|
الفصل الثالث عشر الورع والتقوى
قال اللَّه تعالى : يا ا يّها الناس انّا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا انّ اكرمكم عند اللَّه اتقاكم ان اللَّه عليم خبير. وقال عزَّ من قائل : الحجّ اشهر معلومات فمن فرض فيهنّ الحج فلا رفَث ولا فسوق ولا جدال في الحجّ وما تفعلوا من خير يعلمه اللَّه وتزوّدوا فان خير الزاد التقوى واتقونِ يا اولي الالباب. وقال عزّوجلّ : يا ايّها الذين آمنوا اتقوا اللَّه حق تقاته.... وقال عزَّ اسمه :... انّما يتقبّل اللَّه من المتقين. وقال سبحانه وتعالى :يا بني آدم قد انزلنا عليكم لباسا يواري سواتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات اللَّه لعلّهم يذكّرون * يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما اخرج ابويكم من الجنّة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما انّه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم انّا جعلنا الشياطين اولياء للذين لا يؤمنون. مضى في فصل الزهد حديث عن هاشم بن البريد، عن ابي جعفر عليه السلام (انَّ رجلاً ساله عن الزهد فقال : الزهد عشرة اشياء، واعلى درجات الزهد ادنى درجات الورع، واعلى درجات الورع ادنى درجات اليقين، واعلى درجات اليقين ادنى درجات الرضا...). ونحوه عن هاشم بن البريد عن زين العابدين عليه السلام . وقد رُوي عن جابر، عن ابي جعفر عليه السلام ا نّه قال : (قال لي : يا جابر ايكتفي من ينتحل التشيّع ان يقول بحبّنا اهل البيت ! فواللَّه ما شيعتنا الا من اتّقى اللَّه واطاعه، وما كانوا يُعرفون يا جابر الا بالتواضع، والتخشّع، والامانة، وكثرة ذكر اللَّه، والصوم، والصلاة، والبر بالوالدين، والتعاهد للجيران من الفقراء واهل المسكنة والغارمين والايتام، وصدق الحديث، وتلاوة القرآن، وكف الالسن عن الناس الا من خير، وكانوا امناء عشائرهم في الاشياء. قال جابر : فقلت : يابن رسول اللَّه ما نعرف اليوم احدا بهذه الصفة ، فقال : يا جابر لا تذهبنّ بك المذاهب، حسب الرجل ان يقول : احبّ عليّا واتولّاه، ثمّ لا يكون مع ذلك فعّالا؛ فلو قال : انّي احبّ رسول اللَّه - فرسول اللَّه خير من عليّ عليه السلام - ثمّ لا يتبع سيرته، ولا يعمل بسنّته ما نفعه حبّه ايّاه شيئا، فاتقوا اللَّه ، واعملوا لما عند اللَّه، ليس بين اللَّه وبين احد قرابة، احبّ العباد الى اللَّه عزّوجلّ [واكرمهم عليه] اتقاهم، واعملهم بطاعته. يا جابر واللَّه ما يتقرّب الى اللَّه تبارك وتعالى الا بالطاعة، وما معنا براءة من النار، ولا على اللَّه لأحد من حجّة. مَنْ كان للَّه مطيعا فهو لنا وليّ، ومَنْ كان للَّه عاصيا فهو لنا عدوّ. وما تنال ولايتنا الا بالعمل والورع). يبدو لي انّ المقصود بما في الحديث الاوّل من انَّ (... اعلى درجات الزهد ادنى درجات الورع...) هو الزهد بالمعنى الاوّل من المعنيين الماضيين في ذاك البحث، وهو : ترك المحرمات والمشتبهات، فهذا يكون ادنى درجات الورع، ويشتدّ الورع باضافة التورّع عن المكروهات والشبهات الجائزة الارتكاب او المباحات الشاغلة عن اللَّه سبحانه وتعالى. فكلّما توغّل الانسان في هذا السلّم من الورع اقترب الى الاطمئنان القلبي والعاطفي باللَّه سبحانه وتعالى؛ ولذلك قال عليه السلام : (اعلى درجات الورع ادنى درجات اليقين...). وهناك احتمال اخر في تفسير كون (... اعلى درجات الزهد ادنى درجات الورع...) وهو انّ المقصود بالزهد : الزهد عن الحرام والمشتبه الماليّين، في