فهرس الحلقة الثالثة

المكتبة الصوتية

المؤلفات

الصفحة الرئيسية

 

الحلقة الثالثة

البحث العملي لتزكية النفس

 

الفصل الأول

التوبة والإنابة

 

 متى نبدأ ؟ ومن أين نبدأ ؟

 هذان سؤالان نواجههما بادئ ذي بدء، ونحاول الإجابة عنهما :

 متى نبدأ ؟

 هل نبدأ بتزكية النفس من بعد انتهاء الشباب، بدليل أنّ فترة الشباب هي فترة طغيان النفس وفوران الشهوات، وبعد هذه الفترة نكون أقدر على تهذيب النفس وتزكيتها ؟

 چون پير شدى حافظ از ميكده بيرون آى

رندىّ و هوسناكى در عهد شباب اولى

 والواقع على العكس من ذلك تماماً، فلو ضَمِنَ لنا أحد الوصول إلى فترة مابعد الشباب وعدم مباغتة الموت، قبلَ ذلك:

 فأوّلاً - يكون التمادي في المعاصي والشهوات في حالة الشباب مانعاً عن التزكية لدى الشيب؛ لأنّ ذلك يوجب ظلمة القلب وانكسار قوة الضمير والوجدان، ولهذا ستكون التوب لدى الشيب أصعب بكثير من ترك الذنوب لدىالشباب.

 وثانياً - إنّ الضعف الذي يستولي على الإنسان لدى الشيب يوجب صعوبة الصبر على مشقّة التزكية ومخالفة النفس.

 وثالثاً - إنّ أكثر الشهوات تزداد لهيباً واشتعالاً لدى الشيب، فلو كانت شهوة الجنس تَخِفّ أو تخمد لدى الشيب -وهي أمر فطريّ يمكن إشباعه لدى الشباب بالطُرُق المحلّلة عادة - فهناك شهوات اُخرى تشتعل وتَلْتَهِب أكثر فأكثر بتقدّم العمر، ويشيب ابن آدم وتشبّ فيه خصلتان: الحرص وطول الأمل، فعن رسول اللَّه‏ صلى الله عليه واله : ( يهرم ابن آدم ويشبّ منه اثنان: الحرص على المال والحرص على العمر).

 وعنه‏ صلى الله عليه واله : (يهلك - أو قال - يهرم ابن آدم ويبقى منه اثنتان الحرص والأمل).

 وعن طُرُق العامّة عن رسول اللَّه‏ صلى الله عليه واله  : (حبّ الشيخ شابّ في طلب الدنيا وإن التفّت ترقوتاه من الكِبَر، إلّا الذين اتقوا، وقليل ماهم).

 وإفساد طول الأمل وكذلك اتِّباع الهوى على الإطلاق للنفس أكثر بكثير من مجرّد فوران شهوة الجنس في الشابّ. وقد ورد عن امير المؤمنين‏ عليه السلام  أنّه قال: (ألا إنّ أخوف ما أخاف عليكم خصلتان: اتِّباع الهوى وطول الأمل، أمّا اتِّباع الهوى فيصدّ عن الحقّ، وأمّا طول الأمل فيُنسي الآخرة). وليس اتِّباع شهوة الجنس إلّا جزءاً يسيراً من اتِّباع الهوى.

 إذن فتجب المبادرة إلى تهذيب الروح وتزكية النفس من أوّل سني البلوغ وأوّل حالة الشباب. وقد ورد عن الصادق  عليه السلام  في تفسير قوله تعالى: ( ... أوَلَم نعمّركم ما يتذكّر فيه من تذكّر... أنّه توبيخ لابن ثماني عشر سنة). ولئن استطاع أحد أن يربّي نفسه قبل سني البلوغ كي لا تزل به قدمه بعد البلوغ ويكون ملتزماً بتكاليفه من أوّل البلوغ، لكان ذلك خيراً.

 وعلى أيّة حال، فمن لم يتوفّق للتزكية مبكّراً فالمفروض به أن يبادر إلى ذلك في أقرب وقت من أوقات عمره مهما فرض فوات الفرصة؛ لأنّه بقدر ما يؤخّر العمل بهذا الصدد ستزداد الصعوبات أمام نفسه أكثر فأكثر وتضيق الفرصة أكثر من ذي قبل. وقد ورد في الحديث عن الصادق‏ عليه السلام : انّه (مكتوب في التوراة نُحنا لكم فلم تبكوا، وشوّقناكم فلم تشتاقوا... أبناء الأربعين أُوفوا للحساب، أبناء الخمسين زرع قد دنا حصاده، أبناء الستين ماذا قدّمتم وماذا أخّرتم، أبناء السبعين عدّوا أنفسكم في الموتى...) ولنعم ما قيل:

 أعينيّ لم لا تبكيان على عمري                  تناثر عمري من يديّ ولا أدري

 إذا كنت قد جاوزت خمسين حجةً                ولم اتأهب للمعاد فما عذري

 ولنعم ما قيل بالفارسية :

 چو در موى سياه آمد سفيدى             پد يد آمد نشان نا اميدى

 زپنبه شد بنا گوشت كفن پوش           هنوز اين پنبه بيرون نارى از گوش

 وأيضاً نعم ما قيل بالفارسية :

 دوشم از سر رفت خواب و ميگذشت         با غم دل چون دگر شبهاى من

 تيك تاك ساعت آوردم بخود                     در سخن شد ناصح گوياى من

 با زبان عقربك ميگفت عُمْر                   مى‏روم بشنو صداى پاى من

 روز اگر سر گرم خواب غفلتى                 در دل شب گوش كن آواى من

 تو أسير آرزوهاى زمان                         لحظه غافل نه از يغماى من

 اى ندانسته بهاى عمر خويش                   نيستت آخر چرا پرواى من

 از نداى عُمْر بر احوال خويش                   نوحه گرشد طبع غم افزاى من

 عمر من سرمايه من هست ونيست           هم بر اين سرمايه استيلاى من

 در كمين من زمان تندرو                        عاجز از تدبير كارش راى من

 بى خبر از سرنوشت خويشتن                   زندگى شد خواب وحشتناى من

 اى زمان اى سود من از تو زيان              اى محال از گردشت ابقاى من

 اين تو واين سير برق افزاى تو                وين من ووين رنج جان افزاى من

 ولنعم ما قيل :

 ألا يا أيها القمر المضي‏ء          إلى كم تذهبنّ وكم تجي‏ء

 ذهبت وفي ذهابك قصر عمري      رجعت وفي رجوعك لا يجي‏ء

 

 من أين نبدأ ؟

 كنت أتمنّى أن يكون بدء عملنا من ما فوق الصفر؛ لأنّه قد مضى من عمرنا عدد من السنين إن قليلاً أوكثيراً، فالمفروض أنّنا قد طوينا مساحة من الطريق ، فليست بداية عملنا الآن من الصفر.

 ولئن تنازلنا عن ذلك فإنّني كنت أتمنّى أن يكون بدء عملنا من الصفر، ومن صفحة بيضاء خالية عن الذنوب وعن الكمالات العرفانيّة.

 ولكن الذي يحرق القلب ويدمي الفؤاد ويُبكي العين أن بدء عملنا في الأعمّ الأغلب لابدّ أن يكون من تحت الصفر، أي: يجب علينا ان نبدأ بغَسل الصفحة السوداء في قلوبنا بماء التوبة؛ لأنّنا تنزّلنا وتدهورنا عن حدّ الاعتدال الفطري بسبب المعاصي والذنوب، فالآن يجب علينا ان نبدأ بإزالة ماهو ضدّ الكمال لابصعود مدارج الكمال من ارضٍ معتدلة وقلب صافٍ، ولكنّ الذي يسلّينا عن هذه المصيبة أنّنا لسنا وحدنا هكذا نمشي في الطريق، بل يمشي أمامنا في طريق التوبة المعصومون، وأنا أفهم أنّ هذا الكلام الذي قلته ليس منطقيّاً؛ لأن توبتهم‏عليهم السلام  تختلف سنخا عن توبتنا ؛ لأنّ ذنوبهم تختلف سنخاً عن ذنوبنا؛ وذلك بدليل العصمة، ولكن نبرّد أنفسنا بمجرد التشارك في الاسم، ونقول: يا ربّنا كيف لاتقبل توبتنا ونحن قافلة عظيمة أتيناك تائبين، وأمامنا في الطريق أنبياؤك المرسلون والأئمة المعصومون وأنت أكرم من أن تقبل توبة صدر القافلة وتوردهم مناهلك الرويّة ثُمّ تسدّ باب القبول على الذيول الوافدة التابعة لاؤلئك المقربين في سلوك الطريق.

 فهذا نبيّ اللَّه داود وهو معصوم عن الذنب بالمعنى الذي نفهمه من الذنب المألوف لدى غير المعصومين ولكن لهجته في التوبة عين لهجتنا حيث قال اللَّه تعالى: ... وظنّ داود أنما فتنّاه فاستغفر ربّه وخرّ راكعاً وأناب وهذا زين العابدين وسيد الساجدين يقول - على ما ورد في مناجاة التائبين - : (إلهي إن كان الندم على الذنب توبة فإنّي وعزّتك من النادمين، وإن كان الاستغفار من الخطيئة حِطّة فإنّي لك من المستغفرين، لك العتبى حتى ترضى...) ويقول -أيضاً- فيما رواه طووس الفقيه: (وعزّتك وجلالك ما أردت بمعصيتك مخالفتك، وما عصيت إذ عصيتك وأنا بك شاكّ ولا بنكالك جاهل ولا لعقوبتك متعرّض، ولكن سوّلت لي نفسي وأعانني على ذلك سترك المرخى به عليّ، فالآن من عذابك من يستنقذني؟ وبحبل من أعتصم إن قطعت حبلك عنّي؟ فوا سوأتاه غداً من الوقوف بين يديك إذا قيل للمخفّين: جوزوا ، وللمثقلين حطّوا، أمع المخفّين أجوز؟ أم مع المثقلين أحطّ...).

 وهنا أُكرّر أن توبتهم عليهم آلاف التحية والثناء تختلف سنخاً وهويّة عن توبتنا؛ لأنّ ذنوبهم تختلف سنخاً وهويّة عن ذنوبنا.

 وهنا اتبرّك بذكر كلام سيّد العارفين في زماننا الإمام الخميني‏رحمه الله  حيث يعتذر عن شرح انحاء التوبة المختلفة في السِّنخ في كتابه الاربعون حديثاً بقوله: (اعلم أنّ للتوبة حقائق ولطائف واسراراً، ولكلّ واحد من أهل السلوك إلى اللَّه توبة خاصّة تتناسب مع مقامه ، وحيث ان لاحظّ ولا نصيب لنا في تلك المقامات فلا يناسب شرحها والإسهاب في هذا الكتاب).

 أقول : وممّا يؤيّد ما أفاده - رضوان اللَّه عليه - من تعدد أنحاء التوبة بتعدّد المقامات التي وصل إليها العبد ما ورد في مصباح الشريعة عن الصادق‏ عليه السلام  : (التوبة حبل اللَّه ومدد عنايته، ولابدّ للعبد من مداومة التوبة على كلّ حال. وكل فرقة من العباد لهم توبة، فتوبة الأنبياء من اضطراب السرّ، وتوبة الأصفياء من التنفّس، وتوبة الأولياء من تلوين الخطرات، وتوبة الخاصّ من الاشتغال بغير اللَّه، وتوبة العامّ من الذنوب. ولكل واحد منهم معرفة وعلم في أصل توبته ومنتهى‏أمره...).

 والآن حان لنا وقت الدخول في بحث التوبة.

 قال اللَّه تعالى: انما التوبة على اللَّه للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب اللَّه عليهم وكان اللَّه عليماً حكيماً * وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إنّي تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفّار اولئك اعتدنا لهم عذاباً أليماً.

 وقال عزّ من قائل: والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا اللَّه فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلّا اللَّه ولم يصرّوا على ما فعلوا وهم يعلمون* اولئك جزاؤهم مغفرة من ربّهم وجنّات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيهاونعم أجر العاملين.

 وقال عزّ وجلّ: إلّا من تاب وآمن وعمل صالحاً فأولئك يبدل اللَّه سيئاتهم حسنات وكان اللَّه غفوراً رحيماً.

 وقال عزّ اسمه: قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة اللَّه إن اللَّه يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم * وأنيبوا الى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون * واتّبعوا أحسن ما أُنزل إليكم من ربّكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون * أن تقول نفس ياحسرتى على ما فرّطت في جنب اللَّه وإن كنت لمن الساخرين * أو تقول لو أن اللَّه هداني لكنت من المتقين * أو تقول حين ترى العذاب لو أنّ لي كرّة فأكون من ‏المحسنين.

