الصفحة 251

      والإنصاف انّ هذا خلاف الظاهر فظاهر الحديث هو الحكم بالرقية الفعلية وهو لا ينسجم مع افتراض الوصية وفرض صحّة الوصية وتمامية العتق.

نعم لو افترضنا انّ الإمام يرى بطلان الوصية لانّ الوصي هو العبد وقد أصبح وصيّاً من دون اذن مولاه لان مولاه انّما اذن له في التجارة لا في أن يصبح وصيّاً مجاناً فهذا أمر معقول، ولكن ذلك لا يخرج البيع عن الفضولية كما هو واضح.

( بقي الكلام ) في الاستشهاد بالأمر بالحج على إرادة الوصية فنقول: إن كان المقصود جعل ذلك دليلاً على إرادة الوصية فهو غير صحيح لجواز الحج المستحب عن الحي، بل الواجب أيضاً في بعض الموارد بناء على انّ الموسر العاجز عن الحج يستنيب في حياته.

نعم ان اريد: انّ هذا يصلح للقرينية على إرادة الوصية أي انّه لشيوع الاستنابة للحج بلحاظ ما بعد الموت يكون هذا صالحاً للقرينية على إرادة الوصية فلا بأس بذلك بعد افتراض انّ حكم الإمام بالرقّية ليس دليلاً على نفي الوصية لإمكان افتراض بطلان الوصية في المقام كي لا ينافي فعلية الرقية، كما لا بأس أيضاً بعد هذا الافتراض بالاستشهاد لإرادة الوصية بنفس إقدام العبد على تحقيق ما أمره به المورث بعد موته، فهذا أيضاً صالح للقرينية عبر ذلك وإن كان يحتمل أيضاً كون ذلك خطأ منه وجهلاً منه ببطلان الوكالة بالموت.

3 ـ انّه كيف يمكن فرض القول قول المالك الأوّل للأب كما دلّ عليه الحديث باعتبار استصحاب ملكيته له مثلاً في حين انّ أصالة صحّة العقد تحكم على الاستصحاب؟!(1).


(1) راجع مصباح الفقاهة 4: 67، والمحاضرات 2: 313.

الصفحة 252

وأجاب عليه السيد الخوئي بانّ أصالة الصحّة فرع أصل وقوع العقد في حين انّ مالك الأب يدّعي عدم وقوع العقد إذ لا معنى للمبادلة بين ثمن ومثمن كلاهما ملك لشخص واحد(1).

وأضاف على ذلك السيد الإمام : انّ أصالة الصحّة انّما تجري في نقل شككنا في وقوعه صحيحاً، لا في التردّد بين نقلين أحدهما صحيح والآخر باطل كما في المقام فانّ شراء شيء بمال مالك العين لو فرض نقلاً فهو باطل(2).

4 ـ كيف يمكن فرض القول قول المالك الأوّل للأب مع انّ معنى ادّعاء كل واحد منهم انّه اشترى أباه بماله انّهم جميعاً كان لهم مال لديه مأذون في شراء عبد به اذن فقد كان المشتري وكيلاً عن كل الأطراف وقول الوكيل حجّة.

وإن شئت فقل: إنّ من ملك شيئاً ملك الإقرار به، إذن فالأصل يكون مع الورثة.

وقد أجابوا عليه بان وكالته عن الميت قد انقضت بموته(3).

وبالإمكان أيضاً المناقشة في وكالته عن موالي الأب لانّ الرواية ليس فيها ذكر عن وكالته عنهم.

نعم نحن نفهم من دعواهم عليه بشراء أبيه بمالهم انّهم كانوا يتهمونه بأحد أمرين: إمّا بانّه خان الوكالة واشترى بالمال الموكّل فيه عبداً من نفس مالك المال، في حين انّه كان عليه ان يشتري من غيره، وإمّا بأنّه سرق منهم المال


(1) راجع المحاضرات 2: 313، ومصباح الفقاهة 4: 68.

(2) راجع كتاب البيع 2: 130.

(3) راجع كتاب البيع 2: 129، والمحاضرات 2: 314، ومصباح الفقاهة 4: 69.

الصفحة 253

فاشترى به منهم أباه من دون فرض وكالة في المقام ولا قرينة على الأوّل بالخصوص.

5 ـ يقال أيضاً: كيف يمكن فرض القول قول المالك الأوّل للأب، في حين انّ الصحيح هو انّ القول قول مالك المأذون لانّه يعتبر ذا اليد لانّ له اليد على العبد المأذون الذي له اليد على أبيه فيعتبر هو ذا اليد على الأب المشترى، أو على الألف الذي اختصموا فيه(1).

والجواب: انّ ما في يد العبد انّما يعتبر عرفاً ثابتاً في يد المولى فيما إذا كان العبد على الأقل ساكتاً ـ  إن لم نشترط تأييده لمولاه  ـ بأن لم يكن العبد نفسه مدّعياً لكون المال لشخص آخر فيكون وزان العبد لدى فرض السكوت، وزان صندوق مشتمل على مال فذاك المال يعتبر في يد مَن له اليد على الصندوق، إمّا مع التصريح من قِبَل العبد بالخلاف وكونه مالاً لشخص آخر كما في المقام فلا يعتبر المولى صاحب يد على ذاك المال(2).

6 ـ كيف حكم الإمام بصحّة الحج مع ما فيه من انّه بعد فرض الحكم بالرقية على الأب المشترى فقد صدر الحج من العبد بلا اذن مولاه فهو باطل، مضافاً إلى انّ طرفين من أطراف النزاع لم يطالبوا أصلاً بالحج بل وكذلك الطرف الثالث وهم الورثة، لانّ الذي طلب الحج كان هو المورث وقد مات، إذن فحتى لو صحّ الحج كيف يصبح مستحقاً للاجرة؟!(3).


(1) راجع منية الطالب 1: 219.

(2) لعلّ هذا هو المقصود ممّا جاء في منية الطالب 1: 220.

(3) راجع المحاضرات 2: 314، ومصباح الفقاهة 4: 69.

الصفحة 254

أقول: بما انّ هذا الإشكال ليس من الإشكالات الواردة على أصل دلالة الرواية على صحّة بيع الفضولي بالإجازة وانّما هو إشكال على الرواية بفرض ذكرها لحكم مقطوع الفساد وهو صحّة الحج مثلاً فيكفي في الإجابة عليه تأويل الرواية بما أبداه السيد الإمام من احتمال كون المقصود بقوله: « الحجّة قد مضت بما فيها لا ترد » انّ الحج شيء تصرّم وانقضى، ولا معنى لردّه كما يردّ العبد ولا أثر لفرض صحّته وبطلانه وحكم القاضي فيه بشيء فانّه على أيّ حال أمر انتهى، وانّما المهم هو تشخيص حال العبد. وأمّا المال المصروف في الحج فيقال في وجه عدم ذكر الإمام  لحكمه انّه لم يكن النزاع فيه وانّما كان نزاعهم في العبد(1).

ومنها ـ رواية الحلبي بسند تام قال: سألت أبا عبد الله عن رجل اشترى ثوباً ولم يشترط على صاحبه شيئاً فكرهه ثم ردّه على صاحبه فأبى أن يقيله ( يقبله خ ل ) إلاّ بوضيعة قال: لا يصلح له أن يأخذه بوضيعة فان جهل فأخذه فباعه بأكثر من ثمنه ردّ على صاحبه الأوّل ما زاد(2).

ووجه الاستدلال بذلك هو انّه بعد أن كانت الإقالة بوضيعة باطلة كان بيع الثوب من شخص ثالث فضولياً، ولكن إذا كان هذا البيع بأكثر من ثمنه فالمشتري الأوّل حتماً سيجيز البيع لانّه في صالحه ولهذا حكم الإمام بردّ الزيادة عليه.

وأورد على ذلك السيد الخوئي ـ  على ما ورد في مصباح الفقاهة(3)بإيرادين:


(1) راجع كتاب البيع 2: 129.

(2) الوسائل 12: 392، الباب 17 من أبواب أحكام العقود.

(3) مصباح الفقاهة 4: 70 ـ 71.

الصفحة 255

الأوّل ـ انّه لو حمل الحديث على البيع الفضولي على أساس بطلان الإقالة فهو فضولي سواء باعه بأكثر من ثمنه، أو بأقل من ثمنه فلا الناقص ملك للبائع ولا الزائد فما معنى التفصيل في الرواية بين ما لو باع بأكثر من ثمنه وما لو باع بأقل، حيث خصص الحكم بالإرجاع إلى المشتري الأوّل بما زاد بل المفروض حتى في فرض النقيصة لو أجاز المشتري الأوّل يكون ملكاً للمشتري الأوّل وإلاّ رجع إلى المشتري الثاني لبطلان البيع ورجعت العين إلى المشتري الأوّل، كما هو الحال في فرض الزيادة أيضاً أي انّه لو أجاز المشتري الأوّل فالثمن له وإلاّ فالثمن للمشتري الثاني وترجع العين إلى المشتري الأوّل. هذا ما يظهر من عبارة المصباح.

ويقرب منه ما يظهر من عبارة المحاضرات(1) وهو انّه لو حمل الحديث على الفضولي المصحّح بالإجازة فلماذا حكم الإمام بإرجاع الزيادة فحسب إلى المشتري الأوّل؟! بل المفروض ان يحكم بإرجاع كل الثمن إلى المشتري الأوّل واسترداد ما دفعه أوّلاً بالإقالة:

أقول: لو اقتصر في مقام الإشكال على ظاهر عبارة التقريرين أمكن الجواب على ذلك بانّ المقدار المتساوي من الثمن الذي ردّه البائع على المشتري الأوّل بالإقالة والذي أخذه البائع من المشتري الثاني يتراضيان عليه عادة فلم يكن الإمام بصدد بيان حكم ذلك، وانّما الكلام في الزيادة وقد حكم الإمام  بإرجاعها إلى المشتري الأوّل على أساس إجازته للبيع الفضولي.

ولكنيّ احتمل أن يكون مقصود السيد الخوئي ـ  رغم قصور عبارة


(1) المحاضرات 2: 315.

الصفحة 256

التقريرين  ـ: إنّ الإمام لماذا خصّ الحكم بالإرجاع بمقدار الزيادة على الثمن؟! ونفترض انّ السيد الخوئي حمل كلمة الثمن على ثمن البيع الأوّل فيقال: لو فرضنا انّ ثمن البيع الثاني كان أقل من ثمن البيع الأوّل ولكنّه كان أكثر من الثمن الذي ردّ البائع إلى المشتري الأوّل بالإقالة، كان عليه أيضاً إرجاع الزيادة إلى المشتري الأوّل.

ولكن لو أوّلنا كلام السيد الخوئي بهذا التوجيه أمكن أيضاً الجواب عليه بفرض حمل الثمن في الحديث على الثمن الذي ردّه البائع على المشتري الأوّل بالإقالة.

الثاني ـ انّ المشتري الأوّل ليس دائماً سيجيز البيع الثاني الذي كان بأكثر من ثمنه وليس رضاه بالإقالة دليلاً على أنّه سيجيز ذلك، إذ قد يتفق أن يكون للمشتري الأوّل في وقت الاستقالة غرض خاص في ذلك انتهى وقته في حين البيع الجديد فلا داعي له إلى إجازة البيع الجديد، أو يتفق انّ السعر السوقي لتلك العين قد ترقّى بعد الاستقالة بحيث يمكن الآن بيعها بسعر أرقى من ثمن البيع الثاني فلا داعي له إلى إجازة البيع الثاني.

وأضاف إلى ذلك في المحاضرات(1) انّ الإمام لم يتعرّض أصلاً لذكر إجازة المشتري الأوّل.

ولعلّه لا يقصد بهذه الإضافة إشكالاً جديداً بل يرى مجموع الأمرين إشكالاً واحداً ببيان انّ حمل الحديث على فرض الإجازة يجب ان يستند إمّا إلى ورود هذا الفرض في نفس الحديث، أو إلى كون هذا الفرض أمراً طبيعياً بحيث لم


(1) المحاضرات 2: 315.

الصفحة 257

يكن يحتاج إلى ا لذكر وكلا الأمرين مفقود في المقام، أمّا الأوّل فلوضوح عدم ذكر في الحديث لهذا الفرض، وأمّا الثاني فلانّ المشتري الأوّل قد لا يجيز البيع الجديد على أساس ترقيّ السعر السوقي مثلاً.

وهذا الإشكال أيضاً يمكن الإجابة عليه بدعوى انّ هناك طريقاً ثالثاً لاكتشاف فرض الإجازة وهو الاستبعاد العقلائي لصحّة البيع الجديد من دون إجازة المالك وهو المشتري الأوّل، فهذه قرينية عرفية عقلائية على أنّ نظر الإمام  كان إلى الفرض الغالب وهو فرض انّ المشتري الأوّل حينما يطلع على الزيادة سيجيز وافتراض تبدّل السعر السوقي في زمان قصير خاصّة في ذاك العصر بعيد.

ثم تصدّى السيد الخوئي على ما في كلا التقريرين(1) لبيان انّ البيع الجديد ليس فضولياً أصلاً وهذا في الحقيقة يعتبر إشكالاً ثالثاً منه على الاستدلال بهذا الحديث، امّا الوجه في عدم كونه فضولياً فهو انّ إذن المشتري الأوّل في الإقالة بالوضيعة يدلّ بالملازمة على رضاه ببيع جديد بثمن أعلى بالأولوية وهذا رضا مبرز إذ قد أبرزه باذنه في الإقالة، وليس رضاً باطنياً بحتاً حتى يقال: إنّه لا يخرج البيع عن كونه فضولياً.

أقول: إنّ هذا الكلام بظاهره يناقض ما ذكره في الإشكال الثاني من انّ رضاه بالإقالة لا يدل على أنّه سيجيز البيع الجديد لاحتمال تبدّل أغراضه ولو بسبب ترقيّ السعر السوقي، بل انّ إشكاله الأوّل أيضاً لو تمّ لكان مشترك الورود إذ هنا أيضاً يقال: إنّه لو فرضت صحّة البيع الثاني بالرضا المقارن فلماذا حكم الإمام بإرجاع الزيادة فحسب دون تمام الثمن؟ فانّ قرّر توجيه ذلك بمثل


(1) راجع مصباح الفقاهة 4: 72، والمحاضرات 2: 315.

الصفحة 258

ما مضى منّا فالتوجيه أيضاً مشترك يأتي حتى على حمل الحديث على الفضولي فلم يكن إيراده على الاستدلال بالحديث على الفضولي في محلّه.

ولكن بالإمكان ان يأوّل كلامه بنحو ينجو من هذا التناقض وإن كانت عبارة التقريرين قاصرة عن ذلك، وذلك بان يقال: إنّ الحديث لا يدلّ على صحّة بيع الفضولي بالإجازة وذلك أوّلاً لانّ استقالته لا تدلّ على رضاه بالبيع الجديد لاحتمال تبدّل أغراضه ولو بسبب ترقيّ السعر السوقي وهذا هو الإشكال الثاني في كلامه.

وثانياً لانّنا لو سلّمنا دلالة استقالته على الرضا بالبيع الجديد فهذا رضا مقارن مبرز، وبه يخرج البيع عن كونه فضولياً وهذا هو الإشكال الثالث.

إلاّ انّ هذا الكلام حتى بعد فرض توجيهه بهذا الوجه لا يخلو من إشكال وذلك لانّ الذي يصحّح استناد البيع إلى المالك ليس مجرّد الرضا المبرز بأي مبرز كان وانّما هو تصدّيه للإبراز، أمّا الإبراز الذي تمّت مبرزيته بسبب ضمّ علمنا الخارجي بأمر ولم يكن المالك قد قصد إبراز الرضا فلا أثر له فمثلاً لو وكّل زيداً في بيع عين من الأعيان المملوكة له وعلم زيد بالأولوية بانّه لو رضى ببيع هذه العين فهو راض ببيع العين الاُخرى التي يكون وجودها في ملكه أقل نفعاً له في حياته من العين الاُولى فباع العين الثانية فلا إشكال في انّ هذا بيع فضولي، ولو وكّل زيداً في بيع عين له فعلم عمرو برضاه بان يتصدّى هو للبيع لعدم وجود فارق في الفرض بين أن يكون متصدّي البيع زيداً أو عمراً فتصدّى عمرو للبيع فلا إشكال في انّ هذا بيع فضولي، وكذلك الحال في المقام فان المالك انّما تصدّى لإبراز رضاه بالإقالة ولم يقصد إبراز رضاه بالبيع بثمن أعلى وان علمنا بذلك بالأولوية.

 
الصفحة 259

وبالإمكان ان يعترض على الاستدلال بهذا الحديث بإشكالين آخرين:

الإشكال الأوّل ـ سنخ ما أوردناه على الاستدلال بحديث عروة البارقي من انّنا لو لم نفترض صحّة بيع الفضولي بالإجازة بمقتضى القاعدة وأردنا ان نثبت صحّته بهذا الحديث فهذا الحديث لا يدلّ على ذلك، إذ كما يحتمل فيه أن تكون صحّة البيع بلا اذن المالك نتيجة الإجازة المتأخّرة كذلك يحتمل فيه أن تكون صحّته نتيجة الرضا المقارن مطلقاً أو المبرَز بمثل المبرِز الذي قد يفترض في هذا الحديث وهو طلب الإقالة بوضيعة وإن كان هذا الإبراز لا يصحّح الاستناد إلى المالك ولا يكفي لتصحيح البيع على القاعدة.

الإشكال الثاني ـ إبراز احتمال آخر في هذا الحديث وهو احتمال انّ الإقالة بوضيعة انّما تكون باطلة لمَن يعلم بهذا الحكم، امّا من جهل به فالإقالة بوضيعة تكون صحيحة بالنسبة له أي انّ العلم بالحكم أخذ في موضوع ذلك الحكم بالمعنى المعقول الذي يفترض في مثل باب الجهر والإخفات والقصر والإتمام ولكن جعلت في الشريعة مجازاةٌ لهذا الذي أقام بوضيعة جهلاً بالحكم وهي: انّه لو باع العين بزيادة أرجع الزيادة إلى المشتري الأوّل، والشاهد على هذا الاحتمال قيد الجهل في الحديث حيث قال: فان جهل فأخذه فباعه بأكثر من ثمنه ردّ على صاحبه الأوّل ما زاد، في حين انّه لو كان المقصود بطلان الإقالة وصيرورة البيع الجديد فضولياً فهذا لا يختص بما إذا فعل ذلك جهلاً بل يأتي حتى في ما إذا فعله عمداً ورغم العلم بالبطلان.

إلاّ انّ هذا الشاهد غير صحيح بناء على عدم دلالة الشرط على كونه قيداً احترازياً إذا وجدت مناسبة عرفية ونكتة عقلائية لذكر الشرط غير الاحتراز والمناسبة العرفية في المقام هي انّه بعد أن فرض بطلان الإقالة بوضيعة وعدم

 
الصفحة 260

جوازها فمن المعقول ان يفترض ان صدور ذلك منه انّما يكون عن جهل وذلك لافتراض تدينه والتزامه بالشرع، فإذا بطل هذا الشاهد كان هذا الاحتمال خلاف إطلاق قوله: لا يصلح له أن يأخذه بوضيعة فان دخل العلم بالحكم في موضوع الحكم بالمعنى المعقول منفّي بالإطلاق إلاّ إذا ثبت بدليل.

