فهرس الحلقة الثالثة

المكتبة الصوتية

المؤلفات

الصفحة الرئيسية

 

الفصل ‏السادس ‏عشر

الحرمة

 

 قيل : لمّا انفتحت ابواب الغيب على العبد باشراق نور الحقِّ على القلب وانعكاسه الى النفس على اثر العمل بنتائج ابحاث البدايات، ثُمّ ابحاث الابواب، اطّلع القلب على الحضرة الالهية بانفتاح عين البصيرة، وتمرّنت النفس بالطاعة، فكانّ القلب ياخذ في المعاملة مع الحقِّ لقوّة اليقين وظهور اثار الانس بطلوع انوار القدس فمن هنا الى الفصل الحادي والعشرين قد تسمّى بقسم المعاملات ان اللَّه اشترى من المؤمنين انفسهم واموالهم بان لهم الجنّة يقاتلون في سبيل اللَّه فيَقتُلون ويقتَلون وعدا عليه حقّا في التوراة والانجيل والقرآن ومن اوفى بعهده من اللَّه فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم.

 قال اللَّه تعالى : ذلك ومن يعظّم شعائر اللَّه فانها من تقوى القلوب.

 وقال عزّوجلّ : ذلك ومن يعظّم حرمات اللَّه فهو خير له عند ربّه....

 وقال عزّ اسمه : يا ايها الناس ضرب مثل فاستمعوا له انّ الذين تدعون من دون اللَّه لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وان يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب * ما قدروا اللَّه حقّ قدره ان اللَّه لقويّ عزيز.

 وقال عزّ من قائل : وما قدروا اللَّه حقّ قدره والارض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون.

 وقال سبحانه وتعالى : ما لكم لا ترجون للَّه وقارا * وقد خلقكم اطوارا * الم تروا كيف خلق اللَّه سبع سماوات طباقا * وجعل القمر فيهنّ نورا وجعل الشمس سراجا * واللَّه انبتكم من الارض نباتا * ثمّ يعيدكم فيها ويخرجكم اخراجا * واللَّه جعل لكم الارض بساطا * لتسلكوا منها سبلاً فجاجا.

 قد يلتزم العبد بترك المخالفة للَّه في ساعات عدم توافر المغريات الملّحة على المخالفة، كانسان مستغن عن الزنا بما لديه من زوجة او زوجات، فيترك الزنا، او مستغن عن السرقة بما لديه من الرفاه الاقتصادي، فلا يقترب من السرقة، او ما شابه ذلك. وهذا له شي‏ء من الفضيلة، فقد توقّى - على ايّة حال - النار، بل حصل - ايضا - على شي‏ء من الثواب، لكن هذا ليس هو الذي قدر اللَّه حقَّ قدره، او عظّم شعائر اللَّه، او عظّم حرمات اللَّه. فالعبد ينبغي له ان يكون تعامله مع مولاه تعامل المعظّم والمقدّر لمولاه حقّ قدره. وهذا له درجتان :

 الاولى - تعظيمه لثواب اللَّه وعقابه بحيث حتّى لو اشتدّت المغريات الى الشهوات النفسانية والملذّات المحرّمة يتركها طمعا بالثواب وخوفا من العقاب على اساس ا نّهم والجنّة كمن راها فهم فيها منعّمون، وانّهم والنار كمن راها فهم فيها معذّبون. فمن تكون هذه حالته فمن الطبيعي ان كثرة المغريات لا تفعل في نفسه شيئا.

 والثانية - ان يكون معظّما لرضا اللَّه سبحانه وتعالى ومتهيّبا من سخطه، فالمهمّ عنده ليس الثواب والعقاب المادّيين، بل رضا اللَّه سبحانه وسخطه. ومنطق اصحاب هذا المقام هو : اننا لو عملنا لأجل الثواب ففي الحقيقة قد عملنا لأنفسنا لا للَّه سبحانه وتعالى؛ لأنّنا لم نعمل الا بروح التجارة والاجرة، ولو عملنا خوفا من العقاب فقد عملنا - ايضا - لأنفسنا، فالعمل حقّا للَّه لا يكون الا بالعمل لمرضاته بغض النظر عن الطمع في الثواب او الخوف من العقاب. وعليه، فتعظيم شعائر اللَّه، او تقدير اللَّه حقَّ قدره، او تعظيم حدوده لا يكون الا بطلب رضاه والتجنّب عن سخطه بما هو رضاه وسخطه، لا بما هو مقدّمة للثواب والعقاب.

