة، لا  لصورتها.

والشقّ الثالث باطل; لأنّ نشأة الذهن تباين نشأة الخارج، فيستحيل لها أن تخلق المماثل لما في الخارج من دون أخذ الصورة، أو انتقال الماهية.

  الصفحة 197  


     فإذا بطلت كلّ الشقوق الثلاثة انحصر الأمر في تصوير الذهن لمجموع ما في الخارج من النسبة والطرفين، فتصبح النسبة في الذهن ـ  لا  محالة  ـ جزءاً تحليليّاً، لا  واقعيّاً. وهذا معنى نقصانها.

وهذا البرهان ـ  كما ترى  ـ لا  ينطبق على المقام، فإنّ الصادق في المقام من تلك الشقوق الثلاثة هو الشقّ الأوّل، وهو: أنّ نفس النسبة الواقعيّة الأصليّة حاضرة لدى النفس، لا  بانتقال من الخارج إليها، بل بحضور واقع الطرفين الأصليّين لديها، وهما: النفس والنسبة التامّة الكامنة في المدخول.

فإن قلت: إنّ هذا البيان يتمّ في المتكلّم، ولا  يتمّ في السامع، فلا  ريب أنّ السامع يفهم من المتكلّم المستفهِم كلاماً تامّاً في حين أنّ تلك النسبة الأصليّة الاستفهاميّة ليست حاضرة لدى نفس السامع; لأنّ نفس المستفهِم التي هي طرف لهذه النسبة ليست من الموجودات الحضوريّة لدى نفس السامع، وعليه يعود ما يشبه البرهان الماضي على تحليليّة النسبة في نفس السامع; لأنّها لو كانت نسبة واقعيّة لما كان يخلو أمرها من أحد الشقوق الثلاثة الماضية. والأوّل منها باطل لعدم حضور نفس تلك النسبة لدى نفس السامع، والثاني منها باطل; لأنّ تلك النسبة التي كانت في نفس المتكلّم لم يكن لها تقرّر ماهوي قبل الوجود حتّى توجد الماهية، أو صورة عن تلك النسبة في ذهن السامع، والثالث منها باطل; لأنّ ذهن غير المستفهم لا  يستطيع أن يخلق نسبة استفهاميّة حقيقيّة بين شخص آخر غير نفسه والمستفهَم عنه.

قلت: تماميّة الكلام لدى السامع لا  معنى لها هنا، إلاّ أخذ صورة عن كلام تامّ، ومن ثمّ التماميّة بلحاظ المدلول التصديقيّ أيضاً. وتوضيحه: أنّ النسبة الاستفهاميّة في نفس المستفهِم كانت واقعيّة لا  تحليليّة كما مضى بيانه، فكلام المستفهم دلّ على مطلب تامّ تصوّراً، ودلّ أيضاً في مستوى الإرادة الجدّيّة على الاستفهام الواقعيّ، أو قل: النسبة الاستفهاميّة الواقعيّة لا  التحليليّة، والسامع يأخذ هذه النسبة مع طرفيها بتصوير واحد في
  الصفحة 198  


     ذهنه على مستوى الدلالة التصوّريّة، فتكون النسبة هنا تحليليّة، ولكن بما أنّ هذه الصورة الوحدانيّة صورة منتزعة من كلام مشتمل على النسبة التامّة، فالسامع ـ  لا  محالة  ـ يتصوّر ويصدّق بوجود ذاك الكلام التامّ في نفس المتكلّم، فالفرق بين وضع السامع هنا ومن يتصوّر مثل «نار في الموقد» هو: أنّ الثاني لم يكن صورة منتزعة ممّا يشتمل على نسبة تامّة; إذ لا  معنى للتماميّة والنقصان في النسبة الخارجيّة، وإنّما هما من صفات النسبة في النفس، ولو سمع أحد كلمة «نار في الموقد» من متكلّم، فانتزع صورة عمّا في نفس المتكلّم، فالموجود في نفس المتكلّم لم يكن نسبة تامّة كي ينتزع السامع صورة عن كلام مشتمل على النسبة التامّة. أمّا في المقام، فقد كانت النسبة واقعها عبارة عن نسبة تامّة في نفس المستفهم، والسامع انتزع بذهنه صورة عمّا في نفس المتكلّم من كلام مشتمل على نسبة تامّة، فستكون الدلالة التصوّريّة والتصديقيّة لدى السامع متعلّقة بالكلام التامّ لا  محالة.

فإن قلت: إنّ النسبة الاستفهاميّة الواقعة بين النفس الحاضرة لدى نفس المستفهم ونسبة المدخول الحاضرة لديها أيضاً يستحيل أن تكون تامّة وواقعيّة; لأنّ هذا يساوق فرض الاثنينيّة بين طرفيها، في حين أنّ النفس بكلّ ما لديها من الاُمور الحاضرة أمر وحدانيّ بسيط، إذن فالنسبة التامّة لا  تتعقّل إلاّ في عالم الذهن; لأنّ الذهن يصوّر صورتين مختلفتين عمّا في الخارج، ويخلق نسبة بينهما مع حفظ تعدّد الصورتين.

قلت: إن كان المقصود بهذا الكلام: أنّ الصور التي يلتقطها الذهن من طرفي النسبة متعدّدة حقيقة، فهذا غفلة عن أنّ ذاك الذهن أيضاً متّحد مع ما يأخذها من الصور، وهو أيضاً بسيط، فكيف يخلق النسبة فيما بين تلك الصور؟! فكما يقال في باب الذهن: إنّ بساطته لا  تنافي نوع كثرة في عين الوحدة والبساطة، كذلك نقول في النفس: إنّ بساطتها لا  تنافي نوع كثرة فيما بين الاُمور الحاضرة لديها في عين الوحدة، وليس الذهن الذي يصوّر الأشياء إلاّ مرتبة من مراتب النفس أيضاً.

  الصفحة 199  


     وإن كان المقصود: أنّه في موارد تصوير الذهن يكون ذو الصورة الخارجيّ متعدّداً حقيقة، وبما أنّ الذهن يرى الصورة المنطبعة فيها من الخارج خارجيّة، فلهذا يراها متعدّدة، ويخلق النسبة فيما بينها، قلنا: إنّنا إمّا أن ننقل الكلام إلى الصور المتعدّدة التي يصوّرها الذهن من النفس التي لا  شكّ في بساطتها، من قبيل ما لو انتزع الذهن في النفس صورة أنا، وقال: أنا محبّ لعليّ بن أبي طالب ، في حين أنّ صفة حبّه لعليّ بن أبي طالب متّحدة مع النفس فلسفيّاً، وإمّا أن نقول في جميع موارد النسب التصادقيّة التي تكون بمعنى انطباق عناوين متعدّدة على معنون واحد خارجاً، كما في «زيد قائم»: إنّ الصور برغم تعدّدها بمعنىً من المعاني منتزعة من أمر خارجيّ واحد، وفي الخارج لا  يوجد التعدّد بينهما، بل يوجد الاتّحاد، فرجعنا مرّة اُخرى إلى كثرة الصور في عين الاتّحاد مع الذهن وبساطة الذهن.

ثُمّ إنّ الذي رجّحناه في المقام من كون مثل: «هل زيد قائم» مشتملاً على نسبتين: نسبة تصادقيّة في مدخول «هل»، ونسبة استفهاميّة تامّة بين المستفهِم والنسبة المستفهم عنها أولى ممّا رجّحه اُستاذنا الشهيد من اشتماله على نسبة واحدة، وهي النسبة التصادقيّة في وعاء الاستفهام; وذلك لما نحسّ به بالوجدان من أنّ حالة الاستفهام، أو التمنّي، أو الترجّي تتعلّق بالنسبة التصادقيّة، فهي في طول النسبة التصادقيّة، لا  أنّها أوعية لتلك النسبة، وقصد الحكاية أيضاً يتعلّق بالنسبة التصادقيّة، فكأ نّما الواضع وضع أدوات الاستفهام والتمنّي والترجّي لدلالة تصوّريّة على تلك الحالات أو النسب، واستغنى بذلك عن وضع شيء للدلالة التصوّريّة على قصد الحكاية، فبقيت دلالة الجملة الخبريّة على قصد الحكاية متمحّضة في مستوى التصديق.

