الفهرس

المكتبة الصوتية

المؤلفات

الصفحة الرئيسية


الصفحة 62


لقمة واحدة.

4 ـ تذوّق الطعام لتشخيص كثير من الأغذية الفاسدة أو المضرّة كي يمتنع الإنسان عن أكلها.

5 ـ تنظيف الفم بعد الانتهاء من الأكل.

6 ـ التكلّم، وهو يتمّ بالتعاون بين المخّ والشفة واللسان والحنجرة.

وقد اعتبره الله تعالى آية من آياته الباهرة في قوله: (الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الاِْنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَان)(1).

فالفكر يختار أوّلاً من بين مئات الآلاف أو الأكثر من الكلمات أوّل كلمة يريد الشخص أن يلفظها، فيأمر اللسان أن يتحرّك بكلّ سرعة ودقّة على مخارج حروف تلك الكلمة، ثم يختار بالسرعة نفسها الكلمة الثانية ويعيد العملية بواسطة اللسان، وهكذا إلى أن تنتهي الجملة المقصودة وبمعونة الشفة والحنجرة وأوتار الصوت، وحينما يقع صدفة أقلّ خطأ للفكر في اختيار الكلمات أو اللسان في طريقة التحرك تخرج الجملة ملحونة.

السادس ـ المخّ:

لا أستطيع أن أتحدّث عن عظمة المخّ وعن أقسامه المرتبطة بالفكر والإدراك والذاكرة والإرادة والعواطف، ثم تأشيره اللازم على أعصاب البدن كافّة بوظائفها الخاصة حتى إنّ الخلل في بعض أجزائه يوجب الشلل في قسم من الأعصاب، والعظمة لله الواحد القهّار.

ولكنّي أكتفي بالقول بأنّ مِن أبدع ما صنعه البشر، وكان صنعه هذا بواسطة

____________

1- س 55 الرحمن، الآية: 1 ـ 4.


الصفحة 63


مخّه الجبّار الذي آتاه الله إياه، هو ما يسمّى بالعقل الالكتروني والذي يفترض عملاً جبّاراً وهو يفقد الإرادة والعواطف وإدارة الأعصاب، كما أنّه ليس له الإدراك ولا الذاكرة إلاّ ما يكون شبيهاً بهذا أو بذاك ممّا يكون مؤشِّراً إعدادياً لإدراك الناس أو تذكّرهم للاُمور بمخّهم الذي أكرمهم الله تعالى به.

وقد روي عن مصمّم العقل الالكتروني كلودم هزاوي قوله: "طُلب منّي قبل عدّة سنوات القيام بتصميم آلة حاسبة كهربائيّة تستطيع أن تحلّ الفرضيات والمعادلات المعقّدة ذات البعدين، واستفدت لهذا الغرض من مئات الأدوات واللوازم الالكتروميكانيكيّة، وكان نتاج عملي وسعيي هذا هو العقل الالكتروني، وبعد سنوات متمادية صرفتها لإنجاز هذا العمل وتحمّل شتّى المصاعب، وأنا أسعى لصنع جهاز صغير، يصعب عليّ أن أتقبّل هذه الفكرة وهي: أنّ الجهاز هذا يمكن أن يوجد من تلقاء نفسه دون حاجة إلى مصمّم..."(1).

فلئن كان العقل الالكتروني الذي ليس في مقابل المخّ إلاّ كجهاز من أجهزة لعب الأطفال لا يمكن أن يوجد من تلقاء نفسه فما رأيك في المخّ الذي أبدعه الله تعالى بهذا الإبداع الرائع؟! (هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلاَل مُّبِين)(2).

السابع ـ الجنين:

(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الاِْنسَانَ مِن سُلاَلَة مِّن طِين * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَار مَّكِين * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ

____________

1- الإلهيّات 1: 41.

2- س 31 لقمان، الآية: 11.


الصفحة 64


لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِين)(1).

