|
الفصل الثامن الخوف
قال اللَّه تعالى : تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربّهم خوفاً وطمعاً ومما رزقناهم ينفقون* فلا تعلم نفس ما أُخفي لهم من قرّة أعين جزاءً بما كانوا يعملون. وأيضاً قال عزّ من قائل: يوفون بالنذر ويخافون يوماً كان شرّه مستطيرا* ويطعمون الطعام على حبّه مسكيناً ويتيماً وأسيرا * إنما نطعمكم لوجه اللَّه لا نريد منكم جزاءً ولا شكورا * إنّا نخاف من ربّنا يوماً عبوساً قمطريرا * فوقاهم اللَّه شرّ ذلك اليوم ولقّاهم نضرة وسرورا. وقال عزّ اسمه: وأما من خاف مقام ربّه ونهى النفس عن الهوى * فإنّ الجنّة هي المأوى. قيل : إنّ الفرق بين الخوف والحزن بعد اشتراكهما في تألّم الباطن أنّ الحزن على ما فات، والخوف ممّا هو آت. وقيل : إنّ خوف العامّة يكون عن العقاب، وهو الخوف الذي يصحّ به الإيمان، وهو يتولّد من تصديق الوعيد، وذكر الجناية، ومراقبة العاقبة. وخوف الخاصّة يكون عن الاحتجاب. وأمّا أهل الخصوص أو خاصّة الخاصّة فلا خوف لهم بمعنى الكلمة، إلّا هيبة الإجلال. وقد قال بعضهم : أشتاقُهُ فإذا بدا أطرقتُ من إجلالِهِ لا خيفةً بل هيبةً وصيانةً لجمالِهِ أقول : نحن لاننكر هذه المراتب الثلاث من الخوف، وأنّ الثالث هو أمر فوق الخوف، ويشير إلى الأوّل مثل قوله سبحانه وتعالى: إنّ في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود. ويشير إلى الثاني مثل قوله عليه السلام : (... فهبني يا إلهي وسيّدي ومولاي صبرت على عذابك فكيف أصبر على فراقك...) وأقصد بخوف الاحتجاب: الاحتجاب المعنويّ المعقول لا الاحتجاب عن الرؤية المادّية الذي لا ينفك حتى عن المعصومينعليهم السلام ، قال اللَّه تعالى: ولما جاء موسى لميقاتنا وكلّمه ربّه قال ربّ ارني أنظر اليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلّى ربّه للجبل جعله دكّاً وخرّ موسى صعقاً فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنّا أوّل المؤمنين. وقال اللَّه تعالى: لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير. ويشير إلى الثالث قوله عليه السلام : (... وأجر اللَّهمّ لهيبتك من آماقي زفرات الدموع...). ولكنّنا ننكر ما فُرِضَ من أنّ الخاصّة ليس لديهم الخوف بالمعنى الأوّل، أو أنّ خاصة الخاصّة ليس لديهم الخوف الثاني أيضاً، ألا ترى أنّ الآية الشريفة الواردة في سورة الإنسان نسبت الخوف إلى أهل بيت العصمة حيث قالت عنهم: إنّا نخاف من ربّنا يوماً عبوساً قمطريرا؟! نعم، هذا الخوف منهم لا يعني ما يكون من غيرهم من الخوف نتيجة معصية صدرت عنهم، فإنّهم لم تصدر عنهم المعصية بالمعنى المألوف، بل الخوف بالنسبة لهم يمكن أن يكون خوفاً من الوقوع في المعصية من دون أن ينافي ذلك العصمة؛ لأنّ العصمة قد تكون في طول الخوف الشديد الذي هو فوق ما يتصوّر من الإنسان الاعتيادي. ويمكن أن يكون خوفاً ممّا قد يصدر عنهم من ترك الأولى كلٌّ بالقياس إلى ما وصل إليه من مقام الكمال والعرفان. وترك الأولى بهذا المعنى يسبّب في أولياء اللَّه المخلصين نوعاً من تأديب دنيويّ كما اتّفق لذي النون - على نبيّنا وآله وعليه الصلاة والسلام - بصريح القرآن حتى قال عنه سبحانه وتعالى: فلولا أنه كان من المسبحين* للبث في بطنه إلى يوم يبعثون. ويمكن أن يكون خوفاً من الحجاب عن اللَّه سبحانه وتعالى كما ورد في دعاء كميل: (...