حين انّ الورع يعني : التورّع في جميع الابواب لا في خصوص الاموال، ولا تنافي بين التفسيرين. والذي يبدو لي انّ المقصود باليقين : ما قد يُسمّى بيقين الشهود الذي هو فوق ما يُسمّى بالقطع، فالقطع هو : الانكشاف الذي يكفي في تماميته ان لا يشوبه شك، ويكفي في تحصيله البرهان، ولكن اليقين هو : العلم الذي يكون نورا يقذفه اللَّه في قلب من يشاء، ولا يحصل الا باعلى درجات الورع والتقوى الموجب لانفتاح بصيرة الانسان التي تشاهد ما لا يشاهد البصر. وقد قيل : انَّ اليقين له درجات : اوّلها علم اليقين، وثانيها عين اليقين، وثالثها حقّ اليقين. ويُمثّل لذلك باليقين بالنار الذي يكون في الدرجة الاولى بمشاهدة المرئيّات بتوسط نورها، وفي الدرجة الثانية بمشاهدتها مباشرة، وفي الدرجة الثالثة بالاحتراق فيها وانمحاء الهوية بها. وليس وراء هذا غاية، ولا هو قابل للزيادة. لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا. والتقوى والورع شيء واحد. وقد بُيّنت مرتبتها في بعض الروايات بلسان اخر غير رواية الورع التي تلوناها عليك، وهي في بعض اسانيدها صحيحة السند، فقد رُوي في الكافي عن الامام الرضا عليه السلام بثلاث وسائط كلّهم في منتهى درجات الوثوق وهم : محمّد بن يحيى العطار، عن احمد بن محمَّد بن عيسى القمّي الاشعري، عن احمد بن محمَّد بن ابي نصر وهذا سند قلّ ما نرى مثله عن الرضا عليه السلام قال : (الايمان فوق الاسلام بدرجة، والتقوى فوق الايمان بدرجة، واليقين فوق التقوى بدرجة. ولم يقسّم بين العباد شيء اقلَّ من اليقين). ونحوه في حديث اخر بسند صحيح ايضا بثلاث وسائط كلّهم ثقات . والراوي المباشر يونس . وزاد في آخره : قلت : ( فايّ شيء اليقين ؟ قال : . . . التوكّل على اللَّه، والتسليم للَّه، والرضا بقضاء اللَّه، والتفويض الى اللَّه...). وهذا تفسير لليقين باللوازم والاثار. ولنعم ما قيل في تعريف التقوى : خلِّ الذنوبَ صغيرَها وكبيرها فهو التقى واصنع كماشٍ فوق ار ضِ الشوكِ يحْذرُ ما يرى لا تحقرنّ صغيرةً انّ الجبالَ من الحصى والتقوى من الوقاية بمعنى : التوقّي. وفي عرف المتشرّعة يقصد بها : التوقّي من عذاب الاخرة، او من غضب الرحمن، او من الابتعاد عن الربّ او ما الى ذلك. وقد قسّمها الشيخ المجلسي رحمه الله الى ثلاث مراتب : الاولى - وقاية النفس من العقاب المخلّد بتصحيح العقائد الايمانية. والثانية - التجنّب عمّا يؤثم : من فعل او ترك، قال : وهو المعروف عند اهل الشرع. والثالثة - التوقّي من كلّ ما يشغل القلب عن الحقِّ، قال : وهذه درجة الخواصّ، بل خاصّ الخاصّ. واستظهر رحمه الله ان يكون المقصود بالتقوى في الروايات التي جعلتها فوق الايمان وجعلت اليقين اعلى منها : المعنى الثاني؛ اذ لو كان المقصود هو الاوّل لمّا صحّ جعلها فوق الايمان، ولو كان المقصود الثالث لأشكل الفرق عن اليقين وكون اليقين فوقه. ثمّ قال : لكن درجات المرتبة الاخيرة - ايضا - كثيرة، فيمكن حمل اليقين على اعلى درجاتها، فيجتمع مع تفسير التقوى بالمعنى الثالث ايضا. امّا ما ورد في آية الحجّ من الامر بالتزوّد، وانّ خير الزاد التقوى، فانّني كنت افهم منه وفق الفهم الساذج : انّ المقصود هو الامر بالتزوّد بالتقوى، فكانّما يقول : انّ الذي يحجّ بيت اللَّه فالمفروض به : ان يترك الرفث والفسوق والجدال، وان يتزوّد - ايضا - بالتقوى، الى ان رايتُ تفسيرا يروي : انَّ اناسا من اليمن كانوا في عصر القرآن يسافرون للحج، ولم يكونوا يصحبون معهم