 ومطلوبية رضا اللَّه مستقلّاً لا تعني سلب مطلوبية الجنّة، او نفي الخوف من العقاب حتّى يقال : انّ حب اللذائذ النفسانية او بغض الالام النفسية من لوازم ذات الانسان، ولا ينفكّ عن الانسان ما لم يبدّل الى مخلوق اخر وانّما تعني : انّه حتّى لولا الثواب والعقاب لكان يكفي في التزام هذا العبد الخالص في العبودية كون المولى سبحانه وتعالى اهلاً للعبودية، او قلْ : حبّه للَّه تعالى.

 وممّا روي عن مولانا اميرالمؤمنين عليه السلام  قوله : (انّ قوما عبدوا اللَّه رغبة فتلك عبادة التّجار، وانّ قوما عبدوا اللَّه رهبةً فتلك عبادة العبيد، وانّ قوما عبدوا اللَّه شكرا فتلك عبادة الاحرار).

 وكذلك روي عنه ا نّه عليه السلام  قال : (ما عبدتك خوفا من نارك، ولا طمعا في جنتك، لكن وجدتك اهلاً للعبادة فعبدتك...).

 وحكي عن الاصمعي : انّه راى ببعض السواحل جماعة من الفقراء يبكون، وفيهم شاب يضحك، فساله عن حاله وحالهم فانشا يقول :

 انّهم عبدوك من خوفِ نارٍ          ويروْنَ الثوابَ فضلاً جزيلاً

 او لأن يسكنوا الجنان فيُسقوا        من عيونٍ رياضُها سلسبيلاً

 ليس لي في الجنان يا قوم رايٌ      انا لا ابتغي لحبّي بديلا

 قلت : يا فتى ما هذا التجرّي على حبيبك، وما حيلتك ان طردك ؟ ! فانشا :

 انا ان لم اجدْ من الحبِّ وصلا        رمت في النار منزلاً ومقيلا

 ثُمّ ازعجت اهلَها بندائي              بكرةً في حميمها واصيلا

 معشرَ المشركين نوحوا عليَّ         انا عبدٌ احبُّ مولىً جليلا

 لم اكن في الذي ادّعيت محقّا         فجزائي به العذاب طويلا

 اقول : لاحظ كيف تورّط صاحب هذا الكلام العرفاني في الخلط بين فرض الحبّ وفرض كذبه في الحبّ، وقايس بين هذا العرفان المنحرف عن خط اهل البيت والعرفان الكامن في الكلمة المنقولة عن امامنا زين العابدين عليه السلام  : (... لئن ادخلتني النار لأُخبرنّ اهل النار بحبّي لك...) وايضا المرويّ في نفس الدعاء : (... الهي لو قرنتني بالاصفاد، ومنعتني سيبك من بين الاشهاد، ودللت على فضائحي عيون العباد، وامرت بي الى النار، وحلت بيني وبين الابرار، ما قطعت رجائي منك، وما صرفت تاميلي للعفو عنك، ولا خرج حبّك من قلبي. انا لا  انسى اياديك عندي، وسترك عليّ في دار الدنيا...).

 امّا المثل الذي ورد في القرآن لتوضيح ضرورة ان نقدّر اللَّه حقّ قدره، فهو مثل يوضّح تفاهة قدرة ما سوى اللَّه، وانحصار القدرة الحقيقية في اللَّه تعالى. وهو ما مضى في مستهلّ الحديث من الايتين  74 - 73من سورة الحج. ومورد نزول الاية وان كان - في الاكثر - مشركي مكّة والذين ورد ا نّهم كانوا يطْلون اصنامهم بالمسك والعنبر او الزعفران والعسل، وكان الذباب يقع عليها ويسلب منها هذه الامور، ولم يكونوا يقدرون على استنقاذ ما اخذوه، لكن قد يستظهر من الاية ارادة الاطلاق لكلِّ معبود صنميّ او بشريّ او غير ذلك، بل لكلِّ جبّار يطاع او قدرة يعتمد عليها منفصلاً عن اللَّه تعالى؛ وذلك بقرينة انّ الخطاب في صدر الاية لم يوجّه الى المشركين خاصّة، بل الى جميع الناس؛ اذ قال : يا ايّها الناس ضرب مثل فاستمعوا له ان الذين تدعون من دون اللَّه لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وان يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب * ما قدروا اللَّه حق قدره ان اللَّه لقويّ عزيز وفي ذيل الاية اثبت القدرة والعزّة للَّه في مقابل الضعف الذي اوضحه في صدر الاية لغير اللَّه.

