|
الفصل الرابع الاعتصام وا لفرار
قال اللَّه تعالى : وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات اللَّه وفيكم رسوله ومن يعتصم باللَّه فقد هدي إلى صراط مستقيم * يا أيها الذين آمنوا اتقوا اللَّه حق تقاته ولا تموتُنّ إلا وأنتم مسلمون * واعتصموا بحبل اللَّه جميعاً ولاتفرّقوا واذكروا نعمة اللَّه عليكم إذ كنتم أعداءً فألّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبيّن اللَّه لكم آياته لعلكم تهتدون. وقال عزّ وجلّ : إلّا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا باللَّه وأخلصوا دينهم للَّه فأولئك مع المؤمنين. وقال عزّ من قائل : واعتصموا باللَّه هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير. وقال جلّ جلاله : فأمّا الذين آمنوا باللَّه واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم إليه صراطاً مستقيما. وقال سبحانه وتعالى : ففرّوا إلى اللَّه إنّي لكم منه نذير مبين. قد فسّر بعض الاعتصام باللَّه والاعتصام بحبل اللَّه الواردين في القرآن الكريم: بأنّ الثاني هو: الاحتماء بطاعة اللَّه، وهو اعتصام عامّة الناس. والأوّل هو: الانقطاع إلى اللَّه عن كلّ موهوم، وذلك إمّا بمعنى الإعراض عمّ-ا عداه، والتمسّك به وحده، وهو اعتصام الخاصّة، أو بمعنى الاتصال الذي يعني الوصول إلى شهود الحقّ تفريداً، وهو اعتصام خاصّة الخاصّة. أقول: الاعتصام معناه: الدخول في عصمته وحصنه، والاحتماء به على اختلاف درجات ذلك باختلاف درجات عرفان العبد. وتعابير القرآن اتَّفقت على الاعتصام باللَّه، أمّا الاعتصام بحبل اللَّه فلم يرد إلّا في مورد واحد. والظاهر أنّ سبب الفرق هو: أنّ المقصود في باقي الموارد في القرآن كان هو بيان أنّ الحصن الوحيد الواقي من جميع الأخطار هو اللَّه تعالى، فلابدّ من الاعتصام بعصمته بالشهادة المخلصة بالوحدانية. وفي خصوص المورد الذي عُبّر بالاعتصام بحبل اللَّه كان الكلام عن توحيد الصفّ وعدم التفرّق، فناسب التعبير بالحبل الذي هو عِقد يوحّد المفردات المختلفة، وإشراب الاعتصام معنى التمسك، فالمعنى - واللَّه العالم - تمسّكوا بحبل اللَّه، وتوحّدوا بذلك ولا تفرّقوا. وقد فُسّر حبل اللَّه في أكثر رواياتنا بعليّ بن أبي طالبعليه السلام أو بالائمة المعصومينعليهم السلام . ومن الروايات الطريفة الواردة بشأن الاعتصام باللَّه ما ورد عن عبداللَّه ابن سنان بسند صحيح، عن أبي عبداللَّهعليه السلام قال: (أيّما عبد أقبل قِبَل ما يحبّ اللَّه عزّوجلّ أقبل اللَّه قِبَل ما يحبّ، ومَنْ اعتصم باللَّه عصمه اللَّه، ومَنْ أقبل اللَّه قِبَله وعصمه لم يبال لو سقطت السماء على الأرض، أو كانت نازلة نزلت على أهل الأرض فشملتهم بليّة، كان في حزب اللَّه بالتقوى من كلّ بليّة، أليس اللَّه يقول: إنّ المتّقين في مقام أمين). وأمّا الفرار إلى اللَّه فهو قريب المعنى من الاعتصام باللَّه، إلّا أنّ الاعتصام يشتمل على التركيز على الجانب الإيجابي، وهو: الالتجاء إلى اللَّه، والفرار يشتمل على التركيز على الجانب السلبي، وهو: الهروب ممّا يخاف منه. وعلى أيّة حال، فالاعتصام باللَّه والفرار إليه ممّا لابدّ منه في تزكية النفس؛ إذ لا حول ولا قوّة إلّا به: ...ولو لا فضل اللَّه عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبداً.... |