الصفحة 375  

  المقدمة


10





الاشتراك



دعوى ضرورة وقوع الاشتراك.
دعوى امتناع وقوع الاشتراك.
استعمال اللفظ المشترك في أكثر من معنىً.

 
  الصفحة 377  

 

 

 

 

 

 

الأمر العاشر: في الاشتراك، وفيه جهات:

دعوى ضرورة وقوع الاشتراك:

الجهة الاُولى: ادُّعيَ ضرورة وقوع الاشتراك، وبُرهن على ذلك بأنّ المعاني غير متناهية، والألفاظ متناهية، فلابدّ من الاشتراك حتّى تفي بكلّ المعاني.

واُجيب على ذلك بوجوه:

الأوّل: ما ذكره المحقّق الخراسانيّ من أنّه حتّى إذا فرض إرادة استيعاب كلّ المعاني اللامتناهية بالوضع بالاستعانة بالاشتراك، فهذا غير ممكن للإنسان الاجتماعيّ، فإنّه متناه، والوضع بهذا النحو لا  متناه، فلا يمكن صدوره من المتناهي(1).

ويرد عليه: أنّ الاشتراك كما قد يحصل بأوضاع تفصيليّة بعدد المعاني كذلك يحصل بوضع واحد لمعان كثيرة بنحو الوضع العامّ والموضوع له الخاصّ، فيمكن استيعاب المعاني بهذا الطريق بالرغم من تناهي الأوضاع.


(1) راجع الكفاية، ج 1، ص  53 بحسب طبعة المشكينيّ.

  الصفحة 378  

اللّهمّ إلاّ إذا قيل: إنّا قصدنا بالاشتراك تعدّد الوضع تفصيلاً. إلاّ أنّ هذا يصبح عندئذ مجرّد بحث ونقاش لفظيّ.

الثاني: ما ذكره أيضاً المحقّق الخراسانيّ من أنّنا لو سلّمنا إمكان صدور الوضع اللامتناهي من الواضع; لكونه هو الله وهو لا  متناه، لكنّ المستعمل هو الإنسان إشباعاً لحاجاته الاستعماليّة، ويستحيل صدور استعمالات غير متناهية منه; لاستحالة صدور اللامتناهي من المتناهي(1).

ويرد عليه: أنّ الحاجات الاستعماليّة وإن كانت بوجودها الفعليّ متناهية، لكنّها بوجودها التبادليّ أوسع من وجودها الفعليّ، أي: أنّ البشر سيحتاج من ضمن المعاني اللامتناهية إلى كمّيّة متناهية منها، ولكن ما هي تلك الكمّيّة المتناهية؟ هي العشرة الاُولى مثلا، أو الثانية، أو الثالثة أو عشرة ملفّقة من العشرة الاُولى والثانية وما إلى ذلك من المحتملات؟ فغير معلوم، فلعلّ دائرة ذلك تشمل كلّ المعاني اللامتناهية، فنحتاج إلى الوضع لكلّ تلك المعاني مثلاً حتّى يصحّ الاستعمال في أيّ معنىً أراده الإنسان.

نعم، لو بدّل هذا الجواب الشامخ البرهانيّ إلى جواب متواضع وجدانيّ بأن يقال: إنّ الوجدان حاكم بأنّ حاجات البشر حتّى التبادليّة منها ليست إلاّ عدداً معقولاً من المعاني وكمّيّةً متناهيةً منها، لكان جواباً صحيحاً.

الثالث: ما ذكره المحقّق الخراسانيّ أيضاً من أنّ المعاني متناهية; لأنّ المراد بالمعاني ليست هي الجزئيّات، كزيد وعمرو وخالد، بل الكلّيّات، وهي متناهية(2).


(1) راجع نفس المصدر.

(2) راجع نفس المصدر، ص  53 ـ 54.

  الصفحة 379  

وهذا الجواب أيضاً لو صيغ بصياغة برهانيّة فهو غير صحيح، فإن المعاني قد تكون بسائط، كمفهوم الوحدة والوجود والعدم وغير ذلك، واُخرى مركّبات تركيباً حقيقيّاً من جنس وفصل، كالإنسان والحيوان ونحو ذلك، وثالثة مركّبات تركيباً اعتباريّاً من أجزاء خارجيّة، كالسوق والدار ونحو ذلك. وإذا كانت المركّبات الاعتباريّة داخلة تحت الحساب، كانت المعاني لا  متناهية; إذ يمكن التركيب الاعتباري من كلّ اثنين مثلاً، وتضاف تلك المعاني المركّبة تركيباً اعتباريّاً إلى غيرها، فيزداد العدد، ثُمّ مجموع كلّ معنيين من هذه المعاني بنفسه معنىً تركيبيّ اعتباريّ يضاف إلى باقي المعاني فتزداد المعاني، وأيضاً كلّ اثنين أو ثلاثة من مجموع هذه المعاني التي ازدادت معنىً مركّب اعتباريّ في نفسه، وهكذا، إلاّ إذا رجعنا إلى ذاك الجواب الساذج المتواضع وقلنا: الوجدان حاكم بعدم الاحتياج إلى كلّ هذه المعاني.

الرابع: ما ذكره السيّد الاُستاذ ـ  دامت بركاته  ـ من أنّ الألفاظ أيضاً لا  متناهية; إذ كلّ حرف: إمّا مفتوح، أو مضموم، أو مكسور. وعلى التقادير: إمّا واقع في أوّل الكلمة، أو آخرها، أو وسطها. والكلمة: إمّا ثنائيّة، أو ثلاثيّة، أو رباعيّة إلى آخر هذه التقسيمات التي تولّد ألفاظاً لا  متناهية(1).


ويوجد في الكفاية وجه رابع، راجع الصفحة 54، بحسب تلك الطبعة، وراجع جوابه في كتاب السيّد الهاشميّ (بحوث في علم الاُصول) ج  1، ص  114. وحاصله: أنّه لو فرضت المعاني الحقيقيّة متناهية، فالمجازيّة لا  متناهية. وهذا يستلزم علاقات لا  متناهية بينها وبين المعاني الحقيقيّة، وكلّ علاقة تمثّل حيثيّة في المعنى الحقيقيّ، فتشتمل المعاني الحقيقيّة على حيثيّات لا  متناهية، وكلّ منها بحاجة إلى لفظ دالّ عليه، فعاد المحذور.

(1) راجع المحاضرات، ج 1، ص  199 ـ 200 بحسب طبعة مطبعة النجف.

  الصفحة 380  

وهذا الجواب أيضاً لو اُريد به البرهان فهو غير تامّ، وأقصر كلام يظهر به بطلانه أن يقال: إنّ أيّ عدد يفرض من الكلمات لأداء المعاني فهي بنفسها معان; فانّ كلّ كلمة بنفسها معنىً من المعاني يضاف إلى تلك المعاني، فبالتالي سوف يكون المعنى أكثر من اللفظ حتماً، إلاّ أن نرجع إلى ذاك الجواب الساذج المتواضع من عدم الحاجة وجداناً إلى تمام هذه المعاني، وإنّما نحتاج إلى عدد معقول من المعاني، وأكثر هذه المعاني اللامتناهية خارجة عن المعرضيّة العرفيّة للاحتياج.

دعوى امتناع وقوع الاشتراك:

الجهة الثانية: في دعوى امتناع الاشتراك. فقد يدّعى ذلك على أساس كونه خلاف الحكمة; إذ حكمة الوضع التفهيم والتفاهم، والاشتراك يوجب الإجمال، وينافي التفهيم.

والجواب عن ذلك بصيغتين:

1 ـ أن يقال: بأنّ الفرض من الوضع ليس هو خصوص التفهيم التفصيليّ، بل جامع التفهيم. والمشترك وإن كان لا  يعطي التفهيم التفصيليّ لكنّه يعطي التفهيم الإجماليّ، وهو مرتبة من التفهيم، فحينما يقول مثلاً: «جاءني المولى» يفهم المخاطب أنّ هذا الجائي: إمّا عبد، أو سيّد مثلاً، فقد ضيّق دائرة محتملات الجائي، فلو كان يقول: «جاءني شخص» لم يعلم أنّ هذا الجائي: هل هو عبد، أو سيّد، أو شخص آخر؟ ولكن حينما عبّر بالمولى علم إجمالاً بأنّه: إمّا سيّد، أو عبد. وهذا مرتبة من التفهيم.

2 ـ لو سلّمنا أنّ الفرض دائماً هو التفهيم التفصيلي، قلنا: إنّ المشترك يساعد على تحقيق هذا الغرض، لكنّه بنحو جزء العلّة لا  تمامها; فإنّ العلّة عندئذ تتركّب

 
  الصفحة 381  

من لفظ المشترك والقرينة، كما لو قال: «جاءني مولاي فقبّلت يده»، فتقبيل اليد قرينة على تعيين السيّد من بين المعنيين. إذن فهذا البرهان على امتناع الاشتراك غير صحيح.

نعم، وقع أصحاب مبنى التعهّد كالسيّد الاُستاذ ـ  دامت بركاته  ـ في شبكة برهان آخر على استحالة الاشتراك(1).

وتحقيق الكلام في ذلك أن يقال: إنّ التعهّد في باب الوضع تعهّد بقضيّة شرطيّة، ولها صيغتان متعاكستان في الشرط والجزاء:

الاُولى: أن يقول: تعهّدت بأ نّني متى ما أتلفّظ بلفظ المولى أقصد تفهيم السيّد مثلاً.

والثانية: أن يقول: تعهّدت بأ نّني متى ما أقصد تفهيم السيّد أتلفّظ بلفظ المولى.

فإن فرضت الصيغة الاُولى، لزم التهافت والتدافع بين التعهّدين في باب الاشتراك; لأنّه تارةً يتعهّد مثلاً بأنّه متى ما تلفّظ بلفظ المولى قصد السيّد، واُخرى بأنّه متى ما تلفّظ به قصد العبد وهاتان قضيّتان شرطيّتان تعهّد بهما، وهما متّحدتان شرطاً ومختلفتان جزاءً، فلا محالة يقع التدافع بينهما; إذ لو أراد الوفاء بكلا التعهّدين لزمه أن يلتزم بإرادة كلا المعنيين حينما يتلفّظ بلفظ المولى، بينما لا  يلتزم بذلك حتماً.

وإن فرضت الصيغة الثانية ارتفع التهافت في باب الاشتراك; لأنّ الشرط في القضيّتين متعدّد والجزاء واحد، فهو يتعهّد بأنّه متى ما أراد معنى السيّد تلفّظ بالمولى، وبأنّه متى ما أراد معنى العبد تلفّظ بالمولى، ولا  منافاة بين الأمرين، ولكن يقع التهافت والتدافع بين التعهّدين عندئذ في باب الترادف; حيث إنّه يتّحد


(1) راجع المحاضرات، ج 1، ص  202 ـ 203 بحسب طبعة مطبعة النجف.

  الصفحة 382  

الشرطان هناك ويتعدّد الجزاء، فهو يتعهّد مثلاً بأنّه متى ما أراد الحيوان المفترس أتى بلفظ الأسد، ويتعهّد أيضاً مثلاً بأنّه متى ما أراد الحيوان المفترس أتى بلفظ السبع، ومعنى ذلك أن يلتزم بأنّه متى ما أراد الحيوان المفترس أتى بكلا اللفظين، بينما لا  يلتزم بذلك حتماً.

إلاّ أنّ الصحيح: أنّ التدافع بين التعهّدين في كلا البابين تدافع إطلاقيّ لا  تدافع ذاتيّ، أيّ: أنّ كلاًّ من التعهّدين يزاحم إطلاق التعهّد الآخر لا  أصله; فإنّ أصل التعهّدين يمكن أن يجتمعا بأن يتعهّد في باب الاشتراك مثلاً بأنّه متى ما أتى بلفظ المولى قصد السيّد، ثُمّ يتعهّد مرّة ثانية بإرادة العبد، ويجعل ذلك ناسخاً لإطلاق الوضع الأوّل، ويقول: إنّ تعهّدي بإرادة السيّد اُقيّده بما إذا لم أكن قد أردت العبد، أو إذا أقمت قرينة صارفة عن إرادة العبد، أي: أنّه يقيّد بتقييد من التقييدات التي وقع الكلام عنها في بحث الوضع، وتعهّده الثاني حين يُنشئه يُنشئه مقيّداً، ولا  يبقى أيّ تهافت بين التعهّدين; إذ هو بالنتيجة متعهّد مثلاً بأن يقصد هذا المعنى إن لم يقصد ذاك المعنى وبالعكس، سنخ ما يقال في الواجب التخييريّ بناءً على إرجاعه إلى واجبين مشروطين(1).


(1) وهذا البيان يبطل ما اختاره السيّد الخوئيّ من أن الاشتراك بالمعنى المألوف الراجع إلى تعدّد الوضع باطل، وأنّه لابدّ من تفسير ما قد يتراءى من اللغات من الاشتراك بتفسير آخر يحمل نفس آثار الاشتراك، وهو دعوى: وضع اللفظ بوضع واحد لتلك المعاني المتعدّدة على شكل الوضع العامّ والموضوع له الخاصّ، فالواضع يتعهّد بأنّه متى تكلّم باللفظ الفلانيّ قصد أحد المعنيين أو أحد تلك المعاني، ويكون الموضوع له نفس تلك المعاني بخصوصيّاتها. وهذا يفي بكلا أثري الاشتراك: من كون اللفظ حقيقة في كلّ واحد من تلك المعاني بخصوصه، ومن الحاجة إلى القرينة.

  الصفحة 383  

استعمال اللفظ المشترك في أكثر من معنىً:

الجهة الثالثة: في أنّه: هل يمكن استعمال اللفظ المشترك في أكثر من معنىً واحد، أو لا؟

وهذا البحث يتطرّق أيضاً في استعمال اللفظ في معنىً حقيقيّ مع معنىً مجازيّ، أو في معنيين مجازيين.

وينبغي أن يعلم أنّ المقصود باستعمال المشترك في معنيين: استعماله فيهما بما هما معنيان بحيث يكون هناك استعمالان، لا  استعماله فيهما بعد إلباسهما ثوب الوحدة وجعلهما معنىً واحداً مركّباً تركيباً اعتباريّاً; فإنّ هذا استعمال واحد للفظ في معنىً واحد، وهو خارج عمّا نحن فيه.

إذا عرفت ذلك فنقول: إنّه ادّعى جماعة من المحقّقين استحالة استعمال اللفظ في معنيين، وقرّب ذلك بثلاثة أوجه:

الوجه الأوّل: ما نسب إلى المحقّق النائينيّ (1)، وحاصله: أنّ استعمال اللفظ في معنيين يتوقّف على تصوّر المعنى ولحاظه، فإذا أراد استعماله فيهما في وقت واحد لزم أن يلحظ في وقت واحد كليهما، وعندئذ نتساءل: هل يلحظهما بلحاظ واحد، أو بلحاظين؟ فإن فرض أنّه يلحظهما بلحاظ واحد، أي: أنّه يركّب منهما تركيباً اعتباريّاً وحدانيّاً، ويلبسهما ثوب الوحدة، ويلحظ هذا الواحد، فهذا خلف


وجواب اُستاذنا الشهيد على ذلك هو: أنّ بالإمكان الاحتفاظ بتعدّد الوضع أيضاً، وذلك بالالتزام بعدّة تعهّدات مشروطة ومقيّدة لا  مطلقة، فوزان ذلك وزان الوجوب التخييريّ بناءً على رجوعه إلى عدّة وجوبات مشروطة، لا  إلى وجوب أحدها.

(1) راجع أجود التقريرات، ج 1، ص  51 ـ 52.

  الصفحة 384  

وخروج عن محلّ الكلام. وإن فرض أنّه يلحظهما بلحاظين، فهذا غير معقول; لأنّ النفس بقطع النظر عن ضمّ ضمائم إليها لا  يصدر عنها لحاظان في وقت واحد لبساطتها. نعم، يمكن ذلك بضمّ الضمائم من قبيل: أنّ النفس مع ضمّ جهاز البصر تلحظ المبصر، ومع ضمّ جهاز اللمس تلحظ الملموس، ففي وقت واحد تلحظ شكل التفّاحة ونعومتها، لكن بتوسّط الحيثيّات والقوى(1).

وهذا البرهان غير تامّ; لأنّنا نختار الشقّ الثاني، أعني: أنّه يلحظهما لحاظين استقلاليّين. ودعوى استحالة صدور لحاظين من النفس باطلة نقضاً وحلاًّ:

أمّا النقض، فيمكن أن ننقض بأمرين:

الأوّل: أنّ المحقّق النائينيّ يعترف بأنّ النفس يمكن أن تلحظ مركّباً اعتباريّاً. ومن الواضح: أنّ المركّب الاعتباري تلبسه النفس ثوب الوحدة، والنفس حينما تعطي ثوب الوحدة لابدّ لها أن تلحظ ما تعطيها إيّاه، وهو في المرتبة السابقة على هذه الوحدة شيئان مستقلاّن، أو أشياء، إذن فالنفس تلحظ هذه الأشياء بما هي كثيرة ثُمّ تلبسها الوحدة.

الثاني: أنّه عند تشكيل قضيّة تصديقيّة لها موضوع ومحمول لابدّ أن يكون الموضوع ملحوظاً والمحمول ملحوظاً، وإلاّ لاستحال صدور الحكم، وعندئذ نسأل: هل يلحظهما بلحاظ واحد أو بلحاظين مستقلّين؟ فان فرض لحاظهما بلحاظ واحد، صار شيئاً مركّباً واستحال انعقاد جملة تامّة منهما. وإن فرض لحاظهما بلحاظين مستقلّين فقد ثبت إمكان تعدّد اللحاظ في آن صدور الحكم من


(1) هذا الذيل، وهو بيان إمكان تعدّد اللحاظ بتوسّط ضمّ الحيثيّات والقوى غير موجود في أجود التقريرات.

  الصفحة 385  

قبل النفس(1).

وأمّا الحلّ، فمجاله في الفلسفة لا  هنا، ولكنّنا نقول إجمالاً: إنّ النفس ليست بسيطة بذاك المعنى الذي تطبّق على تصويراتها قاعدة (أنّ الواحد لا  يصدر عنه إلاّ الواحد)، بل يمكن صدور متعدّد منها بقطع النظر عن القوى.

الوجه الثاني: ما ذكره المحقّق الإصفهانيّ (2)، وهو مبنيّ على أساس أمرين:

الأمر الأوّل: أنّ وجود اللفظ وجود لماهيتين دائماً، فهو وجود حقيقيّ لماهية اللفظ، ووجود تنزيليّ لماهية المعنى; لأنّ اللفظ اعتبر وجوداً للمعنى، وعندئذ نقول: إنّ الوجود التنزيليّ لماهية المعنى مع الوجود الحقيقيّ لماهية اللفظ أحدهما عين الآخر، فتعدّد أحدهما يساوق تعدّد الآخر، ووحدة أحدهما يساوق وحدة الآخر; لأنّهما شيء واحد.

والأمر الثاني: أنّ الوجود والإيجاد شيء واحد أيضاً، إذن فتعدّد الإيجاد يساوق تعدّد الوجود، ووحدته تساوق وحدة الوجود.

وعلى ضوء هذين الأمرين نقول: إنّ الاستعمال عبارة عن إيجاد الوجود التنزيلي للمعنى، فإذا اُريد استعماله في معنيين، فهناك استعمالان، أي: هناك إيجادان تنزيليّان، وقد قلنا: إن الإيجاد عين الوجود.

فإذا تعدّد إيجاد المعنى إيجاداً تنزيليّاً كان هناك وجودان تنزيليّان بحكم الأمر الثاني، وإذا كان هناك وجودان تنزيليّان فهناك وجودان حقيقيّان للّفظ بحكم الأمر الأوّل، فنحتاج إلى وجودين حقيقيّين للّفظ، بينما لا  يوجد ذلك، إذن


(1) راجع المحاضرات للفيّاض، ج 1، ص  206 بحسب طبعة مطبعة النجف.

(2) راجع نهاية الدراية، ج 1، ص  88 ـ 89 بحسب طبعة مطبعة الطباطبائيّ بقم. وراجع أيضاً بحوث في علم الاُصول للشيخ الإصفهانيّ، ص  42 ـ 43.

  الصفحة 386  

فاستعمال اللفظ في معنيين محال.

وهذا الكلام أيضاً لا  يتحصّل لنا منه إلاّ الألفاظ والمصطلحات، فلنفرض: أنّ الاستعمال إيجاد تنزيليّ للمعنى، لكنّ الإيجاد التنزيليّ معناه إيجاد التنزيل، غاية الأمر: أنّه ينسب بالمسامحة وبالعرض إلى الشيء، فالإيجادان التنزيليّان بمعنى إيجادين لتنزيلين، وهنا تنزيلان متعدّدان، غاية الأمر أنّهما تنزيلان لشيء واحد، وأيّ محذور في ذلك؟ فهذا من قبيل ما لو نزّل زيد منزلة الشيخ المفيد ومنزلة السيّد المرتضى، فهو وجود تنزيليّ لكلّ واحد منهما، أفهل يفترض: أنّ اجتماع هذين التنزيلين محال، أو يفترض: أنّ زيداً شخصان; لأنّ الوجود الحقيقيّ لزيد عين الوجود التنزيليّ للشيخ المفيد أو السيّد المرتضى، فتعدّد الوجود التنزيليّ يستلزم تعدّد الوجود الحقيقيّ؟!

الوجه الثالث: ما ذكره صاحب الكفاية من أنّ الاستعمال عبارة عن أن يرى المعنى باللفظ، ويكون اللفظ فانياً في المعنى كفناء المرآة في ذي المرآة، فاللفظ لوحظ لحاظاً آليّاً كما أنّ من يرى وجهه في المرآة تكون رؤيته للمرآة آليّة ولوجهه استقلاليّة، وإذا فنى اللفظ في المعنى، فمعنى ذلك: أنّه استهلك في عالم التصوّر واللحاظ في جنب المعنى، فكيف يمكن أن يستهلك في نفس الوقت في جنب معنىً آخر؟!(1).


(1) راجع الكفاية، ج 1، ص  54 ـ 55 بحسب طبعة المشكينيّ.

ثُمّ إنّ الشيخ العراقيّ حاول إقامة برهان على عدم إمكان لحاظ اللفظ فانياً في معنيين مستقلّين، ومرآةً لكلّ واحد منهما على استقلاله (كما يظهر من مراجعة المقالات، ج  1، ص  161 ـ 162 بحسب طبعة مجمع الفكر الإسلاميّ بقم)، وهو: أنّ الاستعمال إذا

  الصفحة 387  

 


كان من باب العلاميّة، فغاية ما يلزم من استعمال اللفظ في معنيين مستقلّين تعدّد لحاظ المعنى، ولا  محذور في ذلك; فإنّ اللحاظين رغم كونهما مثلين يشفع لإمكانيّة اجتماعهما أنّهما مختلفان في المتعلّق، فأحدهما لحاظ لهذا المعنى، والآخر لحاظ للمعنى الثاني. وهذا حاله حال اجتماع الحبّ والبغض مثلاً في النفس بالنسبة لمتعلّقين رغم أنّ الحبّ والبغض متضادّان، فتضادّهما لم يمنع عن اجتماعهما في النفس; لأنّ تعدّد المتعلّق كان شفيعاً لإمكانيّة اجتماعهما، حيث تعلّق الحب بشخص والبغض بشخص آخر مثلاً، وتعدّد اللحاظ في جانب المعنى لا  يوجب تعدّد اللحاظ في جانب اللفظ; لأنّ اللفظ لم يفرض إلاّ علامة للمعنى، أي: كون الانتقال إليه سبباً للانتقال إلى المعنى، وقد يكون شيء ما علامة لشيئين أو أكثر، ويوجب الانتقال إليهما أو إليها رغم أنّ العلامة لم تلحظ إلاّ مرّة واحدة، والانتقال إلى المعنى أو لحاظه ليس من خلال لحاظ اللفظ، بل هو أمر مستقلّ عن لحاظ اللفظ، وغاية الأمر: أنّ لحاظ اللفظ كان سبباً للانتقال إلى المعنى، لا  أنّ الإنتقال إلى المعنى كان من خلاله. وأمّا إذا فرض: أنّ الاستعمال يستبطن لحاظ اللفظ فانياً في المعنى ومرآةً له، فهذا يعني: أنّ لحاظ المعنى لم يكن إلاّ من خلال لحاظ اللفظ، ولحاظ المعنى هو يعني مرآتيّة لحاظ اللفظ، فتعدّد اللحاظ في جانب المعنى يعني ـ  لا  محالة  ـ تعدّد اللحاظ في جانب اللفظ، ولئن كان تعدّد اللحاظ في جانب المعنى معقولاً; لأنّ تعدّد المتعلّق ـ  وهو المعنى كان  ـ كفيلاً بحلّ مشكلة استحالة اجتماع المثلين، فتعدّد اللحاظ في جانب اللفظ خال عن هذا الحلّ; لأنّ المتعلّق واحد وهو اللفظ الواحد، فيلزم من ذلك اجتماع المثلين في صفحة النفس، وهو محال.

أقول: لو انتهى البحث إلى هذا المستوى من الحديث، أمكن أن يقال: إنّ تعدّد المفنيّ فيه كفيل بحلّ إشكال استحالة الاجتماع; فإنّ الفناء هو عين اللحاظ الفنائيّ، فتعدّد المفنيّ فيه يكون نوعاً من تعدّد متعلّق اللحاظ الفنائيّ; لأنّ اللحاظ الفنائيّ له متعلّقان: أحدهما الفاني، والثاني المفنيّ فيه، فتعدّد المفنيّ فيه يكون تعدّداً لمتعلّق اللحاظ، ورافعاً لمشكلة
  الصفحة 388  

 


استحالة اجتماع لحاظين فنائيّين كما كان تعدّد المتعلّق في طرف لحاظ المعنى رافعاً لمشكلة استحالة اجتماع لحاظين.

ثُمّ نقل المحقّق العراقيّ في مقالاته برهاناً آخر على استحالة استعمال اللفظ في معنيين لو تمّ جرى حتّى بناءً على مبنى العلاميّة والأماريّة، ولا  يختصّ بمعنى المرآتيّة والفناء، وهو: أنّ الانتقال إلى المعنى مسبّب عن تصوّر اللفظ ومعلول له فإذا فرض انتقالان إلى معنيين مستقلّين بسبب لفظ واحد كان هذا يعني توارد معلولين على علّة واحدة، وهذا مستحيل.

وأجاب عليه المحقّق العراقيّ بأنّ اللفظ يكون بضمّ القرينة علّة للانتقال إلى معنىً من المعاني المتعددة التي فرض اللفظ مشتركاً بينها. والانتقال إلى معنيين يتوقّف على تعدّد القرينة، فيكون اللفظ بضمّ إحدى القرينتين سبباً للانتقال إلى أحد المعنيين، وبضمّ القرينة الاُخرى سبباً للانتقال إلى المعنى الآخر، ولا  محذور في ذلك (راجع المقالات، ج  1، ص  162 ـ  163 بحسب طبعة مجمع الفكر الإسلاميّ بقم).

أقول: إنّ اُستاذنا الشهيد أورد على هذا البرهان (على ما ورد في تقرير السيّد الهاشميّ حفظه الله، ج  1، ص  151):

أوّلاً بأنّ اللفظ ليس علّة تامّة بوحده لإيجاد معنىً خاصّ في الذهن، بل هناك جزء آخر للعلّة، وهو القرن الأكيد الحاصل بالوضع، أو الاُلفة الذهنيّة الحاصلة بالقرن الأكيد. وهذا متعدّد بتعدّد المعاني، فيمكن افتراض أنّه بضمّ ذلك تعدّد المعلول، وهو وجود المعنى في الذهن، فلم يلزم صدور الكثير عن الواحد بلا حاجة إلى ما ذكره المحقّق العراقيّ من التخلّص عن ذلك بفرض ضمّ القرينة.

وثانياً: أنّ هذا البرهان فيه خلط بين الاستعمال وتفهيم المعنى، فإنّ حديثنا في إمكانيّة وعدم إمكانيّة استعمال اللفظ في المعنى. واستعمال اللفظ في المعنى لا  يلازم التفهيم، بل قد يقصد المستعمل الإجمال، ومسألة لزوم تعدّد المعلول ـ  وهو ما ينسبق إلى الذهن من
  الصفحة 389  

 


المعنى لعلّة واحدة  ـ راجعة إلى جانب التفهيم، لا  إلى جانب الاستعمال.

ثُمّ إنّ المحقّق العراقيّ قد اختار في مقالاته استحالة استعمال اللفظ في معنيين بحجّة: أنّ الاستعمال يستبطن اللحاظ الفنائيّ للّفظ في المعنى. ففرض تعدّد المعنى مع استقلال أحد المعنيين عن الآخر يستدعي تعدّد لحاظ اللفظ، وهذا يعني اجتماع المثلين. ولكن الذي ورد اختياره في نهاية الأفكار هو إمكان استعمال اللفظ في أكثر من معنى، وذلك (على ما ورد في نهاية الأفكار، ج  1، ص  105 ـ  110 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم) لأجل أنّ الاستحالة إنّما تتمّ فيما لو فرض المعنيان مستقلّين في عالم اللحاظ، فيلزم تعدّد اللحاظ المنتهي إلى اجتماع المثلين بالبيان الذي عرفت. أمّا لو فرض المعنيان مستقلّين في ذاتهما لا  في عالم اللحاظ، فلا يلزم هذا المحذور; إذ بالإمكان تعلّق لحاظ واحد بكلا المعنيين برغم استقلال أحدهما عن الآخر في ذاتهما. وقد جمع عدّة قرائن على أنّ القائلين بالاستحالة إنّما قصدوا بذلك الاستحالة في فرض استقلال المعنيين أحدهما عن الآخر حتّى في عالم اللحاظ، وقال: لا  يظنّ بهم إرادة دعوى الامتناع في هذه الصورة، فإنّ تمام همّهم في المنع عقلاً إنّما هو صورة استقلال المعنيين بوصف الملحوظيّة.

وعلى أيّ حال، فبعد إمكان هذا القسم من الاستعمال في نفسه، أي: الاستعمال بلا تعدّد اللحاظ لا  يوجد لدينا برهان عقليّ على استحالة استعمال اللفظ في معنيين.

أقول: إن تعدّد المعنى في عالم الوضع مثلاً، أو في عالم وجوده الخارجيّ، أو عالم تقرّره الماهويّ، أو عالم تصوّر ذهنيّ غير اللحاظ الاستعماليّ، أو نحو ذلك لا  أثر له في البحث; إذ كلّ ذلك لا  يجعل المستعمل فيه ـ  بما هو مستعمل فيه  ـ متعدّداً، وإنّما الكلام في تعدّده في عالم اللحاظ الاستعماليّ، وتعدّده في عالم اللحاظ الاستعماليّ هو عين تعدّد اللحاظ، ويكون مرجع وحدة اللحاظ الاستعماليّ ـ  لا  محالة  ـ إلى وحدة المعنى المستعمل فيه، وإرادة المجموع من حيث المجموع، والذي هو استعمال للّفظ في معنىً
  الصفحة 390  

واعترض السيّدالاُستاذ ـ  دامت بركاته  ـ على ذلك بأنّ هذا مبنيّ على مسلك المشهور: من أنّ الوضع عبارة عن الاعتبار والتنزيل، إذن فكأنّه اُفني في المعنى. وأمّا إذا كان الوضع عبارة عن التعهّد، فقد جعل اللفظ علامة على إرادة المعنى، وليس بابه باب الفناء(1).

والتحقيق: أنّ كلام المحقّق الخراسانيّ غير مربوط بباب الوضع، بل مربوط بتشخيص الاستعمال; فإنّ هناك بابين: الأوّل: باب الوضع، ونتكلّم فيه فيما يضعه الواضع لتكوّن الدلالة، والثاني: باب الاستعمال، فيتكلّم فيه في أنّه بعد تماميّة الوضع كيف يستعمل المستعمل؟ فهل الاستعمال عبارة عن المرآتيّة والفناء في ذي المرآة، أو بابه باب العلامة وذي العلامة، من قبيل: العمود الذي يوضع على رأس الفرسخ؟ وكلّ واحد من الاحتمالين معقول على جميع المباني في باب الوضع، ولا  برهان على تعيّن المرآتيّة كما لا  برهان على تعيّن العلاميّة. ومن هنا يبطل كلام صاحب الكفاية، فإنّ قوله: إنّ اللفظ إذا اندكّ في جنب معنىً لا  يعقل اندكاكه في نفس الوقت في جنب معنىً آخر مبنيّ على المرآتيّة والفناء، بينما يمكن للمستعمل أن يتّبع طريقة الاستعمال العلاميّ دون الاستعمال المرآتيّ، فيتعقّل عندئذ استعمال اللفظ في معنيين، سواء فرضنا أنّ الوضع عبارة عن الاعتبار والتنزيل أو فرضنا أنّه عبارة عن التعهّد(2).


واحد مجازيّ، وهو خروج عن موضع البحث.

(1) راجع المحاضرات، ج 1، ص  207 ـ 208 بحسب طبعة مطبعة النجف.

(2) جعل السيّد الخوئيّ كون الاستعمال إفناءً للّفظ في المعنى أو مجرّد إيجاد العلامة تابعاً لكون الوضع تنزيلاً للّفظ منزلة المعنى أو تعهّداً والتزاماً نفسانيّاً، في حين أنّه
  الصفحة 391  

نعم، حيث إنّ المرآتيّة في الاستعمال هي الغالب، وهي المنصرف من الاستعمالات العرفيّة تكون هذه نكتة في استظهار عدم كون الاستعمال في معنيين.

ولا  إشكال في أنّ إرادة أكثر من معنىً خلاف الظاهر، فما هي النكتة في ذلك؟


لا  يوجد أيّ مبرّر لفرض هذه التبعيّة.

توضيح ذلك: أنّه إذا فرضنا أنّ الوضع عبارة عن التنزيل، أو اعتبار اللفظ معنىً ونحو ذلك، فالواضع شخص والمستعمل شخص آخر، وعمل الواضع شيء وهو تنزيل اللفظ منزلة المعنى أو اعتباره معنىً، وعمل المستعمل شيء آخر وهو: إمّا استعمال اللفظ في المعنى على شكل مجرّد لحاظ العلاميّة، أو استعماله فيه على شكل اللحاظ المرآتيّ والفناء. وعمل الواضع من التنزيل أو الاعتبار لا  يعيّن أحد الأمرين على المستعمل; إذ لا  نكتة لهذا التعيين.

وإذا فرضنا أنّ الوضع عبارة عن التعهّد فالواضع والمستعمل واحد. والاستعمال ـ  في الحقيقة  ـ يكون وفاءً بذاك التعهّد، فعندئذ لو فرض أنّ التعهّد تعلّق بالجامع بين لحاظ العلاميّة واللحاظ المرآتيّ أو الفنائيّ، أي: أنّه تعهّد مثلا بأنّه متى ما أتى باللفظ قصد المعنى بأحد الشكلين، فهذا التعهّد لا  يعيّن شكل الوفاء به لدى الاستعمال، فهو لدى الاستعمال بإمكانه أن يلحظ اللفظ كعلامة، وبإمكانه أن يحلظه لحاظاً فنائيّاً ومرآتيّاً للمعنى، ولو فرض أنّ التعهّد تعلّق بأحد الأمرين بالخصوص، أي: أنّه تعهّد مثلاً بأنّه متى ما أتى باللفظ لاحظه لحاظاً فنائيّاً في ذاك المعنى، أو تعهّد بأنّه متى ما أتى باللفظ استعمله استعمال العلامة لذاك المعنى، فهنا يجب أن يكون الاستعمال تبعاً للوضع; لأنّ الوضع هو التعهّد، والاستعمال وفاءٌ بذلك التعهّد، ولكن عندئذ لا  يوجد دليل على أنّه يجب أن يكون التعهّد تعهّداً باللحاظ العلاميّ لا  الفنائيّ كي يقال: إنّه إذن تعيّن أن يكون الاستعمال علاميّاً، بل التعهّد معقول بكلا الشكلين، وبالجامع بينهما، وبالتالي لا  دليل على ضرورة كون الاستعمال على شكل العلاميّة.

  الصفحة 392  

فذهب من ذهب إلى أنّ النكتة هي أخذ قيد الوحدة في المعنى الموضوع له إلى آخر ما قرأناه في الكتب(1)، بينما ليس الأمر كذلك، وإنّما النكتة ما عرفت. فتحصّل: أنّ الاستعمال في معنيين معقول، لكنّه خلاف ظاهر الدليل(2).


(1) راجع المحاضرات، ج 1، ص  209 بحسب طبعة مطبعة النجف، ونهاية الأفكار، ج  1، ص  111 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم، وغير ذلك من الكتب.

(2) ولو تنزّلنا عن ذلك، وافترضنا: أنّ استعمال اللفظ في أكثر من معنىً معقول ومألوف كاستعماله في معنىً واحد، فهل يمكن إثبات ذلك بالإطلاق؟ الجواب: لا; وذلك لأنّه لو قصد بالإطلاق الإطلاق الحكمي، فهو إنّما يجري فيما إذا اُحرزت إرادة الجامع وشكّ في قيد لم يبيّن، في حين أنّه لو كان المقصود في المقام من إجراء الإطلاق احراز إرادة الجامع بين المعاني، فأوّلاً: إحراز إرادة الجامع ليس بالإطلاق، بل ـ  كما قلنا  ـ لابدّ من إحرازها سابقاً ثُمّ نفي طروّ القيد عليه بالإطلاق. وثانياً: أنّ فرض إرادة الجامع لا  يعني استعمال اللفظ في أكثر من معنىً، بل يعني استعماله في معنىً واحد مجازيّ، وهو الجامع. وهذا خلف بحثنا.

ولو كان المقصود إحراز إرادة الجميع فليس هذا هو دأب الإطلاق; فإنّ دأبه رفض القيود لا  جمع الحصص المحتملة.

ولو قصد بالإطلاق الإطلاق بملاك ترك التفصيل، فلو صحّ هذا أثبت أيضاً إرادة الجامع، وهذا يعني أيضاً استعمال اللفظ في معنىً واحد مجازيّ، وهو الجامع، وليس هذا هو المقصود في المقام.