ومنها ـ ما عن محمّد بن اسماعيل بن بزيع بسند تام قال: سألت أبا الحسن  عن امرأة ابتليت بشرب النبيذ فسكرت فزوّجت نفسها رجلاً في سكرها ثم أفاقت فانكرت ذلك ثم ظنّت انّه يلزمها ففزعت منه فأقامت مع الرجل على ذلك التزويج أحلال هو لها أم التزويج فاسد لمكان السكر ولا سبيل للزوج عليها؟ فقال: إذا أقامت معه بعد ما أفاقت فهو رضا منها قلت: ويجوز ذلك التزويج عليها؟ فقال: نعم(1) فيقال: إنّ هذا التزويج وإن لم يكن فضولياً ولكنّه كالفضولي لانّ رضاها في حال السكر كلا رضا وقد حكم الإمام بصحّة العقد بالإجازة المتأخّرة فبناء على التعدّي من النكاح إلى سائر العقود يثبت نفوذ العقد الفضولي بشكل عام بالإجازة المتأخّرة.

ولكن بالإمكان أن يقال ـ  بعد فرض انّ سكرها لم يكن بمستوى فقدان الشعور أو عدم تحقّق العقد منها بمعنى الكلمة وإلاّ فلا يوجد عقد حتى يتم بالإجازة  ـ: انّ هذا العقد صادر منها بالاختيار، غاية ما هناك انّها لم تكن قادرة على تمييز المصلحة من المفسدة فلأجل ذلك خيّرت بين الإمضاء والردّ ولا يمكن التعدّي إلى فرض فقدان أصل الرضا والاختيار، لاحتمال الفرق.

ومنها ـ ما ورد بسند تام عن عبد الرحمان بن أبي عبد الله قال: سألت أبا


(1) الوسائل 14: 221، الباب 14 من أبواب عقد النكاح وأولياء العقد.

الصفحة 261

عبد الله عن السمسار يشتري بالأجر فيدفع إليه الورق ويشترط عليه انّك تأتي بما تشتري فما شئت أخذته وما شئت تركته فيذهب ويشتري ثم يأتي بالمتاع فيقول: خذ ما رضيت ودع ما كرهت قال: لا بأس(1) وورد نفس الحديث بسند تام عن أبي ولاد أيضاً عن أبي عبد الله  (2).

ووجه الاستدلال بهذا الحديث ما ذكره الشيخ في المكاسب(3) من أنّ في السؤال الوارد في هذا الحديث عدّة احتمالات:

1 ـ أن يكون ما أعطاه للسمسار بعنوان القرض ليشتري به لنفسه أمتعة ويشتري بعد ذلك المقرض ما أحبّه من تلك الأمتعة، ولا ينافي ذلك توصيف السمسار بانّه يشتري بالأجر لإمكان حمله على بيان وصف السمسار باعتبار أصل حرفته وشغله بشكل عام لا بملاحظة هذه القضية الشخصية.

2 ـ أن يكون قد وكّله لشراء أمتعة مع جعل الخيار له على بائع الأمتعة فيختار ما يريد ويفسخ العقد في الباقي وبناءً على هذين الاحتمالين يكون الحديث أجنبياً عن بيع الفضولي.

3 ـ أن يكون اعطاؤه المال تمكيناً له من الشراء فضولة أو أمانةً وتطميناً له بوصول ثمن ما يشتريه إليه(4) فيشتري فضولة بالمال عدّة أمتعة ثم يختار ما يريده صاحب المال ويمضي العقد بالنسبة لما أراد ويردّ الباقي.


(1) و  (2) الوسائل 12: 394، الباب 20 من أبواب أحكام العقود، الحديث 2.

(3) 1: 126، بحسب الطبعة المشتملة على تعليق الشهيدي.

(4) احتمال التطمين وارد في البلغة 2: 218، واحتمال التمكين من الشراء فضولة وارد في المحاضرات 2: 316، وكلاهما واردان في مصباح الفقاهة 4: 75، وعبارة الشيخ الأنصاري ساكتة عن ذلك فتحتمل كل هذه الاُمور.

الصفحة 262

وعلى هذا المعنى يكون الحديث راجعاً إلى بيع الفضولي، وبما انّ الإمام لم يستفصل في مقام الجواب عمّا هو مراد السائل من هذه المحتملات فمقتضى الإطلاق بملاك ترك الاستفصال صحّة الجواب على كل المحتملات، وهذا يعني صحّة بيع الفضولي الملحوق بالإجازة.

وذكر الشيخ : انّه لم يثبت في مورد الحديث على الاحتمال الثالث وجود اذن في الشراء بالنحو الذي يرفع فضولية العقد. ولعلّ مقصوده بذلك هو انّه وإن كان لا إشكال في أنّ دفع المال إليه إذا كان لأجل التمكين من الشراء الفضولي فقد دلّ على الإذن في التصرّف لكنّه لم يكن ذلك إلاّ إذناً في التصرّف المادّي من دفع المال إلى البائع، ولم يكن إذناً معاملياً كي يخرج العقد عن كونه فضولياً.

وأورد السيد الخوئي على هذا الاستدلال بإيرادين:

الأوّل ـ استظهار الاحتمال الثاني من المحتملات الثلاثة في الحديث وهو الشراء بالأجر لغلبته في وضع السمسارين(1) وأضاف في مصباح الفقاهة(2)احتمالاً آخر وصفه بانّه أيضاً لا بأس به ـ  وهو احتمال نقله عن البلغة(3)  ـ وهو وقوع مجرّد المساومة بين السمسار والبائع وإطلاق الشراء عليه إطلاق شائع أو مجاز بالمشارفة ويكون دفع الورق إلى السمسار لتطمينه ـ  وهو على حدّ تعبير صاحب البلغة  ـ كثير الوقوع سيّما مع الدلال والسمسار.


(1) راجع المحاضرات 2: 317.

(2) مصباح الفقاهة 4: 76.

(3) راجع البلغة 2: 219.

الصفحة 263

والثاني ـ إشكال بيّنه السيّد الخوئي وفي تعبير التقريرين(1) غموض في إفهام المقصود، وأنا هنا أختار تعبير المحاضرات ونصّه ما يلي: « لا يمكن التمسّك في المقام بترك الاستفصال لانّه لا يتم في القضية الشخصية إذ لعل الإمام علم بالحال من الخارج أو من نفس السؤال فأجاب عن حكمه ».

أقول: إن كان مقصوده بهذا الكلام التفصيل بين ما إذا كان السؤال عن قضية شخصية أو عن قضية كلية فالإطلاق بملاك ترك الاستفصال انّما يكون له مجال في الثاني دون الأوّل، ورد عليه: ( أوّلاً ) انّنا لا نعرف نكتة لهذا التفصيل ( وثانياً ) انّ السؤال في مورد الحديث سؤال عن قضية كلية لا عن قضية شخصية.

وإن كان مقصوده بذلك انّ التمسّك بترك الاستفصال انّما يكون فيما إذا كان السؤال دالاًّ على الجامع بين محتملات لا مجملاً بينها وفي ما نحن فيه يكون السؤال مجملاً بين عدّة محتملات لا جامعاً بينها، وعندئذ يكون الجواب مجملاً لاحتمال انّ الإمام فهم مقصود السائل بأي طريق من الطرق فأجابه وفق مقصوده، قلنا: إنّ هذا في الحقيقة ليس بياناً لمورد الاستدلال بالإطلاق بملاك ترك الاستفصال وانّما هذا يعني إنكار التمسّك بالإطلاق بهذا الملاك لدى إجمال السؤال، والتمسّك بأصالة التطابق بين الجواب والسؤال لدى إطلاق السؤال، فإذا كان السؤال ظاهراً في السؤال عن الجامع بين محتملات كان مقتضى أصالة التطابق بين الجواب والسؤال كون الجواب أيضاً ناظراً إلى الجامع، وعندئذ إذا احتملنا وجود قيد منفصل لذلك دفعناه بالإطلاق الحكمي لا بالإطلاق بملاك ترك الاستفصال.


(1) راجع المحاضرات 2: 317، ومصباح الفقاهة 4: 75 ـ 76.

الصفحة 264

والصحيح: انّ التمسّك بالإطلاق بملاك ترك الاستفصال في موارد إجمال السؤال غير تام، وأنّ إجمال السؤال يسري إلى الجواب، ولا يصحّ القول في مورد تردّد السؤال بين عدّة محتملات بان ترك الاستفصال عمّا هو المقصود منها دليل على صحّة الجواب على كل محتملات السؤال وإلاّ لزم إغراء السائل بالجهل فيما إذا كان مقصوده غير الاحتمال الذي أجاب الإمام عليه، فانّه يردّ عليه ما نقلنا عن السيد الخوئي من انّه من المحتمل انّ الإمام فهم مقصود السائل ولو بقرينة خارجية فأجاب عليه ولا يمكن دفع القرينة المنفصلة لا بأصالة عدم القرينة ولا بالشهادة السكوتية للراوي، أمّا الأوّل فلانّنا لا نؤمن بأصالة عدم القرينة كأصل عقلائي مستقل وانّما نراها شعبة من شعب أصالة الظهور، وفيما نحن فيه لم ينعقد ظهور في نفسه، وأمّا الثاني فلانّه ليس على الراوي في نظر العرف نقل القرائن المنفصلة كي يكون سكوته عنها شهادة بعدمها.

نعم نحن نؤمن بالإطلاق بملاك ترك الاستفصال فيما إذا لم يكن السؤال مجملاً ولكن كانت هناك محتملات في مقارنات الواقعة المسؤول عنها فمثلاً لو انّ السائل قال: إنّي كنت صائماً فأكلت نسياناً للصوم فأجاب الإمام بصحّة الصوم من دون ان يستفصل عمّا إذا كان هذا الصوم صوم شهر رمضان وقضاءه أو صوماً آخر واجباً أو مستحباً، فمقتضى الإطلاق بملاك ترك الاستفصال هو عدم مضرية الأكل عن نسيان في كل هذه الفروض.

ولا يقال هنا: لعل الإمام فهم بقرينة خارجية كون صومه استحبابياً مثلاً أو صوم شهر رمضان مثلاً فلا يتم الإطلاق لجميع أقسام الصوم والسبب في ذلك هو انّ مقتضى أصالة التطابق بين الجواب والسؤال هو انّه لا يوجد عنصر دخيل في الجواب غير العناصر الموجودة في السؤال فلو كان هناك تفصيل في

 
الصفحة 265

الجواب لكان على الإمام ان يستفصل أو يفصّل، وإن شئت فلا تسمّ هذا بالإطلاق بملاك ترك الاستفصال، وسمِّه بمثل أصالة التطابق بين الجواب والسؤال في العناصر الدخيلة.

ولك أن تقول: إنّ أصالة التطابق بين الجواب والسؤال وتبعية الجواب للسؤال تجعل المراد من السؤال قرينة على المقصود من الجواب، فإذا كان السؤال مجملاً كان بكل محتمل من محتملاته صالحاً للقرينية على تطبيق الجواب وفق ذاك الاحتمال، واكتناف ما يصلح للقرينية يوجب الإجمال فالسؤال المجمل يوجب إجمال الجواب.

امّا إذا لم يكن السؤال مجملاً فلا يأتي هذا التقريب وتكون مقتضى أصالة تطابق الجواب للسؤال أنّ كل خصوصية ألغى السائل النظر إليها في سؤاله فهي ملغاة في الجواب فيتمّ في الجواب إطلاق بلحاظ تلك الخصوصيات.

والواقع انّ الإطلاق في هذا الفرض لا يرجع بروحه إلى نكتة الإطلاق بملاك ترك الاستفصال وانّما يرجع بروحه إلى نكتة الإطلاق الحكمي حيث يقال: إنّ إغفال السائل لتلك الخصوصيات البديلة ظاهر في عدم دخلها في سؤاله سنخ ان إغفال القيد ظاهر في عدم دخله في موضوع الحكم، وكذلك إغفال الإمام لتلك الخصوصيات ظاهر في عدم دخلها في الجواب.

ومنها ـ ما عن مسمع أبي سيار قال قلت لأبي عبد الله انيّ كنت استودعت رجلاً مالاً فجحد فيه وحلف لي عليه ثم جاء بعد ذلك بسنين بالمال الذي كنت استودعته ايّاه فقال: هذا مالك فخذه وهذه أربعة آلاف درهم ربحتها في مالك فهي لك مع مالك واجعلني في حلّ فأخذت المال منه وأبيت ان آخذ الربح وأوقفت المال الذي كنت استودعته وأتيت حتى استطلع رأيك فما ترى؟

 
الصفحة 266

قال فقال خذ الربح واعطه النصف وأحلّه انّ هذا رجل تائب والله يحب التوابين(1) وسند الشيخ إلى هذا الحديث فيه الحسن بن عمارة عن أبيه ولم يثبت توثيقهما ولكن سند الصدوق إليه عبارة عن سنده إلى مسمع أبي سيار وهو ما يلي: الصدوق عن أبيه عن سعد بن عبد الله عن أحمد بن محمّد بن عيسى عن الحسين بن سعيد عن القاسم بن محمّد عن ابان عن مسمع والمقصود بالقاسم بن محمّد هو الجوهري بقرينة رواية الحسين بن سعيد عنه وهو ثقة عندنا لرواية بعض الثلاثة عنه، وثِقة عند السيد الخوئي لوقوعه في أسانيد كامل الزيارات، ومسمع أيضاً ثقة لرواية بعض الثلاثة عنه، ولما ورد في الكشي عن محمّد بن مسعود قال سألت أبا الحسن علي بن الحسن بن فضال عن مسمع كردين أبي سيار فقال هو ابن مالك من أهل البصرة وكان ثقة. وذكر السيد الخوئي(2) انّ هذا التوثيق هو الموافق لأكثر النسخ ولكن نسخة العلاّمة وابن داود كانت خالية عنه ولذلك لم يذكراه، والمظنون قوياً صحّة ما في بقية النسخ إذ من البعيد جداً انّ سؤال محمّد ابن مسعود كان عن غير مسألة الوثاقة كي يكتفي ابن فضال في الجواب بانّه ابن مالك من أهل البصرة، فانّ مسمع كردين كان رجلاً معروفاً ويبعد من مثل محمّد ابن مسعود ان لا يطلع عليه فالسؤال لا محالة كان عن جهة الوثاقة وقد سأل محمّد بن مسعود علي بن فضال عن مثل ذلك كثيراً فأجابه ابن فضال ببيان الحال من الوثاقة وعدمها.

والسيد الخوئي يضيف إلى ما عرفته عن الكشي وجهاً آخر لتوثيق مسمع حسب مبناه وهو وروده في إسناد كامل الزيارات.


(1) الوسائل 13: 235، الباب 10 من أبواب الوديعة.

(2) في معجم رجال الحديث 18: 159.

الصفحة 267

وعلى أي حال فقد اتضح انّ ما في مصباح الفقاهة(1) من تضعيف هذا الحديث سنداً خطأ أو غفلة عن السند الثاني.

وأمّا من حيث الدلالة فقد ناقش في مصباح الفقاهة (2) فيها بانّ الاستدلال بها يتوقّف على وقوع المعاملة على عين الوديعة إمّا بنحو المعاطاة أو بالعقد اللفظي، ولكن لا قرينة في الرواية على ذلك.

أقول: كأنّ المقصود انّ من المحتمل ان الربح الذي أعطاه الغاصب إيّاه لم يكن لأجل كون الاتجار بعين ماله بل كان الاتجار بالكليّ في الذمّة وكان التطبيق في الأداء بمال الأمانة فالربح كان ملكاً للغاصب وإن فعل حراماً في تصرّفه في الأمانة ومن المتعارف التعبير عن ذلك بالربح في هذا المال فانّه تعبير عرفي يقال في ما إذا كان الأداء بهذا المال ولو كانت المعاملة بالكليّ في الذمّة فقوله: ( هذه أربعة آلاف درهم ربحتها في مالك ) ليس دليلاً على أنّ المبادلة كانت منصبّة على عين المال، وقوله: « فهي لك مع مالك » لم يثبت أن يكون إخباراً عن ملكيته لهذا الربح كي يكون ذلك شاهداً على كون التعامل بعين المال، فلعلّه إنشاء للتمليك حالاً بهدف استرضائه والتحلّل منه فكأنّه يقول: خذ منيّ هذا الربح استدراكاً لما صدر منيّ من الظلم بالنسبة لك واجعلني في حلّ، وبهذا البيان اتضح أيضاً انّه لا يردّ على ذلك الإشكال بانّه لو كان التعامل بالكليّ وكان الربح للغاصب فكيف أجاز الإمام عليه لهذا الشخص بتملّك الربح؟! وكيف علّل إرجاع نصف الربح إلى الغاصب بانّه تائب والله يحبّ التوابين؟! على أنّ هذا التعليل قد يكون تعليلاً لتحليله فقط، لا لإرجاع النصف إليه.


(1) و  (2) مصباح الفقاهة 4: 77.

الصفحة 268

هذا تمام الكلام في أدلّة صحّة عقد الفضولي للمالك من دون سبق منع من المالك.

أدلّة بطلان عقد الفضولي:

وقد يستدل على بطلان عقده بمعنى عدم مصحّحية الإجازة المتأخّرة له بأدلّة شرط الرضا أو شرط الملك.

من قبيل الآية الشريفة: ﴿  لا تاكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلاّ أن تكون تجارة عن تراض منكم (1) وحديث: لا يحل مال امرئ مسلم إلاّ بطيبة نفسه(2).

ومن قبيل: روايات النهي عن بيع ما ليس عندك(3) أو عن بيع ما لا يملك(4).

ويمكن أن يجاب بعدّة أجوبة عامّة على كل أدلّة اشتراط الرضا أو الملك.

الجواب الأوّل ـ إنّ هذه النواهي إن دلّت على البطلان فانّما تدلّ على البطلان بلحاظ من توجّه إليه النهي وهو العاقد الفضولي، ولا تمنع عن الصحّة للمالك بإجازته فان دلّت بإطلاقها على البطلان حتى بعد الإجازة فانّما تدلّ على بطلان بيع من يبيع لنفسه ثم يملكه بالشراء مثلاً ثم يجيز، ولا تدلّ على البطلان حتى بعد إجازة المالك الأوّل.


(1) النساء: 29.

(2) 3: 424، الباب 3 من أبواب مكان المصليّ، الحديث 1، و  19: 3، الباب 1 من أبواب القصاص في النفس، الحديث 3.

(3) الوسائل 12: 374 ـ 375، الباب 7 من أبواب أحكام العقود، الحديث 2 و  5، بلسان: نهي النبي  (صلى الله عليه وآله وسلم) عن بيع ما ليس عندك وسنن البيهقي الصفحة 339، الحديث 5، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): لا تبع ما ليس عندك.

(4) الوسائل 12: 252، الباب 2 من أبواب عقد البيع وشروطه.