 إنّ آيات التوبة في القرآن كثيرة، وكان اختياري لهذه الآيات الأربع بالذات لبدء الحديث في‏التوبة لنكات خاصّة بها:

 أما الآية الأُولى فالنكتة الخاصّة بها هي ما ورد فيها: من أنّ اللَّه -تعالى- فرض على نفسه التوبة على العبد التائب حيث قال: انما التوبة على اللَّه للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب... وكلمة على تعطي معنى الوجوب، فلاحظ رحمة الربّ - تعالى - الذي لا يجب عليه عقلاً قبول التوبة؛ لأنّ العبد العاصي بعد أن خالف نظام العبودية فهو لا محالة يستحق جزاء عمله، وليست التوبة ماحية لاستحقاقه، ولكنّك تقف إعظاماً وإكباراً للرحمة البارزة في هذه الآية الشريفة؛ إذ فرض اللَّه - تعالى - قبول التوبة أمراً واجباً على نفسه، وكأنّ عبده المذنب له حقّ دلالٍ على الربّ - تبارك وتعالى - يطالبه بما أوجبه على نفسه من المغفرة والرحمة والتوبة عليه.

 ولعل السبب في هذا - بعد وضوح سعة رحمته التي ستظهر في يوم القيامة حتى يطمع إبليس فيها - واضح، وهو: أنّ فرض العقاب على ذنوب العباد لم يكن بهدف التشفّي من العبد تعالى اللَّه عن ذلك علوّاً كبيراً، بل كان بهدف جعله رادعاً للعبد عن الهلاك وسقوطه في وادي الضلال وفي رذائل النفس وقبائح الأعمال، ومحفّزاً له على تزكية نفسه وتنمية الفضائل في ذاته، وتكميله في سلّم المعنويات بقدر قابليته، هذا بالنسبة لغير الخبيث الذي وصل استحقاقه للعقاب لولا أن يتوب إلى حدّ لا يكون قابلاً للعفو عنه، أمّا بالنسبة لهذا فهناك ملاك آخر للعقاب زائداً على ما مضى لسنا الآن بصدد شرحه. فإذا تاب العبد وأناب إلى ربّه فقد طهّر نفسه، واستعاد حسن سريرته، وبدأ يرقى مرقى الكمال، فقد تحقّق الهدف الذي كان كامناً من وراء فرض العقاب، فالربّ تعالى يكون -عندئذ - أعلى وأجل من أن يعاقبه، وهو تبارك وتعالى قد فرح - إن صحّ التعبير- بحصول الهدف المنشود، وهو: هداية العبد. فقد ورد في الحديث عن أبي عبيدة الحذّاء قال: (سمعت أبا جعفر عليه السلام : ألا إنّ اللَّه أفرح بتوبة عبده حين يتوب من رجل ضلّت راحلته في أرض قفر وعليها طعامه وشرابه، فبينما هو كذلك لا يدري ما يصنع ولا أين يتوجه حتى وضع رأسه لينام فأتاه آتٍ فقال له: هل لك في راحلتك، قال: نعم، قال: هو ذه فاقبضها، فقام إليها فقبضها، فقال ابوجعفر عليه السلام : واللَّه أفرح بتوبة عبده حين يتوب من ذلك الرجل حين وجد راحلته).

 وأمّا الآية الثانية وهي قوله: والذين اذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا اللَّه فاستغفروا لذنوبهم... فالنكتة في اختياري لذكرها هنا هي: الحديث الوارد في ذيل تفسير هذه الآية عن الصادق‏ عليه السلام  قال: (لما نزلت هذه الآية: والذين اذا فعلوا فاحشة... صعد إبليس جبلاً بمكّة يقال له: ثور، فصرخ بأعلى صوته بعفاريته، فاجتمعوا إليه، فقالوا: يا سيّدنا لِمَ دعوتنا؟ قال: نزلت هذه الآية فمن لها؟ فقام عفريت من الشياطين فقال: أنا لها بكذا وكذا، فقال: لست لها. فقام آخر فقال مثل ذلك، فقال: لست لها. فقال الوسواس الخناس: أنا لها، فقال: بماذا؟ قال: أعدهم وأُمنّيهم حتى يواقعوا الخطيئة، فاذا واقعوا الخطيئة أُنسيهم الاستغفار، فقال: أنت لها. فوكّله بها إلى يوم القيامة).

 وأمّا الآية الثالثة وهي قوله تعالى: إلا من تاب وآمن وعمل صالحاً... فكانت النكتة في اختياري لها لبدء الحديث بالتوبة ما في هذه الآية ممّا يقف العقل أمامه إعظاماً وإكباراً لرحمة الربّ؛ إذ لم يذكر فيها مجرّد عفو اللَّه -تعالى - عن ذنوب التائبين، بل ذكر تبديل سيائتهم حسنات، فأيّ رحمة هذه التي لا تقتصر على ترك العقاب، بل تبدّل السيئة حسنة، وتبدّل العقاب ثواباً؟! ولعلّ تفسير الآية يكون أنسب بالقول بتجسّم الأعمال، فبدلاً عن أن يُروا أعمالهم السيئة سيئات يُرونها حسنات. وقد ورد في الحديث عن الباقر عليه السلام  قوله: (ويستر عليه من ذنوبه ما يكره أن يوقفه عليها قال: ويقول لسيّئاته كوني حسنات قال: وذلك قول اللَّه تبارك وتعالى: ... أولئك يبدّل اللَّه سيئاتهم حسنات وكان اللَّه غفوراً رحيماً ).

 وقد يقول القائل: إذن فلنرتكب السيئات حتى نتوب بعد ذلك، وبهذا تزداد حسناتنا.

 ولكن صاحب هذا الكلام غفل أوّلاً عن عدم ضمانٍ لنفي مباغتة الموت قبل التوبة. وثانياً عن أنّ ترك الذنب أهون من التوبة، ولا يعلم أنّه سيتوفق إلى التوبة لو أذنب، فإنّ الندم الذي هو أوّل شرائط التوبة لا يتحقّق بسهولة، فضلاً عن باقي شرائطها التي تتلو النَدَم. وقد ورد عن الصادق‏ عليه السلام  عن أمير المؤمنين‏ عليه السلام  أنّه قال: (ترك الخطيئة أيسر من طلب التوبة. وكم من شهوة ساعة أورثت حزناً طويلاً، والموت فضح الدنيا، فلم يترك لذي لبّ فرحاً). وثالثاً عن أنّ تبدّل السيئات حسنات لا يعني أنّ المذنب إذن صار أكثر ثواباً من غير المذنب؛ لانضمام سيئاته إلى حسناته؛ وذلك لأنّ الحسنات التي تعطى لتارك الذنوب بسبب تركه للذنوب أو بسبب رحمة الرب لا تقاس بالتي تعطى للتائب، ومن الباطل عقلاً أن يكون التائب من الذنب أفضل من المتحرّز من الذنب.

 وأمّا الآية الرابعة وهي قوله تعالى: ... إنّ اللَّه يغفر الذنوب جميعاً... فالسبب لاختياري بدء الحديث بذكرها ما فيها من العموم الواضح الدال على غفران جميع الذنوب بلا استثناء، وبما فيها أشدّ الذنوب، وهو: الشرك، أمّا ما تراه من استثناء الشرك في قوله تعالى: ان اللَّه لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء... فذلك ناظر إلى المغفرة من دون توبة، في حين أن قوله تعالى: ان اللَّه يغفر الذنوب جميعاً... ناظر إلى المغفرة على أثر التوبة. والشاهد الداخلي على ذلك من نفس الآية قوله تعالى بعدها مباشرة: وأنيبوا إلى ربّكم وأسلموا من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون.

 أمّا الأمور التي نريد أن نبحثها في مسألة التوبة فهي :

 الأوّل - ضرورة التوبة .

 الثاني - مقدِّمة التوبة .

 الثالث - أركان التوبة وشرائطها .

 الرابع - التوبة النصوح .

 

 الأمر الأول - ضرورة التوبة :

 إنّ ضرورة التوبة تنبع من ضرورة الإيمان، وفلسفتها نفس فلسفة الإيمان والطاعة.

 فمَن يرى أنّ فلسفة الإيمان والطاعة عبارة عن الهروب من النار والطمع في الجنّة، فنفس الفلسفة هي التي تملي عليه التوبة؛ وذلك لأنّ الطريق الوحيد الذي أوجب اللَّه - تعالى - على نفسه أن يغفر عن ذاك الطريق ولا يوجد فيه التخلّف، إنّماهو: التوبة؛ إذ قال اللَّه تعالى: انما التوبة على اللَّه للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب اللَّه عليهم وكان اللَّه عليماً حكيماً أمّا المغفرة بلا توبة فهي تتحقّق من اللَّه - سبحانه وتعالى - بلا شك، ولكنّه لم يوجبها على نفسه، بل علّقها على مشيئته في قوله تعالى: ... ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء... كما أنّ قبول شفاعة الشافعين علّقه على ارتضائه فقال: ولايشفعون إلّا لمن ارتضى... وقال أيضاً: يومئذٍ لا تنفع الشفاعة إلّا من أذن له الرحمن ورضي له قولاً وقال أيضاً: ... ما من شفيع إلّا من بعد إذنه...وقال أيضاً: ولا تنفع الشفاعة عنده إلّا لمن أذن له... وقال أيضاً: وكم من ملك في السماوات لا تُغني شفاعتهم شيئاً إلّا من بعد أن يأذن اللَّه لمن يشاء ويرضى وقال أيضاً: ... من ذا الذي يشفع عنده إلّا بإذنه...إذن فالطريق الوحيد الذي وعد اللَّه وعداً قطعياً بالمغفرة على أساسه إنّما هو التوبة.

 وقد ورد عن أمير المؤمنين‏ عليه السلام  أنّه قال: (لا شفيع أنجح من التوبة).

 ومن يرى أنّ فلسفة الإيمان والطاعة عبارة عن إكمال النفس وتهذيبها وتصفيتها فالأمر هنا أوضح ممّا سبق، ونفس الفلسفة تدعوه إلى التوبة؛ لأنّ التوبة ماء يُغسَل به درن القلب وغباره وَرَيْنه. وقد ورد في الحديث عن الباقر عليه السلام : (مامن عبد إلّا وفي قلبه نكتة بيضاء، فإذا أذنب ذنباً خرج في‏النكتة نكتة سوداء، فإن تاب ذهب ذلك السواد، وإن تمادى في الذنوب زاد ذلك السواد حتى يغطّي البياض، فإذا غطّى البياض لم يرجع صاحبه إلى خير أبداً، وهو قول اللَّه عزّ وجل: ... بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون...).

 ومن يرى أن فلسفة الإيمان والطاعة هي: أنّ اللَّه أهل للطاعة، وبغضّ النظر عن جنّة أو نار فهو يطلب رضوان اللَّه، ويتحرك بحبّه للَّه، فالأمر هنا أوضح ممّا سبق، ونفس الفلسفة تدعوه إلى التوبة؛ لأن اللَّه - تعالى - يرضى بالتوبة ويفرح بتوبة عبده كما ورد بسند صحيح عن أبي عبيدة قال: (سمعت أباجعفر عليه السلام  يقول: إنّ اللَّه -تعالى - أشدّ فرحاً بتوبة عبده من رجل أضلّ راحلته وزاده في ليلة ظلماء فوجدها، فاللَّه أشدّ فرحاً بتوبة عبده من ذلك الرجل براحلته حين وجدها).

 وقد ورد في الحديث أنّه لما أكل آدم من الشجرة تطايرت الحلل عن جسده وبدت عورته فاستحيى التاج والإكليل من وجهه أن يرتفعا عنه، فجاءه جبرئيل فأخذ التاج من رأسه، وحلّ الإكليل عن جبينه، ونودي من فوق العرش اهبطا من جواري، فإنّه لا يجاورني من عصاني، قال: فالتفت آدم إلى حوّاء باكياً وقال: هذا أوّل شؤم المعصية أُخرجنا عن جوار الحبيب.

 إنّ هذا لهو مقام عظيم أن يكون بكاؤه على الخروج عن جوار الحبيب قبل أن يكون على فراقه الجنّة. وهذه هي الفلسفة الثالثة التي أشرنا إليها للتوبة والندم.