بقي الكلام فيما قد يقال من أنّ المحذور الموجود في استعمال اللفظ في أكثر من معنىً ـ  سواء كان عبارة عن محذور الاستحالة، أو محذور مخالفة الظاهر; لأجل ظهور الاستعمال في النظر الفنائيّ، أو أيّ محذور آخر  ـ غير موجود في مورد التثنية والجمع.

وكأنّ الأصل في ذلك ما ورد في كلام صاحب المعالم من أنّ التثنية أو الجمع في قوّة تكرار اللفظ، فلو قال: «جئني بعينين»، فكأ نّما قال: «جئني بعين وعين»، فلا مانع من أن يريد بإحداهما الذهب مثلاً، وبالآخر الفضّة، فإنّ المعتبر في تصحيح التثنية أو الجمع إنّما
  الصفحة 393  

 


هو الاتّفاق في اللفظ لا  الاتّفاق في المعنى، وبهذا صحّت التثنية والجمع في الأعلام (راجع كتاب المعالم، ص  61 بحسب طبعة مؤسّسة عبد الرحيم العلميّ التوأم بترجمة وشرح المترجم هادي المازندرانيّ).

أقول: لو قصد بالعينين فردين من الذهب وفردين من الفضّة ـ  مثلاً  ـ رجع ذلك إلى أصل الاستعمال في معنيين من دون خصوصيّة لعلامة التثنية، إلاّ أنّ هذا غير مقصود لصاحب المعالم ومن يحذو حذوه حتماً.

ولو أنّ أحداً قصد هذا المعنى، فلو كان يرى المادّة والهيئة في التثنية بمجموعهما موضوعاً بوضع موحّد، فهذا من استعمال اللفظ في معنيين بما فيه من المحذور الماضي، ولو كان يرى أنّ المادّة موضوعة لأصل المعنى والهيئة موضوعة للتعدّد، فقد ذكر السيّد الخوئيّ: أنّ هذا داخل في استعمال المادّة في معنيين، وهو مشتمل على نفس المحذور المفترض في أصل استعمال اللفظ في معنيين. أمّا الهيئة فلم تستعمل في معنيين برغم أنّه فهم منها أربعة أفراد من طبيعتي الفضّة والذهب، فإنّ هذا إنّما كان بتبع أنّ التثنية تُعدِّد نفس المعنى المقصود من المادّة، والمفروض: أنّه قصد بالمادّة الذهب والفضّة معاً، فلا محالة تصبح الافراد ببركة التثنية أربعة، وذلك من قبيل: ما لو ثُنّيت العشرة فقيل: عشرتان، أو ثُنّيت الطائفة فقيل: طائفتان، فمن الواضح أنّ الأعداد الشخصيّة ستكون أكثر من اثنين; لأنّ المفرد لهاتين التثنيتين كان مشتملاً على أكثر من فرد شخصيّ، وقد ثنّي ذاك المفرد حسب الفرض (راجع المحاضرات للفيّاض، ج  1، ص  211 ـ  212).

وأورد على ذلك اُستاذنا الشهيد (على ما ورد في تقرير السيّد الهاشميّ حفظه الله، ج  1، ص  156) بأنّ مادّة العين إذا كانت مستعملة في المجموع من الذهب والفضّة، صحّ هذا الكلام، إلاّ أنّ هذا خروج عن استعمال المادّة في معنيين، ورجوع إلى استعمالها في معنىً واحد مجازيّ، وهو خلف فرض البحث. أمّا إذا كانت مستعملة في معنيين مستقلّين فالهيئة أيضاً استعملت في تثنيتين، وهذا يعني تورّط الهيئة كالمادّة في مشكلة الاستعمال
  الصفحة 394  

 


في معنيين.

وعلى أ يّة حال، فأصل هذا الحديث خروج عمّا قصده القائل بجواز استعمال التثنية في معنيين، أو عرفيّته وعدم اشتماله على المحذور المفترض في استعمال المفرد في معنيين.

وأمّا ما أفاده صاحب المعالم من أنّ التثنية بمنزلة تكرار اللفظ فلا مانع من إرادة معنيين في مقابل اللفظين، فقد أورد عليه صاحب الكفاية بأنّ التثنية إنّما هي بمنزلة تكرار اللفظ بما قصد به من المعنى، لا  تكراره محضاً مع فرض إرادة معنيين منه. وأمّا تثنية الأعلام فقد أوّلها بإرادة المسمّى (راجع الكفاية، ج  1، ص  56 بحسب طبعة المشكينيّ).

وذكر الشيخ الإصفهانيّ: أنّ فرض كون مفاد الهيئة تكرار ذات اللفظ لا  معنى له; فإنّ الهيئة تطرأ على المادّة لكي يطرأ مفادها وهو التعدّد على مفاد المادّة; لأنّ مفاد المادّة وهي الطبيعة يمكن تكرارها، بمعنى تجسّدها في فردين منها. أمّا طروء مفاد الهيئة على لفظ المادّة بما هو لفظ فممّا لا  معنى له; لأنّ اللفظ والمعنى مقولتان متباينتان (راجع نهاية الدراية، ج  1، ص  92 ـ  93 بحسب طبعة مكتبة الطباطبائيّ بقم).

وأمّا المحقّق العراقيّ فهو يرى أنّ فرض كون هيئة التثنية بمنزلة تكرار اللفظ لا  ينفع شيئاً في حلّ مشكلة استعمال اللفظ في معنيين; لأنّ مشكلة استعمال اللفظ في معنيين في نظره عبارة عن لزوم اجتماع لحاظين على لفظ واحد، واللفظ في المقام واحد على أيّ حال، فإنّ فرض كون الهيئة تعطي معنى تكرار اللفظ، لم يوجب تكرّر اللفظ حقيقة. هذا مضافاً إلى بيان آخر موجود في المقالات مقتضب يمكن توجيهه بهذا التقريب، وهو: أنّنا إن فسّرنا التثنية بمعنى كونها في قوّة تكرار لفظ المادّة مع حمل كلّ من المادّتين المفترضتين على معنى فرد من أفراد الطبيعة، فيكون (رجل) في مثل (رجلان) مستعملاً بمعنى الفرد من الرجل كان هذا مجازاً، ومن الواضح بطلان تفسير التثنية بهذا التفسير. وإن فسّرناها بمعنى كونها في قوّة تكرار لفظ المادّة مع حمل كلّ من المادّتين المفترضتين
  الصفحة 395  

 


على معنى الطبيعة، فتكرار ذكر الطبيعة لا  يعني الدلالة على فردين، بينما لا  إشكال في أنّ التثنية تدلّ على إرادة فردين، إذن ينحصر الأمر في تفسير ثالث، وهو: أنّ المادّة تدلّ على الطبيعة، والهيئة تدلّ على تمثّل الطبيعة في فرد، لا  على تكرار المادّة. وبهذا يبطل تفسير مثل كلمة (عينين) بمعنى معنيين من العين كالذهب والفضّة، أو الباكية والجارية; لأنّ المادّة مستعملة في إحدى تلك الطبائع، والهيئة تدلّ على تجسّد تلك الطبيعة في فردين (راجع المقالات، ج  1، ص  167 بحسب طبعة مجمع الفكر الإسلاميّ بقم).

أقول: لعلّ الجذر الوجدانيّ الذي أدّى إلى توهّم كون استعمال اللفظ في التثنية في معنيين ممكنأ، أو سليماً ـ  بخلاف استعمال المفرد في ذلك  ـ هو: إمكانيّة حمل المادّة ولو مجازاً على إرادة المسمّى، ودلالة الهيئة عندئذ على إرادة مسمّيين كما يقال في الأعلام.

وعلى أيّة حال، فقد اتّضح بكلّ ما عرضناه: أنّه لا  فرق في استعمال اللفظ في معنيين بطلاناً أو مخالفةً للظاهر بين المفرد والتثنية و الجمع.

بقي الكلام في أنّه: لئن كانت هيئة التثنية تدلّ على تجسّد مفاد المادّة في فردين مثلاً فكيف نفسّر تثنية الأعلام باعتبار أنّ العلم معناه جزئيّ غير قابل للتكثّر، فلا يمكن فرض تجسّد مفاده في فردين؟! فهل ننكر على هذا الأساس فرض الوضع النوعيّ لهيئة التثنية في مقابل وضع المادّة، ونفترض أنّ كلّ تثنية وضعت بمادّتها وهيئتها للمعنى المناسب لموردها، أو يمكن تفسير هيئة التثنية في مورد الأعلام بالتفسير العامّ المنسجم مع تثنية أسماء الأجناس؟

لعلّ أشهر جواب وأسهله على ذلك هو تأويل المادّة في التثنية والجمع بمعنى المسمّى، فزيدان يعني مسمّيان بزيد.

واكتفى صاحب المعالم في الإيراد على ذلك باستبداه بطلانه حيث قال: «وتأويل بعضهم له بالمسمّى تعسّف بعيد» (راجع المعالم، ص  61 بحسب الطبعة المشتملة على ترجمة وشرح هادي المازندرانيّ).

  الصفحة 396  

 


ولكنّ المحقّق العراقيّ عمّق الإشكال على ذلك باستلزامه لنكارة العلم الشخصيّ عند تثنيته، مع أنّهم يرتّبون آثار المعرفة على ذلك (راجع المقالات، المقالة 11، ص  167 بحسب طبعة مجمع الفكر الإسلاميّ بقم). ونسب ما يشبه ذلك أيضاً السيّد الهاشميّ ـ  حفظه الله  ـ إلى اُستاذنا الشهيد (راجع تقريره، ج  1، ص  157).

ولكن المركوز في ذهني خلاف ذلك، أي: أنّ العلم المثنّى يدخل عليه لام التعريف، وأيضاً يوصَف بالنكرة لا  المعرفة وعليك بمراجعة الكتب النحويّة، والأدب المنقول عن العرب.

أمّا ما وجدته أنا في بعض الكتب، فقد ورد في كتاب النحو الوافي (ج  1، ص  118 ـ  119 بحسب طبعة دار المعارف بمصر) في باب المثنّى قوله: «أمّا العلم فلا يُثنّى; لأنّ الأصل فيه أن يكون مسمّاه شخصاً واحداً معيّناً، ولا  يثنّى إلاّ عند اشتراك عدّة أفراد في اسم واحد. وهذا معنى قول النحويين: «لا  يثنّى العلم إلاّ بعد قصد تنكيره» وحينئذ تزاد عليه: (ال) التثنية لتعيد له التعريف، أو يسبقه حرف من حروف النداء مثل: (يا) لإفادة التعيين والتخصيص أيضاً بسبب القصد المتّجه لشخصين معيّنين نحو: يا محمّدان، أو إضافتة إلى معرفة مثل: حضر محمّداك ...».

وقال أيضاً في الصفحة 265 في باب أقسام العَلَم تحت الخطّ: «... فكلمة مثل محمّد هي علم، فهي معرفة، فإذا ثنّي أو جمع قيل: محمّدان، محمّدون وكلاهما نكرة طبقاً لشروط التثنية والجمع، فإذا أردنا تعيينه وتعريفه زيدت عليه (أل) مثلاً كي تجعله معرفة».

هذا، ولو كان النقض مخصوصاً بباب الأعلام لعلّه كان يسهل حلّه بدعوى التنكير والتأويل بالمسمّى.

ولكن قد يعمّق النقض بالنظر إلى باب الإشارة والضمير، حيث لا  إشكال في عدم تنكير الضمير المثنّى أو اسم الإشارة المثنّى; لوضوح توغّلهما في التعريف حتّى في حالة التثنية والجمع.

  الصفحة 397  

 


وقد نقل الشيخ العراقيّ عن الفصول: أنّه عجز عن حلّ الإشكال في تثنية الإشارات، فذهب إلى كون الوضع في تثنية الإشارات لمجموع المادّة والهيئة، وعدم وجود وضع نوعيّ لهيئة التثنية بلحاظ الإشارات، وعدم مراعاة قواعد التثنية فيها من كونها من باب الدالّين والمدلولين.

وأورد عليه المحقّق العراقيّ بأنّه لا  يساعده الوجدان والذوق السليم.

وأفاد المحقّق العراقيّ في حلّ الإشكال وجهين:

أحدهما: مخصوص بباب الإشارة والضمير، وهو دعوى: أنّ التثنية تفيد فيها تكرار تجسّد المعنى المبهم الذي دلّت عليه المادّة من المفرد المذكّر مثلاً، والمعروض للإشارة التي بها أصبح معرفة، فيكون المتكرّر متعلّق التعيّن بالإشارة; ولذا يكون معرفة، وليس المتعيّن بالإشارة متكرّراً كي لا  يقبل التكرّر، أو يخرج عن التعريف والتعيّن بسبب التكرّر (راجع المقالات 1، المقالة 11، ص 168 بحسب طبعة مجمع الفكر الإسلاميّ).

وأورد عليه اُستاذنا الشهيد (على ما نقله السيّد الهاشميّ حفظه الله في تقريره، ج  1، ص  157) بأنّ الإشارة إن فرض انفهامها من المادّة أصبح التكرّر في طول الإشارة; لأنّ التثنية تكرّر مفاد المادّة حسب الفرض، في حين أنّ المتعيّن لا  يقبل التكرّر. وإن فرض انفهامها من الهيئة، فهذا يعني: أنّ هيئة التثنية خرجت في باب اسم الإشارة عن مفادها المألوف والموضوع لها نوعاً، وهو مجرّد الدلالة على التعدّد أو التكرار، فلم ينجح العلاج فيما هو المقصود من تفسير هيئة التثنية هنا بما هو المألوف في سائر الموارد.

أقول: لعلّ مقصود الشيخ العراقيّ هو: أنّ هيئة التثنية موضوعة للمقدار الممكن من تعديد تجسّد ما يكون داخلاً في مفاد المادّة. أمّا أنّها هل تفيد تعديد كلّ مفادها، أو تفيد تعديد جزء تحليليّ منها، فهذا يختلف باختلاف ما يمكن في المورد، ففي مثل اسم الجنس الذي لا  توجد فيه إشارة تكون هيئة التثنية مفيدة لتعديد تجسّد الطبيعة المفهومة من المادّة في فردين، وفي مثل اسم الإشارة الذي لا  يمكن تعديد تجسّد المتعيّن

  الصفحة 398  

 


بالإشارة فيه تكون الهيئة مفيدة لتعديد تجسّد ما يشار إليه، وتعرض الإشارة المستفادة من المادّة على المتكرّر في طول التكرار لا  قبله.

وثانيهما: الالتزام بنظريّة صاحب المعالم من كون التثنية في العلم في حكم تكرار اللفظ، بفرق: أنّ صاحب المعالم كان يلتزم بكون مفاد التثنية عبارة عن حكم تكرار اللفظ مطلقاً، ولكن الشيخ العراقيّ يقول (كما ورد في المقالات، المقالة 11، ص  167 ـ  168): إنّ علامة التثنية تدلّ على تكرّر طبيعة مدخوله لفظاً أو معنىً، وبما أنّه في باب اسم الجنس لم يمكن تكرار اللفظ للزوم محذور المجاز من إرادة الفرد من الموضوع للطبيعة، فانصرف الأمر إلى تكرار المعنى، أيّ: تجسّد معنى الطبيعة في فردين. أما في باب العلم، فالأمر على العكس; إذ لا  يمكن تكرار المعنى إلاّ بتنكير العلم، فانصرف الأمر إلى تكرار اللفظ، فبذلك تحلّ مشكلة تثنية العلم، بل ومشكلة تثنية أسماء الإشارة أيضاً المتوغّلة في التعريف، والتي لا  معنى فيها للتأويل بالمسمّى أصلاً.

وأورد عليه الشيخ الإصفهانيّ في نهاية الدراية (ج  1، ص  92 ـ  93) بما مضى من أنّ الهيئة قد طرأت على المادّة، ومفاد الهيئة طرأ على مفاد المادّة، وأدخل تعديلاً على مفاد المادّة. ولا  معنى لفرض طروء مفاد الهيئة على لفظ المادّة وتأثير مفادها في تعديل لفظ المادّة وتكريره; لأنّ اللفظ والمفاد مقولتان متباينتان.

وإذا كان مفاد هيئة التثنية هو التعديد ـ  وهو راجع إلى المعنى  ـ فلا محالة نقع في مشكلة: أنّ معنى العلَم بما أنّه غير قابل للتعديد فلابدّ في تفسير تثنية العلم من مثل التأويل إلى المسمّى ممّا يقبل التكثير والتعديد.

ثُمّ ذكر الشيخ الإصفهانيّ حلاًّ آخر لإمكان تفسير تثنية الأعلام من دون رجوعه إلى التأويل بالمسمّى، وهو أن يفترض: أنّ المادّة في مثل «زيدان» لم تستعمل في المعنى الموضوع له، وهو الشخص المسمّى، بل استعملت في نوع هذا اللفظ، لكن بما له من معنىً، أي: أنّ شخص اللفظ الذي صدر من المتكلّم هو لفظٌ، ونوع ذلك اللفظ هو المعنى،

  الصفحة 399  

 


ولكن لا  بما هو لفظ خاو عن المعنى كما في قولنا مثلاً: «ضرب صوت معتمد على مقاطع الفم»، بل بما هو لفظ حاك عن المعنى كما في قولنا مثلاً: «ضرب فعل مشتمل على النسبة»، فلفظة «ضرب» استعملت هنا في نوع ضرب لا  في معنى الضرب الموضوع له، ولكن لم تستعمل في نوع هذا اللفظ غير المشير إلى المعنى، فإنّ نوع هذا اللفظ ليس فعلاً مشتملاً على النسبة، بل استعملت في نوع ضرب بما هو مشير إلى ذاك المعنى المشتمل على النسبة. وهذا أمر بين أمرين، أي: بين أن يكون شخص هذا اللفظ مستعملاً في نوعه الخاوي عن المعنى وبين أن يكون مستعملاً في معناه الموضوع له، فهو مستعمل في نوعه الحاكي عن ذاك المعنى، فإذا فرض أنّ شخص لفظة زيد في قولنا «زيدان» مستعمل في نوع هذا اللفظ بما هو حاك عن المعنى، فمن المعلوم أنّ هذا النوع له أفراد عديدة بعدد المسمّين بزيد، فقد ثنّي حتّى يقصد بذلك فردان من هذا المعنى الكلّيّ من دون أن ننتهي إلى استعمال اللفظ في المسمّى، أو نثنّي معنىً جزئيّاً لا  يقبل التثنية.

وقد أورد على ذلك اُستاذنا الشهيد (بحسب ما ورد في تقرير السيّد الهاشميّ حفظه الله، ج  1، ص  159) بأنّ ما جُعل قيداً لمفهوم نوع اللفظ الذي فرض هو المعنى المقصود بكلمة «زيد» هل هو مفهوم الدلالة على المعنى، أو حقيقة الدلالة على المعنى وواقعها؟

إن فرض الأوّل ورد عليه: أوّلاً: أنّه لا  يتبادر إلى الذهن من جملة «جاءني زيدان» مثلاً مفهوم الدلالة إطلاقاً.

وثانياً: لا  نعلم كيف صار الذهن ينسبق إلى واقع معنى اللفظ، وهو الشخص الذي جعل «زيد» عَلَماً له من كلمة استعملت في نوع اللفظ، المقيّد بمفهوم الدلالة لا  حقيقة الدلالة; إذ لا  شكّ في أنّه يفهم من قوله «جاءني زيدان» مجيء شخصين واقعيّين، لا  مجرّد لفظين دالّين على شخصين.

وإن فرض الثاني، وهو تقيّد نوع اللفظ الذي هو مفهوم كلمة «زيد» بواقع الدلالة، فمن الواضح: أنّ المفهوم لا  يعقل تقييده إلاّ بمفهوم لا  بالواقع، والانتقال التصوّريّ إنّما يكون
  الصفحة 400  

 


بين مفهومين لا  بين مفهوم وواقع.

أقول: ويمكن بيان الإشكال بصياغة اُخرى، وذلك ببيان: أنّ قياس ذلك بمثل (ضرب فعل مشتمل على النسبة) قياس مع الفارق; فإنّ كلمة «ضرب» في هذه الجملة تشير إلى ما هو بالنظر التصوّريّ الاستعماليّ واقع نوع هذه الكلمة بما هي دالّة على معنىً نسبيّ، وبالنظر التصديقيّ تشير إلى هذا المفهوم، ولا  تشير ـ بأيّ وجه من الوجوه ـ إلى معنى الفعل الدالّ على صدور الضرب لا  بما هو مفهوم في النظر التصديقيّ، ولا  بما هو فان في واقع هذا المفهوم في النظر التصوّريّ، وأمّا مادّة زيد في كلمة «زيدان» في قولنا مثلاً: «جاءني زيدان» فحقّاً يقصد بها ما هو بالنظر التصديقيّ مفهوم شخص ما، وبالنظر الفنائيّ الاستعماليّ، أو التصوّريّ واقع شخص ما. وأمّا هذا المفهوم الوسط، وهو نوع لفظة زيد الحاكية عن المعنى، فلا يتبادر إلى الذهن من هذه الجملة أبداً. ولو تبادر إلى الذهن فلا  ندري كيف يفنى في واقع الشخصين؟! إذ لا  يوجد إلاّ فناء استعماليّ واحد، فلا معنى لفرض فناء استعماليّ في فناء استعماليّ.

  الصفحة 401  

  المقدمة


11





المشتقّ



مقدّمات.
مقتضى الأصل العمليّ في المشتقّات.
أدلّة القولين في وضع المشتقّ.
خاتمة.

 
  الصفحة 403  

 

 

 

 

 

 

الأمر الحادي عشر: في المشتقّ.

لا  إشكال في صحّة استعمال المشتقّ في المتلبّس بالمبدأ فعلاً، وفيما انقضى عنه المبدأ، وفيما يتلبّس به في المستقبل، كما أنّه لا  إشكال في كونه حقيقة في الأوّل ومجازاً في الثالث، وإنّما الكلام في أنّه: هل هو حقيقة في الثاني أيضاً، أي: حقيقة في الأعمّ من المتلبّس بالمبدأ بالفعل وممّا انقضى عنه المبدأ، أو حقيقة في خصوص المتلبّس بالمبدأ بالفعل؟ فمنهم من يقول بالأوّل، ومنهم من يقول بالثاني، ومنهم من يفصّل بين بعض المشتقّات وبعض. وتحقيق الكلام يتوقّف على مقدّمات:

مقدّمات

تحرير محلّ النزاع:

المقدّمة الاُولى: في تحرير محلّ النزاع.

لا  يخفى: أنّه توجد لدينا ثلاث دوائر من الأسماء بعضها أعمّ من بعض:

1 ـ دائرة الأوصاف الاشتقاقيّة.

 
  الصفحة 404  

2 ـ دائرة مطلق الأسماء الاشتقاقيّة، فتشمل المصادر مثلاً، مع أنّه لا  توصف الذات بها إلاّ بنحو المسامحة.

3 ـ مطلق الأسماء ولو كان جامداً، كالإنسان والحيوان.

ولابدّ أن نعرف أنّ كلّ دائرة من هذه الدوائر بأيّ مقدار تدخل في محلّ النزاع؟ فهل النزاع يشمل هذه الدوائر بكاملها أو بعضها، أو يشمل قسماً خاصّاً ممّا يدخل في هذه الدوائر؟

ولكي نعرف ذلك يجب أن نرى ما هو الملاك والميزان الفنّيّ في تعقّل النزاع حتّى نطبّقه بعد ذلك على هذه الدوائر.

وقد قالوا: إنّ الضابط الفنّيّ في جريان النزاع وتعقّله مركّب من ركنين:

الأوّل: أن يكون جارياً على الذات، أي: ممّا يحمل على الذات ويوصف به، كاسم الفاعل والمفعول دون المصدر، فلا يقال: «زيد ضربٌ» إلاّ بنحو من المجاز مثلاً والمسامحة، فما لا  يحمل على الذات لا  معنى لأن يقال: هل هو حقيقة في خصوص المتلبّس بالفعل، أو الأعمّ؟

الثاني: أن تكون الحيثيّة المصحّحة للحمل المسمّاة بالمبدأ ممكنة الانفكاك عن الذات مع بقاء الذات. أمّا إذا ارتفعت الذات بارتفاعها، فما معنى كون المشتقّ حقيقة فيها أو مجازاً؟! ففي مثل «العالم» و«الضارب» يعقل النزاع; إذ يمكن ارتفاع العلم والضرب مع بقاء الذات. وهذا بخلاف ما إذا كانت الحيثيّة ذاتيّة بمعنى الذاتيّ في كتاب الكلّيّات، كما في النوع والجنس والفصل.

وقد أرادوا هم بهذا الضابط أن يخرجوا بالركن الأوّل المصادر، وبالركن الثاني مثل الشجر والحجر والحيوان ممّا يكون مبدؤه ذاتيّاً، وهو الحالّ في النوع والجنس والفصل، إلاّ أنّهم وقعوا في مشكلة، وهي: أنّ الركن الثاني يخرج

 
الصفحة 405  

الصفات العرضيّة التي هي لازم للذات، وذلك كالواجب والممكن والممتنع والسبب والمولِّد والمولَّد ونحو ذلك، فإنّه لا  يعقل زوال هذا العرضيّ مع بقاء الذات.

ومن هنا اضطرّ السيّد الاُستاذ ـ  دامت بركاته  ـ لدفع هذا الإشكال أن يقول: إنّنا نتكلّم في وضع الهيئات الاشتقاقيّة، ووضعها نوعيّ، فهيئة (واجب) مثلاً بشخصها لم توضع حتّى يقع هذا الإشكال، ويقال: إنّه لا  يعقل زوال المبدأ وبقاء الذات، وإنّما الموضوع هو طبيعة هيئة فاعل، ولا  إشكال في أنّ هذه الهيئة قابلة لزوال المبدأ فيها عن الذات ولو بلحاظ بعض الأفراد(1).

إلاّ أنّ التحقيق: أنّ هذه البلبلة نشأت من عدم تحديد الركن الثاني، فوقع خلط بين الاستحالة الفلسفيّة والاستحالة المنطقيّة. ونقصد بالاستحالة المنطقيّة: الاستحالة على أساس التناقض، كانفكاك الإنسان عن الإنسانيّة بأن تبقى الذات بالرغم من زوال المبدأ، فإنّ هذا معناه اجتماع النقيضين، وبالاستحالة الفلسفيّة: كلّ استحالة لا  ترجع إلى التناقض، كانفكاك النار عن الحرارة، وذات الواجب عن الوجوب، أو ذات الممكن عن الإمكان ونحو ذلك، فإذا فرض: أنّ الركن الثاني يجب أن يكون هو عدم استحالة زوال المبدأ مع بقاء الذات استحالة منطقيّة لا  فلسفيّة ارتفع الإشكال، فإنّ هذه الاستحالة إنّما هي في الذاتيّات، حيث إنّ زوالها مع بقاء الذات تناقض; إذ هي عين الذات أو جزؤها. وأمّا في العرضيّات اللازمة، فلا تناقض في فرض زوالها مع بقاء الذات، وإنّما الاستحالة في ذلك فلسفيّة. وبناء على هذا الفرض يكون الأولى أن نعبّر عن الركن الثاني بأن يكون


(1) راجع المحاضرات، ج  1، ص  228 بحسب طبعة مطبعة النجف.

  الصفحة 406  

المبدأ غير الذات; إذ متى ما كان عينه كان الارتفاع مع بقاء الذات مستحيلاً على أساس التناقض، ومتى ما كان غيره فليس في فرض ارتفاع المبدأ مع بقاء الذات تناقض، فالركن الثاني لو عبّر عنه بالصياغة المشهورة، وهي: عدم استحالة انفكاك المبدأ عن الذات، جاء هذا الإشكال، ولو عبّر عنه بهذه الصياغة، وهي: أن يكون المبدأ غير الذات، لم يكن موضوع لهذا الإشكال.

يبقى الكلام في أنّ أيّ الصياغتين أحقّ بالركنيّة؟

فنقول: إنّ النزاع في المقام إنّما هو في الوضع، وإنّه هل وضع للأعمّ أو لا؟ ومن المعلوم أنّ الغرض من توسعة دائرة الوضع بنحو يشمل الذات المنقضية عنها المبدأ ليس هو توسعة دائرة الوجود الخارجيّ بأن يصحّ أن يقال: هذا موجود، وإنّما الغرض توسعة دائرة الاستعمال بحيث يمكن الاستعمال في المنقضي عنه المبدأ. ومن المعلوم أنّ الاستعمال موقوف على التصوّر، لا  على الوجود الخارجيّ، فضابط إمكان الاستعمال إمكان التصوّر، لا  إمكان الوجود الخارجيّ. وفي موارد مغايرة المبدأ للذات يمكن تصوّر الذات المنفكّة عن المبدأ، وإن كان المبدأ من الأوصاف اللازمة للذات، فبالإمكان تصوّر ذات انقضى عنها الوجوب، أو الإمكان، أو العلّيّة، أو غير ذلك من الصفات اللازمة للذات، فإذا أمكن التصوّر تعقّل الاستعمال، وإذا تعقّل الاستعمال تعقّل الوضع، وإذا تعقّل الوضع تعقّل النزاع. وأمّا في موارد كون المبدأ عين الذات تماماً أو جزءها، من قبيل: الإنسان والإنسانيّة، أو الإنسان والحيوانيّة فلا يمكن تصوير الوضع للأعمّ، فإنّه إذا اُريد بالقول بالوضع للأعمّ: أنّ كلمة «الإنسان» موضوعة مثلاً للأعمّ من الإنسان المتلبّس بالإنسانيّة بالفعل والمنقضية عنه الإنسانيّة، فهذا غير متصوّر، فإنّنا بمجرّد أن فرضنا الذات فرضنا فعليّة التلبّس; لأنّ المبدأ محتوىً في الذات، والجمع بين

 
  الصفحة 407  

فرض الإنسان وعدم فرضه مستحيل، فهذا الذي تصوّرناه يكون في اُفق التصوّر متلبّساً بالمبدأ، وإن اُريد الجمع بين تصوّر الإنسان وتصوّر اللاإنسانيّة بحيث اُخذ النفي في المتصوّر لا  في التصوّر فهذا معقول، لكنّ التلبّس هنا موجود; فإنّ فرض الذات هو فرض فعليّة التلبّس.

فتحصّل: أنّه ينبغي أن يكون مقصودهم بالاستحالة هنا الاستحالة المنطقيّة لا  الاستحالة الفلسفيّة.

وبعد أن تحقّق ما هو ملاك النزاع نأتي إلى الدوائر الثلاث لنرى مدى جريان النزاع فيها:

ولنبدأ بالدائرة الأوسع، وهي دائرة مطلق الأسماء وإن كانت من الجوامد، فنقول: قد فصّلوا في الأسماء الجوامد بين قسمين، فقالوا: إنّ ما يكون موضوعاً لما هو منتزع من مرتبة الذات، كالماء والنار والشجر والحجر ومثل هذا لا  يجري فيه النزاع; لعدم معقوليّة انفكاك المبدأ عن الذات، وما يكون موضوعاً لعناوين عرضيّة منتزعة بلحاظ أمر خارج عن الذات، كالزوج والزوجة والسيف والمنشار والسرير ونحو ذلك يجري فيه النزاع; لتعقّل انفكاك المبدأ عن الذات.

أقول: أمّا القسم الثاني، فدخوله في محلّ النزاع صحيح; لأنّ كلا الركنين موجود فيه، فالعنوان جار على الذات، والمبدأ مغاير للذات. وأمّا القسم الأوّل فيجب أن نتساءل: أنّهم ماذا يريدون بالذات التي قالوا: إنّها غير محفوظة بعد زوال الشجريّة أو الحجريّة؟ هل المراد: المركّب النوعيّ أو الجسم؟

ولنوضّح ذلك في مثال، وهو السيف، فلنشرح تصوّرات الفلاسفة حتّى نعرف كلمات علماء الاُصول. فقد قال: الفلاسفة: إنّ السيف مثلاً مركّب من قوّة صرف ـ  سمّيت بالهيولى  ـ وصورة جسميّة، وتوجد فوق الصورة الجسميّة صورة اُخرى

 
  الصفحة 408  

تسمّى بالصورة النوعيّة، وهي كونه حديداً، فالصورة الجسميّة مشتركة بين الماء والحديد وسائر الأجسام، والمائز هي الصورة الحديديّة، ويوجد هنا أمر رابع وهي الحالة المخصوصة المائزة بين السيف وسائر القطع الحديديّة كالمنشار.

أمّا الأمر الأوّل، وهو المادّة الصرف والقوّة الصرف، فلا إشكال عندهم في جوهريّته، وأنّ وجود المادّة محفوظ بإحدى الصور الجسميّة على البدل.

وأمّا الأمر الثاني، وهو الصورة الجسميّة، فأيضاً لا  إشكال عندهم في جوهريّته. واختلفوا في أنّها: هل تتبدّل بتبدّل الصورة النوعيّة، فالخشب مثلاً حينما يصبح فحماً، أو النبات يصبح خشباً بالقطع، فصورته الجسميّة أيضاً تبدّلت بصورة جسميّة اُخرى; لتقوّمها وتحصّلها بالصورة النوعيّة على حدّ تحصّل الجنس بالفصل، أو أنّ صورة جسميّة واحدة تنحفظ عبر الصور النوعيّة المختلفة، وأنّها متقوّمة ومتحصّلة بأحدها، لا  بشخص صورة نوعيّة حتّى تتبدّل بتبدّلها؟

وأمّا الأمر الثالث، وهو الصورة النوعيّة، فالمشهور بينهم أنّه جوهر، وهناك قول بالعرضيّة.

وأمّا الأمر الرابع، وهو التمايز الصنفيّ بين السيف والمنشار مثلاً، فيرونه عرضيّاً. هذا.

وعنوان الحديد لا  إشكال في أنّه منتزع عن السيف، ومحمول عليه بلحاظ الأمر الثالث، وهو الصورة النوعيّة، فالصورة النوعيّة بمثابة مبدأ الاشتقاق لاسم الحديد، فيقال: إنّ هذا المبدأ ذاتيّ وبزواله تزول الذات، فلا يبقى مجال للبحث عن الانطباق بعد الانقضاء.

وهنا يجب أن نعرف ماذا يقصدون بالذات التي يقولون: إنّها ترتفع بارتفاع المبدأ؟

 
  الصفحة 409  

فان أرادوا بالذات المركّب الثلاثي الذي هو نوع حقيقيّ، أي: المركّب من الأوّل والثاني والثالث، فصحيح ما يقال من أنّ الذات ترتفع بارتفاع المبدأ; لأنّ المبدأ جزء من أجزاء هذا المركّب الثلاثي، ولكن لا  مُلزِم لقصر النظر على هذه الذات المصاغة من المركّب الثلاثي حتّى يقال: لا  تبقى بعد ارتفاع الجزء الثالث، بل هناك ذات اُخرى يمكن تصوّرها، وهي المركّب الثنائيّ، أي: المركّب من الأوّل والثاني، وهو القدر المشترك بين جميع الأجسام، فإنّه ذات، ولا  إشكال في أنّه يحمل عليه عنوان الحديد، فيقال: «هذا الجسم حديد»، أو يقال: «الجسم تارةً يكون حديداً واُخرى خشباً» فلنبحث عن أنّ ارتفاع الحديديّة هل يوجب ارتفاع هذا المركّب الثنائيّ، أو لا؟ فنقول:

أمّا على ما بيّنّاه من أنّ الركن الثاني عبارة عن مغايرة المبدأ للذات، فمن الواضح: أنّ هذا الركن ثابت; لأنّ الحديديّة مغايرة للمركب الثنائيّ، كما أنّ الركن الأوّل ـ  وهو الجري على الذات  ـ ثابت; إذ لا  إشكال في أنّ عنوان الحديد يحمل على الجسم.

وأمّا إذا سلكنا في الركن الثاني مسلكهم، وعبّرنا بإمكان الانفكاك بين المبدأ والذات، وأخذنا هذه العبارة على إطلاقها، ولم نميّز بين الإمكان المنطقيّ والإمكان الفلسفيّ، أو بين الاستحالة المنطقيّة والاستحالة الفلسفيّة، فعندئذ يقع الكلام في أنّه: هل يمكن الانفكاك في المقام، أو لا؟ فنقول:

أمّا بحسب النظر الدقّيّ والفلسفيّ، فهناك بحث بين الفلاسفة، فمن ذهب إلى أنّ الصورة الجسميّة متقوّمة وجوداً بأشخاص الصور النوعيّة قال بعدم إمكان الانفكاك، وأنّ الجسم يتبدّل بتبدّل الصورة النوعيّة; ولذا التزموا بتبدّل الصورة الجسميّة في النخلة بقطعها; إذ بعد القطع تصبح خشباً. ومن ذهب إلى أنّ الصورة

 
  الصفحة 410  

الجسميّة تتقوّم بإحدى الصور النوعيّة على البدل قال بإمكان الانفكاك، وأنّ الصورة الجسميّة محفوظة على كلّ حال ولو تبدّلت الصورة النوعيّة; لأنّ المقوّم لها هو الجامع، أو قل: إحداها وهو محفوظ، وهناك من ذهب من الفلاسفة إلى أنّ الصورة الجسميّة غير متقوّمة بالصور النوعيّة لا  بأشخاصها ولا  بإحداها على البدل، وهو مذهب من يقول بعرَضيّة الصورة النوعيّة، وعليه فأيضاً يمكن الانفكاك. هذا كُلّه بحسب تخيّلات الفلاسفة.

وأمّا بحسب تخيّل الإنسان العرفيّ، فالإنسان العرفيّ لا  يشكّ في أنّ النخلة مثلاً بالقطع لا  تتبدّل صورتها الجسميّة، وأنّ الخشب إذا صار فحماً فالجسم هو الجسم السابق. والتصوّر العرفيّ هو المفيد في المقام; فإنّنا نبحث بحثاً لغويّاً، وهو قائم على أساس الفهم العرفيّ، لا  الفلسفيّ الدقّيّ العقليّ.

فقد تحصّل: أنّ التفصيل بين العناوين الذاتيّة من قبيل: الحجر والشجر وغيرهما بدعوى عدم تعقّل النزاع في الأوّل غير صحيح، سواء سلكنا في تصوير الركن الثاني مسلكنا أو ما يُتراءى من الجمود على حاقّ عبائرهم. نعم، بحسب الخارج لم يقع نزاع في الأوّل، أعني: العناوين الذاتيّة، كالحجر والشجر والحديد وغير ذلك، فلم يدّعِ أحد أنّ لفظة «الحديد» موضوعة للجسم الذي تلبّس بالحديديّة ولو آناً ما وبعد ذلك صار ناراً مثلاً، فالقصور إثباتيّ لا  ثبوتيّ(1).