الصفحة 269

وقد يردّ هذا الجواب بدعوى إطلاق النهي لما إذا كان الفضولي يقصد البيع للمالك لا لنفسه والبطلان عندئذ يعني عدم ترتّب الأثر المقصود له وهو تحقّق البيع للمالك، ومقتضى إطلاقه عدم تحقّقه حتى بعد الإجازة فانّ دليل شرط الرضا أو الملك ظاهر في الشرط المقارن كما هو الحال عادة في أدلّة الشروط، خرج من الثاني يقينا فرض الاذن المقارن فهو مصحّح للعقد رغم عدم مالكية العاقد، وبقى الباقي هذا، مضافاً إلى انّ كلمة ( عن ) في الآية الشريفة تدلّ على ضرورة نشوء التجارة عن تراض وهذا لا يكون إلاّ في الرضا المقارن.

والجواب الثاني ـ انّ استناد التجارة والعقد إلى المالك يتم من حين الإجازة ببعض البيانات الماضية وعندئذ يتم الشرط المقارن وتتم نشوء التجارة عن تراض.

والجواب الثالث ـ انّ الدليل على صحّة بيع الفضولي بالإجازة المتأخّرة وهو صحيحة محمّد بن قيس يقدم على هذه الأدلّة بالأخصية هذا، مع إمكان الجواب على كثير من أدلّة شرط الرضا أو الملك بجواب خاص بكل واحد واحد منها وذلك كالتالي:

1 ـ قوله: لا يحل مال امرئ مسلم إلاّ بطيبة نفسه انّما دلّ على اشتراط الحل بالمقارنة بطيب النفس لا اشتراطه بمقارنة التجارة بطيب النفس، ونحن لم نقل في بيع الفضولي بثبوت الحل قبل طيب النفس.

2 ـ قوله تعالى: ﴿  لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلاّ ان تكون تجارة عن تراض قد أجاب الشيخ عن الاستدلال به بأن الاستثناء منقطع والاستثناء المنقطع لا يدل على الحصر(1).


(1) راجع المكاسب 1: 127، بحسب الطبعة المشتملة على تعليق الشهيدي.

الصفحة 270

وأورد السيد الخوئي على ذلك حسب ما ورد في المصباح(1) بوجوه ثلاثة:

1 ـ انّ الاستثناء المنقطع غلط فليس من المقبول عرفاً استثناء شيء لم يفترض دخوله في المستثنى منه فلا يحمل القرآن على ما يعتبر غلطاً، ( وما يتخيّل كونه منقطعاً يحمل على افتراض الدخول في المستثنى منه ولو ادّعاء كأن يقول: ما رأيت أحداً من العلماء إلاّ أبناءهم فافترض انّ أولاد العلماء من العلماء ادّعاء فاستثناهم من الحكم )(2) ولو قيل مثلاً: ما رأيت عالماً إلاّ جاهلاً كان الكلام مستهجناً.

2 ـ انّه لو سلمنا صحّة الاستثناء المنقطع فهنا لا بد أن يكون الاستثناء متصلاً لانّه لا تصلح ما في الآية من كلمة ( الأكل ) ولا كلمة ( الأموال ) ولا كلمة ( الباطل ) لان تكون مستثنى منها فلا بد من افتراض كون المستثنى منه محذوفاً وهو بقرينة باء السببية عبارة عن أسباب التجارة فكأنّما قال: لا تأكلوا أموالكم بأسباب التجارة إلاّ بالتجارة عن تراض فحذف المستثنى منه وجعلت كلمة ( بالباطل ) مكانه.

3 ـ لو سلّمنا كون الاستثناء منقطعاً كان سوق الآية مساق بيان الأسباب المشروعة للمعاملات، وتمييز صحيحها عن فاسدها قرينة كافية لإفادة الحصر.

أقول: أمّا الوجه الثالث فلا يمكن المساعدة عليه فانّنا انّما نفهم كون الآية بصدد تمييز كل الأسباب الصحيحة من الفاسدة بسبب الحصر وإلاّ فمن المحتمل كون الآية بصدد النهي عن أكل أموال الناس بالأسباب الباطلة وبصدد بيان صحّة


(1) مصباح الفقاهة 4: 79 ـ 81.

(2) هذا المقطع الموجود بين القوسين مأخوذ من المحاضرات 2: 319.

الصفحة 271

التجارة عن تراض ولا تكون بصدد بيان شيء آخر وهذا الوجه غير موجود في المحاضرات.

وأمّا الوجه الأوّل والثاني فكل منهما لو فصل عن الآخر كان قابلاً للمناقشة.

أمّا الوجه الأوّل ـ فلانّه هب انّ الاستثناء المنقطع مرجعه إلى الاستثناء المتصل بفرض دخول المستثنى في المستثنى منه ـ  ولو ادّعاءً  ـ وإخراجه عن حكمه، فلتكن الآية أيضاً من هذا القبيل ففرضت التجارة عن تراض أمراً باطلاً ثم استثنيت ولكن هذا لا يدلّ على أنّ سائر الاُمور فرضت باطلاً ولم تستثن كما انّ قوله: ما جاءني القوم إلاّ حماراً يدلّ على أنّه فرض الحمار من القوم فاستثناه فهذا يعني انّ حمارهم جاء ولكنه لا يدلّ على أنّ البقر أيضاً فرض من القوم ولم يستثنه حتى يثبت عدم مجيء البقر، ولعلّ الشيخ لم يقصد بعدم دلالة الاستثناء المنقطع على الحصر إلاّ هذا المعنى ولم يقصد بالاستثناء المنقطع إلاّ ما كان حقيقة خارجاً عن المستثنى منه ولو كان داخلاً فيه ادّعاء.

وأمّا الوجه الثاني ـ فلانّه وإن كانت كلمة ( المال ) وكلمة ( الأكل ) غير صالحتين لفرض استثناء التجارة عن تراض من احديهما لانّ التجارة عن تراض ليست من سنخ الأموال ولا من سنخ الأكل، وانّما هي سبب للأكل بمعناه العام الشامل للتملّك ولكن كلمة ( الباطل ) تصلح أن تكون مستثنى منها لانّه يقصد بالباطل أسباب الأكل والتجارة عن تراض أيضاً سبب للأكل فيناسب استثناءها من الباطل إلاّ من ناحية انّ التجارة عن تراض ليست متصفة بالبطلان، لكن هذا رجوع إلى إشكال الاستثناء المنقطع والمفروض في هذا الوجه الثاني غضّ النظر عن إشكال الانقطاع.

 
الصفحة 272

إلاّ انّ هذين الوجهين لو صيغ منهما وجه واحد للجواب على كلام الشيخ أصبح وجهاً مقبولاً نسبياً وارتفع كلا الإشكالين، ولعل هذا هو مقصود السيد الخوئي واشتبه الأمر على المقرر كما يشهد لذلك ما في المحاضرات(1) حيث جمع الوجهين في وجه واحد.

وتوضيح الأمر هو انّ بالإمكان ان يقال: إنّ الاستثناء المنقطع غير مقبول عرفاً إلاّ بمعنى كون المستثنى خارجاً عن المستثنى منه حقيقة ونازلاً منزلته بمناسبة عرفية، كمناسبة العلاقة الموجودة بين الأولاد والآباء في مثل ما رأيت أحداً من العلماء إلاّ آباءهم وبما انّه لا مناسبة من هذا القبيل في مثل ما رأيت عالماً إلاّ جاهلاً نرى هذا الكلام الثاني مستهجناً، ولا توجد في الآية كلمة توجد علاقة من هذا القبيل بينها وبين التجارة عن تراض إذ من الواضح انّ التجارة عن تراض لا علاقة لها بالباطل ولا مناسبة بينهما تنزّلها منزلته، اذن فيتعين كون المستثنى منه محذوفاً فكأنّه قال: لا تأكلوا أموالكم بينكم بكل سبب ـ  لبطلانه  ـ إلاّ أن تكون تجارة عن تراض وهذا يدلّ على الحصر. وهذا البيان وجه وجيه إلاّ ان الأولى ان تبدّل دعوى بطلان الاستثناء المنقطع بغير مناسبة تنزّل المستثنى منزلة المستثنى منه بدعوى كون ذلك أشدّ مؤونة من مؤونة الحذف.

3 ـ أمّا روايات نهي النبي عن بيع ما ليس عندك وفيها ما هو تام سنداً(2) فيمكن الجواب عنها بانّه يحتمل أن يكون المقصود بذلك النهي عن البيع لنفسه بترقّب الشراء أو التملّك بأي وجه من الوجوه لا النهي عن التصرّف القانوني


(1) المحاضرات 2: 319.

(2) هو ما في الوسائل 12: 374، الباب 7 من أبواب أحكام العقود، الحديث 2.

الصفحة 273

في مال غيره، وذلك إمّا لما عن التذكرة بناء على نقل مصباح الفقاهة(1) من كونه جواباً لسؤال حكيم بن حزام عن ذلك فالسؤال هو الذي يلقي الضوء على ما هو المراد من الجواب، وإمّا لانّه وإن كان هذا حتى لو ثبت لم يضر بالتمسّك بالإطلاق في الحديث الذي رواه الصادق عن رسول الله من غير ذكر لسؤال حكيم بن حزام لكن الإطلاق في نفسه غير تام.

توضيح ذلك: انّه لم يكن مقصودنا من الجواب الذي ابرزناه ما قد تشعر به عبارة تقرير بحث السيّد الخوئي(2) من أنّ هذه الرواية لم تردّ في القسم الأوّل من الفضولي وهو البيع للمالك بل وردت في القسم الثالث من الفضولي وهو بيع الفضولي لنفسه كي يجاب عليه بالإطلاق لدخول كلا القسمين تحت عنوان ( بيع ما ليس عندك )، بل المقصود انّ في الحديث احتمالين: أحدهما أن يكون ناظراً إلى عيب عدم نفوذ العقد على المالك حينما صدر من غير المالك، والثاني أن يكون ناظراً إلى عيب تقدّم العقد على الملك وانّ هذا يمنع عن إرغام المالك على الوفاء بهذا العقد رغم انّه لو نفذ عليه لما كان فيه العيب الأوّل وهو نفوذ عقد غير المالك على المالك، لانّ المفروض انّ العاقد هو الذي ملك بعد العقد، وافتراض نظر الحديث إلى كلا العيبين يشبه استعمال اللفظ في معنيين، اذن فلا أقلّ من إجمال الحديث.

4 ـ وأمّا حديث النهي عن بيع ما لا يملك فإن قرأناه بصيغة المبني للمفعول


(1) مصباح الفقاهة 4: 87.

(2) أقصد به المحاضرات 2: 320، حيث جاء فيه: « وعليه يكون اجنبياً عمّا نحن فيه بل يكون دليلاً على المسألة الآتية ».

الصفحة 274

كان نهياً عن بيع ما لا يمكن تملّكه، أو عن بيع ما ليس مملوكاً بالفعل كالطير في الهواء فيكون اجنبياً عن المقام، إلاّ انّ هذه القراءة لا تنسجم في رواية الصفار(1)لانّ مورد السؤال فيها هو بيع ملك الغير.

ولا يأتي في هذا الحديث الجواب الذي ذكرناه عن حديث النهي عن بيع ما ليس عندك من احتمال النظر إلى المنع عن نفوذ البيع على نفس العاقد إذا تقدّم العقد على تملّكه، فانّ هذا أيضاً خلاف مورد السؤال فليس المفروض في مورد السؤال تملك البائع بعد البيع أو بيعه لمال الغير بترقّب تملّكه بعد ذلك.

ويمكن الجواب عن هذا الحديث بوجه آخر وهو انّ ما ورد من الحديث التام سنداً بهذا المضمون هو ما اشرنا إليه من حديث الصفار، والتعبير هكذا: « لا يجوز بيع ما ليس عندك » وكلمة لا يجوز يحتمل أن يقصد بها نفي النفوذ لا النهي، وإذا كان المقصود بها نفي النفوذ فمن المحتمل أن يكون النفوذ المنفي ما يكون في مقابل الوقوف أيضاً، فإذا وقف تأثير بيع الفضولي إلى ان يجيزه المالك صدق انّ بيع الفضولي لم يجز ولم ينفذ.

5 ـ وبهذا اتّضح الجواب على ما ورد في ذيل رواية الاحتجاج مرسلة عن محمّد بن عبد الله بن جعفر الحميري عن الإمام صاحب الزمان عجل الله فرجه: الضيعة لا يجوز ابتياعها إلاّ من مالكها أو بأمره أو رضى منه(2) فعدم الجواز قد يقصد به عدم النفوذ بالمعنى الذي عرفت.

6 ـ ورد في حديث محمّد بن مسلم التام سنداً عن أبي جعفر : سأله


(1) راجع الوسائل 12: 252، الباب 2 من عقد البيع وشروطه، الحديث الوحيد في الباب.

(2) الوسائل 12: 251، الباب 1 من أبواب عقد البيع وشروطه، الحديث 8.

الصفحة 275

رجل من أهل النيل عن أرض اشتراها بفم النيل وأهل الأرض يقولون هي أرضهم وأهل الاسنان يقولون هي من أرضنا فقال: لا تشترها إلاّ برضا أهلها(1).

والجواب ـ بقطع النظر عن الأجوبة العامّة التي مضت: انّ قوله: لا تشترها إلاّ برضا أهلها جواب على السؤال عن قصة خارجية ولم يصغ بصياغة حكم عام فلا بد من الأخذ بعين الاعتبار كل خصوصيات مورد السؤال التي يحتمل دخلها في الحكم، ومن جملة تلك الخصوصيات سكوت السائل عن ذكر الإجازة المتأخّرة في القصة الخارجية التي فرضها الظاهر في عدم الإجازة بل من الواضح انّ المسألة خالية عن الإجازة للنزاع المفروض بين أهل الأرض وأهل الاسنان، فالحديث لا يدلّ على أكثر من أنّ أهل الأرض هم الذين يعتبرون مُلاّكاً لها بقاعدة اليد دون أهل الاسنان فيكون انتقال الأرض منهم لا من أهل الاسنان.

7 ـ رواية محمّد بن القاسم بن الفضيل التامّة سنداً قال: سألت أبا الحسن الأوّل عن رجل اشترى من امرأة من آل فلان بعض قطائعهم وكتب عليها كتاباً بانّها قد قبضت المال ولم يقبضه فيعطيها المال أم يمنعها؟ قال له ليمنعها أشدّ المنع فانّها باعته ما لم تملكه(2).

ولعلّه من الواضح أجنبية الرواية من المقام فانّ عدم تسليم الثمن للفضولي أمر طبيعي لانّه ليس هو المالك إلاّ ان يفترض إطلاق الرواية لما إذا ملك الفضولي بعد ذلك المال فأجاز البيع السابق، ولكنّك ترى انّ هذا الإطلاق غير عرفي لانّ السائل سأل عن قضية في واقعة وظاهر سكوته عن عنصر التملّك الجديد ثم الإجازة عدم وجود ذلك في تلك الواقعة.


(1) الوسائل 12: 249، الباب 1 من أبواب عقد البيع وشروطه، الحديث 3.

(2) الوسائل 12: 249، الباب 1 من أبواب عقد البيع وشروطه، الحديث 2.

الصفحة 276

8 ـ رواية اسحاق بن عمّار التامّة سنداً عن عبد صالح سألته عن رجل في يده دار ليست له ولم تزل في يده ويد آبائه من قبله قد أعلمه من مضى من آبائه انّها ليست لهم ولا يدرون لمَن هي فيبيعها ويأخذ ثمنها؟ قال: ما احبّ ان يبيع ما ليس له قلت فانّه ليس يعرف صاحبها ولا يدري لمَن هي ولا أظنّه يجيء لها ربّ أبداً قال: ما احب أن يبيع ما ليس له قلت فيبيع سكناها أو مكانها في يده فيقول: أبيعك سكناي وتكون في يدك كما هي في يدي قال نعم يبيعها على هذا(1).

وفي هذه الرواية من الواضح فرض عدم إجازة المالك لانّ المالك غير معروف فالرواية اجنبية عن المقام ولو فرضت دلالة « ما احب » على البطلان.

9 ـ رواية علي بن جعفر بسند تام عن أخيه موسى بن جعفر قال سألته عن رجل سرق جارية ثم باعها يحل فرجها لمَن اشتراها؟ قال: إذا أنبأهم انّها سرقة فلا يحل وإن لم يعلم فلا بأس(2).

ومن الواضح انّ الإجازة مفروضة العدم على ما هو غالب الحال في السرقة وانّ جهة السؤال هي انّ عدم كون المشتري هو السارق هل يحلّل له الجارية أو لا؟

10 ـ وبه يتضح الجواب عن روايات شراء السرقة والخيانة(3)، على أنّ فرض الإجازة بعد القبض لا يحلّ إشكال شراء السرقة والخيانة بلحاظ ما قبل القبض وهذا كاف في صدور النهي والتحريم فانّ القبض حرام والعقد باطل قبل صدور الإجازة، وفرض صدور الإجازة قبل القبض وبعد تمامية الشراء في الصدقة والخيانة فرض ملحق بالعدم في ندرته.


(1) الوسائل 12: 250، الباب 1 من أبواب عقد البيع وشروطه، الحديث 5.

(2) الوسائل 12: 252، الحديث 12.

(3) راجع الوسائل 12: 248 ـ 251، الباب 1 من أبواب عقد البيع وشروطه.

الصفحة 277

11 ـ رواية زريق قال: كنت عند أبي عبد الله يوماً إذ دخل عليه رجلان... فقال احدهما: انّه كان عليّ مال لرجل من بني عمّار وله بذلك ذكر حقّ وشهود فأخذ المال ولم استرجع منه الذكر بالحق ولا كتبت عليه كتاباً ولا أخذت منه براءة وذلك لأ نّي وثقت به وقلت له: مزّق الذكر بالحق الذي عندك فمات وتهاون بذلك ولم يمزّقها وعقب هذا ان طالبني بالمال ورّاثه وحاكموني وأخرجوا بذلك الذكر بالحق وأقاموا العدول فشهدوا عند الحاكم فأخذت بالمال وكان المال كثيراً فتواريت من الحاكم فباع عليّ قاضي الكوفي معيشة لي وقبض القوم المال وهذا رجل من إخواننا ابتلى بشراء معيشتي من القاضي ثم ان ورثة الميت اقرّوا انّ المال كان أبوهم قد قبضه وقد سألوه أن يردّ عليّ معيشتي ويعطونه في أنجم معلومة فقال: إ نّي احبّ ان تسأل أبا عبد الله عن هذا فقال الرجل ـ  يعني المشتري  ـ جعلني الله فداك كيف أصنع؟ فقال تصنع ان ترجع بمالك على الورثة وتردّ المعيشة إلى صاحبها وتخرج يدك عنها قال: فإذا أنا فعلت ذلك له ان يطالبني بغير هذا؟ قال: نعم له ان يأخذ منك ما أخذت من الغلّة ثمن الثمار وكل ما كان مرسوماً في المعيشة يوم اشتريتها يجب ان تردّ ذلك إلاّ ما كان من زرع زرعته أنت فانّ للزارع إمّا قيمة الزرع وإمّا أن يصبر عليك إلى وقت حصاد الزرع فإن لم يفعل كان ذلك له وردّ عليك القيمة وكان الزرع له.

