فهرس الحلقة الثالثة

المكتبة الصوتية

المؤلفات

الصفحة الرئيسية

 

الفصل‏ الخامس ‏عشر

ا لرجا ء

 

 قل يا عبادي الذين اسرفوا على انفسهم لا تقنطوا من رحمة اللَّه ان اللَّه يغفر الذنوب جميعا انه هو الغفور الرحيم.

 ورد في تفسير علي بن ابراهيم بسند صحيح عن عبدالرحمن بن الحجاج، عن الصادق عليه السلام ، عن رسول اللَّه صلى الله عليه واله  : (... ان اخر عبد يؤمر به الى النار فاذا امر به التفت، فيقول الجبّار : ردّوه، فيردّونه، فيقول له : لم التفتّ فيقول : يا ربّي لم يكن ظنّي بك هذا، فيقول : وما كان ظنّك بيّ ؟ فيقول : يا ربّ كان ظنّي بك ان تغفر لي خطيئتي، وتسكنني جنّتك، قال : فيقول الجبّار : يا ملائكتي لا وعزّتي وجلالي وآلائي وعلويّ وارتفاع مكاني ما ظنّ بي عبدي ساعة من خير قط، ولو ظنّ بي ساعة من خير ما روّعته بالنار، اجيزوا له كذبه، فادخلوه الجنّة، ثمّ قال رسول اللَّه صلى الله عليه واله  : ليس من عبد يظنّ باللَّه خيرا الا كان عند ظنّه به، وذلك قوله : وذلكم ظنّكم الذي ظننتم بربّكم ارداكم فاصبحتم من الخاسرين).

 قال بعض العرفاء المنحرفين عن خطّ اهل البيت عليهم السلام  : (الرجاء اضعف منازل المريدين؛ لأنّه معارضة من وجه، واعتراض من وجه، وهو وقوع في الرعونة في مذهب هذه الطائفة، الا ما فيه من فائدة واحدة، ولها نَطَقَ باسمه التنزيل والسُنّة، ودخل في مسالك المحققين، وتلك الفائدة هي.: كونه يفثا حرارة الخوف حتّى لا تعدو الى الاياس).

 ويقصد بذلك : انّ الرجاء يكون من ناحية معارضةً للربّ تعالى؛ لأنّ العبد يريد من اللَّه الجنّة مثلاً، في حين انّ المولى المالك لرقّه قد يريد له النار، فعارض ارادة اللَّه بارادة اخرى في مقابلها. ويكون من ناحية اخرى اعتراضا على اللَّه؛ لأ نّه يقول له : يا ربّ انت غنيّ عن عذاب عبادك، فعليك ان تعفو عنهم، فلماذا تعذّب. وهذا كلُّه يعني : وقوع العبد في الرعونة، اي : الوقوف مع حظوظ النفس لا مع ما يريده المولى تعالى، الا ا نّه مع ذلك اصبح الرجاء مطلوبا في الكتاب والسنّة، ومسلكا من مسالك المحقّقين لما فيه من مداواة ما قد ينجم من الخوف لولم يقابل بالرجاء، وهو الانتهاء الى الياس.

 اقول : لا اعرف كيف فرض العيبين في صدر كلامه في الرجاء، في حين انّ الرجاء لا يعني ارادة رحمة الرب ولو على خلاف ارادة الرب، اي : فيما لو كانت ارادته هي الغضب، بل يعني : الامل في ان تكون ارادة الربّ هي الرحمة، وذلك على مستوى الامل لا على مستوى الاعتراض. فالعبد المؤمن مسلّم للعذاب لو اراد اللَّه عذابه، ولكن احد اسباب رجائه للرحمة وعدم العذاب علمه بانّ عذابه لن يزيد في مُلك اللَّه تعالى. وهذا غير جعل ذلك اشكالا واعتراضا على اللَّه.

 ولنعم التعبير الوارد عن امامنا موسى بن جعفر سلام اللَّه عليه في محراب عبادته : (... ان تعذّبني فانّي لذلك اهل، وهو يا ربّ منك عدل، وان تعف عنّي فقديما شملني عفوك... الى ان يقول عليه السلام  : وليس عذابي ممّا يزيد في ملكك مثقال ذرّة، ولو انّ عذابي ممّا يزيد في مُلكك لسالتك الصبر عليه، واحببت ان يكون ذلك لك، ولكن سلطانك اللَّهم اعظم، وملكك ادوم من ان تزيد فيه طاعة المطيعين، او تنقص منه معصية المذنبين فارحمني يا ارحم الراحمين، وتجاوز عنّي يا ذا الجلال والاكرام، وتب عليّ انك انت التّواب الرحيم).