(1) يمكن أن يقال: إنّ العرف يفرّق بين تحوّل النخلة خشباً أو الإنسان ميّتاً، فيحكم فيه بأنّ الجسم هو الجسم السابق، وتحوّل الخشب فحماً أو الكلب ملحاً، فيحكم فيه بأنّ الجسم قد تبدّل إلى جسم آخر، وبناءً على هذا، فعدم وقوع النزاع هنا في عدم صدق العنوان بعد انقضاء المبدأ ليس من باب مخالفة الفهم العرفيّ الإثباتيّ مع ما هو مقياس إمكان النزاع

  الصفحة 411  

 


ثبوتاً; وذلك لأنّه وإن كان المقياس الذي أفاده اُستاذنا في تفسير الركن الثاني من مغايرة المبدأ للذات منطبقاً على المقام، فيمكن النزاع في أنّ جسم الخشب أو الكلب إن بقي بعد تحوّل الصورة النوعيّة، فهل يصدق عليه العنوان الأوّل، أو لا ؟ ولكنّ اتّفاقهم على عدم الصدق لعلّه على ما هو الواقع خارجاً بعد التحوّل من تبدّل الجسم عرفاً، سواء فرض تبدّله فلسفيّاً، أو لا، فلعلّ محتوى اتّفاقهم هو الاتّفاق على أنّ الجسم الثاني لا  يصدق عليه عنوان الخشب أو الكلب، ولا  يمكن دعوى صدقه عليه ثبوتاً كما لا  يحتمل ذلك إثباتاً. ولعلّ الإيمان بتبدّل الجسم ـ  ولو عرفاً  ـ هو الذي أوجب اشتهار القول بمطهّريّة الاستحالة حتّى للمتنجّس.

وتوضيح ذلك: أنّ مطهّريّة الاستحالة للنجس يمكن الإيمان بها حتّى لو لم نقل بتبدّل الجسم، وذلك بدعوى كفاية تبدّل العنوان; لأنّ النجاسة كانت حكماً ثابتاً على عنوان الكلب مثلاً وقد زال: إمّا بدعوى: عدم صدق المشتقّ حقيقة بعد انقضاء المبدأ، أو بدعوى: أنّ احتمال الصدق غير وارد في الجوامد مثلاً حتّى على تقدير بقاء الجسم، فالمرجع عندئذ هي الاُصول المؤمّنة بعد سقوط إطلاق دليل النجاسة. ولا  يتوهّم جريان استصحاب النجاسة; وذلك لأنّه سقط أيضاً بنفس نكتة سقوط إطلاق دليل النجاسة، وهو تبدّل العنوان; لأنّ العنوان كان هو موضوع الحكم، فبانتفائه سقط إطلاق الدليل، وسقط الاستصحاب أيضاً; لتبدّل الموضوع.

أمّا في المتنجّس، فالقول بمطهّريّة الاستحالة ـ  لو فرضنا عدم تبدّل الجسم عرفاً  ـ يواجه إشكالاً; وذلك لأنّ الخشب المتنجّس لو صار فحماً، فصحيح: أنّ عنوان الخشبيّة زال عنه، ولكنّ موضوع النجاسة لم يكن هو عنوان الخشبيّة، بل كان هو عنوان: ما لاقى النجس، فبناءً على عدم تبدّل الجسم يكون هذا الجسم المحفوظ ضمن الفحم نفس الجسم الذي لاقى النجس، فإطلاق دليل النجاسة يشمله، واستصحاب النجاسة أيضاً جار; لأنّ الموضوع لم يتبدّل.

وينحلّ الإشكال لو آمنّا بتبدّل الجسم ولو عرفاً، فعندئذ يكون موضوع دليل النجاسة

  الصفحة 412  

 


منتفياً، ويكون استصحاب النجاسة أيضاً ساقطاً بتبدّل الموضوع، فتصل النوبة إلى الاُصول المؤمّنة.

وقد حاول اُستاذنا الشهيد في بحثه في الاستحالة البرهنة على تبدّل الجسم ولو عرفاً، وذلك بما يمكن تجزئته إلى عدّة مقدّمات:

الاُولى: لا  إشكال في أنّ مثل الخشبيّة أو الفحميّة تعتبر في الإلهام العرفيّ اُموراً جوهريّة لا  عرضيّة، سواء صحّ ذلك فلسفيّاً، أو لا.

والثانية: لا  إشكال في أنّ الصورة الجسميّة تعتبر في الإلهام العرفيّ أمراً جوهريّاً لا  عرضيّاً، سواء صحّ ذلك فلسفيّاً، أو لا.

والثالثة: لا  إشكال في أنّ كلّ فرد من الخشب أو الفحم أو نحو ذلك في نظر العرف فرد واحد من الجوهر، وحقيقة فاردة، وليس جوهرين عرضيّين مستقلّين.

وإذن، فبعد فرض جوهريّة كلٍّ من الصورة الجسميّة من ناحية، والصورة النوعيّة التي هي من قبيل: الخشبيّة أو الفحميّة من ناحية اُخرى ـ  ولو في نظر العرف  ـ لابدّ من افتراض: أنّ كلّ فرد من تلك الصورة النوعيّة مقوّم للفرد الذي في ضمنه من الصورة الجسميّة لدى نفس من يرى أنّ هذا الفرد من الخشب أو الجسم الفلانيّ جوهر واحد، لا  جوهران عَرْضيّان ومحصِّل له، وإلاّ لكانا جوهرين عرضيّين مستقلّين.

والنتيجة: أنّه إذا تبدّلت الصورة النوعيّة في نظر من يحكم بتبدّلها ولو كان هو العرف، فقد تبدّل فرد الجسم في ذاك النظر.

وعليه فيحكم بطهارة المتحوّل إليه ولو بمعنى الأخذ بالاُصول المؤمّنة، بل يمكن استنتاج طهارة المتنجّس لو رجع مرّة اُخرى بعد الاستحالة، فالماء المتنجّس إذا تحوّل بخاراً ثُمّ رجع ماءً بالتعرّق بعد التبخّر، كان هذا الماء طاهراً; لأنّ هذا جسم جديد غير ما حكم عليه بالنجاسة; وذلك لأنّه حينما تحوّل بخاراً فقد تبدّل الجسم إلى جسم آخر بالبرهان الذي نقلناه عن اُستاذنا الشهيد، فحينما يرجع مرّة اُخرى ماءً سيكون هذا فرداً

  الصفحة 413  

 


جديداً من الماء لم يلاقِ النجاسة; لأنّه كما أنّ الانفصال الفلسفيّ يساوق التعدّد الفلسفيّ، والمعدوم فلسفيّاً يستحيل عوده فلسفيّاً، كذلك الانفصال العرفيّ يساوق التعدّد العرفيّ، والمعدوم عرفاً لا  يقبل العود في نظر العرف.

وقد يُقابل هذا البرهان ببيان ينتج خلاف نتيجته، وهو: أنّه لو صحّ أنّ جسم الخشب قد تبدّل لدى العرف بتحوّله إلى الفحم بجسم آخر، لَما كان العرف يعبّر عن هذه العمليّة بقوله: «تحوّل الخشب فحماً»، بل كان يعبّر بتعبير: «أنّ الخشب قد انعدم ووجد الفحم»، في حين أنّه لا  شكّ في أنّ هذه العمليّة تعتبر في نظر العرف تحوّلاً للخشب إلى الفحم، لا  فناء شيء ووجود شيء آخر مستقلّ عن الأوّل.

وأجاب اُستاذنا الشهيد عن ذلك بأنّ هذا التعبير لا  يدلّ على أكثر من وجود خيط ممتدّ بين الحالتين، وقاسم مشترك متّصل يحسّ به العرف ـ  ولو إجمالاً  ـ بين الخشب والفحم، وقد تبادلت عليه صورتا الخشب والفحم، فليست الصورتان منفصلة أحداهما عن الاُخرى تماماً. أمّا أنّ ذاك القاسم المشترك عبارة عن الجسم، فغير معلوم، فليكن ذاك القاسم المشترك المحسوس إجمالاً عبارة عمّا أسماه الفلاسفة بالهيولى، والتي لا  تقبل عرفاً أن تكون هي المعروضة للنجاسة; ولهذا ترى أنّه لدى تحويل المادّة إلى الطاقة يقول العرف أيضاً: «تحوّلت المادّة إلى طاقة»، ولا  يقول: «انعدمت المادّة ووجدت طاقة مستقلّة عن تلك المادّة»، مع أنّ الجسم في هذا الفرض غير منحفظ(1) لدى تحوّلها إلى الطاقة.

ثُمّ إنّنا إذا لم نسلّم تبدّل الجسم عرفاً في المقام لدى تحوّل الخشب فحماً أو رماداً فقد يستدلّ على مطهّريّة الاستحالة بوجوه اُخرى نذكر بعضها:

الأوّل: أنّ دليل تنجّس ملاقي النجاسة بالسراية ليس عبارة عن دليل لفظيّ له إطلاق

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وحتّى لو فرضت وحدة الجسم والطاقة بالدقّة، فلا إشكال في أنّ الجسم غير منحفظ عرفاً لدى التحوّل إلى الطاقة.

  الصفحة 414  

 


أو عموم، بل هو منتزع عن روايات متفرّقة في موارد متفرّقة، كالثوب والبدن والفراش ونحو ذلك، وهذه الروايات كما تنسجم مع فرضيّة كون موضوع النجاسة الجسم بما هو ذو صورة جسميّة محفوظة ـ  حسب الفرض  ـ حتّى بعد الاستحالة كذلك تنسجم مع فرضيّة كون موضوع النجاسة هو الجسم بما هو ذو صورة نوعيّة تبدّلت بالاستحالة، ومع عدم تعيّن الاحتمال الأوّل لا  يمكن التعدّي من موارد تلك الروايات إلى ما بعد الاستحالة، كما أنّ استصحاب النجاسة أيضاً لا  مورد له; لاحتمال تبدّل الموضوع. أمّا إذا رجعت العين الاُولى كما في الماء المتنجّس الذي تبخّر ثُمّ عاد ماءً، فمقتضى هذا الوجه لمطهّريّة الاستحالة أيضاً عدم تماميّة الإطلاق لدليل النجاسة بالنسبة لما بعد رجوع العين; وذلك لأنّ مورد النصوص هو ما قبل الاستحالة، واحتمال الفرق موجود. وأمّا استصحاب النجاسة: فإن قلنا بعدم عود المعدوم عرفاً، فهذا ماء آخر لا  يجري فيه استصحاب النجاسة، وإن قلنا بعوده فبالإمكان أن يقال: إنّ استصحاب النجاسة جار; لأنّ موضوع النجاسة حتّى لو كان هو الجسم بما له من صورة نوعيّة فالموضوع قد عاد. نعم، يحتمل كون الحكم مقيّداً بما قبل الاستحالة والعود، لكن هذا لا  يعدّ عرفاً من مقوّمات الموضوع التي بفقدها يبطل الاستصحاب، وانقطاع الحكم في فترة الاستحالة لا  يمنع عن هذا الاستصحاب; لأنّه لم يكن انقطاعاً للحكم عن الموضوع، وانّما كان انقطاعاً بزوال الموضوع، وهذا النحو من انقطاع لا  يضرّ بصدق عنوان نقض اليقين بالشكّ على عدم ترتيب الحكم على موضوعه بعد العود.

وعلى أيّ حال، فهذا الوجه يمكن أن يجاب عليه بما أفاده اُستاذنا الشهيد من وجود إطلاق في المقام، وهو قوله في موثّقة عمّار (الوسائل، ج  1، باب  4 من أبواب الماء المطلق، ح  1، ص  142 بحسب طبعة آل البيت): «يغسل كلّ ما أصابه ذلك الماء»، فهنا إذا أصاب الخشب ذلك الماء ثُمّ صار فحماً وقد فرضنا انحفاظ الجسم السابق، فهذا الجسم يصدق عليه: أنّه أصابه ذلك الماء، فيكون محكوماً بالنجاسة.

  الصفحة 415  

وأمّا الدائرة الثانية وهي المشتقّات، فهل تدخل بتمامها في محلّ النزاع، أو أنّ بعضها خارج عن محلّ النزاع؟ من الواضح: أنّ بعض المشتقّات لا  يدخل في محلّ


الثاني: أن يقال: إنّنا لئن بنينا على مطهّريّة الاستحالة في عين النجس، ففي المتنجّس بطريق اُولى، فإنّ المتنجّس إنّما تنجّس بالسراية من عين النجس، فهل يحتمل أنّ الكلب حينما يُحرَق فيصبح فحماً أو رماداً يطهر، لكن الخشب الذي تنجّس بملاقاة الكلب حينما يحرق فيصبح فحماً أو رماداً لا  يطهر؟! وهذا الوجه ـ  كما ترى  ـ لا  يبطل إطلاق دليل النجاسة في مورد عود العين كما لو رجع بخار الماء المتنجّس ماءً، ولا  استصحابها؟!

والجواب: ما أفاده اُستاذنا الشهيد في المقام من أنّ مطهّريّة الاستحالة لعين النجس لو كانت ثابتة بالدليل اللفظيّ، لأمكن التعدّي من عين النجس إلى المتنجّس بالأولويّة العرفيّة مثلاً، وبالملازمة العرفيّة، وذلك عملاً بلوازم الأمارات، ولكن الواقع: أنّ مطهّريّة الاستحالة لعين النجس لم تكن بدليل لفظيّ، بل كانت بقاعدة الطهارة أو بالاُصول المؤمّنة، ولوازمها غير حجّة، بل يمكن أن يعكس الأمر، وذلك بأن يتمسّك أوّلاً لإثبات عدم مطهّريّة الاستحالة للمتنجّس بإطلاق قوله في موثّقة عمّار: «يغسل كلّ ما أصابه ذلك الماء» ثُمّ يتعدّى من ذلك إلى عين النجس بالأولويّة، فيقال: لئن كانت الاستحالة لا  تطهّر المتنجّس، فهي لا  تطهّر عين النجس بطريق أولى.

الثالث: أن يقال: إنّ دليل تنجّس المتنجّس المحمول عرفاً على سراية بعض آثار وخصوصيّات النجس إليه ليس له إطلاق في نظر العرف لفرض الاستحالة التي هي في فهم العرف استحالة لتلك الآثار والخصوصيّات أيضاً، فلا يمكن التمسّك بعد تحوّل الخشب فحماً أو رماداً بإطلاق قوله: «يغسل كلّ ما أصابه ذلك الماء»، كما أنّ السراية مقوّمة عرفاً لموضوع التنجّس، فباحتراق كلّ الآثار السارية ينقطع استصحاب النجاسة أيضاً.

وأمّا إذا عادت العين بعد الاستحالة كما في الماء المتنجّس الذي تحوّل بخاراً ثُمّ تحوّل مرّة اُخرى ماءً، وافترضنا موافقة العرف على عود المعدوم، فشمول هذا الوجه للعين المعادة لإثبات الطهارة وعدمه مبنيّ على معرفة أنّ ما يعود هل هو الماء الزلال المصفّى عن كلّ الآثار التي سرى إليها بملاقاة النجاسة، أو أنّه يعود بما كان معه من التلوّثات؟

  الصفحة 416  

النزاع، كالمصادر وأسماء المصادر والأفعال; لفقدان الركن الاُوّل، وهو الجري على الذات، فيختصّ النزاع بخصوص الأوصاف الاشتقاقيّة، كأسماء الفاعلين والمفعولين والزمان والمكان والآلة والصفة المشبّهة.

وأمّا الدائرة الثالثة وهي الأوصاف الاشتقاقيّة، فقد ادّعي خروج بعضها عن محلّ النزاع، فمثلاً ادّعي في بعض كلمات المحقّق النائينيّ (1) أنّ اسم الآلة خارج عن محلّ النزاع; إذ لا  إشكال في عدم اشتراط بقاء التلبّس; بدليل: أنّه يصحّ الإطلاق حقيقة حتّى قبل التلبّس، فما ظنّك به بعد التلبّس، فالمفتاح قبل الفتح به يسمّى مفتاحاً.

وهذا الكلام جوابه واضح; وذلك لأنّ التلبّس إنّما هو باعتبار مبدئه، ومبدأ المفتاح إن كان هو الفتح لم نقبل صدق المفتاح حقيقة قبل الفتح، ولا  نقبل خروجه عن محلّ النزاع. وإن كان هو شأنيّة الفتح، فأيضاً يكون داخلاً في محلّ النزاع; إذ قد يخرج المفتاح عن الشأنيّة كما إذا حصل تآكلٌ فيه، وتناقص في أسنانه بحيث خرج عن شأنيّة الفتح.

ومن جملة ما توهّم خروجه: أسماء الزمان; إذ بانقضاء المبدأ ينقضي الزمان، فلا معنى للتكلّم في أنّه بعد الانقضاء يصدق العنوان، أو لا؟

وقد تُخلِّص عن الإشكال بوجوه:

الوجه الأوّل: ما ذكره في الكفاية(2) من أ نّا نسلّم أنّ الذات يستحيل بقاؤها بعد


(1) راجع أجود التقريرات، ج  1، ص  83 ـ  84 بحسب الطبعة التي عليها تعليق السيّد الخوئيّ.

(2) ج  1، ص  60 بحسب طبعة المشكينيّ.

  الصفحة 417  

انقضاء المبدأ، لكن مع هذا لا  بأس بالوضع للأعمّ، غاية ما هناك: أنّ أحد فردي هذا المعنى الأعمّ مستحيل، وأيّ مانع للوضع للجامع بين الممكن والمستحيل؟! بل لا  مانع للوضع لخصوص المستحيل، فإنّ المقصود من وراء وضع اللفظ لمعنىً ما ليس وجوده، بل تصوّره، وتصوّر المستحيل ممكن. فكأنّ صاحب الجواب يريد أن يبيّن بياناً قريباً للبيان الذي بيّنّاه من أنّ الاستحالة الفلسفيّة لا  تمنع عن الوضع للأعمّ، فيقول: إنّ المقصود من الوضع: الاستعمال لا  الإيجاد خارجاً، والاستعمال يتوقّف على التصوّر وهو ثابت.

ولكن هذا الكلام غير صحيح; لأنّ الاستحالة هنا بالدقّة ليست استحالة فلسفيّة


وقد ذكر الشيخ الإصفهانيّ تعليقاً على هذا الجواب: أنّ هذا وإن كان يحلّ الإشكال، إلاّ أنّ تحرير النزاع في الزمان لا  تترتّب عليه ثمرة البحث; لأنّ ثمرة البحث تظهر فيما انقضى عنه المبدأ، والمفروض أنّه لا  مصداق لذلك في اسم الزمان. نعم، إذا قلنا: إنّ اسم الزمان واسم المكان واحد، وإنّ المقتل مثلاً يدلّ على وعاء القتل من دون ملاحظة خصوصيّة الزمان أو المكان، فعدم المصداق بلحاظ الزمان لا  يوجب لغويّة النزاع; لكفاية المصداق بلحاظ المكان (راجع نهاية الدراية، ج  1، ص  100 بحسب طبعة مطبعة الطباطبائي بقم).

أقول: إن كان المقصود بهذا الكلام بطلان النزاع، وعدم إمكانه في اسم الزمان (لو لم نقل باتّحاده مع اسم المكان) لانحصار المصداق عندئذ في المتلبّس، فمن الواضح: أنّ فقدان الثمرة لا  يوجب بطلان النزاع وعدم إمكانه. وإن كان المقصود الاعتراض على تعميم النزاع بنكتة لغويّته، وأنّ مجرّد إمكانه لا  يبرّر تعميم النزاع بعد أن كان ذلك لغواً وبلا فائدة، فمن الواضح: أنّ النزاع لا  يجعل في خصوص اسم الزمان كي يرد عليه اللغويّة، وإنّما يكون النزاع في المشتقّ، وأنّه: هل هو حقيقة فيما انقضى عنه المبدأ، أو لا؟ ويكفي في صحّة هذا النزاع وعدم لغويّته ثبوت الثمرة في بعض أقسامه، ولا  يضرّ بإطلاق النزاع انعدام الثمرة في بعض الأقسام; فإنّ الإطلاق لم يكن مشتملاً على مؤونة زائدة حتّى يجب الفحص لها عن الثمرة.

  الصفحة 418  

فحسب، بل ترجع إلى الاستحالة المنطقيّة; للاشتمال على التناقض; إذ إنّ انقضاء المبدأ يشتمل على التجدّد الذي هو الزمان، وانقضاء الزمانيّ إنّما هو بانقضاء الزمان، فالانقضاء أوّلاً وبالذات للزمان، وثانياً وبالعرض للزمانيّ، فانقضاء المبدأ هو عبارة عن تجدّد زمان آخر، وانتهاء زمانه، وإلاّ ففي لوح غير زمانيّ الحوادث غير منقضية، وبنظرة لا  زمانيّة الحوادث كلّها موجودة، فإذا كان انقضاء المبدأ هو عين انقضاء الزمان، ففرض انقضاء المبدأ مع بقاء الزمان تناقض.

الوجه الثاني: ما ذكره جماعة من المحقّقين، كالمحقّق الإصفهانيّ (1) والسيّد الاُستاذ ـ  دامت بركاته  ـ(2) وغيرهما: من أنّ اسم الزمان بنفسه هو اسم المكان، أي: أنّ لفظاً واحداً وضع لظرف الفعل سواء كان زماناً أو مكاناً، ويكفي في جريان النزاع فيه تعقّل انقضاء المبدأ، وانحفاظ الذات ولو في بعض المصاديق.

وهذا الجواب ممّا لا  يمكن المساعدة عليه; لأنّ أسماء الزمان والمكان إنّما هي متداخلة في اللفظ فقط، من دون أن يعني هذا التداخل: أنّ كلمة (مقتل) مثلاً لها معنىً واحد بوضع واحد، بل هنا معنيان. وتوضيح ذلك: أنّ كلمة «مقتل» مثلاً لابدّ أن توضع لذات ملحوظة ظرفاً للقتل، فإذا فرض أنّ المأخوذ في المعنى الموضوع له لذلك هو عنوان الظرفيّة بما هو معنىً اسمي أمكن تصوير معنىً جامع ينطبق على ظرف الزمان وظرف المكان; لأنّ عنوان ظرف القتل ينطبق على كليهما، ولكن من الواضح: عدم أخذ المفهوم الاسمي للظرفيّة في ذلك; لوضوح: أنّ مفهوم الظرفيّة كمفهوم الفاعليّة والمفعوليّة والآليّة تنتزع من الصورة التي نفهمها من المشتقّ، لا  أنّها تدخل في مفهومه، فلا ينتقل


(1) راجع نهاية الدراية، ج  1، ص  100 بحسب طبعة مطبعة الطباطبائيّ بقم.

(2) راجع المحاضرات، ج 1، ص 232 ـ 233 بحسب طبعة مطبعة النجف، وراجع أيضاً أجود التقريرات، ج  1، ص 56 ـ 57 تحت الخطّ.

  الصفحة 419  

ذهننا ابتداءً من كلمة «مقتل» إلى مفهوم الظرفيّة، وإنّما كلمة «مقتل» تدلّ على ذات ونسبة ومبدأ، وننتزع من صورة ذلك المفهوم الظرفيّة، كما أنّ اسم الفاعل يدلّ على ذات ونسبة ومبدأ، وبعد هذا ننتزع منه مفهوم الفاعليّة، وعندئذ فإذا كانت نسبة المكان إلى المكين مع نسبة الزمان إلى الزمانيّ من سنخ واحد، أمكن أن يقال: إنّ لفظ «مقتل» موضوع للذات الجامع بين الزمان والمكان مع نسبته إلى القتل، ولكن الصحيح: أنّهما نسبتان متباينتان فلسفيّاً وعرفاً، وليستا من سنخ واحد، أمّا فلسفيّاً فلأنّ نسبة الشيء إلى مكانه عبارة عن مقولة الأين، أو مقوّم مقولة الأين، ونسبة الشيء إلى زمانه عبارة عن مقولة المتى، أو مقوّم مقولة المتى، ومن المعلوم: أنّ هاتين المقولتين من المقولات العالية التي اعتبروها ماهيات متباينة سنخاً وذاتاً، وليس حالهما حال فردين من ماهية. وأمّا عرفاً فلأنّه لا  إشكال في التباين الوجدانيّ بينهما، فحينما نتصوّر واقع احتواء يوم عاشوراء للقتل، واُخرى نتصوّر واقع احتواء كربلاء له، نرى أنّ سنخ أحد الاحتواءين غير سنخ الآخر، ولا  جامع بينهما، فلابدّ من الوضع لكلتا النسبتين بأن يكون للمقتل مدلولان: أحدهما للزمان، والآخر للمكان، فيبقى الإشكال في اسم الزمان على حاله.

وصفوة القول: إنّ هنا خلطاً بين مفهوم الظرفيّة وواقعها، فلو كان اُخذ فيه مفهوم الظرفيّة، وكان موضوعاً للذات التي هي ظرف (بهذا المفهوم الاسميّ) لأمكن الوضع للجامع، لكن هذا غير صحيح، وإنّما المأخوذ واقع النسبة الظرفيّة، والنسبتان متباينتان.

الوجه الثالث: ما أفاده المحقّق العراقيّ (1) وهو: أنّ الزمان الذي ينقضي


(1) راجع المقالات، ج  1، ص  179 بحسب طبعة مجمع الفكر الإسلاميّ، وراجع نهاية الأفكار، ج  1، ص  129 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم.

  الصفحة 420  

بانقضاء المبدأ إنّما هو تلك اللحظة التي وقع فيها القتل، وتلك القطعة الخاصّة من الزمان، ولكن تلك القطعة من الزمان باعتبار اتّصالها مع باقي القطعات تكون موجودة بوجود وحدانيّ; فإنّ الاتّصال يساوق الوحدة، وهذا الوجود الوحدانيّ الطويل له بقاء بعد انقضاء المبدأ.

وهذا لا  يرد عليه ما أورده المحقّق الإصفهانيّ (1) من دعوى: أنّ المتّصف حقيقة بالحدث إنّما هو تلك القطعة، لا  هذا الواحد الاتّصاليّ كما هو الحال أيضاً في الأجسام الخارجيّة، فلو وقعت حمرة على جزء من الفراش مثلاً، فخصوص ذلك الجزء يتّصف بالاحمرار، لا  الجسم بتمامه، وكذلك الأمر في المقام.

فإنّ هذا الكلام غير صحيح; لأنّ هناك فرقاً بين الواحد المتّصل العرْضيّ الأجزاء والواحد المتّصل التدريجيّ الأجزاء، ففي الأوّل ليست حمرة الجزء حمرة لذلك الوجود الاتّصاليّ; لأنّ هذا الجزء ليس هو تمام وجوده الآن، بل جزء وجوده. وأمّا الواحد المتّصل التدريجيّ كعمود الزمان، فتمام وجوده في ذلك الحال هو ذلك الجزء، ودائماً يكون وجوده بوجود جزئه، فإذا اتّصف هذا الجزء الزمانيّ بالمقتليّة فقد اتّصف الواحد الطويل بالمقتليّة; لأنّ وجود هذا الواحد الطويل في هذا الحال بوجود هذا الجزء، بينما وجود الواحد العرضيّ ليس بوجود هذا الجزء، فكلام المحقّق العراقيّ باق على وجاهته.

نعم، قد تأتي هنا شبهة اُخرى، وهي: أنّه يلزم من هذا الكلام كون القائل بالأعمّ ملتزماً بصحّة إطلاق اسم الزمان على الزمان إلى يوم القيامة، فنقول عن هذا الوقت: إنّه مقتل زكريّا ; لأنّه متّصل بزمان قتله، بينما لا  يكون الأمر هكذا.


(1) راجع نهاية الدراية، ج  1، ص  98 ـ 99 بحسب طبعة مطبعة الطباطبائيّ بقم.

  الصفحة 421  

والجواب: أنّ المناط هو النظر العرفيّ، والعرف يقطّع الزمان إلى قطع: من الشهور والأسابيع والأيّام والساعات والسنوات وغير ذلك، ويرى أنّ كلّ قطعة لها وجود مستقلّ، فيرى العرف أنّ الذات تزول بزوال قطعة، فالمقتليّة ليست وصفاً للدهر; لأنّ العرف يجزّء الدهر، ولا  يفرضه وجوداً واحداً، وليست وصفاً لقطعة متأخّرة عن لحظة القتل; لأنّها بالتقطيع ترى عرفاً وجوداً مستقلاّ، وإنّما هي وصف لقطعة تدخل فيها لحظة القتل، كساعة القتل أو يومه أو اُسبوعه أو سنته، وهكذا. فبهذا يتحصّل وجه صحيح لحلّ الإشكال في جريان النزاع في اسم الزمان(1).


(1) لا  يخفى: أنّ فكرة وحدة الزمان التي يفترض أنّها تحلّ الإشكال في اسم الزمان يمكن أن تفسّر بأحد تفسيرين:

الأوّل: أن يكون المقصود بذلك أخذ مقطع من الزمان مشتمل على الفترة المشتملة على المبدأ، كالقتل في مثال المقتل، من قبيل أن يقال: إنّ هذا القرن مثلاً كان مقتلاً للحسين، وقد انقضى عنه المبدأ، أو يؤخذ عنوان الدهر والزمان وما شابه ذلك، ويقال: إنّه كان مقتلاً للحسين وقد انقضى عنه المبدأ.

إلاّ أنّ هذا ليس مقصوداً للمحقّق العراقيّ ; لأنّه قد ذكر هو ذلك على ما ورد في نهاية الأفكار (ج  1، ص  128 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم) بعنوان ما كان ينبغي للمحقّق الخراسانيّ أن يذكره كحلٍّ لمشكلة تصوير انقضاء المبدأ عن اسم الزمان، فقال: إنّ صاحب الكفاية الذي حلّ مشكلة الاستصحاب في باب الزمان بتصوير الحركة التوسّطيّة، أو ما بين المبدأ والمنتهى كان بإمكانه أن يأتي بهذا الحلّ في المقام أيضاً، فيقول مثلاً: إنّ هذا القرن كان مقتلاً وقد انقضى عنه القتل. ثُمّ قال: إنّ هذا الجواب من قبل صاحب الكفاية غير صحيح، لا  في بحث استصحاب الزمان ولا  في المقام; وذلك لأنّ الوحدة المنتزعة عمّا بين المبدأ والمنتهى إنّما هي وحدة اعتباريّة منتزعة عن تعاقب الأفراد وتلاحقها، وفي الخارج لا  يكون إلاّ أشخاص تلك الحصص المتبادلة المتعاقبة. نعم، إذا كان عنوان انتزاعيّ كالسنة أو الشهر أو اليوم أو الساعة ونحوها موضوعاً للأثر في
  الصفحة 422  


لسان الدليل، فعندئذ لابدّ من ملاحظة ذاك العنوان.

وكذلك أشار الشيخ العراقيّ في مقالاته (ج  1، ص  179 بحسب طبعة مجمع الفكر الإسلاميّ بقم) إلى بطلان الجواب بوحدة الحركة التوسّطيّة بنفس النكتة التي ذكرها في نهاية الأفكار من أنّ هذه الوحدة ليست إلاّ أمراً انتزاعيّاً، لا  واقعيّاً حقيقيّاً.

أقول: إنّ هذا الجواب ـ  على تقدير تماميّته في بحث الاستصحاب  ـ لا  يتمّ في بحث المشتقّ; وذلك لأنّ ما بين المبدأ والمنتهى المسمّى بالسنة أو الشهر أو القرن أو غير ذلك المشتمل على فترة المبدأ لا  ينقضي عنه المبدأ إلاّ بانقضائه هو، فسنة القتل هي سنة القتل إلى الأخير، وقرن القتل هو قرن القتل إلى الأخير وهكذا، كما أشار إلى ذلك نفس المحقّق العراقيّ في المقالات (ص  180 بحسب الطبعة المشار إليها آنفاً)، وأشار إليه الشيخ الإصفهانيّ في نهاية الدراية (ج  1، ص  99).

والثاني: ما هو المقصود للشيخ العراقيّ في المقام من أنّ الاتّصال يساوق الوحدة، وذلك بقطع النظر عن لحاظ أيّ عنوان انتزاعيّ لمقطع زمنيّ.

وأمّا ما اختاره اُستاذنا الشهيد فيما أوردناه في المتن، فهو ـ  في الحقيقة  ـ أمر بين الأمرين، فهو من ناحية فرض موضوع الأثر قطعةً منتزعة من الزمن مشتملة على المقطع الذي وقع فيه المبدأ، ومن ناحية اُخرى افترض الوحدة عبارة عن الوحدة الفلسفيّة التي يساوقها الاتّصال.

وهذا البيان يكون من ناحية بعيداً عن الاعتراض عليه بعدم تقبّل العرف لتوصيف يومنا هذا مثلاً بكونه مقتل زكريّا ولو مجازاً وبعنوان استعمال المشتقّ فيما انقضى عنه المبدأ; لأنّه يجاب على هذا الإشكال بما أفاده من أنّ العرف ملتزم بالتقطيع في الزمن، ويرى القطعة غير المشتملة على المقطع الذي وقع فيه المبدأ غير متلبّس بالمبدأ أصلاً.

ومن ناحية اُخرى لا  يرد عليه الإشكال بعدم كون القطعة الانتزاعيّة هي موضوع الأثر; وذلك لأنّه بعد ما فرضنا من التزام العرف بتقطيع الزمن، ولا  يجعل المقتليّة وصفاً
  الصفحة 423  

كلمة «الحال» في عنوان المسألة:

المقدّمة الثانية: ذكر في عنوان المسألة: (أنّ المشتقّ هل هو حقيقة في خصوص المتلبّس في الحال أو الأعمّ؟) فاُخذ في ذلك كلمة «الحال»، وكلمة «الحال» كلمة تدلّ على الزمان، فكأنّه تُوُهِّم أنّ القائل بالوضع لخصوص المتلبّس يقول: إنّ الزمان مأخوذ في المشتقّ. ولكن المحقّقين المتأخّرين أوضحوا: أنّه لا  ينبغي توهّم أخذ الزمان فيه، ولا  يكون هذا مقصود القائل بالوضع للمتلبّس، بل حال المشتقّ حال الجوامد: كالإنسان والمصادر كالضرب التي لا  دلالة لها على الزمان، بمعنى: أنّه لم يؤخذ الزمان في مفهومها. وإذا أردنا أن نحلِّل كلمة «عالِم» فسوف نصل إلى هذا المدلول التركيبي: (شيء له التلبّس بالعلم)، فهو مركّب من جوامد ومصادر وحروف، ومن المعلوم أنّ الزمان غير مأخوذ في شيء منها، ومدلول كلمة «عالم» ليس إلاّ مفاد هذه الجملة بنحو اللفّ والاندماج. نعم، مفهوم كلمة «عالم» سنخ مفهوم لا  ينطبق على الذات إلاّ حين وجدانه للمبدأ، كما أنّ الإنسان لا  يصدق إلاّ حين تصبح النُطفة واجدة للجنس والفصل. وهذا غير أخذ


للدهر مثلاً، بل يجعلها وصفاً للسنة أو لليوم أو للساعة أو نحو ذلك تكون النتيجة: أنّ موضوع الأثر لدى العرف دائماً هي قطعة انتزاعيّة.

ومن ناحية ثالثة لو فرضنا أنّ الوحدة الانتزاعيّة غير كافية في المقام (وهي كافية مادام الموضوع هي قطعة انتزاعيّة) فالوحدة الحقيقيّة موجودة في المقام; لأنّ الاتّصال يساوق الوحدة.

إلاّ أنّك ترى أنّ هذا التصوير لا  يخلو ممّا مضى من الإيراد عليه بأنّ القطعة المشتملة على المقطع الذي هو زمان المبدأ لا  ينقضي عنها المبدأ إلاّ بانقضائها، فالإشكال في دخول اسم الزمان في مورد النزاع باق على قوّته.

  الصفحة 424  

الزمان في مفهوم المشتقّ.

وبعد الفراغ عن أنّ المشتقّ يدلّ على المتلبّس من دون دلالة له على الزمان يقع كلام آخر في أنّه: هل المشتقّ موضوع للمتلبّس بلا أيّ قيد للتلبّس، أو موضوع للذات المتلبّسة بالمبدأ تلبّساً مقارناً للنطق؟ وهذا لا  يعني أخذ زمان النطق في مفهوم المشتقّ، بل أخذ نفس النطق الذي هو زمانيّ، أي: أنّ التلبّس بالمبدأ يقيّد بالمقارنة مع النطق، فالذات المتلبّسة بالعلم مثلاً تلبّساً مقارناً للنطق مدلول لكلمة «عالم» أو موضوع للذات المتلبّسة بالمبدأ تلبّساً مقارناً للحكم والجري; إذ قد يختلف الحكم مع النطق، فحينما أقول: «زيد قائم بالأمس» يكون نطقي اليوم وحكمي بلحاظ الأمس.

وهذه الاحتمالات الثلاثة يظهر بينها فارق في اُسلوب الاستظهار، فمثلاً حينما يقال: «زيد عالم» و«زيد حيّ يرزق» يفهم منه: أنّه عالم الآن، أي: في زمان النطق. فإن قلنا بالاحتمال الثاني إذن فكلمة «عالم» تدلّ على ذلك بالظهور الوضعيّ. وإن قلنا بالاحتمال الثالث فكلمة «عالم» إنّما تدلّ بالظهور الوضعيّ على كونه عالماً حين الحكم والجري، ولكن يفهم بالإطلاق وانصراف الكلام أنّ زمان الحكم والجري هو زمان النطق، فعن هذا الطريق يصبح الكلام ظاهراً في كونه عالماً في زمان النطق. وإن قلنا بالاحتمال الأوّل، فكلمة «عالم» لا  تدلّ إلاّ على أصل التلبّس، وظهور الجملة في الهوهويّة والاتّحاد بين الموضوع والمحمول يدلّ على أنّ زيداً هو عين العالم (والعالم هو الذات التي لها التلبّس)، فهذا لا  يصدق إلاّ إذا كان في ظرف الجري والحكم متلبّساً، فيكون إثبات التلبّس في زمان الجري بظهور القضيّة، لا  ظهور المشتقّ، ثُمّ نثبت بالإطلاق والانصراف أنّ زمان الجري هو زمان النطق، فبالتالي يصبح الكلام ظاهراً في كونه عالماً في زمان النطق.