قلت: جعلت فداك فإن كان هذا قد أحدث فيها بناءً وغرس قال: له قيمة ذلك أو يكون ذلك المحدث بعينه يقلعه ويأخذه.

قلت: أرأيت إن كان فيها غرس أو بناء فقلع الغرس وهدم البناء فقال: يردّ ذلك إلى ما كان أو يغرم القيمة لصاحب الأرض فإذا ردّ جميع ما أخذ من غلاّتها إلى صاحبها وردّ البناء والغرس وكل محدث إلى ما كان أو ردّ القيمة كذلك يجب

 
الصفحة 278

على صاحب الأرض أن يردّ عليه كلّما خرج عنه في إصلاح المعيشة من قيمة غرس أو بناء أو نفقة في مصلحة المعيشة ودفع النوائب عنها كل ذلك فهو مردود إليه(1).

وذيل الحديث يشهد لبعض مصاديق قاعدة الإثراء بلا سبب، وسند الحديث غير تام ودلالته على بطلان بيع الفضولي بعد الإجازة أيضاً غير تامّة لعدم إطلاقه لفرض الإجازة، لانّه ورد في قضية في واقعة مسؤول عنها، وعدم ذكر السائل فرض الإجازة شاهد على عدمها بل واضح من تمام القصة عدم الإجازة، ولو فرضت تمامية دلالته على بطلان الفضولي فهو يختص بفرض بيع الفضولي لنفسه ولا يشمل فرض بيع الفضولي للمالك.

هذا تمام الكلام في أصل عقد الفضولي وقد عرفت انّه بما هو عقد فضولي ينفذ بواسطة الإجازة المتأخّرة بمقتضى القاعدة وبصحيحة محمّد بن قيس.

وبعد ذلك يقع الكلام في أنّه لو اضيف عنصر آخر على عنصر الفضولية هل يوجب ذلك البطلان وعدم النفوذ بالإجازة اللاحقة أو لا وذاك العنصر هو أحد عنصرين:

عقد الفضولي مع سبق منع المالك:

الأوّل ـ سبق منع المالك فقد يقال: إنّ هذا المنع يضر بلحوق الإجازة.

ولا إشكال في أنّ هذا المنع يفقدنا الدليل الخاص على صحّة بيع الفضولي وهو صحيحة محمّد بن قيس لانّه لم يفترض فيها منع سابق فهي لا تدلّ بظهورها على أكثر من صحّة عقد الفضولي حينما يكون بلا اذن المالك دون ما إذا كان مع منعه.


(1) الوسائل 12: 253 ـ 254، الباب 3 من أبواب عقد البيع وشروطه.

الصفحة 279

ولكن يبقى لنا ما مضى من مقتضى القاعدة فانّه يشمل هذا القسم من الفضولي.

وتوهّم مبطلية المنع السابق بافتراضه كالردّ المتأخّر أو بالقول بانّ الكراهة مستمرة عادة إلى ما بعد العقد ـ  ولو آناً ما  ـ وهي كراهة مبرزة فحالها حال الردّ.

يرد عليه: انّه إن كان المقصود عقلائية زوال العقد بالردّ بحيث لا يقبل بعد ذلك عقلائياً لحوق الإجازة فهذا لا يكون إلاّ في الردّ بمعنى كسر القرار وإنهائه من النفس بالمعنى الحقيقي، وهذا انّما يعقل من قبل صاحب القرار كالعاقد الأصيل الذي يعدل عن القرار قبل قبول الطرف الآخر للعقد أو قبل قبول المالك الذي كان يملك ما باعه الفضولي مثلاً، ولا يعقل من المالك بالنسبة لعقد وقع على ماله فضولة فلم يكن من قبله قرار حتى نبحث عن كسره وعدوله عنه وانّما وقع العقد بين شخصين غيره ونحن نتكلم في إمضائه لهذا العقد وعدمه واين هذا من ذاك؟!

وأمّا الردّ المعقول من قبل المالك في باب الفضولي بمعنى مجرّد إبراز الكراهة أو بمعنى كسر القرار بالفرض والاعتبار والإنشاء لا بالمعنى الحقيقي للكلمة فلا يوجب عقلائياً عدم لحوق إمكانية لحوق الإجازة.

وإن كان المقصود دعوى التمسّك بالإجماع على مبطلية الردّ بالمعنى المعقول من المالك في باب الفضولي وقياس المنع السابق بالردّ إمّا بذاته أو باعتبار استمرارية الكراهة بعد العقد، فلو سلّم إجماع تعبدّي في المقام فاحتمال الفرق موجود فلعلّ قوام الردّ المبطل يكون بالكراهة الثابتة بعد العقد مع إبرازها بعده، وما دامت المسألة تعبّدية بحتة ولا توجد لها جذور عقلائية فنحن نحتمل الفرق.

عقد الفضولي لنفسه:

الثاني ـ ان يعقد الفضولي لنفسه وعندئذ تارة يتكلّم عن وقوعه لنفسه بعد ان

 
الصفحة 280

يملكه بشراء ونحوه وهذا خلاف روايات « لا تواجبه البيع قبل ان تستوجبه »(1)، ولا تشمله الإطلاقات أيضاً لانّه لم ينتسب العقد إليه حين مالكيته.

واُخرى يتكلّم عن وقوعه للمالك بإجازته وهذا يشتمل على فرعين:

الأوّل ـ فرض إجازة المالك غير الفضولي للعقد.

والثاني ـ فرض تملّك الفضولي للمال بشراء ونحوه ثم إجازته للعقد السابق.

وتوجد هنا إشكالات ثلاثة:

الأوّل ـ ما هو مشترك الورود على كلا الفرعين وهو انّ قصد البيع الحقيقي لم يتم لانّ البيع عبارة عن المبادلة بين المالين وهي دخول كل من المالين في ملك من خرج من ملكه الآخر، في حين انّ الفضولي قصد هنا دخول العوض في ملكه هو وليس هو الذي خرج من ملكه العوض الآخر فلم يقصد إلاّ بيعاً صورياً فلا محل للإجازة أصلاً سواء فرضنا المجيز هو المالك الأوّل أو الفضولي بعد ما يملك المال.

والثاني ـ ما يختص بالفرع الأوّل وهو انّ الإجازة لم تطابق الإنشاء فما أنشىء لم يجز وما اجيز لم ينشأ لانّ الفضولي انشأ ملكية نفسه والمالك الأوّل أنشأ ملكية نفسه.

والثالث ـ ما يختص بالفرع الثاني وهو تقدّم العقد على الملك فالعقد انتسب إليه قبل أن يكون مالكاً وهذا الانتساب لا قيمة له وبعد الملك لم ينتسب إليه انتساباً جديداً بالإجازة لانّ الفعل لا ينتسب إلى الشخص مرتين. إذن لم يقترن انتساب العقد إليه بالملك أو رضا المالك أو لم ينشأ الانتساب عن رضا المالك.


(1) راجع الوسائل 12: 375، الباب 8 من أبواب أحكام العقود.

الصفحة 281

والجواب عن الأخير: انّ الانتساب إلى ذات الشخص وان تمّ قبل الملك لكن الانتساب إليه بما هو مالك انتساب جديد حصل بالإجازة، ولا أقصد بذلك انتساب ذات العقد إليه مرة ثانية كي يقال: إنّ الفعل لا ينتسب إلى الشخص مرتين بل أقصد بذلك ان انتحال الفضولي بعد الملك للعقد الأوّل وتبنّيه ايّاه موضوع في نظر العرف والعقلاء في تحقّق الملك من قبله في لوح التشريع العقلائي، وهذا يحقّق موضوع التمسّك بالإطلاقات وبالسيرة.

نعم هذا الإشكال لا جواب عليه لو كنّا نقصد بانتساب العقد للمجيز المصحّح للتمسّك بالإطلاقات ما قصده السيد الخوئي من انتساب ذات العقد إليه(1)، فانّ هذا الانتساب ثابت هنا قبل الإجازة وقبل الملك ولم يتكرّر.

بقي الكلام في الإشكالين الأوّلين:

والموقف تجاه هذين الإشكالين يمكن أن يكون بأحد وجهين:

الأوّل ـ ان لا نهتم بحلّهما بمقتضى القواعد إذ يكفينا التعبّد بصحيحة محمّد بن قيس فانّ الفضولي في تلك الصحيحة كان قد باع الوليدة لنفسه فأعقبته الإجازة من قبل المالك وصحّ البيع فحتى لو لم يتم ذلك بمقتضى القواعد نقول بصحّته بالنص الخاص ويتم التعدّي إلى فرض ما إذا تملّكه الفضولي بالشراء مثلاً فأجاز البيع الأوّل بعدم احتمال الفرق مثلاً.

والثاني ـ ان نبحث الإشكالين وفق مقتضى القواعد وعندئذ نقول:

قد أجاب الشيخ الأنصاري على الإشكال الأوّل بانّ الفضولي إن كان يعتقد مالكية نفسه فقد قصد حقيقة البيع، وإن كان غاصباً فهو يدعي ادّعاءً المالكية


(1) راجع المحاضرات 2: 295، ومصباح الفقاهة 4: 19 ـ 21.

الصفحة 282

ومبنياً على هذا الادّعاء يتمشّى أيضاً منه قصد البيع حقيقة وإدخال كل من العوضين في ملك من خرج من ملكه العوض الآخر. نعم لو لم يدّع المالكية ومع ذلك قصد العقد لنفسه التزمنا بالبطلان، لانّه صورة بيع وليس بيعاً حقيقة(1).

أقول: إنّ فرض قصد العاقد لإدخال كل من العوضين في ملك من خرج من ملكه الآخر رغم انّه غاصب وقاصد للعقد لنفسه يمكن ان يتصوّر بأحد أشكال ثلاثة:

الأوّل ـ أن تكون حيثية المالكية عنده حيثية تقييدية وتكون تمام الموضوع أي انّه قصد حقيقة العقد للمالك، وليس معنى قصد العقد لنفسه عدا ادّعاء تطبيق هذا العنوان على نفسه.

والثاني ـ أن تكون حيثية المالكية عنده حيثية تقييدية أيضاً، ولكنّه حصّص الحيثية بالتقييد بنفسه أي انّه أجرى العقد للمالك المقيد بانطباقه عليه هو، وهو مدّع لصدق هذا الادّعاء.

والثالث ـ أن تكون حيثية المالكية عنده حيثية تعليلية فهو قد قصد إجراء العقد لنفسه لانّه ادّعى نفسه مالكاً.

وشبهة المحقّق الايرواني (2) لو تمّت فانّما تتم على فرض الثاني والثالث وهي: انّه إذا كانت الملكية ادّعائية وليست حقيقية فكيف يكون البيع المبتنى عليها حقيقية؟!

والجواب: انّه لا يقصد بحقيقية البيع حصول المبادلة في لوح التشريع أو في


(1) راجع المكاسب 1: 128، بحسب الطبعة المشتملة على تعليق الشهيدي.

(2) نقلناها عن مصباح الفقاهة 4: 115، نقلاً عن المحقّق الايرواني.

الصفحة 283

لوح اعتبار العقلاء، وانّما المقصود بذلك حصولها في لوح إنشاء المتعاقدين ويكون ذلك حقيقة كحقيقية الاستعمال القائم على الادّعاء السكاكي.

وهذه الفروض الثلاثة كلها تحل الإشكال الأوّل وهو إشكال عدم إرادة البيع بالمعنى الحقيقي للكلمة، أمّا إذا خرجنا عن كل هذه الفروض الثلاثة بان افترضنا انّ الفضولي قصد العقد لنفسه لا للمالك ومن دون فرض مالكية نفسه فهذا هو الذي حكم الشيخ ببطلان البيع فيه.

والفرض الأوّل من هذه الفروض الثلاثة يحل الإشكال الثاني أيضاً فانّه إذا كان العقد في واقعه قد انشىء للمالك وإن كان هناك تطبيق كاذب لعنوان المالك على نفسه فالإجازة قد طابقت الإنشاء.

والظاهر انّ الشيخ يختار لحل الإشكال الثاني استظهار الفرض الأوّل من الفروض الثلاثة ثم يستشكل في هذا الاستظهار في خصوص المشتري الفضولي دون البائع وذلك لدعوى ظهور كاف الخطاب في ملّكتك مثلاً أو ظهور كلمة تملّكت لو اجرى القبول بهذا اللفظ في انتساب الملكية إلى شخص المشتري كشخص، وهذا معناه الانتقال إلى الفرض الثاني أو الثالث ثم يؤكّد الشيخ ـ  على ما يبدو  ـ استظهار الفرض الأوّل وأنّه لم تكن نسبة الملك إلى المشتري بكاف الخطاب أو بقوله تملّكت إلاّ من باب تطبيق عنوان المالك عليه ولو ادّعاء وإنّ حاقّ الإنشاء انّما كان راجعاً إلى المالك بما هو مالك فالإجازة تطابق الإنشاء.

هذا. وظاهر السيد الخوئي في المصباح(1) أيضاً هو استظهار الفرض الأوّل


(1) راجع مصباح الفقاهة 4: 113 ـ 115.

الصفحة 284

ولكن ظاهره في المحاضرات(1) استظهار الفرض الثالث وهو كون المالكية حيثية تعليلية ويذكر فيه لحل الإشكال وجهين آخرين:

الوجه الأوّل ـ انّ البيع لا يعني إدخال أحد العوضين في ملك من خرج من ملكه العوض الآخر وانّما يعني مجرّد الإعطاء لا عن مجّان(2).

أقول: إن كان المقصود بالإعطاء الإعطاء المادّي فمن الواضح انّ الإعطاء المادّي ليس بيعاً، وإن كان المقصود به التمليك فإمّا أن يقصد بذلك تمليك من يملك العوض الآخر بما هو مالك للعوض الآخر وبغض النظر عن الشخص إلاّ من باب مجرّد التطبيق الذي لا ضير في خطأه، أو يقصد بذلك تمليك وتملّك الشخص، فانْ قصد به الأوّل رجع ذلك إلى الفرض الأوّل الذي هو أحد الفروض الثلاثة لمعنى قصد إدخال أحد العوضين في ملك من خرج من ملكه العوض الآخر، وإن قصد به الثاني تسجّل الإشكال الثاني وهو انّ الإجازة لم تطابق الإنشاء لانّ التمليك أو التملّك المنشأ كان محصصاً بخصوص شخص معين والإجازة وردت لشخص آخر.

وبذلك يتضح أيضاً ما في كلام السيد الإمام من حلّ الإشكال بانّ البيع عبارة عن مبادلة المال بالمال وهذا لا يتقوّم بإدخال المال في ملك من خرج من ملكه العوض الآخر حتى يلزم عدم مطابقة الإجازة للإنشاء(3).

فانّ هذا يردّ عليه: انّ المبادلة لا بد أن تكون مضافة إلى ظرف ما وإلاّ لم


(1) راجع المحاضرات 2: 331.

(2) راجع المحاضرات 2: 330.

(3) راجع كتاب البيع 2: 145 ـ 146.

الصفحة 285

تكن مبادلة، فان اضيفت إلى ظرف المكان فمن الواضح كونها اجنبية عن البيع، وإن اضيفت إلى عالم الملكية فهذا هو معنى انّ أحد العوضين يجب إدخاله في ملك من خرج من ملكه الآخر ولا نعني بذلك ضرورة إدخال أحد العوضين في ملك من خرج من ملكه الآخر في لوح التشريع أو في لوح اعتبار العقلاء حتى يقال: إنّ إنشاء البيع ليس متقوّماً بذلك، وانّما نعني إدخال أحد العوضين في ملك من خرج من ملكه الآخر في لوح اعتبار نفس المتعاقدين وإنشائهما وهذا لا بد منه، وإشكال عدم مطابقة الإجازة للإنشاء أيضاً ينظر إلى هذا العالم وليس نظره إلى عالم الملكية الشرعية أو العقلائية فلا محالة تأتي شبهة انّ الفضولي أنشأ الملكية لشخص، والمجيز أجاز الملكية لشخص آخر فلم تكن الإجازة مطابقة للإنشاء، فان اجبنا بانَ الفضولي انّما أنشأ الملكية لمالك العوض الآخر بما هو مالك وإن أخطأ في التطبيق فهذا رجوع إلى جواب الشيخ وإلاّ فسلخ المبادلة التي هي معنى البيع عن عالم الملكية ان قصد به سلخها عن هذا العالم بلحاظ لوح إنشاء المتعاقدين فغير معقول، وإن قصد به سلخها عن عالم الملكية الشرعية فهذا اجنبيّ عن إشكال المستشكل.

وقد ورد في كلام السيد الخوئي في المحاضرات(1) وفي كلام السيد الإمام  (2) بعض النقوض على تقوّم البيع بدخول كل من العوضين في ملك من خرج من ملكه العوض الآخر فورد في كلام السيد الخوئي النقض ببيع الكليّ وبيع الأوقاف والزكوات، وورد في كلام السيد الإمام النقض ببيع الوقف أو بيع وقف


(1) المحاضرات 2: 330.

(2) كتاب البيع 2: 145.

الصفحة 286

بمال وقف بناءً على عدم كون العين الموقوفة ملكاً لأحد، وبمبادلة الزكاة بمثلها من وليين شرعيين.

ويمكن الجواب على كل هذه النقوض ففي بيع الكليّ يدخل الثمن في ملك من خرج من ملكه الكلّي، وملكية كل شيء بحسبه ولا نقصد بملكية الكليّ في الذمّة على امتلاكه لذمّته بالمعنى الثابت لكل شخص بالقياس لذمّته وهو انّ أمر ذمّته بيده وانّها فارغة ولا يحقّ لأحد إشغال ذمّته مجاناً ورغماً عليه ويكفي هذا المقدار من الملكية في صدق التبادل والبيع في المقام وفي بيع الوقف في مورد جواز تملّكه لطارىء ما يتملّكه ثم يبيعه أو يبيعه فيصبح الثمن ملكاً للموقوف عليه ثم يتملّك الثمن.

ولو قلنا بانّ الوقف ليس مملوكاً للموقوف عليه فأيضاً يتملّكه للطارىء المجوّز ثم يبيعه أو يبيعه فيصبح الثمن مكان العين الموقوفة ثم يتملّكه وفي تبادل الوقفين يصبح كل منهما مكان الآخر، ولا نعني بالبيع والمبادلة إلاّ ان يتخذ كل من العوضين محل الآخر في عالم الحقوق الذي هو أوسع من الملكية بمعناها الخاص المألوف في الفقه الإسلامي فحينما نقول: يجب ان يدخل كل من العوضين في ملك من خرج من ملكه العوض الآخر نقصد بذلك أن يكون كل منهما للآخر بالشكل الذي كان للأوّل، وكذلك الكلام في بيع العين الزكوية يتملّكها المستحق ثم يبيعها، أو يبيعها ويصبح الثمن لعنوان الفقراء بالشكل الذي كانت الزكاة لهم ثم يتملّكه وفي تبديل المالين الزكويين بين الوليين يصبح كل منهما في اختيار الولي الآخر بالشكل الذي كان في اختيار الولي الأوّل، بل لا بيع حقيقة في هذا الفرض الأخير فانّ تبادلهما شبيه بالتبادل بين مالين لمالك واحد فيما بين وكيلين عنه ( أو هو عينه بناء على كون الزكاة ملكاً لعنوان الفقراء مثلاً ).