وما ندّعيه من دلالة الوجدان على الطوليّة بين الاستفهام والنسبة التصادقيّة يكون أوضح جلاءً فيما يسمّى بالاستفهام التصوّريّ الذي يكون جوابه بتعيين الفرد، لا  بنعم أو لا، كما في قولنا: «أزيد قائم أم عمرو»; إذ من الواضح هنا: أنّ أصل النسبة التصادقيّة
  الصفحة 200  

وقد برهنّا فيما سبق على أنّ النسب التي لها موطن أصليّ وراء عالم اللحاظ لا  يمكن أن تكون واقعيّة وتامّة. وإن فرضت نسبة تحليليّة وناقصة، فهذا أيضاً غير معقول; وذلك لأنّ طرفي النسبة التحليليّة مع نفس النسبة تكون وجوداً واحداً، تنحلّ ماهيته إلى هذه الأجزاء الثلاثة، كما عرفت، وذاك الوجود الواحد هو المقيّد أو الحصّة، وأجزاؤه الثلاثة عبارة عن ذات المقيّد والقيد والتقيّد، وعندئذ: إمّا أن يفرض أنّ النسبة الموجودة بين زيد وعالم في مثل «هل زيد عالم؟» هو المقيّد، والطرف الآخر الذي هو معنىً اسميّ، وهو الاستفهام أو المستفهِم هو القيد، أو يفرض العكس. والأوّل غير معقول; لأنّ هذا الوجود الوحدانيّ المعبّر عنه بالمقيّد أو الحصّة: إن كان وجوداً ربطيّاً واندكاكيّاً، فلا  يمكن أن يكون المفهوم الاسميّ جزءاً من ماهيته، وإن كان وجوداً استقلاليّاً، فهو خلف كونه وجود للنسبة. والثاني يستلزم كون «هل زيد عالم؟» كلاماً ناقصاً، لا  يصحّ السكوت عليه; لأنّ النسبة


     مفروغ عنها، ويتعلّق السؤال بتعيين أحد الفردين من النسبتين التصادقيّتين.

ويصعب توجيه ذلك بافتراض النسبة التصادقيّة في وعاء الاستفهام، إلاّ بإرجاع ذلك إلى سؤالين كالتالي: هل زيد قائم؟ هل عمرو قائم؟ في حين أنّه من الواضح: أنّ هذا السؤال ليس منحلاًّ إلى سؤالين، بل هو سؤال واحد فرضت فيه أصل النسبة التصادقيّة في وعاء التحقّق مثلاً مفروغاً عنها، وتعلّق السؤال بتعيين إحدى المفردتين من تلك النسبة.

وأوضح من ذلك في عدم الانحلال مثل قولنا: «مَن القائم؟» حيث دُمج طرف النسبة التصادقيّة مع الاستفهام في كلمة واحدة وهي «مَن».

أمّا توجيه: أنّ كلمة واحدة، وهي كلمة «مَن» كيف دلّت على معنىً اسميّ ومعنىً حرفيّ في وقت واحد؟ فيكون بالافتراض التالي:

وهو: أنّ كلمة «مَن» الاستفهاميّة وضعت للمعنى الاسميّ المتّصف بوقوعه طرفاً لنسبة مستفهم عن تعيينها، فدلّت بالملازمة على تلك النسبة.

  الصفحة 201  

التامّة الموجودة فيه صارت قيداً تحصيصيّاً للاستفهام أو المستفهِم، والمقيَّد هو الاستفهام أو المستفهِم، وهو بحاجة إلى أن يقع طرفاً لنسبة تامّة حتّى يكون هو مع الطرف الآخر والنسبة كلاماً تامّاً.

وحلّ المطلب هو: أنّ هذين الوجهين يشتركان في أنّ مفاد «هل» نسبة مغايرة لنسبة «زيد عالم» التصادقيّة، فعندنا نسبتان: إحداهما النسبة الموجودة التي دخل عليها «هل»، والثانية: نسبة اُخرى تكون إحدى طرفيها تلك النسبة الاُولى التي كانت مفاد الجملة، بينما هذا بلا  موجب; فإنّ هذا مبنيّ على تخيّل أنّ النسبة بين زيد وعالم في قولنا «زيد عالم» لها طرفان: أحدهما زيد والآخر عالم، مع الغفلة عن مقوّم ثالث لها. وتوضيح ذلك: أنّ زيد وعالم في عالم الذهن مفهومان متغايران، ولا  معنى للنسبة التصادقيّة بينهما إلاّ بلحاظ وعاء آخر، أي: أنّ الذهن يتصوّر صورة زيد وصورة عالِم متصادقتين ومتّحدتين في عالَم من العوالم، فالذهن كأنّ له توجّهاً إلى وعاء من الأوعية الخارجة عن الذهن، وبلحاظ ذاك الوعاء يرى نسبة تصادقيّة بين زيد وعالم، إذن فالطرف الثالث لتلك النسبة هو ذاك الوعاء، وذاك الوعاء في «زيد عالم» الإخباريّة هو وعاء التحقّق، وفي «هل زيد عالم؟» هو وعاء الاستفهام، أي: أنّ التصادق محفوظ في هذا المثال في وعاء الاستفهام، لا  في وعاء التحقّق، وفي «ليت زيداً عالم» هو وعاء التمنّي وهكذا. وتمييز هذه الأوعية في لغة العرب يكون بأنّ وعاء التحقّق لا  يحتاج إلى أداة مستقلّة، أي يستفاد من التجرّد من الأدوات، وسائر الأوعية لها أدواتها الخاصّة، ولعلّ في بعض اللغات يحتاج وعاء التحقّق أيضاً إلى أداة.

هذا، وليس المقصود: فرض كون أحد هذه الأوعية طرفاً اسميّاً للنسبة

 
  الصفحة 202  

التصادقيّة على حدّ طرفيّة زيد وعالم بأن تكون عندنا ثلاثة مفاهيم اسميّة أصبحت طرفاً للنسبة، بل المقصود: أنّ النسبة التصادقيّة بين زيد وعالم لها حصص إحداها: النسبة التصادقيّة بلحاظ وعاء التحقّق، والاُخرى: النسبة التصادقيّة بلحاظ وعاء الاستفهام، والثالثة: النسبة التصادقيّة بلحاظ وعاء التمنّي وهكذا. فإن شئت فقل: إنّ النسبة التصادقيّة لها طرفان، وتتعيّن إحدى حصصها بالأداة الداخلة على الجملة، أو بتجرّدها عن الأداة.

وقد تحصّل من تمام ما ذكرناه: أنّ الفرق بين الجمل الخبريّة والجمل الإنشائيّة: تارة يكون في عالم التصديق فقط، كما هو الحال في الجمل الإنشائيّة التي لا  تكون متمحّضة في الإنشاء، بل تستعمل تارة في الإنشاء واُخرى في الإخبار من قبيل: «أنتِ طالق»، فالمدلول التصوّريّ الوضعيّ لذلك إنّما هو النسبة التصادقيّة بين «أنت» و«طالق» في وعاء التحقّق، إلاّ أنّ هذا بحسب عالم التصديق قد يكون ناشئاً من داعي قصد الحكاية، واُخرى ناشئاً من داعي اعتبار تحقّق الطلاق. واُخرى يكون في نفس عالم التصوّر بلحاظ الوعاء، كما هو الحال في مثل: «زيد عالم» و «هل زيد عالم؟».

