|
الفصل السابع الحز ن
ومن هنا إلى تسعة فصول أي: إلى الفصل الخامس عشر سُمّيت بقسم الأبواب، في مقابل ما مضى المسمّى بقسم البدايات بدعوى أنّ البدايات كانت لعامّة الناس، وهم أهل الظاهر الذين لم يتجاوزوا إلى الباطن، واشتغلوا برفع الموانع وقطع العلائق وعندئذٍ انفتحت عليهم أبواب الباطن، فدخلوها ، وهي انفعالات وآثار من أنوار القلوب. قال اللَّه تعالى: ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولّوا وأعينهم تفيض من الدمع حَزناً أن لا يجدوا ما ينفقون. قيل بشأن نزول هذه الآية المباركة: إنّ سبعة من فقراء الأنصار جاؤوا الى الرسولصلى الله عليه واله وطلبوا منه تمكينهم ممّا يمكّنهم من الاشتراك في الجهاد، فاعتذر منهم رسول اللَّهصلى الله عليه واله بعدم وجدانه لذلك، فتولّوا وأعينهم تفيض من الدمع، فنزلت هذه الآية بشأنهم، وعُرِفوا بعد ذلك باسم البكّائين. الحزن قد يكون بمعنى التوجّع على ما فات ممّا يقبل التدارك بمثل القضاء أو التوبة أو نحو ذلك، وأُخرى يكون بمعنى التأسّف على الممتنع كما في مورد الآية المباركة. وعلى أي حال، فهو آية الإيمان، وعلامة الشوق إلى الخير والى اللَّه سبحانه وتعالى، ويسبّب دفع الإنسان -دائماً - إلى جهة الكمال. ومن فوائده في موارد إمكان التدارك البعث إلى التدارك، ومن فوائده - أيضاً - دفع السرور الزائد الذي يميت القلب، ويبعث إلى التميّع وعدم المبالاة في أقلّ تقدير، ويسبّب الأشر والبطر، وذلك من المهلكات. وعن مولانا أمير المؤمنينعليه السلام : في الخطبة المعروفة بخطبة همام أو خطبة المتّقين التي أوردها سلام اللَّه عليه في ذكر أوصاف المتّقين: (... قلوبهم محزونة، وشرورهم مأمونة، وأجسادهم نحيفة، وحاجاتهم خفيفة، وأنفسهم عفيفة، صبروا أيّاماً قصيرة أعقبتهم راحة طويلة. تجارة مربحة يسّرها لهم ربّهم. أرادتهم الدنيا فلم يريدوها، وأسرتهم ففدوا أنفسهم منها. أمّا الليل فصافّون أقدامهم، تالين لاجزاء القرآن يرتّلونه ترتيلاً، يحزّنون به أنفسهم، ويستثيرون به دواء دائهم...) . ولا يخفى أنّ الحزن بالمعنى الذي يشلّ الإنسان عن العمل الاجتماعي، وعن الانشراح مع إخوانه المؤمنين، ويوجب انقباضه عن الناس، وانقباض الناس عنه، إنّما يناسب أهل العرفان الكاذب. أمّا العارف الصحيح فحزنه يكون كامناً في قلبه، يمنعه عن الأشر والبطر والبطالة، ولكنّ بشره في وجهه، محبّب إلى الناس، وجلّاب لعواطف القلوب، ومهتمّ بقضاء حوائج المؤمنين الخاصّة، ذوعن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال: (المؤمن بِشره في وجهه، وحزنه في قلبه، أوسع شيء صدراً، وأذلّ شيء نفساً، يكره الرِفعة، ويشنأُ السُمعة، طويل غمّه، بعيد همّه، كثير صمته، مشغول وقته، شكور، صبور، مغمور بفكرته، ضنين بخلّته، سهل الخليقة، ليّن العريكة، نفسه أصلب من الصلد، وهو أذلّ من العبد). قوله عليه السلام : (المؤمن بشره في وجهه، وحزنه في قلبه) إنّ هاتين الصفتين تكاسر إحداهما الأُخرى، وترفع الآثار السيئة عنها، فإنّ الحزن وحده يؤدّي إلى الانكماش عن المجتمع وعن الأعمال الاجتماعية، كما أنّ البِشر لو كان وحده يؤدّي إلى البطالة والبطر، ولكن متى ما اجتمع الحزن