فهرس الحلقة الثانية

المكتبة الصوتية

المؤلفات

الصفحة الرئيسية

 

 المدخل

 

 انَّ العمل في سبيل تزكية النفس ضروريٌّ لكلِّ انسان مؤمن الى اخر عمره، ولن يصل الى مستوىً يغنيه عن مجاهدة النفس وطلب التقوى والتزكية؛ وذلك لأمرين:

 اوّلاً : انَّ الكمال لا يتناهى - والكمال المطلق هو اللَّه سبحانه وتعالى - فلن يصلَ العبد يوما ما الى نهاية طريقٍ غير متناهٍ فلا يحقُّ له ان يقول يوما: انَّني اكتفيت.

 وثانيا : انَّه لو فُرِضَ لأَحد من السالكين ان اراد - لا سمح اللَّه - الوقوف على حدٍّ معين من التزكية، فليس تركه لعمليّة المجاهدة والتزكية سببا لوقوفه في حدِّه، بل يكون سببا لتراجعه القهقرى، تماما كالجسد الذي لو لم يصله طعامه لتحلَّلت قواه، ولانهدَّت اركانُه.

 وقلَّ ما يصل احدٌ الى مستوى من قال اللَّه تعالى بشانه: واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَا الّذِي اتَيْنَاهُ ايَاتِنا... فسواءٌ فُسِّرت الايات التي اتاها اللَّه تعالى ايِّاه بمعنى اسماء اللَّه العظمى، او بايِّ تفسير اخر، لا اشكال في انَّ هذا التعبير يدلُّ على وصول هذا الشخص الى مقامات سامية يندر ان يصلَ اليها احد، ولكنّه مع ذلك لم يسلم من الانزلاق الى حدٍّ انَّ اللَّه - سبحانه - قال بشانه: فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَاتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الغَاوِينَ× ولَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ اخْلَدَ الى الارْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ انْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ اوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذينَ كَذَّبُوا بِايَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ.

 ويندر ان يصل احدنا في المقامات السامية الى ما وصل اليه ابليس الذي قيل عنه: انَّه اصبح معلِّما للملائكة، والذي ورد بشانه في نهج البلاغة قوله‏عليه السلام : (فاعتبروا بما كان من فعل اللَّه بابليس اذ احبط عمله الطويل وجهده الجهيد - وكان قد عبد اللَّه ستَّة الاف سنة لا يُدرى امن سِني الدنيا ام من سِني الاخرة - عن كبر ساعة واحدة، فمن ذا بعد ابليس يسلم على اللَّه بمثل معصيته؟! كلَّا ما كان اللَّه سبحانه ليُدخِل الجنَّة بشرا بامر اخرج به منها ملكا، انَّ حكمه في اهل السماء واهل الارض لواحد، وما بين اللَّه وبين احد من خلقه هوادة في اباحة حمىً حرَّمه على العالمين...).

 الم تسمع قِصَّة محمّد بن عليّ بن بلال الذي كان من ثقات الامام العسكري‏عليه السلام ، وبلغ من الشان انَّ ابا القاسم حسين بن روح ؛ الذي صار بعد ذلك احد النوَّاب الخاصِّين للإِمام عليه السلام  كان يراجعه في الاسترشاد به فيما اختلف فيه الشيعة من التفويض وغيره، ولكنَّه بعد ذلك اخلد الى الارض واتَّبع هواه، وادَّعى البابيَّة، وورد التبرِّي منه من قبل الامام صاحب الزمان - عجَّل اللَّه تعالى فرجه - على يد ابي جعفر محمّد بن عثمان.

 وقد ورد عن الرضا عليه السلام  ، عن ابيه، عن ابائه، عن امير المؤمنين عليه السلام  انَّه قال: »الدنيا كلُّها جهل الا مواضع العلم، والعلم كلُّه حُجَّة الا ما عمل به، والعمل كلُّه رياء الا ما كان مخلصا، والاخلاص على خطر حتى ينظر العبد بما يُختَم له«.

 وبهذا نفهم انَّنا يجب ان نكون دائما على حذر من سوء العاقبة ولابدَّ لنا من تحصيل علاج لمشكلة سوء العاقبة.

 وعلاج مشكلة سوء العاقبة عبارة عن مجموع امرين :

 الامر الاوَّل : التضرُّع الى اللَّه سبحانه وتعالى وطلب حسن العاقبة منه، كما يشهد لذلك ما ورد بشان احمد بن هلال العبرتائي الذي كان صالحا في اوَّل امره، وقد حجَّ اربعا وخمسين حِجَّة، عشرون منها على قدميه، وكان رواة اصحابنا بالعراق قد لقوه وكتبوا منه، ثُمَّ خرج ذمُّه من قبل امامنا ابي محمّد العسكري سلام اللَّه عليه، وكتب عليه السلام  الى قوَّامه بالعراق: (احذروا الصوفيَّ المتصنِّع) فانكر رواة اصحابنا في العراق ماورد بذمِّه، فحملوا القاسم بن علاء على ان يراجع في امره، فخرج مرَّة اخرى ذمُّه والتبرِّي منه، فثبت قوم على انكار ما خرج فيه، فعاودوه فيه، فخرج: (لا شكر اللَّه قدره، لم يدعُ المرء ربَّه بان لايزيغ قلبه بعد ان هداه، وان يجعل ما منَّ به عليه مُستقرّا ولا يجعله مُسْتَوْدعا...).