 
  الصفحة 425  

فعندنا ثلاثة دوالّ: دالٌّ على التلبّس بنحو مهمل مجمل وهو المشتقّ، ودالّ على أنّ التلبّس في ظرف الجري وهو ظهور الجملة في الهوهويّة، ودالّ على أنّ ظرف الجري هو ظرف النطق وهو الإطلاق. فهذه هي الفوارق الاستظهاريّة بين الاحتمالات الثلاثة. والصحيح منها هو الاحتمال الأوّل.

أمّا إبطال الاحتمال الثاني، فيكون بأمرين:

الأوّل: هو أنّ التلبّس لو كان مقيّداً بالنطق، لزم كون قولنا: «زيد ضارب بالأمس» أو «زيد ضارب غداً» مجازاً، مع أنّه لا  إشكال في كونه حقيقة حينما يكون قد صدر عنه الضرب بالأمس، أو سيصدر منه غداً.

والثاني: أنّه إن اُريد بأخذ النطق قيداً: أخذ مفهوم النطق، فهذا باطل; إذ لا  يخطر على البال حينما نسمع كلمة «عالم» نفس ما يخطر على البال من كلمة «نطق». وإن اُريد أخذ واقع النطق، لزم أن تكون كلمة «عالم» في حال عدم النطق لا  معنى لها; لأنّ واقع النطق لا  يتحصّل إلاّ حينما يوجد خارجاً، بينما ليس الأمر كذلك.

وأمّا إبطال الاحتمال الثالث، فأيضاً يكون بأمرين:

الأوّل: سنخ الإشكال الثاني على الاحتمال الثاني. وحاصله: أنّ المأخوذ: هل هو مفهوم الجري أو واقعه؟ فإن قيل بالأوّل، فهو باطل بالضرورة; لأنّ هذا المفهوم بما هو مفهوم لا  نلتفت إليه حينما نسمع كلمة «عالم» مثلاً. وإن قيل بالثاني، فإذا أتى بكلمة «عالم» لا  في جملة تامّة، فقيل: «عالم» لزم أن لا  يكون لها معنىً; إذ لا  حكم ولا  جري، بينما ليس الأمر كذلك.

الثاني: أنّ الجري في طول المحمول والموضوع، فإنّ معناه إثبات هذا لذاك، فكيف يؤخذ في المحمول؟! فإذن الصحيح: هو الاحتمال الأوّل، وهو أنّه بناءً على كون المشتقّ موضوعاً للمتلبّس يكون موضوعاً للمتلبّس بلا قيد.

 
  الصفحة 426  

تعقّل جامع على القولين:

المقدّمة الثالثة: لابدّ من تحقيق الكلام في تعقّل جامع على القولين، فعلى القول بكونه حقيقة في المتلبّس نريد جامعاً ينطبق على كلّ متلبّس، ولا  ينطبق على المنقضي عنه المبدأ. وعلى القول بكونه حقيقة في الأعمّ نريد جامعاً ينطبق على المنقضي عنه المبدأ أيضاً انطباقاً حقيقيّاً. وأمّا إذا لم يمكن تصوير الجامع على أحد القولين، فقد بطل ذلك القول ثبوتاً، ولم نحتج بعد ذلك إلى البحث الإثباتيّ; ولأجل ذلك كان هذا من مقدّمات المطلب، فنقول:

أمّا الجامع على القول بكون المشتقّ حقيقة في المتلبّس، فلا إشكال في ثبوته كما ظهر من المقدّمة الثانية; فإنّ الذات المتلبّسة بالمبدأ مفهوم ينطبق على المتلبّس دون المنقضي، ولا  فرق في ذلك بين القول بأنّ المشتقّ مفهوم تركيبيّ أو مفهوم بسيط، أي: أنّه نفس المبدأ، غاية الأمر: أنّه اُخذ لا  بشرط، فصحّ فيه الحمل. أمّا على التركيب(1) من ذات ونسبة ومبدأ، فالجامع هو ما قلناه، أي: ذات لها التلبّس بالعلم مثلاً في كلمة «عالم» فينطبق على المتلبّس دون المنقضي عنه المبدأ. وأمّا على البساطة وأنّ مفاد «عالم» هو مفاد علم، وإنّما الفرق بينهما من ناحية أنّ أحدهما اُخذ بشرط لا، والآخر لا  بشرط على ما  يأتي تفسيره إن شاء الله،


(1) لا  يخفى: أنّه ليس المقصود بالتركيب التركيب الحقيقيّ; إذ لا  ريب أنّ مفهوم المشتقّ ليس مركّباً من مفاهيم تفصيليّة، وهي مفهوم ذات ثبت لها المبدأ، وإنّما المقصود: التركيب والبساطة بحسب التحليل العقليّ، فالقائل بالبساطة يقول مثلاً: إنّ مفاده نفس المبدأ، لكنّه يحمل على الذات باعتباره اُخذ لا  بشرط، والقائل بالتركيب يقول مثلاً: إنّ المشتقّ موضوع للذات، لكن لا  على إطلاقها، بل للحصّة المنتسبة إلى المبدأ، وهذه الحصّة بالتحليل ترجع إلى ذات ومبدأ ونسبة بينهما.

  الصفحة 427  

فالجامع نفس العلم، فإنّه محفوظ في تمام موارد ثبوت التلبّس، وليس محفوظاً بعد الانقضاء.

وأمّا على الأعمّ فتصوير الجامع لا  يخلو من إشكال. وتوضيحه: أنّه إن بنينا على بساطة المفهوم الاشتقاقيّ، وأنّه نفس الحدث، فتصوير الجامع غير معقول أصلاً; لأنّ مدلول كلمة «عالم» ليست الذات دخيلة فيه وإنّما مدلوله العلم، إلاّ أنّه اُخذ لا  بشرط، ومن المعلوم: أنّ العلم غير محفوظ في المنقضي عنه المبدأ، ولا  يعقل تطبيقه حقيقة عليه، فإنّه على أساس ثبوت نوع اتّحاد بينهما، ومع الانقضاء لا  اتّحاد بينهما.

وأمّا إن بنينا على التركيب، فيمكن تصوير الجامع بأحد وجوه:

الأوّل: أن يقال: إنّ الجامع هو الذات في أحد الزمانين، أي: زمان التلبّس وزمان الانقضاء في مقابل زمان ما قبل التلبّس.

وهذا الجامع وإن كان في نفسه أمراً معقولاً، إلاّ أنّه يستلزم أخذ الجامع بين الزمانين في مفهوم المشتقّ، وقد فرغنا فيما سبق عن أنّ الزمان غير مأخوذ في مفهوم المشتقّ، إذن فهذا الوجه باطل.

الثاني: أنّ الجامع هو الذات المتلبّسة بتلبّس قبل الجري أو بعده، أي: الذات المتلبّسة بتلبّس ليس بعد الجري. وهذا الجامع أيضاً غير صحيح; إذ اُخذت فيه المقارنة بين التلبّس والجري، فلوحظ فيه التلبّس غير المتأخّر عن الجري، أي: الجامع بين المقارن والسابق عليه. وقد فرغنا سابقاً عن أنّ التلبّس المأخوذ في المشتقّ غير مأخوذ فيه الجري، وإنّما المأخوذ فيه نفس التلبّس مطلقاً، والمشتقّ قد يستعمل ولا  جري أصلاً: لا  قبله ولا  حينه ولا  بعده، كما لو استعمل لفظ «عالم» وحده لا  في جملة تامّة; فإنّ الجري من شؤون الجملة التامّة.

 
  الصفحة 428  

الثالث: أن يقال بأنّ المشتقّ مركّب من ذات وفعل ماض، فالعالم يعني: من علم، والضارب يعني: من ضرب، والقائم يعني: من قام وهكذا. ومن الواضح: أنّ من قام يصدق على من استمرّ قيامه إلى الحال، وعلى من تلبّس بالقيام وانقضى عنه، وبذلك نحصل على جامع ينطبق على المتلبّس والمنقضي عنه المبدأ دون ما لم يتلبّس بعدُ بالمبدأ، من دون أخذ قيد الجري ولا  مفهوم الزمان بناءً على عدم اشتمال الفعل على مفهوم الزمان. وهذا جامع معقول عرفيّ صحيح، ولا  يرد عليه لزوم دخول الفعل الماضي في المشتقّ، وهو بديهيّ البطلان كما ذكر بعض المستشكلين; فإنّه إن اُريد بذلك: أنّ الفعل الماضي بما هو محصّل لنسبة تامّة، يصحّ السكوت عليها غير مأخوذ في مفهوم المشتقّ، فهو صحيح، وإلاّ لكان «قائم» جملة تامّة، ولكن المقصود: أخذ الفعل قيداً كما يجعل قيداً لأداة الشرط أو الموصول، فكما أنّ الفعل في «من قام» اُخذ قيداً، وتحوّلت نسبة الجملة إلى النسبة الناقصة كذلك في المقام. وإن اُريد دعوى: بداهة بطلان دخول الفعل فيه ولو بنحو القيديّة وقلب نسبة الجملة إلى النقصان، فهي ممنوعة.

ولا  يرد عليه أيضاً: أنّه بناءً على ذلك يلزم أن يكون معنى «زيد قائم غداً»: زيد من قام غداً بينما هذا غير صحيح; فإنّ معنى الفعل الماضي لا  ينسجم مع كلمة «غد» مع أ نّا نرى أنّ «زيد قائم غداً» صحيح.

والجواب: أنّ «غداً» في «زيد قائم غداً» ليس قيداً للقيام، وإنّما هو قيد وتوقيت للنسبة الحمليّة بين الموضوع والمحمول. وان شئت فقل: إنّ زيداً قائم بمعنى: زيد من قام، فهناك نسبة اتّحاديّة حمليّة بين زيد واسم الموصول، وهناك نسبة للقيام إلى اسم الموصول، وكلمة «غد» ترجع للاُولى دون الثانية. وأحياناً تكون كلمة «غد» قيداً لنسبة ناقصة قائمة في نفس المشتقّ كما في قولنا: «الشفيع

 
  الصفحة 429  

محمّد في يوم القيامة»، فيوم القيامة ليس قيداً لمادّة شفع، بل للنسبة الناقصة بين لام الموصول والذات الاشتقاقيّة.

الرابع: ما ذكره السيّد الاُستاذ دامت بركاته(1)، وهو أنّ الجامع هو انتقاض عدم المبدأ بالوجود، فإنّ هذا ثابت في المتلبّس بالفعل والمنقضي عنه المبدأ. أمّا غير المتلبّس إلى الآن، فعدم المبدأ لم ينقضِ فيه بالوجود.

وهذا الوجه يحتاج إلى تمحيص، فنقول: نحن إنّما نتكلّم بناءً على كون المشتقّ مفهوماً تركيبيّاً; إذ عرفت: أنّه بناءً على البساطة لا  معنى لافتراض الجامع في الأعمّ، وعليه نقول: إنّه بناءً على هذا الوجه يكون مفهوم المشتقّ عبارة عن ذات لها هذه الصفة، وهي صفة انتقاض عدم المبدأ فيها بالوجود، وعندئذ نتساءل: أنّه كيف نصف الذات بهذه الصفة؟ فإن كان ذلك بالوصف الاشتقاقيّ، فقلنا: الجامع هو الذات المنتقض عدم المبدأ فيه بالوجود، فإذن يعود الإشكال مرّة اُخرى، فإنّنا ننقل الكلام إلى كلمة «المنتقض» في هذه الجملة التي هي مشتقّ، فإن اُريد بها الأعمّ من المنتقض فعلاً والمنتقض فيما مضى، تساءلنا عن الجامع لذلك. وإن اُريد بها خصوص المنتقض فعلاً، فإذن لم يصبح المشتقّ موضوعاً للأعمّ. وإن كان ذلك بالوصف بالماضي، أي: قلنا: إنّ الجامع هو ذات انتقض عدم المبدأ فيها بالوجود، فالضارب مثلاً معناه: ذات انتقض عدم الضرب فيها بالضرب، إذن فرأساً قولوا في مقام التوصيف بالماضي: إنّ الضارب هو ذات ضربت بلا حاجة إلى هذا اللفّ والدوران. وهذا رجوع إلى الوجه الثالث، وإن كان ذلك بإضافة كلمة «ذو» أو «له» أو نحو ذلك بأن يقال: إنّ الضارب هو ذو الضرب أو له ضرب مثلاً، فظاهر ذلك


(1) راجع المحاضرات، ج  1، ص  250 ـ 251 بحسب طبعة مطبعة النجف.

  الصفحة 430  

الفعليّة(1)، أي أنّ حاله أيضاً حال المشتقّ، إلاّ أن يقال: إنّ الضارب هو ذو ضرب في أحد الزمانين، أو إنّ الضارب هو ذات لها الضرب في أحد الزمانين، فرجع إلى بعض الأوجه السابقة.

الخامس: ما ذكره السيّد الاُستاذ ـ  دامت بركاته  ـ(2) أيضاً، وهو: أنّه إن أعوزنا الجامع فليكن عنوان (أحدهما) وهو جامع انتزاعيّ، ولا  بأس به.

ويرد عليه: أنّ عنوان (أحدهما) إطلاقه بدليّ، ويستحيل أن يكون شموليّاً،


(1) التعبير الوارد في المحاضرات هو: أنّ الجامع بين المتلبّس والمنقضي اتّصاف الذات بالمبدأ في الجملة في مقابل الذات التي لم تتّصف به بعد. فقد يورد عليه بناءً على كون مقصوده بذلك: أنّ المشتقّ يدلّ على من هو ذو اتّصاف بالمبدأ، فكلمة «ذو اتّصاف» ككلمة المتّصف تعني معنىً اشتقاقيّاً لا  زلنا محلّ كلامنا في أنّها: هل تعطي معنى التلبّس، أو الأعمّ؟ وإذا كانت تعطي معنى الأعمّ، فما هو الجامع المفترض في الأعمّ حتّى تعطي معناه؟ إذن فتبديل كلمة «المتّصف بالمبدأ» والتي هي مشتقّ داخل في محلّ البحث بمثل (ذو الاتّصاف) لا  يحلّ لنا مشكلاً.

أقول: أظنّ أنّ مقصود السيّد الخوئيّ ـ  سواء صحّ تعبيره أو خانه التعبير  ـ هو: أنّ المشتقّ يدلّ على من انتسب إليه تحقّق المبدأ بالمعنى المقابل لترقّب المبدأ، فالترقّب يكون للمستقبل، والتحقّق يكون للحال والماضي، فالجامع بين المتلبّس والمنقضي عنه المبدأ لا  نشير إليه بكلمة «ذو» حتّى يقال: إنّ حالها حال المشتقّ، بل نشير إليه بكلمة ذو التحقّق باعتبار أنّ ما اُضيف إليه ذو وهو تحقّق المبدأ موجود في المتلبّس بالمبدأ والمنقضي عنه المبدأ، أو قل: إنّ الضارب يعني المتحقّق منه الضرب، والجامعيّة لم تأتِ من قبل الاشتقاق حتّى يقال: هذا هو أوّل الكلام، بل من قبل المادّة وهي التحقّق، فقول: «الضارب» يعني: الذات المتحقّق منها الضرب، ونقصد به التحقّق الحاليّ، لكن التحقّق الحاليّ نقصد به ما يقابل الترقّب، فمن تحقّق منه الضرب في الماضي يكون في الحال متحقّقاً منه الضرب في مقابل أن يترقّب منه الضرب.

(2) راجع المحاضرات، ج  1، ص  251 بحسب طبعة مطبعة النجف.

  الصفحة 431  

فإذن يلزم أن لا  يتصوّر الإطلاق الشموليّ الشامل للمتلبّس والمنقضي عنه المبدأ في المشتقّ بأن يقال: «أكرم العالم» ويقصد ـ  بناءً على الأعمّ  ـ وجوب إكرام العالم بنحو الشمول، سواء كان متلبّساً بالفعل أو منقضياً عنه المبدأ، بينما ليس الأمر هكذا(1).

السادس: أنّ الجامع هو الذات غير المتلبّسة فعلاً بالعدم الأزليّ للمبدأ. وهذا جامع معقول في نفسه كالجامع الثالث الذي اخترناه، ويشمل المتلبّس بالفعل والذي تلبّس به المبدأ وانقضى عنه، فإنّه في كليهما لا  تكون الذات متلبّسة بالعدم الأزليّ للمبدأ، ولا  يشمل ما لم يتلبّس بعدُ بالمبدأ; لأنّه متلبّس فعلاً بالعدم الأزليّ، إلاّ أنّ هذا الجامع عيبه عدم عرفيّته، فإنّ هذا الجامع يفترض: أنّ (العالم) مثلاً معناه: الذات غير المتلبّسة بالعدم الأزليّ فعلاً للعلم، فكأنّه ابتداءً يفهم العدم، وعن طريقه ينتقل إلى الوجود. وبتعبير آخر: يفهم معنى المشتقّ عن طريق العدم، بينما العرف لا  يحسّ بهذا التعقيد. وعين هذا الإشكال يرد على الوجه الرابع أيضاً(2).

وقد تحصّل: أنّ الصحيح من هذه الجوامع هو الجامع الثالث، فهو جامع معقول


(1) لا  يخفى: أنّ كلمة أحدهما إذا كانت قد اُخذ فيها لغةً معنى البدليّة، فبإمكاننا أن نشير إلى الجامع الانتزاعيّ بين المتلبّس بالفعل والمنقضي عنه المبدأ بكلمة غير مشتملة على البدليّة من قبيل: (الفرد منهما)، فيكون معنى «أكرم العالم»: أكرم من يكون فرداً للمتلبّس أو المنقضي عنه المبدأ مثلاً. وبكلمة اُخرى: ليس الواضع مجبوراً بالضرورة على وضع المشتقّ ـ  حينما فرض وضعه للجامع الانتزاعيّ ـ أن يلحظ عنوان (أحدهما) بما فرض له من معنى البدليّة، بل بإمكانه تجريد ذاك الجامع عن قيد البدليّة. فهذا الإشكال من قبل اُستاذنا الشهيد أشبه بالإشكال اللفظيّ.

(2) بناءً على كون المقصود منه انتقاض العدم. وهذا ما لا  تُساعد عليه عبائر المحاضرات ما عدا عبارة واحدة.

  الصفحة 432  

وعرفيّ.

إذا عرفت هذه المقدّمات، قلنا: إنّ الكلام في أصل النزاع في المشتقّ يقع في مقامين: الأوّل: في الأصل العمليّ حيث لم يوجد دليل. والثاني: في أدلّة الطرفين:

مقتضى الأصل العمليّ في المشتقّات

أمّا المقام الأوّل: فتارة نتكلّم في الأصل بلحاظ المسألة الاُصوليّة لإثبات ما هو موضوع النزاع من كون المشتقّ حقيقة في الأعمّ، أو المتلبّس بالفعل، واُخرى نتكلّم في الأصل بلحاظ المسألة الفقهيّة، أي: تعيين الوظيفة الشرعيّة بعد أن لم يتعيّن لنا حتّى بالأصل كون المشتقّ حقيقة في الأعمّ أو في خصوص المتلبّس بالفعل:

الأصل العمليّ بلحاظ المسألة الاُصوليّة:

أمّا الأصل بلحاظ المسألة الاُصوليّة، فقد يتخيّل أنّ الأصل في صالح الأعمّ، وذلك بلحاظ أصالة عدم أخذ الخصوصيّة حيث إنّ أصل أخذ الجامع في المعنى الموضوع له معلوم، وإنّما الكلام في أنّه: هل لوحظت معه خصوصيّة المتلبّس بالفعل، أو لا؟ فمقتضى الاستصحاب هو عدم لحاظها.

إلاّ أنّ هذا الجواب باطل لوجوه:

الأوّل: أنّه إن تمّ هذا فإنّما يتمّ فيما لو علم وضع اللفظ لمفهوم واحد مردّد بين مطلقه ومقيّده، كما لو شككنا في أنّ لفظ «الإنسان» هل وضع لمطلق الحيوان الناطق، أو للحيوان الناطق العادل؟ ولكن فيما نحن فيه ليس الأمر كذلك; لأنّ

 
  الصفحة 433  

الجامع بناءً على كون المشتقّ موضوعاً لخصوص المتلبّس بالفعل مع الجامع بناءً على الأعمّ مفهومان متباينان بلحاظ عالم المفاهيم(1) وإن كان بينهما عموم مطلق بلحاظ عالم الصدق، فهذا حاله حال ما لو شككنا في أنّ الإنسان موضوع لمفهوم الحيوان الناطق، أو موضوع لمفهوم الشاعر، وعندئذ لا  معنى لتعيين الأعمّ بالأصل; فإنّ الأمر بلحاظ عالم الوضع دائر بين متباينين، وليس هناك أقلّ متيقّن وزائد مشكوك ينفى بالاستصحاب; فإنّ المشتقّ معناه بناءً على كونه حقيقة في خصوص المتلبّس هو المتلبّس بالمبدأ، وبناءً على الأعمّ هو الذات المقيّدة بمفاد الفعل الماضي على ما مضى. ومن المعلوم أنّ الذات المقيّدة بمفاد الفعل الماضي مع الذات المقيّدة بالتلبّس بالمبدأ مفهومان متباينان، من قبيل: الناطق والشاعر، فلا معنى لجريان الاستصحاب وإن كان بينهما عموم مطلقاً في عالم الصدق.

الثاني: إشكال يرد على بعض المباني دون بعض، وتوضيحه: أنّ في التقابل بين الإطلاق والتقييد ثلاثة مبان:

1 ـ ما هو الحقّ من تقابل السلب والإيجاب، وعليه فلا موضوع لهذا الإشكال، فقد يتصوّر أنّه باستصحاب عدم التقييد يثبت الإطلاق، فيثبت فيما نحن فيه أنّ المشتقّ حقيقة في الأعمّ; لأنّ التقييد رفعناه بالاستصحاب، وليس الإطلاق إلاّ عبارة عن عدم التقييد.

2 ـ ما هو ظاهر كلام السيّد الاُستاذ ـ  دامت بركاته  ـ من تقابل التضادّ، وعليه فيسجّل هذا الإشكال، وهو: أنّ استصحاب عدم التقييد لا  يثبت الإطلاق حتّى


(1) كأنّ هذا مبنيّ على ما اختاره من أنّ الجامع ـ  بناءً على الأعمّ  ـ هو قيد الفعل الماضي، فمن الواضح: أنّ هذا يباين مفهوم التلبّس، أو فعليّة المبدأ.

  الصفحة 434  

يثبت كون المشتقّ حقيقة في الأعمّ; فإنّ التقييد والإطلاق كلاهما أمر وجوديّ مسبوق بالعدم، فكما يجري استصحاب عدم لحاظ القيد كذلك يجري استصحاب عدم لحاظ الإطلاق، وكلّ من الأصلين النافيين لأحد الضدّين لا  يثبت الآخر، إلاّ بناءً على الأصل المثبت.

3 ـ ما ذهب إليه المحقّق النائينيّ من تقابل العدم والملكة، فالإطلاق أمر عدميّ مطعّم بالملكة، فأيضاً يأتي إشكال: أنّ استصحاب عدم التقييد لا  يثبت الإطلاق; وذلك لأنّه عدم خاصّ مطعّم بالملكة لا  مطلق العدم الذي يثبت باستصحاب عدم شيء، فلا يمكن إثباته باستصحاب العدم، كما أنّ استصحاب عدم البصر في الجسم القابل لا  يثبت العمى.

الثالث: مبنيّ على أنّ الإطلاق أمر عدميّ صرف، فيندفع الإشكال السابق لكن يرد هذا الإشكال وهو: أنّ استصحاب عدم أخذ الخصوصيّة لا  يجري، لعدم أثر شرعيّ، فإنّ عدم أخذ القيد ليس موضوعاً لحكم شرعيّ وإنّما هو سبب للظهور الذي هو موضوع الحكم الشرعيّ بالحجّيّة، فيكون الأصل مثبتاً من هذه الناحية. إذن فلا يوجد أصل عمليّ منقّح للمدّعى في المسألة الاُصوليّة.

الأصل العمليّ بلحاظ المسألة الفقهيّة:

وأمّا الأصل بلحاظ المسألة الفقهيّة: فتارة يقع الكلام بلحاظ الأصل الموضوعيّ، وهو استصحاب بقاء كونه عالماً مثلاً بعد زوال المبدأ، وهو العلم عنه، واُخرى بلحاظ الأصل الحكميّ:

أمّا الكلام بلحاظ الأصل الموضوعيّ، فقد يقال بجريان استصحاب عنوان العالم بعد انقضاء المبدأ عنه، ويسمّى ذلك بالاستصحاب في الشبهة المفهوميّة.

 
  الصفحة 435  

والتحقيق: عدم جريانه كما بيّنّاه مفصّلاً في بحث الاستصحاب، وبيانه إجمالاً بمقدار ما ينطبق على محلّ الكلام: أنّ لدينا في المقام ثلاثة اُمور:

1 ـ فعليّة التلبّس بالمبدأ، وهي مقطوعة الارتفاع، فلا معنى لاستصحابها.

2 ـ الجامع بين التلبّس والانقضاء، وهو مقطوع البقاء، فلا معنى لاستصحابه.

3 ـ عنوان مدلول كلمة «العالم»، وهو مشكوك البقاء; إذ لا  ندري: هل أنّ مدلولها هو خصوص المتلبّس بالفعل الذي هو مرتفع قطعاً، أو الأعمّ الذي ثابت قطعاً، فبالتالي لا  ندري أنّ مدلول كلمة «العالم» هل هو ثابت أو لا؟ فقد يتخيّل جريان الاستصحاب بلحاظه، إلاّ أنّه غير صحيح أيضاً; لأنّ مدلول اللفظ بهذا العنوان ليس موضوعاً لحكم شرعيّ بحيث لولا  وضع لفظة «عالم» مثلاً لما ثبت هذا الحكم للعالم، وإنّما موضوع الحكم الشرعيّ هو واقع مدلول اللفظ، أي: ما يكون مدلولاً له بالحمل الشائع فإنّ الأحكام الشرعيّة تابعة لموضوعاتها الواقعيّة، ودلالة اللفظ إنّما هي طريق إلى الموضوع لا  قيد للموضوع، فالموضوع للحكم: إمّا هو ما نقطع ببقائه، وعليه لا  مجال للاستصحاب، أو ما نقطع بارتفاعه، وعليه أيضاً لا  مجال للاستصحاب.

وأمّا الكلام بلحاظ الأصل الحكميّ، فتارة نفرض أنّ التكليف تعلّق بصرف الوجود، كما إذا قال: «أكرم عالماً» واُخرى نفرض أنّه تعلّق بمطلق الوجود، كما إذا قال: «أكرم كلّ عالم»:

فإن تعلّق التكليف بصرف الوجود، فالشكّ يكون في إجزاء الامتثال بإكرام المنقضي عنه المبدأ، وبحسب الحقيقة يكون الشكّ من باب دوران الأمر بين التعيين والتخيير في الشبهات الحكميّة، وفي مثل ذلك يتعيّن القول بالبراءة على ما  بيّنّاه في بحث البراءة والاشتغال مفصّلاً، وبيانه إجمالاً بمقدار ما  ينطبق على

 
  الصفحة 436  

محلّ الكلام: أنّنا تارة نفرض أنّ الجامع الأعمّيّ محفوظ في ضمن المتلبّس والمنقضي عنه المبدأ، إلاّ أنّ المتلبّس يزيد عليه بزيادة، فالنسبة بينهما كالنسبة بين الرقبة والرقبة المؤمنة، واُخرى يفرض أنّهما مفهومان متباينان في عالم المفهوميّة وإن كانت النسبة بينهما في مقام الصدق والانطباق العموم المطلق. فإن فرضنا الأوّل، كان من الأقلّ والأكثر في نفس عالم عروض الوجوب; لأنّ الجامع محطّ للوجوب على أيّ حال، وتقيّده مشكوك، فتجري البراءة عن الزائد. وإن فرضنا الثاني، فبلحاظ عالم الوجوب والواجب يكون الأمر دائراً بين المتباينين، ولكن بحسب عالم الكلفة التي هي نتيجة الوجوب يكون الأمر دائراً بين الأقلّ والأكثر; لأنّ كلفة وجوب الجامع الأعمّيّ أقلّ من كلفة الآخر; لأنّ دائرة صدقه أوسع. وقد بيّنّا في محلّه أنّه مع دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر بلحاظ عالم الكلفة تجري البراءة عن ذي الكلفة الزائدة، فتجري في المقام البراءة عن وجوب إكرام خصوص المتلبّس بالفعل.

وإن تعلّق التكليف بمطلق الوجود كما لو قال: «أكرم العالم» وانقضى المبدأ عن بعض الأفراد، فهنا فصّل صاحب الكفاية بين ما إذا كان الحكم قد حدث بعد انقضاء المبدأ، فيكون الشكّ شكّاً في حدوث الوجوب، فتجري البراءة أو استصحاب عدم الوجوب، وما إذا كان الحكم قد حدث قبل انقضاء المبدأ، فيجري استصحاب الوجوب(1).

أقول: إنّه فيما إذا كان حدوث الحكم بعد انقضاء المبدأ: فتارةً يكون ذلك من باب: أنّ أصل جعل المولى للحكم كان بعد انقضاء المبدأ، فهنا يتمّ ما ذكره صاحب


(1) راجع الكفاية، ج  1، ص  68 بحسب طبعة المشكينيّ.

  الصفحة 437  

الكفاية من الرجوع إلى الاُصول المؤمّنة، واُخرى يكون من باب: أنّ الحكم وإن ثبت جعله قبل انقضاء المبدأ، لكنّه كان مشروطاً بشرط لم يتحقّق بلحاظ هذا الشخص إلاّ بعد انقضاء المبدأ، فليس التأخّر في أصل جعل الحكم، وإنّما التأخّر في فعليّته، كما لو أوجب قبل عيد الفطر إكرام العلماء إذا جاء عيد الفطر، ثُمّ زال المبدأ من بعض العلماء بعد أصل الجعل وقبل تحقّق الشرط وهو مجيء عيد الفطر، فالحكم هنا متأخّر عن انقضاء المبدأ، بمعنى: تأخّر فعليّته عنه، وفي مثل هذا المورد بالإمكان أن يجري الاستصحاب التعليقيّ الحاكم على البراءة، فيقال: هذا الشخص الذي زال علمه كان قبل هذا لو جاء عيد الفطر لوجب إكرامه، والآن كما كان بحكم استصحاب هذه القضيّة الشرطيّة. والاستصحاب التعليقيّ قد التزم به صاحب الكفاية في محلّه، ونحن أيضاً أيّدناه في الجملة.

وأمّا إذا كان الحكم ثابتاً قبل انقضاء المبدأ بجعله وفعليّته، فهنا يجري استصحاب الحكم استصحاباً تنجيزيّاً، إلاّ أنّ السيّد الاُستاذ ـ  دامت بركاته  ـ ناقش في هذا الاستصحاب بأمرين(1):

الأوّل: أنّه استصحاب في الشبهة الحكميّة، وهو ـ  دامت بركاته  ـ لا  يبني على الاستصحاب في الشبهات الحكمية. إلاّ أنّ التحقيق في محله وفاقاً للمشهور بين المحقّقين المتأخّرين: جريان الاستصحاب في الشبهة الحكميّة، فلا إشكال من هذه الناحية.

الثاني: أنّه لو سلّمنا الاستصحاب في باب الشبهات الحكميّة في الجملة، فلا نسلّمه في الشبهات الحكميّة المفهوميّة; لعدم العلم فيها بوحدة الموضوع. وما نحن


(1) راجع المحاضرات، ج  1، ص  243 ـ 245 بحسب طبعة مطبعة النجف.

  الصفحة 438  

فيه من هذا القبيل; لأنّ المفروض أنّ مفهوم «عالم» مثلاً في قوله: «اكرم العالم» مردّد بين المتلبّس بالفعل والأعمّ، فإذا كان هو المتلبّس بالفعل، فقد تعدّد الموضوع، وارتفع موضوع القضيّة المتيقّنة، وإذا كان هو الأعمّ فالموضوع باق، فنحن لم نحرز بقاء الموضوع حتّى نجري الاستصحاب.

أقول: هذا الإشكال لو تمّ، لما اختصّ بالشبهات الحكميّة المفهوميّة، بل يجري في كلّ الشبهات الحكميّة ولو لم تكن مفهوميّة، كما لو قال: «الماء إذا تغيّر بعين النجس تنجّس» ثُمّ زال التغيّر، وشككنا في بقاء النجاسة لا  لإجمال مفهوم الدليل، بل لسكوت الدليل عن حكم ما بعد زوال النجاسة، وعدم بيانه له لا  منطوقاً ولا  مفهوماً، فأيضاً نقول: إنّ موضوع الحكم مردّد بين المتغيّر بالفعل الذي قد ارتفع، ومطلق ما حصل فيه التغيّر ولو زال التغيّر عنه بعد ذلك، وهذا موجود; فأيضاً لا  نجزم بوحدة الموضوع. والذي يجيب به السيّد الاُستاذ ـ  دامت بركاته  ـ وغيره على هذا الإشكال في الشبهات الحكميّة: أنّ الاستصحاب إنّما نجريه عند تغيّر ما لم يكن بحسب النظر العرفيّ حيثيّة تقييديّة وركناً في الموضوع على تقدير دخله، وإنّما كان على تقدير دخله حيثيّة تعليليّة. وأنت ترى أنّ نفس هذا الجواب بعينه يأتي في المقام، فيقال: إنّ فعليّة العلم إن كانت دخيلة، فهي حيثيّة تعليليّة للحكم، وليست ركناً وحيثيّة تقييديّة.

والخلاصة: أنّ الميزان في جريان الاستصحاب وعدمه ليس هو كون الشبهة الحكميّة مفهوميّة أو غير مفهوميّة، وإنّما الميزان: أنّ الحيثيّة المفقودة هل هي ركن في الموضوع عرفاً على تقدير دخلها، أو لا؟ فإن كانت ركناً في الموضوع على تقدير الدخل، لم نحرز وحدة الموضوع ولو لم تكن الشبهة مفهوميّة. وإن كانت مجرّد حيثيّة تعليليّة، فالموضوع لم يتعدّد ولو كانت الشبهة مفهوميّة، فالصحيح ما

 
  الصفحة 439  

عليه صاحب الكفاية من إجراء استصحاب الحكم خلافاً للسيّد الاُستاذ الذي أجرى البراءة عن الحكم.

بقي في المقام شيء بلحاظ الأصل الحكميّ، وهو: أنّه لو ثبت كلا الحكمين، أعني: الحكم بنحو صرف الوجود والحكم بنحو مطلق الوجود، فورد «أكرم عالماً» وورد «أكرم العادل»، ووجد عندنا شخص زال علمه، ووجد أيضاً شخص زالت عدالته، فهنا نبتلي بعلم إجماليّ بإلزام مردّد; لأنّه: إن كان المشتقّ موضوعاً لخصوص المتلبّس بالفعل، لم يجز لنا امتثال الحكم الأوّل بإكرام من انقضى علمه، وإن كان موضوعاً للأعمّ وجب علينا إكرام من انقضت عدالته، فإن كان الحكم الثاني متأخّراً بجعله وفعليّته مثلاً عن زوال عدالة هذا الشخص، فلا محيص عن الاحتياط لتنجيز العلم الإجماليّ. وإن كان متقدّماً على زوال عدالته، فعلى مبنانا من جريان استصحاب الوجوب في حقّه ينحلّ العلم الإجماليّ بالأصل المثبت للتكليف في أحد طرفيه، فيجري الأصل في الطرف الآخر بلا معارض. وعلى مبنى السيّد الاُستاذ ـ  دامت بركاته  ـ من جريان البراءة يتعارض الأصلان، ولابدّ من الاحتياط.

أدلّة القولين في وضع المشتقّ

وأمّا المقام الثاني: وهو الكلام بلحاظ الأدلّة على الطرفين، فنقول: هناك رأي بأنّ المشتقّ موضوع للمتلبّس بالفعل، ورأي آخر بأنّه موضوع للأعمّ، ورأي ثالث بالتفصيل. وقبل الدخول في أدلّتهم نقول:

إنّ تحليل نفس مدّعى القول بالأعمّ يكفي للالتفات إلى بطلانه بلا حاجة إلى التكلّم في تلك الأدلّة، فإنّ القول بالأعمّ معناه ـ  كما عرفت  ـ هو القول بوضع المشتقّ للجامع

 
  الصفحة 440  

بين المتلبّس بالفعل والمنقضي عنه المبدأ. ولابدّ لصاحب هذا القول من أن يلتزم بأحد جامعين على ما مضى: فإمّا أن يقول بأنّ الجامع هو ذات مقيّدة بالفعل الماضي، فالقائم معناه من قام، وإمّا أن يقول بأنّ الجامع هو ذات غير متلبّسة فعلاً بالعدم الأزليّ للمبدأ. أمّا الثاني فقد عرفت عدم عرفيّته، فإنّ الوجدان حاكم بأنّه لا  يفهم من مثل: ضارب أو قائم إلاّ معنىً ثبوتيّ صرف، ولا  ينتقل الذهن بنحو التفصيل ولا  بنحو الإجمال إلى نفي العدم، بل يفهم منه رأساً المعنى الثبوتيّ، وليس هذا جامعاً عرفيّاً يقع تحت نظر الواضع أوّلاً وتحت نظر المستعمل والسامع ثانياً. وأمّا الأوّل فلازم أخذ الفعل الماضي في مفهوم المشتقّ هو: أن يشترط في كون استعمال المشتقّ حقيقيّاً أن يكون المبدأ ثابتاً للمشتقّ فيما مضى ولو آناً ما; إذ لو كان المبدأ ثابتاً في الحال فقط، لم يكن ذلك مفاد الفعل الماضي، وإنّما هو مفاد الفعل المضارع، بينما من الواضح وجداناً كفاية التلبّس الحاليّ، بل يلزم من ذلك في المبادئ الآنيّة كالضرب، أي: الضربة الواحدة كون المشتقّ حقيقة في خصوص المنقضي عنه المبدأ دون المتلبّس; لأنّ التلبّس في الآن الحاضر لا  يكفي لكونه معنى المضارع لا  الماضي، وقد اُخذ الفعل الماضي ركناً في مفهوم المشتقّ، والتلبّس فيما قبل الآن الحاضر قد انقضى; لأنّ المبدأ كان آنيّاً، فوجود لوازم فاسدة عرفاً من هذا القبيل يكفي لكونه برهاناً عرفيّاً على عدم صحّة القول بكون المشتقّ موضوعاً للأعمّ، وتعيّن القول بكونه موضوعاً لخصوص المتلبّس، إذن فتحليل نفس المدّعى كاف لإبطاله من دون حاجة إلى الدخول في الوجوه التي تذكر للمُدَّعَيات(1)، إلاّ أنّنا مع ذلك نمرّ بوجوه بعض الأقوال إجمالاً فنقول:


(1) لا  يخفى: أنّ إبطاله لدعوى وضع المشتقّ للأعمّ بتحليل نفس المدّعى بالنحو الذي ذكره مبتن على مبناه من أنّ الجامع الصحيح العرفيّ منحصر في مفاد الفعل الماضي.