الإلهي في القلب مع البِشر المأمور به المؤمن أمام الناس، يتم الإعتدال، وتكون كلّ من الصفتين كمالاً محضاً، ونافعاً له ولمجتمعه ولدينه ودنياه وآخرته. قوله عليه السلام : (أوسع شيء صدراً وأذلّ شيء نفساً) حينما يصبح الإنسان واسع الصدر - وسعة الصدر آلة الرئاسة - قد يأخذه الغرور بسبب نجاحه في الاُمور وقدرته على حلّ المشاكل بسعة الصدر، ولكن يعالج ذلك وصفُهُ الآخر، وهو: أنّه (أذل شيء نفساً) فهو دائما يلحظ نقائص نفسه، ويُذلّ نفسَه أمام قلبه، ويؤنّبها على أخطائها، وهذا يمنع عن بروز تلك الحال، ويؤدّي إلى الاعتدال المطلوب. قوله عليه السلام : (ضنين بخلّته) يُحتمَل في كلمة الخلّة فتح الخاء وضمها فعلى الفتح تكون بمعنى الفقر والحاجة، ويكون المعنى: أنّ المؤمن يبخل بعرض حاجته على الناس، فلا يمدّ يد الحاجة إليهم. وعلى الضمّ يكون معناها: من الإخلاص والصداقة .وعلى هذا المعنى فسّره ابن أبي الحديد بمعنى كونه قليل المخالطة والتوفّر على العُزلة. أقول : إنّ هذا شأن العرفان الكاذب، بل الأولى أن يكون المقصود على هذا المعنى هو: الاحتفاظ بالخُلّة، أي: الصداقة أو الاصدقاء، بمعنى أنّه يكون وفيّاً للذين اتّخذهم أخلّاء في اللَّه حافظاً لهم للغيب بما حفظ اللَّه باذلاً لهم النصح والمعونة. قوله عليه السلام : (نفسه أصلب من الصلد، وهو أذلّ من العبد) وهاتان الصفتان -أيضاً - تصلح إحداهما الأُخرى، فإنّ الصلادة والصلابة وإن كان يقصد بها الشجاعة في ذات اللَّه والمقاومة للحق وضدّ الباطل، ولكن قد توجب هذه الحالة -والتي هي نوع اعتماد على النفس - الغرور والتكبّر ، ولكنّه حينما كان -أيضاً متّصفاً بأنّ نفسه أذلّ عنده من العبد تكون الصفتان نافعتين وكمالاً عظيماً للنفس. هكذا كان الأئمّةعليهم السلام يربّون العارفين باللَّه الحقيقيين، ويدرّبونهم على أن يكونوا رُهباناً بالليل أُسداً بالنهار. والحزن الشديد يكون من مَظاهره البكاء، وكذلك الخوف الذي سنبحثه في المستقبل إن شاء اللَّه. والروايات المادحة للبكاء من خشية اللَّه أو من الحزن كثيرة أُسجل لك هنا بعضها من كتاب الوسائل: 1ـ عن الصادق عليه السلام عن آبائه، عن النبيصلى الله عليه واله في حديث المناهي: قال: (ومَنْ ذرفت عيناه من خشية اللَّه كان له بكلّ قطرة قطرت من دموعه قصرٌ في الجنّة، مكلّل بالدرّ والجوهر، فيه ما لا عين رأت، ولا أُذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر). وقد تستغرب من ثواب عظيم كهذا ممّا يوصف بأنّه لا عين رأت، ولا أُذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، كيف رُتِّب على مجرد قطرة من الدمع؟! ولكن يزول هذا الاستغراب إذا التفتنا إلى أمرين : الأوّل - ما يكشف عنه البكاء، إن البكاء يكشف عن التحوّل العظيم في نفس الباكي، والتفاعل الكامل مع اللَّه سبحانه وتعالى ومع أوامره ونواهيه، وتجلّي عظمته تعالى في قلبه وخشوعه له، ومن هنا يكون البكاء - أيضاً - كاشفاً عن مستوىً عالٍ من الندم على المعاصي، وموجباً لغفران الذنوب كما ورد في الحديث التالي : 2ـ عن الحسن العسكري عليه السلام عن آبائهعليهم السلام ، عن الصادق عليه السلام : (إن الرجل ليكون بينه وبين