 وإن شئت مقاماً أعظم من هذا المقام في التوبة فلعلّه هو المستفاد من قوله تعالى: إن الذين اتقوا إذا مسّهم طائف من الشيطان تذكّروا فإذا هم مبصرون فكأنّ الآية المباركة تشير إلى أنّ توبة المتّقين ليست من صدور الذنب منهم، بل من الهمّ بالذنب، فإنّ الشيطان الذي يطوف حول قلب المؤمن يمسّ قلبه كي ينفذ فيه ويورّطه في المعصية، فيهمّ العبد بالمعصية، ولكن قبل تماميّة النفوذ والتورط في المعصية يتذكّر المتّقي وإذا هو مبصر يرتدع عنها. وقد وردت روايات عديدة بمضمون تفسير الآية بأنّ العبد يهمّ بالذنب ثُمّ يذكر اللَّه فيحول الذكر بينه وبين تلك المعصية.

 والمقام الأكبر في التوبة من هذا المقام هو: توبة المعصومين التي ليست توبة من الذنب ولا من الهمّ بالذنب، بل من سيّئات المقرّبين التي هي من حسنات الأبرار.

 وممّا يناسب ذكره في المقام أنّ بعضهم يقول: إنّ التجرّد للخير دأب الملائكة المقرّبين، والتجرد للشر دون التلافي سجيّة الشياطين، والرجوع إلى الخير بعد الوقوع في الشر ضرورة الأدميّين. فالمتجرّد للخير ملك مقرّب عند الملك الديّان، والمتجرد للشرّ شيطان، والمتلافي للشر بالرجوع إلى الخير بالحقيقة إنسان، كما صدر ذلك من أبينا آدم‏ عليه السلام ، فقد ازدوجت في طينة الإنسان شائبتان، واصطحبت فيه سجيتان، وكلّ عبد مصحّح نسبه إمّا إلى الملك، أو إلى آدم، أو إلى الشيطان. فالتائب قد أقام البرهان على صحة نسبه إلى آدم بملازمة حدّ الإنسان، والمصرّ على الطغيان مسجّل على نفسه بنسب الشيطان. ولقد قلع آدم‏ عليه السلام  سنّ الندم، وتندّم على ما سبق منه وتقدّم، فمن اتَّخذه قدوة في الذنب دون التوبة فقد زلّت به القدم. فأمّا تصحيح النسب بالتجرد لمحض الخير إلى الملائكة فخارج عن حيّز الإمكان، فإنّ الشر معجون مع الخير في طينة آدم عجناً محكماً لا يخلصه إلّا إحدى النارين: نار الندم، أو نار جهنّم، فإحراق النار ضروري في تخليص جوهر الإنسان عن خبائث الشيطان. وإليك الآن اختيار أهون الشرّين، والمبادرة إلى أخفّ النارين قبل أن يطوى بساط الاختيار، ويساق إلى دار الاضطرار إمّا إلى الجنّة أو إلى النار .

 أقول : كلّ ما ذكره هذا القائل صحيح عدا افتراض أنّ التمحّض للخير خارج بالنسبة للإنسان عن حيّز الإمكان، فإنّ هذه الفكرة ناتجة من مذهبه - بما هو من أهل التسنن - من إنكار العصمة، أمّا نحن فنؤمن بمبدأ العصمة للمعصومين، وهم متمحّضون في الخير، وبإمكان غير المعصومين بالذات ان يتمحّضوا في الخير اقتداءً بالمعصومين‏عليهم السلام  عن طريق تربية النفس، ولم يجعل اللَّه المعصومين إلّا قدوة للأنام، وأمر اللَّه - تعالى - الناس بالاقتداء بهم، قال عزّ من قائل: لقد كان لكم في رسول اللَّه أسوة حسنة لمن كان يرجو اللَّه واليوم الآخر وذكر اللَّه كثيرا.

 وما ظنّك بإنسان تنزّه عن شرب الماء على رغم عطشه الذي لا يتصوّر ولا يطاق، لا لحرمة شرب الماء ولا لكراهته، بل ولا لأجل الإيثار، فإنّ تركه لشرب الماء على المشرعة لم يكن فيه إيثار على الحسين وأهل بيته، بل لأجل مجرّد المؤاساة لإمام زمانه وأهل بيته، وقال :

 هذا الحسينُ واردُ المنونِ       وتشربين باردَ المعينِ

 تاللَّهِ ما هذا فعالُ دينِ فباللَّه عليك هل تحتمل بشأن هذا الإنسان أن يعصي اللَّه طرفة عين؟!!

 وما ظنّك بامرأةٍ اُثكلت في يوم واحد بأولادها وإخوتها وسائر عشيرتها، وأُسّرت وحُملت مع نسائها على الأقتاب، ومررن على مقتل الحسين والأصحاب، فنظرت إلى إمام زمانها عليّ بن الحسين‏ عليه السلام  تكاد نفسه تخرج من شدة المصاب، فقالت: - مسلّية لإمامها منجيةً له من الموت - : مالي أراك تجود بنفسك يا بقيّة جدّي وأبي وإخوتي؟ وأخذت تسلّيه وتذكر له أنّه سيأتي جمع لاتعرفهم فراعنة هذه الأمّة - وهم معروفون في أهل السماوات - إنّهم يجمعون هذه الأعضاء المتفرّقة، فيوارونها وهذه الجسوم المضرّجة، وينصبون لهذا الطفّ علماً لقبر أبيك سيد الشهداء لا يُدرَس أثره ولا يعفو رسمه على كرور الليالي والأيام.. إلى أن ذكرت له  عليه السلام حديث أُمّ أيمن. وعن هذا الطريق أنجت إمام زمانها من الموت فباللَّه عليك هل تحتمل بامرأة كهذه أن تعصي اللَّه طرفة عين؟! ولنعم ما قيل بالفارسية :

 زن مگو مرد آفرين روزگار       زن مگو بنت الجلال اخت الوقار

 زن مگو خاك درش نقش جبين      زن مگو دست خدا در آستين

 وأمّا ما اشتهر من انحصار المعصومين في هذه الأمّة في أربعة عشر فالمقصود بذلك أولئك الذين خُلِقوا معصومين دون الذين عصموا أنفسهم بعد الولادة بالتربية وبحول اللَّه اقتداءً بهم.

 وفي ختام حديثنا عن ضرورة التوبة نشير إلى كلمتين نُقِلتا عن بعض السلف أو عن بعض العارفين، وهما وإن لم أرهما منتهيين إلى إمام معصوم ولكن فيهما عظة وعبرة، ونشير - أيضاً - إلى رواية لم أرها إلّا في نقل الغزالي، ولكن فيها - أيضاً - عظة وعبرة :

1 ـ رُوِي عن بعض السلف أنّه قال: (ما من عبد يعصي إلّا استأذن مكانه من الأرض أن يخسف به واستأذن سقفه من السماء أن يسقط عليه كسَفاً، فيقول اللَّه - تعالى - للأرض والسماء: كفّا عن عبدي وأمهلاه، فإنّكما لم تخلقاه، ولو خلقتماه لرحمتماه، لعلّه يتوب إليّ فأغفر له، لعلّه يستبدل صالحاً فأبدله حسنات، فذلك معنى قوله تعالى: إنّ اللَّه يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده...).

2 ـ رُوِيَ عن بعض العارفين أنّه قال: (إنّ للَّه - تعالى - إلى عبده سرّين يسرّهما إليه على سبيل الإلهام: أحدهما إذاخرج من بطن أُمّه يقول له: عبدي قد أخرجتك إلى الدنيا طاهراً نظيفاً، واستودعتك عمرك، وائتمنتك عليه، فانظر كيف تحفظ الأمانة، وانظر كيف تلقاني. والثاني عند خروج روحه يقول: عبدي ماذا صنعت في‏أمانتي عندك، هل حفظتها حتى تلقاني على العهد فألقاك على الوفاء، أو أضعتها فألقاك بالمطالبة والعقاب؟ وإليه الإشارة بقوله تعالى: ...أوفوا بعهدي أُوف بعهدكم... وبقوله تعالى: والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون).

3 ـ عن النبي‏ صلى الله عليه واله : (ما من يوم طلع فجره ولا ليلة غاب شفقها إلّا وملكان يتجاوبان بأربعة أصوات:

 يقول أحدهما: يا ليت هذا الخلق لم يُخلَقوا.

 ويقول الآخر: يا ليتهم إذ خُلقوا علموا لماذا خُلقوا.

 فيقول الآخر: ويا ليتهم إذ لم يعلموا لماذا خلقوا عملوا بما علموا.

 وفي بعض الروايات: ويا ليتهم إذ لم يعلموا لماذا خلقوا تجالسوا فتذاكروا ما علموا.

 فيقول الآخر: ويا ليتهم إذ لم يعملوا بما علموا تابوا ممّا عملوا).

 

 الأمر الثاني - مقدّمة التوبة :

 قد يقال: إنّ مقدّمة التوبة هي اليقظة؛ وذلك أنّ الإنسان بفطرته السليمة مجبول على التوحيد وعلى آثار التوحيد التي لا تكون إلّا الخير والصلاح، وكلّ ذنب صدر عن العبد كان غباراً على تلك الفطرة وإخماداً لنورها ورَيْناً عليها، ولاتحصل التوبة إلّا بالتيقّظ والرجوع إلى الاهتداء بنور الفطرة ومسح الغبار.

 والشاهد القرآني على كون التوحيد بجميع ما له من أغصان الخير وأوراقه وثماره أمراً فطرياً للبشر وأنّ مخالفة ذلك مخالفة للفطرة عدّة آيات من قبيل قوله تعالى:

1ـ فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة اللَّه التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق اللَّه ذلك الدين القيّم ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

2ـ فان آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولّوا فانما هم في شقاق فسيكفيكهم اللَّه وهو السميع العليم * صبغة اللَّه ومن أحسن من اللَّه صبغة ونحن له عابدون.

3ـ وإذا أخذ ربّك من بني آدم من ظهورهم ذرّيّتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربّكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة انّا كنّا عن هذا غافلين * أو تقولوا إنّما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرّيّة من بعدهم أفتُهلكنا بما فعل المبطلون.

 سواءٌ فسّرنا هذه الآية ابتداءً بمسألة الفطرة أو فسّرناها بعالم الذر فإنها على الثاني - أيضاً - تدلّ على أنّ التوحيد صار بسبب ما جرى في عالم الذرّ فطريّاً، وإلا فما قيمة عهد نسيه المتعهّد، وكيف يُحتجّ به عليه؟!

 وقد ورد في الحديث عن النبي (ص) : كلّ مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه يهوّدانه وينصّرانه.

 فكلّ انحراف عن هذه الفطرة بالذنب لا يمكن أن يتوب العبد منه قبل تيقّظه ورجوعه ولو بمقدار ناقص إلى تلك الفطرة، وهذا ما قد نسمّيه باليقظة.

 واليقظة هي أحد التفسيرين للقيام في قوله تعالى: قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا للَّه مثنى وفرادى ثم تتفكّروا ما بصاحبكم من جنّة إن هو إلّا نذير لكم بين يدي عذاب شديد فالقيام هنا تارةً يفسّر بالمعنى العام للقيام في سبيل العمل للَّه تعالى، ولعلّ الأنسب - عندئذٍ - أن يكون قوله: ما بصاحبكم من جنّة بياناً لمتعلق التفكير، أي: تفكّروا حتى تعرفوا ما بصاحبكم من جنّة وتتضح لكم طريقة العمل في سبيل اللَّه.

 وأُخرى يفسّر بمعنى القومة من السُباة، وهي اليقظة من سِنة الغفلة كما فسّره بذلك العارف المعروف بعبد اللَّه الانصاري ولعلّ الأنسب - عندئذٍ - أن يكون قوله ثم تتفكّروا هو موطن الوقف في الآية، ويكون قوله: ما بصاحبكم من جنّة كلاماً مستقلاً، والمعنى - عندئذٍ - أن اليقظة تكون بالقيام من سِنة الغفلة ثُمّ التفكّر.

 وعلى أيّة حال، فاليقظة تكون بعدّة أسباب ، منها ما يلي:

 أولاً - ملاحظة نِعَم اللَّه - سبحانه وتعالى - التي لا تُحصى، فأوّل النِّعم ببعض المعاني هو الوجود؛ إذ هي الأرضية التي تبتني عليها باقي النِّعم، وببعض المعاني هو الهداية إلى الإيمان؛ لأنّ الإيمان أشرف من كلّ شي‏ء، وببعض المعاني هو العقل، إذ لولاه لما كان مجال للإيمان ولا للالتذاذ الكامل بالنِّعم الاُخرى . وسائر النعم التي تأتي بعد هذه الاُمور لا تُحصى، قال اللَّه تعالى :

1ـ .... وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة....

2ـ وإن تعدّوا نعمة اللَّه لا تحصوها....

 وتتجلّى النِّعم عند لحظ المحرومين منها، أو لحظ ذوي العاهات والبلاء .

