|
الفصل السابع عشر الإخلاص
قال عزّ من قائل : بسم اللَّه الرحمن الرحيم تنزيل الكتاب من اللَّه العزيز الحكيم * إنّا لله؛ انزلنا اليك الكتاب بالحقّ فاعبد اللَّه مخلصا له الدين * الا للَّه الدين الخالص والذين اتخذوا من دونه اولياء ما نعبدهم الا ليقرّبونا الى اللَّه زلفى انّ اللَّه يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون انّ اللَّه لا يهدي من هو كاذب كفّار. والمخلِص بكسر اللام يعكس انتساب خلوص الفعل الى العبد، اي : انّه هو الذي اخلص الفعل من كلّ غاية سوى اللَّه. و بالفتح يعكس خلوص نفس الانسان من كلّ رجاسة ونجاسة. فالاوّل مقدّمة للثاني، والثاني نتيجة الاوّل. والتعبير الثاني - ايضا - وارد في عدد من الايات وذلك من قبيل قوله تعالى : ... كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء انه من عبادنا المخلصين. وقوله تعالى عن لسان ابليس : ... لأُغوينّهم اجمعين * الا عبادك منهم المخلصين. وبما شرحناه تبيّن : ا نّه يقرب الى الذهن الفرق بين التعبير بالمخلِص بكسر اللام والتعبير به بفتح اللام بانّ الاوّل يصدق على العبد من بدايات سلوكه، والثاني يصدق في النهايات. والاخلاص مع التضحية في سبيل اللَّه هما سيّدا الاوصاف الفاضلة . وتوضيح ذلك : ان وزن كلِّ عمل وقيمته عند الناس انّما يكون بمقدار نتائجه الخارجية، فالخادم الذي يكون اكثر نتاجا في خدمته خارجا مثلاً يكون هو المقرّب عند صاحب العمل، والمقاتل الذي يكون اكثر نتاجا في فتح البلاد يكون هو المقرّب لدى السلطان، وما الى ذلك، وحتى بالنسبة للمؤمنين الذين يستاجرون اناسا للخدمات الاسلامية يكون المقرَّب منهم اكثر - لدى اولئك المؤمنين - مَنْ ينتج خارجا اكثر في خدمته الموكّلة اليه، كخدمة التبليغ مثلاً للإسلام او اي خدمة اخرى، ولكنَّ الوزن والقيمة للأعمال لدى الربّ سبحانه وتعالى ليس بكثرة النتاج الخارجي، بل بمدى الخلوص الباطني للعبد من ناحية، ومدى تضحية العبد في عمله هذا من ناحية اخرى وان قلّت النتائج الخارجية، فربّ جنديٍّ ضعيفٍ قليل الانتاج تحت راية زعيم حربٍ فاتحٍ عظيم يكون خيرا عنداللَّه من ذاك الزعيم الفاتح؛ لكونه اكثر اخلاصا، واكثر تضحية منه. ومن هنا فُسّر قوله تعالى : ... ليبلوكم ايّكم احسن عملاً... من قبل الامام الصادق عليه السلام في حديث بقوله : (ليس يعني اكثر عملاً، ولكن اصوبكم عملاً. وانّما الاصابة خشية اللَّه، والنيّة الصادقة. ثمّ قال : الابقاء على العمل حتّى يخلص اشدّ من العمل، والعمل الخالص الذي لا تريد ان يحمدك عليه احد الا اللَّه عزّوجلّ...). وفُسِّر في حديث اخر عن رسول اللَّه صلى الله عليه واله بقوله : (اتمّكم عقلاً، واشدّكم للَّه خوفا، واحسنكم فيما امر اللَّه به ونهى عنه نظرا، وان كان اقلّكم تطوّعا). وبكلمة اخرى : انّ الاخلاص هو روح الاعمال جميعا؛ لأنّ اللَّه هو الكمال المطلق الذي مَنْ اراده وجده، ولم يتحوّل مقصوده الى