 
الصفحة 287

والخلاصة انّ الإشكال في بيع الفضولي لنفسه لا يتوقّف على تخصيص البيع بالتبادل في عالم الملكية بمعناها الخاص بل حتى مع توسيعه للتبادل في عالم الحقوق بشكل عام يأتي الإشكال في بيع الفضولي حيث جعل الفضولي نفسه طرفاً للحق بأي معنى من معاني الحق وجعل المجيز نفسه طرفاً للحق ولم يجز طرفية نفس الفضولي له.

وبالإمكان النقض ـ  على اشتراط دخول كل من العوضين في ملك من خرج من ملكه العوض الآخر  ـ بمسألة شراء العمودين حيث يخرج الثمن من ملك المشتري إلى ملك البائع ولكن المثمن لا يدخل في ملك المشتري ـ  ولو آناً ما  ـ، بل يتحرّر بالشراء والملكية التقديرية أو الرتبية لا معنى لها فانّ الدخول في عالم الملكية والخروج عنها ليس من أحكام الرتب كي يرفع التضاد بين الدخول في الملك والتحرّر بتعدّد الرتب.

ولا بد من الالتزام في مسألة شراء العمودين بأحد اُمور:

الأوّل ـ أن يقال: إنّ المشتري ينشىء إدخال العمود في ملكه فهو أنشأ المبادلة بالمعنى الحقيقي للكلمة وإن كان الحكم الشرعي الذي يترتّب على ذلك هو تحرّر العمود لا دخوله في ملكه.

والثاني ـ أن يفترض انّ المشتري لا ينشىء ذلك ويخرج هذا عن حقيقة البيع والشراء ويصبح معاملة اُخرى مستقلة حاصلها تحرير العمود في مقابل الثمن.

والثالث ـ ان يقال: يكفي في حقيقة البيع قصد التبادل بينهما بلحاظ حال أحد الشخصين فحسب وقد حصل التبادل هنا بلحاظ حال البائع حيث خرج المثمن من ملكه ودخل الثمن بدلاً عن ذلك في ملكه ولم يحصل بلحاظ حال المشتري، لانّ الثمن خرج من ملكه ولم يدخل بدلاً عن ذلك شيء في ملكه.

 
الصفحة 288

فلو التزمنا بهذا الأمر الثالث كان هذا جواباً آخر ـ  على الإشكال الأوّل على عقد الفضولي لنفسه وهو كونه بيعاً صورياً لا حقيقياً لعدم قصد المبادلة الحقيقية  ـ حيث يقال في الجواب انّ التبادل الحقيقي مقصود بلحاظ أحد الشخصين وهو الأصيل حيث ينشأ إدخال مال في ملكه وإخراج عوضه عن ملكه. إلاّ انّ هذا الجواب لو تمّ لا يأتي فيما إذا كانا معاً فضوليين.

والرابع ـ أن يقال: إنّ حقيقة البيع وإن كانت هي التبادل بينهما بلحاظ حال كلا الشخصين ولكن ليس المقصود بالتبادل خصوص دخول العوض في ملك من خرج من ملكه المعوض، بل المقصود به صيرورة من خرج من ملكه المعوض أولى الناس بالعوض، وهذه الأولويّة بطبيعتها تنتهي إلى مالكيته للعوض لو لم يطرأ طارىء يحول دون ذلك، وهذا الطارىء ليس عبارة عن إرادة شخص آخر فانّ تدخل إرادة شخص آخر في تحريف مسير ملكية هذا المال خلف صيرورة هذا العاقد أولى الناس بهذا المال، وانّما هذا الطارىء يكون أحد أمرين:

( الأوّل ) إرادة الشارع فلو أراد الشارع في المقام تحرّر العمود يتحرّر ولا يدخل في ملكية هذا العاقد وليس هذا منافياً لمفاد العقد من صيرورته أولى الناس به، فانّ هذه الأولوية انّما هي في مقابل الناس لا في مقابل الشارع، فتحريف مسير المال عن دخوله في الملك الفعلي لهذا العاقد من قبل الشارع لا يعني سلب هذه الأولوية، بل هذه الأولويّة هي موضوع لهذا الحكم الشرعي فلولا انّه أصبح أولى بأبيه من غيره من الناس لما تحرّر أبوه.

( والثاني ) إرادة نفس هذا العاقد فلو أراد بشراء هذا المال دخوله في ملك من هو وليّ عليه كابنه الصغير مثلاً دخل في ملكه رغم انّ الثمن خرج من ملك العاقد ولم يناف ذلك أولويّته بهذا المال من سائر الناس، فانّ هذه الأولويّة انّما

 
الصفحة 289

هي أولوية في مقابل إرادة سائر الناس لا في مقابل إرادة نفسه إذ لا معنى لأن يكون أحد أولى من نفسه بشيء ما فهذه الإرادة لا تنافي أولويّته بل هي إعمال لأولويّته، وإن شئت فسمّ هذا بالملكية التقديرية ولعلّ من قال في شراء العمودين بالملكية التقديرية قصد ولو ارتكازاً هذا المعنى، وهذا الوجه الرابع امتيازه عن الوجه الثالث انّه يصلح جواباً آخر عن الإشكال الأوّل على عقد الفضولي لنفسه حتى إذا كانا معاً فضوليين وكذلك يصلح تفسيراً لمبادلة عمود بعمود بان كان زيدٌ مالكاً لوالد عمرو، وعمرو مالكاً لوالد زيد مثلاً فتبادلا في حين انّ التفسير الثالث لا يأتي هنا.

الوجه الثاني ـ من وجهي السيد الخوئي لحل الإشكال في المحاضرات هو انّ الفضولي حتى إذا باع لنفسه بانياً على مالكيته بنحو الحيثية التعليلية لا التقييدية وافترضنا انّ البيع والمبادلة يتقوّم بدخول كل من العوضين في ملك من خرج من ملكه العوض الآخر كان من المعقول لحوق الإجازة من قبل المالك، لانّ إنشاء الفضولي وإن كان يدلّ بالمطابقة على تملّكه للمعوض إذا كان بمثل تملّكت مثلاً ولكنّه يدلّ بالالتزام على المبادلة بالمعنى المذكور، أي دخول العوض في ملك من خرج عنه المعوض فبإمكان المالك أن يجيز المدلول الالتزامي فحسب(1).

أقول: إنّ هذا الوجه من الغرائب فانّ المدلول الالتزامي لكلام الفضولي لم يكن إنشاءً مستقلاً تلحقه الإجازة فانّ الفضولي ليس له إنشاءان كي يقال: إنّ بالإمكان لحوق الإجازة بأحدهما دون الآخر، ولو فرض له إنشاءان فالإنشاء الثاني ليس منصبّاً على تمليك مالك المعوض بعنوانه العام بل هو مقيد بسبب


(1) راجع المحاضرات 2: 331.

الصفحة 290

ارتباطه بالإنشاء الأوّل أي انّه تمليك لمالك المعوّض المقيد بانطباقه عليه هو، والمجيز لا يجيز هذه الحصّة المنشأة فرجع أيضاً إشكال انّ ما انشىء لم يجز وما اجيز لم ينشأ.

والآن نعود إلى الفروض الثلاثة التي افترضناها في إنشاء الفضولي الذي باع لنفسه وهي:

1 ـ إنشاء العقد للمالك بنحو الحيثية التقييدية ومن دون تقييده بالتشخّص في خصوصه هو وعندئذ فليس معنى بيعه لنفسه عدا ضمّ ضميمة اجنبية عن أصل مغزى الإنشاء وهو تطبيق عنوان المالك على نفسه ولو ادّعاءً وكذباً.

2 ـ إنشاء العقد للمالك المطبّق على نفسه بأن يكون هذا التطبيق قيداً في المُنشأ.

3 ـ إنشاء العقد لنفسه مع أخذ عنوان المالكية بنحو الحيثية التعليلية.

والثاني من هذه الفروض الثلاثة ـ  وهو الجمع بين خصوصية الشخص وخصوصية المالكية بنحو الحيثية التقييدية  ـ خلاف الظاهر العرفي جداً كما مضى منّا سابقاً في بحث تخلّف الوصف في مثل بعتك هذا العبد الكاتب حيث قلنا: إنّ تخلّفه يوجب الخيار ولا يوجب البطلان، لانّ ظاهر هذا الوصف هو كونه شرطاً لا قيداً وذلك لانّه وإن كان الظهور الأولي للتوصيف هو التقييد في ما إذا كان وصفاً للكليّ كما لو قال: بعتك عبداً كاتباً، ولكن التوصيف في باب الجزئي الحقيقي كبعتك هذا العبد الكاتب ينصرف إلى الشرط لا إلى التقييد لانّ الجزئي الحقيقي لا يقبل التحصيص فالتقييد ينحصر أمره في فرض التخلّف في إفراغ المقيد عن جميع الأفراد وكذلك الحال في المقام، فالبيع إلى نسب حقاً بلحاظ عالم الإنشاء إلى شخص معيّن فتوصيفه بالمالكية ينصرف إلى التعليل لا إلى الحيثية التقييدية لانّ الشخص المعين جزئي حقيقي لا يقبل التحصيص بالقيد.

 
الصفحة 291

وعلى أيّة حال فقد مضى انّ كل هذه الفروض الثلاثة بعيدة عن الإشكال الأوّل وانّما يقع الكلام في الإشكال الثاني وهو عدم مطابقة الإجازة للإنشاء وهذا الإشكال مصبّه هو الفرض الثاني والثالث دون الأوّل كما مضى.

وهذا الإشكال يتجّه بناءً على تصورات السيد الخوئي من أنّ إجازة المالك تجعل العقد مستنداً حقيقة إلى المالك وانّ هذا هو السرّ في صحّة عقد الفضولي بمقتضى القواعد بعد الإجازة، فعندئذ يقال: إنّ الإجازة انّما تسند العقد إلى المالك وتصحّحه إذا كانت مطابقة له، أمّا إذا كانت مخالفة له فلا يتمّ استناده إلى المالك، ولو تمّ استناده إليه فمع إبقاء المنشأ على حاله يلزم وقوع البيع للفضولي وهو غير معقول ومع تحويله إلى المالك يلزم تبدّل الإنشاء إلى إنشاء آخر.

أمّا بناء على ما قلناه من أنّ الإجازة لا تسند العقد الواقع بين المتعاقدين إلى المالك ولكنّها تجعل المجيز طرفاً لحصول التبادل في لوح قانون العقلاء ويصبح بذلك موضوعاً للدليل الشرعي على وجوب الوفاء فهنا لا إشكال ان موضوع حكم العقلاء بحصول التبادل هو المالك بما هو مالك فانّنا لا نقصد بالتبادل عدا التبادل في عالم الملكية، فالتبادل الذي يحصل في لوح القانون العقلائي متقوّم بالمالكية وهذا قانون ثابت بنحو القضية الحقيقية التي يكون موضوعها المالكية لا بنحو الإنشاء الشخصي الذي يتصوّر فيه أخذ الملكية تارة بنحو التقييد، واُخرى بنحو التعليل، ونفس هذا التقوّم أي تقوّم التبادل بالملكية ثابت في لوح إنشاء المتعاقدين أيضاً لكن بما انّ إنشاء المتعاقدين إنشاء شخصي قد يطبّق على معنون خاص ولهذا يتصوّر فيه تخلّف العنوان عن المعنون وكون العنوان مأخوذاً بنحو الحيثية التقييدية تارة والتعليلية اُخرى.

وهنا يجب ان نرى هل العقلاء يرتؤون لدى تخلّف العنوان عن المعنون في

 
الصفحة 292

إنشاء المتعاقدين إلغاء التطبيق الخاطىء الذي صدر من المتعاقدين وترتيب الأثر للمعنون الحقيقي بذاك العنوان وهو المالك الحقيقي بشرط إجازته ورغم مخالفة الإجازة للإنشاء أو لا؟

وبكلمة اُخرى ان حكم العقلاء بصحّة عقد الفضولي لنفسه بإجازة المالك وعدمه ليس مصيره بالضرورة مرتبطاً بمعرفة ان عنوان المالكية هل كان مأخوذاً في عالم إنشاء المتعاقدين بعنوان الحيثية التقييدية مع كون التطبيق الخاطىء ضميمة اجنبية عن عالم الإنشاء أو انّها حيثية تعليلية مثلاً، بل يجب ان نرى ابتداءً انّ العقلاء هل يصحّحون بيع الفضولي الذي باع لنفسه بتعقّب إجازة المالك ولو فرضت مخالفة الإجازة للإنشاء أو لا؟ والظاهر انّ العقلاء يصحّحون ذلك حتى في فرض المخالفة كما هو الحال فيما إذا كانت المالكية منظوراً إليها بنحو الحيثية التعليلية.

ولا يقال: لازم ذلك انّ الفضولي لو باع كتاب المالك فضولة كان للمالك ان يجيز البيع مطبّقاً ايّاه على ثلاّجته مثلاً رغم مخالفة الإجازة للإنشاء.

فانّه يقال: إنّ المقصود ليس هو صحّة تبديل الأثر لدى العقلاء بإلغاء أي قيد من قيود الإنشاء، وانّما المقصود انّ التطبيق الخاطىء للعنوان الذي كان مقوّماً للتبادل الذي يحصل في لوح قانون العقلاء على معنون ادّعائي أو خيالي هو الذي يلغى من قبل العقلاء، ولو كان البيع متقوّماً عقلائياً بأن يكون على الثلاّجة فطبق العاقد خطأ عنوان الثلاجة على الكتاب فباع الكتاب فلعلّ العقلاء كانوا يصحّحون هنا أيضاً البيع على الثلاّجة بإجازة المالك رغم عدم تطابقها للإنشاء ولكن الأمر ليس كذلك.

وخلاصة المقصود انّه لا تصحّ البرهنة على صحّة أو فساد عقد الفضولي على القاعدة إذا باع لنفسه بمثل كون حيثية الملك لدى المتعاقدين تقييدية أو

 
الصفحة 293

تعليلية بل يجب أن يقال: إنّ حيثية الملك إن كانت في إنشاء المتعاقدين تقييدية ومن دون خصوصية الشخص في عالم المنشأ فلا إشكال في صحّة العقد بالإجازة فانّه في واقعه رجوع إلى القسم الأوّل من الفضولي وهو الذي يبيع للمالك.

اللهم إلاّ في مجرّد تطبيق خاطىء كان ضمّه إلى البيع من قبيل ضمّ الحجر إلى جنب الإنسان وإن لم تكن الحيثية تقييدية أو كانت خصوصية الشخص أيضاً ملحوظة في لبّ الإنشاء فلا بد من مراجعة بناء العقلاء لنرى هل يحكمون هنا بالصحّة بعد تعقّب إجازة المالك أو لا؟ والظاهر انّهم يحكمون بالصحّة.

بقي الكلام في الفرع الذي نقلنا عن الشيخ الأعظم القول ببطلان البيع فيه وهو ما لو باع مال غيره لنفسه من دون ادّعاء الملكية وكذلك عكس هذا الفرع وهو ما لو اشترى شيئاً لغيره بمال نفسه.

ولنقدّم الحديث عن الفرع الثاني وبه يتّضح الحال في الفرع الأوّل.

فنقول: لو اشترى شيئاً لغيره بمال نفسه ففيه إشكالات ثلاثة:

الأوّل ـ انّ هذا ليس بيعاً لانّ ما وقع خلاف حقيقة المبادلة فانّ المقصود بالمبادلة هي المبادلة في عالم الملكية وهي لا تكون إلاّ بإنشاء إدخال كل من العوضين في ملك من أخرج من ملكه العوض الآخر، في حين انّه قصد في ذلك الفرع خلاف ذلك.

ويمكن الجواب على ذلك إمّا بدعوى انّ البيع متقوّم بالتبادل بلحاظ أحد الشخصين ولا يشترط فيه التبادل بلحاظ كليهما أي يكفي ان يدخل أحد العوضين في ملك من خرج من ملكه العوض الآخر وإن لم يتحقّق ذلك بلحاظ الشخص الآخر، وذلك من قبيل شراء من ينعتق عليه حيث يدخل الثمن في ملك من يخرج من ملكه العبد ولا يدخل العبد في ملك من يخرج من ملكه الثمن، فبناء

 
الصفحة 294

على فرض كون المشتري لم يقصد إنشاء تملّكه للعبد وتسمية ذلك ـ  رغم هذا  ـ بالبيع يكون هذا بيعاً بمعنى التبادل بلحاظ ملكية البائع فحسب، نعم لو فرضنا انّ المشتري أيضاً ينشىء التبادل بلحاظ نفسه وإن كان لا يدخل شرعاً العبد في ملكه يخرج مثال شراء من ينعتق عليه عن المصداقية لما فرضناه من إنشاء التبادل بلحاظ أحد الشخصين فحسب.

وإمّا بدعوى انّنا لو أصررنا على أنّ معنى البيع متقوّم بالتبادل من كلا الطرفين فليكن ما نحن فيه خارجاً عن حقيقة البيع وليكن عقداً مستقلاً تشمله إطلاقات ﴿  اوفوا بالعقود فيتمّ بذلك دخول المثمن في ملك الشخص الثالث رغم انّ الثمن يكون على المشتري الذي لم يملك المثمن.

الثاني ـ انّ شراء شيء لغيره بمال نفسه لا يمكن تصحيحه بمثل ﴿  اوفوا بالعقود لانّ أدلّة الوفاء بالعقد تنصرف بمناسبات الحكم والموضوع عن فرض كون النتيجة المثبّتة في العقد لها ارتباط بشخص ثالث خارج عن دائرة العقد مع إغفال قبوله لذلك، فأدلّة وجوب الوفاء بالعقد انّما تعالج المسألة من زاوية المتعاقدين فحسب في حين انّ مفاد العقد في ما نحن فيه له علاقة بشخص ثالث وهو المشترى له، صحيح انّ هذا العقد كان في صالح الشخص الثالث وليس ضدّه لكن هذا لا يشفع لنفوذ هذا العقد بحكم الإطلاقات رغم اجنبية الشخص الثالث عن القبول.

إلاّ انّ هذا الإشكال يمكن فصله عن أصل المسألة التي نحن بصددها كما لو افترضنا انّ المشتري كان وليّاً على المشترى له أو وكيلاً عنه في هكذا شراء كي لا يأتي إشكال ارتباط العقد بشخص اجنبي فنبقى نحن والتمسّك بإطلاق أدلّة الوفاء بالعقد لتصحيح شراء شيء لغيره بمال نفسه.

 
الصفحة 295

الثالث ـ ان يقال: إنّ دليل الوفاء بالعقد مقيد بفرض مشروعية متعلّق العقد في نفسه إمّا لانّه حكم حيثيّ لا يدلّ إلاّ على وجوب احترام العقد من حيث ارتباطه بالمتعاقدين ولا ينظر إلى مشروعية المتعلّق وإمّا لانّه حكم ثانوي ورد في إطار الأحكام الأوّليّة فلا إطلاق له لفرض مخالفة متعلّقه للأحكام الأوّليّة ومشروعية تمليك مال لغيره بثمن يخرج من ملكه أوّل الكلام.