وما مضى منّا من أنّ معنى «زيد عالم» سواء دخل عليه «هل» أو لم يدخل واحد; ولذا يجاب بنعم إنّما نقصد بذلك فرض الغضّ عن الوعاء، ويكون «نعم» بمنزلة تكرار المعنى من جميع الجهات، إلاّ من جهة الوعاء، أي: بمنزلة تكرار المعنى مع تبديل وعاء الاستفهام بوعاء التحقّق، وإلاّ لما كان للجواب فائدة.

وبكلمة اُخرى: أنّ كلمة «نعم» تكون في قوّة الإتيان بمعنىً مماثل لمعنى الجملة المستفهم عنها في كلّ النواحي عدا ناحية الوعاء، فوعاء معنى تلك الجملة هو وعاء الاستفهام; لدخول أداة الاستفهام عليها، ووعاء معنى «نعم» هو وعاء

 
  الصفحة 203  

التحقّق; لتجرّده عن الأدوات.

هذا، وقد يمكن تأويل كلام المحقّق العراقيّ حيث ذهب إلى أنّ «هل» تدلّ على النسبة بين مفاد الجملة والاستفهام بأن يكون مقصوده هو ما قلناه من أنّ مفاد الجملة وهو النسبة التصادقيّة لوحظ بلحاظ وعاء الاستفهام، لا  أن يقصد بالاستفهام معنىً اسميّ وقع طرفاً للنسبة مع مفاد الجملة، إلاّ أنّ تعبيره قاصر عن إفادة المقصود.

فإن قلت: لماذا تقسّم الجمل الإنشائيّة إلى قسمين، فبعضها يختلف عن الإخبار في عالم التصديق فقط، وبعضها يختلف عن الإخبار في عالم التصوّر بلحاظ الوعاء، فلتكن كلّ الجمل الإنشائيّة مختلفة عن الإخبار بلحاظ الوعاء، حتّى ما يكون مشتركاً بين الإخبار والإنشاء، من قبيل «أنتِ طالق»، أو «المصلّي يعيد صلاته»، فتكون النسبة التصادقيّة في «أنتِ طالق» الإنشائيّة بلحاظ وعاء الاعتبار، وفي «أنتِ طالق» الإخباريّة بلحاظ وعاء التحقّق؟

قلت: الصحيح: وجود فرق ثبوتيّ وإثباتيّ بين القسمين:

أمّا الفرق الثبوتيّ فهو: أنّ وعاء الاعتبار في «أنتِ طالق»، ووعاء الطلب في «المصلّي يعيد» ليس في عرض وعاء التحقّق على حدّ عرضيّة وعاء الاستفهام لوعاء التحقّق. أمّا وعاء الاعتبار، فلأنّ الاعتبار في أمثال «أنتِ طالق» إنّما يتعلّق بالنسبة التصادقيّة التحقّقيّة، بمعنى: أنّ المعتبر مفهوماً هو النسبة في الخارج(1).


(1) لا  يخفى: أنّ مثل هذا البيان يمكن ذكره في القسم الآخر من الإنشاء أيضاً الذي ليست ضمن صيغة مشتركة بين الإنشاء والإخبار، وذلك بأن يقال: إنّ «هل زيد قائم؟» استفهام عن النسبة التصادقيّة في وعاء التحقّق، فهو لا  يستفهم عن النسبة التصادقيّة

  الصفحة 204  


     بلحاظ وعاء الاستفهام، ولا  عن النسبة التصادقيّة بلحاظ وعاء الترجّي مثلاً، ولا  عن ذات الموضوع أو المحمول، وإنّما يستفهم عن النسبة التصادقيّة بين الموضوع والمحمول بلحاظ وعاء التحقّق، فإنّها هي المشكوكة لديه، والنسبة التصادقيّة ليست لها حصص أو أوعية مختلفة، بل وعاؤها دائماً عبارة عن وعاء التحقّق، فتارة يحكى عنها، واُخرى يسأل عنها، أو تتمنّى، أو تترجّى مثلاً.

وقد اتّضح بكلّ ما ذكرناه: أنّ خير ما يمكن أن يقال في الإنشاءات غير المشتركة مع الإخبار في الصيغة: إنّ حرف الإنشاء من قبيل: «هل» أو «ليت» أو «لعلّ» مفاده نسبة استفهاميّة، أو نسبة التمنّي، أو الترجّي مثلاً بين النسبة الموجودة في المدخول وبين الشخص المستفهم، أو المتمنّي، أو المترجّي، وهي نسبة تامّة; لأنّ موطنها الذهن، فإنّها نسبته متقوّمة بطرفين: أحدهما ذهنيّ بحت، وهي النسبة الموجودة في المدخول، والآخر نفس المستفهم، أو المتمنّي، أو المترجّي الثابتة في ذهنه بالوجود الحضوريّ.

هذا في مثل الاستفهام، وأمّا في مثل الأمر، فأفضل ما يمكن أن يقال في المقام ما قلناه في تعليق سابق عن المحقّق الإصفهانيّ من وجود نسبة تامّة بعثيّة ثلاثيّة الأطراف بين الأمر والمأمور والفعل، وكذلك في النهي نقول: إنّه توجد نسبة زجريّة تامّة ذات ثلاثة أطراف. ففرّق بين الصيغ الإنشائيّة غير المشتركة مع الإخبار التي يكون فرقها عن الإخبار بمجرّد دخول أداة عليها كأداة الاستفهام أو التمنّي، أو غير ذلك، فتلك الأداة تدلّ فيها على نسبة جديدة، وتكون نسبة المدخول طرفاً من طرفيها، وبين الصيغ الإنشائيّة التي يكون فرقها عن الإخبار في الهيئة، كالأمر والنهي، فلا  توجد فيها نسبتان تامّتان، بل توجد فيها نسبة تامّة واحدة ذات أطراف ثلاثة.

هذا، والذي اخترناه هنا من كون صيغة الأمر أو النهي دالّة على نسبة تامّة بعثيّة أو زجريّة ثلاثيّة الأطراف أولى من الاحتمالات الآتية، وهي ما  يلي:

1 ـ أن يختار ما أفاده اُستاذنا الشهيد فيما سيأتي ـ  إن شاء الله  ـ في صيغة الأمر،
  الصفحة 205  

وأمّا وعاء الطلب فلأنّ إبراز الطلب بمثل «المصلّي يعيد» إنّما هو بعناية: أنّ إبراز تحقّق الشيء نحو استطراق إلى تفهيم كونه مطلوباً، أو بعناية: أنّ إبراز تحقّق الشيء من العبد المفروض كونه منقاداً وممتثلاً يلازم كونه مطلوباً.


     من أنّ صيغة الأمر تدلّ على نسبة بعثيّة ناقصة بين المادّة وذات مّا، وهيئة الجملة تدلّ على النسبة التصادقيّة بين ذات مّا وزيد مثلاً.

وهذا مبنيّ على افتراض النسبة البعثيّة محاكاة للبعث التكوينيّ باليد مثلاً، فلها منشأ خارجيّ، فتصبح ناقصة، لكن الظاهر أنّ النسبة البعثيّة في الذهن أمر مستقلّ، وموطنها الأصليّ هو الذهن، ولا  نحسّ بالمحاكاة عن بعث خارجيّ، وقد مضى أنّ كلّ نسبة يكون مولدها وموطنها الأصليّ هو الذهن لا  الخارج تكون نسبة تامّة.

2 ـ أن يختار مثل ما أفاده اُستاذنا الشهيد في الاستفهام من دلالة الجملة الاستفهاميّة بمعونة أداة الاستفهام على النسبة التصادقيّة في ظرف الاستفهام، فكذلك نقول في جملة الأمر مثلاً: إنّها تدلّ على النسبة التصادقيّة في ظرف الطلب.

وهذا عيبه: أنّ الاستفهام استفهام عن النسبة التصادقيّة بلحاظ وعاء الخارج التي هي محلّ شكّ المستفهم، وليس بلحاظ وعاء الاستفهام تصادق بين الموضوع والمحمول.