صبرت على عذابك، فكيف أصبر على فراقك ...). أمّا العرفان الذي كان بدءه من قبلِ أبناء العامّة لامن مدرسة أهل البيت، فقد تورّط في تخيّل أنّه لا يتعقّل الخوف بالمعنيين الأوّلين من خواصّ الخواصّ بسبب عدم اعترافهم بعصمة الأئمّةعليهم السلام وكونهم من أخصّ الخواصّ، فحينما يُرى منهم الخوف بأحد المعنيين الأوّلين زائداً على الخوف الثالث الذي هو في الحقيقة تهيّبٌ وليس خوفاً لا يكون ذلك منافياً لديهم للمبدأ الذي قرّروه من فقدان الخوف بالمعنيين الأوّلين لدى خواصّ الخواصّ المقرّبين؛ إذ لا يهمّهم الوصول إلى نتيجة نفي كون ائمّتناعليهم السلام من المقرّبين . على أنّ الوصول لا ينافي خوف تجدّد الحجاب، والطهارة الكاملة لا تنافي خوف تجدد التلوّث أو تجدّد استحقاق العقاب. ولنذيّل الحديث عن الخوف بذكر بعض روايات الباب: 1ـ عن حمزة بن حمران بسند تامّ قال: (سمعت أبا عبداللَّه عليه السلام يقول: إنّ ممّا حُفِظَ من خطب رسول اللَّهصلى الله عليه واله أنّه قال: أيّها الناس إنّ لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم، وإنّ لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم ألا إنّ المؤمن يعمل بين مخافتين: بين أجل قد مضى لا يدري مااللَّه صانع فيه؟ وبين أجل قد بقى لا يدري ما اللَّه قاضٍ فيه؟ فليأخذ العبد المؤمن من نفسه لنفسه، ومن دنياه لآخرته، وفي الشبيبة قبل الكِبَر، وفي الحياة قبل الممات، فوالذي نفس محمّد بيده ما بعد الدنيا من مستعتب، وما بعدها من دار إلّا الجنّة أو النار). 2ـ عن أبي عبيدة الحذّاء بسند تامّ، عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال: (المؤمن بين مخافتين: ذنب قد مضى لا يدري ما صنع اللَّه فيه، وعمر قد بقي لا يدري ما يكتسب فيه من المهالك؟ فلا يصبح إلّا خائفاً، ولا يصلحه إلّا الخوف). 3ـ عن داود الرقيّ بسند تامّ، عن أبي عبداللَّه عليه السلام في قول اللَّه عزّ وجلّ ولمن خاف مقام ربّه جنّتانقال: (من علم أنّ اللَّه يراه، ويسمع ما يقول، ويعلم ما يعمله من خير أو شرّ، فيحجزه ذلك عن القبيح من الأعمال، فذلك الذي خاف مقام ربّه ونهى النفس عن الهوى). 4ـ رواية أنس بن محمّد أبي مالك، عن أبيه، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جدّه، عن عليّ بن أبي طالب عليه السلام ، عن النبيّصلى الله عليه واله أنّه قال في وصيته له: (يا عليّ ثلاث درجات، وثلاث كفّارات، وثلاث مهلكات، وثلاث منجيات، فأمّا الدرجات فاسباغ الوضوء في السَبَرات، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، والمشي بالليل والنهار إلى الجماعات. وأمّا الكفّارات فإفشاء السلام، وإطعام الطعام، والتهجّد بالليل والناس نيام. وأمّا المهلكات فشحّ مطاع، وهوى متّبع، وإعجاب المرء بنفسه. وأمّا المنجيات فخوف اللَّه في السرّ والعلانية، والقصد في الغنى والفقر، وكلمة العدل في الرضا والسخط). 