فهرس الحلقة الثالثة

المكتبة الصوتية

المؤلفات

الصفحة الرئيسية

 

الفصل التاسع

الإشفاق

 

 قال اللَّه سبحانه: إنّ الذين هم من خشية ربّهم مشفقون * والذين هم بآيات ربّهم يؤمنون * والذين هم بربّهم لا يشركون * والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربّهم راجعون* اولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون.

 الإشفاق نظير الخوف والخشية. ويظهر من هذه الآية المباركة أنّ الإشفاق نتيجة الخشية أو الخوف؛ إذ عبّرت بتعبير: من خشية ربّهم مشفقون فكأنّ الإشفاق يتولّد من الخشية.

 والظاهر : أن المقصود بالخشية: الخوف وحده أو الخوف مع التعظيم والإجلال والاحترام والإكبار ، ولكنّ الإشفاق مأخوذ من الشفقة، ففيه معنى الترحم والعطف والحنان، أو التزلزل والاضطراب وذلك من قبيل الإشفاق على الطفل، فالإنسان المؤمن يصبح نتيجة الخشية من اللَّه في حالة الإشفاق على نفسه والاضطراب المشوب بالشفقة والرأفة على نفسه.

 وممّا يجلب الانتباه أنّ الإشفاق نُسِبَ في القرآن إلى الملائكة أيضاً ، رغم ما نعلم به عادةً من أنّهم فارغون عن الهوى والنفس، فلا يتورّطون في المعصية، قال اللَّه تعالى: وقالوا اتخذ الرحمن ولداً سبحانه بل عباد مكرمون* لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون* يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلّا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون.

 والإشفاق في عامّة الناس إشفاق من العذاب، وإشفاق على النفس من الانحراف، وعلى العمل من الحبط والضياع.

 وهنا إشفاق للخواصّ ، وهو: الإشفاق على قلبه عن الحضور مع الحقّ ودخول العوارض في قلبه التي تبعده عن الالتفات إلى المحبوب جلّ وعلا. ولكن لا بمعنى أنّ الإشفاق الأوّل غير موجود فيهم، بل هو موجود زائداً الإشفاق الأعلى. ويدلّنا على وجود الإشفاق الأوّل أيضاً في أولياء اللَّه والمقرّبين قوله سبحانه وتعالى في وصفهم: إلّا المصلّين * الذين هم على صلاتهم دائمون * والذين في أموالهم حقّ معلوم * للسائل والمحروم * والذين يصدّقون بيوم الدين* والذين هم من عذاب ربّهم مشفقون * إنّ عذاب ربّهم غير مأمون.

 فهذا إمّا أن يشمل المعصومين‏عليهم السلام  بمعنى : أنّهم يخشون السقوط عن مقام العصمة ، وأنّ عصمتهم التي ستبقى أبدا تكون في طول هذه الخشية والإشفاق ، أو يشمل - في الأقلّ - جميع غير المعصومين مهما بلغوا من درجات القرب والكمال .

 وأخيرا أُشير إلى أنّ آيتين من آيات الإشفاق في القرآن نسبت الإشفاق إلى قيام الساعة :

 الاُولى - قوله تعالى في وصف المتقين :  الذين يخشون ربّهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون .

 والثانية - قوله تعالى :  اللَّه الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان وما يدريك لعلّ الساعة قريب * يستعجل بهإے؛طط الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنها الحق ألا إن الذين يمارون في الساعة لفي ضلال بعيد.

 وكيف لا يشفق المؤمن من الساعة وقد قال اللَّه تعالى :  . . . إنّ زلزلة الساعة شي‏ء عظيم * يوم ترونها تذهل كل مرضعة عمّا أرضعت وتضع كلّ ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب اللَّه شديد .

 ويظهر من الآية الثانية من آيتي الإشفاق من الساعة : أنّ وقت قيام الساعة مجهول حتى عند رسول اللَّه صلى الله عليه واله  إذ قال سبحانه  . . . وما يدريك لعلّ الساعة قريب  والأصرح من ذلك في مجهولية وقت قيام الساعة حتى عند رسول اللَّه‏صلى الله عليه واله  قوله تعالى: يسألونك عن الساعة أيّان مُرساها قل إنما علمها عند ربّي لا يجلّيها لوقتها إلّا هو ثقلت في السماوات والأرض لا تأتيكم إلّا بغتة يسألونك كأنّك حفيّ عنها قل إنما علمها عند اللَّه ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون.

 وكذلك قوله تعالى: يسألونك عن الساعة أيّان مُرساها * فيم أنت من ذكراها * إلى ربّك منتهاها * إنّما أنت منذرُ من يخشاها * كأنّهم يوم يرونها لم‏يلبثوا إلّا عشيّة أو ضحاها.

 وإنّي أختم الحديث هنا بذكر رواية طريفة تقول: نادى رجلٌ رسول اللَّه‏صلى الله عليه واله  في أحد أسفاره بصوت عالٍ، وقال: يا محمّد! فأجابه رسول اللَّه ‏صلى الله عليه واله  مثله بصوت عالٍ: ماذا تقول؟ قال: متى الساعة: فقال رسول اللَّه‏صلى الله عليه واله : إنّها كائنة، فماأعددت لها؟ قال: حبَّ اللَّه ورسولَه، فقال‏صلى الله عليه واله : (أنت مع مَنْ أحببت).