 وليس من الصدف ما نراه من أنّ القرآن العظيم يشير إلى نِعم اللَّه في مواضع لا تُحصى من القرآن، فتأثير تذكّر النِّعم الإلهيّة في‏حصول اليقظة واضح؛ لأنّه يثير حالة الشكر من ناحية، والتي هي مصدر وجوب الطاعة عقلاً، ويخلق في النفوس الحبّ للَّه - سبحانه وتعالى - من ناحية اُخرى، والتي هي المصدر العاطفي للطاعة.

 وقد ورد عن الصادق‏ عليه السلام : أنّه قال: (ما أحبّ اللَّه من عصاه).

 ولسنا الآن هنا بصدد ذكر نِعم اللَّه التي لا تُحصى، ولكنّنا نذكر كإشارة إلى ذلك مقطعاً قرآنياً رائعاً من سورة النحل، وهو قوله سبحانه وتعالى: خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ* خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ* وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْ‏ءٌ  وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأكُلُونَ* وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ* وَتَحْمِلُ أثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إلّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ* وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ والجملة الأخيرة تشير في الأكثر إلى مركوبات اليوم: من قبيل السيّارات والطائرات ونحوها وعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وكأنّ هذا إشارة إلى نِعْمة الإيمان ومِنْها جَائرٌ وكأنّ هذا إشارة إلى وجود السُبل المنحرفة والتحذير منها وَلَوْ شَاء لَهَداكُمْ أجْمَعينَ وكأنّ هذا إشارة إلى عدم الهداية بالجبر التي تسقط الهداية عن قيمتها هُوَ الَّذي أنزَلَ مِنَ السَّماء ماءً لَكُمْ مِنْهُ شرابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فيهِ تُسِيمُون* يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ والزَّيْتُون والنَّخيلَ والأعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمراتِ إنّ في ذلكِ لآيةً لِقَوْمٍ يتفكّرون* وَسَخَّرَ لَكُمْ اللَّيل والنَّهارَ والشَّمسَ والقَمَرَ والنُّجُومُ مُسَخَّرات بأمْرِهِ إنَّ في ذلكَ لآياتٍ لِقَومٍ يعقلونَ * وما ذَرألَكُمْ في الأرضِ مُختَلِفا ألوانُهُ إنَّ في ذلك لآيةً لقومٍ يذكّرون ويجلب الانتباه الإشارة تحت الآيات الثلاث الأخيرة إلى أن هذه آيات لقوم يتفكّرون -يعقلون- يذكّرون، فهذه نعم من ناحية وآيات، وعلامات على وجود اللَّه وحكمته ووجوب شكره من ناحية اُخرى وَهُوَ الَّذي سَخَّر البَحْرَ لِتَأكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَريّاً وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسونَها وَتَرَى الفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا من فَضْلِهِ وَلَعَلَّكم تَشْكُرُون* وألْقى في الأرضَ رَوَاسي أن تَميدَ بِكُمْ وأنهاراً وسُبُلاً لَعلَّكمْ تَهْتَدونَ* وَعَلامَاتٍ وبِالنَّجمِ هُمْ يَهْتَدُون* أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لايَخْلُقُ أفَلا تَذكَّرُون وهذه الآية الأخيرة يتجلّى مغزاها حينما نعلم أنّ المشركين -آنئذ- لم يكونوا ينسبون الخَلقَ إلى أصنامهم، بل كانوا يعترفون بأنّ الخَلقَ للَّه تعالى وإن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إنَّ اللَّه لَغَفُورٌ رحِيمٌ.

 وحاصل الكلام: أنّ ما في السماوات والأرض من النِّعَم مسخّرات لخدمة البشر. ولنعم ما قيل بالفارسية :

 ابر و باد و مه و خورشيد و فلك در كارند           تا تو نانى به كف آرىّ و به غفلت نخورى

 همه از بهر تو سرگشته و فرمان بردار       شرط انصاف نباشد كه تو فرمان نبرى

 ولابدّ من الالتفات - أيضاً - إلى عجزنا عن شكر اللَّه تبارك وتعالى؛ لأنّ الشكر يعني: مقابلة نِعْمة المنعم بشي‏ء، يقدّمه المنعم عليه إلى المنعم ممّا يملكه هو مجازاةً لنعمه، ولو بأن يكتفي ببسمة شفة أو شُكر لسان إن لم يكن قادراً على مجازاته بالمال أو بسائر الخدمات.

 أمّا أن يقدّم المنعم عليه شيئاً إلى المنعم من النِّعم التي أخذها منه وهي مازالت ملكاً للمنعم، فلا يعدّ شكراً؛ لأنّه كان وما زال ملكاً للمنعم، ولم يكن من قبل المنعم عليه مستقلّاً. فالعبد كيف يشكر ربّه بشكر لسان أو بمدح وثناء أو بطاعة وعبادة في‏حين أنّ هذا كلّه لا يكون إلّا بما هو ملك للَّه تعالى لا له، وهو سبحانه وتعالى يستوجب شكراً على الشكر.

 وقد ورد في مناجاة الشاكرين: (... فكيف لي بتحصيل الشكر وشكري إيّاك يفتقر إلى شكر، فكلّما قلت لك الحمد وجب عليّ لذلك أن أقول: لك الحمد...).

 وفي الحديث: عن الصادق‏ عليه السلام  قال: (فيما أوحى اللَّه - عزّ وجلّ - إلى موسى‏ عليه السلام  يا موسى اشكرني حقّ شكري، فقال: يا ربّ وكيف أشكرك حقّ شكرك وليس من شكر أشكرك به إلاّ وأنت أنعمت به عليّ؟ قال: يا موسى الآن شكرتني‏حين علمت أن ذلك منّي).

 ومن اللطيف ما قيل بالفارسية:

 بنده همان به كه ز تقصير خويش      عذر به درگاه خدا اورد

 ورنه سزاوار خداوند يش             كس نتواند كه به جا اورد

 وقد ورد في الدعاء الذي يقرأ بعد صلاة زيارة الإمام الرضا عليه السلام : (...لاتُحمَدُ يا سيدي إلّا بتوفيق منك يقتضي حمداً، ولا تشكر على أصغر منّة إلّا استوجبت بها شكراً، فمتى تُحصى نعماؤك يا إلهي؟ وتُجازى آلاؤك يا مولاي؟ وتكافأ صنائعك يا سيدي؟ ومن نعمك يحمد الحامدون، ومن شكرك يشكر الشاكرون...).

 وثانياً - معرفة عِظَم الجناية التي ارتكبناها لدى المعصية وخطرها.

 وقد قيل: إنّ ذلك يكون باُمور ثلاثة: بتعظيم الحقّ جلّ وعلا، ومعرفة النفس، وتصديق الوعيد.

 أمّا تعظيم الحقّ جلّ وعلا فهذا ما يوجب فهم عظمة المعصية؛ لأنّ عظمة المعصية تكون بتناسب عظمة المولى الذي عصاه العبد.

 وقد ورد عن الصادق‏ عليه السلام  قال: (قال رسول اللَّه‏ صلى الله عليه واله  من عرف اللَّه وعظّمه منع فاه من الكلام طبعاً المقصود الكلام الذي لا يعنيه وبطنه من الطعام والمقصود هو الصوم أو عدم التخمة وعفى‏نفسه بالصيام والقيام. قالوا: بآبائنا وأُمّهاتنا يا رسول اللَّه هؤلاء أولياء اللَّه، قال: إنّ أولياء اللَّه سكتوا فكان سكوتهم ذكراً، ونظروا فكان نظرهم عبرة، ونطقوا فكان نطقهم حكمة، ومشوا فكان مشيهم بين الناس بركة. لولا الآجال التي قد كتب اللَّه عليهم لم تقرّ أرواحهم في أجسادهم خوفاً من العقاب وشوقاً إلى الثواب).

 وممّا يشير إلى أنّ العاصي يجب أن يلتفت إلى عظمة مَنْ عصاه ما ورد في دعاء أبي حمزة: (... أنا الذي عصيت جبّار السماء...).

 وأمّا معرفة النفس فلو عرف الإنسان خسّة نفسه، وفقره الذاتي، واحتياجه الكامل إلى اللَّه سبحانه وتعالى، التفت إلى عِظم الذنب أكثر فأكثر، واتّجه إلى التوبة بشكل أقوى.

 ومن الروايات الطريفة الواردة بشأن النفس ما روي عن رسول اللَّه‏ صلى الله عليه واله  وهو ما يلي:

 دخل على رسول اللَّه‏  صلى الله عليه واله  رجل اسمه مجاشع، فقال: (يا رسول اللَّه كيف الطريق إلى معرفة الحقِّ، فقال‏ صلى الله عليه واله  معرفة النفس. فقال يا رسول اللَّه فكيف الطريق إلى موافقة الحقّ؟ قال: مخالفة النفس. فقال: يا رسول اللَّه فكيف الطريق إلى رضا الحقّ؟ قال: سخط النفس. فقال: يا رسول اللَّه فكيف الطريق إلى وصل الحقّ؟ قال: هجر النفس. فقال: يا رسول اللَّه فكيف الطريق إلى طاعة الحقّ؟ قال: عصيان النفس. فقال: يا رسول اللَّه فكيف الطريق إلى ذكر الحق ؟ قال : نسيان النفس . فقال : يا رسول اللَّه فكيف الطريق إلى قرب الحقّ؟ قال: التباعد عن النفس. فقال: يا رسول‏اللَّه فكيف الطريق إلى أُنس الحقّ؟ قال: الوحشة من النفس. فقال: يا رسول اللَّه فكيف الطريق إلى ذلك؟ قال: الاستعانة بالحقّ على النفس).

 وتصديق ذيل الحديث وهو ضرورة الاستعانة بالحقّ على النفس وارد في قوله تعالى: ... ولولا فضل اللَّه عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبداً....

 وأمّا تصديق الوعيد فلولاه لم يكن أحد يطيع اللَّه، ولا أحد يتوب إلى اللَّه، إلّا المعصوم أو من يتلو تلو العصمة. فعلينا أن نلتفت إلى عذاب اللَّه في الآخرة، ونقيسه إلى عذاب الدنيا الذي لا يعتبر بالنسبة لذاك عذاباً اصلاً. ونخاطب ربّنا بقولنا: (... أنت تعلم ضعفي عن قليل من بلاء الدنيا وعقوباتها، وما يجري فيها من المكاره على أهلها، على أن ذلك بلاء ومكروه قليل مكثه، يسير بقاؤه، قصير مدّته، فكيف احتمالي لبلاء الآخرة وجليل وقوع المكاره فيها، وهو بلاء تطول مدّته، ويدوم مقامه، ولا يخفّف عن أهله؛ لأنّه لا يكون إلّا عن غضبك وانتقامك وسخطك، وهذا ما لا تقوم له السماوات والأرض...).

 وقد ورد في الحديث عن الصادق‏ عليه السلام : (أن ناركم هذه جزء من سبعين جزءاً من نار جهنّم، وقد اُطفأت سبعين مرّة بالماء ثُمّ التهبت ، ولولا ذلك ما استطاع آدميّ أن يطفأها، وإنّه ليؤتى بها يوم القيامة حتى توضع على النار، فتصرخ صرخة لايبقى ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل إلّا جثا على ركبتيه فزعاً من صرختها).

 أقول : أظنّ أنّ النار الصارخة هي‏نار جهنم كما يشهد لذلك قوله تعالى: إذارأَتْهُم مِن مَكان بَعيدٍ وقد فسّر بمسيرة سنة سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفيراً.

 وفي حديث مفصّل يصف جبرئيل نار جهنّم لرسول اللَّه‏ صلى الله عليه واله  : (... لو أنّ مثل خرق إبرة خرج على أهل الأرض لاحترقوا عن آخرهم...).

 والروايات في أوصاف عذاب جهنم كثيرة لا تُحصى . وقد نسلّي أنفسنا عن كلّ واحدة منها بأنّه خبر واحد يحتمل الصدق والكذب، ولكن ماذا نفعل بتواترها المعنوي أو الإجمالي؟! ثُمّ ماذا نفعل بالقرآن الذي هو ملي‏ء بذكر أوصاف عذاب جهنم بما يقشعرّ جلد الإنسان لمجرّد سماعه، ولو لم تكن إلّا آية واحدة لكفت، وهي قوله تعالى: ... كلما نضجت جلودهم بدّلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب... وقد قالوا: إنّ الجلد هو مركز الإحساس بالألم، وليس اللحم؛ ولذا لو غرزت جلدك بإبرة تحسّ بالألم ، ثم لا تحسّ بالألم بتعمق الإبرة في لحمك . وقد اعتاد جبّارُوا الدنيا باختيار سائر التعذيبات على التعذيب بالنار؛ لأنّ النار تنهي المعذّب وتميته ، فيستريح من العذاب ، ولكن نار جهنم لا تنهي المعذّب ولا تميته ، بل الجلد يتبدّل متى نضج الجلد السابق. وقد قال اللَّه تعالى: لايقضى عليهم فيموتوا....