  الصفحة 441  

أدلّة وضع المشتقّ لخصوص المتلبّس بالفعل:

أمّا القول بالاختصاص بخصوص المتلبّس بالفعل، فقد استدلّ له بوجوه:

الوجه الأوّل: دعوى تبادر خصوص المتلبّس. واُشكل عليه من قبل الأعمّيّ بأنّه لعلّ التبادر ليس ناشئاً من الوضع، بل من الانصراف القائم على أساس غلبة الاستعمال في المتلبّس.

وأجاب على ذلك صاحب الكفاية(1) بأنّ الغالب في موارد استعمال المشتقّ هو الانقضاء، فكيف يمكن دعوى الانصراف إلى المتلبّس على أساس الغلبة في الاستعمال؟ إلاّ أنّ صاحب الكفاية رأى أنّ هذا الكلام أوقعه بين محذورين: فإن ادّعى: أنّ الغالب في استعمال المشتقّ هو التلبّس بالفعل، وقع في مشكلة: أنّ


أمّا لو بنينا على ما مضى من فرض وجود جامع التحقّق في مقابل الترقّب، فهذا جامع يثبت فيما انقضى عنه المبدأ، ويثبت أيضاً في المتلبّس بالحال ولو كان مبدؤه آنيّاً، أو كان تلبّسه في الحال فحسب، أي: الماضي، فهذا البيان لا  يتمّ.

ويؤيّد فرض وجود جامع حقيقيّ بين المنقضي عنه المبدأ والمتلبّس من أوّل آنات تلبّسه ـ  سواء أمكننا التعبير عن ذاك الجامع بما ذكرناه من عنوان تحقّق المبدأ أو خاننا التعبير عنه  ـ هو ما نُحسّ به وجداناً وعرفاً من أنّ زيداً الذي ضرب سابقاً مع من هو ضارب بالفعل ولم يكن ضارباً سابقاً بينهما شبهٌ، أو سنخيّة، أو تماثل مفقود في من لم يضرب حتّى الآن، كما أنّ بينهما وبين من سيضرب مستقبلاً أيضاً شبه وتماثل مفقود في من لم يضرب ولن يضرب، فبناءً على أنّ الشبه والتماثل يكشف عن الجامع الحقيقيّ يثبت هنا وجود الجامع بين المتلبّس والمنقضي عنه المبدأ، كما يثبت وجود جامع آخر أوسع بينهما وبين من سيتلبّس بالمبدأ.

(1) لا  يخفى: أنّ هذا البحث في الكفاية لم يرد في ذيل دليل التبادر، بل ورد في ذيل دليل ارتكاز التضادّ.

  الصفحة 442  

الانصراف لعلّه على أساس غلبة الاستعمال، وليس تبادراً دالاًّ على الحقيقة، وإن ادّعى: أنّ الغالب فيه هو الانقضاء، قيل له: إذن فكيف تدّعي: أنّ المشتقّ حقيقة في خصوص المتلبّس، بينما هذا معناه: غلبة الاستعمال في المعنى المجازيّ الكاشفة عن غلبة الحاجة إليه، مع أنّ الوضع يتّبع الحاجات، واللفظ إنّما يوضع لذاك المعنى الأكثر حاجة إليه، فهذا خلاف حكمة الوضع؟

وتخلّص صاحب الكفاية عن كلا المحذورين بأن قال: إنّ أكثر موارد استعمال المشتقّ هو مورد الانقضاء، إلاّ أنّه يمكن حملها على الاستعمال في المتلبّس، وذلك بأن يكون الجري بلحاظ زمان التلبّس، ويمكن حملها على الاستعمال في المنقضي عنه المبدأ، وذلك بأن يكون الجري بلحاظ الحال. وعليه: فبناءً على أنّ المشتقّ حقيقة في المتلبّس تحمل تلك الاستعمالات على الجري بلحاظ زمان التلبّس عملاً بأصالة الحقيقة، فلم تلزم غلبة الاستعمال في المعنى المجازيّ. وبناءً على أنّ المشتقّ حقيقة في الأعمّ لا  تجري أصالة الحقيقة لإثبات الاستعمال في المتلبّس; لأنّ الاستعمال في المنقضي أيضاً حقيقة، بل تحمل هذه الاستعمالات على الاستعمال بلحاظ حال النطق تمسّكاً بأصالة الإطلاق التي توجب أنّ زمان الجري هو زمان النطق، فإنّ الإطلاق وعدم تعيين الزمان يقتضي ذلك، وزمان النطق هو زمان الانقضاء، إذن لم يصحّ دعوى الانصراف إلى المتلبّس لكثرة الاستعمال(1)، فارتفع كلا الإشكالين.

أقول: إنّنا لا  نسلّم أنّ أكثر الاستعمالات في المنقضي عنه المبدأ حتّى على


(1) لا  يخفى: أنّ الموجود في الكفاية ليس هو فرض الانصراف إلى المتلبّس لكثرة الاستعمال بل فرض انسباق التلبّس من الإطلاق من دون اشتراط التلبّس من قبل الواضع ولكنّنا لا  نفهم سبباً لهذا الانسباق من الإطلاق إلاّ كثرة الاستعمال.

  الصفحة 443  

القول بالأعمّ. وبيان ذلك: أنّ استعمالات المشتقّ قد تكون في جملة تطبيقيّة: وأقصد بها: أنّ هناك ذاتاً مشخّصة نطبّق عليها عنوان المشتقّ، كما في «زيد عالم»، واُخرى تكون غير تطبيقيّة، أي: لم يطبّق فيها عنوان المشتقّ على ذات معيّنة، كما إذا قيل: «أكرم العالم». أمّا في الثاني فالمستعمل لم يلحظ ذاتاً معيّنة، وأجرى عليها المشتقّ ليقال: إنّ مقتضى الإطلاق: أنّ زمان الجري هو زمان النطق، وفي زمان النطق قد انقضى المبدأ عن الذات. وأمّا في الأوّل فالجملة التطبيقيّة: إمّا إسناديّة كـ «رأيت العالم»، أو «ضرب العالم»، أو حمليّة كـ «زيد عالم» فإن كانت إسناديّة، فمن الواضح: أنّ مقتضى الإطلاق فيها: أنّ الجري والتطبيق على الذات إنّما هو بلحاظ زمان صدور الفعل، لا  بلحاظ زمان النطق حتّى يقال بأنّ زمان النطق قد انقضى فيه المبدأ، فيتعيّن كونه مستعملاً في المنقضي، بل في زمان النطق لعلّ ذاته أيضاً غير موجودة. وإن كانت حمليّة: فتارةً نفرض أنّ الذات منقضية كما في قولنا «الشيخ المفيد عالم»، واُخرى نفرض عدم انقضائها كما في قولنا «زيد عالم»، وكان زيد بعدُ حيّاً، ففي الأوّل من الواضح: أنّ الجري لا  يكون بلحاظ زمان النطق، بل بلحاظ زمان وجود الذات حتّى على رأي الأعمّيّ; إذ عند زمان النطق لا  ذات أصلاً حتّى يجري عليها الوصف الاشتقاقيّ، وفي الثاني نسلّم: أنّ مقتضى أصالة الإطلاق أن يكون الجري بلحاظ زمان النطق، ولكن لا  نسلّم في خصوص هذا القسم من القضايا، أي: القضايا التطبيقيّة الحمليّة الموجود فيها الذات أنّ الغالب هو التلبّس حال النطق، إذن فكلام صاحب الكفاية غير صحيح.

ولكن إشكال الأعمّيّ بأنّ التبادر لعلّه انصرافيّ نشأ من كثرة الاستعمال غير وارد، فإنّه حتّى لو سلّم كون التبادر انصرافيّاً نشأ من كثرة الاستعمال، لا  يضرّنا ذلك; إذ معنى ذلك: صيرورة اللفظ بكثرة الاستعمال موضوعاً بالوضع التعيّنيّ في

 
  الصفحة 444  

خصوص المتلبّس بالنقل من الأعمّ مثلاً، وتمام همّ الفقيه إنّما هو إثبات ظهور اللفظ في معنىً، وهذا يثبت بثبوت الوضع والتبادر من دون فرق بين كون الوضع تعيينيّاً أو تعيّنيّاً، ولم يكن الهدف إثبات خصوص الوضع التعيينيّ مثلاً.

الوجه الثاني: أنّه على الأعمّ يلزم عدم التضادّ بين الأوصاف الاشتقاقيّة المأخوذة من المبادئ المتضادّة، كالعالم والجاهل; لأنّه يكفي في صدق كلّ منهما تلبّسه في وقت من الأوقات الماضية بمبدئه، فإذا تلبّس في وقت بمبدأ، وفي وقت آخر من الأوقات الماضية أو في الوقت الحاضر بالمبدأ الآخر، صدق الوصفان معاً، بينما هما متضادّان بلا إشكال كما هو واضح.

وهذا الوجه إذا اُريد جعله دليلاً حقيقيّاً على المدّعى، فهو غير تامّ، فإنّه إن اُريد جعل تضادّ المبادئ برهاناً على تضادّ الصفات، فهذا غير صحيح; لأنّ التضادّ بين المبدءين لا  يلزم منه التضادّ بين مدلولي الهيئتين الاشتقاقيّتين; إذ قد تطعّم الهيئة الاشتقاقيّة بما يخرج المعنيين عن التضادّ، كما هو الحال على الأعمّ; إذ طعّم المشتقّ بمفاد الفعل الماضي على ما سبق، فيكون مدلول «عالم» من علم، ومدلول «جاهل» من جهل، وطبعاً لا  تضادّ بينهما، وإن اُريد جعل وضوح التضادّ وارتكازه في أنظار العرف دليلاً على التضادّ، فهذا الارتكاز إنّما هو في طول معرفة المعنى، فالإنسان حيث إنّه يفهم من كلمة «العالم» المتلبّس بالعلم فعلاً، ومن كلمة «الجاهل» المتلبّس بالجهل فعلاً ارتكز في ذهنه التضادّ، ومن لا  يعرف معنى كلمة العالم والجاهل لا  يرتكز في ذهنه التضادّ، فارتكاز التضادّ في طول ارتكاز كون المشتقّ حقيقة في المتلبّس، فلا يصلح هذا دليلاً حقيقيّاً على المدّعى. نعم، يصلح أن يكون منبّهاً حين الغفلة، لا  أن يكون معطياً للعلم بالمطلب لمن لا  يعلم به حقيقةً.

 
  الصفحة 445  

الوجه الثالث: صحّة السلب، فيصحّ سلب «عالم» عن زيد المنقضي عنه المبدأ، وصحّة السلب علامة المجاز.

واعترض على ذلك بأنّه: هل يراد صحّة سلب «عالم» بالكلّيّة، أو صحّة سلب «عالم» مقيّداً بأن يكون عالماً بالعلم الفعليّ؟ فإن اُريد صحّة سلب عالم بالكلّيّة، فهو خلاف الوجدان، فإنّ زيداً عالم بعلم سابق يقيناً. وإن اُريد أنّه ليس بعالم بعلم فعليّ، فهذا صحيح، لكن صحّة سلب المقيّد لا  تدلّ على مجازيّة العالم بقول مطلق.

وهذا الإشكال نشأ من الخلط بين تقييد الوصف الاشتقاقيّ وتقييد مبدأ الاشتقاق، أي: العالم والعلم فتارةً نقول: «زيد ليس بعالم الآن»، واُخرى نقول: «زيد ليس بعالم بعلم الآن». فالثاني إن صحّ لا  يستلزم مجازيّة المشتقّ في المنقضي عنه المبدأ، لكن الأوّل يستلزم مجازيّته فيه، ويساوق بطلان قول الأعمّيّ، فإنّ النزاع كلّ النزاع في أنّه: هل هو عالم الآن، أو لا؟

نعم، أصل صحّة السلب وصحّة الحمل ليس من أدلّة الحقيقة والمجاز كما بيّنّا في بحث علائم الحقيقة والمجاز. فهذا الوجه حاله حال الوجه السابق في أنّه يستعمل فقط من أجل التنبيه على أمر معلوم سابقاً، لا  لإعطاء علم جديد.

الوجه الرابع: ما ذكره المحقّق النائينيّ (1)، وهو مركّب من أمرين:

الأوّل: قيام البرهان على بساطة معنى المشتقّ، ومعناه هو معنى المبدأ، إلاّ أنّ المبدأ مأخوذ بشرط لا، والمشتقّ مأخوذ لا  بشرط; ولهذا لا  يقبل المبدأ الحمل بخلاف المشتقّ.


(1) راجع فوائد الاُصول، ج  1، ص  106 ـ 121 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم، وأجود التقريرات، ج  1، ص 63 ـ 76 بحسب الطبعة المشتملة على تعليق السيّد الخوئيّ.

  الصفحة 446  

الثاني: أنّه بناء على بساطة المفهوم الاشتقاقيّ، وكون معناه هو معنى المبدأ لا  يعقل الوضع للأعمّ; إذ لا  يتصوّر الجامع الأعمّيّ، فإذا كان «عالم» مثلاً بمعنى العلم، فالعلم ليس جامعاً بين المتلبّس والمنقضي عنه، إذن فيثبت بذلك أنّ المشتقّ حقيقة في خصوص المتلبّس.

أقول: أمّا الأمر الثاني، وهو أنّه بناءً على البساطة(1) لا  يعقل الجامع الأعمّيّ، فقد تقدّم الكلام عنه في المقدّمات، وقلنا: إنّه صحيح. وأمّا الأمر الأوّل، وهو بساطة المفاهيم الاشتقاقيّة، وكونها نفس مفاهيم المبادئ، فهذا لا  نقبله، وسوف يأتي ـ  إن شاء الله  ـ في خاتمة المسألة، فالأحسن تبديل هذا البيان بما مضى بأن يقال: إنّ المفهوم الاشتقاقيّ: إمّا أن يقال ببساطته، فلا يعقل الأعمّ; لعدم تصوّر الجامع، أو يقال بتركّبه، فالجامع معقول ثبوتاً، لكن مضى أنّه لو حلّلناه لرأيناه يستلزم محاذير عرفيّة لا  يقبلها الوجدان العرفيّ، فالجامع غير صحيح عرفاً، فعلى كلا التقديرين لا  يصحّ الأعمّ، وهذا هو العمدة في إثبات المدّعى.

وبما ذكرناه ظهر وجه الخلل في الأدلّة التي استدلّ بها للأعمّ بنحو الموجبة الكلّيّة، فلا حاجة إلى التعرّض لها(2).


(1) بمعنى كون معنى المشتقّ هو معنى المبدأ، أمّا البساطة بمعنى كونه عنواناً انتزاعيّاً بسيطاً ينتزع من الذات بلحاظ اتّصافه بالمبدأ، فهي ملحقة في إمكان تصوير الجامع وعدمه بالتركيب.

(2) لا  بأس بالتعرّض هنا لدليل واحد من أدّلة القول بالأعمّ، وهو الاستدلال بما ورد في بعض الروايات (راجع تفسير البرهان، ج  1، ص  149 ـ  151) من استدلال المعصوم بقوله تعالى: ﴿لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (سورة البقرة، الآية: 124) على عدم صلاحيّة من كان مشركاً في أوّل أمره للإمامة، حيث يقال: إنّه لو لم يكن عنوان الظالم
  الصفحة 447  


اسماً لما يشمل المنقضي عنه المبدأ، لما صحّ استدلال الإمام بهذه الآية المباركة لإبطال خلافة الخلفاء الأوائل في مقابل أهل السنّة; لأنّهم لا  يعترفون بأنّ خلفاءهم كانوا ظالمين في وقت تقمّصهم قميص الخلافة، وإنّما يعترفون بظلمهم قبل إسلامهم.

وقد تضاف إلى ذلك آيتا حدّ السرقة والزنا (سورة المائدة، الآية: 38، وسورة النور، الآية: 2); لوضوح: أنّ الحدّ عادة يتمّ بعد انتهاء عمليّة السرقة والزنا، فهذا شاهد على أنّ اسم الزاني والسارق يشمل من انقضى عنهما المبدأ.

والواقع: أنّ إلحاق آيتي السرقة والزنا في المقام في غير محلّه، فإنّه لو فرض توقّف تطبيق الآيتين على مورد الانقضاء حال إجراء الحدّ على حمل عنوان السارق والزاني فيهما على الأعمّ، إذن تصبح إرادة الأعمّ في الآيتين مقطوعاً بها; إذ لا  شكّ فقهيّاً في إيقاع الحدّ عليهما بعد انقضاء المبدأ، وعندئذ يدخل التمسّك بالآيتين لإثبات كون المشتقّ حقيقةً في الأعمّ في إجراء أصالة الحقيقة لدى الشكّ في الاستناد، وقد ثبت في محلّه: أنّ أصالة الحقيقة إنّما تكون حجّة لدى الشكّ في المراد، لا  الاستناد.

فينحصر الاستدلال على الأعمّ في آية:﴿لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ، ويكون هذا الاستدلال بلحاظ الروايات التي طبّقت الآية على من كان مشركاً قبل الإسلام إن تمّت سنداً.

وقد أجاب السيّد الخوئيّ (على ما ورد في المحاضرات للفيّاض، ج 1، ص 256 ـ 264 بحسب طبعة مطبعة النجف) عن الاستدلال بذلك وبآيتي حدّ الزنا والسرقة بأنّنا حتّى لو آمنّا بأنّ المشتقّ حقيقة في الأعمّ فاستعماله في القضايا الحقيقيّة ـ  ومنها هذه الآيات  ـ لا  يصحّ في المنقضي عنه المبدأ بلحاظ حال الانقضاء; وذلك لأنّ القضيّة الحقيقيّة لم يلحظ فيها تطبيق المشتقّ الذي أصبح موضوعاً لتلك القضيّة على شخص ما حتّى يفترض أنّ المبدأ قد انقضى عن ذاك الشخص، وإنّما الموضوع في القضيّة الحقيقيّة يكون مقدّر الوجود، أو قل: إنّ الموضوع في القضيّة الحقيقيّة ينحلّ إلى قضيّة شرطيّة،
  الصفحة 448  


ويكون تحقّق الشرط ـ  لا  محالة  ـ بفعليّة المبدأ، فإذن لا  يمكن أن يقصد بموضوع القضيّة الحقيقيّة وكذلك متعلّقها إلاّ المتلبّس، والظاهر الأوّليّ من القضيّة الحقيقيّة هو دوران الحكم مدار عنوان موضوعه حدوثاً وبقاءً، إلاّ أن تقوم قرينة داخليّة أو خارجيّة على كفاية حدوث ذاك العنوان لثبوت الحكم وبقائه بعد زوال ذلك. ومن هنا يتّضح: أنّ النزاع في كون المشتقّ حقيقة في المتلبّس أو الأعمّ ليس له أثر مهمّ، فإنّ الأحكام الشرعيّة هي عادة تكون بنحو القضايا الحقيقيّة، فلو بقينا نحن والظهور الأوّليّ لها كان مقتضى ذلك دوران الحكم مدار بقاء العنوان المقدّر حدوثاً وبقاءً حتّى لو فرضنا أنّ المشتقّ حقيقة في الأعمّ، فلا يشكّ أحدٌ أنّ حكم الجنب أو الحائض مثلاً يبقى مدّة بقاء الجنابة أو الحيض، ويرتفع بارتفاعهما، وهذا واضح حتّى لدى من يرى المشتقّ حقيقةً في الأعمّ، بل لم يحتمل أحد ابتناء هذه المسائل وما شاكلها على النزاع في المشتقّ، وليس هذا إلاّ لأجل ما قلناه من أنّ العنوان المأخوذ في موضوع قضيّة حقيقيّة يدلّ على المتلبّس لا  محالة، وظهورها في دوران الحكم مدار ذاك العنوان حدوثاً وبقاءً يقتضي ارتفاع الحكم بمجرّد انقضاء المبدأ، ولو دلّت قرينة على أنّ ذاك العنوان يكون بحدوثه موضوعاً للحكم حتّى بقاءً، فلا محالة يحكم ببقاء الحكم بعد انقضاء المبدأ حتّى عند من يرى أنّ المشتقّ حقيقة في الأعمّ، وبما أنّ الظاهر في قوله: ﴿لاَ  يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَهو دخل العنوان حدوثاً فحسب، وذلك بسبب مناسبة الحكم والموضوع باعتبار جلالة شأن الإمامة وعظمته، وخاصّة: أنّ كلمة (لا  ينال) جيئت بصيغة المضارع التي تدلّ بإطلاقها على بقاء الحكم في المستقبل; ولهذا يصحّ الاستدلال بهذه الآية على عدم لياقة من كان مشركاً للإمامة حتّى بعد فرض توبته وصلاح حاله.

أقول: إنّ الاستفادة من صيغة المضارع لم تكن في محلّها في المقام; فإنّه لولا  فرض اقتضاء مناسبة الحكم والموضوع لكفاية حدوث العنوان لبقاء الحكم حتّى بعد زواله، لكان مقتضى إطلاق المضارع بقاء هذا الحكم على هذا العنوان حتّى في المستقبل، أي: أنّ
  الصفحة 449  


الظالم مادام ظالماً لا  ينال عهد الله، لا  في الحاضر ولا  في أيّ زمان مستقبل. وهذا لا  علاقة له بعدم نيل عهد الله لدى ارتفاع الظلم، فإنّ صيغة المضارع وإن كانت تشمل المستقبل ولكنّ شمولها للمستقبل إنّما يوجب شمول الحكم بما له من القيود للمستقبل، فلو كان الحكم مقيّداً بالمقارنة المستمرّة للعنوان لم يكن ذلك منافياً لشمول صيغة المضارع للمستقبل.

وعلى أيّ حال، فأصل استدلاله على كون المشتقّ في موضوع القضيّة الحقيقيّة ملحوظاً بنحو التلبّس ـ  ولو قيل بوضعه للأعمّ بأنّ الموضوع مقدّر الوجود  ـ غريب، فإنّه وإن كنّا لا  نشكّ في أنّ موضوع القضيّة الحقيقيّة مقدّر الوجود، أو أنّ موضوعها ينحلّ إلى قضيّة شرطيّة، إذن فلابدّ من فرض فعليّة الشرط أو الموضوع، ولكن الكلام إنّما يقع في أنّ ذاك الشرط أو الموضوع الذي قدّر وجوده ما هو؟ هل هو المتلبّس بالفعل بالمبدأ، أو الأعمّ من المتلبّس والمنقضي عنه المبدأ؟ وكيف يعقل أن يكون فرض الموضوع مقدّر الوجود أو مشروط التحقيق دليلاً على تعيّن ذاك الموضوع في المتلبّس؟!

ويمكن توجيه كلامه بالإلفات إلى نكتة غير واضحة من عبارة تقرير بحثه، وهي: أنّ القضيّة الحقيقيّة تدلّ على شرط فعليّة التلبّس ولو آناً ما; لأنّه لولا  فعليّة التلبّس ولو آناً ما يكون الموضوع منتفياً على الرأيين، أي: سواء قلنا بوضع المشتقّ لخصوص المتلبّس بالفعل أو الأعمّ، فأصل التلبّس ولو في أوّل الآنات دخيل في الحكم، وأمّا بقاء الحكم وعدمه فهو رهين استظهار كون ذاك التلبّس علّةً للحكم حدوثاً فحسب، أو حدوثاً وبقاءً.

فإن كان هذا هو المقصود كما هو غير بعيد برغم قصور عبارة التقرير، ورد عليه: أنّه وإن كان دخل أصل التلبّس في الحكم واضحاً على كلا  الرأيين، ولكنّنا نقول: هل المدّعى عندئذ عدم صحّة استعمال المشتقّ في القضايا الحقيقيّة في خصوص المنقضي عنه المبدأ وإن صحّ استعماله في الأعمّ، أو المدّعى عدم صحّة استعماله حتّى في الأعمّ، وضرورة
  الصفحة 450  


استعماله في خصوص حال التلبّس؟

فإن قصد الأوّل، أي: عدم صحّة استعمال المشتقّ في القضايا الحقيقيّة في خصوص المنقضي عنه المبدأ، فلنسلّم بذلك موقّتاً من باب: أنّ دخل التلبّس ولو آناً ما في الحكم لا  شكّ فيه على كلا  الرأيين، ولكن يكفي في جريان النزاع في المشتقّ المستعمل في القضايا الحقيقيّة إمكان استعماله في الأعمّ تارةً، وفي المتلبّس بالفعل اُخرى.

وإن قصد الثاني، أي: عدم صحّة استعمال المشتقّ فيها إلاّ بلحاظ حال التلبّس، لا  بلحاظ حال الانقضاء، ولا  في الأعمّ، فهذا ما لا  يقتضيه هذا الدليل; لأنّ دخل التلبّس ولو آناً ما يبقى قابلاً للانحفاظ حتّى في فرض الاستعمال في الأعمّ.

أمّا دعوى عدم الثمرة، فهذا أيضاً لا  يتمّ; فإنّه تظهر الثمرة فيما لو كان مفاد القضيّة الحقيقيّة التقارن حدوثاً وبقاءً بين الحكم والعنوان المأخوذ في الموضوع، وقد اعترف هو بأنّ الظهور الأوّليّ للقضيّة الحقيقيّة هو ذلك لولا  قرينة تقتضي حمل العنوان على كونه علّةً حدوثاً فحسب للحكم حدوثاً وبقاء، وهذا الاعتراف في محلّه; لأنّ القضيّة الحقيقيّة ينحلّ موضوعها إلى جملة الشرط، والشرط يدلّ بظهوره الأوّليّ على الاقتران الكامل بين الشرط والجزاء، أو قل: إنّ القضيّة الحقيقيّة موضوعها مقدّر الوجود، أي: قدّر وجوده كي يحمل عليه المحمول، وهذا ظاهر في التقارن حدوثاً وبقاءً، فلو كان الموضوع عبارة عن المبدأ لأنتج ذلك اشتراط بقاء المبدأ في بقاء الحكم، ولكن المفروض: أنّ الموضوع عبارة عن العنوان الاشتقاقيّ، وهو الظالم مثلاً، فإذا كان ذاك العنوان مستعملاً في خصوص المتلبّس بالفعل، فالنتيجة: اشتراط بقاء التلبّس الفعليّ في بقاء الحكم. وإن كان مستعملاً في الأعمّ فالتقارن بين الحكم والعنوان الاشتقاقيّ بقاءً محفوظ حتّى بعد زوال المبدأ; لأنّ عنوان الظالم مثلاً صادق حتّى بعد انتهاء الظلم.

بل إنّنا لا  نسلّم عدم إمكان استعمال المشتقّ في القضايا الحقيقيّة في خصوص من انقضى عنه المبدأ; وذلك لأنّه صحيح: أنّ التلبّس آناً ما لابدّ منه في صدق الشرط أو
  الصفحة 451  

أدلّة وضع المشتقّ للأعمّ بنحو الموجبة الجزئيّة:

نعم يبقى هناك بحث معقول في دعوى الأعمّيّة بنحو الموجبة الجزئيّة في مشتقّات الحِرَف والصناعات، وأسماء الآلات، وبعض أسماء الأماكن كمذبح، فقد يقال في بعض هذه المشتقّات بنحو الموجبة الجزئيّة: إنّها موضوعة للأعمّ، وهذا يستحقّ نحواً من الالتفات، فقد يتراءى أنّ المشتقّ في أمثال هذه الاُمور حقيقة في


الموضوع المقدّر الوجود، ولكن بالإمكان أن يكون زمان هذا التلبّس قبل زمان الحكم، كما لو قال: «يجب في يوم الفطر إكرام العلماء» وقصد بذلك خصوص من انقضى عنه المبدأ، أي: العلماء الذين نسوا علمهم من قبل الفطر، فإنّ هذا كما يمكن تخريجه على لحاظ الحال السابق، فيكون معنى الكلام: يجب في الفطر إكرام من كان عالماً فيما سبق، وهذا خلاف ظهور القضيّة في ذاتها في التقارن بين العنوان والجزاء، وإن كان موافقاً لأصالة الحقيقة بناءً على كون المشتقّ حقيقةً في خصوص المتلبّس بالفعل، كذلك يمكن تخريجه على لحاظ حال الانقضاء، وهذا موافق لظهور القضيّة في ذاتها في التقارن بين الشرط والجزاء.

وقد ثبت بهذا العرض: أنّ الصحيح في الجواب على الاستدلال بروايات التمسّك بالآية لنفي خلافة الخلفاء الأوائل بعد فرض تماميّة السند هو طريقة صاحب الكفاية، من أنّ التمسّك بالآية لإبطال خلافة من كان مشركاً يتمّ في حالتين: الاُولى ما لو كان المشتقّ حقيقة في الأعمّ، والثانية ما لو كان مقتضى القرينة كمناسبات الحكم والموضوع كفاية حدوث العنوان لتحقّق الحكم حدوثاً وبقاءً. وبما أنّ النكتة الثانية موجودة فيما نحن فيه; لأنّ عظمة منصب الإمامة تصرف الكلام إلى الظهور في كفاية حدوث الظلم; لعدم قابليّة هذا المنصب حتّى بعد انتهاء الظلم، فاستدلال الإمام بالآية المباركة لنفي قابليّة من أشرك في أوّل أمره للإمامة لا  يصلح دليلاً على حقّانيّة النكتة الاُولى، وهي كون المشتقّ حقيقة في الأعمّ من المتلبّس بالفعل ومن انقضى عنه المبدأ; لأنّ وجه الاستدلال لم يكن منحصراً بذلك (راجع الكفاية، ج  1، ص  74 ـ  76 بحسب طبعة المشكينيّ).

  الصفحة 452  

الأعمّ; إذ الصائغ مثلاً يصدق على وجه الحقيقة وجداناً على من حرفته الصياغة حتّى حينما يذهب إلى بيته ليأكل الطعام، أو يذهب إلى الصلاة مثلاً بالرغم من أنّ المبدأ قد انقضى عنه، وكذلك المذبح اسم للمكان المعدّ للذبح في البلد وإن لم يكن فيه ذبح بالفعل، وهكذا.

وما يمكن أن يجاب به على ذلك هو: أن يقال: إنّ هناك وجوهاً خمسة لتفسير صحّة إطلاق مثل الصائغ مع عدم التلبّس الفعليّ، أحدها يناسب القول بالأعمّ دون الباقي، فإذا عيّن بعض الباقي أو لم يثبت تعيين ذاك الوجه المناسب للقول بالأعمّ، لا  يتمّ هذا الدليل.

إذن، فلتكميل هذا الدليل لابدّ من إبطال الوجوه الاُخرى حتّى ينحصر الأمر في الوجه المناسب للقول بالأعمّ، فنقول دفاعاً عن القول بالأعمّ في هذه المشتقّات (ولو موقّتاً إلى أن نأتي بعد ذلك إلى الجواب): إنّه لا  إشكال في شهادة الوجدان بوجود فرق كبير بين مثل «صائغ» ومثل «ضارب» فلئن صحّ: أنّ كلمة «ضارب» لا  تصدق على من انقضى عنه الضرب، لا  ينبغي الشكّ في صدق كلمة «صائغ» حقيقةً على هذا الصائغ الذي يكون بالفعل مشغولاً بالصلاة، أو تناول الطعام، أو نحو ذلك، والذي يمكن أن تفسّر به هذه الظاهرة أحد وجوه خمسة:

الوجه الأوّل: هو ما يدّعيه القائل بالأعمّ في هذه المشتقّات، وهو: أنّ المشتقّ في هذه الموارد موضوع للأعمّ من المتلبّس بالفعل وممّا انقضى عنه المبدأ خلافاً لسائر المشتقّات. إذن فمن الطبيعيّ أن يصدق «صائغ» على هذا الإنسان حتّى في وقت الاستراحة أو أكل الطعام; لما اُخذ من التوسّع في مدلول الهيئة الموجب للصدق في غير وقت التلبّس بالمبدأ.

الوجه الثاني: أن يقال بالتوسّع في مدلول المادّة، فيقال: إنّ كلمة «صائغ» وإن

 
  الصفحة 453  

كانت حقيقة في خصوص المتلبّس بالمبدأ بالفعل، لكن مبدأها ليست هي ذات الصياغة، بل حرفتها وصناعتها، فما دام متلبّساً بالحرفة يصدق عليه أنّه صائغ وإن لم يكن مشغولاً بالصياغة بالفعل.

وما يمكن للأعمّيّ أن يبطل به هذا الوجه هو: أن يقال: إنّنا نرى بالوجدان أنّ مادّة الصياغة في مثل «صاغ» و«يصوغ» تدلّ على الحدث لا  الحرفة، ونضمّ إلى ذلك: أنّ وضع المادّة في جميع صيغ تلك المادّة وضع واحد نوعيّ، ولا  يكون متعدّداً باختلاف الصيغ، إذن فلو كانت المادّة في «صائغ» بمعنى الحرفة والصناعة، للزم أن تكون كذلك في «صاغ» و«يصوغ» أيضاً، بينما ليس الأمر كذلك.

الوجه الثالث: أن يقال: إنّ الهيئة في «صائغ» موضوعة للمتلبّس الشأنيّ، لا  الفعليّ، فالتوسّع يكون في الهيئة، لكن لا  بحملها على الأعمّ من المتلبّس وغيره، بل بحملها على التلبّس الأعمّ من التلبّس الفعليّ والشأنيّ، والتلبّس الشأنيّ محفوظ في المقام.

وقد يقال في مقام إبطاله أيضاً: إنّ هذا لازمه كون هيئة «صائغ» موضوعة بوضع شخصيّ للتلبّس الأعمّ من الفعليّ والشأنيّ، بينما هيئة «فاعل» موضوعة بوضع واحد نوعيّ، لا  بأوضاع متعدّدة، فإن فرض: أنّ هذا الوضع النوعيّ الواحد عبارة عن الوضع للأعمّ من التلبّس الفعليّ والشأنيّ، فهذا خلف ما فرض من أنّ مثل «ضارب» لا  يصدق على غير المتلبّس الفعليّ بالضرب، وبعد انقضاء الضرب عنه ليس ضارباً. وإن فرض: أنّه عبارة عن الوضع للذات المتلبّسة بالتلبّس الفعليّ، بطل هذا الوجه، إلاّ أن يلتزم بالوضع الشخصيّ وبأوضاع متعدّدة في صيغة «فاعل»، وليس كذلك.

الوجه الرابع: أنّ التصرّف ليس في مدلول مادّة «صائغ»، ولا  في مدلول هيئته

 
  الصفحة 454  

حتّى ترد الإشكالات السابقة، وإنّما التصرّف في مدلول جملة «زيد صائغ» الدالّة على الجري والهوهويّة، وأنّ المحمول عين الموضوع، فنقول: إنّه بقرينة كون الصياغة حرفةً وصناعةً يكون مدلول الجملة هو الهوهويّة والجري الشأنيّ لا  الفعليّ، أي: هذا هو ذاك شأناً لا  فعلاً، فالتصرّف إنّما هو في مدلول الجملة بقرينة قضيّة خارجيّة، وهي وجود أشخاص جالسين في دكاكينهم مثلاً بعنوان: أنّ حرفتهم الصياغة مع عدم الانشغال فعلاً بالصياغة.

ويمكن الإشكال على ذلك بأنّ الوجدان قاض بأنّ كلمة «صائغ» في نفسها حينما نلحظها بما هي مدلول كلمة أفراديّة نرى أنّ مفهومها أوسع من مفهوم «ضارب»، وليس المتبادر منه (بلا فرض جملة) هو خصوص المتلبّس بالفعل، بل أعمّ من ذلك، فالوجدان حاكم بأنّ السعة المدّعاة إنّما هي بلحاظ نفس المشتقّ، بينما هذا الوجه يفرض أنّها بلحاظ الجملة.

الوجه الخامس: أن يكون التصرّف في أمر خارجيّ، فالعرف باعتبار تكرّر الصياغة منه يُعمل عناية ارتكازية بحيث يرى كأنّ الصياغة مستمرّة منه، والفترات المتخلّلة تلغى بالنظر العرفيّ، فهذا إعمال عناية في أمر خارجي، أي: في حال هذا الرجل، فكأنّه يُرى أنّه يصوغ دائماً ويحرّك يديه بالصياغة دائماً، فبعد إعمال هذه العناية ينطبق عليه صائغ بلا تصّرف في المادّة، أو الهيئة، أو مدلول الجملة.

وهذا أيضاً يمكن للأعمّيّ أن يبطله; إذ لو صحّت هذه العناية العرفيّة الارتكازيّة، إذن لصدق عرفاً أن نقول حينما يكون زيد الصائغ مشغولاً بالصلاة مثلاً: إنّ زيداً متلبّس بالصياغة فعلاً، بينما لا  نقول كذلك، فإذا بطلت كلّ هذه الوجوه تعيّن الوجه الأوّل، وهو الوضع للأعمّ.

هذا أحسن ما يمكن أن يقال في تقريب التفصيل.