3 ـ أن يختار مثل ما اخترناه في الاستفهام من أنّه يدلّ على نسبة استفهاميّة تامّة بين طرفين: أحدهما المستفهِم، والآخر النسبة التصادقيّة الموجودة في الجملة المستفهم عنها، فيقال في الأمر أيضاً: إنّه يدلّ على نسبة بعثيّة تامّة بين طرفين: أحدهما الأمر، والآخر النسبة التصادقيّة الموجودة بين المادّة والفاعل التي ليست بمعنى وحدة المعنون، بل بمعنى وحدة المركز.

وهذا عيبه: أنّنا نحسّ بوجداننا بأنّ المأمور ركن مباشر في نسبة الأمر، وكذلك المأمور به، وهذا بخلاف باب الاستفهام الذي يكون الركن المباشر للاستفهام فيه عبارة عن المستفهم عنه، لا  عن خصوص موضوع المستفهم عنه، أو محموله، وليس المستفهم عنه إلاّ عبارة عن النسبة التصادقيّة المفروضة بين الموضوع والمحمول.

  الصفحة 206  

وعلى كلّ حال، فالتحقّق ملحوظ أوّلاً في أمثال هذه الموارد، وهذا بخلاف القسم الثاني من الإنشاء.

وأمّا الفرق الإثباتيّ، فهو عدم وجود الأداة المستقلّة التي تساعد على افتراض وعاء آخر غير وعاء التحقّق الذي يقتضيه نفس التجرّد كما عرفت، في حين أنّها موجودة في القسم الثاني من الإنشاء الذي يختصّ بتعبير متمحّض في الإنشائيّة.

 

الأدوات الإنشائيّة التي لا  تدخل على جملة تامّة:

بقي الكلام في الأدوات الإنشائيّة التي لا  تدخل على جملة تامّة، بل قد يتصوّر أنّه تكون الجملة تامّة بها، كما في قولنا: «يا زيد»، فإنّ ما سبق في الجمل الإنشائيّة لا  يمكن تطبيقه بدون عناية على جملة النداء; إذ لا  توجد فيها بقطع النظر عن حرف النداء نسبة تصادقيّة، فنقول:

إنّ تصوير مفاد الجملة الندائيّة يمكن أن يكون: إمّا بتقريب إرجاعها إلى جملة فعليّة، بحيث يكون قولنا: «يا زيد» في قوّة قولنا: «أدعو زيداً» ـ  طبعاً بداعي الإنشاء لا  الإخبار(1)  ـ فيطبّق عليه ما ذكرناه في الجملة الفعليّة. وإمّا بتقريب آخر، حاصله: أنّ حرف النداء باعتباره منبّهاً تكوينيّاً على حدّ المنبّهيّة التكوينيّة لكلّ صوت، فإطلاقه إيجاد لما هو المنبّه تكويناً، لا  لما هو حاك ودالٍّ عليه بالدلالة اللفظيّة، ولكن حيث إنّ المنبّهيّة التكوينيّة لحرف النداء نسبتها إلى زيد


(1) مع فرض فرق بين كلمة «يا» وكلمة «أدعو»، وهو أخذ الدلالة في «يا» على ما في النفس من الإنشاء على مستوى الدلالة التصوّريّة في الموضوع له; ولذا لم يكن مشتركاً بين الإنشاء والإخبار.

  الصفحة 207  

وغير زيد على حدّ واحد، وحيث إنّه حينما يراد به تنبيه زيد بالخصوص لابدّ من دالّ على ذلك، فلابدّ من أن تكون هيئة «يا زيد» موضوعة لتوجّه النداء نحو زيد الذي هو أمر نسبيّ قائم في الذهن بين النداء وزيد، وبهذا يظهر أنّه لا  يمكن استبدال حرف النداء بأيّ صوت آخر برغم منبّهيّته التكوينيّة; وذلك لأنّ الهيئة المتحصّلة من ضمّ صوت آخر إلى كلمة زيد غير موضوعة لإفادة توجّه النداء نحو زيد بالخصوص، فلا  يحصل ربط بذلك. وعلى هذا الأساس نعرف الفرق بين نداء زيد و«يا زيد»، فإنّ نداء زيد دالّ حكائيّ على حصّة خاصّة من مفهوم النداء، وأمّا «يا زيد» فهو نداء حقيقيّ، وقد اُفيد توجّههه إلى زيد بدالّ حكائيّ. وإن شئت قلت: إنّ نداء زيد أو تنبيهه تارة يكون موجوداً بوجود حكائيّ مقيّداً وقيداً، وذلك بعبارة مثل قولنا: تنبيه زيد، واُخرى يكون موجوداً بنفسه حقيقة مقيّداً وقيداً، كما إذا أمسكنا زيداً وجذبناه بقصد كسب انتباهه، فإنّ المنبّه وكونه منبّهاً لزيد موجود حقيقةً، وثالثة يكون أصل المنبّه موجوداً حقيقةً، وتكون نسبته وتوجّهه إلى زيد موجوداً بوجود حكائيّ.

وهذه النسبة ناقصة; لأنّ موطنها الأصليّ هو الخارج، فإنّ التنبيه وكونه تنبيهاً لزيد أمرٌ خارجيّ، والهيئة دلّت على النسبة التحليليّة بين التنبيه وزيد. وفرق هذه النسبة عن النسبة في «نداء زيد»، أو «تنبيه زيد» أنّ النسبة في «نداء زيد» أو «تنبيه زيد» نسبة بين مفهوم النداء أو التنبيه وزيد، وهذه نسبة بين واقع النداء أو التنبيه وزيد.

فإن قلت: إذا كانت النسبة في «يا زيد» ناقصة، إذن فهي نسبة تحليليّة، وهي مع طرفيها شيء واحد في الذهن، إذن فما معنى كون جزء تحليليّ من ذلك موجوداً حقيقة، وجزء تحليليّ آخر منه موجوداً بوجود حكائيّ؟!

 
  الصفحة 208  

قلت: مقصودنا من ذلك: أنّ مجموع الوجود الخارجيّ للمنبّه مع تلك الهيئة تعاونا في إعطاء ذاك الشيء الواحد إلى الذهن، لا  أنّ كلّ واحد منهما أوجد حقيقة جزءاً مستقلاًّ من ذاك الشيء، حتّى يقال: إنّه لا  يعقل ذلك.

هذا، ولا  ضير في افتراض كون الحكاية عن توجّه واقع المنبّه إلى زيد، بمعنى إعطاء صورة ذلك إلى الذهن عن طريق إيجاد واقع المنبّه، ونسبته بالوجود الحكائيّ إلى زيد موجدة لواقع ذي  الصورة، أي: أنّه يتحقّق بذلك واقعاً تنبيه زيد، من قبيل إيجاد بعض الحالات النفسيّة في شخص عن طريق الإيجاد بوجودها فيه.

فإن قلت: إذا كانت هذه النسبة ناقصة، فلماذا نرى أنّ «يا زيد» جملة تامّة يصحّ السكوت عليها؟

قلت: إنّها ليست جملة تامّة بمعنى أنّها أوجدت نسبة بين شيئين مستقلّين كافيين في إيجاد تلك النسبة، وصحّ سكوت المخاطب على تلك النسبة على حدّ تماميّة «زيد قائم» مثلاً. نعم، هي تامّة بمعنى أنّه كان المقصود إيجاد تنبيه زيد خارجاً وقد وجد هذا التنبيه، فليست هناك حالة انتظاريّة من ناحية التنبيه، فيرجع زيد متوجّهاً إلى المنادي، لكي يسمع ما يريد أن يقوله له(1).

هذا تمام الكلام في حقيقة المعنى الحرفيّ ومعنى هيئات الجمل.


(1) يمكن افتراض كون حرف النداء موضوعاً لنسبة ندائيّة، أو دعوتيّة، أو نوع من النسبة الطلبيّة تختلف عن التنبيه التكوينيّ، وتكون هذه النسبة مولدها الأصليّ الذهن، فهي نسبة تامّة، أحد طرفيها الداعي باعتباره حاضراً لدى نفسه، والثاني المدعوّ باعتبار حضور صورته لدى نفس الداعي، شبيهاً بما شرحناه في النسبة الاستفهاميّة.