ورد في توحيد المفضّل: "قال المفضّل: فقلت: صف نشوء الأبدان ونموّها حالاً بعد حال حتى تبلغ التمام والكمال. فقال(عليه السلام): أوّل ذلك تصوير الجنين في الرحم حيث لا تراه عين ولا تناله يد، ويدبّره حتى يخرج سويّاً مستوفياً جميع ما فيه قوامه وصلاحه من الأحشاء والجوارح والعوامل إلى ما في تركيب أعضائه: من العظام واللحم والشحم والمخّ والعصب والعروق والغضاريف..."(2).

سبحان الذي كشف الغطاء قبل أربعة عشر قرناً عن المراحل الهامّة للجنين حينما لم يكن يمكن للعلم امتلاك الوسائل التي تكشف عن وضع الجنين الذي يعيش في ظلمات ثلاث(3): البطن والرحم والمشيمة، ثم اكتشف العلم ذلك بوسائله بعد حين، فكانت نفس المراحل وهي: النطفة ـ وهذه كانت معلومة بالحسّ منذ البدء ـ ثم العلقة بمعنى تبدّل النطفة إلى دم منجمد، ثم المضغة بمعنى قطعة لحم بمقدار تمضغ، ثم العظام بمعنى تبدّل تلك القطعة بالعظام، ثم إلباس العظام اللحم، فسبحان الذي أخبر قبل ولادة العلم عن أنّ خلق العظام في الجنين يكون قبل اللحم ثم يكسوه اللحم، ومن كان يعلم أنّه هل يخلق اللحم أوّلاً ثم يخلق في وسطه العظام، أو هل يتحوّل لحم المضغة إلى العظام ثم تكسى العظام لحماً؟!

وأمّا المرحلة الأخيرة للجنين ـ وهي مرحلة نفخ الروح ـ فقد عبّر عنها

____________

1- س 23 المؤمنون، الآية: 12 ـ 14.

2- البحار 3: 68، الباب 4 من كتاب التوحيد.

3- إشارة إلى الآية 6 من سورة 39 الزمر.


الصفحة 65


القرآن بتعبير متميّز عن باقي المراحل فقال: (ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَر). وقد ورد في الحديث عن الإمام الباقر(عليه السلام) تفسير إنشائه خلقاً آخر بنفخ الروح فيه(1). وطبعاً المقصود بذلك نفخ الروح الإنسانية، فلا ينافي ذلك ما لا يشكّ فيه العلم من حياة الجنين من أوّل يومه حياة أشبه بالحياة النباتية، فترى الجنين يمتلك في مرحلة معيّنة من الحسّ والحركة ما لم يكن يمتلكهما من قبل. ويحكم الفقه على من قتله بالدية الكاملة بينما لم يكن يحكم بذلك من قبل. ثم عبّر القرآن لتبجيل هذا الخلق في هذه المرحلة الجديدة وتبريكه بتعبير لم يعبّر عنه في أيّ خلق آخر وهو قوله تعالى: (فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِين) وحتى خلق السماوات والأرض الذي وصفه الله تعالى بأنّه أكبر من خلق الناس(2) لم يبارك له الله بتعبير كهذا.

نزرٌ يسير من آيات الحكمة في الجنين:

1 ـ مقرّ الجنين:

(ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَار مَّكِين)(3).

أيّ قرار أمكن له وأحفظ من الصدمات ممّا وقع بين سلسلة الفقرات والأضلاع والخاصرتين وعظام الظهر وعضلات البطن من ناحية وجعل في مشيمة مليئة بماء لزج من ناحية اُخرى، فيعلّق في هذا الماء الذي يأخذ عنه ثقله فيأمن من الضغوط التي قد تتجه إلى بدن الاُم أو بطنها، فلا تؤثّر فيه على رغم من نعومته ودقّته، وأيضاً يحفظ له هذا الماء وهذه المشيمة ضمن درجة حرارة

____________

1- راجع پيام قرآن 2: 77 نقلاً عن تفسير نور الثقلين 3: 541، الحديث 56 و57.

2- إشارة إلى الآية: 57 من سورة (40) غافر.

3- س 23 المؤمنون الآية: 13.