 
  الصفحة 455  

ولكن مع ذلك يرد على القول بالتفصيل:

أوّلاً: أنّه وإن صدق وجداناً الصائغ على من رَفع يده عن العمل فعلاً لأجل الاستراحة أو غيرها، إلاّ أنّ هذا يمكن تفسيره بافتراض التوسّع في مدلول الهيئة بوضعها للمتلبّس الأعمّ من الفعليّ والشأنيّ، وهو الوجه الثالث من الأوجه الماضية، وليس من حقّ القائل بالتفصيل أن يبطل هذا الوجه بدعوى: كون هيئة «فاعل» موضوعة بوضع نوعيّ واحد لا  أكثر; لأنّ هذا المفصّل مضطرّ إلى الالتزام بتعدّد الوضع في هيئة «فاعل»; إذ هو يسلّم أنّ كلمة «ضارب» ونحوها موضوعة للمتلبّس بالفعل، ولكن كلمة «صائغ» موضوعة للأعمّ. وهذا معناه: أنّ الهيئة في مثل «ضارب» موضوعة للمتلبّس بالفعل، وفي مثل «صائغ» موضوعة للأعمّ، فقد تعدّد الوضع، فلماذا يستوحش من افتراض: أنّ الهيئة في «ضارب» موضوعة للتلبّس الفعليّ، وفي «صائغ» للأعمّ من التلبّس الفعليّ والشأنيّ؟ وكيف يُبطل هذا الوجه بلزوم تعدّد الوضع؟!

وثانياً: أنّ الصحيح هو الوجه الثالث، وهو وضع الهيئة للتلبّس الأعمّ من الشأنيّ والفعليّ بلاحاجة إلى فرض وضع شخصيّ لهيئة «صائغ»، وتعدّد الوضع في هيئة «فاعل»، وذلك بأن يقال: إنّ هيئة «فاعل» مطلقاً موضوعة للتلبّس الأعمّ من الفعليّ والشأنيّ حتّى في مثل «ضارب»، إلاّ أنّ المقصود من التلبّس الشأنيّ هو التلبّس الاحترافيّ، أي: اتّخاذ المبدأ حِرفةً أو ديدناً وطريقةً لا  مجرّد إمكان التلبّس وقابليّته، غاية الأمر: أنّ هذا النحو من التلبّس ليس له مصداق في مثل «ضارب» و«قائم»; لأنّ الضرب أو القيام لم يتّخذ حرفة في السوق، لكن له مصداق في «صائغ»; لأنّ الصياغة اُتّخذت حرفة في السوق، وفي مذبح; لأنّ مكاناً معيّناً في البلد اُعدّ للذبح وهكذا. فهذا نوع من التلبّس إن ثبت في «ضارب»

 
  الصفحة 456  

صدق أيضاً عنواب «ضارب» ولو مع عدم وجود الضرب فعلاً خارجاً، فالتفاوت إنّما هو في المصداق لا  في المفهوم.

وثالثاً: أنّ تفسير ظاهرة صدق «صائغ» على المستريح ساعةً مثلاً بالوجه الأوّل وهو الوضع للأعمّ غير صحيح; لأنّه لو كانت نكتة صحّة الإطلاق: أنّ كلمة «صائغ» موضوعة للأعمّ من المتلبّس وممّن انقضى عنه المبدأ، لزم صحّة الإطلاق بلا عناية حتّى لو ترك الحرفة والصناعة وأصبح عطّاراً أو بقّالا، مع أنّه لا  إشكال بحسب الوجدان في أنّ إطلاق «صائغ» عليه بعد تركه للحرفة يكون تماماً كإطلاق «ضارب» عليه بعد انتهاء الضرب، وأيضاً كلمة «صائغ» لو كانت موضوعة للأعمّ، للزم: أنّ غير المحترف إن صاغ صدفةً مرّة واحدة وأنهى العمليّة صدق عليه «صائغ» مدى عمره، مع أنّه لا  إشكال في عدم الصدق إلاّ بالعناية إن كان لا  يصدق «ضارب» على من ترك الضرب إلاّ بالعناية كما هو المفروض، وليس ذلك إلاّ لما قلناه من أنّ التلبّس شرط، لكنّه بمعنىً يشمل التلبّس المنهجيّ والديدنيّ.

وقد تلخّص من كلّ ما ذكرناه: أنّ المشتقّ حقيقة في خصوص المتلبّس.

خاتمة

بقيت هنا خاتمة للبحث وهي: أنّه إذا كان المشتقّ اسماً للأعمّ، فمن الواضح الفرق بينه وبين المبدأ; إذ يصدق حتّى عند زوال المبدأ، لكن بعد أن ثبت الوضع لخصوص المتلبّس يقع تشابه بينهما حيث إنّه بمجرّد زوال المبدأ يزول الوصف الاشتقاقيّ، فيقع الكلام في أنّه: هل هناك فرق بين المدلولين، أو هما معنىً واحد

 
  الصفحة 457  

ومفهوم واحد، وإنّما الاختلاف في خصوصيّات هذا المفهوم وطوارئه؟ ومن هذا البحث يكون النزاع في بساطة المفهوم الاشتقاقيّ وتركّبه، فمن يقول بالعينيّة يقول بالبساطة، ومن يقول بعدمها يمكن أن يقول بالتركّب، ومن أجل أن نعرف الفرق بين المبدأ والوصف الاشتقاقيّ يجب أن نعرف مقدّمة معنى المبدأ، أي: المصادر وأسماء المصادر، ونرى بعد ذلك أنّ مدلول المشتقّ هل هو متّحد معه أو مغاير؟

معنى المبدأ:

فنقول: قد قيل: إنّ المصدر أصل الكلام، أي: أصل المشتقّات، وليس المقصود: أنّه بوجوده اللفظيّ مصدر للمشتقّات بوجوداتها اللفظيّة; لوضوح: أنّ له وجوداً لفظيّاً خاصّاً مبايناً للوجودات اللفظيّة للمشتقّات، باعتبار أنّ كلاّ منها متقوّم بهيئة مباينة لهيئة الصيغ الاُخرى، ولا  يشذّ المصدر عن باقي الصيغ في ذلك، فهو أيضاً متقوّم بهيئة خاصّة به، بل المقصود: الأصالة بلحاظ المعنى والمدلول، بمعنى: أنّ مفاد المصدر هو مادّة مفادات سائر المشتقّات، وهو المعنى المحفوظ والساري فيها، فإنّ هذا هو الذي يمكن ادّعاؤه في المقام.

وهذا الكلام إنّما يتمّ لو آمنّا بأنّ المصدر يكون دائماً أو أحياناً ـ  على أقلّ تقدير  ـ بمعنى ذات الحدث من دون أخذ أيّ عناية زائدة في معناه بواسطة الهيئة، وإلاّ أصبح المصدر في عرض باقي الصيغ.

ومن هنا وقع الكلام في أنّ هيئة المصدر هل هي موضوعة لعناية زائدة كأن تكون مفيدة لمعنىً نسبيّ تُحصِّص ذلك الحدث كما هو الحال في هيئة سائر المشتقّات، أو أنّ هيئة المصدر إنّما جيء بها لحفظ المادّة في قالب ما، ولا  تدلّ على أيّة عناية زائدة؟

 
  الصفحة 458  

والمعروف بين المحقّقين المتأخّرين: أنّ هيئة المصدر موضوعة لمعنىً، وهذا له وجهان:

الوجه الأوّل: ما هو المعروف بين المحقّقين المتأخّرين من أنّ هيئة المصدر موضوعة لنسبة ناقصة تقييديّة بين مدلول المادّة، أي: الحدث وبين فاعل ما أو مفعول ما على نحو الإبهام والإجمال، وبذلك اختلف المصدر عن أسماء المصادر وعن الجوامد حيث إنّه لم يؤخذ في هيئتها أيّ مدلول نسبيّ.

ولكن يمكن الاستشكال في أخذ النسبة الناقصة التقييديّة في مدلول هيئة المصدر بعدّة تقريبات:

التقريب الأوّل: ما ذكره المحقّق النائينيّ (1) من أنّه لو كانت النسبة الناقصة التي هي معنىً حرفيّ مأخوذة في المصدر، للزم كونه مبنيّاً; لأنّ أحد أسباب البناء في لغة العرب تضمّن الاسم للمعنى الحرفيّ وشبهه به.

وهذا جوابه واضح; فإنّ ما عدّ سبباً للبناء هو كون الاسم بمادّته متضمّناً للمعنى الحرفيّ، وعليه قيل: إنّ اسم الإشارة والموصول من المبنيّات; لأنّه متضمّن (أي: بمادّته) للمعنى الحرفيّ; لأنّه يدلّ على معنىً متقوّم بغيره، وغير متحصّل في نفسه، وأمّا المصدر فمادّته ليست هكذا. ولا  ينبغي توهّم كفاية تضمّن هيئة الكلمة للمعنى الحرفيّ للبناء بدليل بناء الفعل المتضمّن للمعنى الحرفيّ بهيئته لا  بمادّته. والجواب: أنّ الفعل مبنيّ بالأصالة لا  لتضمّنه للمعنى الحرفيّ.

التقريب الثاني: أن يقال: إنّه يلزم من وضع هيئة المصدر لنسبة الحدث إلى ذات ما


(1) راجع أجود التقريرات، ج  1، ص  63 بحسب الطبعة المشتملة على تعليق السيّد الخوئيّ.

  الصفحة 459  

اجتماع نسبتين ناقصتين في قولنا: «ضربُ زيد» يكون الحدث طرفاً لهما في عرض واحد، وهذا محال; فإنّ معنى كون الشيء طرفاً لنسبة ناقصة تقييديّة اندكاكه في مفهوم تركيبيّ، فإن فُرض اندكاك ذلك المفهوم التركيبيّ مرّةً اُخرى في مفهوم تركيبيّ أوسع، فهذا معقول، وهذا معناه: كون النسبتين طوليّتين من قبيل قولنا: «ماء الورد الجيّد»، فماء نسب إلى الورد بنسبة إضافيّة، ثُمّ أصبح ماء الورد بما هو ماء الورد موصوفاً بالجودة. وأمّا إذا لم يفرض اندكاك ذاك المفهوم التركيبيّ في مفهوم تركيبيّ آخر، بل اُريد جعل نفس المعنى الذي اندكّ في المفهوم التركيبيّ الأوّل مندكّاً مرّةً اُخرى في مفهوم تركيبيّ آخر، فهذا معناه: وجود ذلك المعنى في ضمن صورتين ومفهومين، وهو مساوق لتعدّده، وهذا معنى ما قلناه من استحالة كون شيء واحد طرفاً لنسبتين ناقصتين تقييديّتين في عرض واحد، بينما يلزم أن يكون الحدث في (ضربُ زيد) طرفاً لنسبتين كذلك; إذ جعل من ناحية طرفاً للنسبة المستفادة من هيئة المصدر إلى ذات ما، ومن ناحية اُخرى طرفاً للنسبة الإضافيّة إلى زيد، وهذا محال.

ولا  يمكن أن يقال: إنّ طرف النسبة لزيد ليس هو الحدث، بل هو تلك الذات المبهمة، فكأنّ معنى (ضربُ زيد): ضرب ذات تكون تلك الذات هي زيد، فإنّ هذا خلاف شهادة الوجدان بأنّ الحدث في قولنا: (ضربُ زيد) أصبح بنفسه طرفاً للنسبة إلى زيد، لا  أنّ الذات المبهمة أصبحت كذلك، وعليه فقد اجتمع على الحدث نسبتان ناقصتان تقييديّتان.

ولا  يمكن فرض كون النسبتين طوليّتين حتّى يصبح المقام من قبيل: «ماء الورد الجيّد»، أو «ماء وردِ زيد» بأن يقال: إنّ الحدث نسب إلى ذات مبهمة، ثُمّ نسب الحدث بما هو منسوب إلى الذات المبهمة إلى زيد، فإنّ هذا غير صحيح; لأنّ

 
  الصفحة 460  

نسبة الضرب إلى زيد هي عين نسبته إلى الذات، أي: أنّهما متطابقتان خارجاً، وليست إحداهما موضوعاً للاُخرى حتّى تكونا طوليّتين.

وهذا التقريب إن بيّن بهذا المقدار أمكن الجواب عليه بأنّ هذا الإشكال مبنيّ على أن يكون مفاد هيئة المصدر هي النسبة مع الذات المبهمة، وأمّا إذا قلنا: إنّ هيئة المصدر تدلّ على النسبة فحسب لا  على طرفها، ويتجسّد طرفها فيما يضاف إليه وهو زيد مثلاً، فيرتفع الإشكال; إذ لا  توجد عندنا نسبتان، وإنّما توجد عندنا نسبة واحدة يكون الدالّ على تلك النسبة هي هيئة المصدر، والدالّ على أحد طرفي النسبة ـ  وهو الحدث  ـ هي مادّة المصدر، وهيئة الإضافة تعيّن الطرف الآخر في المضاف إليه، إلاّ أنّ هذا الجواب يمكن المناقشة فيه، وذلك بتكميل هذا التقريب بأحد التقريبين الآتيين:

التقريب الثالث: أنّ هيئة المصدر: إمّا لا  تدلّ على النسبة، أو تدلّ على النسبة مع طرفها وهو ذات ما، أو تدلّ على النسبة من دون دلالة على طرفها.

أمّا الأوّل، فهو المطلوب. وأمّا الثاني، فيلزم منه كون الحدث في مثل «ضربُ زيد» طرفاً لنسبتين تقييديتين في عرض واحد بالنحو الذي مضى بيانه في التقريب الثاني. وأمّا الثالث فيلزم من ذلك أن يكون المصدر واجب النسبة كما يقال في الفعل، من قبيل «ضَرَبَ»: إنّه واجب النسبة، فيقال مثلاً: «ضربُ زيد» ولا  يستعمل «ضَرَبَ» مستقلاً، بينما تستعمل كلمة «الضرب» مستقلّةً، فيقال: «الضرب حلال» أو «الضرب حرام» ونحو ذلك.

والجواب: أنّ هذا الاعتراض إنّما يرد على المشهور القائلين بأخذ النسبة في مدلول المصدر لو كانوا يقولون بأنّ النسبة دائماً مأخوذة في هيئة المصدر، بينما لا  يقولون كذلك، بل يقولون: إنّ المصدر يجوز تجريده عن النسبة واستعماله

 
  الصفحة 461  

بمعنى اسم المصدر، ويكون شغل الهيئة عندئذ حفظ المادّة فقط، كما يجوز استعماله مع إرادة النسبة من هيئته، ولا  ضير في الالتزام بعدم جواز استعماله مستقلاًّ متى ما اُريدت النسبة من هيئته.

التقريب الرابع: أنّنا لا  نقبل: أنّ إضافة المصدر إلى زيد فقط تدلّ على تعيين طرف النسبة، فإنّ هيئة الإضافة تدلّ على النسبة بدليل الإضافة في الجوامد كغلام زيد، فإنّ نسبة غلام إلى زيد لم تفهم من هيئة غلام، وإنّما فهمت من هيئة الإضافة، فإذا التزمناً بأنّ هيئة المصدر دلّت على النسبة، لزم اجتماع نسبتين(1) في «ضربُ زيد» بين المضاف والمضاف إليه، مع أنّ الوجدان شاهد على أنّ جملة «ضرب زيد» تكون تماماً كجملة «غلام زيد» ليست فيها إلاّ نسبة واحدة(2).

وقد تحصّل: أنّه لم تؤخذ النسبة الناقصة التقييديّة في مدلول المصدر.

الوجه الثاني: ما ذكره المحقّق النائينيّ (3) حيث لم يقبل الوجه الأوّل، وهو أخذ النسبة الناقصة في مفاد المصدر; إذ يرد عليه في نظره: أنّ لازم ذلك صيرورة المصدر مبنيّاً، فذكر في مقام تصوير أنّ المصدر موضوع لمعنىً زائد على ذات الحدث: أنّ المصدر بمادّته موضوع لذات الحدث كما أنّ اسم المصدر أيضاً كذلك، فَغسْل وغُسْل كلاهما بمادّته موضوع لذات الحدث، لكن هيئة كلّ منهما موضوعة لمعنىً يقابل الآخر، فهيئة اسم المصدر موضوعة لتقييد الحدث بعدم الانتساب إلى الذات، أي: ملاحظة الحدث بما هو شيء في مقابل الذات ومقيّداً بعدم الانتساب


(1) لعلّ المقصود: اجتماع دلالتين على نسبة واحدة.

(2) أو دلالة واحدة على النسبة.

(3) راجع فوائد الاُصول، ج  1، ص  99 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم، وأجود التقريرات، ج  1، ص  63 بحسب الطبعة المشتملة على تعليق السيّد الخوئيّ.

  الصفحة 462  

إليها، وأمّا هيئة المصدر فهي موضوعة لإلغاء هذا التقييد، أي: التقييد بعدم الانتساب، لا  أنّها موضوعة للانتساب كما هو الوجه الأوّل.

إلاّ أنّ هذا الوجه لا  يخلو من خفاء، فإنّه بظاهره(1) لا  يمكن المساعدة عليه; لأنّه إن كان مراده بوضع الهيئة في اسم المصدر للتقيّد بعدم الانتساب دلالتها على عدم الانتساب ونفيها له، فهيئة «غُسل» مثلاً تدلّ على تقييد مادّتها بأن لا  تكون منسوبةً إلى الذات، ورد عليه أوّلاً: أنّه خلاف الوجدان في اسم المصدر; إذ لو كان كذلك لزم عدم صدق اسم المصدر على الغُسل الخارجيّ; لأنّ أيّ غسل يقع في الخارج فهو منسوب إلى المغسِّل، ولزم أيضاً عدم صحّة إضافة اسم المصدر بأن يقال مثلاً: «غُسلُ زيد»، فيلزم من الإضافة الغلط والتناقض مع أنّه ليس كذلك(2).

وثانياً: أنّه لو سلّم أنّ هيئة اسم المصدر موضوعة للدلالة على عدم الانتساب، ففي المصدر يكفي للتخلّص من هذا القيد عدم وضع هيئته لذلك بلا حاجة إلى وضع الهيئة لإلغاء ذلك.

وإن كان المراد: أنّ الهيئة تدلّ على عدم الانتساب من ناحية اسم المصدر، أي: أنّ مدلول اسم المصدر بما هو ليس فيه انتساب، ولا  ينافي ذلك عروض الانتساب إليه، فلسنا نقول: إنّ الهيئة تدلّ على عدم الانتساب كما في الفرض الأوّل، بل


(1) كأنّ هذا إشارة إلى إمكان إرجاع كلام الشيخ النائينيّ بروحه إلى معنىً آخر غير ظاهر من كلامه، وهذا المعنى هو ما سيختاره اُستاذنا في بيان الفرق بين المصدر واسم المصدر، إلاّ أنّ الشيخ النائينيّ يُسند هذا الفرق إلى الهيئة.

(2) وإن كان المراد: أنّ الهيئة في اسم المصدر موضوعة للتقيّد بأن لا  ينسب المستعمِل ذاك الاسم إلى شيء، فهذا لا  ينتقض بكون الغُسل خارجاً منتسباً إلى فاعل، ولكنّه ينتقض بالنقض الثاني، وهو صحّة إضافة اسم المصدر بأن يقال مثلاً: «غُسل زيد».

  الصفحة 463  

نقول: إنّه من ناحية اسم المصدر لا  دلالة على الانتساب، ورد عليه أوّلاً: أنّ عدم الانتساب من جهته الذي لا  ينافي الانتساب من جهة الإضافة كما في «غُسلُ زيد» وإن كان صحيحاً، لكن هذا يكفي فيه أن لا  تكون هيئة اسم المصدر موضوعة للنسبة، فما معنى افتراض: أنّ هيئة اسم المصدر موضوعة لعدم الانتساب؟!

وثانياً: لو فرض: أنّ مراده ذلك، إذن فالمقابل لعدم الدلالة على الانتساب في اسم المصدر هو الدلالة على الانتساب في المصدر، و هذا رجوع إلى القول الأوّل الذي لا  يَلتزِم به. فهذا المعنى للتمييز بين المصدر واسم المصدر لا  يتمّ. هذا.

وأمّا الوجوه التي قد يستدلّ بها على أخذ النسبة الناقصة في هيئة المصدر، فهي اُمور:

الدليل الأوّل: أنّه لا  إشكال في وجود فرق وجداناً بين المصدر واسم المصدر، فإن قلنا بأنّ هيئة المصدر تدلّ على النسبة الناقصة دون اسم المصدر، فالفرق بينهما واضح. وأمّا إذا قلنا: إنّ المصدر أيضاً لا  يدلّ إلاّ على ذات الحدث، إذن فلا  يبقى فرق بين المصدر واسم المصدر.

وتحقيق الكلام في ذلك: أنّه في مقام التفرقة بين المصدر واسم المصدر يمكن تصوير المائز بين المفهومين بأحد وجوه عديدة:

الوجه الأوّل: ما بنى عليه المشهور من أنّ المصدر اُخذت فيه النسبة الناقصة التقييديّة بخلاف اسم المصدر.

فإن بطلت الوجوه الآتية وانحصر الأمر في هذا الوجه، تمّ هذا الدليل على أخذ النسبة الناقصة في المصدر مثلاً، وإلاّ لم يتمّ هذا الدليل.

الوجه الثاني: أنّ نسبة المصدر إلى اسم المصدر نسبة الفعل إلى الانفعال، فالمصدر هو أن يفعل، واسم المصدر هو الانفعال.

 
  الصفحة 464  

وهذا بظاهره لا  يمكن المساعدة عليه لو لم يرجع إلى معنىً آخر; لوضوح: أنّ الانفعال بنفسه مصدر من المصادر; فإنّ أحد المصادر المزيدة هو الانفعال، فنسبة الانكسار إلى الكسر والانجبار إلى الجبر ليست هي نسبة اسم المصدر إلى المصدر، بل نسبة المصدر المزيد إلى المصدر المجرّد.

الوجه الثالث: أنّ مدلول المصدر هو الفعل، ومدلول اسم المصدر هو النتيجة المتحصّلة من الفعل، فمثلاً عمليّة البيع مفاد المصدر، والنتيجة وهي الملكيّة مفاد اسم المصدر.

وهذا أيضاً بظاهره غير صحيح ما لم يرجع إلى وجه آخر، فإنّ هذا إنّما يناسب باب المسبّبات التوليديّة فقط، فيفرض السبب مفاداً للمصدر والمسبّب مفاداً لاسم المصدر، وفي كثير من الموارد ليس شيئان من هذا القبيل كالغَسل والغُسل.

الوجه الرابع: أنّنا إذا لاحظنا الفعل مع نتيجة الفعل، ففي ذلك ثلاث حالات:

1 ـ أن نقصد بالنتيجة ما خلّف العمل من الصورة في مادّة ثابتة قبل العمل، وبالتالي تنفصل تلك الصورة عن عمل العامل نهائيّاً، وذلك من قبيل: نسبة النسج إلى النسيج كما في الفراش، فالفراش مثلاً وإن كان نتيجة للنسج، لكن مادّته ثابتة قبل النسج، وفي ذلك يكون الفعل مع النتيجة شيئين متغايرين لكلّ منهما مصداق خاصّ خارجاً غير مصداق الآخر(1).

2 ـ أن يكون الفعل مُوجداً لأصل الذات والمادّة من قبيل: الخلق والمخلوق، والتغاير بينهما تحليليّ; إذ أنّ خلق الله هو ذات زيد وعمرو وغيرهما، ولا  تغاير بين الخلق والذات الناتجة من الخلق، إلاّ أنّ هذا الشيء الواحد يحلّله العرف أو


(1) والنتيجة بهذا المعنى أجنبيّة عن فكرة اسم المصدر نهائيّاً.

  الصفحة 465  

العقل إلى فعل وذات(1).

3 ـ أن لا  تكون النتيجة عبارة عن الذات المخلوقة، ولا  تُقصد بها صورة تبقى منفصلة عن الفعل في مادّة اُخرى، بل يُقصد بها ما هو في واقعها نفس الفعل كالقيام والشرب والأكل، وما إلى ذلك ممّا يكون مخلوقاً للفاعل من دون أن يكون ذاتاً، فهذا المخلوق أيضاً هو عين الخلق كما في القسم الثاني، ولكنّه أيضاً ينحلّ عرفاً أو عقلاً إلى خلق ومخلوق بنفس روح التحليل في القسم الثاني، وإن كان التحليل هنا أخفى منه في القسم الثاني; إذ كون العمل هناك متمثّلاً في ذات ما يساعد على التحليل أكثر، ولكن مع ذلك يحلّل القيام الذي هو شيء واحد حقيقة بنحو من العناية والاعتبار إلى مرحلتين: مرحلة إيجاد القيام، ومرحلة انوجاد القيام، أو قل: مرحلة الخلق بالمعنى المعقول في غير الله سبحانه وتعالى، ومرحلة المخلوق، أو قل: مرحلة كونه حدثاً يصدر عن الفاعل مثلاً، ومرحلة كونه موجوداً بالذات في الخارج، والمرحلة الاُولى يعبّر عنها بالمصدر، والمرحلة الثانية يعبّر عنها باسم المصدر دون أخذ نسبة في أحدهما(2).


(1) وهذه الذات إن لوحظت بوصفها مباينة للفعل كما هو المفهوم من كلمة المخلوق، كانت أجنبيّة عن معنى اسم المصدر، وإن لوحظت بما لها من نوع اتّحاد مع الفعل أو المصدر، كان هذا عبارة عن الخلق بالمعنى الاسم المصدريّ.

(2) فالقيام بالمعنى الأوّل يسمّى مصدراً، وبالمعنى الثاني يسمّى اسم مصدر. ثمّ إنّه مضى عن الشيخ النائينيّ دعوى الفرق بين المصدر واسم المصدر بأنّ الثاني موضوع للحدث متقيّداً بواسطة الهيئة بعدم الانتساب إلى الذات، أي: ملاحظة الحدث بما هو شيء في مقابل الذات، والأوّل موضوع للحدث مع إلغاء هذا التقييد بواسطة هيئته، ومضى عن اُستاذنا الشهيد: أنّ هذا بظاهره لا  يمكن المساعدة عليه، وكأنّ قوله: (هذا بظاهره...)
  الصفحة 466  

وإذا اتّضح ذلك قلنا: من المظنون أنّ مراد من قال: إنّهما كالفعل والانفعال، أو كالسبب والمسبّب هو هذا المعنى، وهو تحليل الفعل إلى إيجاد وانوجاد، إلاّ أنّه عبّر عنه بتعبير عنائيّ حيث إنّ أصل التحليل كان عنائيّاً.

وبهذا يتّضح أوّلاً: الفرق بين المصدر واسمه، فالمصدر يوازي الخلق في الحالة الثانية، واسم المصدر يوازي الذات في الحالة الثانية; ولذا كان اسم المصدر أعمق في الاسميّة، وثانياً: بطلان الدليل الأوّل على أخذ النسبة الناقصة في المصدر.

الدليل الثاني: أن يقال: إنّ النسبة الناقصة التقييديّة لو لم تكن مأخوذة في مفاد هيئة المصدر، لم يبقَ فرق بين المصادر أنفسها مجرّداتها ومزيداتها، فلا يبقى فرق بين خروج وإخراج، أو بين كرم وإكرام وتكريم; لأنّ المصادر المجرّدة والمزيدة مشتركة في المادّة، فلو لم تكن الهيئات موضوعة لنسب مختلفة لم يبقَ فرق بينها، فلابدّ من الالتزام بأنّها بمادّتها موضوعة للحدث، وكلّ هيئة موضوعة لنسبة ناقصة غير النسبة الناقصة الاُخرى(1).

وهذا الدليل أيضاً قابل للمناقشة; لأنّ النسبة التي يدّعى أخذها في المصدر المزيد وبها يمتاز عن المصدر المجرّد يمكننا أن نحوّلها إلى مفهوم اسميّ،


إشارة إلى إمكان إرجاع كلام الشيخ النائينيّ في روحه إلى معنىً آخر معقول، والظاهر: أنّ مقصوده هو هذا المعنى الذي تبلور هنا من تحليل الفعل إلى كونه حدثاً يصدر عن الفاعل، وكونه موجوداً بالذات في الخارج، وأنّ المصدر موضوع للأوّل واسم المصدر موضوع للثاني، فيمكن أن يكون هذا المطلب في روحه هو المقصود للشيخ النائينيّ مع إسناد هذا الفرق إلى هيئة المصدر وهيئة اسم المصدر.

(1) هذا الوجه وارد في كلمات الشيخ الإصفهانيّ. راجع نهاية الدراية، ج  1، ص  100 ـ  101 بحسب طبعة مطبعة الطباطبائيّ بقم.

  الصفحة 467  

ونأخذها في مدلول المادّة بأن يدّعى أنّ المادّة لم تؤخذ في كلّ المصادر على حدّ سواء، بل مادّة المصدر المجرّد موضوعة لذات الحدث، ومادّة هيئة الأفعال مثلاً موضوعة لذات الحدث مع مفهوم اسميّ يوازي النسبة المدّعى دخلها في المعنى، فيقال في إخراج وإدخال ونحوهما بدلاً عن فرض كون الهيئة موضوعة للنسبة التحميليّة: إنّ المادّة موضوعة لتحميل ذات الحدث الذي يدلّ عليه المصدر المجرّد من ذلك الباب، ويقال في باب الانفعال بدلاً عن فرض وضع الهيئة لنسبة ينتزع منها مفهوم المطاوعة: إنّ المادّة موضوعة لمفهوم مطاوعة الحدث وهكذا.

الدليل الثالث ـ وهو أوجه من السابقين وأدقّ  ـ : أن يقال: إنّه إذا لاحظنا مصدرين من المصادر المجرّدة كالضرب والخروج، نرى أنّ كلاًّ منهما له قابل وله فاعل. نعم، الفاعل والقابل قد يتّحدان كمن يضرب نفسه أو يخرج بنفسه، وقد يختلفان كمن يضرب غيره ومن يُخرج غيره، وعليه فلو فرضنا أنّ النسبة الناقصة لم تكن مأخوذة أصلاً لا  في الضرب ولا  في الخروج ولا  في غيرهما، كان ينبغي أن تصحّ إضافة الضرب إلى كلّ ما تصحّ إضافة الخروج إليه: من الفاعل أو القابل وبالعكس، في حين أنّه يصحّ أن نضيف الضرب إلى فاعله فنقول: «ضرب زيد لعمرو»، ولا  يصحّ أن نضيف الخروج إلاّ إلى قابله، فلا يقال: «خروج زيد» بمعنى الخروج الذي أوجده في غيره، ولا  يقال أيضاً: «موت الله» بمعنى الموت الذي أوجده في غيره، فهذا كاشف عن أنّ هناك نحوين من النسبة الناقصة التقييديّة، ففي بعض المصادر اُخذت النسبة التقييديّة إلى القابل، وفي بعضها اُخذت النسبة التقييديّة إلى الفاعل، أو اُخذ فيه كلاهما، أو ما يعمّهما; ولذا تصحّ إضافته إلى كلّ واحد منهما.

والجواب: أنّنا بيّنّا في مقام تصوير الفرق بين المعنى المصدريّ واسم المصدر أنّ العرف أو العقل يحلّل القيام أو الخروج أو أيّ حدث آخر إلى مرحلتين: مرحلة

 
  الصفحة 468  

التكوين ومرحلة التكوّن، والاُولى نسمّيها بالمصدر والثانية باسم المصدر. وهنا نقول: إنّ المرحلة الاُولى أيضاً تنحلّ إلى جهتين: جهة الفعل وجهة القبول، وبعض المصادر موضوعة لإحدى الجهتين فقط، وبعضها يناسب كلتا الجهتين، فما وضع لجهة القبول لا  يضاف إلى الفاعل، وما وضع لجهة الفعل أو الأعمّ كالضرب صحّت إضافته إلى الفاعل، فصحّة إضافة بعض المصادر إلى الفاعل دون بعض أيضاً من شؤون معنى المادّة.

وقد اتّضح من تمام ما ذكرناه: أنّ النسبة الناقصة التقييديّة غير مأخوذة في المعنى الموضوع لهيئة المصدر.

مدلول المشتقّ:

وبعد هذا نبحث مدلول الأوصاف الاشتقاقيّة، وفرقه عمّا عرفت من مدلول المصدر، ويمكن تلخيص الأقوال فيما هو مدلول المشتقّ في أربعة:

القول الأوّل: أنّه موضوع بمادّته لذات الحدث كالمصدر، وبهيئته لأخذ الحدث لا  بشرط من حيث الحمل ـ  بمعنىً يأتي توضيحه إن شاء الله ـ ولم تؤخذ فيه أيّ نسبة من النسب. ومن يقول بهذا يقول في المصدر: إنّ الهيئة غير موضوعة للنسبة، وهذا ما ذهب إليه المحقّق الدوّانيّ وتبعه من المحقّقين المتأخّرين المحقّق النائينيّ (1)، وفي أصحاب هذا الرأي من يقول: إنّ هيئة المصدر وضعت للبشرط لائيّة عن الحمل.

القول الثاني: أنّ المشتقّ موضوع لعنوان بسيط منتزع عن الذات بلحاظ قيام


(1) راجع أجود التقريرات، ج  1، ص  65، وفوائد الاُصول، ج  1، ص  106 ـ 109 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم.

  الصفحة 469  

المبدأ به، فالذات والمبدأ كلاهما غير مأخوذ في المشتقّ، وإنّما المشتقّ عنوان بسيط نسبته إلى الذات نسبة العنوان الانتزاعيّ إلى منشأ انتزاعه، ونسبته إلى المبدأ نسبة العنوان الانتزاعيّ إلى مصحّح انتزاعه. وهذا ظاهر كلام صاحب الكفاية حيث ذكر: أنّه موضوع لمفهوم بسيط منتزع عن الذات بلحاظ تلبّسها بالمبدأ(1).

القول الثالث: أنّه بمادّته موضوع للحدث، وبهيئته للنسبة بحيث يكون حال المشتقّ حال المصدر على المعروف المشهور الذي منعناه، لكن لابدّ أن يدّعى أنّ النسبة هنا غير النسبة هناك; ليبقى فرق بين المشتقّ والمبدأ. وهذا القول ظاهر كلام المحقّق العراقيّ (2).

القول الرابع: هو القول بأنّ مدلول المشتقّ هو عبارة عن الذات والنسبة والمبدأ بنحو التركيب، فليس عنواناً انتزاعيّاً عن الذات بلحاظ المبدأ، بل الذات والمبدأ داخلان فيه. وهذا الوجه اختاره ببعض معانيه المحقّق الإصفهانيّ (3) والسيّد الاُستاذ دامت بركاته(4).

تحقيق القول الأوّل:

أمّا القول الأوّل، فينحلّ إلى دعوىً سلبيّة، وهي: أنّ النسبة والذات لم تؤخذا


(1) راجع الكفاية، ج  1، ص  77 بحسب طبعة المشكينيّ.

(2) راجع نهاية الأفكار، ج  1، ص  143 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم، والمقالات، ج  1، ص  190 بحسب طبعة مجمع الفكر الإسلاميّ.

(3) راجع نهاية الدراية، ج  1، ص  139 بحسب طبعة مطبعة الطباطبائيّ بقم.

(4) راجع أجود التقريرات، ج  1، المحشّى بتعليق السيّد الخوئيّ، ص  65 ـ 66، تحت الخطّ، وراجع المحاضرات، ج  1، ص  267 ـ  268 بحسب طبعة مطبعة النجف.

  الصفحة 470  

في مدلول هيئة المشتقّ، ودعوىً إثباتيّة، وهي: أنّ اللابشرطيّة اُخذت فيه:

أمّا الدعوى السلبيّة فاستدلّ عليها بعدّة وجوه في كلمات المحقّق الدوّانيّ والمحقّق النائينيّ:

الأوّل: ما ذكره المحقّق الدوّانيّ (1) من أنّه إن رأينا جسماً أبيض، فالمحسوس بالذات هو نفس البياض لا  الذات; لأنّ ما يحسّه الحسّ البصريّ إنّما هو اللون والضوء دون ذات الجسم، وحينئذ لو لم يقم عندنا برهان على أنّ البياض عرض، وأنّه يحتاج إلى ذات، وكنّا نحتمل قيامه بذاته بلاحاجة إلى جسم وراءه، فهل كنّا نصف ما نراه بأنّه أبيض، أو لا؟ طبعاً لا  إشكال بحسب الوجدان العرفيّ في أنّنا نصفه بذلك بلا انتظار لبرهان الفلاسفة على كونه عرضاً عارضاً على الذات، فلو كان المشتقّ اُخذ فيه المبدأ والذات والنسبة، إذن لما أمكن توصيفه بأنّه أبيض قبل قيام البرهان على كونه عرضاً قائماً بالذات.

وهذا البيان من المحقّق الدوّانيّ في الحقيقة تعقيد وتطويل للمسافة بلا موجب، ويمكن توسيع هذا البيان بأن نقول: إنّه حتّى بعد قيام البرهان على عرضيّة البياض للذات أيضاً نصف نفس العرض، فنقول: البياض أبيض(2) والنور نيّر، كما نقول أيضاً: الوجود موجود، فبإمكان المحقّق الدوّانيّ أن يستدلّ بهذه الإطلاقات، ويقول: إذا فرض أخذ نفس النسبة والذات في المشتقّ، فكيف صحّ


(1) نقل الشيخ الإصفهانيّ هذا الوجه عن الحكيم السبزواريّ في تعليقاته على الأسفار عن المحقّق الدوّانيّ. راجع نهاية الدراية، ج  1، ص  131 بحسب طبعة مطبعة الطباطبائيّ بقم.

(2) وهذا الوجه هو الذي نقله الشيخ الإصفهانيّ عن بهمنيار تلميذ الشيخ الرئيس، راجع نهاية الدراية، ج  1، ص  131 بحسب طبعة مطبعة الطباطبائيّ بقم.

  الصفحة 471  

إطلاق العنوان الاشتقاقيّ على نفس البياض والنور والوجود، مع أنّه ليس هنا ذات لها البياض، أو لها النوريّة، أو لها الوجود، وكذلك يمكن إجراء هذا البرهان فيما إذا قام برهان في مبدأ على أنّه عين الذات كما هو الحال في علمه سبحانه، فليس هناك ذات وعرض ونسبة ومع ذلك يطلق عليه: أنّه عالم.