  الصفحة 209  

كيفيّة وضع الحروف والهيئات:

بقي الكلام في أنّه هل من الصحيح: أنّ الحروف والهيئات يكون الوضع فيها عامّاً والموضوع له فيها خاصّاً، أو لا؟

فنقول: إنّ الكلام تارة يقع في موارد النسب الواقعيّة بحسب مصطلحنا، كالنسبة التصادقيّة، والإضرابيّة، والتفسيريّة، والتأكيديّة، ونحو ذلك، واُخرى في النسب التحليليّة، كنسبة الظرفيّة.

أمّا الكلام في النسب الواقعيّة، فلابدّ أن نعرف أوّلاً: ما المراد بكون الموضوع له فيها عامّاً، أو خاصّاً؟ فنقول: ليس المراد هو الصدق على كثيرين في الخارج وعدم الصدق; لوضوح: أنّ النسبة الواقعيّة التي موطنها الأصليّ هو الذهن لا  تصدّق على الخارج أصلاً، ففي الخارج لا  يتعقّل إضراب أو تفسير ونحو ذلك، ولا  يتعقّل في الخارج التصادق; إذ الخارج وعاء الوحدة، لا  وعاء التصادق.

كما أنّه ليس المراد بالعموميّة والخصوصيّة ما جاء في كلام المحقّق النائينيّ ، من أنّ معنى الخصوصيّة كون تقيّد المعنى الحرفيّ بطرفيه داخلاً في حريم معنى الحرف وإن كان طرفاه خارجين عنه من باب دخول التقيّد وخروج القيد، ومعنى العموميّة كون التقيّد والقيد كلاهما خارجين(1). فإنّ هذا الكلام لا  معنى له; إذ ليس لنا زائداً على المعنى الحرفيّ أمران: قيد وتقيّد حتّى يتكلّم في أنّه: هل كلاهما خارجان عن حريم معنى الحرف أو أنّ التقيّد داخل والقيد خارج; فإنّ المعنى الحرفيّ امتيازه عن المعنى الاسميّ هو: أنّه بذاته ربط، فلا  يحتاج إلى ربط


(1) راجع فوائد الاُصول، ج 1، ص 54 ـ 59 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم، وأجود التقريرات ج  1، ص  28  ـ  29.

  الصفحة 210  

وتقيّد، وإلاّ لاحتاج ذاك الربط والتقيّد إلى ربط وتقيّد آخر، وهكذا.

والذي ينبغي أن يقال في معنى: أنّ الموضوع له عامّ أو خاصّ: إنّ أفراد هذه النسب الواقعيّة كأفراد النسبة التصادقيّة، أو أفراد النسبة الإضرابيّة، أو أفراد النسبة التأكيديّة، وغير ذلك هل يتصوّر بينها جامع حقيقيّ مع إلغاء خصوصيّات الطرفين يصدق على كثيرين في نفس عالم الذهن، حتّى يعقل وضع اللفظ بإزائه، فيكون الموضوع له عامّاً، أو لا  يتصّور جامع حقيقيّ بينها، فيكون الموضوع له خاصّاً لا  محالة؟

والصحيح: استحالة الجامع كما بيّنّاه في المسلك الثالث في المعنى الحرفيّ. وخلاصة ما بيّنّاه: أنّ النسبة متقوّمة بتمام ذاتها بشخص الطرفين، فإن تحفّظنا على خصوصيّات الأطراف استحال أخذ الجامع لتباين الخصوصيّات، وإن ألغينا خصوصيّات الأطراف ألغينا بذلك نفس النسب، فلا  جامع حقيقيّ ذاتيّ بين الأفراد، فيتعيّن وضع الحرف بإزاء أفراد هذه النسب. وهذا معنى: أنّ الموضوع له خاصّ، والواضع يتصوّر مفهوماً إجماليّاً ـ  حسب تصوّراتهم للوضع  ـ ويشير به إلى أشخاص النسبة التصادقيّة، أو الإضرابيّة مثلاً، فيكون الوضع عامّاً.

وأمّا الكلام في النسب التحليليّة من قبيل مفاد «في» ونحو ذلك من النسب التي يكون موطنها الأصليّ هو الخارج، فهنا ـ  بحسب الحقيقة  ـ لابدّ من الكلام في المرتبة السابقة على البحث عن كون الموضوع له عامّاً أو خاصّاً في أنّه هل هناك للحرف وضع مستقلّ ليقع الكلام في أنّ الموضوع له خاصّ أو عامّ، أو ليس له وضع مستقلّ؟ وعليه نقول: إنّ الصحيح: أنّ كلمة «في» في قولنا مثلاً: «نار في الموقد» ليس لها وضع مستقلّ، وذلك لما وضّحنا من أنّ النسب التي موطنها الأصليّ هو الخارج هي نسب تحليليّة، ومعنى النسبة التحليليّة: أنّ هناك وجوداً

 
  الصفحة 211  

واحداً في عالم الذهن، وهو وجود لمركّب تحليليّ أحد أجزاء ماهيته التحليليّة هو النسبة، وقد مضى البرهان على ذلك، وإذا كان كذلك استحال كون جملة «نار في الموقد» دالّة على ثلاثة معان بنحو تعدّد الدالّ والمدلول; لأنّ هذا معناه وجود ثلاثة انتقالات ذهنيّة بعدد كلمات الجملة، مع أنّنا برهنّا على أنّ هناك لحاظاً واحداً في الذهن، ومعنىً واحداً في ذاك الصقع وإن تعدّدت أجزاؤه التحليليّة، وانتقالاً واحداً للذهن، فكيف يعقل أن تكون كلمة «في» بنفسها في هذه الجملة تعطي معنىً، وكلمة «نار» تعطي معنىً آخر، وكلمة «الموقد» تعطي معنىً ثالثاً؟! فالصحيح: أنّ هناك دلالة تصوّريّة واحدة لمجموع «نار في الموقد»، فوضع الحرف في النسب التحليليّة وضع ضمنيّ، كما أنّ مدلوله ضمنيّ تحليليّ، وعليه يقع الكلام في هذه الجملة والمعنى الوحداني: هل هذا بنحو الوضع العامّ والموضوع له الخاصّ، أو لا؟ وطبعاً من الواضح: أنّ الأمر كذلك، فإنّ الواضع بعد أن وضع كلمة «النار» لمعناها، وكلمة «الموقد» لمعناها، ووضع كلمة «رجل» لمعناها، وكلمة «الحديقة» لمعناها، وهكذا جاء إلى جملة «نار في الموقد»، وجملة «رجل في الحديقة»، ونحو ذلك، فوضعها لتلك الحصص، وهو لم يتصوّر تمام هذه الجمل، بل أشار إليها إجمالاً. فالوضع عامّ لكنّه وضع لواقع الحصص، فالموضوع له خاصّ.

نعم لو أخذنا جملة واحدة معيّنة من قبيل: «نار في الموقد» فليس معناها خاصّاً بلحاظ أفراد هذا المعنى; فإنّ هذه الجملة تعطي حصّة خاصّة من المفهوم الاسميّ الذي يتصوّر فيه الجامع، وليست من قبيل الحروف التي تدلّ على النسب الواقعيّة، فالموضوع له بلحاظ هذه الأفراد عامّ، وإن كان خاصّاً بلحاظ أفراد كلّيّ المحصّص بالنسبة الظرفيّة مثلاً، أي: أنّه وضع بوضع واحد «نار في الموقد»

 
  الصفحة 212  

لحصّة، و  «رجل في الحديقة» لحصّة اُخرى وهكذا(1).


(1) ولا  بأس بالحديث في نهاية المطاف عن ثمرة بحث المعاني الحرفيّة ولو مختصراً.