السراب، وذلك بخلاف مَنْ اراد غير اللَّه، فانّ ايَّ هدف اخر غير اللَّه ناقصٌ، وبتكامل العبد يتّضح له نقصه، او يصبح لدى الوصول اليه سرابا، او يلتفت لدى نزع الروح او بعد الموت الى كونه سرابا. وبكلمة ثالثة : انّ الاخلاص هو سيّد الصفات الفاضلة؛ لأ نّه يدعو الى باقي الصفات؛ لأنّ الذي يخلص للَّه يريد ما اراده اللَّه، واللَّه قد اراد من عبده الصفات الفاضلة. واقلَّ درجات الاخلاص اللازم ان تكون عبادته خالصة للَّه بالمعنى الفقهي من الخلوص الذي لا ينافي كون الهدف الاخير الداعي له الى هدف امتثال امر اللَّه عبارةً عن الوصول الى الجنّة او الفرار من النار، او ايَّ هدف اخر دنيوي او اخروي، وان يترك العبد المناهي على الاطلاق. واقوى درجاته ان يكون اخلاصه في كلِّ شيء، لا في خصوص العبادات بالمعنى المصطلح الفقهي، وان يكون اخلاصه بمعنى : ان يكون هدفه محضا هو اللَّه تعالى ورضوانه، لا جنته او الهرب من ناره، وان كانت تلك اهدافا جانبية وحاصلة ضمنا بلطف اللَّهوكرمه، قال اللَّه تعالى : وما تُجزون الا ما كنتم تعملون * الا عباد اللَّه المخلَصين * اولئك لهم رزق معلوم * فواكه وهم مكرمون * في جنّات النعيم * على سرر متقابلين * يطاف عليهم بكاس من معين * بيضاء لذة للشاربين * لا فيها غولٌ ولا هم عنها ينزفون * وعندهم قاصرات الطرف عين * كانهنّ بيض مكنون * فاقبل بعضهم على بعض يتساءلون * قال قائل منهم انّي كان لي قرين * يقول اانّك لمن المصدِّقين * ااذا متنا وكنّا ترابا وعظاما اانّا لمدينون * قال هل انتم مطّلعون * فاطّلع فراه في سواء الجحيم * قال تاللَّه ان كدت لتردين * ولولا نعمة ربّي لكنت من المحضرين * افما نحن بميتين * الا موتتنا الاولى وما نحن بمعذَّبين * انّ هذا لهو الفوز العظيم * لمثل هذا فليعمل العاملون * اذلك خير نزلاً ام شجرة الزقوم.... وفي تفسير هذه الايات اتّجاهان بيانهما - بتكميل او تنقيح منّي - ما يلي : 1ـ ان يكون قوله تعالى : وما تجزون الا ما كنتم تعملون خطابا للذين ذكروا فيمإے؛ظظ قبل هذه الاية من اصحاب جهنّم، فقوله : الا عباد اللَّه المخلَصين استثناء منقطع يشمل جميع اهل الجنّة، وعندئذٍ يناسب ان يكون المقصود بالرزق المعلوم في قوله : اولئك لهم رزق معلوم : اجمالا عن التفصيل الذي جاء بعد ذلك في قوله : فواكه وهم مكرمون... الى اخر الايات التي تبيّن نعما ماديةً مزيّنةً بنعم معنويةٍ مفهومةٍ لعامّة الناس وذلك من قبيل كونهم مكرمين او غير ذلك. فاذن كانّ الملحوظ في ذلك ادنى درجات الجنّة؛ لأ نّه الذي يتصوّر ثبوته لتمام اهل الجنّة. 2ـ ان يكون قوله تعالى : وما تجزون الا ما كنتم تعملون خطابا لتمام الناس من المؤمنين والمجرمين، فقوله : الا عباد اللَّه المخلَصين استثناء متّصل. وقد رجّحنا فيما سبق ان يقصد بالمخلَصين بالفتح : الذين هم في نهايات مستويات الايمان، وهم الذين اخلصوا انفسهم للَّه، او اخلصهم اللَّه - تعالى - لنفسه من