زادا، وكان دليلهم على ما يفعلون : ا نّنا نَفِدُ على زيارة بيت اللَّه، فهل يعقل انّ اللَّه تعالى لا يستضيفنا، وغافلين عن انّ اللَّه تعالى قد استضافهم عن طُرُق الوسائل المادّية الموضوعة تحت اختيارهم، فنزلت الاية المباركة تامرهم بالتزوّد، وتشير ضمنا الى مسالة معنويّة، وهي : ضرورة زادالتقوى - ايضا - التي هي خير زاد. اقول : وكذلك سفرنا الى عالم الاخرة، فصحيح انَّنا نَفِدُ في ذلك على الكريم. ولنعم ما قيل : وفدتُ على الكريمِ بغيرِ زادٍ من الحسناتِ والقلبِ السليمِ وحملُ الزادِ اقبحُ كلّ شيءٍ اذا كان الوفود على الكريم وحقّا كُلَّما تزوّدنا بزاد التقوى عجزنا عن تادية حقّه سبحانه وتعالى، وسيكون اعتمادنا على كرم مَنْ نَفِد عليه، ولكنّنا في نفس الوقت مامورون بالتزوّد بزاد التقوى،وبدون ذلك سنخسر هنالك خسرانا مبينا. وقد وردت مخاطبة عليّ عليه السلام لأهل القبور بعد رجوعه من صفّين لمّا اشرف عليها بظاهر الكوفة، وفيها : (... امّا الدور فقد سُكِنت، وامّا الازواج فقد نكِحت، وامّا الاموال فقد قُسِّمت. هذا خبر ما عندنا، فما خبر ما عندكم ؟ ثمّ التفت الى اصحابه فقال : اما لو اذِنَ لهم في الكلام لأخبروكم : انّ خير الزاد التقوى). وهو الذي ورد عنه عليه السلام - ايضا - ا نّه قال : (... انّ المرء اذا هلك قال الناس : ما ترك ؟ وقالت الملائكة : ما قدّم ؟ للَّه اباؤكم فقدّموا بعضا يكن لكم، ولا تُخلِفُوا كلّاً فيكون عليكم). وامّا قوله سبحانه وتعالى : ...اتقوا اللَّه حقّ تقاته... فقد ورد عن الامام الصادق عليه السلام ا نّه قال في تفسير حقّ التقاة : (يطاع ولا يعصى، ويُذكر فلا يُنسى، ويُشكر فلا يكفر). وامّا قوله عزّوجلّ : يا بني آدم قد انزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات اللَّه لعلّهم يذّكّرون * يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما اخرج ابويكم من الجنّة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سواتهما... فهو مِنّة على العباد اوّلاً بانزال اللباس المادّي عليهم الذي يواري السواة المادّية ويعتبر كرامة، وكذلك زينة للإنسان واكبر الظن انّ المقصود بقوله ريشا هو كون اللباس زينة. وهذا اللباس هو الذي انتزع من آدم وحوّاء بسبب الخطا الذي صدر عنهما بوسوسة الشيطان؛ نظرا لكون الباسه ايّاهما الباسا الهيّا لا ينتزع منهما، وليس بحاجة الى مؤونة اللبس بدليل قوله تعالى : ان لك الا تجوع فيها ولا تعرى. فهذه الكرامة سُلِبت من آدم وزوجه حينما ذاقا من الشجرة، فبدت لهما سوآتهما، واضطّرا الى سترالسواة بالفعل المادي المحتاج الى المؤونة والتّعب وطفِقا يخصفان عليهما من ورق الجنّة... ثُمّ تشير الاية الى اللباس المعنوي الذي هو خير من اللباس المادّي الا وهو : لباس التقوى. ويحذّرنا من ان يكرّر الشيطان علينا الحيلة التي ارتكبها مع ابوينا. وفي هذه المرّة لا ينزع عنّا لباسنا المادي؛ فانّه لم يلبس علينا بطابع الاكرام الالهي البحت وان كانت جميع النعم بالمعنى العام اكراما الهيّا لنا، فانّ لبس اللباس امر اختياري لنا، ويحمل مؤونة التحصيل واللبس، ولكنّ لباس الكرامة الحقيقيّة لنا - والتي هي خير من اللباس المادّي - انّما هو لباس التقوى. وهذا هو اللباس الذي ينزعه منّا الشيطان هذه المرّة ان عصيناه سبحانه وتعالى. وبهذه المناسبة اشير الى بعض اساليب نزع الشيطان عنّا لباس التقوى، وهي ما وردت في رواية عن الامام الباقر عليه السلام : (لمّا دعا نوح عليه السلام ربّه - عزّوجلّ على قومه اتاه ابليس لعنه اللَّه فقال : يا نوح انّ لك عندي يدا ! اريد ان اكافيك عليها. فقال نوح عليه السلام : انّه ليبغض اليّ ان يكون لك عندي يد فما هي ؟ قال : بلى دعوت اللَّه على قومك فاغرقتهم، فلم يبقَ احد اغويه، فانا مستريح حتّى ينسق قرن اخر واغويهم. فقال له نوح عليه السلام : ما الذي تريد ان تكافيني به ؟ قال : اذكرني في ثلاث مواطن فانّي اقرب ما اكون الى العبد اذا كان في احداهنّ : اذكرني اذا غضبت. واذكرني اذا حكمت بين اثنين. واذكرني اذا كنت مع امراة خاليا ليس معكما احد). وفي ختام البحث اقول : اذا اتّضح لك بما شرحنا حتّى الان فضل التقوى واثرها، عرفت انّه كان حقّا ان تُجعل المقياس الوحيد للمفاضلة في الاية الاولى التي فتحنا بها الحديث، وهي قوله تعالى : يا ا يّها الناس انّا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند اللَّه اتقاكم انّ اللَّه عليم خبير فهذه الاية قد حصرت التفاضل بالتقوى، ونفت كلَّ التفاضلات المادية التي لم تقم على اساس الاخلاق والمنتشرة فيما بين الشعوب غير المتربية بتربية السماء، وعلى راسها في ذلك التاريخ : التفاضل بالانساب والاحساب، وهو المشار اليه صريحا في هذه الاية المباركة. والعقل يحكم قبل الشرع ببطلان هذه القيم، وببطلان هذه القيمة بالذات؛ لأنَّ انتساب شخص الى قبيلة لا يعني الا انتسابه اليها بواسطة ماء قذر يخرج من بين الصلب والترائب، وليس هذا لو نظرنا اليه في ضوء العقل النيّر امرا شريفا ومشرِّفا، وكلُّ الانساب ترجع الى آدم وآدم من تراب. وقد نُقِلَ للآية المباركة عدد من شان النزول او مورد التطبيق، كلّها يدخل في مسالة التفاخر بالاحساب والانساب والالوان او اللسان وما الى ذلك، من قبيل : 1ـ ما رُوِيَ من انّ رسول اللَّه صلى الله عليه واله بعد ما فتح مكّة عيَّن بلالاً للأذان على ظهر الكعبة، فقال عتّاب بن اسيد : اشكر اللَّه على موت والدي، وانّه ليس حيّا في مثل هذا اليوم الذي يكون بلال هو المؤذّن لنا على ظهر الكعبة. وقال حارث بن هشام : الم يكن لرسول اللَّه احد غير هذا الغراب الاسود يجعله مؤذِّنا على الكعبة. فنزلت هذه الاية المباركة. 2ـ وروي - ايضا - انَّ رسول اللَّه صلى الله عليه واله امر بتزويج بنت من بنات العرب من بعض الموالي والمولى يعني : العبد المعتَق، او غير العرب ممّن يتولّى احدا في مصطلح فقهي فتعجّبوا من ذلك، وقالوا : اتامرنا يا رسول اللَّه بتزويج بناتنا من الموالي ؟ ! فنزلت الاية المباركة. 3ـ وفي حديث اخر : خطب رسول اللَّه صلى الله عليه واله في مكّة ذات يوم فقال : (يا ا يّها الناس انّ اللَّه قد اذهب عنكم عيبة الجاهلية وتعاظمها بابائها، فالناس رجلان : رجل برّ تقيّ كريم على اللَّه، وفاجر شقيّ هيّن على اللَّه. والناس بنو آدم، وخلق اللَّه آدم من تراب، قال اللَّه تعالى : يا ايها الناس انّا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا انّ اكرمكم عند اللَّه اتقاكم ان اللَّه عليم خبير ). والتفاضلات المادّية التي يتمسّك بها الناس غير المتديّنين تكون في الغالب راجعة الى احد امور ثلاثة : 1ـ التفاضل بالنسب والقبيلة، وهذا ما اشارت اليه هذه الاية. 2ـ او بالمال والقدرات الاقتصادية، وهذا ما اشار اليه قوله تعالى : او يُلقى اليه كنز او تكون له جنّة ياكل منها وقال الظالمون ان تتبعون الا رجلاً مسحورا * انظر كيف ضربوا لك الامثال فضلّوا فلا يستطيعون سبيلاً * تبارك الذي ان شاء جعل لك خيرا من ذلك جنّات تجري من تحتها الانهار ويجعل لك قصورافي حين انَّ العقل يحكم - ايضا - قبل الشرع بانّ المال امر عرضيّ يحصل حتّى بالظلم والطغيان، ويزول في لحظة من القَدَر، ولا فضيلة له في ضوء اشعاعات العقل على الاطلاق. 