وليس المقصود بالثمرة الثمرة العمليّة التي تنتج بالفعل أثراً عمليّاً لكلّ فقيه; إذ ربّ فقيه يرى لنفسه دليلاً آخر يثبت ما أراد استفادته من بحث المعنى الحرفيّ في المورد الفلانيّ، أو يرى مناقشة في أصل تلك الثمرة، أو يرى مبنىً في بحث آخر غير بحث الحروف يوجب إلغاء تلك الثمرة، ولكن كلّ هذا لا  يعني جواز حذف بحث المعاني الحرفيّة عن قاموس علم الاُصول، بل يضطرّ الفقيه إلى بحث المعاني الحرفيّة، وبحث تلك النكاتوالمباني الاُخرى، كي يثق بالنهاية إلى النتيجة التي يفتي بها; إذ من المحتمل إذا بحث أن لا  يقتنع بتلك النكتة التي ما أبقت مورداً للثمرة، وبالتالي يصبح بحث الحروف منتجاً له.

والثمرات التي يمكن تفريعها على بحث الحروف على ثلاثة أقسام:

القسم الأوّل: ما قد يترتّب على أصل بحث المعنى الحرفيّ، ونذكر لذلك مثالين:

المثال الأوّل: ما قد يقال من أنّ الوجوب المستفاد من صيغة الأمر; أو من جملة الأمر لا  يمكن أن يُقيّد بقيد، فوجوب الحجّ مثلاً لا  يمكن تقييده بالوقت المخصوص، وبالتالي سيتقدّم الوجوب على وقت الحجّ، ويكون الوقت قيداً للمادّة لا  للهيئة، ويستنتج من ذلك وجوب المقدّمات المفوّتة من قبل أوان الواجب; لأنّ وجوب ذي  المقدّمة فعليّ من قبل الوقت، فيترشّح الوجوب على المقدّمات. والوجه في عدم إمكان تقييد الهيئة: إمّا القول بأنّ المعنى الحرفيّ جزئيّ; لأنّ الموضوع له فيه خاصّ، فلا  يقبل التقييد، أو القول بأنّ المعنى الحرفيّ لا  يمكن الالتفات إليه، بمعنى: أنّه مندكّ في الأطراف، وليس له استقلال ذاتيّ كي يمكن تقييده.

ومثل هذه الثمرة كافية في ضرورة بحث المعنى الحرفيّ وإن كان للفقيه والاُصوليّ طُرقاً لمناقشتها، إلاّ أنّه ـ  كما  ـ قلنا لو لم يبحثها كيف يناقشها؟!

فمثلاً قد يقول القائل: نحن لدينا طرق اُخرى للوصول إلى وجوب المقدّمات المفوّتة

  الصفحة 213  

 


     كلزوم فوات غرض المولى في وقته على تقدير ترك المقدّمات قبل الوقت.

أو يقول القائل: إنّ الاندكاك بالمستوى المانع عن الالتفات المستقلّ، أو التقييد إنّما هو في النسب الناقصة; لأنّ وجودها تحليليّ بحت، لا  واقعيّ. أمّا الوجوب الذي يستفاد من النسبة التامّة فليس تقييده مستحيلاً; لأنّ له وجوداً واقعيّاً في الذهن.

أو يقول القائل: إنّ كون الموضوع له خاصّاً، وكون المعنى الحرفيّ جزئيّاً إنّما هو بلحاظ أطرافه التي تَقَوُّم النسبة بها، لأنّه لو قشّر المعنى الحرفي عنها لم يبقَ شيء، ولو لم يقشّر عنها لم نحصل على الجامع الحقيقيّ. أمّا بلحاظ القيود الاُخرى العَرَضيّة، فبالإمكان تقييد المعنى الحرفيّ بها.

إلاّ أنّ كلّ هذه الأجوبة لو تمّ بعضها لا  يمنع ـ كما قلنا ـ عن ضرورة بحث المعاني الحرفيّة.

المثال الثاني: ما قد يقال في مفهوم الشرط من توقّفه على تعليق سنخ الحكم على الشرط، كي ينتفي بانتفاء الشرط سنخ الحكم، فيثبت المفهوم، إلاّ أنّ تعليق سنخ الحكم محال; لأنّ مفاد الهيئة معنىً حرفيّ جزئيّ، فلا  يدلّ إلاّ على شخص الحكم، أو لأنّه معنىً اندكاكيّ لا  يقبل الإطلاق والتقييد.

وهب أنّ فقيهاً اُصوليّاً يناقش في ذلك: إمّا بإنكار المفهوم، حتّى بعد فرض إمكان الإطلاق في المعنى الحرفيّ; وذلك للقول بأنّ الجزاء نسبته إلى الشرط كنسبة المحمول إلى الموضوع، والإطلاق إنّما يتمّ في الموضوع لا  في المحمول، فقولنا مثلاً: «إنّ النار حارّة» إنّما يدلّ على أنّ النار بكلّ أقسامها تحمل الحرارة، لا  على أنّ النار تحمل جميع أقسام الحرارة.

وإمّا بإنكار كون جزئيّة المعنى الحرفيّ مانعة عن الإطلاق والتقييد; لما أشرنا إليه من أنّ جزئيّة المعنى الحرفيّ إنّما هي بلحاظ أطرافها الركنيّة، لا  بلحاظ قيود اُخرى تُعرض عليها، وبإنكار كون معنى الهيئة التامّة مندكّاً بنحو يستحيل إطلاقه وتقييده، إلاّ أنّ كلّ هذا

  الصفحة 214  

 


     لو تمّ لم يمنع عن ضرورة بحث المعنى الحرفيّ كما أشرنا إليه.

القسم الثاني: ما قد يترتّب على الفرق الجوهريّ بين النسب التامّة والنسب الناقصة، ونذكر لذلك مثالاً، وهو: دعوى الفرق بين مفهوم الشرط ومفهوم الوصف، بالإيمان بالأوّل وإنكار الثاني، ببيان: أنّ أداة الشرط تدلّ على النسبة الشرطيّة التامّة بين طرفين: أحدهما: نسبة الجزاء، والثاني: نسبة الشرط. وبما أنّ نسبة الجزاء علّقت على الشرط نجري فيها الإطلاق لإثبات أنّ المعلّق سنخ الحكم، فيثبت المفهوم، في حين أنّه لو بدّل قوله: «إن كان الرجل عالماً فأكرمه» بقوله: «أكرم الرجل العالم» فهنا ليست النسبة بين الرجل والإكرام تامّة، ولا  يوجد هناك ما يدلّ على تعليقها على العلم، ويبقى أن يقال في تقريب المفهوم: إنّنا نجري الإطلاق في الرجل الواجب إكرامه بلحاظ وقوعه طرفاً للنسبة الناقصة مع العالم، فيقال بمقتضى الإطلاق: إنّ كلّ رجل يجب إكرامه يكون مقيّداً بكونه عالماً، وبهذا يثبت المفهوم، وهو: أنّ الرجل الذي لا  يكون عالماً لا  يجب إكرامه، ولكن يرد على ذلك: أنّ النسبة بين الرجل والعالم نسبة ناقصة، فقد أصبح الموصوف والصفة حصّة واحدة، فلا  معنى لإجراء الإطلاق في الموصوف وحده; لأنّه اندكّ ضمن الحصّة، فلا  يجري الإطلاق إلاّ في الحصّة، ومعنى إطلاق الحصّة وجوب إكرام كلّ رجل عالم، أمّا عدم وجوب إكرام غير العالم كما لو كان الرجل جاهلاً ولكنّه كان عادلاً مثلاً، فغير معلوم.

القسم الثالث: ما قد يترتّب على الخلاف في فهم حقيقة غُصن من أغصان الحروف، من قبيل: معنى أداة الشرط مثلاً، فقد يقال: إنّ أداة الشرط تجعل الشرط ركناً ثالثاً للنسبة الموجودة بين الموضوع والمحمول في الجزاء، وقد يقال: إنّ أداة الشرط تعلّق نسبة الجزاء التي ليس لها إلاّ رُكنان: الموضوع والمحمول، على الشرط، فعلى الثاني قد يتمّ مفهوم الشرط لإجراء الإطلاق في النسبة المعلّقة على الشرط لإثبات أنّ المعلّق سنخ الحكم، في حين أنّنا لو قلنا: إنّ النسبة في الجزاء أصبحت ثلاثيّة الأركان، ثالثها الشرط، لم يكن انتفاء الشرط إلاّ موجباً لانتفاء هذا الشخص من الحكم، فيبطل المفهوم.