 وإنّي أختم الحديث عن مسألة الوعيد هنا برواية واحدة تامّة سنداً، وهي ما ورد عن أبي بصير عن الصادق‏ عليه السلام  قال: (ما خلق اللَّه خلقاً إلّا جعل له في الجنّة منزلاً وفي النار منزلاً، فإذا سكن أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار نادى منادٍ: يا أهل الجنة أشرفوا، فيشرفون على النار، وترفع لهم منازلهم فيها، ثُمّ يقال لهم: هذه منازلكم التي لو عصيتم اللَّه دخلتموها قال: فلو أنّ أحداً مات فرحاً لمات أهل الجنة في ذلك اليوم فرحاً؛ لما صرفَ عنهم من العذاب، ثم ينادي منادٍ: يا أهل النار ارفعوا رؤوسكم ، فيرفعون رؤوسهم فينظرون إلى منازلهم في الجنة وما فيها من النعيم، فيقال لهم : هذه منازلكم التي لو أطعتم ربّكم دخلتموها، قال: فلو أنّ أحداً مات حزناً لمات أهل النار حزناً، فيورث هؤلاء منازل هؤلاء ، ويورث هؤلاء منازل هؤلاء ، وذلك قول اللَّه: اولئك هم الوارثون* الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون ).

 أقول : إنّ هذه الرواية تدلّ على أنّ الجنة لها علوّ مكاني على جهنم، وكأنه يشير إلى ذلك - أيضاً - قوله تعالى: إنّ الذين كذّبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تُفتّح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سَمّ الخياط وكذلك نجزي المجرمين .

 وثالثاً - مطالعة الزيادة والنقصان الواقعين فيما مضى من عمره؛ كي يتحسّر على ما حصل منه من نقصان، ويسعى في عدم تضييع ما بقي من عمره، ويتدارك ما فاته في الماضي.

 وقد ورد في هذا المضمون حديث شريف عن الإمام زين العابدين‏ عليه السلام  قال: (كان أمير المؤمنين‏ عليه السلام يقول: إنّما الدهر ثلاثة أيام أنت فيما بينهنّ مضى أمس بما فيه فلا يرجع أبداً، فإن كنت عملت فيه خيراً لم تحزن لذهابه، وفرحت بما أسلفته منه، وإن كنت قد فرّطت فيه فحسرتك شديدة لذهابه وتفريطك فيه. وأنت في يومك الذي أصبحت فيه من غد في غرّة، ولا تدري لعلّك لا تبلغه، وإن بلغته لعلّ حظك فيه التفريط مثل حظّك في الأمس الماضي عنك، فيوم من الثلاثة قد مضى أنت فيه مفرّط، ويوم تنتظره لست أنت منه على يقين من ترك التفريط، وإنّما هويومك الذي أصبحت فيه، وقد ينبغي لك إن عقلت وفكّرت فيما فرّطت في الأمس الماضي ممّا فاتك فيه من حسنات أن لا تكون اكتسبتها، ومن سيئات أن لاتكون أقصرت عنها، وأنت مع هذا مع استقبال غدٍ على غير ثقة من أن تبلغه، وعلى غير يقين من اكتساب حسنة أو مرتدع عن سيئة محبطة، فأنت من يومك الذي تستقبل على مثل يومك الذي استدبرت، فاعمل عمل رجل ليس يأمل من الأيام إلّا يومه الذي أصبح فيه وليلته، فاعمل أو دع، واللَّه المعين على ذلك).

 نعم، من لم يطالع الزيادة والنقصان في ما مضى من عمره كان دائماً مغبوناً؛ لأنّه لن يتدارك ما كان له من النقص، ولا يتوفّق لجعل يومه خيراً من أمسه.

 وقد ورد بسند تامّ عن هشام بن سالم عن الصادق‏ عليه السلام  أنّه قال: (من استوى يوماه فهو مغبون، ومن كان آخر يوميه خيرهما فهو مغبوط، ومن كان آخر يوميه شرّهما فهو ملعون، ومن لم ير الزيادة في نفسه فهو إلى النقصان، ومن كان إلى النقصان فالموت خير له من الحياة).

 وأيضاً ورد عن الصادق‏ عليه السلام  أنّه قال: (المغبون من غبن عمره ساعة بعد ساعة).

 وأيضاً ورد عن الصادق‏ عليه السلام  أنّه روى عن عليّ بن أبي طالب‏ عليه السلام  أنّه قال: (... لا خير في العيش إلاّ لرجلين: رجل يزداد في كلّ يوم خيراً، ورجل يتدارك منيته بالتوبة).

الأمر الثالث - أركان التوبة وشرائطها :

 وهنا نفتتح الحديث بالكلام المرويّ عن إمامنا أمير المؤمنين‏ عليه السلام ، فقد رُوي أنّه قال - لقائل بحضرته: استغفر اللَّه - : (ثكلتك أُمّك أتدري ما الاستغفار؟ إنّ الاستغفار درجة العلّيين، وهو اسم واقع على ستة معان: أوّلها الندم على ما مضى، والثاني العزم على ترك العود إليه أبداً، والثالث أن تؤدّي إلى المخلوقين حقوقهم حتى تلقى اللَّه أملس ليس عليك تَبِعَة، والرابع أن تَعْمد إلى كلّ فريضة عليك ضيّعتها فتؤدّي حقّها، والخامس أنّ تَعْمدَ إلى اللحم الذي نبت على السُّحت فتذيبه بالأحزان حتى يلصق الجلد بالعظم، وينشأ بينهما لحم جديد، والسادس أن تُذيقَ الجسم ألم الطاعة كما أذقته حلاوة المعصية، فعند ذلك تقول: استغفر اللَّه).

 والأوّلان من هذه الاُمور ركنان للتوبة، والثالث والرابع شرطان لقبول التوبة، والأخيران شرطان لكمال التوبة، وإليك قليل من التفصيل عن الأركان والشرائط.

 الركن الأوّل - الندم :

 وكونه ركناً للتوبة من الواضحات، فإنّ التوبة تعني: الرجوع إلى اللَّه سبحانه وتعالى، أو الرجوع إلى الفطرة الطاهرة التي تدنّست بالذنب، وهذا لايمكن أن يكون من دون الندم على ما فات.

 ولنعم عبد يندم على ذنبه قبل أن يمضي على ذلك سبع ساعات؛ وذلك لأنّ الروايات العديدة دلّت على أنّ كاتب السيئات لا يكتب السيئة التي تصدر عن العبد لمدّة سبع ساعات، وهذا يعني: أنّه إذا وقعت التوبة قبل السبع ساعات فلن يرى العبد ذنبه في يوم القيامة في صحيفة عمله، بينما لو وقعت التوبة بعد السبع ساعات فقد يرى ذنبه في صحيفة عمله يوم القيامة، وإن كان يرى بعد ذلك توبته أيضاً.

 فعن الصادق‏ عليه السلام  قال: (قال رسول اللَّه‏ صلى الله عليه واله : أربع من كنّ فيه لم يهلك على اللَّه بعدهنّ إلّا هالك: يهمّ العبد بالحسنة فيعملها، فإن هو لم يعملها كتب اللَّه له حسنة بحسن نيّته، وإن هو عملها كتب اللَّه له عشراً. ويهمّ بالسيّئة أن يعملها، فإن لم يعملها لم يكتب عليه شي‏ء، وإن هو عملها أُجّل سبع ساعات، وقال صاحب الحسنات لصاحب السيئات وهو صاحب الشمال: لا تعجل عسى أن يُتبعها بحسنة تمحوها، فإنّ اللَّه - عزّ وجلّ - يقول: ... إنّ الحسنات يذهبن السيئات أو الاستغفار ، فإن قال: استغفر اللَّه الذي لا إله إلّا هو عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم الغفور الرحيم ذا الجلال والإكرام وأتوب إليه، لم يكتب عليه شي‏ء، وإن مضت سبع ساعات ولم يتبعها بحسنة واستغفار قال صاحب الحسنات لصاحب السيئات: اكتب على الشقيّ المحروم).

 والمقصود طبعاً بالاستغفار: طلب المغفرة المقترن بالتوبة بقرينة ما في ذيل الصيغة التي ذكرها للاستغفار، وهو قوله: وأتوب إليه، وبقرينة روايات أُخر من قبيل ما ورد عن الباقر عليه السلام  من قوله: (التائب من الذنب كمن لا ذنب له، والمقيم على الذنب وهو مستغفر منه كالمستهزئ).

 وورد في حديث تام السند التأجيل من الغدوة إلى الليل، فعن زرارة بسند تام قال: سمعت أبا عبداللَّه‏ عليه السلام  يقول: (إن العبد إذا أذنب ذنباً أُجّل من غدوة إلى الليل، فإن استغفر اللَّه لم تُكتَب عليه).

 وفي رواية أُخرى عن رسول اللَّه‏ صلى الله عليه واله : (صاحب اليمين أمير على صاحب الشمال، فإذا عمل العبد سيئة قال صاحب اليمين لصاحب الشمال: لا تعجل، وأنظره سبع ساعات، فإن مضت سبع ساعات ولم يستغفر قال: اكتُب فما أقلّ حياء هذا العبد).

 والركن الثاني - العزم على ترك العود :

 وكون هذا ركناً - أيضاً - من الواضحات؛ إذ بدونه لا يصدق عنوان الرجوع إلى اللَّه أو الرجوع إلى الفطرة الصافية.

 والندم في الغالب يستبطن العزم على عدم العود.

 وقد ورد في الحديث عن ربعي، عن الصادق‏ عليه السلام ، عن أمير المؤمين‏ عليه السلام : (إن الندم على الشرّ يدعو إلى تركه) وعليه تحمل روايات فرض الندامة، هي: التوبة، من قبيل مرسلة الصدوق قال: من ألفاظ رسول اللَّه‏ صلى الله عليه واله  (الندامة توبة).

 وما عن عليّ الجهضمي عن الباقر عليه السلام : (كفى بالندم توبة).

 وأمّا باقي الشرائط :

 فمنها - تدارك ما هضمه من حقوق اللَّه وحقوق الناس، وقد مضى ذلك في حديث علي‏ عليه السلام  في نهج البلاغة لمن قال بحضرته: أستغفر اللَّه، ونظيره وارد -أيضاً- عن عليّ‏ عليه السلام  في حديثه لكميل في نقل تحف العقول حيث قال في عدّ معاني التوبة: (... والثالث أن تؤدّي حقوق المخلوقين التي بينك وبينهم، والرابع أن تؤدّي حقَّ اللَّه في كلِّ فرض...) حتى أنّه ورد في سند صحيح عن هشام بن الحكم، عن الصادق‏ عليه السلام شرط هداية من أضلّه وإليك نصّ الحديث :

 عن هشام بن الحكم وفي بعض النقول: عن هشام بن الحكم وأبي بصير جميعاً عن الصادق‏ عليه السلام  قال: (كان رجل في الزمن الأوّل طلب الدنيا من الحلال فلم يقدر عليها، وطلبها من الحرام فلم يقدر عليها، فأتاه الشيطان فقال له: ألاأدلّك على شي‏ء تكثر به دنياك وتكثر به تبعك؟ فقال: بلى، قال: تبتدع ديناً، وتدعو الناس إليه. ففعل، فاستجاب له الناس وأطاعوه، فأصاب من الدنيا، ثُمّ إنه فكّر فقال: ما صنعت؟! ابتدعت ديناً، ودعوت الناس إليه ما أرى لي من توبة إلاّ أن آتي من دعوته إليه فأردّه عنه، فجعل يأتي أصحابه الذين أجابوه، فيقول: إنّ الذي دعوتكم إليه باطل، وإنّما ابتدعته، فجعلوا يقولون: كذبت هو الحقّ، ولكنّك شككت في دينك، فرجعت عنه. فلمّا رأى ذلك عمد إلى سلسلة فوتّد لها وتداً، ثُمّ جعلها في عنقه وقال: لا أحلّها حتى يتوب اللَّه - عزّ وجلّ - عليَّ، فأوحى اللَّه - عزّ وجل - إلى نبيّ من الأنبياء قل لفلان: وعزّتي لو دعوتني حتى تنقطع أوصالك ما استجبت لك حتّى تردّ من مات على ما دعوته إليه فيرجع عنه).