الصفحة 66


في مستوى معتدل أمام الحرارة أو البرودة التي قد يتعرّض لها جسم الاُم فجأة؟!

2 ـ تغذية الجنين:

الجنين بحاجة إلى الغذاء والماء ومعدته بعدُ لم تتهيّأ للعمل، وبحاجة إلى الاُوكسجين ورئتاه لم تتهيّأ بعدُ للتنفس، فيصله الطعام والماء بواسطة العروق والأوردة التي تأخذهما له بعد التصفية من قلب الاُمّ من ناحية، وبواسطة الحبل المتصل بصرّته من ناحية اُخرى، ويصله الاُوكسجين بعد تصفية الهواء الذي تتنفّسه الاُمّ عن طريق جريان الدم في جسمها.

3 ـ ولادة الجنين:

(ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً)(1).

من الذي علّم الطفل حين الولادة أن ينقلب على رأسه بالرغم من أنّه حين استقراره في الرحم تكون رجلاه هما اللتين تليان باب الخروج؟ أفهل كان يعلم صعوبة بدء الخروج من جهة الرجلين؟! ومن الذي يجعل كلّ عضلات الاُم تضغط بشدّة على الجنين لإخراجه؟! ومن الذي يرطّب ويليّن عضلات الباب قبيل الخروج؟!

العبرة:

(أَوَلَمْ يَرَ الاِْنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَة فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِين)(2).

سبحان القادر الحليم الذي يخلق الإنسان من أقذر شيء وهي النطفة، ثم إذا قوي بقدرة الله تعالى وإفاضته المستمرّة أصبح خصيماً لله عزّ وجلّ ومنازعاً له

____________

1- س 40 غافر، الآية: 67.

2- س 36 يس، الآية: 77.


الصفحة 67


ومخالفاً لأوامره ونواهيه، وما ألأم هذا الإنسان!

ولنعم ما قالته الشاعرة الفارسية:

(21) كشتى اى زآسيب موجى هولناك

رفت وقتى سوى غرقاب هلاك

(22) تند بادى كرد سيرش را تباه

روزگار اهل كشتى شد سياه

(25) بندها را تار وپود از هم گسيخت

موج از هر جا كه راهى يافت ريخت

(26) هر چه بود از مال ومردم آب برد

زان گروه رفته طفلى ماند خرد

(27) طفل مسكين چون كبوتر پر گرفت

بحر را چون دامن مادر گرفت

(28) موجش اوّل وهله چون طومار كرد

تندباد انديشه پيكار كرد

(29) بحر را گفتم دگر طوفان مكن

اين بناى شوق را ويران مكن

(30) در ميان مستمندان فرق نيست

اين غريق خُرد بهر غرق نيست

(31) صخره را گفتم مكن با او ستيز

قطره را گفتم بدان جانب مريز

(32) اَمر دادم باد را كان شير خوار

گيرد از دريا گذارد در كنار

(33) سنگ را گفتم بزيرش نرم شو

برف را گفتم كه آب گرم شو

(34) صبح را گفتم برويش خنده كن

نور را گفتم دلش را زنده كن

(35) لاله را گفتم كه نزديكش بروى

ژاله را گفتم كه رخسارش بشوى

(36) خار را گفتم كه خلخالش مكن

مار را گفتم كه طفلك را مزن

(37) رنج را گفتم كه صبرش اندك است

اَشك را گفتم مكاهش كودك است

(38) گرگ را گفتم تَنِ خردش مَدَر

دزد را گفتم گلو بندش مبر

(39) بخت را گفتم جهانداريش ده

هوش را گفتم كه هشياريش ده

(40) تيرگيها را نمودم روشنى

ترسها را جمله كردم ايمنى

(52) وا رهانديم آن غريق بى نوا

تا رهيد از مرگ شد صيد هوا


الصفحة 68


(53) آخر آن نور تجلّى دود شد

آن يتيم بى گنه نمرود شد(1)