 وكذلك في الاية الاخرى وهي قوله : ما لكم لا ترجون للَّه وقارا جاء تعليل ضرورة رجاء الوقار للَّه تعالى بالاشارة الى ما يبدي قدرته الواسعة؛ اذ قال وقد خلقكم اطوارا والمخاطبون المباشرون في هذه الاية ايضا - في اغلب الظن - هم مشركو قوم نوح، ولكن لا يبعد ان يكون مفاد الاية مطلقا شاملاً لجميع الناس، فالمشركون يطالَبون بان يرجوا للَّه وقارا ولو بمعنى ترك الشرك والايمان باللَّه وبالتوحيد، والموحّدون يطالَبون بان يرجوا للَّه وقارا بمعنى : ان يقدّروا حقّ قدره، او يعظّموا حرماته وشعائره بالمستويين اللذين مضت الاشارة اليهما.

 والمقصود بقوله : خلقكم اطوارا - في اغلب الظن - احد معنيين او كلاهما :

 الاوّل - خلق الناس مختلفين في الاطوار : من اللهجات المختلفة، او الالوان المختلفة، او الشُعور المختلف، او العواطف المختلفة، او الهيئات المختلفة، او ما الى ذلك من الاختلاف في الاطوار. وقد يشهد لهذا المعنى قوله تعالى : ومن آياته خلق السماوات والارض واختلاف السنتكم والوانكم ان في ذلك لآيات للعالمين.

 والثاني - خلق كلّ انسان في اطوار متبادلة خلقا بعد خلق. وقد يشهد لهذا المعنى قوله تعالى : ولقد خلقنا الانسان من سلالة من طين * ثمّ جعلناه نطفة في قرار مكين * ثمّ خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثمّ انشاناه خلقا اخر فتبارك اللَّه احسن الخالقين * ثمّ انكم بعد ذلك لميّتون* ثم انكم يوم القيامة تبعثون.

 وكذلك قوله تعالى : هو الذي خلقكم من تراب ثمّ من نطفة ثمّ من علقة ثمّ يخرجكم طفلاً ثمّ لتبلغوا اشدّكم ثمّ لتكونوا شيوخا ومنكم من يتوفّى من قبل ولتبلغوا اجلا مسمّى ولعلكم تعقلون.

 ثمّ انّ المستوى الثاني من تعظيم شعائر اللَّه، او حرماته، او حدوده، او تقدير اللَّه حقَّ قدره، او رجاء الوقار للَّه وهو ما اشرنا اليه من كون المطلوب والمقصود للعبد رضا اللَّه تعالى وبغضّ النظر عن جنّة او نار ينقسم - ايضا - في ذاته الى مستويات ودرجات الى ان يصل الى المحو الكامل في ذات اللَّه. ونموذجه ما هو مرويّ عن امامنا اميرالمؤمنين عليه السلام  من انّه كان في صلاته يستغرق في اللَّه الى حدّ استخرج السهم من رجله في حال الصلاة فلم يلتفت.

 ولا تستغرب من ذلك، فلئن كان انمحاء صويحبات يوسف في جمال يوسف الذي ليس الا قطرة من بحر جمال الربّ تعالى يؤدّي الى ان يقطعن ايديهنّ من غير التفات، فلماذا نستغرب من انمحاء اولياء اللَّه في ذات اللَّه وفي جماله وجلاله الى حدّ لا يحسّون باخراج السهم من الجسد او غير ذلك. قال اللَّه تعالى :

 وقال نسوة في المدينة امراة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا انّا لنراها في ضلال مبين * فلمّا سمعت بمكرهنّ ارسلت اليهنّ واعتدت لهنّ متكاءً واتت كلّ واحدة منهنّ سكّينا وقالت اخرج عليهنّ فلما راينه اكبرنه وقطّعن ايديهنّ وقلن حاش للَّه ما هذا بشرا ان هذا الا ملك كريم * قالت فذلكنّ الذي لمتنّني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ما امره ليسجنّن وليكونا من الصاغرين.