5ـ رواية إسحاق بن عمّار قال: قال أبو عبداللَّه عليه السلام : (يا إسحاق خفِ اللَّه كأنّك تراه، وإن كنت لا تراه فإنّه يراك، وإن كنت ترى أنه لا يراك فقد كفرت، وإن كنت تعلم أنّه يراك ثُمّ برزت له بالمعصية فقد جعلته من أهون الناظرين عليك). ثُمّ إنّنا وإن كنّا سنبحث - إن شاء اللَّه - الرجاء في فصل مستقل، لكنّنا يجب أن نشير هنا إلى: أنّ الخوف وحده إذا انفصل عن الرجاء كان بالنسبة لعامة الناس مُفسداً، فصحيح أنّ الخوف يكون في حقيقته مصلحاً للقلب وللنفس وكذلك الرجاء ما لم ينقلب إلى الضدّ، كما ورد في الحديث عن ابن أبي نجران، عمّن ذكره، عن الصادق عليه السلام قال: (قلت له: قوم يعملون بالمعاصي، ويقولون نرجو، فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم الموت؟ فقال: هؤلاء قوم يترجّحون في الأماني، كذبوا ليسوا براجين من رجا شيئاً طلبه، ومن خاف من شيء هربمنه). وعن الحسين بن أبي سارة قال: (سمعت أبا عبداللَّه عليه السلام يقول: لا يكون المؤمن مؤمناً حتى يكون خائفاً راجياً، ولا يكون خائفاً راجياً حتى يكون عاملاً لما يخاف ويرجو). ولكن مع ذلك لاشكّ أنّ الخوف وحده أو الرجاء وحده يؤثّر في نفوسنا أثراً عكسياً، لا نتيجة ذات الخوف أو الرجاء، بل نتيجة ضعف نفوسنا نحن الاعتياديين من الناس. ومن هنا ورد التأكيد في الكتاب والسنّة على الخوف والرجاء معاً. قال اللَّه تعالى: تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربّهم خوفاً وطمعاً.... وقال مولانا أمير المؤمنين عليه السلام على ما ورد في خطبة همام في وصف المتّقين: (... فهم والجنّة كمن قد رآها فهم فيها منعّمون، وهم والنار كمن قد رآها فهم فيها معذّبون...) ولو بقي الرجاء وحده في النفس انقلب إلى الأمانيّ الكاذبة كما مضى آنفاً في حديث ابن أبي نجران، ولو بقي الخوف وحده في النفس انقلب إلى اليأس كما هو الحال في قِصَّة حميد بن قحطبة المعروفة المرويّة عن عبيداللَّه البزّاز النيسابوري قال: (كان بيني وبين حميد بن قحطبة الطائي الطوسي معاملة، فرحلت إليه في بعض الأيام، فبلغه خبر قدومي، فاستحضرني للوقت، وعليّ ثياب السفر لم أُغيرها، وذلك في شهر رمضان وقت صلاة الظهر، فلمّا دخلت إليه رأيته في بيت يجري فيه الماء، فسلّمت عليه وجلست ، فأُتي بطست وإبريق فغسل يديه، ثُمّ أمرني فغسلت يدي، وأُحضرت المائدة، وذهب عنّي أنّي صائم، وأنّي في شهر رمضان، ثُمّ ذكرت فأمسكت يدي، فقال لي حميد: مالك لا تأكل؟ فقلت: أيّها الأمير هذا شهر رمضان، ولست بمريض ولابيّ علّة توجب الإفطار، ولعلَّ الأمير له عذر في ذلك أو علّة توجب الإفطار، فقال: ما بيّ علّة توجب الإفطار، وإنّي لصحيح البدن، ثُمّ دمعت عيناه وبكى، فقلت له بعدما فرغ من طعامه: ما يبكيك أيّها الأمير؟ فقال: أنفذ إليّ هارون الرشيد وقت كونه بطوس في بعض الليالي: أن أجب، فلمّا دخلت عليه رأيت بين يديه شمعة تتّقد وسيفاً أخضر مسلولاً ، وبين يديه خادم واقف، فلمّا قمت بين يديه رفع رأسه إليّ، فقال: كيف طاعتك لأمير المؤمنين؟ فقلت: بالنفس والمال، فأطرق، ثُمّ أذِن لي في الانصراف، فلم ألبث في منزلي حتى عاد الرسول إليّ وقال: أجب أمير المؤمنين، فقلت في نفسي: إنّا للَّه أخاف أن يكون قد عزم على قتلي، وإنّه لما رآني استحيى منّي، فعدت إلى بين يديه، فرفع رأسه إليّ، فقال: كيف طاعتك لأمير المؤمنين؟ فقلت: بالنفس والمال والأهل والولد، فتبسّم ضاحكاً، ثُمّ أذن لي في الانصراف، فلمّا دخلت منزلي لم ألبث أن عاد الرسول إليّ فقال: أجب أمير المؤمنين، فحضرت بين يديه وهو على حاله، فرفع رأسه إليّ، فقال: كيف طاعتك لأمير المؤمنين؟ فقلت: بالنفس والمال والأهل والولد والدين، فضحك، ثُمّ قال لي: خذ هذا السيف، وامتثل ما يأمرك به هذا الخادم، قال: فتناول الخادم السيف، وناولنيه، وجاء بي إلى بيت باب مغلق، ففتحه فإذا فيه بئر في وسطه، وثلاثة بيوت أبوابها مغلّقة، ففتح باب بيت منها فإذا فيه عشرون نفساً عليهم الشعور والذوائب شيوخ وكهول وشبّان مقيدون، فقال لي: إنّ أمير المؤمنين يأمرك بقتل هؤلاء، وكانوا كلّهم علويين من ولد علي وفاطمةعليهما السلام ، فجعل يُخرج إليّ واحداً بعد واحد، فأضرب عنقه حتى أتيت على آخرهم، ثُمّ رمى بأجسادهم ورؤوسهم في تلك البئر، ثُمّ فتح باب بيت آخر فإذا فيه أيضاً عشرون نفساً من العلويّة من ولد عليّ وفاطمةعليهما السلام مقيدون، فقال لي: إنّ أمير المؤمنين يأمرك بقتل هؤلاء، فجعل يُخرج إليّ واحداً بعد واحد، فأضرب عنقه، ويرمي به في تلك البئر حتى أتيت على آخرهم، ثُمّ فتح باب البيت الثالث فإذا فيه مثلهم عشرون نفساً من ولد عليّ وفاطمة مقيدون عليهم الشعور والذوائب، فقال لي: إنّ أمير المؤمنين يأمرك أن تقتل هؤلاء أيضاً، فجعل يُخرج إليّ واحداً بعد واحد، فأضرب عنقه، فيرمي به في تلك البئر حتى أتيت على تسعة عشر نفساً منهم، وبقي شيخ منهم عليه شعر، فقال لي تبّاً لك يامشوم، أي عذر لك يوم القيامة إذا قدمت على جدّنا رسول اللَّهصلى الله عليه واله وقد قتلت من أولاده ستين نفساً قد ولدهم عليّ وفاطمةعليهما السلام ؟! فارتعشت يدي، وارتعدت فرائصي، فنظر إليّ الخادم مغضباً وزبرني، فأتيت على ذلك الشيخ أيضاً فقتلته، ورمى به في تلك البئر. فإذا كان فعلي هذا وقد قتلت ستين نفساً من ولد رسول اللَّهصلى الله عليه واله فما ينفعني صومي وصلاتي؟! وأنا لا أشكّ أنّي مخلد في النار). أقول : انظر إلى هذا الشقيِّ المحروم كيف أنّ الجزء الأخير لسبب هلاكه كان هو: يأسه، لاقتله لستين من ذرّية الرسولصلى الله عليه واله ؛ إذ لو لم يكن قد استولى عليه شقاؤه باليأس كان بإمكانه أن يستشفي بدار شفاء الإمام المعصوم في