تفترض هذه الشاعرة أنّ قصّة "نمرود" هذا الخصيم المبين الذي حُفظ من الغرق حين طفولته ونعومة أظفاره قد اُلقيت بالوحي أو الإلهام إلى اُمّ موسى بن عمران(عليه السلام)حين ألقت ابنها في البحر بأمر من الله تعالى كما ورد في القرآن: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ *... وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلاَ أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِين)(2) فكأنّ الربط على قلبها كان بإيحاء قصة نمرود إليها حينما تشوّشت على ولدها فقد قالت الشاعرة:

(5) وحى آمد كاين چه فكر باطل است

رهرو ما اينك اندر منزل است

(6) پرده شك را بر انداز از ميان

تا ببينى سود كردى يا زيان

(7) ما گرفتيم آنچه را انداختى

دست حقّ را ديدى ونشناختى

(61) ما كه دشمن را چنين ميپروريم

دوستان را از نظر چون ميبريم

(62) آنكه با نمرود اين احسان كند

ظلم كى با موسى عمران كند(3)

ويناسب البيتين الأخيرين بيتان رائعان فارسيان للشاعر المعروف سعدى:

اى كريمى كه از خزانه غيب

گبر وترسا وظيفه خور دارى

دوستان را كجا كنى محروم

تو كه با دشمنان نظر دارى

____________

1- ديوان "پروين اعتصامي"، القصيدة: 182.

2- س 28 القصص، الآية: 7 والآية: 10.

3- ديوان "پروين اعتصامي"، القصيدة 182.


الصفحة 69


الثامن ـ السماوات والأرض:

(لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالاَْرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُون)(1).

إشارات مختصرة:

1 ـ سعة السماوات:

قالوا(2): إنّ منظومتنا الشمسيّة تتعلّق بمجرّتنا المشتملة على مئة مليار من الكواكب، وشمسنا تعتبر من الكواكب المتوسطة الحجم علماً بأنّ الشمس أكبر من الأرض بمليون مرّة على الأقل، وأنّ مجرّتنا واحدة ـ على الأقل ـ من مليار مجرّة، هذا في حدود ما اكتشف حتى زمان قريب، والله أعلم بما سيكتشف مستقبلاً أو ما يبقى مجهولاً للبشرية إلى الأبد.

2 ـ (وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْد وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ * وَالاَْرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُون)(3).

يبدو أنّ هذه الآية الشريفة تحدّثنا من قبل ما يزيد على أربعة عشر قرناً عن توسيع السماء المحيطة بنا، أو قل: عن توسيع العالم، واليوم أي بعد أربعة عشر قرناً يقول العلماء: إنّ فضاء العالم الذي يضم مليارات من المجرّات هو في حالة توسع وانبساط سريع(4).

3 ـ أعمدة السماء:

(اللّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَد تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَل مُّسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاء رَبِّكُمْ

____________

1- س 40 غافر، الآية: 57.

2- راجع پيام قرآن 2: 175 ـ 176.

3- س 51 الذاريات، الآية: 47 ـ 48.

4- راجع پيام قرآن 2: 170.


الصفحة 70


تُوقِنُون)(1).

تنبئنا هذه الآية عن أعمدة غير مرئية رفعت السماوات عليها، وكأنّ المقصود بذلك ـ في حدود اكتشافات القرن الرابع عشر من بعد نزول الآية ـ هو التعادل بين القوّتين الجاذبة والدافعة.

والغفلة عن كلمة (تَرَوْنَهَا) أوجبت توهّم أحد الرواة ـ وهو الحسين بن خالد ـ بأنّ هذه الآية تنفي الأعمدة نفياً تامّاً، فلا يبقى ارتباط أو تشابك بين السماء والأرض، ومن هنا نرى أنّه حينما سأل الرضا(عليه السلام) عن قول الله عزّ وجلّ: (وَالسَّمَاء ذَاتِ الْحُبُك)(2) فقال له الإمام(عليه السلام): "هي محبوكة إلى الأرض" وشبك بين أصابعه، قال له: كيف تكون محبوكة إلى الأرض والله يقول:(رفع السماء بغير عمد ترونها)؟ فقال(عليه السلام): "سبحان الله! أليس الله يقول: (بِغَيْرِ عَمَد تَرَوْنَهَا)؟" قال: بلى، فقال(عليه السلام): "ثَمّ عمد ولكن لا ترونها..."(3).