والجواب عن هذا البرهان في تمام هذه الموارد: أنّه إن كان من يقول بأخذ النسبة والذات يقصد بالذات ذاتاً بقيد المغايرة مع المبدأ، فهذا الإشكال وارد عليه. وأمّا إن كان المدّعى أخذُ ذات مبهمة في مدلول المشتقّ بنحو قابل لأن يكون غير المبدأ تارةً وعينه اُخرى، وأخذ النسبة لا  بمعنى التلبّس المساوق للاثنينيّة والمغايرة، بل بمعنى الوجدان وكون هذه الذات واجدة للمبدأ، فهذا الإشكال غير وارد، فإنّه في كلّ هذه الموارد يوجد هناك شيء، وهذا الشيء واجد للمبدأ، ولكن وجدانه للمبدأ وجدان ذاتيّ لا  عرضيّ. ففرق بين وجدان الحائط للبياض ووجدان نفس البياض للبياض، وبين وجدان الشمس للنوريّة ووجدان النور لها وهكذا، فهذا وجدان ذاتيّ في مرتبة ذاته، وذاك وجدان عرضيّ في مرتبة عرضه، فإذا اُريد هكذا لم يرد شيء من هذه الإشكالات من دليل المحقّق الدوّانيّ أو تعميماته وإضافاته.

الثاني: ما ذكره المحقّق النائينيّ (1)، وهو: أنّ مدلول الأوصاف الاشتقاقيّة: إمّا أن يقال: إنّ الذات مأخوذة فيه بلا نسبة أو مع نسبة، وكلاهما باطل، فيتعيّن كون مفاده المبدأ. أمّا أخذ الذات فيه بلا نسبة فلا معنى له; فإنّ مدلول المادّة هو


(1) راجع أجود التقريرات، ج  1، ص  63 و 65 ـ 66 بحسب الطبعة المحشّاة بتعليقات السيّد الخوئيّ.

  الصفحة 472  

الحدث، فإن كان مدلول الهيئة هو الذات بلا نسبة، لزم عدم أيّ ارتباط بين مدلول المادّة ومدلول الهيئة، وهو خلاف الوجدان. وأمّا أخذ الذات مع النسبة فيلزم منه تضمّن الكلمة لمعنىً حرفيّ، وذلك يوجب البناء عند العرب مع أنّ الأوصاف الاشتقاقيّة غير مبنيّة.

ويرد عليه أوّلاً: أنّه يمكن اختيار أخذ الذات مع النسبة، ولا  يلزم البناء; لما سبقت الإشارة إليه من أنّ التضمّن للمعنى الحرفيّ إنّما يوجب البناء إذا كان بلحاظ مادّة الاسم. وأمّا إذا كان التضمّن بلحاظ الهيئة فلم يثبت كونه سبباً للبناء في لغة العرب.

وثانياً: لو سلّمنا أنّ التضمّن حتّى بلحاظ مدلول الهيئة يوجب البناء فهذا لا  ينطبق على محلّ الكلام; إذ بناءً على أخذ الذات والنسبة يكون مفاد المشتقّ ـ  بحسب الحقيقة  ـ الحصّة الخاصّة من الذات، أي: الذات التي لها الضرب أو العلم مثلاً، والحصّة الخاصّة بما هي حصّة خاصّة مفهوم اسميّ، ومجرّد رجوعه بالتحليل إلى تقيّد وقيد ومقيّد لا  يكفي، ومرادهم من كون تضمّن المعنى الحرفيّ موجباً للبناء: أنّ مدلول الكلمة إذا كان غير متقوّم في نفسه كما في أسماء الاشارة والموصولات، لزم البناء، ومفهوم الهيئة هنا حصّة خاصّة متقوّمة في نفسها وإن كان رجوعه بالتحليل إلى قيد ومقيّد وتقيّد كافياً للبناء، لزم بناء أكثر الأسماء الجوامد، فالسرير مثلاً يرجع بالتحليل إلى الخشب المصفّف، والسيف يرجع بالتحليل مثلاً إلى الحديد المدبَّب وهكذا، فيلزم بناء كلّ هذه الكلمات.

الثالث: ما أفاده المحقّق النائينيّ أيضاً، وحاصله: أنّ النسبة: إمّا أن تكون مأخوذة مع الذات أو بدونها، فإن كانت مع الذات فهو باطل; لما يأتي من براهين المحقّق الشريف، وإن كانت بلا ذات فهذا غير معقول; لأنّ النسبة تتقوّم بطرفين،

 
  الصفحة 473  

ولا  يعقل تقوّمها بطرف واحد(1).

وهذا الكلام بظاهره واضح البطلان; إذ بالإمكان اختيار الشقّ الثاني، واحتياج النسبة إلى الطرفين بحسب الخارج وفي نفس الأمر صحيح، لكن لا  يلزم أن يكون طرفاها مدلولين لنفس الدالّ على النسبة، وإلاّ فماذا يقول في الحروف التي تدلّ على النسبة، فكلمة «في» مثلاً تدلّ على النسبة الظرفيّة مع أنَّها لاتدلّ على طرفيها، فهل لزم من ذلك عدم تقوّم النسبة بالطرفين؟! فكان الأحسن له التمسّك لإبطال الشقّ الثاني أيضاً ببراهين المحقّق الشريف(2) التي سوف يأتي أنّه لا  محصّل لها.

إلاّ أنّه من المحتمل أن يكون مقصود المحقّق النائينيّ مطلباً آخر وإن كانت العبارة قاصرة عن أدائه، وهو: أنّه إن كان المأخوذ هو النسبة بلا ذات لزم تقوّم النسبة بطرف واحد لا  في نفس الأمر والواقع، بل في مرحلة المدلول المطابقيّ التصوّريّ للكلام، فكلمة «قائم» مثلاً كلمة غير مستقلّة، ولابدّ لها من متمّم، بينما من الواضح كونها كلمة مستقلّة، ولو لم تكن مستقلّة فلا متمّم لها في لغة العرب أصلاً، فيكون هذا الكلام فنّيّاً، إلاّ أنّه يبقى الإشكال عليه بإمكان أخذ الشقّ الأوّل وإبطال براهين المحقّق الشريف بما سيأتي إن شاء الله.

الرابع: أنّه إن اُخذت النسبة مع الذات، لزمت محاذير المحقّق الشريف، وإن


(1) كأنّ هذا الوجه متصيَّد من كلمات الميرزا، فإنّي لم أجده بهذا الشكل في شيء من تقريري بحثه. نعم، لديه بعض البراهين على عدم أخذ الذات في المشتقّ، ولديه كلام منفصل عن ذلك في كلا التقريرين حول أخذ النسبة في المشتقّ دون الذات، وهو: أنّ هذا غير معقول; لأنّ النسبة تتقوّم بطرفين.

راجع أجود التقريرات، ج  1، ص  63 بحسب الطبعة المحشّاة بتعليقات السيّد الخوئيّ، وراجع فوائد الاُصول، ج  1، ص  103 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم.

(2) لا  أعرف برهاناً للمحقّق الشريف لإبطال الشِقّ الثاني.

  الصفحة 474  

اُخذت بدون الذات لزم إباء المشتقّ عن الحمل على الذات; إذ فرض لحاظ النسبة فرض المغايرة والاثنينيّة، وفرض الحمل هو فرض الوحدة والاتّحاد(1).

ويرد عليه أيضاً ما سيأتي ـ  إن شاء الله  ـ من بطلان محاذير المحقّق الشريف.

وأمّا الدعوى الإثباتيّة وهي: أنّ هيئة المشتقّ موضوعة للاّبشرطيّة، وبهذا أصبح مدلول المادّة صالحاً للحمل على الذات بخلاف المصدر الموضوع هيئته للبشرط لائيّة من حيث الحمل، فهذه الجهة تحتاج إلى تفسير، فقد فسّرت اللاّبشرطيّة والبِشرط لائيّة بثلاثة تفسيرات:

التفسير الأوّل: ما ساق إليه الجمود على حاقّ العبارة، فقيل: إنّ هذا يعني انحفاظ مفهوم واحد في المشتقّ والمصدر، وهذا المفهوم الواحد إذا قيس إلى الحمل فتارة يؤخذ لا  بشرط عن الحمل، وهذا ما وضع له المشتقّ، واُخرى يؤخذ بشرط لا  عن الحمل، وهذا ما وضع له المصدر، فالفرق فقط في كيفيّة مقايسة هذا المفهوم الوحدانيّ إلى الحمل.

وأشكلوا عليه بأنّ أخذ المبدأ ولحاظه مقيّداً بشرط لا عن الحمل، أو مطلقاً ولا  بشرط عن ذلك لا  أثر له في صحّة الحمل وإبطاله; إذ هذان اعتباران في عالم الذهن في كيفيّة لحاظ هذا المفهوم الوحدانيّ، وهذا لا  ربط له بالحمل، فالحمل يحتاج إلى اتّحاد في الوجود، فإذا كان هذا الاتّحاد في الوجود مع الذات ثابتاً صحّ الحمل على كلا التقديرين، وإلاّ لم يصحّ الحمل على كلا التقديرين.

وهذا الكلام ينحلّ إلى أمرين:


(1) لم أرَ هذا الوجه في شيء من التقريرين للشيخ النائينيّ.

  الصفحة 475  

1 ـ إنّ هذا المفهوم الوحدانيّ إذا كان مغايراً للذات، لم يمكن تصحيح حمله بمجرّد اعتبار اللابشرطيّة. وهذا الكلام صحيح; فإنّ الحمل الحقيقيّ مرجعه إلى الهوهويّة، وهي فرع أن يكون عين الذات ومتّحداً معه، ومجرّد اعتبار اللابشرطيّة لا  يوجب ذلك، فلو اعتبرنا الحجر لا  بشرط من ناحية الحمل على الإنسان مثلاً، فمن الواضح: أنّ هذا لا  يصحّح حمله على الإنسان.

2 ـ إنّه مع فرض الاتّحاد في الوجود لا  يمكن إبطال الحمل بالاعتبار; إذ مجرّد أخذه بشرط لا لا  يؤثّر فيما هو ملاك الحمل والهوهويّة.

وهذا الأمر الثاني قابل للمناقشة في المقام; إذ إنّ أخذ هذا المفهوم الوحدانيّ بشرط لا  عن الحمل قد يكون مانعاً تعبّديّاً عن الحمل، وتوضيح ذلك: أنّ أخذه بشرط لا  عن الحمل مرجعه إلى أخذ عدم الحمل قيداً، وأخذه قيداً يتصوّر على وجهين:

الأوّل: كون المقصود: أخذ عدم واقع الحمل خارجاً قيداً للعلقة الوضعيّة بناءً على ما سبق في بحث الحروف من أنّ أمثال صاحب الكفاية من المشهور تصوّروا إمكان تقييد العلقة الوضعيّة، فنفرض كون الوضع مقيّداً بظرف عدم الحمل على الذات من قبيل دعوى صاحب الكفاية: أنّ الوضع مقيّد باللحاظ الآليّ تارة والاستقلاليّ اُخرى، ومعه لا  يصحّ الحمل; إذ عند الحمل ينتفي الوضع لكونه مشروطاً بزمان عدم الحمل، فكأنّ كلمة (عِلم) في ظرف الحمل تكون مهملة، فلا يمكن حملها على زيد بالرغم من فرض اتّحاد المبدأ خارجاً مع الذات.

الثاني: أن يكون عدم الحمل لا  بمعنى عدم الحمل بوجوده الخارجيّ، بل عدم الحمل بما هو مفهوم من المفاهيم التصوّريّة، ويؤخذ قيداً في المعنى الموضوع له لا  شرطاً للعلقة الوضعيّة، بمعنى: أنّ لفظ «العلم» مثلاً موضوع لحصّة خاصّة من

 
  الصفحة 476  

مفهوم الحدث، وهي الذي لم يحمل على الذات، ولم يوضع للحدث على الإطلاق، فيتعذّر الحمل; إذ بمجرّد حمل الحدث على الذات يخرج عن كونه مصداقاً لما وضع له اللفظ(1). إذن فهدم صحّة الحمل يمكن تثبيته على أساس تصوّرات اعتباريّة. وقد اتّضح بذلك: أنّ الأمر الثاني غير تامّ، ولكن الأمر الأوّل تامّ: أي: أنّ المتغايرين وجوداً ومفهوماً لا  يصحّ حمل أحدهما على الآخر بمجرّد أخذ أحدهما لا  بشرط من الحمل على الآخر، فإن أراد المحقّق الدوّانيّ وأمثاله تصحيح الحمل على أساس الأخذ لا  بشرط مع الاعتراف بالمغايرة وجوداً ومفهوماً، فهذا لا  يتمّ.

إلاّ أنّ هذا التفسير الأوّل ليس هو مراد أصحاب هذا القول كما صرّح به أنفسهم وإن توهّمه بعض(2).

التفسير الثاني: ما جاء في كلمات المحقّق الدوّانيّ (3) والمحقّق


(1) لا  يخفى: أنّ تقييد المعنى الموضوع له بمثل هذا الشرط شبيه بتقييد الوضع به من حيث إنّ المحكيّ عنه لا  يختلف بإضافة هذا الشرط أو القيد، وهذا ليس معهوداً في الوضع، ولا  معمولاً به من قبل المستعملين.

(2) كأنّ المقصود به صاحب الفصول بحسب ما نقل عنه صاحب الكفاية في الجزء الأوّل من الكفاية، ص 83 ـ  84 بحسب طبعة المشكينيّ. أو المقصود به المحقّق العراقيّ الذي فسّر كلام أهل المعقول بهذا التفسير في المقالات، ج  1، ص  193 بحسب طبعة مجمع الفكر الإسلاميّ. راجع أيضاً نهاية الأفكار، ج  1، ص 141 ـ 142 بحسب طبعة جماعة المدرسين بقم.

(3) لا  توجد عندي تعليقات المحقّق الدوّانيّ على شرح التجريد للقوشجي، ولا  أيّ كتاب آخر للمحقّق الدوّانيّ، ولكن هذا الوجه نقله الشيخ الإصفهانيّ في نهاية الدراية، ج  1، ص  132 بحسب طبعة مطبعة الطباطبائيّ بقم عن الحكيم السبزواريّ في تعليقاته على الأسفار لا  عن المحقّق الدوّانيّ.

  الصفحة 477  

النائينيّ (1) من أنّ اللابشرطيّة والبِشرط لائيّة ليستا بلحاظ نفس الحمل، بل بلحاظ أمر أسبق من الحمل، ويترتّب على ذلك جواز الحمل وعدمه. وأوضح ذلك المحقّق النائينيّ بأنّ الحدث كالعلم مثلاً له وجود في نفسه ووجود لموضوعه، ووجوده في نفسه عين وجوده لموضوعه المندكّ في الموضوع، وحال ذلك حال المرآة، فحينما نقابل المرآة فوجود المرآة وجود للمرآة في نفسها ووجود للصورة المنعكسة في المرآة، وهما وجود واحد، فإن فرض: أنّنا لاحظنا هذا الوجود بمقتضى طبعه دون لحاظ عناية، إذن صحّ حمله على الذات; إذ هو طور من أطوارها، وإذا أعملنا عناية وفككنا بين وجوده في نفسه ووجوده لموضوعه، والتفتنا فقط إلى جنبة وجوده في نفسه دون جنبة استهلاكه واندكاكه في الموضوع لم يصحّ الحمل. والأوّل معنى اللابشرطيّة، والثاني معنى البشرط لائيّة، ونفس المطلب يتصوّر في المرآة، فمن ناحية يقال: هذه صورة إنسان; لأنّ المرآة مندكّة في الصورة، لكن لو أعملنا عناية لفصل المرآة عن الصورة، قلنا: هذه مرآة، ولا  يصحّ أن نقول: إنّها صورة، فالمشتقّ والمصدر يحتويان على مفهوم واحد تارةً يلحظ بما هو ظهور لموضوعه، فيحمل عليه لكونه عينه، واُخرى يلحظ بما هو ظهور لنفسه فقط فلا يحمل عليه.

وقد اعترض على ذلك بعدّة اعتراضات(2):

الأوّل: أنّه كيف يعقل تصوّر مفهوم وحدانيّ بلحاظ قابل للحمل على الذات،


(1) راجع أجود التقريرات، ج  1، ص  73 بحسب الطبعة المشتملة على تعليقات السيّد الخوئيّ، وفوائد الاُصول، ج  1، ص  117 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم.

(2) راجع أجود التقريرات، بحسب الطبعة المشتملة على تعليقات السيّد الخوئيّ، ص  73 تحت الخطّ، والمحاضرات، ج  1، ص  278 ـ  280 بحسب طبعة مطبعة النجف.

  الصفحة 478  

وبلحاظ آخر غير قابل للحمل عليها؟! فإنّ هذا المفهوم الوحدانيّ: إمّا أن يكون وجوده عين وجود الذات، فيصحّ حمله متى ما تصوّرناه، أو مغايراً له، فلا يصحّ حمله متى ما تصوّرناه، فيجب أن نلتزم بأنّ ما يقبل الحمل مفهوم، وأنّ ما لا  يقبل الحمل مفهوم آخر، ومن هنا التزم هؤلاء المستشكلون بأنّ مفهوم المشتقّ مغاير ذاتاً لمفهوم المصدر، فمفهوم المصدر هو الحدث، ووجوده مغاير لوجود الذات، ومفهوم المشتقّ مطعّم بالذات والشيء، فيتحّد مع الذات، فيصحّ الحمل. وأمّا لو لم ندخل هذا التطعيم وفرضنا وحدة المفهوم، فلا نتعقّل كونه ممّا يحمل تارةً ولا  يحمل اُخرى.

وهذا الإشكال لا  يمكن المساعدة عليه; لأنّ أصحاب هذا الإشكال مضطرّون في النهاية إلى الاعتراف بإمكان انحفاظ مفهوم واحد يصحّ حمله تارةً ولا  يصحّ اُخرى ووقوع ذلك; إذ ننقل الكلام من المشتقّات ومصادرها الحقيقيّة إلى المشتقّات ومصادرها الجعليّة، فنأتي إلى نفس مفهوم الشيء الذي أدخلوه في مفهوم المشتقّ، وبه صحّحوا الحمل وميّزوا بينه وبين المصدر، فنقول: إنّ الشيء بنفسه مشتقّ له مصدر جعليّ، فيقال: شيء وشيئيّة، وذات وذاتيّة، وإنسان وإنسانيّة وهكذا، فشيء يصحّ حمله على الذات بلا إشكال، والشيئيّة لا  يصحّ حملها عليها، فهل الشيء والشيئيّة يحتفظان بمفهوم واحد، أو إنّ «شيء» طعّم بشيء زائد على الشيئيّة؟ طبعاً هنا لا  يمكن القول بالتطعيم; إذ كلامنا في نفس الشيء، فإن قيل: المراد: شيء له الشيئيّة، فهذا غير معقول، ويجب فرض شيء أعمّ من الشيئيّة تعرض عليه الشيئيّة حتّى لا  يلزم عروض الشيء على نفسه، ولا  يوجد هناك مفهوم أعمّ من الشيء حتّى يطعّم به، إذن فلابدّ من فرض وحدة مفهوم الشيء والشيئيّة، ومع ذلك صحّ بقدرة قادر حمل الشيء على الذات، ولم يصحَّ حمل

 
  الصفحة 479  

الشيئيّة عليه، وهذا برهان على أنّ مفهوماً واحداً قد يكون له لحاظان، بأحد اللحاظين يصحّ حمله على الذات، وباللحاظ الآخر لا  يصحّ حمله عليها، فإذا كان الأمر كذلك في الشيء والشيئيّة، فليكن كذلك في مثل «عِلم» و«عالم» مثلاً.

وتحليل المطلب بعد إقامة البرهان عليه: أنّنا إذا فرضنا أنّ مفهوم البياض مثلاً مع الذات متّحدان في الوجود الخارجيّ، فهذا الوجود الوحدانيّ للمفهومين بحسب عالم التحليل يمكن أن يحلّل إلى جزءين فحصّة منه مظهر للذات وهو الجدار مثلاً، وحصّة اُخرى منه مظهر للعرض وهو البياض، لكن هذه تجزئة بحسب عالم الاعتبار والتحليل، لا  بحسب الخارج كما هو الحال في الجنس والفصل، فالإنسانيّة في عالم الخارج لا  تنحلّ إلى حيوانيّة وناطقيّة، وإنّما في صقع التحليل وبالمنظار التحليليّ ترى شيئين، وكذلك الأمر في المقام، وعندئذ إن نظرنا إلى عالم الخارج الذي هو عالم الوحدة في الوجود، صحّ الحمل. وإن نظرنا إلى صقع التحليل، فسوف نرى المغايرة في الوجود، فلا يصحّ الحمل، فكلمة «بياض» موضوعة عند المحقّق النائينيّ للحدث المنظور إليه بالنظر التحليليّ; ولذا قال: إنّ ملاحظته بشرط لا  عن الحمل تحتاج إلى عناية، وأمّا في الأبيض فالملحوظ نفس الحدث حسب طبعه الخارجيّ.

الثاني: أنّه لو سلّمت وحدة العرض والمعروض في الوجود الخارجيّ، ولذلك يصحّ الحمل على الذات في مثل «عالم» بالرغم من كونه بمعنى العلم بحسب الفرض، فهذا لا  يسري إلى أسماء الأماكن والأزمان; إذ ليس نسبة المبدأ إلى الزمان أو المكان نسبة العرض إلى موضوعه حتّى يقال: إنّ وجوده في نفسه عين وجوده لموضوعه، وإنّه اندكّ في الموضوع، وإنّما نسبته إليهما نسبة المظروف إلى الظرف الزمانيّ أو المكانيّ ومع ذلك يصحّ فيه الحمل على الزمان والمكان، فلابدّ

 
  الصفحة 480  

من الالتزام فيه بأنّ كلمة «مقتل» تختلف مفهوماً عن القتل، وأنّها طعّمت بمفهوم الشيء، فمقتل يعني شيء وقع فيه القتل مثلاً، أو شيء له ظرفيّة القتل مكاناً أو زماناً حتّى يصحّ الحمل.

ويمكن ذبّه عن المحقّق النائينيّ بأن يدّعي دعوى إضافيّة في اسم الزمان والمكان، وهي: أنّ المبدأ ليس هو ذات القتل، بل محلّيّة القتل سنخ ما اختاره جملة من المحقّقين كصاحب الكفاية(1) وغيره من تطعيم المبدأ في الحرف والصناعات بالحرفة والصناعة، ومن الواضح: أنّ نسبة محلّيّة القتل إلى المكان والزمان نسبة العرض إلى موضوعه.

الثالث: أنّ دعوى المحقّق النائينيّ: أنّ وجود العرض في نفسه عين وجوده لموضوعه، فيكون وجوده طوراً من أطوار موضوعه ومتحداً معه إن صحّت فإنّما تصحّ في الأعراض الحقيقيّة: كالعلم والبياض والسواد والقدرة وغير ذلك، ولا  تصحّ في الأعراض والمفاهيم الانتزاعيّة التي تنتزع عن الماهية والأشياء; كالزوجيّة والفرديّة والإمكان والوجوب ونحو ذلك; إذ ليس لها وجود في الخارج حتّى يقال: إنّ وجودها في نفسها عين وجودها لغيرها. نعم، الأعراض الحقيقيّة لها وجود في الخارج، فيقال: إنّه عين وجود الذات.

وهذا الإشكال لو تمّ لكان هدماً لمبنى المستشكلين أنفسهم، فإنّهم يهدفون القول بأنّ المصدر والمشتقّ مفهومان متباينان; ولذا صحّ حمل أحدهما على الذات دون الآخر، وأنّ المصحِّح لحمل المشتقّ على الذات هو أخذ مفهوم الشيء فيه، فنقول لهم: إنّ (الشيء) بنفسه مفهوم انتزاعيّ، فإن لم نتصوّر نحواً من الاتّحاد


(1) راجع الكفاية، ج 1، ص 58 ـ 59 بحسب طبعة المشكينيّ.

  الصفحة 481  

بين المفهوم الانتزاعيّ ومنشأ الانتزاع، بطل تصحيحكم للحمل بإدخال مفهوم الشيء. وإن اعترفتم بنحو من الاتّحاد بين ثبوت المفهوم الانتزاعيّ بالنحو المناسب له من الثبوت ومنشأ الانتزاع، بطل الإشكال الذي أوردتموه عل المحقّق النائينيّ.

الرابع ـ  وهو أوضح الاعتراضات وأقربها إلى الذهن  ـ(1): أنّ المحقّق النائينيّ يرى أنّ المشتقّ وإن كان هو نفس العرض، ولكن العرض وجوده في نفسه بحسب طبعه عين وجوده لغيره، ومتّحد مع الذات، فحينما ينظر إلى العرض بحسب طبعه يصحّ حمله على الذات، وهنا نقول: إنّه يمكن التعبير عن المطلب في المقام بإحدى عبارتين:

1 ـ فإمّا أن نعبّر بأنّ العرض وجوده في نفسه عين وجوده لموضوعه.

2 ـ أو نعبّر بأنّ العرض وجوده في نفسه عين وجود موضوعه.

فإن كان المقصود هو الأوّل، فهذا لا  يصحّح الحمل، ولا  يثبت اتّحاد العرض مع الذات خارجاً; فإنّ معنى كون وجوده في نفسه عين وجوده لموضوعه: أنّ وجوده في نفسه حاضر للموضوع، فلوجوده إضافتان: إضافة إلى ماهية العرض، فيقال مثلاً: «هذا وجود البياض» وإضافة إلى موضوعه لكونه عرضاً له، والوجود الذي هو طرف الإضافة إلى البياض مثلاً هو عين الوجود الذي هو طرف الإضافة إلى الموضوع، لكن المغايرة مع هذا محفوظة بين وجود العرض والموضوع. وممّا يبرهن على ذلك: أنّ نفس هذه العبارة صادقة في المعلول مع العلّة، فالمعلول الحقيقيّ وجوده في نفسه عين وجوده لعلّته، بمعنى: أنّ هناك وجوداً واحداً هو


(1) كأنّ هذا الوجه تعميق لجزء من كلام السيّد الخوئيّ فيما ذكره من الوجه الثاني للإشكال في المحاضرات، ج  1، ص  278 ـ  279 بحسب طبعة مطبعة النجف، ومن الوجه الثالث للإشكال في أجود التقريرات، ج  1، ص  73، تحت الخطّ.

  الصفحة 482  

طرف الإضافة إلى ماهية المعلول، وهو حاضر بذاته للعلّة; ولذا يقال: إنّ وجود المخلوقين هو أحد مراتب علم الله، فإنّ أنزل مراتب العلم الربوبيّ نفس الوجودات الخارجيّة للمخلوق، والعلم هو حضور المعلوم لدى العالم، ومع هذا لا  يصحّ توصيف العلّة بالمعلول; ولذا اختار صاحب الأسفار في تعريف العرض ـ  على ما أتذكّر  ـ : العرض ما يكون وجوده في نفسه عين وجوده للموضوع على وجه الاتّصاف، فجاء بقيد (على وجه الاتّصاف) لكي يخرج المعلول الذي هو أيضاً وجوده في نفسه عين وجوده لعلّته، فاتّضح بهذا: أنّ هذه النكتة لا  تصحّح حمل العرض على المعروض، وإلاّ لصحّحت حمل المعلول على العلّة أيضاً بينما لا  يصحّ ذلك.

وإن كان المقصود هو الثاني بأن يقال بعبارة صريحة: إنّ وجود العرض في نفسه عين وجود الموضوع، فالبياض والجدار ليس بإزاء كلّ واحد منهما وجود مستقلّ، بل يوجد بإزائهما وجود واحد، فلا برهان على خلاف ما تفيده هذه العبارة، وعلى استحالة ظهور مفاهيم متعدّدة بوجود واحد، بل قد ادّعي هذا بالنسبة إلى الصور الذهنيّة للمعلومات مع النفس، وهي قائمة بالنفس على حدّ قيام الوجودات الخارجيّة للأعراض بوجودات ذويها الخارجيّة، فإن صحّ أنّها موجودة بعين وجود النفس فلا استنكار لو ادّعى المحقّق النائينيّ أنّ الوجودات الخارجيّة للأعراض عين وجودات الموضوع. وبناءً على هذه الدعوى، فحينما يصبح الأسود أبيضَ وبالعكس يرجع ـ  بحسب الحقيقة  ـ إلى تبدّل حدود وجود واحد لا  إلى زوال وجود ومجيء وجود آخر، كما يقال بذلك أيضاً حينما يتبدّل تصوّر من تصوّرات النفس إلى تصوّر آخر. هذا مطلب لا  برهان على استحالته. وما يقال في الكلمات من أنّ العرض مغاير مفهوماً ووجوداً للجوهر; لأنّ العرض وجود رابطيّ والجوهر وجود نفسيّ استقلاليّ، هذا الكلام ينفع الخطابة لا  البرهان.

 
  الصفحة 483  

إلاّ أنّه مع هذا كلِّه نقول: إنّ الإلهام العاميّ للإنسان العرفيّ والنظر الفطريّ للشخص المتعارف يفرض المغايرة بين الذات والأعراض(1)، فالتفّاحة هي غير صفرتها أو حلائها ونحو ذلك، واللغة بنت هذا الإنسان الذي يفكّر بإلهامه الفطريّ، فيتحكّم فيها ذوق هذا الإنسان. فنحن فلسفيّاً عاجزون عن البرهنة ضدّ المحقّق النائينيّ، لكن الإلهام العاميّ والنظر الفطريّ يقتضي التباين، فنقول: إنّ العالم مثلاً لو كان مفهومه عين مفهوم العلم لما صحّ حمله على الذات بحسب الإلهام الفطريّ الحاكم بأنّه مباين للذّات وجوداً ومفهوماً.

التفسير الثالث: هو ما نذكره في بيان القول الثاني.

تحقيق القول الثاني:

وأمّا القول الثاني: وهو القول بأنّ المشتقّ موضوع لعنوان بسيط منتزع عن الذات بلحاظ تلبّسها بالمبدأ، فهذا القول هو المفسّر للابشرطيّة عن الحمل والبشرط لائيّة بتفسير ثالث، وهو ما يستفاد من عبارة المحقّق الخراسانيّ (2)، وتوضيحه: أنّ اللابشرطيّة والبشرط لائيّة ترجع إلى تغاير سنخيّ وذاتيّ بين المفهومين، لا  أنّ هناك مفهوماً وحدانيّاً محفوظاً في جانب المشتقّ والمصدر، ويكون الفرق بينهما بالاعتبار، فمدلول المصدر هو مفهوم الحدث، ومدلول المشتقّ هو عنوان انتزاعيّ بسيط منتزع عن الذات بلحاظ تلبّسها بالمبدأ، فنفس الذات ونفس الحدث ونفس النسبة غير مأخوذة في مدلول المشتقّ على خلاف


(1) الإشكال بفهم الإنسان العرفيّ وارد في نهاية الدراية، ج  1، ص  134 بحسب طبعة مطبعة الطباطبائيّ بقم.

(2) راجع الكفاية، ج  1، ص  78 بحسب طبعة المشكينيّ.

  الصفحة 484  

القول الرابع الذي سوف يأتي الكلام عنه إن شاء الله.

وعلى أيّ حال، فهناك فرق ذاتيّ بين مفهوم «عالم» مثلاً ومفهوم «علم»، فمفهوم «علم» هو الحدث، وهو مغاير وجوداً للذات، فبطبعه يأبى عن الحمل على الذات، وهو معنى البشرط لائيّة، ومفهوم «عالم» هو عنوان بسيط منتزع عن الذات، إذن فهو متّحد مع الذات; لأنّ العنوان الانتزاعيّ متّحد مع منشأ انتزاعه، فبطبعه يقبل الحمل على الذات، وهذا معنى اللابشرطيّة.

وبعد أن ذكر صاحب الكفاية هذا الرأي في المقام استعرض براهين المحقّق الشريف على نفي التركيب الذي هو القول الرابع معتقداً أنّها بناءً على تماميّتها ترد على القول بالتركيب والتطعيم بمفهوم الشيء والذات، ولا  ترد على هذا القول.

ولنا حول ما أفاده المحقّق الخراسانيّ عدّة تعليقات:

1 ـ إنّ هذا الكلام يدّعي: أنّ قيام مبدأ بالذات ـ  سواء كان المبدأ عرضيّاً حقيقيّاً: كالعلم والبياض أو انتزاعيّاً: كالإمكان والزوجيّة  ـ يوجب انتزاع عنوان بسيط عن الذات بلحاظ قيام المبدأ به، بينما إن قطعنا النظر عن باب الألفاظ وتوجّهنا إلى المفاهيم، نرى ـ  بحسب وجداننا  ـ أنّه لا  توجد في النفس صورة جديدة وراء صورة الذات والمبدأ والنسبة تكون منتزعة عنها، ولو كان كذلك للزم التسلسل في الاُمور الانتزاعيّة; لأنّ هذا المفهوم الجديد المنتزع عن الذات بلحاظ تلبّسها بالمبدأ يكون بدوره قائماً بالذات أيضاً على حدّ قيام المبادئ الانتزاعيّة بمناشئ انتزاعها، فعنوان «ممكن» أو «أبيض» أو «عالم» عنوان انتزاعيّ حسب الفرض قائم بالإنسان المتّصف بهذه الصفات، فينتزع عنوان بسيط آخر في طول هذا العنوان البسيط، وهكذا حتّى يتسلسل. فإن قلنا باستحالة التسلسل في الانتزاعيّات، فهذا محال، وإلاّ فيكفي كون هذا خلاف الوجدان، فإنّ الوجدان

 
  الصفحة 485  

شاهد على أنّه حينما يتّصف شيء بالبياض أو العلم أو غير ذلك لا  يكون منشأً لإمكان انتزاع عناوين متكثّرة من هذا القبيل.

2 ـ إنّ ظاهر صاحب الكفاية القائل بهذا القول الثاني: أنّه يرى أنّ هذا القول لا  يرد عليه إشكالات المحقّق الشريف ـ  لو تمّت  ـ التي اُوردت على أخذ مفهوم الشيء والذات في المشتقّ، حيث استشكل في ذلك ـ  على ما يأتي إن شاء الله  ـ بأنّ مفهوم الشيء والذات عرض، والمشتقّ قد يكون فصلاً كناطق، فيلزم دخول العرض في الذات بينما أنّ هذا الإشكال ـ  لو كان له محصّل  ـ فهو وارد على مختار صاحب الكفاية أيضاً; إذ هذا العنوان المنتزع البسيط أيضاً أمر عرضيّ باعتباره انتزاعيّاً، فلو اُخذ في مفهوم «ناطق» لزم أيضاً محذور تقوّم الفصل بالعرض.

3 ـ إنّ هذا المقدار من البيان يري أنّ النكتة الوحيدة التي جعلت المصدر غير قابل للحمل على الذات، والمشتقّ قابلاً لذلك هي: أنّ الحدث غير متّحد مع الذات، وهو مفاد المصدر، والعنوان الانتزاعيّ متّحد مع منشأ انتزاعه، وهو مفاد المشتقّ، في حين أنّ هذا لا  يفسّر لنا الفرق بين المشتقّ والمبادئ الانتزاعيّة في قبول الأوّل للحمل دون الثاني، فإن كان العنوان الانتزاعيّ متّحداً مع منشأ انتزاعه، إذن فلماذا لا  يصحّ حمل المبادئ الانتزاعيّة على الذات، كأن نقول: «الإنسان إمكان» و«الأربعة زوجيّة» ونحو ذلك؟ وإن كان العنوان الانتزاعيّ مغايراً في الوجود لمنشأ انتزاعه، إذن فكيف صحّ حمل المشتقّ على الذات مع أنّه على هذا المبنى ليس إلاّ عنواناً انتزاعيّاً انتزع عن الذات؟

تحقيق القول الثالث:

وأمّا القول الثالث: فهو أنّ المشتقّ بمادّته موضوع للحدث وبهيئته للنسبة من

 
  الصفحة 486  

دون أخذ الذات فيه، وهذا ظاهر المحقّق العراقيّ على ما في تقريرات بحثه(1). وخلاصة ما يستفاد منه للاستدلال على هذا المدّعى هو الاستقراء للهيئات غير هيئة المشتقّ، فنحن نرى مثلاً أنّ هيئة المصدر وهيئة الفعل الماضي والمضارع والأمر كلّها موضوعة للمعنى الحرفيّ، فنعرف أنّ هيئة فاعل مثلاً أيضاً كذلك، فليست موضوعة للذات، وإلاّ لكان مفهوماً اسميّاً، فالذات غير مستفادة من المشتقّ; إذ لا  هي مأخوذة في المادّة ولا  الهيئة، فإنّ المادّة إنّما تدلّ على الحدث، والهيئة إنّما تدلّ على النسبة.

وهذا الكلام يواجه الصعوبة الأساسيّة، وهي: أنّه كيف يتصوّر بناءً على هذا تصحيح حمل المشتقّ على الذات، فكيف نقول مثلاً: «زيد عالم» أو «زيد ضاحك» أو نقول: «الضاحك عالم»؟ فإنّنا حينما نقول: «الضاحك عالم» لا  نريد بذلك: أنّ الضحك علم، ولا  يصحّ ذلك; لعدم الاتّحاد بين الضحك والعلم وإنّما نريد أن نقول: إنّ الذات المتّصفة بالضحك هي الذات المتّصفة بالعلم.

وقد أثار هذا الإشكال في التقريرات، وأجاب عنه بما فيه نوع اضطراب وتشويش، ويتلخّص منه جوابان باختلاف الكلمات:

الجواب الأوّل: أنّ الذات ليست مدلولاً عليها بالمطابقة في «ضاحك» و«عالم»، لكنّها مدلول عليها بالدلالة الالتزاميّة; إذ النسبة تحتاج إلى طرفين، فيدلّ اللفظ الدالّ عليها على الذات بالالتزام(2). ويرد عليه:


(1) راجع نهاية الأفكار، ج  1، ص  143 ـ 144 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم، وراجع المقالات، ج  1، ص  190 ـ 192 بحسب طبعة مجمع الفكر الإسلاميّ.

(2) إنّني لا  أملك كتاب بدائع الأفكار تقريراً لاُصول الشيخ العراقيّ، والموجود
  الصفحة 487  


في نهاية الأفكار يختلف عمّا هو مذكور هنا في المتن نقلاً عن المحقّق العراقيّ، فهو لا  يرى أنّ الاتّحاد نتج من الدلالة الالتزاميّة على الذات كما هو الموجود هنا في المتن في الجواب الأوّل، أو نتج من النسبة الاتّحاديّة كما هو الموجود في المتن هنا في الجواب الثاني; بل هو يرى أنّ الاتّحاد نتج من ملاحظة الوصف بما هو جلوة من جلوات الذات، وبما هو لباس لها، ووجه لها.