والجواب: انّه إن قصد بذلك التشكيك في مشروعية تمليك الشخص الثالث فلا شكّ في مشروعيته بمثل إهداء المال إليه، وإن قصد بذلك التشكيك في تمليك الثمن للشخص البائع فلا إشكال أيضاً في مشروعية ذلك ولو بمثل الإهداء إليه، وان قصد بذلك التشكيك في جعل التقابل بين هذين الأمرين اللذين هما مشروعان في حد انفسهما فمن الواضح انّ هذا التقابل والربط هو عين العقد وإيجاد العقدة بين قرارين وإطلاق الوفاء بالعقد يشمله، ومعنى قولنا: لا بد من إحراز مشروعية متعلّق العقد قبل التمسّك بإطلاق دليل الوفاء بالعقد هو ضرورة إحراز مشروعية ذات القرارين، أمّا مشروعية الربط بين القرارين فانّما هي تستفاد من دليل الوفاء بالعقد.

فإذا صحّ بهذا البيان شراء شيء لغيره بمال نفسه عندما كان من حقّه ذلك بالولاية عليه أو الوكالة عنه أمكن تصحيحه في مورد ما إذا فعل ذلك فضولة بالإجازة المتأخّرة، فلو اشترى شيئاً لغيره بمال نفسه ثمّ أجاز الغير ذلك نفذ العقد إذ لا يوجد في ذلك إشكال غير الإشكالات التي دفعناها إلاّ شيء واحد وهو انّه بناء على رأي السيد الخوئي الذي يصحّح عقد الفضول بانتساب ذات العقد إلى المجيز بالإجازة يلزم في المقام ان يصبح العقد ثلاثي الأطراف فهو من ناحية مرتبط بالبائع ومن ناحية اُخرى مرتبط بالمشترى ولا بد في تصحيح العقد من

 
الصفحة 296

فرض نفوذه حتى بلحاظ هذا الارتباط لانّ المفروض انّ الثمن يخرج من ملكه، ومن ناحية ثالثة مرتبط بالمشترى له والمفروض انّ الإجازة تنسب العقد إليه ولكنّنا نقول: أي بأس في افتراض كون عقد ما ثلاثي الأطراف؟! فمثلاً لو اتفق الثلاثة منذ البدء على عقد من هذا القبيل فأوجب البائع تمليك المثمن للشخص الثالث بثمن على المشتري وقبل المشتري والشخص الثالث كلاهما ذلك فأي مانع من صحّة هذا العقد المتقوّم بإيجاب وقبولين؟!

وبهذا العرض يتضح إمكان تصحيح الفرع الأوّل أيضاً وهو ما لو باع مال الغير لنفسه أو اشترى لنفسه بمال الغير ثم أمضى الغير هذا العقد بهذا النحو أي بان يدخل الثمن أو المثمن في ملك الفضولي.

شراء الشيء بذمّة غيره:

ولنختم الحديث عن عقدالفضولي لنفسه بما لو اشترى شيئاً بثمن في ذمّة غيره.

فإن كان مقصوده بذلك الشراء لذاك الغير فهذا خارج عن عقد الفضولي لنفسه وداخل في القسم الأوّل من عقد الفضولي ولا كلام جديد فيه.

وإن كان مقصوده بذلك الشراء لنفسه فقد يقال: إنّه وقع التهافت بين العنوانين: عنوان كون الشراء لنفسه وعنوان كون الثمن في ذمّة غيره فهل يبطل أحد العنوانين أو يبطل العقد أم ماذا؟ وكذلك الكلام في عكس هذه المسألة وهو الشراء لزيد بثمن في ذمّة نفسه:

والتحقيق في المسألة الاُولى وهي الشراء لنفسه بثمن في ذمّة غيره: إنّه إن كان يقصد بذلك إشغال ذمّة الغير بنفس هذا الشراء فهذا هو الفرض الذي يمكن أن يقال فيه بالتهافت بين العنوانين والواقع انّه يكون من سنخ الشراء لنفسه بمال خاص لغيره، فلو قيل بالبطلان هناك لعدم صدق المبادلة ثبت البطلان هنا.

 
الصفحة 297

وإن كان يقصد بذلك دعوى مالكيته للثمن على ذمّة الغير كذباً فهو يشتري المثمن بهذا الثمن الذي ادّعى مالكيته دخل ذلك في القسم الثالث من الفضولي الذي عرفت انّه لا يرد عليه الإشكال بكون البيع صورياً، بل قد قصد البيع بالمعنى الحقيقي للكلمة فلو أجاز ذلك الغير هذا العقد لنفسه انشغلت ذمّته بالثمن بنفس هذه الإجازة، أمّا لو لم يجز ذلك فهنا تتجّه ثلاثة أسئلة:

الأوّل ـ هل يقع العقد للفضولي وتنشغل ذمّته بالثمن بلا حاجة إلى إجازته؟

والجواب بالنفي وذلك لفقدان الرضا على الأقل.

والثاني ـ هل يقع العقد للفضولي وتنشغل ذمّته بالثمن إذا أجاز؟

والجواب بالنفي لانّ الثمن الذي يفترض انشغال ذمّة الفضولي به غير الثمن الذي فرض في ذمّة الشخص الثالث فانّ الكليّ يتحصّص بالإضافة إلى الذمم وتصحيح بيع الفضولي بالإجازة مشروط بعدم تبدّل الثمن أو المثمن وإلاّ فلا بد من عقد جديد.

والثالث ـ لو انّ الفضولي صادف ان ملك بعد هذا العقد الفضولي الذي أوقعه مالاً في ذمّة ذاك الغير يساوي الثمن الذي فرضه في ذاك العقد الفضولي فهل يدخل ذلك في مسألة من باع شيئاً ثم ملكه فبإمكانه ان يجيز الآن ذاك البيع الفضولي أو لا؟

والجواب بالنفي لانّ الثمن هنا أيضاً غير الثمن وقد قلنا: إنّه لا بد في تصحيح بيع الفضولي بالإجازة من وحدة الثمن أو المثمن وإلاّ فلا بد من عقد جديد.

وهنا وإن كان الثمنان مضافين إلى ذمّة واحدة لكن الثمن الأوّل كان ذمّياً خيالياً والثمن الثاني ذميّ حقيقي، ولا يتحد الثمن الحقيقي بالثمن الخيالي فليس

 
الصفحة 298

هذا حاله حال المال الشخصي الذي غصبه أحد فباعه ثم ملكه فالوحدة هناك محفوظة حقيقة بخلاف ما نحن فيه.

وفي المسألة الثانية وهي ما لو اشترى لغيره بثمن في ذمّة نفسه نقول: لو كان المقصود بذلك إشغال ذمّة نفسه بنفس هذا الشراء لحق ذلك بما إذا اشترى لغيره بثمن شخصي من ملكه، فلو قلنا بالبطلان هناك لعدم صدق المبادلة اتّجه البطلان هنا أيضاً.

ولو كان المقصود بذلك دعوى انّ الغير يملك مالاً على ذمّته هو فاشترى له بذاك المال شيئاً فإن كان صادقاً في دعواه دخل ذلك في القسم الأوّل من الفضولي، وإن كان كاذباً في دعواه لم يمكن لحوق الإجازة من قبل الغير لانّ الثمن خيالي لا وجود له ولا لحوق الإجازة من قبل نفس الفضولي بأن يصبح المتاع له وتنشغل ذمّته هو بالثمن حقيقة بسبب الإجازة، وذلك لما قلناه من عدم التوحّد بين الثمن الحقيقي والثمن الخيالي فلا مورد للإجازة.

هذا تمام الكلام في أصل عقد الفضولي.

الإجازة كاشفة أو ناقلة؟:

والآن يقع الكلام في أثر الإجازة هل هو حصول النقل والانتقال منذ بدء العقد أو هو حصول ذلك من حين الإجازة؟ والأوّل يسمى بالكشف والثاني يسمى بالنقل.

وقد يفترض انّ الكشف أو ما في حكمه على ثلاثة أقسام:

الأوّل ـ افتراض اعتبار الملك من حين العقد كشفت عنه الإجازة وهذا كشف حقيقي.

والثاني ـ افتراض انّ الاعتبار يتأخّر إلى حين الإجازة ولكن المعتبر عبارة

 
الصفحة 299

عن الملك من حين العقد.

والثالث ـ كون الاعتبار والمعتبر كلاهما بلحاظ حين الإجازة لكن ترتّب آثار الملك السابق حين العقد وأحكامه بقدر الإمكان وهذا كشف حكمي.

والثاني في الحقيقة وسط بين الأمرين.

مقتضى القواعد والأدلّة العامّة:

وكلّ هذه الوجوه للكشف خلاف الأصل فانّ مقتضى الأصل عدم الاعتبار السابق وعدم اعتبار المعتبر السابق وعدم تحقّق آثار الملك السابق. اذن فالكشف هو الذي يكون بحاجة إلى الدليل.

والقسم الأوّل من الكشف قد صوّر بوجوه أربعة:

الأوّل ـ فرض الإجازة أمارة بحتة كاشفة عن الملك من دون أيّ تأثير لها.

والثاني ـ فرض الإجازة شرطاً متأخّراً فالإجازة هي التي تؤثر في حصول الملك وليست كاشفة بحتة لكنّها شرطٌ متأخّر للملك قد حصل مشروطها قبلها، واستحالة الشرط المتأخّر انّما هي في التكوينيات لا التشريعيات.

والثالث ـ فرض انّ الشرط هو تعقّب الإجازة وقد كان هذا الوصف ثابتاً منذ البدء.

والرابع ـ فرض انّ الإجازة تكشف عن الرضا التقديري الذي كان ثابتاً حين العقد ويكون الرضا التقديري هو المصحّح للعقد.

وهذا هو المنقول عن المحقّق الرشتي (1).

وهذه الوجوه الأربعة يمكن افتراض إرجاع بعضها إلى بعض كأن يقصد


(1) نبذة من كلام المحقّق الرشتي موجودة في كتاب البيع للسيد الإمام (رحمه الله) 2: 163.

الصفحة 300

بالأوّل وهو أمارية الإجازة كونها كاشفة عن وصف التعقّب وهو الوجه الثالث، أو كاشفة عن الرضا التقديري وهو الوجه الرابع، أو يقصد من يقول بالوجه الثاني وهو شرطية الإجازة دخل وصف التعقّب على أساس انّ الشروط كلها ترجع إلى دخل عنوان التعقّب، أو التقدّم، أو التقارن دون دخل نفس الشرط وإلاّ رجع إلى الجزء وبذلك يتحد الوجه الثاني والثالث.

ولكنّنا هنا نفترضها وجوهاً متقابلة لاستيعاب مناقشة الصور المتصوّرة في المقام.

وقد ناقش السيد الخوئي كل هذه الوجوه الأربعة(1).

أمّا الوجه الأوّل ـ فناقشه بانّه وإن كان معقولاً ثبوتاً ولكنّه خلاف ظاهر الدليل فانّ ظاهر الأدلّة دخل الإجازة في الحكم لا كاشفيتها البحتة.

أقول: إن لم يقصد بالوجه الأوّل ما يرجع إلى الوجه الثاني أو الثالث ففرض الأمارية البحتة للإجازة من دون دخل لها ولو بمثل عنوان وصف التعقّب مثلاً غير متصوّر ثبوتاً، لانّ حكم عقد الفضولي ليس مجعولاً بنحو القضية الخارجية كي نحتمل انّ الإجازة انّما أخذت كعنوان مشير إلى المصاديق الصحيحة من العقد ولا نتصوّر عنواناً آخر في المقام ملازماً للإجازة يكون هو المصحّح للعقد كي يفترض انّ الإجازة عنوان مشير إلى ذاك الملازم المتقدّم عليه زماناً، ولا نحتمل كون الإجازة ثابتة دائماً في موارد صحّة العقد من باب تكرّر الصدف فينحصر الوجه المحتمل ثبوتاً في المقام دخل الإجازة في الحكم، أو ما يلازمها من مثل وصف التعقّب، أو الرضا التقديري لو قلنا به وهو رجوع إلى الوجهين الآخرين.


(1) راجع المحاضرات 2: 340 ـ 342، ومصباح الفقاهة 4: 133 ـ 137.

الصفحة 301

وعلى أيّة حال فقد اتضح بهذا العرض بطلان الدليل الأوّل من الدليلين اللذين نقلهما الشيخ الأنصاري (1) عن المحقّق والشهيد الثانيين على الكشف من أنّ قوله تعالى: ﴿  اوفوا بالعقود دلّ على أنّ العقد هو تمام الموضوع فغاية الأمر انّ تمامه في الفضولي يعلم بالإجازة، لا انّ الإجازة هي جزء المؤثّر وإلاّ لكان الوفاء وفاء بمجموع العقد والإجازة لا بالعقد خاصّة.

وهذا الدليل كما ترى في غاية الضعف فانّه لو كان العقد تمام الموضوع للحكم لنفذ عقد الفضولي حتى مع عدم الإجازة، ولا معنى لافتراض انّ الإجازة كشفت عن تمامية الموضوع فليس هذا الوجه إلاّ تهافتاً في الكلام، وانّما الدليل المعقول نسبياً للمحقّق والشهيد الثانيين على الكشف هو الدليل الثاني الذي نقله الشيخ عنهما (2) وسيأتي في المستقبل بيانه إن شاء الله.

وأمّا الوجه الثاني ـ وهو كون الإجازة شرطاً متأخّراً فقد ناقش السيد الخوئي في ذلك باستحالة الشرط المتأخّر، وافتراض اختصاص استحالته بالتكوينيات دون التشريعيات يشبه افتراض استحالة التناقض مثلاً بالتكوينيات دون التشريعيات، واستحالة تأثير المتأخّر في المتقدّم حكم عقلي لا يقبل التخصيص.

أقول: إنّ نسبة الموضوع إلى فعلية الحكم لو كانت نسبة السبب إلى المسبب أو العلّة إلى المعلول بالمعنى الحقيقي للكلمة صحّ كلام السيد الخوئي في المقام، ولكن الأمر ليس كذلك وانّما الشيء بتمامية شرائط الموضوع فيه يصبح طرفاً للحكم من دون أن يؤثر ذلك في إيجاد شيء اسمه فعلية الحكم على ما هو منقّح


(1) و  (2) راجع المكاسب 1: 132، حسب الطبعة المشتملة على تعليق الشهيدي.

الصفحة 302

في محلّه، أمّا بلحاظ عالم ملاكات الأحكام فأخذ شيء ما في عالم الجعل شرطاً متأخّراً لا يعني بالضرورة حصول مصلحة مثلاً قبل تحقّق ما يؤثّر فيها، وشرح الكلام في ذلك موكول إلى محله.

نعم هذا الوجه يكون خلاف ظاهر دليل الوفاء بالعقد لانّه ظاهر في الشرط المقارن دون المتأخّر.

وأمّا الوجه الثالث ـ وهو فرض كون الشرط هو التعقّب فهو في نظر السيد الخوئي أمر معقول ثبوتاً وبه يحلّ إشكال الشرط المتأخّر في مثل غسل المستحاضة، أو شرطية الأجزاء المتأخّرة للصلاة في صحّة الأجزاء السابقة ولكنه يقول: إنّ شرطية تعقّب الإجازة في المقام خلاف ظاهر الدليل والوجه في ذلك على ما يظهر من المحاضرات انّ الدليل ظاهر في شرطية نفس الإجازة والرضا لا عنوان تعقّبه، وأمّا عبارة المصباح فلا تخلو من تشويش ويحتمل أن يكون المقصود من عبارة المصباح كون ذلك خلاف الظاهر لوجهين.

أحدهما ما في المحاضرات: من أنّ ظاهر الدليل شرطية نفس الإجازة والرضا لا شرطية عنوان منتزع تضايفي من قبيل التعقّب.

والثاني: انّه لو صرف الدليل إلى شرطية عنوان متضايف من هذا القبيل فظاهره انّ الشرط هو التقارن لا التعقّب، لانّ الدليل ظاهر في لزوم مقارنة الرضا لحصول النتيجة.

أقول: امّا حلّ إشكال الشرط المتأخّر في مثل غسل المستحاضة بالإرجاع إلى شرط وصف التعقّب بعد فرض تفسيره بمعنى يثبت قبل مجيء الغسل ( كعنوان الصوم الذي سيعقبه الغسل ) فلعلّنا لا نشك في أنّ الشرط بالمعنى الذي يكون جزء علّة حقيقةً هو نفس الغسل لا عنوان التعقّب فانّه هو الذي يؤثر في تحقّق الملاك لا

 
الصفحة 303

هذه العناوين الانتزاعية، نعم بمعنى ما يؤخذ في مرحلة الجعل يمكن أن يكون جزء الموضوع هو عنوان التعقّب وقد قلنا إنّه بلحاظ عالم فعلية الجعل لا يوجد تأثير وتأثّر بين الموضوع والحكم.

وأمّا كون الأجزاء المتأخّرة شرطاً في صحّة الأجزاء السابقة فلم نفهم معناه فانّ صحّة الأجزاء السابقة ليست إلاّ بمعنى قابليتها للحوق باقي الأجزاء بها وهي ثابتة سواء لحقت باقي الأجزاء بها أو لا، نعم لو لم تلحق باقي الأجزاء بطلت الصلاة بمعنى انّ المركّب الواجب بما هو مركّب لم يحصل.

وأمّا استظهار كون الشرط في ما نحن فيه نفس عنوان الإجازة دون عنوان انتزاعي من قبيل تعقّب الإجازة فنحن لا نشك في أنّ الشرط هو نفس الإجازة دون عنوان انتزاعي من هذا القبيل، ولكن معنى كون الإجازة شرطاً بلحاظ عالم الجعل هو جزئية التقيد بها، والتقيد بها يعني التعقّب أو التقارن مثلاً كما يقال في تعريف الشرط: إنّ التقيد جزء والقيد خارج فلو قبلنا: انّ المستظهر بمناسبات الحكم والموضوع والارتكازات هو كون الإجازة شرطاً في موضوع الحكم المجعول لا جزءً اذن فالدخيل في حصول الملكية هو تعقّب الإجازة أو تقارنها نعم هذا الاستظهار أوّل الكلام.

وعلى أيّة حال فظاهر الدليل كون الإجازة شرطاً مقارناً بحصول النتيجة لا شرطاً متأخّراً كي يستظهر الكشف ولو بالالتجاء إلى دخل وصف التعقّب في الحكم.

وأمّا الوجه الرابع ـ وهو كشف الإجازة عن الرضا التقديري فقد أورد عليه السيد الخوئي: أوّلاً ـ بأنّنا لا نقول بكفاية الرضا الفعلي من دون إبراز فكيف بالرضا التقديري؟ وثانياً ـ بانّ الإجازة لا تكشف دائماً عن الرضا التقديري إذ قد

 
الصفحة 304

يكون الشخص في وقت العقد لو اطلع لما رضى بذلك ولكن يرضى بعد ذلك على أساس البداء.