الجنّة أكثر ممّا بين الثرى إلى العرش؛ لكثرة ذنوبه، فما هو إلّا أن يبكي من خشية اللَّه - عزّ وجلّ - ندماً عليها حتى يصير بينه وبينها أقرب من جفنه إلى مقلته). وطبعاً هذا لا ينفي سائر شرائط التوبة، بل كأنّه ينظر إلى أنّ البكاء لو كان بكاءً مرتبطاً بالندم ارتباطاً حقيقيّاً فهو يلازم تحقيق باقي شرائط التوبة. والثاني - ما يترتّب على البكاء من الاقتراب العاطفي الكبير من اللَّه جلّت عظمته، وخَرق حُجُب النفس ممّا يؤدّي إلى تركّز التفاعل مع اللَّه في النفس أكثر من ذي قبل؛ ولذا ينبغي للباكي أن يغتنم فرصة تلك الحالة الذهبية التي حصلت له في تهذيب نفسه وتزكيتها؛ فإنّ هذه الفرصة لا تحصل في أيّ وقت شاء الشخص. وجميع الروايات الواردة فيمدح البكاء من خشية اللَّه أو الشعور بعظمته والإندهاش أمامه تُحمل على هذين التفسيرين اللَذيْن عرفتهما وذلك من قبيل: 3ـ ما ورد عن الصادق عليه السلام : قال: (ما من شيء إلّا وله كيل ووزن، إلّا الدموع؛ فإنّ القطرة تُطفي بحاراً من نار، فإذا اغرورقت العين بمائها لم يرهق وجهه قتر ولا ذلّة، فإذا فاضت حرّمها اللَّه على النار، ولو أن باكياً بكى في أُمّة لرحموا). 4ـ عن الرضا عليه السلام في حديث صحيح السند قال: (كان فيما ناجى اللَّه به موسى عليه السلام أنّه ما تقرّب إليّ المتقربون بمثل البكاء من خشيتي، وما تعبّد لي المتعبّدون بمثل الورع عن محارمي، ولا تزيّن لي المتزيّنون بمثل الزهد في الدنيا عمّا يهمّ الغنى عنه. فقال موسى: يا أكرم الأكرمين: فما أثبتَهم على ذلك؟ فقال: يا موسى أمّا المتقرّبون لي بالبكاء من خشيتي فهم في الرفيق الأعلى لا يشاركهم فيه أحد، وأمّا المتعبّدون لي بالورع عن محارمي فإنّي أُفتّش الناس عن أعمالهم، ولا أُفتّشهم حياءً منهم، وأمّا المتزيّنون لي بالزهد في الدنيا فإنّي أبيحهم الجنّة بحذافيرها يتبوّؤون منها حيث يشاؤون). هذا ، والبكاء ليس نتيجة الحزن أو الخوف فحسب، بل يكون نتيجة لبعض الصفات والحالات الأُخرى - أيضاً - التي سيأتي الحديث عنها إن شاء اللَّه ، ومنها الخشوع كما جاءت الإشارة إلى ذلك في ثنايا كلامنا، قال اللَّه تعالى: قل آمنوا به أو لا تؤمنوا إن الذين أُوتوا العلم من قبله إذا يُتلى عليهم يخرّون للأذقان سجّداً× ويقولون سبحان ربّنا إن كان وعد ربّنا لمفعولاً× ويخرّون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا وقال اللَّه سبحانه أيضاً: أُولئك الذين أنعم اللَّه عليهم من النبيّين ذرّيّة آدم وممّن حملنا مع نوح ومن ذرّية إبراهيم وإسرائيل وممّن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خرّوا سجّداً وبُكيّا. وقد ظهرت من ثنايا بحثنا فائدتان تربويّتان هامّتان تترتّبان على البكاء من خشية اللَّه، أو من الحزن على ما فات، أو نحو ذلك ممّا يدعو إلى البكاء في اللَّه سبحانه وتعالى، وهما في غاية الأهميّة القصوى : الأُولى - أنّ حالة البكاء هي من أقرب الحالات إلى اللَّه سبحانه وتعالى، وأشدّها تفاعلاً مع اللَّه عزّ وجلّ، وانشداداً عاطفياً إليه عزّ اسمه. والثانية - أنّ هذه الحالة يمكن استثمارها في سبيل تربية النفس وتزكيتها وتنميتها، وذلك عن طريق أن يفرض الشخص