|
الفصل الثالث التفكر والتذكر
قال اللَّه تعالى : إنّ في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأُولي الألباب* الذين يذكرون اللَّه قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكّرون في خلق السماوات والأرض ربّنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار * ربّنا إنّك من تدخل النار فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار * ربّنا إنّنا سمعنا منادياً ينادي للإيمان أن آمنوا بربّكم فآمنا ربّنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفّر عنّا سيئاتنا وتوفّنا مع الأبرار * ربّنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة انك لاتخلف الميعاد * فاستجاب لهم ربّهم أنّي لا أُضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أُنثى بعضكم من بعض فالذين هاجروا وأُخرجوا من ديارهم واُوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفّرنّ عنهم سيئاتهم ولأدخلنّهم جنّات تجري من تحتها الأنهار ثواباً من عند اللَّه واللَّه عنده حسن الثواب. ومن مقدّمات السلوك إلى اللَّه التفكّر والتذكّر . وقد قيل: إنّ التذكر فوق التفكّر؛ لأنّ التفكّر يكون عند احتجاب القلب بصفات النفس، فيلتمس الإنسان البصيرة المطلوبة، والتذكّر يكون عند رفع الحجاب، وخلوص خلاصة الإنسانية من قشور صفات النفس، والرجوع إلى الفطرة الأُولى، فيتذكّر ما انطبع فيها في الأزل من التوحيد والمعارف بعد النسيان بسبب التلبّس بغواشي النشأة، وقد يكون التذكّر للمعاني التي حصلت بالتفكّر بعد نسيانها. وعلى أيّة حال ، فالتفكّر والتذكّر أمران متفاعلان، وأحدهما يدعو إلى الآخر، فإنّ التفكّر يورث التذكّر لما نسيه بسبب أغشية النفس، كما أنّ التذكّر يورث الانتباه، ومن ثمّ يدعو إلى مزيد من التفكير. والأمر بالتذكّر وارد في القرآن الكريم بكثرة كاثرة، كقوله تعالى: ... أولم نعمّركم ما يتذكّر فيه من تذكّر...... مالكم من دونه وليّ ولا شفيع أفلا تتذكّرون فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون إلى غير ذلك منالآيات. وكأنّ أحد أغصان التذكّر المهمّة المأمور بها في القرآن هو: تذكّر ما عُهِدَ إلينا في عالم الذر المنطبع في الفطرة سواءٌ فرضنا عالم الذرّ نفس عالم الفطرة، أو عالماً أسبق به تكوّنت الفطرة الطاهرة، فإنّ أغشية النفس أذهلتنا عن ذلك ولا نذكرها، ولكنّنا نستطيع أن نتذكّرها بمعنى: الرجوع إلى الفطرة والتفتيش عمّا فيها والحصول عليها، فقوله تعالى مثلاً: ... أولم نعمّركم ما يتذكّر فيه من تذكّر... يعني: أنّ المقدار الذي تفضّلنا به عليكم من العمر كافٍ لوجدانكم لما هو الكامن في فطرتكم من التوحيد والمعارف. وقد رُتِّبَ التذكّر في القرآن تارة على الإنابة، وأُخرى على اللّب، قال اللَّه تعالى: ... وما يتذكّر إلّا من ينيبوقوله تعالى: ... إنّما يتذكّر أولو الألباب. أمّا التفكّر فله أقسام كثيرة، منها ما يلي: فقد يكون تفكّراً في آيات اللَّه كما أشارت إليه الآيات التي بدأنا بها الحديث ان في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأُولي الألباب الذين يذكرون اللَّه قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض... وهذا تفكّر يبعث بمعرفة اللَّه وبالتوحيد، وفي نفس الوقت يبعث بالتذكير بالوظائف وضرورة الطاعة والإيمان والهرب من العذاب؛ ولهذا أعقبه اللَّه - سبحانه - بقوله: ... ربّنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار * ربّنا إنّك من تدخل النار فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار * ربّنا إننا سمعنا منادياً ينادي للإيمان أن آمنوا بربّكم فآمنّا ربّنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفّر عنّا سيئاتنا وتوفّنا مع الأبرار... وأُخرى يكون التفكّر في نعم اللَّه وآلائه، وثالثةً في كتاب اللَّه أو في المناجاة والدعاء والصلاة، كما قال رسول اللَّهصلى الله عليه واله فيما ورد في وصايا لأبي ذرّ: (... يا أبا ذرّ ركعتان مقتصدتان في تفكّر خير من قيام ليلة والقلب ساهٍ) ورابعةً في النفس وحالاتها ومهالكها وأساليب علاجها ونجاتها، وخامسةً في العِبَر المؤثّرة فيالنفس، كما ورد عن الحسن الصيقل قال: (سألت أبا عبداللَّهعليه السلام عمَّا يروي الناس: أنّ تفكّر ساعة خير من قيام ليلة، قلت: كيف يتفكّر؟ قال: يمرّ بالخربة أو بالدار فيقول: أين ساكنوك، أين بانوك، مالكِ لاتتكلمين). ومن هذا النمط الكلام المرويّ عن إمامنا أمير المؤمنينعليه السلام : (... واعلموا عباد اللَّه أنّكم وما أنتم فيه من هذه الدنيا على سبيل من قد مضى قبلكم، ممّن كان أطول منكم أعماراً، وأعمر دياراً، وأبعد آثاراً، أصبحت أصواتهم هامِدَة، ورياحهم راكِدة، وأجسادهم بالية، وديارهم خالية، وآثارهم عافية. فاستبدلوا بالقصور المشيّدة، والنمارق الممهّدة، الصخور والأحجار المسنّدة، والقبور اللاطئة المُلحّدة التي قد بُنيَ بالخراب فِناؤها، وشيد بالتراب بناؤها، فمحلُّها مقترب، وساكنها مغترب بين أهل محلّة موحشين، وأهل فراغ متشاغلين، لايستأنسون بالأوطان، ولايتواصلون تواصل الجيران على ما بينهم من قرب الجوار ودنوّ الدار، وكيف يكون بينهم تزاور وقد طحنهم بِكَلْكَلِهِ البِلى، وأكلتهم الجنادِل والثَّرَى...). وقد روي أنّه (سُئِلَ عيسىعليه السلام مَنْ أفضل الناس؟ قال: مَنْ كان منطقه ذكراً، وصمته فكراً، ونظره عبرةً). وعن الصادقعليه السلام قال: (كان أمير المؤمنينعليه السلام يقول: نبّه بالتفكّر قلبك، وجافِ عن الليل ساجداً، واتّقِ اللَّه ربّك). وإنّني أختم الحديث في هذا الفصل بذكر روايتين واردتين بشأن الآيات المباركات التي افتتحنا بها هذا الفصل: الأُولى - رُوي عن ابن عمر قال: (قلت لعائشة: أخبريني بأعجب مارأيت من رسول اللَّهصلى الله عليه واله ؟ فبكت وأطالت، ثُمّ قالت: كلُّ أمره عجب، أتاني في ليلتي، فدخل في لحافي حتى ألصق جلده بجلدي، ثُمّ قال لي: يا عائشة هل لك أن تأذني لي الليلة في عبادة ربّي؟ فقلت: يا رسول اللَّه إنّي لأُحبّ قربك، وأُحبّ مرادك، قد أذنت لكَ، فقام إلى قِرْبة من الماء في البيت، فتوضأ ولم يكثر من صبّ الماء، ثُمّ قام يصلّي، فقرأ من القرآن، وجعل يبكي، ثُمّ رفع يديه فجعل يبكي حتى رأيت دموعه قد بلّت الأرض، فأتاه بِلال يؤذنه بصلاة الغداة، فرآه يبكي، فقالله: يا رسول اللَّه أتبكي وقد غفر اللَّه لك ما تقدّم من ذنبكَ وما تأخّر؟! فقال: يا بلال أفلا أكون عبدا شكوراً، ثُمّ قال: مالي لا أبكي وقد أنزل اللَّه في هذه الليلة: إن في خلق السماوات والأرض... ثُمّ قال: ويل لمن قرأها ولم يتفكّر فيها. وروي: ويل لمن لاكها بين فكّيه ولم يتأمّل فيها). والثانية - ما رُوِيَ عن حبّة العرني: قال: (بينا أنا ونوف نائمين في رحبة القصر إذ نحن بأمير المؤمنينعليه السلام في بقيّة من الليل واضعاً يده على الحائط شبيه الواله وهو يقول: إن في خلق السموات الأرض... قال: ثُمّ جعل يقرأ هذه الآيات، ويمرّ شبه الطائر عقله، فقال لي: أراقد أنت ياحبّة أم رامق؟ قال: قلت: رامق، هذا أنت تعمل هذا العمل فكيف نحن ؟ فأرخى عينيه فبكى، ثُمّ قال لي: ياحبّة إنّ للَّه موقفاً ، ولنا بين يديه موقفاً لا يخفى عليه شيء من أعمالنا، يا حبّة إنّ اللَّه أقرب إليّ وإليك من حبل الوريد، يا حبّة إنّه لن يحجبني ولا إيّاك عن اللَّه شيء. قال: ثُمّ قال: أراقد أنت يا نوف؟ قال: قال: لا يا أمير المؤمنين ما أنا براقد، ولقد أطلت بكائي هذه الليلة، فقال: يا نوف إن طال بكاؤك في هذا الليل مخافة من اللَّه تعالى قرّت عيناك غداً بين يدي اللَّه عزّ وجلّ...). |