3ـ او بالمكانة الاجتماعية والسياسية او القدرة والسلطة. ولعلّه يشير الى كلّ هذه الامتيازات الوهمية قوله تعالى : وقالوا لو لا نزّل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم * اهم يقسمون رحمة ربّك نحن قسمنا بينهم معايشهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتّخذ بعضهم بعضا سُخريا ورحمة ربك خير ممّا يجمعون * ولولا ان يكون الناس امّة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضّة ومعارج عليها يظهرون * ولبيوتهم ابوابا وسررا عليها يتكئون * وزخرفا وان كلّ ذلك لمّا متاع الحياة الدنيا والاخرة عند ربك للمتقين وكانّ الاية تشير الى ا نّه لولا مخافة ان يكون الناس امّة واحدة كافرة لأغنى اللَّه - تعالى - الكفّار، ورفّه عليهم، امّا بهدف الاملاء؛ كي يطغوا اكثر، ويحلّ عليهم غضب الربّ، او بهدف مكافاتهم بالجميل على بعض ما يصدر عنهم احيانا من اعمال حسنة؛ كي لا يستحقّوا جزاءها الحسن في الاخرة، او لأيّ سبب اخر مجهول لدينا. وفي مقابل هذه الامتيازات المادّية المزيّفة قد جاءنا القرآن بامتيازات معنوية من ارقى ما يمكن ان يكون، فقد فضّل اللَّه - تعالى - العلماء على الجهّال في قوله تعالى : قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون انّما يتذكّر اولو الالباب. وفضّل اللَّه - تعالى - المجاهدين على القاعدين في قوله تعالى : لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير اولي الضرر والمجاهدون في سبيل اللَّه باموالهم وانفسهم فضّل اللَّه المجاهدين باموالهم وانفسهم على القاعدين درجة وكلّاً وعد اللَّه الحسنى وفضّل اللَّه المجاهدين على القاعدين اجرا عظيما * درجات منه ومغفرة ورحمة وكان اللَّه غفورا رحيما وفضّل اللَّه المؤمنين على غيرهم، والعلماء على غيرهم في قوله تعالى : ... يرفع اللَّه الذين امنوا منكم والذين اوتوا العلم درجات... وفضّل اللَّه المتقين على غيرهم في قوله تعالى : ... ان اكرمكم عند اللَّه اتقاكم.... والذي يجلب الانتباه انّ التفضيل بالتقوى جُعِلَ تفضيلاً مطلقا، في حين انَّ التفضيلات الاخرى لا يفهم منها اكثر من التفضيل النسبي، ولعلَّ السبب في ذلك ما يلي : انَّ التقوى لا يمكن ان تخلو من العلم؛ لأنَّ الجاهل لا يستطيع ان يتقي موارد الخطر التي يجهلها، ولكن العلم يمكن ان يخلو من التقوى ، فلا يزداد صاحبه من اللَّه الا بُعدا؛ ولهذا فالعلم لم يصبح امتيازا مطلقا، ولكنَّ التقوى اصبحت امتيازا مطلقا. وكذلك التقوى لا يمكن ان تكون بلا ايمان، في حين انَّ الايمان قد يكون بلا تقوى؛ ولهذا لم يصبح الايمان امتيازا مطلقا، ولكنَّ التقوى اصبحت امتيازا مطلقا. وكذلك الجهاد ليس الا فخذا من افخاذ التقوى. والتقوى في كلِّ مورد بحسبه، فقد تكون التقوى في الجهاد، واخرى في التعلم، وثالثة في تبليغ الرسالة الاسلامية... وما الى ذلك، فالتقوى هي الفضيلة الجامعة المطلقة، وليس الجهاد. اختم الحديث عن التقوى بقوله سبحانه وتعالى : وازلفت الجنّة للمتقين غيربعيد * هذا ماتوعدون لكلّ اوّاب حفيظ * من خشيالرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب * ادخولها بسلام ذلك يوم الخلود * لهم ما يشاؤون فيها ولدينا مزيد. |