 وإنّنا نرجو أن يكون مفاد هذا الحديث خاصّاً بمورده، وهو: ابتداع الدين، أمّا لو كان مفاده عامّاً لكلّ من ضيّع حقاً ثُمّ عجز عن أدائه، أو لكل من ضيّع حقاً من حقوق الناس ثُمّ عجز عن أدائه، فإنّني أخشى أن يكون كثير منّا مبتلى بمفاده، فتبقى توبتنا ناقصة، وإنّا للَّه وإنّا إليه راجعون. وعلى أيّة حال، فالتوبة واجبة حتى بمقدارها الناقص، ونرجو أن تنفعنا ولو نفعاً ناقصاً.

 ثُمّ إنّه لا يبعد أن يكون قيد العمل الصالح الوارد في بعض آيات التوبة إشارة إلى هذا الشرط من قبيل قوله تعالى:

1ـ إلّا من تاب وآمن وعمل صالحاً....

2ـ وإنّي لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى.

3ـ ثم ان ربك للذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم.

 وقد يُفترض أنّ تدارك الذنب بأداء حقوق اللَّه، وحقوق الناس، داخل في الإنابة لا في التوبة، فالتوبة: رجوع إلى اللَّه اعتذاراً عن الذنب. والإنابة: رجوع إليه إصلاحاً لما فرّط فيه. والتوبة: رجوع إليه عهداً. والإنابة: رجوع إليه وفاءً.

 إلّا أنّ الظاهر: أنّ التوبة والإنابة لهما معنىً واحد، وهو: الرجوع .

 وعلى أيّة حال، فليس هذا إلّا مشاحّة في الاصطلاح.

 ومنها - أن يكون ذلك قبل انكشاف اُمور الآخرة أو قبل معاينة الهلاك كما ورد في القرآن: وليست التوبة للذين يعملون السيِّئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إنّي تبت الآن....

 وقال - أيضاً - عزّ من قائل في قِصَّة فرعون:  حتى إذا أدركه الغَرَق قال آمنت أنه لا إله إلّا الذي آمنت به بنو اسرائيل وأنا من المسلمين * الآن وقد عصيت من قبل وكنت من المفسدين.

 والأحاديث بهذا الصدد كثيرة من قبيل :

 ما عن رسول اللَّه‏ صلى الله عليه واله : (من تاب قبل موته بسنة قَبلَ اللَّه توبته، ثُمّ قال: إنّ السنة لكثير، من تاب قبل موته بشهر قَبِلَ اللَّه توبته، ثُمّ قال: إنّ الشهر لكثير، ثُمّ قال: من تاب قَبلَ موته بجمعة قَبل اللَّه توبته، ثُمّ قال: وإنّ الجمعة لكثير، من تاب قبل موته بيوم قَبلَ اللَّه توبته، ثُمّ قال: إنّ يوماً لكثير، من تاب قبل أن يعاين قَبلَ اللَّه توبته).

 وقد ورد في سند صحيح عن زرارة ، عن أبي جعفر  عليه السلام  قال : (إذا بلغت النفس هذه - وأهوى بيده إلى حلقه - لم يكن للعالم توبة ، وكانت للجاهل توبة).

 وقد يقال: إنّ من نعم اللَّه - تعالى - على عبده أنّ الموت يبدأ بالرجل، وينتهي إلى الرأس دون العكس، فتكون للإنسان مهلة التوبة قبل أن يغرغر بروحه، ويعاين أمر الآخرة.

 ومن الأحاديث الصحيحة سنداً الدالّة على سَعَة الوقت بمعنى قبول التوبة متى ما وقعت قبل ساعة الموت وإن كانت هي من الواجبات الفورية ما ورد عن محمد بن مسلم، عن الباقر عليه السلام : (يا محمّد بن مسلم ذنوب المؤمن إذا تاب منها مغفورة له، فليعمل المؤمن لما يستأنف بعد التوبة والمغفرة، أما واللَّه إنّها ليست إلّا لأهل الإيمان، قلت: فإن عاد بعد التوبة والاستغفار من الذنوب وعاد في التوبة؟ قال: يا محمّد بن مسلم أترى العبد المؤمن يندم على ذنبه ويستغفر منه ويتوب ثُمّ لا يقبل اللَّه توبته؟! قلت: فإنّه فعل ذلك مراراً يذنب ثُمّ يتوب ويستغفر؟ فقال: كلّما عاد المؤمن بالاستغفار والتوبة عاد اللَّه عليه بالمغفرة، وإنّ اللَّه غفور رحيم يقبل التوبة ويعفو عن السيئات، فإيّاك أن تقنّط المؤمنين من رحمة اللَّه).

 ولعلّ السرّ في شرط عدم حضور الموت لقبول التوبة أحد أمرين:

 أوّلا - أنّ الإيمان النافع هو الإيمان بالغيب، أمّا الإيمان بالشهود فلا قيمة مهمّة له، فإنّ الإيمان بالشهود أمر سهل يفعله كلّ أحد، وإنّما الخروج من الامتحان يكون بالإيمان بالغيب واتّباعه؛ ولهذا قال سبحانه وتعالى: بسم اللَّه الرحمن الرحيم* الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدىً للمتقين* الذين يؤمنون بالغيب... أمّا إذا حضر الموت وانكشفت اُمور الآخرة فقد تحوّل الغيب إلى الشهود، وعندئذٍ لا قيمة مهمّة لحدوث إيمان أو توبة؛ ولعلّه لهذا السبب قال اللَّه تعالى: وقالوا لولا أُنزِل عليه ملك ولو أنزلنا ملكاً لقضي الأمر ثم لايُنظرون.

 إذ إن نزول الملك الذي هو من عالم الغيب يعني تحوّل الغيب إلى الشهود، وعندئذٍ تنقطع المهلة، ويُقضى الأمر. وأيضاً قال اللَّه سبحانه وتعالى: وقالوا ياأيّها الذي نزّل عليه الذكر انك لمجنون* لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين* ماننزّل الملائكة إلّا بالحق وما كانوا إذن مُنظرين.

 وثانيا - أنّ فتح باب التوبة لم يكن يعني: أنّ التائب لا يستحقّ العقاب على معصيته، فإنّ العاصي خالف الحقّ، ومخالفُ الحقّ يستحقُّ الجزاء ولو تاب، وذلك من قبيل ما لو أنّ أحداً قَتَل ابنك، ثُمّ تندّم على ما فعل وتاب لم تُسْقِط توبتُه حقَّ قِصاصك عليه، فكذلك من خالف حقّ الربّ تبارك وتعالى فاستحقّ العقاب لايُسْقِط بتوبته استحقاقه للعقاب، وإنّما يعني فتحُ باب التوبة: أنّ اللَّه - تعالى - يريد تطهير روحك، وتنظيف قلبك من الدنس الذي تدنّستَ به بسبب المعصية، وجعل العقاب رحمةً بك؛ كي يؤدّي إلى أن تحرق روحك بنار التوبة قبل نار جهنّم، فإذا تبت فقد طهرت من الدنس، ورجعت إلى الفطرة الصافية، وكان هذا هو المقصود للَّه سبحانه، فيقبل توبتك؛ لأنّ التوبة تعني: التحول والانقلاب الحقيقيين في‏واقع نفسك، وهذا لا يكون حينما تكون التوبة نتيجة رؤية البأس والهلاك؛ إذ عندئذٍ يندم الإنسان لما يرى أمامه من العذاب الفعلي، وهذا لا يعني حصول التحوّل والانقلاب الحقيقيين في نفسه ورجوع الصفاء والطهارة إليه.

 وعلى آيّة حال، فالعلاجات الروحية الواردة في القرآن او عن المعصومين‏عليهم السلام  حالها حال وصفات أطباء الجسم، أي: إنّه كما تكون وصفة الطبيب نافعة حينما تستعمل في محلّها، أمّا لو استعملت وصفة الطبيب التي‏وضعها للتيفو مثلاً في ذات الجَنْب ، والوصفة التي وضعها لذات الجَنْب في التيفو، لا تنفع بل تضرّ، كذلك الوصفات الروحية الواردة في الكتاب والسنّة، فمثلاً هذه المهلة والسَعَة التي عرفتها في باب التوبة قد وضعت لعلاج مرض اليأس؛ لأنّه لولاها ليأس الذين لم يمارسوا التوبة فور حصول المعصية ولأدّى ذلك إلى تماديهم في الغيّ وهلاكهم، فجعل باب التوبة مفتوحاً أمامهم ما لم يحضرهم الموت. أمّا لو استعملها أحد في مقام تسويف التوبة بحجة أنّه مادامت التوبة مقبولة قبل حضور الموت، والسنة كثيرة، والشهر كثير، والجمعة كثيرة، واليوم كثير، فلا داعي لي إلى الاستعجال بالتوبة وحرمان النفس من اللذات والشهوات، فقد اصبحت الوصفة هنا مضرّة لا نافعة؛ لأنّ تأجيل التوبة وتسويفها يجعل الإنسان بين خطرين: خطر مباغتة الموت وحيلولته بين الإنسان والتوبة، وخطر اشتداد رين القلب بالتمادي في الذنوب إلى أن ينحرم من التوبة ولا يتوفّق لها.

 وقد ورد عن إمامنا أمير المؤمنين‏ عليه السلام  أنّه قال: (لا تكن ممّن يرجو الآخرة بغير عمل، ويرجّي التوبة بطول الأمل، يقول في‏الدنيا بقول الزاهدين، ويعمل فيها بعمل الراغبين...). إلى أن قال: (... إن عرضت له شهوة أسلف المعصية، وسوّف التوبة...).

 وقد رُوِيَ عن لقمان أنّه قال لابنه: (يا بنيّ لا تؤخّر التوبة فإن الموت يأتي بغتة...).

 فالذي يستعمل هذه الوصفة بهذا الأُسلوب غير الصحيح وهو تأجيل التوبة لا يأمن الابتلاء في يوم موته بالوصف المنقول عن إمامنا أمير المؤمنين‏ عليه السلام  فيما ورد في نهج البلاغة من قوله: (... اجتمعت عليهم سكرة الموت وحسرة الفوت، ففترت لها أطرافهم، وتغيّرت لها ألوانهم، ثُمّ ازداد الموت فيهم ولوجاً، فحيل بين أحدهم وبين منطقه، وإنّه لبين أهله ينظر ببصره، ويسمع باُذنه على صحة من عقله وبقاء من لبّه، يفكّر فِيمَ أفنى عمره، وفيم أذهب دهره ويتذكّر أموالاً جمعها أغمض في مطالبها، وأخذها من مصرّحاتها ومشتبهاتها، قد لزمته تَبِعَات جَمْعِها، وأشرف على فراقها، تبقى لمن وراءه ينعمون فيها، ويتمتّعون بها، فيكون المَهنَأُ لغيره، والعِب‏ءُ على ظهره ، والمرء قد غَلِقَتْ رُهُونُهُ بها، فهو يعضّ يديه ندامة على ما أصحر له عند موته من أمره، ويزهد فيما كان يرغب فيه أيّام عمره، ويتمنّى أنّ الذي كان يَغْبِطُهُ بها ويَحْسُده عليها قد حازها دونه...).

 وعن إمامنا زين العابدين‏ عليه السلام  أنّه قال في حديث طويل :

 فيا لهف نفسي كم أُسوّف توبتي         وعمريَ فانٍ والردى ليَ ناظر

 وكل الذي أَسلفت في الصحف مثبت      يجازي عليه عادل الحكم قاهر

 ومنها - الإيمان كما هو صريح القرآن في قوله تعالى: وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى اذا حضر أحدهم الموت قال إنّي تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفّار اولئك أعتدنا لهم عذاباً أليماً. وقد جاء قيد الإيمان في عديد من آيات التوبة كقوله:

 إلّا من تاب وآمن وعمل صالحاً فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا.

 وإنّي لغفّار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى

 إلّا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فأولئك يبدّل اللَّه سيئاتهم حسنات....

 والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم.

 وليس قيد الإيمان مستأنفاً بتخيّل أنّ الكافر لا معنى لأن يتوب إلى اللَّه؛ وذلك لأنّ الكفر لا ينحصر في إنكار اللَّه عزّ وجل، فقد يكون كتابياً يؤمن باللَّه، بل وقد يكون مشركاً من عبدة الأوثان الذين يقولون: ... ما نعبدهم إلّا ليقربونا إلى اللَّه زلفى....

 وقد دلّت بعض الروايات على اشتراط الإيمان بالمعنى الخاص، وهو: التشيع من قبيل ما مضى من صحيحة محمّد بن مسلم عن الباقر عليه السلام : (... أما واللَّه إنّها ليست إلّا لأهل الإيمان...) فإنّ كلمة أهل الإيمان في ذاك التاريخ مصطلح للشيعة.