أقول: الذي يبدو ممّا هو المنقول عن السيد الرشتي انّه يقصد بالرضا التقديري ما لا ينافي البداء ولذا فرض كشف الإجازة عن الرضا التقديري حتى إذا كانت بعد ردّ العقد فهو يقصد بالرضا التقديري انّه لو علم بالمصلحة التي علم بها حين الإجازة لرضى بالعقد.

إلاّ انّ الصحيح انّه رغم هذا ليست الإجازة دائماً كاشفة عن الرضا التقديري لانّه قد يتّفق انّه حين الإجازة يعترف بانّه لم يكن من مصلحته حين العقد نفوذ العقد عملاً ولكن من مصلحته من الآن نفوذ العقد ولو بمعنى ترتيب آثار الملكية السابقة من الآن.

وعلى أي حال فالصحيح عدم كفاية الرضا التقديري.

وأمّا القسم الثاني من الكشف وهو افتراض انّ اعتبار الملك شرعاً يتحقّق لدى الإجازة ولكن المعتبر هو ملكية حين العقد، فافتراض كشف من هذا القبيل في مقابل القسم الأوّل ورد في كلمات السيد الخوئي(1) في حين أنّ الشيخ الانصاري لم يرد في كلامه تقسيم من هذا القبيل للكشف، وانّما الوارد لديه انّ الكشف إمّا هو حقيقي أو حكمي(2)، وقد صرف السيد الخوئي الدليل الآخر من دليلي المحقّق والشهيد الثانيين على الكشف ـ  غير الدليل الذي مضى  ـ إلى هذا القسم الثاني من الكشف ولكن الشيخ الانصاري صرف ذاك الدليل إلى الكشف الحقيقي من دون افتراض إنقسامه إلى القسمين.


(1) راجع المحاضرات 2: 344 ـ 345، ومصباح الفقاهة 4: 137 ـ 143.

(2) راجع المكاسب 1: 132 ـ 133، حسب الطبعة المشتملة على تعليق الشهيدي.

الصفحة 305

وعلى أيّة حال فذاك الدليل هو عبارة عن أنّ الإجازة قد تعلّقت بمفاد العقد ومفاد العقد هو الملكية حين العقد وإمضاء الشارع تعلّق بمفاد الإجازة، اذن فإمضاء الشارع يعني اعتبار ملك حين العقد.

وقد أورد على ذلك الشيخ الانصاري (1) بوجوه ثلاثة:

أوّلاً ـ انّ مفاد العقد ليس هو التمليك من حين العقد وانّما مفاده ذات التمليك وانّما ظرف هذا التمليك هو حين العقد ولذا ترى انّ القبول متعلّق بالإيجاب كتعلّق الإجازة بالعقد، ومع ذلك لا يعني القبول قبول حصول الملك من حين الإيجاب وليس ذلك إلاّ لأجل انّ مفاد الإيجاب هو ذات التمليك وإن كان ظرفه هو حين الإيجاب والقبول يتعلّق بمفاد الإيجاب الذي هو ذات التمليك، وكذلك الحال في الإجازة فلو افتينا في الإجازة بحصول الملك بلحاظ حين العقد بحجّة تعلّق الإجازة بذلك للزم ان نفتي أيضاً في القبول بحصول الملك بلحاظ حين الإيجاب بنفس النكتة ولا يلتزم أحد بذلك.

وثانياً ـ انّه لو سلّمنا كون مفاد العقد هو التمليك من حين العقد وانّ الإجازة تعلّقت بهذا المفاد قلنا: إنّ كلامنا انّما هو في الملكية الشرعية، والملكية الشرعية تتبع حكم الشرع وخطابه بالوفاء، وهذا الخطاب انّما يصبح فعلياً بفعلية موضوعه وهو المجيز أو قل المالك الذي يكون عاقداً أو بمنزلة العاقد وانّما أصبح المالك كذلك من حين الإجازة فحكم الشارع توجّه إليه من هذا الحين فلا دليل على حصول الملك إلاّ بلحاظ هذا الحين.

وثالثاً ـ ان افتراض حصول الملك بلحاظ حين العقد بسبب الإجازة يعني افتراض الشرط المتأخّر وتأثير المتأخّر في المتقدّم وهو مستحيل.


(1) راجع المكاسب 1: 132 ـ 133، حسب الطبعة المشتملة على تعليق الشهيدي.

الصفحة 306

والسيد الخوئي أهمل ذكر هذا الإشكال الثالث ومناقشته ولعلّه لأجل انّه حمل الحديث على ما افترضه قسماً ثانياً للكشف وهو ما يفترض فيه اعتبار الملك مقارناً للإجازة، وإن كان المعتبر عبارة عن الملك السابق فلا يُتورّط اذن في إشكال الشرط المتأخّر أو تأثير المتأخّر في المتقدّم فلم ينقل السيد الخوئي عن الشيخ إلاّ الإشكالين الأوّلين وأجاب عليهما(1).

أمّا الإشكال الأوّل وهو انّ مفاد العقد ليس إلاّ ذات التمليك وإن كان ظرفه زمان العقد فقد أجاب عليه بانّ الإنشاء ليس مفاده إيجاد المعنى كي يقال إنّ العقد انّما أوجد ذات الملكية وكان وجودها في حين العقد، ففرق بين ان يوجد الملكية في ظرف العقد أو يوجد الملكية المقيّدة بذاك الظرف وانّما مفاده إبراز الاعتبار النفساني وهذا الاعتبار لا يخلو أمره من الإطلاق أو التقييد ويستحيل الإهمال ثبوتاً، وبما انّه لا يوجد تقييد في المقام للملكية بزمان خاص فلا بد من الإطلاق وهو الملكية المستمرة والثابتة من حين العقد وذلك لا بمعنى أخذ تمام القيود بل بمعنى رفضها والإجازة تعلّقت بنفس هذا المفاد وهي الملكية المطلقة التي تبدأ من حين العقد.

وأمّا النقض على ذلك بالقبول المتعلّق بالإيجاب فقد أجاب عليه السيد الخوئي في المحاضرات بانّ الإيجاب لم يكن تمليكاً مطلقاً بل كان تمليكاً معلّقاً على لحوق القبول دائماً سواء ذكر التعليق في اللفظ أو لا فلا يترتّب عليه الأثر إلاّ بتحقّق القبول، وهذا بخلاف عقد الفضولي الذي لا يعلّقه غالباً على إجازة المالك خصوصاً إذا كان العاقد بانياً على مالكية نفسه.


(1) راجع المحاضرات 2: 343 ـ 345، ومصباح الفقاهة 4: 139 ـ 143.

الصفحة 307

أمّا عبارة المصباح في الجواب على النقض بالقبول فلا تخلو من تشويش فقد يبدو من صدرها الجواب عليه بانّ الإيجاب ليس وحده هو مضمون العقد فانّ مضمون العقد لا يحصل إلاّ بالإيجاب والقبول معاً، وهذا بخلاف باب الفضولي الذي تم فيه العقد قبل الإجازة ومن ذيلها الجواب عليه بمثل ما في المحاضرات ولعلّ ما في صدر العبارة دليل في نظره على ما في ذيلها أي انّ الدليل على كون الإيجاب معلّقاً على حصول القبول هو تركّب العقد منهما معاً.

وأمّا الإشكال الثاني للشيخ وهو انّ حكم الشارع انّما حصل من حين الإجازة فقد أجاب عليه السيد الخوئي بانّنا وإن كنّا لا نتحاشى عن حصول الحكم من حين الإجازة ولذا نقول: إنّ اعتبار الملك انّما يكون من حين الإجازة لكنّنا نقول: إنّ المعتبر أو المحكوم به انّما هو ملك حين العقد لانّ الحكم أو الإمضاء انّما تعلّق بنفس مفاد الإجازة المتعلّق بمفاد العقد الذي هو عبارة عن ملكية حين العقد.

ثم ذكر السيد الخوئي إشكالين(1) على فرضية كون اعتبار الملك متأخّراً إلى حين الإجازة والمعتبر عبارة عن الملك المتقدّم أي الملك حين العقد.

أحدهما ـ ما نقله عن استاذه المحقّق النائيني من أنّ الحكمين المتضادين لا يجتمعان بلحاظ زمان واحد وإن كان زمان اعتبارهما مختلفاً فالخروج عن الدار المغصوبة لا يمكن افتراض كونها محكومة بالحرمة قبل الدخول وبالوجوب بعد الدخول لاتحاد زمان الواجب والحرام وان فرض تعدّد زماني الاعتبار، وكذلك في المقام لا يمكن ان يفترض انّ هذا المتاع الذي بيع فضولة كان قبل الإجازة ملكاً للمالك الأصلي لا للمشتري ثم يفترض بعد الإجازة


(1) راجع المحاضرات 2: 345 ـ 347، ومصباح الفقاهة 4: 144 ـ 149.

الصفحة 308

انّه من قبل الإجازة ملك للمشتري لا للمالك الأصلي فهذا يعني اجتماع معتبرين متضادين بلحاظ زمان واحد وإن كان اعتبارهما في زمانين.

وأجاب عليه السيد الخوئي بانّ التضاد بين الحكمين بلحاظ زمان واحد رغم اختلاف الاعتبارين زماناً انّما يتم في الأحكام التكليفية بلحاظ تبعيتها للمصالح والمفساد في متعلّقاتهما والمفروض وحدة المتعلّقين فيلزم من اجتماعهما اجتماع المصلحة والمفسدة من دون كسر وانكسار وهذا غير معقول، وأمّا الأحكام الوضعية كما في ما نحن فيه فلا يأتي فيها هذا الكلام لانّها تتبع المصالح في نفسها والاعتبار سهل المؤونة فبالإمكان اعتبار هذا المال في حين العقد ملكاً لزيد دون عمرو ثم اعتباره في حين الإجازة ملكاً من حين العقد لعمرو دون زيد ولا تنافي بين الأمرين أبداً.

وثانيهما ـ انّ افتراض تأخّر الاعتبار عن العقد إلى زمان الإجازة انّما يعقل في اعتبار المجيز نفسه فبإمكانه ان يعتبر حين الإجازة ملكية المشتري بلحاظ حين العقد، وكذلك يعقل في اعتبار الشارع إذا كان بنحو القضية الخارجية بان يسكت الشارع من حين العقد إلى حين الإجازة ثم يعتبر حين الإجازة حصول الملك من حين العقد ولكن الواقع انّ اعتبار الشارع ثابت بنحو القضية الحقيقية منذ أوّل الشريعة على الموضوعات المقدرة الوجود وانّما الذي يقبل التقدّم والتأخّر هو المعتبر فان فرض المعتبر عبارة عن الملك المتقدّم على الإجازة أعني الملك حين العقد فهذا هو الكشف بالمعنى الأوّل المتقدّم فيه الاعتبار والمعتبر معاً والذي قلنا باستحالته لعدم معقولية الشرط المتأخّر فلا نتصوّر قسماً آخر للكشف يفسر بتأخّر الاعتبار وتقدّم المعتبر وان فرضناه عبارة عن الملك من حين الإجازة رجعنا إلى النقل.

 
الصفحة 309

وأجاب السيد الخوئي على ذلك:

أوّلاً ـ بانّه لا ملزم لافتراض اعتبار الشارع الملك كي يأتي فيه هذا الكلام بل بالإمكان افتراض انّ الشارع هو لا يعتبر شيئاً وانّما يوافق على اعتبار المجيز ويمضيه فانّ حكم الشارع في باب المعاملات عادة ليس تأسيسياً بل إمضاء لما عليه العقلاء، وما عليه العقلاء هو إمضاء ما فعله المجيز وهو اعتباره ومن المعلوم انّ اعتبار المجيز متأخّر ولكنه متعلّق بمعتبر متقدّم.

وثانياً ـ بانّه حتى لو افترضنا انّ الشارع هو الذي يعتبر الملك في المقام قلنا: إنّ اعتبار الشارع حكم من أحكام الشارع له جعل وفعلية، وجعله هو الذي يكون ثابتاً من أوّل الشريعة على الموضوع المقدّر الوجود أمّا فعليته فتتأخّر إلى حين فعلية الموضوع كما هو الحال في سائر الأحكام، وموضوعه في المقام هو الإجازة فإذا حصلت الإجازة أصبح الاعتبار فعلياً وهو متعلّق بالملك حين العقد وهذا هو معنى القسم الثاني من الكشف الذي قلنا عنه: إنّ الاعتبار فيه متأخّر لحين الإجازة والمعتبر هو الملك المتقدّم من حين العقد.

ومقتضى هذا التسلسل من الحديث هو الإيمان بالكشف بهذا المعنى الثاني على مقتضى القواعد بلا حاجة إلى دليل خاص كصحيحة محمّد بن قيس، وإن وجد دليل خاص على الكشف فهذه زيادة خير وهذا هو الظاهر من عبارة المصباح ولكن عبارة المحاضرات فيها غموض في المقام من هذه الناحية وهي انّ هذا المقدار من البيان هل اثبت الكشف حقاً أو جعل الكشف محتملاً في عرض احتمال النقل ويتمسّك عندئذ لإثبات الكشف بعد ردّ إشكالاته الثبوتية بمثل صحيحة محمّد بن قيس، ولكن يظهر في ما ذكره بعد ذلك في ثمرات الكشف والنقل انّه يرى الكشف بهذا المعنى الذي اختاره موافقاً للقواعد ويسمّيه هناك

 
الصفحة 310

بالكشف الحكمي(1).

أقول: وفي هذا التسلسل من الحديث مواقع للنظر.

فأوّلاً ـ ما أجاب به على القول بانّ مفاد البيع كان هو ذات التمليك لا التمليك من حين العقد وهو قوله: إنّ الإنشاء ليس إيجاداً للملك بل هو كاشف عن اعتبار نفساني وذاك الاعتبار يستحيل فيه الإهمال فهو إمّا مطلق أو مقيّد.

يردّ عليه: إنّ الإنشاء وإن لم يكن إيجاداً للمعنى في الخارج بل هو كاشف عن اعتبار نفساني فانّ عالم الإنشاء اللفظي ليس عالم الخلق والتكوين وانّما هو عالم الكشف عمّا في النفس كما هو الحال في الأخبار، لكن هذا الاعتبار النفساني الذي يكشف عنه هذا الإنشاء انّما هو اعتبار لوجود الملك لانّه بنحو مفاد كان التامّة وليس بنحو مفاد كان الناقصة فهو لم يعتبر الملك موضوعاً لحكم مّا حتى يقال: إنّ مقتضى إطلاقه شموله للملك في كل آن وانّ هذا متعيّن في مقابل التقييد بعد استحالة الإهمال وانّما اعتبر وجود الملك نعم يختلف الوجود الاعتباري للملك عن الوجودات الحقيقية للاُمور التكوينية في أنّ الوجود التكويني أمره دائر في أي لحظة بين أن يخلق وأن لا يخلق ولا معنى لفرض خلق حصّة استقبالية مثلاً، أمّا الوجود الاعتباري فله حصص منها اعتبار ملك الآن ومنها اعتبار ملك مستقبل أو ماض فانْ قصد بقوله: إنّ الإنشاء ليس إيجاداً انّه ليس إيجاداً تكوينياً أو كاشفاً عن إيجاد تكويني حتى يكون الزمان ظرفاً له وغير مأخوذ في مفاده بل هو كاشف عن إيجاد اعتباري يؤخذ الزمان في متعلّقه قلنا:


(1) راجع المحاضرات 2: 354، وأمّا في مصباح الفقاهة فقد سمّاه هناك أيضاً بالكشف الحقيقي راجع 4: 163.

الصفحة 311

هذا صحيح لكن ملكية الآن أو الملكية الحاصلة من الآن التي أصبحت متعلّقة للإنشاء والوجود الاعتباري انّما هي حصة في مقابل ملكية الزمان المستقبل مثلاً وليست هذه مطلقة وتلك مقيدة بالمعنى الذي يستحيل الإهمال في ما بينهما بل هما حصتان متقابلتان.

نعم يحمل إطلاق كلام الشارع بعد لغوية اعتبار الجامع بين الحصص على الحصّة الاُولى لانّها أقل مؤونة في نظر العرف من باقي الحصص إمّا بنكتة اُنس ذهن العقلاء في تشريعاتهم للملكية بتشريع ملكية حين العقد أو لانّ المتعاقدين يهدفان عادة ذلك أو قياساً ـ  في نظر العرف المسامحي  ـ للوجود الاعتباري بالوجود التكويني الذي لا يتخلّف عن زمان إيجاده، أو لانّ الملك الشامل لكل الآنات ما لم يرفعه الرافع كأنّه في مقابل الملك الخاص بالزمان المستقبل مطلق في مقابل حصصه لا حصة من ضمن الحصص، امّا الملكية التي تخلق في عالم اعتبار المُنشىء فتحمل على اعتبار الجامع من دون لزوم لغوية فانّ هذا موضوع في نظر العقلاء لوجود الملكية في لوح اعتبار العقلاء من حين إمضائهم قياساً في النظر المسامحي للوجود الاعتباري بالوجود التكويني فمفاد البيع ـ  كما قاله الشيخ الانصاري  ـ هو ذات التمليك لا التمليك من حين العقد.

وثانياً ـ ما أورده على نقض الشيخ بالقبول المتعلّق بالإيجاب والذي لا ينتج الملك من حين الإيجاب من أنّ الإيجاب كان معلّقاً على القبول يردّ عليه: انّه إن كان المقصود بذلك كون تأثيره في لوح اعتبار الشارع أو العقلاء معلّقاً على القبول فهو صحيح ولكن هذا لا يعني انّ المنشأ بالإيجاد هو ملكية ما بعد القبول، وإن كان المقصود بذلك كون المُنشأ معلّقاً على القبول بما هو مُنشأ فهو غير صحيح، وأمّا تركّب العقد من الإيجاب والقبول فهو انّما يصلح علّة لكون التأثير الشرعي أو العقلائي معلّقاً على القبول لا لكون المُنشأ معلّقاً.

 
الصفحة 312

وثالثاً ـ انّ الإشكال الأخير الذي ذكره السيد الخوئي من عدم معقولية تأخّر الاعتبار عن المعتبر في القضايا الشرعية المجعولة بنحو القضايا الحقيقية متين فليس من الصحيح القول بانّه من حين الإجازة يعتبر الشارع ملكية حين العقد فانّ الاعتبارات الشرعية كلّها قد تحقّقت في زمن التشريع ولا يتم شيء من الجوابين اللذين ذكرهما على هذا الإشكال.

أمّا الجواب الأوّل وهو انّ الشارع ليس له اعتبار خاص به بل هو يمضي اعتبار المجيز وهذا الاعتبار متأخّر عن المعتبر فالمجيز من حين الإجازة قد اعتبر ملكية حين العقد فهو غريب ولا أدري ماذا يفهم السيد الخوئي من إمضاء اعتبار المجيز هل هذا يعني انّ أمر التشريع اعطى بيد المجيز؟! فهذا واضح البطلان أو يعني انّ للشارع اعتباراً مماثلاً لاعتبار المجيز؟ وهذا هو المعنى الصحيح لإمضاء الشارع لكن هذا رجوع إلى اعتبارات الشرع التي تحقّقت كلها في زمن التشريع ولم يتأخّر شيء منها إلى زمان إجازة المجيز.