زمانه موسىبن جعفر عليه السلام أو الإمام الرضا عليه السلام ، ويطلب منه العلاج، أفهل ترى أنّ الإمام عليه السلام كان يردّه عن بابه خائباً؟! كلّا. ثُمّ كأنّه لم يكن قد قرأ القرآن، ولم يمرّ بهذه الآية المباركة: والذين لا يدعون مع اللَّه إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرّم اللَّه إلّا بالحق ولايزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما* يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا* إلّا من تاب وآمن وعمل صالحاً فأُولئك يبدّل اللَّه سيئاتهم حسنات وكان اللَّه غفوراً رحيما فتراه سبحانه وتعالى أوعد مَنْ أشرك باللَّه وقتل النفس التي حرّم اللَّه وزنى بمضاعفة العذاب يوم القيامة والخلود فيه مهاناً، ثُمّ استثنى من ذلك مَنْ تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً، ووعد اللَّه مَنْ يدخل في هذا الاستثناء أن يبدّل سيئاته حسنات، وقد يكون من جزء العمل الصالح الذي يجب على القاتل أن يعمله هو: تهيّؤه لتنفيذ حكم القصاص عليه، ولكنّه على أيّ حال ليس باب رحمة الربّ مغلقاً عليه، ولكنّ هذا الشقي المحروم غلق باب الرحمة على نفسه باليأس. وقد ورد في الحديث عن أبي حمزة الثمالي قال: (قال الصادق جعفر بن محمّد عليه السلام : ارج اللَّه رجاءً لا يجرئك على معصيته، وخفِ اللَّه خوفاً لا يؤيسك من رحمته). وخلاصة الكلام : أنّ الخوف والرجاء إذا اجتمعا متساويين دفع كلّ منهما الخطر الذي قد يتوجّه إلى النفوس الضعيفة من الآخر. وقد ورد في حديث صحيح عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابه ونحن نعتقد بصحة مراسيل ابن ابي عمير عن أبي عبداللَّه الصادق عليه السلام قال: (كان أبي يقول: إنّه ليس من عبد مؤمن إلّا وفي قلبه نوران: نور خيفة، ونور رجاء، لو وزن هذا لم يزد على هذا، ولو وزن هذا لم يزد على هذا). وأيضاً ورد عن حماد بن عيسى، عن الصادق عليه السلام قال: (كان فيما أوصى به لقمان لابنه أن قال: يا بنيّ خفِ اللَّه خوفاً لو جئته ببرّ الثقلين خفت أن يعذّبك اللَّه، وارج اللَّه رجاءً لو جئته بذنوب الثقلين رجوت أن يغفر اللَّه لك). وهنا يبرز سؤال، وهو: كيف نفسّر تساوي الخوف والرجاء في نفوس أولياء اللَّه الذين يشتدّ عندهم الخوف أو الرجاء أكثر بكثير من المقدار المتعارف لدى المؤمنين الاعتياديين مع أنّ نموّ أحدهما لابدّ أن يكون على حساب الآخر؛ إذ لا يمكن أن يزداد مجموعهما عن المئة بالمئة؛ لأنّ أحدهما نقيض الآخر؟! والجواب: أنّ ضرورة تساوي المجموع للمئة بالمئة وكون نموّ أحدهما على حساب ضعف الآخر إنّما يتمّ في درجة احتمال النجاة مع درجة احتمال الهلاك، أو درجة احتمال الثواب مع درجة احتمال العقاب وما إلى ذلك، ولكن قد يشتدّ الخوف والرجاء على أساس قوّة المحتمل لا على أساس قوّة الاحتمال، ففرق كبير بين خوف ورجاء مَنْ ليس له تصوّر عن الجنّة والنار إلاّ التصوّر الساذج الابتدائي، وخوف ورجاء مَنْ هم والجنّة كمن قد رأوها