 وأمّا شرائط الكمال فالروايات فيها عديدة:

 منها - ما مضى من كلام أمير المؤمنين‏ عليه السلام  في نهج البلاغة والذي ذكر فيه إذابة اللحم النابت من الحرام، وإذاقة الجسم ألم الطاعة كما ذاق حلاوة المعصية ونحوه كلام أمير المؤمنين‏ عليه السلام  لكميل في رواية تحف العقول.

 ومنها - ما ورد فيه شرط الصوم كحديث أبي بصير عن الصادق‏ عليه السلام  في تفسير توبة النصوح قال: (هو صوم يوم الأربعاء والخميس والجمعة).

 ومنها - ما ورد فيه شرط الصلاة من قبيل ما في نهج البلاغة: (ما أهمني ذنب أُمهِلتُ بعده حتى أُصلّي ركعتين وأسأل اللَّه العافية).

 ومنها - ما ورد فيه شرط الغسل والصلاة من قبيل ما عن مسعدة بن زياد قال: (كنت عند أبي عبداللَّه‏ عليه السلام فقال له رجل: بأبي أنت وأُمي أدخل كنيفاً ولي جيران، وعندهم جوارٍ يتغنّين ويضربن بالعود، فربّما أطلت الجلوس استماعاً منّي لهنّ فقال‏ عليه السلام : لا تفعل فقال الرجل : واللَّه ما آتيهنّ، أنما هو سماع أسمعه بأُذني؟ فقال‏ عليه السلام : للَّه أنت أما سمعت اللَّه يقول: ... إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا فقال : بلى واللَّه لكأنّي لم أسمع بهذه الآية من كتاب اللَّه من عربيّ ولا من عجميّ، لا جرم إنّي لا أعود إن شاء اللَّه، وإنّي أستغفر اللَّه، فقال له: قم فاغتسل وصلّ ما بدالك، فإنّك كنت مقيماً على أمر عظيم، ما كان أسوأ حالك لو متّ على ذلك، احمد اللَّه وسله التوبة من كلّ ما يكره، فإنّه لا يكره إلّا كلّ قبيح، والقبيح دعه لأهله، فإنّ لكلّ أهلاً).

الأمر الرابع - التوبة النصوح :

 قال اللَّه سبحانه وتعالى: يا أيّها الذين آمنوا توبوا الى اللَّه توبة نصوحاً عسى ربكم أن يكفّر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنّات تجري‏من تحتها الأنهار يوم لايخزي اللَّه النبي والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربّنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شي‏ء قدير.

 ( ... الهي أنت الذي فتحت لعبادك باباً إلى عفوك سمّيته التوبة، فقلت: توبوا إلى اللَّه توبة نصوحاً فما عُذرُ من أغفل دخول الباب بعد فتحه... ).

 أمّا ما معنى التوبة النصوح؟ فقد فُسِّرت في‏الروايات بتفاسير ثلاثة:

1 ـ أن يتوب العبد من الذنب، ثُمّ لا يعود إليه. وبذلك نطقت صحيحة أبي بصير قال: (قلت لأبي عبداللَّه‏ عليه السلام : يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى اللَّه توبة نصوحاً... قال: هو الذنب الذي لا يعود فيه أبداً، قلت : وأيُّنا لم يعد؟ فقال: يا أبا محمّد إنّ اللَّه يحبّ من عباده المفتن التوّاب) ونحوها غيرها.

2 ـ أن يكون باطن التائب كظاهره وأفضل كما دلت على ذلك رواية عبداللَّه بن سنان عن الصادق‏ عليه السلام قال: (التوبة النصوح أن يكون باطن الرجل كظاهره وأفضل) ونحوها غيرها.

3 ـ أن يبدأ التوبة بصوم يوم الأربعاء والخميس والجمعة كما في رواية أبي بصير عن الصادق‏ عليه السلام  في قوله عزّ وجل: ... توبوا إلى اللَّه‏توبة نصوحاً... قال: (هو صوم يوم الأربعاء والخميس والجمعة).

 وإذا استثنينا المعنى الثالث لوضوح كونه تفسيراً بالمقدمة، فكأنّ المعنى: أنّ صوم تلك الأيام الثلاثة توفِّق الإنسان للتوبة النصوح، إذن يبقى المعنيان الأوّلان. ولا يبعد رجوعهما إلى معنىً واحدٍ، فتفسيرها بعدم العود يعني: أنّ التوبة النصوح هي التي تَخْلُق في النفس تغيّراً وانقلاباً وتطهيراً يمنع صاحبها من أن يرجع إلى ذلك الذنب أبداً. وهذا هو الذي  يكون باطنه كظاهره وأفضل.

 وإن شئت فقل: إنّ النصوح صفة مشبّهة، أو مبالغة في الناصح الذي هو عبارة عن الشي‏ء الكامل والصاحي والمحكم وما إلى ذلك من التعبيرات، فمن علامات نصح التوبة عدم الرجوع إلى الذنب، ومن علاماته كون الباطن كالظاهر وأفضل، ومن مقدِّماته صوم الأيام الثلاثة.

 وأمّا الكلام على الآثار الأُخروية للتوبة النصوح فكأنّه يستفاد من الآية الكريمة: أنّ التوبة النصوح زائداً على ما يترتب عليها من المغفرة ودخول الجنة لها مزيّتان أُخريتان هامّتان:

 الأُولى - أنّها توجب ستر العيب في يوم القيامة يوم تُبلى السرائر* فما له من قوّة ولا ناصر؛ وذلك لقوله تعالى: ... توبوا إلى اللَّه توبة نصوحاً عسى ربكم أن يكفّر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنّات تجري من تحتها الأنهار يوم لا يخزي اللَّه النبي والذين آمنوا معه... ومن الواضح أنّ فضح الذنب في عرصات يوم القيامة من أشدّ أنحاء الإخزاء، أعاذنا اللَّه منه.

 وقد ورد التصريح بذلك أعني ستر عيب التائب توبة نصوحاً في حديث صحيح السند عن معاوية بن وهب قال: (سمعت أبا عبداللَّه‏ عليه السلام  يقول: إذا تاب العبد توبة نصوحاً أحبّه اللَّه، فستر عليه في الدنيا والآخرة. قلت : وكيف يستر عليه؟ قال: ينسي ملكيه ما كتبا عليه من الذنوب، ويوحي إلى جوارحه اكتمي عليه ذنوبه، ويوحي إلى بقاع الأرض اكتمي ما كان يعمل عليك من الذنوب، فيلقى اللَّه حين يلقاه وليس شي‏ء يشهد عليه بشي‏ء من الذنوب).

 والثانية - أنّها تبعث للتائبين في ظلمات يوم القيامة نوراً بين أيديهم وبأيمانهم، وهو المستفاد من ذيل الآية المباركة حيث قال: نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربّنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنّك على كل شي‏ء قدير.

 وهذا التعبير قد ورد - أيضاً - في القرآن في صفة المؤمنين والمؤمنات في قوله تعالى: يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم بشراكم اليوم جنَّات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم* يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً....

 ويبدو لي من ذيل هذه الآية الأخيرة: أنّ المنافقين يتخيّلون أنّ نور المؤمنين يشبه نور سراج الدنيا الذي يمكن لغير صاحب النور أن يستفيد منه لو جعله صاحب النور أمام من يريد الاستفادة؛ ولذلك يقولون: انظرونا كي يصبح النور الذي في مقابلكم في مقابلتنا أيضاً، فنستفيد منه، ولكنّهم لا يعلمون أنّ هذا النور ليس كنور المصباح الدنيوي، بل لو صحّ تشبيهه بالأنوار الدنيوية فالأنسب أن يشبّه بنور البصر الذي لا يقبل الاكتساب، بل هو نور ذاتيّ للبصر يستفيد منه صاحب النور فحسب، ولا يكون إلّا في عين صحيحة، فمن كان من حين ولادته وفي رحم أُمّه مثلاً أعمى لا يصح له أن يقول للمبصر: انظرني أقتبس من نورك، ولو قال له ذلك لأجابه المبصر بأنّ هذا النور إنّما جئتُ به من رحم أُمّي، فارجع إلى ورائك في رحم أُمك وائت بالنور، فكذلك يقال للمنافقين والمنافقات في يوم القيامة: إنّ المؤمنين قد أتوا بهذا النور من الدنيا فارجعوا وراءكم إلى الدنيا، والتمسوا لكم منها نوراً.

 وفي ختام الحديث عن التوبة النصوح تجب الإشارة إلى أنّ التائب لو خانته نفسه، ولم يستطع على جعل توبته نصوحاً بمعنى عدم العود، وتكرّر منه ذلك، فليس المفروض به أن ييأس من فائدة التوبة، فقد مضى في ذيل صحيحة أبي بصير قوله‏ عليه السلام : (... إنّ اللَّه يحبّ من عباده المفتّن التواب) والإنسان يكون في كثير من الأحيان قبل تزكية نفسه بالرياضات النفسية مبتلىً بحالة الوقوع في كسر التوبة والرجوع إليها مراراً وتكراراً، فحاله كحالة الطفل الذي يعطي لوالديه التعهد بترك الجهالات ثُمّ يكسر ذلك ويكرّر المخالفة والتوبة، وهذا لا يوجب طرده من قبل والديه.

 وبهذه المناسبة لا بأس بذكر القِصّة التالية التي فيها عظة وعبرة :

 رُوِيَ أنّ شيخاً كان يمشي في أحد الطرق، فرأى طفلاً جالساً يبكي، فسأله مِمّ بكاؤك؟ فقال: إنّ أُمّي أخرجتني من البيت، وكلّما أستجير بالبيوت الأُخرى لا يُفتح لي الباب. فجلس الشيخ عند الطفل، وأخذ يوافق الطفل في البكاء، وقال: لو أنّ طفلاً نهرته أُمّه وطردته من البيت لا يفتح له باب آخر فمن ينهره اللَّه - تعالى - عن بابه إلى أين يذهب، وكيف ينفتح عليه باب آخر؟! ثُمّ قام الشيخ لكي يذهب في طريقه، فتعلّق به الطفل، وطلب منه أن يشفعه لدى أُمّه، فوافق الشيخ على ذلك، وأخذ بيد الطفل إلى بيت أُمّه، وشفعه عندها، فبكت الأُم، وقالت: يا شيخ نعم الشفيع أنت، ولكن قد شفّعه - أيضاً - قبلك قانون أولادنا أكبادنا، ولكنّه يا شيخ إني كلّما أمنعه عن اللعب لا ينزجر، فاعلم أيّها الشيخ: لو خرج مرّة أُخرى من دون إذني من البيت ليلعب قطعت عنه علاقة الأُمومة والبنوّة، فوافق الشيخ على ذلك ، فطلبت منه أن يكتب رسالة بهذا المعنى؛ كي لا يلعب بعد هذا مع الأطفال، وإلّا فما هو ابني ولا أنا أُمّه، فكتب الشيخ بذلك رسالة، وأعطاها إيّاها، فأخذت بيد الطفل، وأدخلته البيت، فما مضت إلّا سويعة وإذا رأى الشيخ أنّ الطفل قد خرج من البيت، وانشغل باللعب مع الأطفال، فغضبت الأُمّ، وسدّت عليه الباب إلى أن انتهوا من اللعب، وذهب كلّ واحد منهم إلى بيته، وبقي وحده ، فجاء إلى البيت، ولكن كلّما دقّ الباب لم تفتح عليه الباب، فالتجأ إلى بيوت الجيران واحداً واحداً، ولكنّهم لم يفتحوا له أبوابهم، فاحتار في أمره، ورجع مرّة أُخرى إلى بيت أُمّه، وكلّما دق الباب لم يُفتح له، فقال: يا أُمّ إن لم ينفتح عليّ باب الجيران كان لي وجه للرجوع إلى هذا الباب، ولكن لو لم ينفتح عليّ هذا الباب ليس لي وجه للرجوع إلى باب آخر، وأخذ يبكي ويئنّ، وجعل وجهه على التراب إلى أن أخذه النوم وأمّه تراقب حاله من على السطح، فحينما رأت الطفل قد نام بكمال الذل والانكسار في التراب رمت بنفسها، ورفعت رأس طفلها من على تراب الذلّ، وأخذت تمسح الغبار عن وجهه وهو نائم، ولمّا استيقظ الطفل، ونظر إلى وجه أُمّه قال: يا أُمّ لو تقطعي عنّي الماء والخبز فهو مقبول، ولو تفركي أُذني فأنا مستحقّ لذلك، ولو تركِتني في البكاء والحنين أتحمّل ذلك، ولكنّ الذي‏أطلبه منك أن لا ترسليني من باب بيتك إلى أبواب الآخرين، فلمّا رأى الشيخ هذه القِصَّة شقّ قميصه، وقال: اتّضح لي من هذه القِصّة أمران:

1 ـ إنّ العبد ليس له باب وطريق غير باب اللَّه عزّ وجلّ.