وهذا الكلام ـ  كما ترى  ـ إن اُريد له التدقيق والتحديد يجب أن يرجع إلى بعض الوجوه الماضية من التوحيد بين الصفة والذات ممّا مضى شرحها على القول الأوّل. نعم، هو يرى أنّ الدلالة الإثباتيّة واللغويّة على ملاحظة الوصف بما هو جلوة أو لباس أو وجه للذات يكون أحد أمرين: إمّا دلالة هيئة المشتقّ على النسبة كما هو مختاره، فبضمّها إلى دلالة المادّة على المبدأ يثبت النظر إلى الحدث باعتباره جلوة للذات ولباساً لها، وإمّا دلالة مجموع المادّة والهيئة على المبدأ، لكن لا  مطلقاً، بل في حين اتّحاده مع الذات; وذلك لا  على أساس التقييد الذي يرجع إلى أخذ النسبة، بل على أساس الحصّة التوأم، ويقول: إنّ هذا الوجه الثاني غير صحيح; لأنّه خلاف ما هو المألوف في باقي المشتقّات من انحلالها إلى مادّة تدلّ على الحدث وهيئة تدلّ على النسبة.

أقول: إنّ هذا يرد عليه:

أوّلاً: ما مضى إيراده على تصوير اتّحاد المبدأ مع الذات من أنّه إن صحّ فلسفيّاً لا  يصحّ عرفيّاً.

وثانياً: بطلان الحصّة التوأم في مقابل الحصّة المقيّدة في مقام تحصيص المفاهيم على ما حُقّق في محلّه.

وثالثاً: ما مضى وسيأتي من اُستاذنا الشهيد من أنّه لو اُخذت النسبة في مفاد المشتقّ من دون أخذ الذات، لأصبحت الكلمة غير مستقرّة كالفعل، بل وأتعس من ذلك حيث إنّ الفعل يمكن تكميله وجعله مستقرّاً بإعطاء فاعله له مثلاً، لكن مثل اسم الفاعل
  الصفحة 488  

أوّلاً: أنّ من الواضح: أنّ الحمل في قولنا: «العالم ضاحك» إنّما هو بلحاظ المدلول المطابقيّ لا  الالتزاميّ، أي: أنّنا نحمل المدلول المطابقيّ لعالم على المدلول المطابقيّ لضاحك. وأمّا الدلالة الالتزاميّة في مرحلة التصوّر فهي لا  تُنظّم الكلام، وإلاّ فنفس الدلالة الالتزاميّة موجودة في المصدر على ما ذهب هو وغيره إليه من أنّ هيئة المصدر أيضاً دالّة على النسبة التقييديّة، فيلزم صحّة قولنا: «الضحك علم»، مع أنّه لا  يصحّ بلا إشكال، والمصحّح للحمل إنّما هو المدلول المطابقيّ.

وثانياً: أنّ الدلالة الالتزاميّة وإن كانت توجب تصوّر الذات من باب: أنّ النسبة لا  تتصوّر بدون طرفين، ولا  تقوم بذاتها على قدميها، لكن هذا لا  يحتّم أن تُتصوّر الذات بنحو تكون هي المقيّد، وهو الذي نسمّيه بالركنيّة، أي: لا  يتحتّم أن يكون مفاد «ضاحك» أو «عالم» بعد ضمّ الدلالة الالتزاميّة إليه ذات له الضحك، وذات له العلم حتّى يقال: إنّ حمل ذات له العلم على ذات له الضحك صحيح بلا إشكال; فإنّ الدلالة الالتزاميّة ليست بأكثر من لزوم انتقال الذهن إلى الذات من باب احتياج النسبة إلى طرفين، ولكن الذات كما يمكن أن تقع طرفاً للنسبة بأن تصبح هي الركن، وتصبح مقيّداً كذلك يمكن أن تقع هي القيد، ويكون الحدث هو المقيّد،


يبقى غير مستقرٍّ إلى الأبد.

ورابعاً: أنّ مجرّد دلالة المادّة على الذات والهيئة على النسبة لا  تكفي في مرحلة الدلالة لإثبات نظر المتكلّم إلى الوصف بما هو لباس ووجه وجلوة للذات، إلاّ أن يفترض أنّ هذا يفهم بالدلالة الالتزاميّة من باب حاجة النسبة إلى الطرفين.

إلاّ أنّ هذا يرد عليه ما أفاده اُستاذنا في المتن في إيراده الأوّل من دلالة الوجدان العرفيّ واللغويّ على أنّ الحمل في مثل «زيد قائم» أو «العالم ضاحك» إنّما هي بلحاظ المدلول المطابقيّ لا  الالتزاميّ.

  الصفحة 489  

فيرجع «ضاحك» و«عالم» إلى ضحك مستند إلى الذات، أو علم مستند إلى الذات، ومن الواضح: أنّه لا  يصحّ حمل العلم المستند إلى الذات على الضحك المستند إلى الذات(1).

الجواب الثاني: أنّه لو كانت النسبة المأخوذة في الهيئة من النسب الحلوليّة والصدوريّة بين المبدأ والذات لاستدعت المغايرة بينهما; إذ الحلول والصدور فرع الاثنينيّة، ولكن النسبة هنا هي النسبة الاتّحاديّة، أي: أنّ النسبة بين «زيد» و«علم» تارة يعبّر عنها بمفهوم اسميّ، فيقال: (اتّحاد)، واُخرى يعبّر عنها بمفهوم حرفيّ فيقال: (عالم)، فهيئة «فاعل» تدلّ على تلك النسبة، كما أنّ ظرفيّة الحديقة لزيد قد تلحظ بنحو المعنى الاسميّ فيقال: «الحديقة ظرف لزيد»، وقد تلحظ بنحو المعنى الحرفيّ، فيقال: «زيد في الحديقة»(2).

ويرد عليه: أنّ مجرّد وجود دالّ على الاتّحاد في الكلام بين المبدأ والذات لا  يكفي لصحّة الحمل حتّى يفرض: أنّ الهيئة هنا تدلّ على نسبة سمّاها بالنسبة الاتّحاديّة، ويقال: إنّه بهذا تنتهي المشكلة، وإنّما المناط هو الاتّحاد حقيقةً ووجوداً، فالاتّحاد إن كان موجوداً حقيقةً صحّ الحمل سواء وجد دالّ عليه ولو بنحو المعنى الحرفيّ أو لا، وإلاّ لم يصحّ الحمل سواء وجد دالّ على الاتّحاد أو لا، وأخذ النسبة الاتّحاديّة في الهيئة إنّما أثره وجود الدالّ على الاتّحاد لا  تحقّق واقع الاتّحاد،


(1) يمكن للمحقّق العراقيّ أن يجيب على ذلك بأنّ النسبة التي تدلّ عليها هيئة المشتقّ إنّما هي النسبة التي تكون الذات ركناً فيها لا  التي يكون المبدأ ركناً فيها، فإنّهما نسبتان متباينتان; لأنّ أيّ تغيّر في أطراف النسبة ـ  ولو على مستوى تعيين ما هو الركن  ـ يوجب تغيّر النسبة.

(2) هذا الوجه غير موجود في المقالات ولا  في نهاية الأفكار.

  الصفحة 490  

فتحصل: أنّ مشكلة الحمل واردة على هذا القول، ولا  يمكن دفعها بكلا الجوابين. هذا.

مضافاً إلى أنّه يرد على هذا القول ما نقلناه عن المحقّق النائينيّ في مقام الإشكال على أخذ النسبة في مدلول المشتقّ من أنّ النسبة إذا كانت مأخوذة من دون الذات، لزم تقوّمها بطرف واحد، وهو الحدث، مع أنّ النسبة متقوّمة بطرفين ولا  يعقل تقوّمها بطرف واحد. وهذا الكلام قد أصلحناه سابقاً وقلنا: لا  ينبغي أن يكون المراد: كون النسبة بواقعها متقوّمة بطرفين، وإنّما ينبغي أن يراد أنّ النسبة بلحاظ مرحلة مدلول الكلام يجب أن تتقوّم بطرفين حتّى يكون الكلام تامّاً ومستقرّاً، فلو كان «ضارب» يعطي معنى المبدأ والنسبة فحسب لكان الكلام بحسب عالم الدلالة ناقصاً، ففي قولنا: «رأيت ضارباً» يلزم أن يكون الكلام ناقصاً، وهذا خلاف الوجدان، فإنّ معنى «ضارب» سنخ معنىً لا  يحتاج إلى متمّم ومكمّل كما هو الحال في «ضَرَب» المحتاج إلى الفاعل دائماً لدلالته على الحدث والنسبة فحسب، إذن فضارب: إمّا لم تؤخذ فيه النسبة، أو اُخذت فيه النسبة مع الذات.

تحقيق القول الرابع:

وأمّا القول الرابع: وهو التركب من الذات والحدث ونسبة بينهما، فالكلام فيه يقع في مقامين:

1 ـ فيما يدّعى برهاناً على هذا القول.

2 ـ فيما يدّعى برهاناً على نقض هذا القول وإبطاله.

أمّا المقام الأوّل: فحاصل ما برهن به أصحاب هذا القول عليه هو: أنّ المشتقّ يجب أن يغاير مفهومه مفهوم المصدر; لأنّ العلم مثلاً لا  يصحّ حمله على الذات، وهو برهان التغاير مع الذات، والعالم يصحّ حمله على الذات، وهو برهان الاتّحاد

 
  الصفحة 491  

معها، والمغاير غير المتّحد.

وهذا البرهان بهذا البيان اندفع بما ذكرناه في توضيح وتحقيق تفسير المحقّق النائينيّ للابشرطيّة والبشرط لائيّة، حيث قلنا: يمكن انحفاظ مفهوم واحد يطرأ عليه لحاظان، بأحد اللحاظين يصحّ الحمل وباللحاظ الآخر لا  يصحّ، وبرهنّا على ذلك بمثال الشيء والشيئيّة، حيث وضّحنا: أنّهما يعطيان مفهوماً واحداً ومع ذلك يصحّ حمل شيء على الذات دون الشيئيّة، وقلنا: إنّ هذين اللحاظين والاعتبارين عبارة عن النظر الجمعيّ والنظر التحليليّ.

وتحقيق الكلام في المقام: أنّنا لو تكلّمنا بمنظار الدقّة والواقع، فقد لا  يكون هذا البرهان المُقام على القول الرابع تامّاً في شيء من المشتقّات أصلاً، ذلك أنّ المشتقّات المحمولة على الذوات يمكن تقسيمها إلى ثلاثة أقسام:

1 ـ ما  يكون مبدؤه ذاتيّاً بمعنى الذاتيّ في كتاب الكلّيّات، بأن يكون نوعاً أو جنساً أو فصلاً كما في «زيد انسان» فمبدؤه الجعليّ وهو الإنسانيّة ذاتيّ في كتاب الكلّيّات لزيد.

2 ـ أن يكون مبدؤه ذاتيّاً في كتاب البرهان، أي، من لوازم الذات بلا حاجة إلى ضمّ أمر خارج إليها، وذلك من قبيل: الشيئيّة التي هي من لوازم زيد.

3 ـ أن يكون المصدر أمراً عرضيّاً، أعني: أنّه يحتاج إلى ضمّ أمر خارجيّ كما في العلم والبياض ونحو ذلك من الأعراض الحقيقيّة، ففرضه في زيد يحتاج إلى ملاحظة أمر خارج عن زيد فرض وجوده فيه.

فالقسم الأوّل لا  إشكال في أنّ المبدأ فيه عين الذات، والقسم الثاني أيضاً عين الذات باعتباره أمراً منتزعاً عن الذات بلا ضمّ أمر خارجىّ، فوجوده بعين وجود منشأ انتزاعه وهو الذات. وأمّا القسم الثالث فقد مضى: أنّه لا  برهان على مغايرته

 
  الصفحة 492  

للذات، فبالمنظار الدقّىّ لعلّ المبدأ بجميع أقسامه عين الذات، ولكن قلنا: إنّه بالنظر العرفىّ والفطرىّ لا  إشكال في أنّ الأعراض الحقيقيّة مغايرة وجوداً للذات، فالعلم والبياض ونحو ذلك وجود، والذات وجود آخر، وحيث إنّ اللغة بنت العرف والفطرة لا  بنت الفلسفة والدقّة، إذن فيحتاج تصحيح الحمل على الذات إلى أن يؤخذ في المشتقّ مفهوم الشيء الذي هو ذاتىّ في كتاب البرهان، أو مصداق الشيء الذي هو ذاتىّ في كتاب الكلّيّات، وبهذا يتمّ البرهان بمنظار العرف وعلى مستوى الإدراك الفطرىّ، حيث إنّ المشتقّ كثيراً ما  يكون مبدؤه من القسم الثالث كما في عالم وعادل وأبيض وغير ذلك. نعم قد يكون المشتقّ أيضاً من القسم الثاني كما في الممكن الذي مبدؤه الإمكان، ولكن حيث إنّ وضع الهيئة الاشتقاقيّة نوعيّ فبشكل عامّ قد اُخذ مفهوم «شيء» أو نحوه في المشتقّ، حيث نحتاج إلى أخذ ذلك في موارد القسم الثالث، ولا  يضرّنا ذلك في موارد القسم الثاني(1) وبهذا يحصل الاتّحاد مع الذات في موارد القسم الثالث، فيصحّ حمل المشتقّ فيها على الذات، ولكن لا  يصحّ حمل المبدأ فيها عليها; لعدم الاتّحاد، وأمّا في القسم الأوّل والثاني فالاتّحاد ثابت في المبدأ أيضاً، إلاّ أنّه يصحّ الحمل فيهما على الذات في المشتقّ دون المبدأ من باب اختلاف اللحاظ بالنظر الجمعىّ والنظر التحليلىّ الذي مضى بيانه.

وأمّا المقام الثاني: ففي توضيح البرهان المدّعى على عدم إمكان أخذ الذات في مدلول الهيئة الاشتقاقيّة يقسّم عادة أخذ الذات فيه إلى فرضين:

1 ـ أخذ مفهوم الشيء في مدلول المشتقّ.


(1) وكذلك في موارد القسم الأوّل لو وجدنا فيها مشتقّاً حقيقيّاً كما لو فرضنا أنّ الناطق كذلك.

  الصفحة 493  

2 ـ أخذ مصداق الشيء في مدلول المشتقّ. والمقصود من مصداق الشيء ما  هو معروض المبدأ حقيقيةً، ففي «ضاحك» يؤخذ الإنسان، وفي «صاهل» يؤخذ الحصان وهكذا. ثُمّ يُبدأ بكلّ واحد من الاحتمالين، فيبرهن على عدم صحّته حتّى يتمّ البرهان على عدم أخذ الذات في مدلول الهيئة، فالكلام إذن يقع أوّلاً في أخذ مفهوم الشيء في المشتقّ، وثانياً في أخذ مصداقه فيه.

أمّا الأوّل: وهو أخذ مفهوم الشيء في المشتقّ، فقد بُرهن على استحالته ببرهان مأخوذ من بعض كلمات المحقّق الشريف في تعليقته على شرح المطالع، وهو: أنّه قد يكون المشتقّ فصلاً كناطق، فلو اُحذ مفهوم الشيء فيه لزم دخول العرض العامّ في الذاتيّ; لأنّ مفهوم الشيء عرض عامّ والفصل ذاتيّ، فلزم تقوّم الذاتيّ بالعرض.

وهذه الصيغة للبرهان ناقشها المحقّق النائينيّ (1) مع تسليمه لجوهر البرهان بأنّ الأفضل تبديل هذه الصيغة بصيغة اُخرى، وذلك بأن يقال (بدلاً عن قولنا: لزم دخول العرض في الفصل): (لزم دخول الجنس في الفصل); وتقوّم الفصل بالجنس أيضاً مستحيل. والوجه في العدول عن تلك الصيغة إلى هذه الصيغة دعوى: أنّ الشيء ليس مفهوماً عرضيّاً، وإنّما هو جنس الأجناس تقع تحته كلّ الأجناس العالية والمقولات الممكنة.

والكلام تارةً يقع في هذا التعديل الذي أدخله المحقّق النائينيّ على الصيغة، واُخرى في أصل الصيغة:

أمّا تعديل المحقّق النائينيّ فهو مبنيّ على ما عرفت من افتراض أنّ الشيء


(1) راجع فوائد الاُصول، ج  1، ص  111 ـ 113 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم، وراجع أجود التقريرات، ج  1، ص  69 ـ 71 بحسب الطبعة المشتملة على تعليق السيّد الخوئيّ.

  الصفحة 494  

هو جنس الأجناس، وليس عرضاً. وهذه الدعوى من قبله لا  ينبغي أن تردّ بمثل ما قيل من أنّ مفهوم الشيء لا  يعقل أن يكون جنساً عالياً، وإلاّ لزم وجود جنس أعلى من المقولات العشر، أي: الجوهر والمقولات العرضيّة التسع، فإنّ الشيء يعمّها جميعاً مع أنّه برهن في محلّه من الحكمة على أنّ المقولات العشر أجناس عالية ليس فوقها جنس(1)، فإنّ هذا الكلام لم يتحصّل في الحكمة أصلاً، ولم يبرهن في الفلسفة على أنّها أجناس عالية وأنّه يستحيل دخول اثنين منها أو أكثر في جنس أعمّ كما اعترف صاحب الأسفار. نعم، حاول بعضهم البرهنة على أنّ مفهوم العرض ليس جنساً عالياً كما حاولوا أيضاً البرهنة على أنّ الوجود ليس جنساً عالياً، ولم يبرهنوا على أنّ المقولات العشر ليس فوقها أو فوق بعضها جنس أعلى. نعم، هم صنّفوا المقولات إلى الجوهر وإلى الأعراض التسعة، وترسّخ ذلك في الأذهان، فأوجب ترسّخه في الأذهان تخيّل: أنّه بُرهِن عليه.

ولكن ينبغي الإيراد على المحقّق النائينيّ بأنّ مفهوم الشيء يستحيل أن يكون جنساً عالياً; لبرهان يخصّ مفهوم الشيء، وهو: أنّه لو كان جنساً عالياً لاحتاج ـ لكي يصير نوعاً ـ إلى ضمّ فصل إليه، فننقل الكلام إلى هذا الفصل، فنقول: هذا الفصل أهو شيء أو ليس شيئاً من الأشياء؟ فإن قيل: إنّه ليس شيئاً فهو غير معقول; لأنّ الفصل ـ لا  محالة ـ مفهوم من المفاهيم، فهو شيء لا  محالة، فلابدّ من القول بالأوّل، أي: أنّ هذا الفصل شيء، وحينئذ نقول: إنّ الشيء الذي انطبق على هذا الفصل هل هو تمام حقيقته أو جزؤه، أي: جنسٌ له؟ فعلى الأوّل لزم كون


(1) هذا كلام ورد في أجود التقريرات بعنوان: (إن قلت). راجع أجود التقريرات، ج  1، ص  70 بحسب الطبعة المشتملة على تعليق السيّد الخوئيّ.

  الصفحة 495  

الفصل عين الجنس; لأنّ الجنس هو الشيء، والفصل تمام حقيقته هو الشيء. وعلى الثاني يحتاج هذا الفصل في نفسه إلى فصل، وننقل الكلام إلى ذاك الفصل وهكذا حتّى يتسلسل، ويلزم تركّب الماهية من أجزاء لا  متناهية، فهذا برهان على استحالة كون الشيء جنساً عالياً.

هذا، مضافاً إلى أنّ الشيء إن كان جنساً عالياً، فعلى كلّ حال يلزم دخول الجنس في الفصل سواء قلنا بالبساطة أو التركّب، فلنفرض أنّ مفهوم المشتقّ بسيط، وأنّه هو بعينه مفهوم المبدأ، ولكن أفليس المبدأ شيئاً؟! طبعاً المبدأ شيء من الأشياء، فإذا فرض أنّ الشيء ذاتىّ لكلّ ما يصدق عليه، لزم دخول الجنس في الفصل، فلا محيص عن مشكلة لزوم دخول الجنس في الفصل إلاّ بالبرهنة(1) على


(1) بل تلك المشكلة بنفسها برهان كاف لإثبات عدم جنسيّة الشيء هذا.

وما يصلح في كلمات الشيخ النائينيّ كبرهان على كون مفهوم شيء جنساً أمران:

الأمر الأوّل: أنّ مفهوم «شيء» لو كان عرضاً عامّاً لكان عروضه على ما يعرض عليه خارجاً بواسطة عروضه لجنسه القريب أو البعيد، في حين أنّنا لا  نجد وراء مفهوم الشيء جنساً مشتركاً للجوهر والمقولات التسع كي يكون مفهوم الشيء عارضاً عليه.

والأمر الثاني: أنّ عنوان «شيء» لم يكن من قبيل عنوان التقدّم والتأخّر مثلاً ممّا انتزع من الذات بقيام أمر عرضيّ خارج من ذاته به، بل انتزع من مقام الذات مباشرة من دون دخل طروّ عرض عليه، فهو برغم كونه أمراً انتزاعيّاً يكون ذاتيّاً، ونظيره مثلاً الإنسانيّة المنتزعة من الإنسان ونحو ذلك، فبما أنّ منشأ انتزاع الشيئيّة ليس من الاُمور العرضيّة فلا تكون هي عرضيّة أيضاً.

إلاّ أنّ شيئاً من الوجهين لا  يكفي في المقام:

أمّا الوجه الأوّل: فلأنّ العرض العامّ إن سلّمنا أنّه يعتبر عرضاً للجنس الأوسع من النوع أو الفصل، فإنّما يكون ذلك لو وجد جنس من هذا القبيل، وإلاّ فلا برهان على ضرورة
  الصفحة 496  

عدم جنسيّة الشيء كما صنعناه.

وأمّا أصل الصيغة، وهي لزوم دخول العرض العامّ في الفصل وهو محال، فهذا مبنيّ على الالتزام بكون كلمة «ناطق» قد حكم عليها بالفصليّة بما لها من معنىً لغويّ وعرفىّ، ولكن هذا أوّل الكلام، فإنّ كلمة «ناطق» التي اعتبرها المناطقة فصلاً لم يعرف أنّهم جعلوها فصلاً بما لها من معنىً لغويّ وعرفيّ، بل نقطع بعدمه; إذ لابدّ لتصوير فصليّته من التصرّف في مادّته وهي النطق; لوضوح: أنّ النطق يراد به لغةً وعرفاً التكلّم; أو يراد به بنحو من العناية الإدراك. والتكلّم الذي هو من مقولة الكيف المسموع، والإدراك الذي هو من مقولة الكيف النفسانيّ كلاهما أمر عرضيّ، وما يكون ذاتيّاً وفصلاً للإنسان هو منشأ التكلّم والإدراك، فإذا فرض التصرّف في المادّة فلماذا يستبعد التصرّف في الهيئة؟! ولو سلّم عدم تصرّفهم في الهيئة فغاية ما يلزم اشتباه المناطقة في المعنى العرفيّ للناطق، فتخيّلوا عدم دخول مفهوم الشيء فيه. وهذا الاشتباه ليس عجيباً; لأنّ تشخيص المفهوم اللغويّ للناطق شأن اللغويّ لا  المنطقىّ حتّى يستبعد خطؤهم في ذلك، ويصبح كلامهم برهاناً على معنى الناطق. هذا.

وإن كان مراد المحقّق الشريف البرهنة على بساطة الفصل، أي: عدم دخول مفهوم الشيء فيه، هو صحيح ولا  علاقة لذلك بما نحن فيه. وتوضيح ذلك: أنّ


عروضه على جنس من هذا القبيل بحيث نكتشف من افتراض عدم جنس أوسع كون هذا أمراً ذاتيّاً لا  عرضيّاً. نعم، لو كان العرض عرضاً حقيقيّاً ومعلولاً لمعروضه، فقد كنّا نستكشف بقانون (أنّ الواحد لا  يصدر إلاّ عن واحد) وجود جنس فوق تلك المعروضات كي تكون هي العلّة لذاك العرض، أمّا العرض الانتزاعيّ فلا يأتي فيه هذا البيان.

وأمّا الوجه الثاني: فكون الانتزاع من الذات بلا واسطة أمر عارض عليه إنّما يثبت ذاتيّته له بالمعنى المقصود في كتاب البرهان لا  بالمعنى المقصود في كتاب الكلّيّات.

  الصفحة 497  

المناطقة لم يكونوا بصدد بيان مفاهيم الألفاظ كالاُصوليين، وقد صاروا بصدد بيان: أنّ الفكر كيف يتوصّل إلى أمر مجهول، فقالوا: إنّ التفكير هو ترتيب اُمور معلومة للتوصّل إلى أمر مجهول. ونوقش في ذلك بأنّ الفكر قد يتوصّل إلى شيء مجهول بترتيب أمر واحد وهو الفصل في التعريف بالحدّ الناقص. وأجاب عن ذلك شارح المطالع بأنّ الفصل أيضاً ينحلّ إلى أمرين; إذ ينحلّ إلى شيء له النطق، فهنا صار المحقّق الشريف بصدد الردّ على كلام شارح المطالع، فذكر: أنّه يلزم من ذلك دخول العرض العامّ في الفصل(1).

وهذا الكلام بهذا المقدار صحيح، ولا  ربط له بما نحن فيه، فكلامهم ناظر إلى ذوات المعاني وعمليّة التفكير، وأنّ الفصل من حيث هو فصل هل هو أمر واحد أو أمران؟ فيقول المحقّق الشريف: إنّه أمر واحد: وهذا غير دعوى كون معنى «شيء» غير داخل في المدلول اللغويّ والعرفىّ لهيئة ناطق.

وأمّا الثاني: وهو أخذ مصداق الشيء في المشتقّ، فقد برهن على عدم إمكانه بأنّه يلزم منه انقلاب القضيّة المتسالم على إمكانها إلى ضروريّة، فقولنا: «الإنسان كاتب» يرجع إلى قولنا: «الإنسان إنسان له الكتابة» فيصير من حمل الشيء على نفسه، وهو ضرورىّ مع أنّه لا  إشكال في أنّها قضيّة ممكنة.

وهذا المقدار من البيان اُشكل عليه حلاًّ ونقضاً:

أمّا الحلّ، فبأنّ حمل الإنسان على الإطلاق على الإنسان على الإطلاق


(1) راجع أجود التقريرات، ج  1، ص  68 بحسب الطبعة المشتملة على تعليق السيّد الخوئيّ، وفوائد الاُصول، ج  1، ص  109 ـ 110 بحسب طبعة جماعة المدرّسين بقم، وراجع شرح المطالع لقطب الدين الرازي، ص 7 ـ 8 الطبعة الحجريّة بإيران، وحاشية الشريف على شرح المطالع، هامش ص  9.

  الصفحة 498  

ضرورىّ كقولنا: «الإنسان إنسان»، ولكنّ الإنسان المأخوذ في «كاتب» إنسان مقيّد بقيد الكتابة الذي ليس قيداً ضروريّاً، والمقيّد بغير الضروريّ، ليس ضروريّاً.

وأمّا النقض، فبأنّه لو تمّ هذا المطلب، فلماذا خصّصتم هذا الإشكال بالشقّ الثاني مع أنّه على تقدير تماميّته يجري في الشقّ الأوّل أيضاً؟ فإنّه إذا اُخذ مفهوم الشيء في «كاتب» صار معنى الكلام: «الإنسان شيء له الكتابة»، وثبوت الشيئيّة للإنسان أيضاً ضروريّ.

وهناك محاولات لتصحيح البرهان، بعضها إن تمّ يفي بدفع الحلّ والنقض، وبعضها إن تمّ يفي بدفع الحلّ فقط، ونحن نختار للذكر منها ثلاث محاولات:

1 ـ أن يقال: إنّ مصداق الشيء قد يتّفق فرداً جزئيّاً خارجيّاً لا  يقبل التقييد كما في «زيد كاتب»، فليس عندنا زيدان حتّى يكون قيد الكتابة محصّصاً لزيد المأخوذ في مفهوم «كاتب» وإنّما اُخذت الكتابة مجرّد إشارة وتعريف، فلئن لم يتمّ الإشكال فيما إذا كان الموضوع كلّيّاً تكفي تماميّته فيما إذا كان جزئيّاً حقيقيّاً.

وهذا الكلام لو تمّ، دَفَع الحلّ والنقض معاً: أمّا الأوّل فلأنّه في مثل «الإنسان كاتب» وإن لم يلزم المحذور لتقيّد الإنسان في طرف المحمول بقيد غير ضرورىّ، ولكن في مثل «زيد كاتب» يتمّ المحذور; لأنّ زيداً غير قابل للتقييد حتّى يقال: إنّ حمل زيد المقيّد بقيد غير ضرورىّ ليس ضروريّاً. وأمّا الثاني فلأنّ مفهوم «شيء» كلّىّ قابل للتقييد، فيأتي فيه: أنّ المقيّد بغير الضرورىّ غير ضروريّ.

ولكنّه غير تامّ:

أمّا أوّلاً، فلأنّه مبنىّ على أن يراد بمصداق الشيء ما وصف في القضيّة بالمشتقّ، وأمّا إذا كان المراد تلك الطبيعة التي من شأنها في عالم الأعيان والتكوين الاتّصاف بذلك المحمول، فيكون معنى «زيد كاتب»: «زيد إنسان له

 
  الصفحة 499  

الكتابة» والإنسان قابل للتقييد بالكتابة، وهو قيد ممكن له، فلا يتمّ فيه هذا الجواب.

وأمّا ثانياً، فلأنّنا لا  نسلّم أنّ زيداً لا  يقبل التقييد; فإنّه إنّما لا  يقبل التقييد الأفراديّ; لأنّه ليس كلّيّاً، لكنّه يقبل التقييد الأحوالىّ; لأنّه يتّصف بأحوال مختلفة، ويقبل الإطلاق من ناحية الأحوال، والمقيّد بقيد غير ضرورىّ يخرج عن كونه ضروريّاً سواء كان التقييد أفراديّاً أو أحواليّاً.

2 ـ أن يقال: إنّنا حينما نقول: «الإنسان كاتب» ونفسّر ذلك بقولنا: «الإنسان إنسان له الكتابة»، فقيد الكتابة في المحمول إن فرض مجرّد مشير ومعرّف إلى الإنسان من قبيل: (خاصف النعل)(1) فعندئذ يرجع كلامنا إلى «الإنسان إنسان» فتصبح القضيّة ضروريّة. وإن فرض أخذه قيداً حقيقيّاً بحيث كان المحمول هو


(1) راجع البحار، ج  20، ص  344 و 360، و ج  32، ص  300 و 302 و 307، و ج  38، ص  250.

وإنّني أنقل هنا نصّاً واحداً من هذه النصوص، وهو الوارد في البحار، ج  32، ص  302:

«إنّ النبيّ انقطع شسع نعله، فدفعها إلى عليّ ليصلحها، فقال: إنّ منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله، فاستشرف لها القوم، فقال أبوبكر: أنا هو؟ قال: لا، قال عمر: أنا هو؟ قال: لا، ولكن هو خاصف النعل، يعني: عليّاً. قال أبو سعيد: فخرجت فبشّرته بما قال رسول الله، فلم يكترث به فرحاً كأنّه سمعه».

وهذا النصّ موجود في مستدرك الحاكم، ج  3، ص  122 ـ 123 كالتالي: «عن أبي سعيد قال: كنّا مع رسول الله فانقطعت نعله، فتخلّف عليّ يخصفه، فمشى قليلاً، ثُمّ قال: إنّ منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله، فاستشرف لها القوم وفيهم أبوبكر وعمر رضي الله عنهما. قال أبوبكر: أنا هو؟ قال: لا. قال عمر: أنا هو؟ قال: لا، ولكن خاصف النعل، يعني: عليّاً، فأتيناه فبشّرناه فلم يرفع به رأسه كأنّه قد كان سمعه من رسول الله».

هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.

  الصفحة 500  

المقيّد بما هو مقيّد، يلزم الانقلاب، ولكن يلزم حينئذ محذور حمل الخاصّ من حيث المفهوم على العامّ من حيث المفهوم(1); إذ المحمول هو نفس المفهوم المأخوذ في الموضوع مقيّداً بقيد زائد، مع أنّ المحمول لا  يجوز أن يكون أخصّ مفهوماً من الموضوع، بل يجب أن يكون مساوياً أو أعمّ، فيصحّ: «الإنسان حيوان»، ولا  يصحّ «الحيوان إنسان».

وهذا البيان لو تمّ يدفع الحلّ والنقض معاً: أمّا الحلّ فلأنّه دار الأمر بين أحد محذورين: إمّا انقلاب القضيّة ضروريّة، أو حمل الخاصّ على العامّ. وأمّا النقض فلأنّه لو قيل: «الإنسان شيء له الكتابة»، لم يلزم حمل الأخصّ; لأنّه لم يؤخذ في المحمول نفس المفهوم المأخوذ في الموضوع، بل مفهوم أعمّ وهو شيء وقيد بالكتابة.

ولكنّ هذا الوجه أيضاً غير صحيح; إذ لا  نقبل عدم جواز كون المحمول أخصّ مفهوماً من الموضوع. وتوضيح ذلك: أنّ هناك تصوّرين للقضيّة الحمليّة:

التصوّر الأوّل: أنّ دور الموضوع والمحمول في القضيّة الحمليّة واحد، وهو الفناء في وجود واحد، ويكون معنى حمل أحد المفهومين على الآخر ملاحظتهما بما هما مرآتان إلى الواقع الخارجيّ أو النفس الأمر، ونسبة كلّ واحد من المفهومين إلى هذا الواقع الواحد واحدة، فكلاهما يفنيان في الواقع بنهج واحد.

وبناء على هذا التصوّر يكفي في صحّة الحمل اتّحادهما في الوجود، سواء كان المحمول أخصّ مفهوماً من الموضوع أو بالعكس، أو لم يكن أحدهما أخصّ من


(1) أي: أنّ المحمول وإن لم يكن أخصّ من الموضوع مصداقاً فالمفروض أن يكون المقصود بالكاتب مثلاً ما يصدق على موضوعه، وهو الإنسان بتمام مصاديقه، كأن يكون المقصود: ما من شأنه الكتابة، ولكنّه أخصّ من الموضوع مفهوماً; لأنّه يشمل مفهوم الإنسان حسب الفرض زائداً قيد الكتابة.

  الصفحة 501  

الآخر، فإنّ وظيفتهما هي فناؤهما في وجود واحد وهو ثابت، فاشتراط أن لا  يكون المحمول أخصّ مفهوماً بلا موجب.

التصوّر الثاني: أن يقال: إنّ دور الموضوع يختلف سنخاً عن دور المحمول، فالموضوع ينظر إليه (حتّى فيما إذا كان مفهوماً لا  ذاتاً خارجيّة) بما هو ذات، وبما هو عين مصاديقه ومرآة إليها، فالموضوع في قولنا: «الإنسان كاتب» وإن كان هو مفهوم الإنسان، لكنّه كأنّما اُحضرت المصاديق; لأنّه لوحظ فانياً فيها. وأمّا المحمول فيلحظ بما هو مفهوم، ويكون معنى الحمل: أنّ هذا المصداق يندرج تحت هذا المفهوم.

وهذان التصوّران تترتّب عليهما نكات كثيرة في فلسفة القضيّة من الناحية المنطقيّة.

وعلى هذا التصوّر أيضاً يمكن أن يكون المحمول أخصّ مفهوماً من الموضوع، فإنّ الأعمّيّة والأخصّيّة إنّما هي بين المفهومين بما هما مفهومان، والمفروض: أنّ الموضوع لم يؤخذ بما هو مفهوم، بل بما هو فان في مصاديقه، ومصاديقه ليست أعمّ من المحمول على كلّ حال.

3 ـ إنّه أصبح المحمول مركّباً من جزءين، فتنحلّ القضيّة إلى قضيّتين: الاُولى: الموضوع مع الجزء الأوّل، وهو: الإنسان إنسان، والثانية: الموضوع مع الجزء الثاني، وهو: الإنسان له الكتابة. والاُولى ضروريّة.

وهذا لو تمّ دفع الحلّ فقط، فإنّ عين المحذور يلزم في قولنا: «الإنسان شيء له الكتابة».

إلاّ أنّ هذا البيان غير صحيح في نفسه; لأنّ تعدّد القضيّة مساوق لتعدّد الحكم، وهنا لا  يوجد حكمان من قبل الحاكم، بل حكم واحد، وذلك باعتبار أنّ المحمول إنّما يكون منحلاًّ إلى جزءين باعتبار أخذ النسبة الناقصة فيه، وهذا تحليل خارج اُفق الذهن; لما برهنّا عليه فيما مضى من أنّ النسبة الناقصة تصيّر الشيئين شيئاً

 
  الصفحة 502  

واحداً في الذهن، وأنّها ليست نسبة في عالم الذهن، وإنّما بالتحليل تكون نسبة، فالمحمول في اُفق ذهن الحاكم واحد.

وقد تحصّل: أنّ هذا البرهان على عدم أخذ مصداق الشيء في المشتقّ غير صحيح.

نعم، أخذ مصداق الشيء في المشتقّ في نفسه غير صحيح أيضاً; لأنّه إن اُريد بمصداق الشيء ما حكم عليه في القضيّة بالمشتقّ، فمن الواضح: أنّه قد لا  يكون المشتقّ محكوماً به، بل يكون محكوماً عليه كما في قولنا: «أكرم الكاتب». وإن اُريد به تلك الطبيعة التي من شأنها في عالم الأعيان والتكوين أن تتّصف بالكتابة، فهذا أيضاً باطل بالوجدان; إذ يصحّ بالوجدان استعمال الكاتب في غير الإنسان بأن يقال: «غير الإنسان كاتب» فهذا وإن كان كذباً، ولكن الاستعمال صحيح وليس مستبطناً للتناقض، بينما لو اُخذ فيه طبيعة الإنسان لرجع إلى قولنا: «غير الإنسان إنسان»، وهذا تناقض.

وبهذا تمّ البحث في المشتقّ، وبذلك تمّ الكلام في المقدّمة بتمامها. وبعد ذلك يقع الكلام في مقاصد.

 
السابق | فهرس الكتاب