على نفسه في تلك الحالة ما يشاء من ترك المذموم من الخصال أو الأفعال، أو الالتزام بالممدوح من الخصال أو الأفعال، فإنّ النفس تقبل منه هذا التحميل في تلك الساعة التي هي ساعة الصفاء وساعة الانفتاح على العالَم العلوي، في حين أنّه لو أراد الإنسان أن يأخذ على نفسه التزاماً من هذا القبيل في ساعة أُخرى ربّما لا تُعطيه نفسه ذلك ولا تطاوعه، وهي أطوع لك في إعطاء التزام كهذا في ساعة البكاء. ولكننا يجب أن ننبّه أخيراً إلى بعض الآفات التي قد تترتّب على البكاء؛ كي يلتفت إليها سالك الطريق ويحترز منها، وطبعاً إنّ هذه الآفات لو ترتّبت على البكاء فهي نتيجة ضعف نفس الباكي، وإلّا فليس من المفروض أن يترتّب على البكاء من خشية اللَّه أو من عظمته أو ما إلى ذلك غير الخير والسعادة. وتلك الآفات ما يلي : 1ـ هناك آفة لا تختصّ بالبكاء، بل كثيراً ما تعرض على باقي العبادات والطاعات أيضاً، وهي: آفة العُجب وحالة الزهو والكبرياء والتبختر وما إلى ذلك، وذلك من أعظم الذنوب. والنفس نتيجة ضعفها قد تبتلي بهذه الحالة عقيب طاعاتها وعباداتها، فلابدّ من الالتفات إلى هذه الآفة والتجنّب عنها، وذلك بالتفات النفس ضمن ماهي عليه من كمال نتيجة طاعتها إلى ما لها من نقائص لاتنتهي مهما بلغت من مرقاة الكمال، وأنّ ما حصلت عليه من كمال إنّما حصلت عليه بفضل اللَّه ورحمته وبحوله وقوّته، وليس قد بلغت ما بلغت من تلقاء نفسها. قال اللَّه تعالى: ... ولولا فضل اللَّه عليكم ورحمته مازكى منكم من أحدٍ أبداً.... وقد ورد في حديث صحيح السند عن الحذّاء، عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال: (قال رسول اللَّهصلى الله عليه واله : قال اللَّه عزّ وجلّ: لا يتّكل العاملون على أعمالهم التي يعملون بها لثوابي فإنّهم لو اجتهدوا وأتعبوا أنفسهم أعمارهم فيعبادتي كانوا مقصّرين غير بالغين في عبادتهم كنه عبادتي فيما يطلبون من كرامتي والنعيم في جنّاتي ورفيع الدرجات العلى في جواري ولكن برحمتي فليثقوا وفضلي فليرجوا وإلى حسن الظنّ بي فليطمئنّوا فإن رحمتي عند ذلك تدركهم وبمنّي أُبلّغهم رضواني وألبسهم عفوي فإنّي أنا اللَّه الرحمن الرحيم بذلك تسمّيت). وورد - أيضاً - بسند صحيح عن الفضل بن يونس، عن أبي الحسن عليه السلام قال: (قال: أكثر من أن تقول: اللّهمّ لا تجعلني من المعارين ولا تخرجني من التقصير. قلت: أمّا المعارون فقد عرفت أنّ الرجل يعار الدين ثُمّ يخرج منه، فما معنى لاتخرجني من التقصير؟ فقال: كلّ عمل تريد به اللَّه عزّ وجلّ فكن فيه مقصّراً عند نفسك، فإنّ الناس كلّهم في أعمالهم فيما بينهم وبين اللَّه مقصّرون، إلّا من عصمه اللَّه عزّ وجلّ). وقد رُوِي أنّ زنديقاً وصدّيقاً يدخلان مسجداً، فيخرج الصدّيق زنديقاً؛ لما يُبتلى به من عُجب وغرور، ويخرج الزنديق صدّيقاً؛ لما يحظى به من توبة ومن استهانته بنفسه بالقياس إلى الصّديق. ورُوي - أيضاً - : أنّ عيسى - على نبيّنا وآله و عليه السلام وصل في سيره في الصحراء إلى صومعة أحد الرهبان، وانشغل بالحديث معه، وإذا بشاب معروف بالفسق والفجور ومشهور بالمعاصي مرّ في ذاك الطريق، فوقع نظره على عيسى عليه السلام مع ذاك العابد، ففترت