  الصفحة 215  

 


الأسماء المبهمة:

ولنختم الحديث في هذا الفصل عن كلام حول الأسماء المبهمة كالموصولات والضمائر وأسماء الإشارة، حيث قد يقال فيها أيضاً بأنّ الوضع فيها عامّ والموضوع له فيها خاصّ، كما قيل في الحروف والهيئات، فينبغي تثليث البحث عن الحروف والهيئات بالبحث عن الأسماء المبهمة.

وقد مشى الآخوند الخراسانيّ في هذا القسم نحو مشيه في الحروف والهيئات، فذكر: أنّ بالإمكان إرجاع الفرق بين الأسماء المبهمة وغيرها في الوضع، لا  في الموضوع له، ويكون فرقه في الوضع بلحاظ طور الاستعمال، فأسماء الإشارة وضعت ليشار بها إلى معانيها، وكذا بعض الضمائر، كما أنّ بعض الضمائر وضعت ليخاطب بها المعنى. والإشارة والتخاطب يستدعيان التشخّص، لا  أنّ التشخّص نتج من كون المستعمل فيه أو الموضوع له خاصّاً (راجع الكفاية، ج  1، ص  16 بحسب طبعة المشكينيّ).

وأورد عليه السيّد الخوئيّ بأنّنا حتّى لو سلّمنا الاتّحاد الذاتيّ بين المعنى الحرفيّ والاسميّ، وكون اللحاظ الآليّ والاستقلاليّ ملحوظين في مقام الاستعمال، وغير مأخوذين في الموضوع له لا  نقبل بمثل ذلك في الإشارة إلى المعنى. والفرق بين الموردين هو: أنّ لحاظ المعنى في مرحلة الاستعمال ضروريّ لابدّ منه، سواء أخذه الواضع قيداً للموضوع له أو لا; لأنّ الاستعمال فعل اختياريّ للمستعمل، متوقّف على لحاظ المعنى واللفظ، فلا  يلزم على الواضع أن يجعل لحاظ المعنى ـ  آليّاً كان أو استقلاليّاً  ـ قيداً للموضوع له، بل يكون ذلك عبثاً ولغواً بعد ضرورة وجوده في مقام الاستعمال، ولكن الإشارة إلى المعنى ليست ممّا لابدّ منه في مرحلة الاستعمال، حتّى يستغني الواضع من أخذها قيداً في الموضوع له، فإنّ المقصود بالإشارة إن كان هو نفس استعمال اللفظ في المعنى، والدلالة باللفظ على المعنى، فهذا غير مخصوص بأسماء الإشارة وما يلحق بها، بل يشترك فيها جميع الألفاظ، وإن كان أمراً زائداً على الاستعمال،
  الصفحة 216  


     فلابدّ للواضع من أخذه في الموضوع له; إذ ليس هو كلحاظ المعنى الذي لابدّ منه في مقام الاستعمال، فإنّ الاستعمال بدونه ممكن.

والتحقيق: أنّ الوضع الذي هو عبارة عن التعهّد يشمل واقع الإشارة والتخاطب في المقام، فكلّ متكلّم تعهّد في نفسه بأنّه متى ما قصد تفهيم معاني أدوات الإشارة والتخاطب يُقرن بالاستعمال واقع الخطاب، أو واقع الإشارة باليد، أو الرأس، أو العين مثلاً، فبدون الإشارة أو الخطاب لا  توجد للّفظ دلالة على معناه.

هذا، وبما أنّ كلمة «هذا» أو «هو» وضعت لواقع المفرد المذكّر، أعني به كلّ مفهوم كلّيّ أو جزئيّ يكون مذكّراً، لا  لمفهوم المفرد المذكّر بأن يصبح لفظ «هذا» مرادفاً للّفظ «المفرد المذكر»، إذن فيكون الوضع عامّاً والموضوع له خاصّاً، وكذلك الحال في باقي أسماء الإشارة والضمائر (راجع المحاضرات، ج 1، ص 90 ـ 91).

وأورد السيّد الاُستاذ على كلّ ما مضى بما  يلي، وذلك بناءً على النقل الوارد في كتاب السيّد الهاشميّ حفظه  الله (بحوث في علم الاُصول، ج  1، ص  337  ـ  338):

أوّلاً: أنّ ما أفاده السيّد الخوئيّ من التفصيل بين لحاظ الآليّة أو الاستقلاليّة في الاستعمال والإشارة أو التخاطب في المقام بإمكان استغناء الواضع عن أخذ الأوّل في الموضوع له; لأنّه لابدّ منه في الاستعمال بخلاف الثاني، غير صحيح، فإنّ ما لابدّ منه في الاستعمال إنّما هو أصل لحاظ المعنى، أمّا كونه آليّاً في الحروف أو استقلاليّاً في الأسماء، فليس ممّا لابدّ منه. فهذا أيضاً بحاجة إلى أخذه من قبل الواضع مثلاً. والشيخ الآخوند لم يقل بنفي أخذ ذلك بحسب الوضع من قبل الواضع، وإنّما قال بأنّ آليّة اللحاظ أو استقلاليّته لدى الاستعمال مأخوذة بلحاظ الوضع في نفس العلقة الوضعيّة، لا  في الموضوع له، ويفترض ذلك أيضاً في الإشارة والتخاطب أيضاً.

نعم يرد على الآخوند أنّ تقييد العلقة الوضعيّة بقيد ما من دون تضيّق في الموضوع له على التصوّرات الصحيحة لحقيقة الوضع غير ممكن، وأنّ دعوى الترادف في المعنى

  الصفحة 217  


     والموضوع له بين كلمة «هذا» وكلمة المفرد المذكّر مثلاً خلاف الوجدان.

وثانياً: أنّ فرض أخذ واقع الإشارة أو التخاطب من قبل الواضع في الموضوع له ـ  كما أفاده السيّد الخوئيّ   ـ مبنيّ على مبناه من مسلك التعهّد، وكون الدلالة الوضعيّة تصديقيّة، وقد أوضحنا نحن بطلان هذا المسلك.

ويقول على ما في كتاب السيّد الهاشميّ: والصحيح: أنّ كلمة «هذا» تستبطن الإشارة بلا إشكال; لشهادة الوجدان اللغويّ بذلك، ولكن لا  بمعنى وضعها لمفهوم الإشارة، فإنّ مفهوم الإشارة ليس إشارة، كما أنّ مفهوم النسبة ليس نسبة، ولا  بمعنى وضعها لواقع الإشارة الذي هو فعل من النفس، ونحو توجّه خاصّ(1); لأنّ هذا يعني كون الكلمة ذات مدلول تصديقيّ بحسب وضعها، وقد أبطلنا ذلك، ولا  بمعنى وضعها للمقيّد بواقع الإشارة، لا  على نحو دخول القيد والتقيّد، ولا  على نحو دخول التقيّد وخروج القيد; لأنّه يستبطن أيضاً محذور الرجوع إلى التعهّد والدلالة التصديقيّة، بل توضيح ما نقوله من استبطان كلمة «هذا» للإشارة هو: أنّ الإشارة نحو نسبة وربط مخصوص بين المشير والمشار إليه، والنسبة الإشاريّة مع مفهوم الإشارة تكون تماماً كالنسبة الابتدائيّة مع مفهوم الابتداء، وكما أنّ النسبة الابتدائيّة لها صورة ذهنيّة في مرحلة المدلول التصوّريّ، كذلك تلك النسبة الإشاريّة، ولفظة «هذا» موضوعة لكلّ مفرد مذكّر واقع طرفاً لهذه النسبة الإشاريّة، لا  بمعنى: أنّ الواقع الخارجيّ للإشارة مأخوذ، ليلزم انقلاب الدلالة الوضعيّة إلى التصديقيّة، بل الإشارة بما هي أمر نسبيّ تصوّريّ مأخوذة على حدّ سائر

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) لا  يخفى أنّ ما مضى منّا نقله من محاضرات الشيخ الفيّاض كان عبارة عن فرض الإشارة بمثل اليد أو الرأس أو العين، لا  الإشارة بمعنى توجّه خاصّ من النفس، ولكن من الواضح: أنّ هذا التعبير الوارد هنا عن اُستاذنا أدقّ وأنسب لمقام السيّد الخوئيّ ، وكأنّه المقصود من التخاطب أيضاً، بمعنى: أنّه قصد بالتخاطب نحو توجّه خاصّ من النفس.