2 ـ إنّ علاقة المحبّة لا تنفصم بأي شي‏ء.

 أقول : يا ترى أنّ الأُمّ تفرح برجوع ولدها وتوبته، وتتجاوز عن سيّئته، ولكن اللَّه - تعالى - الذي ألهم الأُمّ هذه الرحمة وهو أرحم الراحمين لا يقبل توبة العبد، ولا يفرح برجوع عبده المؤمن؟! وإنّ عطفه تعالى ورحمته على العباد ثابتان حتى في يوم المعاد في حين أنّ عطف الأُمّ وحنانها لا يبقى لهما أثر في ذلك اليوم يوم ترونها تذهل كلّ مرضعة عمّا أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وماهم بسكارى ولكن عذاب اللَّه شديد.

 يوم يفرّ المرء من أخيه * وأُمّه وأبيه * وصاحبته وبنيه * لكل امرىً منهم يومئذ شأن يغنيه.

 يوم تكون السماء كالمهل * وتكون الجبال كالعهن* ولا يسأل حميم حميماً * يُبصَّرونهم يودّ المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه * وصاحبته وأخيه * وفصيلته التي تؤويه * ومن في الأرض جميعاً ثم ينجيه * كلّا إنها لظى * نزّاعة للشوى.

 يوم لا ينفع مال ولا بنون * إلّا من أتى اللَّه بقلب سليم.

 وفي ختام حديثنا عن التوبة أقول : إنّ الآية الشريفة قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة اللَّه إن اللَّه يغفر الذنوب جميعاً إنّه هو الغفور الرحيم * وأنيبوا إلى ربكم.... قد ذُكرت لها شؤون نزول، ويُحْتمَل أنّها كانت جميعاً من قبيل التطبيق على المورد لا من قبيل شأن النزول، ولكنّها على أيّ حال تعتبر جميعاً قصصاً لأشخاص صدرت عنهم الذنوب الكبار العظام ممّا يؤدي إلى سَعَة الأمل للمذنبين بهذه الآية المباركة، ولذا نشير هنا إلى بعض تلك الموارد:

 أولها - قيل: إنّها نزلت بشأن وحشي، وقد ورد في تفسير نمونه: أنّ سورة الزمر من السور المكية، ووقتئذ لم يكن قد وقعت قِصَّة وحشي ولا وقعة أُحد، فلا يمكن أن تكون قِصَّة وحشي شأن نزول للآية المباركة، فلعلّ هذا كان تطبيقاً لهذه الآية على ذاك المورد.

 وعلى أيّة حال، فوحشي هو ذاك المجرم المعروف قاتل حمزة عمّ النبي‏ صلى الله عليه واله  في وقعة أُحد.

 وقد رُوِيَ في تفسير القمي أنّ هند بنت عتبة (... كانت في يوم أُحد في وسط العسكر، فكلّما انهزم رجل من قريش رفعت له ميلاً ومكحلة، وقالت: إنّما أنت امرأة، فاكتحل بهذا، وكان حمزة بن عبدالمطلب يحمل على القوم، فإذا رأوه انهزموا، ولم يثبت له أحد، وكانت هند بن عتبة قد أعطت وحشياً عهداً: لئن قتلت محمّداً أو عليّاً أو حمزة لأعطيتك رضاك، وكان وحشي عبداً لجبير بن مطعم حبشيّاً، فقال وحشي: أمّا محمّد فلا أقدر عليه، وأمّا عليّ فرأيته رجلاً حذراً كثير الالتفات فلم أطمع فيه، فكمنت لحمزة ، فرأيته يهدّ الناس هدّاً، فمرّ بي، فوطأ على جرف حرف خ ل نهر فسقط ، فأخذت حربتي فهززتها ورميته ، فوقعت في خاصرته، وخرجت من مثانته مغمسة بالدم، فسقط، فأتيته، فشققت بطنه، فأخذت كبده، وأتيت بها إلى هند، فقلت لها: هذه كبد حمزة، فأخذتها في فيها فلاكتها، فجعلها اللَّه في فيها مثل الداغصة الفضّة خ ل فلفظتها ورمت بها، فبعث اللَّه ملكاً فحملها وردّها إلى موضعها..).

 وقد ورد في سفينة البحار: (حكي أنّ مسيلمة الكذّاب اشترك في قتله وحشي وأبو دجانة، فكان وحشي يقول: قتلت خير الناس وشرّ الناس حمزة ومسيلمة..) ومنه الحديث: (حمزة وقاتله في الجنة).

 وذكرَ في تفسير نمونه نقلاً عن بعض المفسّرين:

 لما كثرت انتصارات الإسلام أراد وحشي أن يسلم، لكنّه كان يخشى عدم قبول إسلامه، فنزلت الآية، فأسلم، وقال له رسول اللَّه‏ صلى الله عليه واله : (كيف قتلت عمّي حمزة؟ فذكر وحشي قِصّة قتله لحمزةرحمه الله ، فبكى رسول اللَّه‏ صلى الله عليه واله  بكاءً شديداً، وقَبِل توبته، ولكنّه قال له: غيّب وجهك عنّي، فإنّي لا استطيع النظر إليك. فلحق بالشام، فمات في أرض تُسمّى بالخمر.

 وورد في تفسير الفخر الرازي: لما أسلم وحشي بناءً على هذه الآية قيل لرسول اللَّه‏ صلى الله عليه واله : (هذه له خاصّة أم للمسلمين عامّة؟ فقال: بل للمسلمين عامّة).

 وثانيها - ما رواه في تفسير نمونه باختصار عن تفسير أبي الفتوح الرازي‏ج 9ص 412من أنّ شاباً جاء إلى رسول اللَّه‏ صلى الله عليه واله  باكياً مع شدّة التأثّر، وكان يقول: إنّي أخشى من غضب اللَّه، قال له الرسول‏ صلى الله عليه واله : هل أشركت؟ قال: لا ، قال: هل قتلت أحداً بغير حق؟ قال: لا، قال‏ صلى الله عليه واله : يغفر اللَّه لك ذنوبك مهما كثرت، قال: إنّ ذنبي أعظم من السماء والأرض والعرش والكرسيّ، فقال له رسول اللَّه‏ صلى الله عليه واله : هل أنّ ذنبك أعظم من اللَّه؟! قال: لا، اللَّه أكبر من كلّ شي‏ء، قال له: تب فإنّ الإله العظيم يغفر الذنب العظيم.

 ثُمّ قال له: اذكر لي ذنبك: قال: استحي منك من ذكره، قال‏ صلى الله عليه واله : اذكره لنا كي نعرف ماهو هذا الذنب، قال: كنت أنبش القبور سبع سنين، وأسرق أكفان الموتى إلى أن انتهيت إلى قبر أنصاريّة، وبعد أن أخذت كفنها وسوستني نفسي، وهنا يشرح فعلته الشنيعة معها، فغضب رسول اللَّه‏ صلى الله عليه واله  وقال: أخرجوا هذا الفاسق عنّي، وقال له: ما أقربك من النار، فخرج وكان يبكي بكاءً عظيماً، وذهب إلى الصحراء، وكان يقول: يا إله محمّد صلى الله عليه واله  إن قبلت توبتي أخبر رسولك بذلك، وإلّا فأرسل صاعقة من السماء وأحرقني بها، وأنجني بذلك من عذاب الآخرة، فنزلت الآية: قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة اللَّه....

 وقد ذكر الشيخ المجلسي‏قدس سره  هذه القِصّة بكلّ تفصيل في البحار، إلّا أن الآية التي فرض نزولها في تلك القِصَّة ليست الآية الماضية، بل آية أُخرى، وهي قوله تعالى: والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا اللَّه فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلّا اللَّه ولم يصرّوا على ما فعلوا وهم يعلمون* اولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنّات تجري‏من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين.

 وثالثها - ما رواه فخر الرازي في تفسيره بعنوان أحد الأُمور التي ذكرت في سبب نزول الآية، وهو أنّه قيل: (إنّها نزلت في أهل مكّة، فإنّهم قالوا: يزعم محمّد صلى الله عليه واله  أنّ من عبد الأوثان، وقتل النفس لم يغفر له، وقد عبدنا وقتلنا، فكيف نسلم؟!) فنزلت هذه الآية معلنةً عن قبول توبتهم.

 وممّا يناسب ذكره في المقام قِصّة أبي لبابة التي رواها المجلسي في البحار عن تفسير علي بن إبراهيم في ذيل آية وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى اللَّه أن يتوب عليهم إن اللَّه غفور رحيم قال: (نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر، وكان رسول اللَّه‏ صلى الله عليه واله  لمّا حاصر بني قريظة قالوا له: ابعث إلينا أبا لبابة نستشيره في أمرنا، فقال رسول اللَّه‏ صلى الله عليه واله : يا أبا لبابة ائت حلفاءك ومواليك، فأتاهم، فقالوا له: يا أبا لبابة ما ترى؟ أننزل على حكم رسول اللَّه؟ فقال: انزلوا، واعلموا أنّ حكمه فيكم هو الذبح وأشار إلى حلقه، ثُمّ ندم على ذلك، فقال: خنت اللَّه ورسوله، ونزل من حصنهم، ولم يرجع إلى رسول اللَّه‏ صلى الله عليه واله ، ومرّ إلى المسجد، وشدّ في عنقه حبلاً، ثُمّ شدّه إلى الأُسطوانة التي تسمّى أسطوانة التوبة، فقال: لا أحلّه حتى أموت، أو يتوب اللَّه عليّ، فبلغ رسول اللَّه‏ صلى الله عليه واله  ذلك، فقال: أمّا لو أتانا لاستغفرنا اللَّه له فأمّا إذا قصد إلى ربّه فاللَّه أولى به. وكان أبو لبابة يصوم النهار، ويأكل بالليل ما يمسك رمقه، وكانت بنته تأتيه بعشائه، وتحلّه عند قضاء الحاجة، فلمّا كان بعد ذلك ورسول اللَّه‏ صلى الله عليه واله  في بيت أُمّ سلمة نزلت توبته، فقال: يا أُمّ سلمة قد تاب اللَّه على أبي لبابة، فقالت : يا رسول اللَّه أفأُؤذنه بذلك؟ فقال: لتفعلنّ، فأخرجت رأسها من الحجرة، فقالت: يا أبا لبابة أبشر قد تاب اللَّه عليك، فقال: الحمدللَّه، فوثب المسلمون يحلّونه، فقال: لا واللَّه حتى يحلّني رسول اللَّه‏ صلى الله عليه واله  بيده، فجاء رسول اللَّه‏ صلى الله عليه واله  فقال: يا أبا لبابة قد تاب اللَّه عليك توبة لو ولدت من أُمّك يومك هذا لكفاك، فقال: يا رسول اللَّه أفأتصدّق بمالي كلِّه، قال:لا، قال : فبثلثيه؟ قال: لا ، قال: فبنصفه؟ قال: لا، قال: فبثلثه؟ قال: نعم، فأنزل اللَّه: وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى اللَّه أن يتوب عليهم إنّ اللَّه غفور رحيم* خذ من أموالهم صدقة تطهّرهم وتزكيهم بها وصلّ عليهم إن صلاتك سكن لهم واللَّه سميع عليم* ألم يعلموا أن اللَّه هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات وأن اللَّه هو التواب الرحيم ).

 فلئن كانت هذه الذنوب العظام قد حطّتها التوبة ونحن نرجو أن لا تكون لنا ذنوب من هذا المستوى، فكلّنا رجاءٌ أن يغفر اللَّه لنا ذنوبنا بتوبتنا واستغفارنا خاصّة إذا استغفرنا ربّنا في الاسحار، وقد قال اللَّه تعالى في وصف المتقين: كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون* وبالأسحار هم يستغفرون. وقال - أيضاً - في وصفهم: الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار. وأيضاً قال اللَّه تعالى في الحوار الذي نقله بين يعقوب وأبنائه: قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنّا كنّا خاطئين* قال سوف استغفر لكم ربّي إنّه هو الغفور الرحيم.

 وقد فسّر هذا التأجيل في الاستغفار بالتأجيل إلى السحر.

 وفي الكافي بسند صحيح عن عمر بن أُذينة قال: (سمعت أبا عبداللَّه‏  عليه السلام  يقول: إنّ في الليل لساعة ما يوافقها عبد مسلم ثم يصلّي ويدعو اللَّه عزّ وجلّ فيها إلّا استجاب له في كل ليلة، قلت: أصلحك اللَّه وأيّ ساعة هي من الليل؟ قال: اذا مضى نصف الليل وهي السدس الأول من أوّل النصف).