ولعل المقصود بعمود من نور في الحديث الآتي أيضاً هو تعادل القوّتين الجاذبة والدافعة، والحديث هو صحيحة ابن أبي عمير عن بعض أصحابنا عن أبي عبدالله(عليه السلام) قال: "قال أمير المؤمنين(عليه السلام): هذه النجوم التي في السماء مدائن مثل المدائن التي في الأرض مربوطة كلّ مدينة إلى عمود من نور، طول ذلك العمود في السماء مسيرة مئتين وخمسين سنة"(4).

4 ـ السقف المحفوظ:

(وَجَعَلْنَا السَّمَاء سَقْفًا مَّحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُون)(5).

جاء في كتاب پيام قرآن(6): يحتمل أن تكون السماء هنا إشارة إلى كرة

____________

1- س 13 الرعد، الآية: 2.

2- س 51 الذاريات، الآية: 7.

3- تفسير القمّي 2: 328.

4- البحار 58: 91.

5- س 21 الأنبياء، الآية: 32.

6- پيام قرآن 3: 171 ـ 172.


الصفحة 71


الهواء المطوّقة للأرض والبالغ حجمها مئات الكيلومترات، وهي تمنع عن نفوذ الأشعّة المهلكة من ناحية، وعن اصطدام الأحجار السماويّة بالأرض من ناحية اُخرى، فإنّها تقلل سرعة تلك الأحجار من جهة، وتؤدّي إلى احتراقها باحتكاكها بالكرة الهوائية من جهة اُخرى، ثم ينقل عن لسان أحد العلماء المكتشفين باسم فرانك آلن أنّ جوّاً مملوءاً بالغازات الحافظة محيط بالأرض يقرب حجمه من ثمان مئة كيلومتر، وهو كالدرع الواقي لها من بلاء عشرين مليون من الأحجار السماويّة التي تهبط بسرعة خمسين كيلومتراً في الثانية.

ثم يقول: صحيحٌ أنّ بعض الشهب النازلة من السماء خفيفة يصل وزنها إلى جزء واحد من ألف جزء من الغرام، ولكن الطاقة التي تتولّد من سرعة نزولها تساوي طاقة انفجار نووي ذرّي، وقد يتّفق أن يكون بعض الشهب ثقيلاً فيخرق الغلاف الجوي ويُضرم الحرائق في الأرض، وكأنّه تنبيه للبشريّة على أنّه لولا هذا الغلاف الواقي ماذا سيحلّ بكم؟!

5 ـ (وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا)(1).

نحن على العموم غير مطّلعين على الأمر الذي أوحى به الله في كلّ سماء، ولكنّنانعلم بشيء واحد وهو دقّة النظم الحاكم على السماء كدقّة النظم الحاكم على الأرض، وعلى سبيل المثال ورد في پيام قرآن(2) ما يلي:

أ ـ أرسل الإنسان سفينة فضائيّة إلى القمر وأنزلها على نقطة معيّنة منه ثم أرجعها إلى الأرض، ولا شك أنّ الأرض كانت تدور حول نفسها خلال أيّام هذا السفر، وكان يتغيّر مكانها حول الشمس، وكان القمر أيضاً يدور حول نفسه ويدور أيضاً حول الأرض، فهل يمكن تضمين نزول السفينة على النقطة المقصودة في القمر، ثم إرجاعها إلى النقطة المقصودة في الأرض لولا دقّة هذه

____________

1- س 41 فصّلت، الآية: 12.

2- پيام قرآن 2: 177 ـ 178.


الصفحة 72


الحركات جميعاً ونظمها حتى يمكن حسابها دقيقاً بالعقول الالكترونية؟! ولو كان يتخلّف شيء من هذه الحركات عن النظم في ثانية من الوقت لاختلطت المحاسبات ولعقمت التجربة.