  الصفحة 218  


     النسب الحرفيّة في مرحلة المدلول التصوّريّ. ونفس الشيء يقال في التخاطب أيضاً، فإنّه يحقّق نسبة معيّنة تخاطبيّة على الوجه المذكور، وعلى هذا الأساس يكون الوضع في المبهمات من قبيل الوضع العامّ والموضوع له الخاصّ.

أقول: إنّ عدم كون الواقع الخارجيّ للإشارة مأخوذاً قيداً في الموضوع له; لأنّه يلزم من ذلك انقلاب الدلالة الوضعيّة إلى التصديقيّة، بل المأخوذ صورة ذهنيّة عن واقع الإشارة، قد ينقض بالنسبة التصادقيّة في مثل «زيد قائم»; فإنّ الهيئة تعطي للذهن واقع النسبة التصادقيّة، لا  صورة عنها، ومع ذلك لم تنقلب الدلالة الوضعيّة إلى التصدّقيّة، فإنّ المقياس في انقلابها إلى التصدّقيّة إنّما هو فرض رجوع الوضع إلى التعهّد، ومع عدمه لا  تكون الدلالة الوضعيّة كاشفة كي يحصل بها التصديق، ومجرّد إعطاء واقع النسبة لا  يعني الكشف.

ولكن يحتمل أن يكون المقصود في المقام هو: أنّه بما أنّ النسبة التصادقيّة كان بالإمكان خلق مثلها في ذهن السامع، فكون الهيئة موضوعة لواقع النسبة التصادقيّة لم يكن بمعنى الكشف عنها، ولكن النسب التي لا  يمكن خلقها في ذهن السامع برغم كونها ذهنيّة الموطن بلحاظ نفس المتكلّم، وذلك كالإشارة والتخاطب، وكالاستفهام على تفسير مضى منّا للاستفهام، فهنا لا  معنى لفرض كون الوضع معطياً لواقع النسبة، إلاّ أن يكون الواضع كاشفاً عن واقع النسبة. وهذا رجوع إلى الدلالة التصديقيّة، إذن فمعنى إعطاء الوضع للنسبة إلى ذهن السامع إعطاؤه لصورة ما عنها إلى ذهن السامع ولو تحليليّة. أمّا ما يوجد في نفس المتكلّم، فلا  ينبغي الإشكال في أنّه عبارة عن واقع النسبة كما قلناه في الاستفهام.

ثُمّ إنّ السرّ في عدم كون مجرّد الإشارة كلاماً تامّاً برغم أنّها ذهنيّة الموطن وغير تحليليّة هو: أنّ الإشارة لابدّ لها من هدف عقلائيّ، لا  يتمّ بمجرّد الإشارة، وهو الإخبارعن حالة للمشار إليه مثلاً، أو الأمر بإيجاد، أو نحو ذلك، فليس النقصان هنا
  الصفحة 219  


     بمعنى تحليليّة النسبة في ذهن المتكلّم، بل بمعنىً آخر. وهذا نظير ما قاله اُستاذنا الشهيد في نسبة النداء، حيث فرضها تحليليّة، ولكن في نفس الوقت كان يعتبر الكلام تامّاً بمعنىً آخر من التماميّة، غير واقعيّة النسبة، وكان ذاك المعنى عبارة عن أنّ الهدف المقصود من الكلام وهو التنبيه قد حصل.

بقي الكلام في الأسماء الموصولة. والظاهر أنّها أيضاً موضوعة بالوضع العامّ والموضوع له الخاصّ لكلّ أمر واقع طرفاً للنسبة الناقصة بين الموصول والصلة، والتي تدلّ عليها هيئة الموصول والصلة.

وقد تقول: لماذا تكون نسبة الموصول والصلة ناقصة مع أنّها ذهنيّة المولد؟

ولكن الجواب ما مضى منّا في نسبة الوصف والموصوف، من أنّ البرهان إنّما دلّ على نقصان كلّ نسبة ذهنيّة تكون خارجيّة المولد، ولم يقم البرهان على أنّ كلّ نسبة ذهنيّة المولد لابدّ وأن تكون واقعيّة وتامّة.

ثُمّ إنّه قد اتّضح بكلّ ما ذكرناه السرّ في أنّ الأسماء المبهمة دائماً تتلوّن بلون المورد، ولا  يمكن أن يجرى فيها الإطلاق بأكثر ممّا يناسبه المورد بحجّة أنّ المورد لا  يخصّص الوارد، فمثلاً لو كان الحديث بين شخصين عن عدد من الرمّانات، فقال أحدهما لصاحبه: «إنّي اُحبّ ما هو أكبر» لم يكن لصاحبه أن يحمل هذا الكلام على إطلاقه في كلّ شيء يستفيد منه أنّه يحبّ في جميع الفواكه، أو الأطعمة، أو في كلّ الأشياء ما هو أكبر. والسّرّ في ذلك: أنّ الأسماء المبهمة موضوعة بالوضع العامّ والموضوع له الخاصّ لأيّ معنىً يشير إليه المتكلّم مثلاً، أو يريده طرفاً للصلة، فأوّلاً يجب تحديد ذاك المعنى الذي جعل طرفاً للصلة، أو مشار إليه مثلاً بمناسبات المورد، وبعد ذلك يصحّ التمسّك بإطلاق ذاك المعنى المفهوم بمناسبات المورد لأفراده، أو لحالاته.

وقد يقال ببيان آخر لتوضيح تلوّن المبهمات بلون موردها لو تمّ لم يختصّ بالمبهمات بالمعنى المصطلح المذكور في المقام بل يشمل حتّى مثل كلمة «شيء» وما شاكل ذلك
  الصفحة 220  

 


     ممّا يكون مبهماً، بمعنى كون سعة مفاده فوق ما يؤلف قصده في الموارد المتعارفة، وإن كان يقصد مفاده بسعته الواسعة في بعض الموارد التي تناسب ذلك من قبيل: ﴿إنّ الله على كلّ شيء قدير، وعندئذ يقال: إنّه في المورد الذي لا  يناسب إرادة تلك السعة كما هو الغالب ينصرف عرفاً ذاك المبهم إلى دائرة المورد، ولا  يفهم منه الإطلاق بالقدر المعقول من الإطلاق، فحينما يقول القائل مثلاً في مورد الأطعمة: «إنّي لا  اُحبّ شيئاً» حمل ذلك على الأطعمة، لا  على كلّ ما يعقل دخوله في دائرة عدم الحبّ.

وعلى أيّ حال، فسواء تمّ هذا البيان أو لم يتمّ، فلا  إشكال في أنّ المورد يبطل إطلاق الأسماء المبهمة بالمعنى المصطلح لهذه الكلمة كالموصولات; وذلك لما عرفت من أنّ الموضوع له فيها خاصّ، فالمعنى المقصود من تلك الكلمة يجب أوّلاً تعيينه بقرينة المورد، ثُمّ إجراء الإطلاق ومقدّمات الحكمة في دائرة ذاك المعنى المقصود.

السابق | التالي | فهرس الكتاب