 هذه هي لهجة امامنا موسى بن جعفر عليه السلام  في بيان الرجاء، واين هي عن لهجة الاعتراض ؟ ! لكن انّى لمن انحرف عن خطّ اهل البيت ان يدرك حقيقة العرفان ؟ ! ! ومن لم يجعل اللَّه له نورا فما له من نور.

 وكذلك ممّا يبعث بالرجاء علمنا بانّ في عذابنا سرور عدوّ اللَّه، وفي ادخالنا الجنّة سرور نبيّ اللَّه، كما ورد عن سيّد العارفين وزين العابدين امامنا السجّادعليه السلام قوله : (... الهي ان ادخلتني النار ففي ذلك سرور عدوّك، وان ادخلتني الجنّة ففي ذلك سرور نبيك، وانا واللَّه اعلم انَّ سرور نبيّك احبّ اليك من سرور عدوّك...).

 على انّ المقصود بالرجاء هو : الرجاء الباعث الى العمل لما يرجوه الراجي وهذا ليس معارضة لإرادة الربّ، ولا اعتراضا عليه لا الرجاء الباعث الى ترك المبالاة وعدم السعي فيما يرجوه. فعن ابن ابي نجران، عن الصادق عليه السلام قال : (قلت له : قوم يعملون بالمعاصي ويقولون : نرجو، فلا يزالون كذلك حتّى ياتيهم الموت، فقال : هؤلاء قوم يترجّحون في الامانيّ، كذبوا ليسوا براجين، من رجا شيئا طلبه، ومن خاف من شي‏ء هرب منه).

 فالعبد اذا بثّ بذر الايمان، وسقاه بماء الطاعات، ورجى الربّ تعالى، كان هذا رجاءً حقيقيا محمودا. وكذلك لو كان منهمكا في المعاصي، ثُمّ اقبل على التوبة راجيا قبولها من الربّ، كان ذلك رجاءً حقيقيا محمودا. امّا من ينهمك في المعاصي بحجة الرجاء فهو مشمول لقوله تعالى : فخلف من بعدهم خلفٌ ورثوا الكتاب ياخذون عرض هذا الادنى ويقولون سيغفر لنا....

 وان شئت مثلاً عرفيا لما قلناه مثّلنا لك بمن يملك تربة صالحة للزرع ولاستثمارها في شتّى الاثمار والغلّات والورود والنّعم، فزرع فيها، وسقاها، وحافظ على نظافتها، وعلى ايصال نورالشمس اليها وما الى ذلك، وقال : انّني ارجو هذه التربة الصالحة ان تنفعني كذا وكذا من النّعم الالهية، فانت ترى انّ هذا رجاء معقول ومقبول. امّا لو ضيّع التربة، وسيّبها، ولم يعتن بها، وذلك بترك الزرع، او بترك السقي، او بسائر انحاء التسبيب والاضاعة ثمّ قال : انا ارجو من هذه التربة الصالحة ان تنفعني، لرايت ان هذا ليس رجاءً، بل هو سفهٌ وخبال. والاية المباركة التي بدانا بها الحديث يبدو انّها ظاهرة في نفس المعنى، وانّ قوله : ... لا تقنطوا من رحمة اللَّه ان اللَّه يغفر الذنوب جميعا لا يقصد الوعد بالغفران، بلا سببٍ صالح من قبل العبد، بل يقصد الغفران بسبب التوبة ولذا لم يستثن حتّى الشرك. والشاهد على انّ المقصود هو الغفران بالتوبة : الايات اللاحقة لها، وهي قوله : وانيبوا الى ربكم واسلموا له من قبل ان ياتيكم العذاب ثمّ لا تنصرون.

 وما ذكرناه من انّ الراجي انّما هو من يعمل لما يرجوه واضح في رجاء الجنّة والمغفرة، واوضح في رجاء رضا الربّ، واوضح منهما في رجاء لقاء الرب بالمعنى الوارد في قوله تعالى : وجوه يومئذٍ ناضرة * الى ربّها ناظرة وفي مقابل المعنى الوارد في قوله تعالى : كلا انهم عن ربّهم يومئذٍ لمحجوبون.

 واختم الحديث بهذه الابيات الطريفة :

 وما في الخلق اشقى من محبٍّ       وانْ وجدَ الهوى حلوَ المذاقِ

 تراه باكيا في كلِّ حينٍ               مخافةَ فرقةٍ او لاشتياقِ

 فيبكي ان ناوا شوقا اليهم            ويبكي ان دنوْا خوفَ الفراقِ

 وامّا ما ذكره من انّ الرجاء يمنع من المفسدة التي قد تترتب على الخوف فهو صحيح، كما مضى منّا بيانه في فصل الخوف.