ب ـ الفلكيّون يتنبّؤون بحوادث الخسوف والكسوف لمدّة عشرات السنين المستقبلية، ويتنبّؤون بمقادير ساعات الليل والنهار وطلوع الشمس والقمر وغروبهما، فهل كان ذلك بالإمكان لولا النظم الدقيق في حركات هذه الكواكب؟!

ج ـ لولا تعادل قوّتي الجذب والدفع لجميع الكواكب السيّارة لتضاربت أو تناثرت، ونحن نعلم أنّ قوّة الجذب متناسبة طردياً لأجرام الموجودات وعكسياً لمجذور الفاصل بينها، إذن لابدّ من حفظ النظم الدقيق في مقادير الأجرام وفي الفواصل بينها وسرعة حركتها وبطئها، وهل يمكن ذلك كله من دون دخل علم لا متناه وإدراك بالغ؟!

العبرة:

(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ الليْلِ وَالنَّهَارِ لآيَات لاُِّوْلِي الألْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَار * رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ * رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَاد)(1).

انظر في هذه الآيات كيف ربطت بين ملاحظة آيات الله في السماوات

____________

1- س 3 آل عمران، الآية 190 ـ 194.


الصفحة 73


والأرض واختلاف الليل والنهار والذي كان هو دليلنا على وجود الله، وبين الاعتبار الروحي بهذه الآيات المذكّرة بالله والنافية لاحتمال خلقها خلقاً باطلاً من دون حساب أو كتاب لمن خُلقت له هذه الآيات ألا وهو الإنسان.

وقد روي عن ابن عمر أنّه قال: "قلت لعائشة: أخبريني بأعجب ما رأيت من رسول اللهe فبكت وأطالت ثم قالت: كلّ أمره عجب، أتاني في ليلتي فدخل في لحافي حتى ألصق جلده بجلدي ثم قال لي: يا عائشة، هل لك أن تأذني لي الليلة في عبادة ربّي؟ فقلت: يا رسول الله، إنّي لاُحبّ قربك واُحبّ مرادك قد أذنت لك، فقام إلى قربة من ماء في البيت فتوضّأ ولم يكثر من صبّ الماء، ثم قام يصلّي فقرأ من القرآن وجعل يبكي، ثم رفع يديه فجعل يبكي حتى رأيت دموعه قد بلّت الأرض، فأتاه بلال يؤذنه بصلاة الغداة فرآه يبكي، فقال له: يا رسول الله، أتبكي وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر؟! فقال: يا بلال، أفلا أكون عبداً شكوراً؟! ثم قال: ما لي لا أبكي وقد أنزل الله في هذه الليلة:(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْض...)، ثم قال: ويل لمن قرأها ولم يتفكّر فيها". وروي "ويل لمن لاكها بين فكّيه ولم يتأمّل فيها"(1).

وقال الشيخ الطبرسي(قدس سره) في مجمع البيان: "ورد عن الأئمّة من آل محمّد eالأمر بقراءة هذه الآيات الخمس وقت القيام بالليل للصلاة وفي الضجعة وبعد ركعتي الفجر"(2).

وقد روى الشيخ الطوسي(رحمه الله) بسند صحيح عن معاوية بن وهب قال: "سمعت أبا عبدالله(عليه السلام) يقول ـ وذكر صلاة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ـ: كان يؤتى بطهور فيخمّر عند رأسه ويوضع سواكه تحت فراشه ثم ينام ماشاء الله، فإذا استيقظ جلس ثم قلّب بصره في السماء، ثم تلا الآيات من آل عمران: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ

____________

1- تفسير فخر الرازي 9: 133 ـ 134.

2- مجمع البيان، في ذيل هذه الآيات.