رجله عن المشي، ووقف مكانه وقال: يا إلهي لو رآني عيسى على ما أنا عليه من الوضع المخجل ماذا أفعل؟! ولو عاتبني على ماصدر عنّي كيف أُعالج الوضع؟! ولمّا وقع نظر العابد على الفاسق رفع رأسه إلى السماء وقال: اللّهمّ لا تحشرني في يوم القيامة مع هذا الفاسق الفاجر، فأوحى اللَّه إلى عيسى عليه السلام : قل لهذا العابد: إنّنا استجبنا دعاءك، ولا نحشرك معه، فإنّه أصبح من أهل الجنّة بتوبته، وأصبحت من أهل النار بغرورك ونخوتك وعجبك. 2ـ والآفة الثانية التي قد تترتّب على البكاء هي: أنّ من تفاعل مع ربّه إلى حدّ البكاء قد يتخيّل أنّه إذن أدّى الوظيفة، فينسى أو يتناسى وظائفه التي تكلّفه بذل المال أو الراحة أو النفس أو ما إلى ذلك في سبيل المبدأ والعقيدة والإسلام والمسلمين، أو يغفل عن الوظائف الاجتماعية التي يجب أن يقوم بها، ويتقوقع على نفسه وهو مسرور بأنّه قد أدّى ما عليه مادام قد تفاعل مع اللَّه تفاعلاً معنويّاً وصل إلى مستوى البكاء، ويكون ذلك خير وسيلة له للتقاعس عن التضحيات اللازمة من دون الإحساس بوخز الضمير. وهذه الآفة - أيضاً - قد تترتّب على العبادات الأُخرى ولو بمستوى أقلّ ممّا تترتّب على البكاء. وهذه - أيضاً - من نتائج ضعف النفس، وإلّا فليس المفروض بالبكاء أو بأيّ عبادة أُخرى أن يترتب عليه ذلك. وليس علاجها بترك البكاء أو ترك الطاعة أو العبادة، فإنّ ذلك إعانة للشيطان على هدفه، بل علاجها يكون بمزيد من الالتفات والتيقّظ، وبمعرفة حرمة ما تصنعه - عادة - الصوفية من التقوقع على الذات والتقاعس عن خدمة الإسلام والمسلمين بحجّة العبادة أو تربية النفس، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، وكذلك يكون العلاج بتعويد النفس على خلاف هذه الآفة. 3ـ والآفة الثالثة هي التي قد تختص بالبكاء، ولا تترتّب على سائر العبادات والطاعات، وهي: أنّ البكاء من طبيعته أنّه يبرّد القلب، وينفّس عن الإنسان، ولهذا قد يُؤمَر المصاب بفقد عزيز من أعزائه مثلاً بالبكاء على فقيده؛ وذلك لكي ينفّس عن نفسه ويخفِّف ألم المصيبة، فقد يتّفق أنّ الإنسان المؤمن حينما برّد قلبه بالبكاء ونفّس عن لوعته الإيمانية بذلك يَبرُد عمّا عليه من أداء الوظائف الاجتماعية أيضاً، ويترك ما عليه من التضحيات أو الاهتمامات التي تحتاج إلى بذل المال تارةً، أو بذل النفس أُخرى، أو بذل الراحة ثالثةً وما إلى ذلك، فيبتعد بذلك عن اللَّه تعالى بدلاً عن الاقتراب إليه سبحانه. فهذه الآفة - أيضاً - بحاجة إلى مزيد من اليقظة ومراقبة النفس ومحاسبتها؛ كي لا يتورّط الإنسان المؤمن في هذه المصيدة الشيطانية. والواقع : أنّ الشيطان يدخل مع كلّ إنسان المدخلَ المناسب له في إغوائه، فليس يقدر مع كلّ احد على إغرائه بالخمور أو الفساد الجنسي أو ما إلى ذلك، لأنّ الشخص ربّما لا تكون هوايته إلّا في العبادة والطاعة، فيدخل معه نفس المدخل، ويفسد عبادته بالعجب أو الرياء، أو يجعلها سبباً لانكماشه عن أداء الوظائف الاجتماعية، وابتعاده عن خدمة الاهداف الإسلامية أو ما إلى ذلك. فهلمّ إلى التيقّظ الكامل، ومراقبة النفس الدقيقة، ومحاسبتها قبل أن تُحاسَب يوم القيامة من لدن الناقد البصير . |