وأمّا الجواب الثاني وهو انّ اعتبار الشارع وإن كان جعله متقدّماً وثابتاً في زمان التشريع لكن فعليته تكون بفعلية موضوعه وهي إجازة المالك فمن حين إجازة المالك تصبح ملكية حين العقد فعلية فيردّ عليه: انّ فعلية الجعل التي يفترض تأخّرها عن الجعل انّما يقصد بها فعلية المجعول، أمّا ذات الجعل فقد تحقّق كاملاً حين التشريع ولا معنى لفعلية متأخّرة له وراء فعلية المجعول والفارق بين الجعل والمجعول هو الفارق بين الاعتبار والمعتبر اذن فتأخّر فعلية الاعتبار لا يعني إلاّ تأخّر المعتبر فليس في المقام اُمور ثلاثة: الجعل والفعلية والملك المعتبر حتى يفترض انّ الأوّل ثبت في زمن التشريع والثاني ثبت في زمن الإجازة والثالث عبارة عن ملك حين العقد، وانّما يوجد في المقام أمران: الاعتبار

 
الصفحة 313

والمعتبر والأوّل متقدّم بلا إشكال والثاني إمّا أن يكون عبارة عن ملك حين العقد أو يكون عبارة عن ملك حين الإجازة والأوّل هو الكشف والثاني هو النقل فليس الكشف منقسماً إلى قسمين: أحدهما ما يفرض فيه تقدّم الاعتبار والمعتبر والثاني ما يفرض فيه تأخّر الاعتبار إلى حين الإجازة وتقدّم المعتبر بان يعتبر من حين الإجازة ملك زمان العقد، بل الكشف الحقيقي قسم واحد وهو القسم الذي يراه السيد الخوئي على بعض وجوهه الماضية مستحيلاً وعلى بعض وجوهه خلاف ظاهر الأدلّة العامّة ولكنّنا لا نراه مستحيلاً وإن كنّا نراه خلاف ظاهر الأدلّة العامّة على ما مضى.

وقد تحصّل بكل هذا البحث انّ الكشف الحقيقي خلاف ظاهر الأدلّة العامّة.

وأمّا القسم الثالث من الكشف وهو الكشف الحكمي فهو وإن لم يكن خلاف ظاهر الأدلّة العامّة لكنّه على أي حال خلاف الأصل فلا بد اذن بعد هذا التطواف من الانتهاء إلى الأدلّة الخاصّة لنرى انّه هل يمكن ان يستفاد منها الكشف أو لا؟

مقتضى الأدلّة الخاصّة:

ولعلّ عمدة الأدلّة الخاصّة للكشف ما يلي:

1 ـ صحيحة محمّد بن قيس عن أبي جعفر قال: قضى أميرالمؤمنين في وليدة باعها ابن سيدها وأبوه غائب فاشتراها رجل فولدت منه غلاماً ثم قدم سيّدها الأوّل فخاصم سيّدها الأخير فقال: هذه وليدتي باعها ابني بغير اذني فقال: خذ وليدتك وابنها فناشده المشتري فقال: خذ ابنه يعني الذي باع الوليدة حتى ينفّذ لك ما باعك فلمّا أخذ البيّع الابن قال أبوه: ارسل ابني فقال لا ارسل ابنك حتى ترسل ابني فلمّا رأى ذلك سيّد الوليدة الأوّل أجاز بيع ابنه(1).


(1) الوسائل 14: 591، الباب 88 من أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث 1.

الصفحة 314

وسواء فسّرنا أخذ سيّد الوليدة الأوّل للطفل بانّ الحكم الشرعي هو استرقاقه إلى ان يفديه أبوه بثمنه لكون الوطىء وطىء شبهة، أو لافتراض كونه زنا من قبل الامّ العالمة بالحال، أو للقول بانّ ولد الأمَة من حرّ غير المولى مملوك للمولى ما لم يشترط الزوج منذ البدء الحرية، أو فسّرناه على أنّه أخذٌ للطفل كرهينة في مقابل ثمنه لانّ المشتري فوّت على المولى ولداً من هذه الأمَة، وسواء كان الحكم بأخذه للولد حكماً حقيقياً أو حكماً للتقية فالمهم انّه فرض رجوع الطفل إلى المشتري بسبب الإجازة وهذا دليل الكشف.

والاستشكال على ذلك بانّه لعلّ إرجاع الطفل إلى المشتري كان بسبب انّه سلّم إلى السيّد الأوّل ثمن الطفل لانّ سكوت الحديث عن تسليم ثمن الطفل ليس دليلاً على عدم تسليمه، فانّ الحديث لم يكن بصدد بيان كل الخصوصيات ولذا لم يذكر كيفية المخاصمة وفصلها، مع وضوح انّ مجرّد دعوى أبي البائع انّ الوليدة كانت له وقد باعها ابنه بلا اذنه لا يوجب الحكم باسترجاع الوليدة والطفل(1) غير وارد لانّ ظاهر قوله: لا ارسل ابنك حتى ترسل ابني هو ان إرسال الطفل كان في مقابل إرسال ابنه لا في مقابل دفع ثمنه.

2 ـ صحيحة أبي عبيدة الحذاء قال: سألت أبا جعفر عن غلام وجارية زوّجهما وليهما وهما غير مدركين قال فقال النكاح جائز ايّهما أدرك كان له الخيار فإن ماتا قبل أن يدركا فلا ميراث بينهما ولا مهر إلاّ أن يكونا قد أدركا ورضيا قلت: فإن أدرك أحدهما قبل الآخر؟ قال: يجوز ذلك عليه ان هو رضي قلت: فإن كان الرجل الذي أدرك قبل الجارية ورضى النكاح ثم مات قبل أن


(1) راجع كتاب البيع للسيد الإمام (رحمه الله) 2: 177 ـ 178.

الصفحة 315

تدرك الجارية اترثه؟ قال: نعم يعزل ميراثها منه حتى تدرك وتحلف بالله ما دعاها إلى أخذ الميراث إلاّ رضاها بالتزويج ثم يدفع إليها الميراث ونصف المهر قلت: فإن ماتت الجارية ولم تكن أدركت أيرثها الزوج المدرك؟ قال: لا لانّ لها الخيار إذا أدركت قلت: فإن كان أبوها هو الذي زوّجها قبل أن تدرك؟ قال: يجوز عليها تزويج الأب ويجوز على الغلام والمهر على الأب للجارية(1).

ولهذا الحديث تفسيران:

التفسير الأوّل ـ وهو الذي يبتني عليه الاستدلال به في المقام: انّ المقصود بقوله: « النكاح جائز » كونه قابلاً للتصحيح بالإمضاء وانّ المقصود بالخيار خيار الإمضاء والردّ لا خيار الفسخ، والشاهد على ذلك هو ما في الحديث من الحكم بعدم الإرث وعدم المهر إذا ماتا قبل الإدراك أو كان الإمضاء طمعاً بالإرث، وانّ المقصود بقوله: « وليّهما » هو الوليّ العرفي أي مَن كان يتولّى شؤون الصغير من دون أن يكون وليّاً شرعياً والشاهد على ذلك قوله في ذيل الحديث: « قلت فإن كان أبوها هو الذي زوّجها قبل أن تدرك قال يجوز عليها تزويج الأب ويجوز على الغلام » فهذا دليل على أنّ السؤال الأوّل كان سؤالاً عن غير الولي الشرعي، وذلك إمّا بدعوى انّ احتمال الخصوصية للأب من بين الأولياء الشرعيين غير عرفي فذكر الأب يحمل على المثالية عرفاً، أو بدعوى انّ ذكر الأب لو جاء على لسان الإمام لاحتملنا خصوصية في الأب تعبّداً ولكن جاء السؤال عن الأب على لسان نفس السائل والنكتة التي تتبادر إلى الذهن في السؤال عن الأب بعد السؤال عن مطلق الوليّ هي كون الأب وليّاً شرعياً، اذن فالمقصود بالوليّ المطلق


(1) الوسائل 17: 527، الباب 11 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 1.

الصفحة 316

كان هو غير الشرعي. هذا، ونفس كون المقصود بالولي في صدر الحديث الولي غير الشرعي شاهد آخر على انّ المقصود بجواز النكاح قابليته للنفوذ بسبب الإمضاء لا النفوذ الفعلي وأنّ المقصود بالخيار خيار الإمضاء والردّ لا خيار الفسخ.

وبناء على هذا الاحتمال يكون الحديث دليلاً على الكشف إذ لولا الكشف لما ثبت الإرث عند تأخّر إمضاء من بقى منهما للنكاح عن موت الآخر.

وقد يورد على الاستدلال بهذا الحديث على أصل صحّة الفضولي في العقود المالية بانّ هذا الحديث وارد في النكاح ولا نجزم بعدم الفرق في ذلك بين النكاح والعقود المالية، وقد مضى في أدلّة الفضولي في البحث عن روايات النكاح الفضولي البحث عن دعوى التعدّي إلى العقود المالية بالأولويّة لانّ النكاح أهمّ من العقود المالية لارتباطه بالفرج فلئن صحّ عقد الفضولي فيه فهو صحيح في العقود المالية بطريق أولى، وعن دعوى اُخرى عكس هذه الدعوى وهي دعوى انّ النكاح يناسبه التسهيل لكي لا يتورّط الناس في الزنا فتصحيح الفضولي فيه لا يدلّ على تصحيحه في الماليات ووضّحنا هناك ان كلتا الدعويين لا أساس لهما وانّما يجب ان نلحظ بعد حذف بحث الأولوية من الطرفين انّ العرف هل يتعدّى من النكاح إلى سائر العقود أو يحتمل الخصوصية للنكاح في الحكم بصحّة عقد الفضولي.

ونقول هنا: إنّه لو آمن أحد في أصل صحّة الفضولي بعدم التعدّي من النكاح إلى العقود المالية لاحتمال الفرق فليس من الضرورة ان يؤمن في ما نحن فيه أيضاً ـ  وهو إثبات الكشف  ـ بعدم التعدّي، فبإمكانه أن يقول: إنّه في أصل صحّة الفضولي يحتمل الفرق باختصاص الحكم بالصحّة بالنكاح لكن بعد ان

 
الصفحة 317

فرغنا ولو بوجه آخر عن صحّة الفضولي حتى في العقود المالية وهو المفروض في المقام نرى انّ العرف لا يحتمل الفرق في دائرة العقود التي تصحّ فيها الفضولية بالكشف في بعضها والنقل في البعض الآخر.

نعم لو كان عدم التعدّي إلى العقود المالية هناك على أساس دعوى احتمال انّ تصحيح الفضولية في النكاح كان لمصلحة التسهيل لكي لا يتورّط الناس في الزنا فنفس هذه النكتة توجب عدم التعدّي في ما نحن فيه أيضاً فانّ الكشف فيه مزيد من التسهيل في أمر النكاح والمنع عن التورّط في الزنا فلعلّه مختص بباب النكاح لأجل هذا المزيد من المصلحة أمّا العقود المالية فاقتصر فيها على تصحيح فضوليتها بنحو النقل دون الكشف.

التفسير الثاني ـ: ان يقال: إنّ المقصود بجواز النكاح في صدر الحديث هو النفوذ الفعلي لا قابليته للنفوذ بسبب الإمضاء وانّ المقصود بالخيار خيار الفسخ وانّ المقصود بالولي هو الولي الشرعي وأمّا ما في ذيل الحديث من حكم خاصّ بالأب فهو تفصيل تعبّدي بين الأب وغيره من الأولياء الشرعيين أعني الجدّ والوصيّ فنكاح الجدّ والوصيّ جائز مع الخيار للصبي إذا بلغ ونكاح الأب جائز بلا خيار وأمّا ما في الحديث من نفي الإرث والمهر لدى موتهما أو لدى عدم الإمضاء فهو يعني انّ نكاح الولي لا يوجب الإرث ولا المهر إلاّ بعد لزومه بإسقاط الصغير الخيار بعد البلوغ وعلى هذا التفسير فالحديث اجنبيّ عن عقد الفضولي تماماً.

وقد رجّح السيد الإمام هذا التفسير على التفسير الأوّل بدعوى انّ التفسير الأوّل خلاف ظاهر الحديث من عدّة وجوه(1):


(1) راجع كتاب البيع 2: 178 ـ 179.

الصفحة 318

فأوّلاً ـ حمل الولي في الحديث على الولي غير الشرعي خلاف الظاهر.

وثانياً ـ حمل الجواز في صدر الحديث على الصحّة التأهلية أو الجواز المعلّق على الإمضاء دون النفوذ الفعلي خلاف الظاهر.

وثالثاً ـ حمل الخيار على اختيار الإجازة والردّ دون خيار الفسخ خلاف الظاهر.

ورابعاً ـ قوله في فرض إجازة أحدهما بعد الإدراك: « يجوز ذلك عليه » يقصد به حتماً جواز آخر غير الجواز المذكور في صدر الحديث لانّ المفروض انّ ذاك الجواز كان ثابتاً من أوّل الأمر ولا يتأخّر إلى ما بعد الإدراك والرضا، فإن كان الجواز الأوّل بمعنى مجرّد إمكانية النفوذ مثلاً فالجواز الثاني هو فعلية النفوذ في حين انّ فعلية النفوذ بمجرّد رضا أحدهما غير صحيح لانّ الآخر لم يرض بعدُ وإن كان الجواز الأوّل نفوذ العقد بالفعل، إلاّ انّه عقد خياري من كلا الطرفين فمعنى الجواز الثاني هو سقوط الخيار من طرف من أدرك ورضى وإن كان الخيار لا زال باقياً للآخر وهذا معنى معقول اذن فهذا قرينة على أنّ الجواز بمعنى النفوذ الفعلي.

وخامساً ـ قوله: ( أترثه قال: نعم يعزل ميراثها منه حتى تدرك وتحلف بالله... ) ظاهر في الإرث الفعلي المتزلزل الموقوف على رضا الآخر.

وسادساً ـ تعليله لعدم الإرث للزوج الذي أدرك ورضى بالعقد ولكن الزوجة ماتت قبل الإدراك بقوله: « لانّ لها الخيار إذا ادركت » ظاهر في أنّ الإرث منتف بوجود المانع وهو خيارها لا بعدم تمامية المقتضى وهو العقد. وهذا انّما ينسجم مع التفسير الثاني دون الأوّل.

وقال السيد الإمام : إنّ مخالفة هذا المعنى للفتاوى أو لبعض الروايات

 
الصفحة 319

لا توجب العدول إلى التفسير الأوّل وغاية الأمر انّنا نبقي الحديث على ظهوره في التفسير الثاني ونطرحه لمخالفته لما هو من مسلمات الفقه مثلاً ولا تبرّر مخالفته لما هو من المسلّمات حمله على تفسير آخر مخالف للظهور.

أقول: إنّ هذا الكلام انّما يتم لو فرض ظهور الحديث في التفسير الثاني قوياً آبياً عن الحمل على التفسير الأوّل في مقام الجمع بحيث يصبح ذلك جمعاً تبرعياً لا عرفياً.

والظاهر انّ أكثر النكات التي بيّنها السيد الإمام لاستظهار التفسير الثاني غير تام وما يتم منها لا يقاوم ما يشهد للتفسير الأوّل وتفصيل الكلام ما يلي:

1 ـ ظهور الولي في الولي الشرعي في عصر صدور النص غير واضح فانّ هذا اصطلاح متشرعي حديث وانّما الولي بمعناه الأصلي يقصد به من يلي أمر الصغير،نعم مقتضى إطلاقه شموله للولي الشرعي لانّ الولي الشرعي مصداق من مصاديق الولي العرفي ولكن القرينة المتصلة في الحديث منعت عن هذا الإطلاق وهي سؤال السائل بعد ذلك عن حكم مصداق من مصاديق الولي الشرعي وهو الأب وافتراض اختصاص مراده من الولي في سؤاله الأوّل بخصوص وليّ شرعي غير الأب وهو الجد والوصي بعيد غاية البعد.

2 ـ الجواز ظاهر بحدّ ذاته في النفوذ الفعلي ولكن هذا الظهور لا يقاوم ما يصرف الكلام عنه من نفي الإرث والمهر الذي يصرف ذهن العرف إلى عدم تمامية العقد إذا ماتا صغيرين، ومجرّد احتمال انّه لعلّ الإرث والمهر مرتبطان شرعاً بإسقاط الخيار لا يمنع عن هذا الانصراف وكذلك ما عرفته من انّ الولي يقصد به المعنى العرفي يكون مؤيداً آخر لحمل الجواز على معنى قابلية النفوذ بالإمضاء.

 
الصفحة 320

3 ـ وظهور الخيار في خيار الفسخ اصطلاح فقهي متأخّر ولا تأبى كلمة الخيار في عصر النصوص عن الحمل على خيار الإمضاء والرد.

4 ـ وقوله في فرض إمضاء أحدهما بعد البلوغ: ( يجوز ذلك عليه ) وإن كان يقصد به جوازاً آخر غير الجواز الوارد في صدر الحديث إلاّ انّ هذا لا يمنع عن افتراض كون الجواز في صدر الحديث بمعنى قابلية النفوذ لا النفوذ الفعلي فانّ هذا لا يستلزم حمل الجواز الثاني على معنى النفوذ الفعلي بل يمكن حمله عندئذ على معنى ان من أدرك وأمضى لا يجوز له ان يتراجع عن إمضائه ويجب عليه ان ينتظر إدراك الآخر كي يعرف انّه هل سيمضي أيضاً أو يردّ.

5 ـ قوله: ( اترثه قال نعم يعزل ميراثها منه ) ظاهر في الإرث الفعلي بمعنى جواز التصرّف بالفعل وإطلاقه مقيد بما جاء بعد هذه الكلمة مباشرة من إدراكها وحلفها بالله ما دعاها إلى أخذ الميراث إلاّ رضاها بالتزويج، أمّا قبل الإدراك والحلف فالأمر يدور بين فرض عدم حصول الملك للوارث أو عدم جواز تصرفه في ملكه وليس الثاني أظهر من الأوّل فانّ الإرث لم يكن ظاهراً في مجرّد ملكية قانونية بحتة ولو مع الحجر عن التصرّف بل كان ظاهراً في جواز التصرّف بالفعل والذي قطعنا بتقييده بالمقيد المتصل بما بعد الإدراك والحلف.

6 ـ أمّا ما جاء في ذيل الحديث من تعليل عدم الإرث بانّ لها الخيار فهذا ينسجم حتى مع فرض كون نفي الإرث على أساس عدم تمامية المقتضي وهو العقد وذلك لانّ عدم تمامية المقتضي وهو العقد مستند بدوره إلى أنّ لها الخيار ولولا انّ لها الخيار لكان العقد تامّاً.

3 ـ صحيحة الحلبي قال: قلت لأبي عبد الله الغلام له عشر سنين فيزوّجه أبوه في صغره أيجوز طلاقه وهو ابن عشر سنين؟ قال فقال: أمّا تزويجه

 
السابق | التالي | فهرس الكتاب