الصفحة 74


وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ الليْلِ وَالنَّهَار...)، ثم يستنّ ويتطهّر ثم يقوم إلى المسجد فيركع أربع ركعات على قدر قراءته ركوعه، وسجوده على قدر ركوعه، يركع حتى يقال: متى يرفع رأسه؟ ويسجد حتى يقال: متى يرفع رأسه؟ ثم يعود إلى فراشه فينام ماشاء الله، ثم يستيقظ فيجلس فيتلو الآيات من آل عمران، ويقلّب بصره في السماء، ثم يستنّ ويتطهّر ويقوم إلى المسجد فيصلّي أربع ركعات كما ركع قبل ذلك، ثم يعود إلى فراشه فينام ماشاء الله، ثم يستيقظ فيجلس فيتلو الآيات من آل عمران ويقلّب بصره في السماء، ثم يستنّ ويتطهّر ويقوم إلى المسجد فيوتر ويصلّي الركعتين، ثم يخرج إلى الصلاة"(1).

وروى حبّة العرني قال: "بينا أنا ونوف نائمين في رحبة القصر إذ نحن بأمير المؤمنين(عليه السلام) في بقيّة من الليل واضعاً يده على الحائط شبه الواله وهو يقول: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْض...). قال: ثم جعل يقرأ هذه الآيات ويمرّ شبه الطائر عقله، فقال: أراقد يا حبّة أم رامق؟ قلت: رامق، هذا أنت تعمل هذا العمل فكيف نحن؟ فأرخى عينيه فبكى ثم قال لي: يا حبّة، إنّ لله موقفاً ولنا بين يديه موقف لا يخفى عليه شيء من أعمالنا، يا حبّة، إنّ الله أقرب إليك وإليّ من حبل الوريد، يا حبّة، إنّه لن يحجبني ولا إيّاك عن الله شيء. قال: ثم قال: أراقد أنت يا نوف؟ قال: لا يا أمير المؤمنين ما أنا براقد ولقد أطلت بكائي هذه الليلة. فقال: يا نوف، إن طال بكاؤك في هذا الليل مخافة من الله عزّ وجل قرّت عيناك غداً بين يدي الله عزّ وجلّ، يا نوف، إنّه ليس من قطرة قطرت من عين رجل من خشية الله إلاّ أطفأت بحاراً من النيران، يا نوف، إنّه ليس من رجل أعظم منزلة عند الله من رجل بكى من خشية الله وأحبّ في الله وأبغض في الله، يا نوف، من أحبّ في الله لم يستأثر على محبّته، ومن أبغض في الله لم ينل

____________

1- تهذيب الأحكام 2: 334، الباب 15 من كتاب الصلاة، الحديث 233.


الصفحة 75


مبغضيه خيراً، عند ذلك استكملتم حقائق الإيمان. ثم وعظهما وذكّرهما وقال في أواخره: فكونوا من الله على حذر فقد أنذرتكما، ثم جعل يمرّ وهو يقول: ليت شعري في غفلاتي أمعرض أنت عنّي أم ناظر إليّ؟ وليت شعري في طول منامي وقلّة شكري في نعمك عليّ ما حالي؟ قال: فوالله ما زال في هذا الحال حتى طلع الفجر"(1).

أختم حديثي عن آيات الله سبحانه وتعالى بالكلمة المرويّة عن الإمام الرضا(عليه السلام): "إنّي لمّا نظرت إلى جسدي فلم يُمكنّي زيادة ولا نقصان في العرض والطول ودفع المكاره عنه وجرّ المنفعة إليه علمت أنّ لهذا البنيان بانياً، فأقررت به مع ما أرى من دوران الفلك بقدرته، وإنشاء السحاب وتصريف الرياح ومجرى الشمس والقمر والنجوم وغير ذلك من الآيات العجيبات المتقنات علمت أنّ لهذا مقدِّراً ومُنشئاً"(2).

وهنا أترك الحديث عن آيات الله ودلائل قصده وحكمته علماً بأنّ هذا البحث لو مُدّد إلى يوم القيامة لما بلغ منتهاه:

(قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا)(3)، (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِن شَجَرَة أَقْلاَمٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُر مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيم)(4).

____________

1- فلاح السائل: 266 ـ 267.

2- عيون أخبار الرضا(عليه السلام) 1: 132، الباب 11 ما جاء عن الرضا(عليه السلام) من الأخبار في التوحيد، الحديث 28.

3- س 18 الكهف، الآية: 109.

4- س 31 لقمان، الآية: 27.