 والامر الثاني : ان يعمد الانسان الى عدم خروج النكتة السوداء في قلبه؛ وذلك بترك الذنب. ولو خرجت يعمد الى علاجها ومحوها بالتوبة قبل ان تتَّسع، فانَّ في سَعتها خطرَ استيعاب السواد للقلب، وسقوط الانسان الى ما لا رجعة له منه، كما ورد في الحديث عن ابي بصير قال: سمعت ابا عبداللَّه عليه السلام  يقول: (اذا اذنب الرجل خرج في قلبه نكتة سوداء، فان تاب انمحت، وان زاد زادت حتى تغلب على قلبه، فلا يفلح بعدها ابدا).

 وورد عن زرارة، عن ابي جعفر عليه السلام  قال: (ما من عبد الا وفي قلبه نكتة بيضاء، فاذا اذنب ذنبا خرج في النكتة نكتة سوداء، فان تاب ذهب ذلك السواد، وان تمادى في الذنوب زاد ذلك السواد حتى يغطِّي البياض، فاذا غطَّى البياض لم يرجع صاحبه الى خير ابدا، وهو قول اللَّه عزَّ وجلَّ: بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُون).

 وقد ورد عن ابي محمّد الحسن العسكري عليه السلام ، عن ابائه : ، قال: كتب الصادق‏عليه السلام  الى بعض الناس : (ان اردت ان يُختمَ بخير عملك حتى تُقبض وانت في احسن الاعمال، فعظِّم للَّه حقَّه، ان تبذل نعمائه في معاصيه، وان تغترَّ بحلمه عنك، واكرمْ كلَّ مَنْ وجدته يذكرنا او ينتحل مودَّتنا، ثُمَّ ليس عليك صادقا كان او كاذبا، انَّما لك نيَّتك وعليه كذبه).

 انَّ السلوك الى اللَّه - سبحانه وتعالى - بعد تكميل اصول العقائد بحاجة الى اركان ثلاثة: الى كتاب يكون دستورا لعمله، والى عبادة بينه وبين ربِّه يختلي فيها مع اللَّه سبحانه، والى سلوك مع الطبيعة ومع الناس، او قلْ: ارتباط مع المخلوقات ، فالكتاب الاوَّل هو: القران الكريم، والعبادة الاولى هي: الصلاة، والارتباط الاوّل بالطبيعة وبالناس هو: كشف اسرار الطبيعة، واستثمارها في سبيل مصالح الناس وارتباط الرعاية، والهداية، وقضاء الحوائج للناس. وبكلمة مختصرة: العمل معهم بما تقتضيه خلافة اللَّه عزَّ وجلَّ على وجه الارض.

 وممَّا يشهد للأوّل - اعني ضرورة جعل القران كتابا للدستور والتدبُّر فيه - قوله سبحانه وتعالى : افَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْانَ امْ عَلَى قُلُوبٍ اقْفالُهَا.

 وممَّا يشهد للثاني - اعني: انَّ اوّل العبادات التي يتقرَّب بها الى اللَّه والتي تكون هي اساس تهذيب النفس - قوله تعالى: انَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ والمُنْكَرِ....

 وممَّا يشهد للثالث - اعني: ضرورة كون الارتباط بالطبيعة والناس ارتباط الخلافة - قوله سبحانه وتعالى: انِّي جَاعِلٌ فِي الارْضِ خَلِيفَةً....

 فانَّ الذي يبدو لنا: انَّ المقصود بالخلافة خلافة اللَّه، وليس خلافة انسان سابق على وجه الارض؛ لأَنَّ المتكلم اذا اطلق كلمة  الخليفة  واراد الخلافة عن غير نفسه، كان عليه ذكر غيره. وايضا الذي يبدو لنا هو: انَّ المقصود خلافة البشر لاخلافة ادم عليه السلام  بالخصوص، كما يشهد لذلك اعتراض الملائكة بقولهم: اتَجْعَل فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ....

 وعليه نحصر حديثنا في المَدخل بكلمات مختصرة عن خمس نقاط :

 الاولى - ما يظهر من الايات المباركات من الربط الوثيق بين القران والصلاة.

 الثانية - التاكيد على كون القران هو الكتاب الاوّل لدُسْتُور السالك الى اللَّه تعالى.

 الثالثة - التاكيد على انَّ الصلاة هي العمل الاوّل والاساس لتهذيب النفس.

 الرابعة - التاكيد على ضرورة العمل الاجتماعي مع الناس ومع الطبيعة، وانَّ ذلك لا ينافي العمل في سبيل تهذيب النفس وتزكيتها، بل بالامكان ان يجعل ذلك بندا من بنود التهذيب والتزكية.

 الخامسة - التمييز بين العارفين بالعرفان الصحيح ، والمتصوِّفة او العرفاء الكاذبين.