فهم فيها منعّمون، وهم والنار كمن قد رأوها فهم فيها معذّبون، وفرق كبير - أيضاً - بين هذا الخوف والرجاء والخوف والرجاء لمن يكون همّه رضوان اللَّه الذي هو أكبر من الثواب المادّي، أو يكون همّه لقاء اللَّه بمعناه الصحيح، والنظر إلى اللَّه بالمعنى الوارد في قوله تعالى: وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة والهرب من الحجب بالمعنى الوارد في قوله تعالى: كلا إنّهم عن ربّهم يومئذ لمحجوبون ومن الفراق بالمعنى الوارد في دعاء كميل: (... فكيف أصبر على فراقك...). وهناك جواب آخر، وهو: أنّ متعلق الخوف قد يختلف عن متعلق الرجاء فلا يلزم كون نموّ أحدهما على حساب الآخر وذلك من قبيل أن يكون الرجاء برحمة الربّ ورأفته، ويكون الخوف من سوء العاقبة وما إلى ذلك مما يبرز التفكيك بين المتعلقين. ثُمّ إنّ التعبيرات الواردة في الكتاب والسُنّة ممّا يثير الخوف أو الرجاء كثيرة، ولعلّ الغالب فيها هو: أنّ التعبير المثير للرجاء غير التعبير المثير للخوف، فمثلاً التعبير بتوصيف اللَّه تعالى بأنّه غفور رحيم يثير الرجاء، في حين أنّ التعبير بأنّه شديد العقاب يثير الخوف. إلّا أنّ هناك تعابير واردة عن المعصومين عليهم السلام تكون العبارة المثيرة منها للخوف عين العبارة المثيرة للرجاء، وهذا من بَراعات الأئمة سلام اللَّه عليهم وذلك من قبيل ما ورد في دعاء أبي حمزة: (إلهي وسيّدي وعزّتك وجلالك لئن طالبتني بذنوبي لأُطالبنّك بعفوك، ولئن طالبتني بلؤمي لأطالبنّك بكرمك، ولئن أدخلتني النار لأُخبرنّ أهل النار بحبّي لك...). وقوله - أيضاً - في نفس الدعاء: (... فلو اطّلع اليوم على ذنبي غيرك ما فعلته، ولو خفت تعجيل العقوبة لاجتنبته، لا لأنّك أهون الناظرين إليّ وأخفّ المطّلعين عليّ، بل لأنّك يا ربّ خير الساترين، وأحكم الحاكمين، وأكرم الأكرمين، ستّار العيوب، غفّار الذنوب، علّام الغيوب، تستر الذنب بكرمك، وتؤخّر العقوبة بحلمك...). وقوله في دعاء كميل: (... يا إلهي وسيّدي وربّي أَتُراك معذّبي بنارك بعد توحيدك، وبعد ما انطوى عليه قلبي من معرفتك، ولهج به لساني من ذكرك، واعتقده ضميري من حبّك، وبعد صدق اعترافي ودعائي خاضعاً لربوبيّتك، هيهات أنت أكرم من أن تضيّع من ربيته، أو تبعّد من أدنيته، أو تشرّد من آويته، أو تسلّم إلى البلاء من كفيته ورحمته. وليت شعري يا سيّدي والهي ومولاي أتسلّط النار على وجوه خرّت لعظمتك ساجدة، وعلى ألسن نطقت بتوحيدك صادقة وبشكرك مادحة، وعلى قلوب اعترفت بالهيّتك محقّقة، وعلى ضمائر حوت من العلم بك حتى صارت خاشعة، وعلى جوارح سعت إلى أوطان تعبّدك طائعة، وأشارت باستغفارك مذعنة، ما هكذا الظنّ بك، ولا أُخبرنا بفضلك عنك ياكريم...). وقولهمعليهم السلام في المناجاة الشعبانية: (... إلهي إن أخذتني بجرمي أخذتك بعفوك، وإن أخذتني بذنوبي أخذتك بمغفرتك، وإن أدخلتني النار أعلمت أهلها أنّي أحبّك. إلهي إن كان صغر في جنب طاعتك عملي فقد كبر في جنب رجائك أملي...). |