كلّ شائبة او درَن. فكانّ الاية تقول - واللَّه العالم - : انّ النعم المادية والمزيّنة بنعم معنويةٍ قابلةٍ للتصوّر ولو مختصرا لعامة الناس انّما تعتبر جزاءً للأعمال الحسنة او تجسّما لها، وكذلك العذاب يعتبر جزاءً للأعمال السيّئة او تجسّما لها على المسلكين المعروفين من مسلك تجسّم الاعمال او عدمه. وامّا المخلَصون فلا يكفي بشانهم جزاء اعمالهم، وليسوا هم من الذين عملوا للجزاء، بل عملوا لذات اللَّه سبحانه وتعالى، فهم يُعامَلون معاملة تختلف عن معاملة الاجير، فجزاؤهم خارج عن حيطة اعمالهم، وهو فضل خاصّ من اللَّه لهم، وكانّما يعاملهم اللَّه ابتداءً لذواتهم الذائبة في اللَّه لا لأعمالهم، فجزاؤهم الاوفى يكون جزاءً معنويا محضا : من لقاء اللَّه، والالتذاذ بجمال اللَّه بالمعنى الممكن، وغير ذلك ممّا لا يمكن لعامة الناس تصوّره، فعندئذٍ يناسب ان يقال : انّ قوله تعالى : اولئك لهم رزق معلوم ليس اجمالا للتفصيل الاتي في تتمّة الايات، بل اشارة اجمالية الى تلك النعم المعنوية التي لا يمكن توضيحها لمن لم يُرزَقها بعدُ، ثُمّ جاءت تتمة الايات لتوضّح انّ هؤلاء المخلَصين - ايضا - ليسوا محرومين من تلك النعم المادّية، بل هي لهم - ايضا - كما للآخرين ، ويزيدون على الاخرين بتلك النعم المعنوية التي هي فوق تصوراتنا في هذه الدنيا، وذلك لأنّ المخلَصين هم - على ايّ حال - بشر، والبشرُ بذاته يملك الجسد الذي هو امر مادّي، كما يملك الروح التي تعالت الى مستوى الخلوص للَّه، فكما يُكرَم بروحه العالية الراقية مرقاة الخلوص كذلك يكرم بالاكرامات المادية المناسبة لجانبه المادي، وهو جسده الذي هو مركوب لروحه، تماما من قبيل ما لو دخل شخص عزيز راكبا فرسه على ملك كريم، فذلك الملك يكرم الشخص في غرفته الخاصة بما يناسب عزّته ومقامه، ويكرم مركوبه - ايضا وهو الفرس في الاصطبل الخاص به بالعلف المناسب له. والقرآن الكريم قد تكرّرت منه التعابير الاجمالية عن نعم اخروية غامضة الى صفّ تعابيره التفصيلية المفهومة، ويحتمل ان تكون تلك التعابير المجملة جميعا اشارة الى ما ذكرناه من النعم المعنوية التي هي فوق تصوّراتنا، والتي لم يكن يمكن شرحها وتوضيحها لنا، وذلك من قبيل قوله تعالى : 1ـ فلا تعلم نفس ما اخفي لهم من قرّة اعيُن .... 2ـ يا ايّتها النفس المطمئنة * ارجعي الى ربّك راضية مرضية * فادخلي في عبادي * وادخلي جنّتي. يا ترى ما هو المقصود بقوله تعالى : فادخلي في عبادي هل المقصود الدخول في محشر العباد الذي يضمّ جميع الناس دخولاً مكانيا وجسديا ضمن سائر البشر المشار اليه بقوله تعالى : وحشرناهم فلم نغادر منهم احدا او بقوله تعالى : ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود... اوَليس هذا الدخول امرا واقعا بوضوح وغير مخصوص بالنفس المطمئنة ؟ ! فالذي يقرب للذهن انّ المقصود هو : الدخول في عباد اللَّه المخلَصين بمعنى الانحساب منهم ووقوعه في صفوفهم. ثُمّ يا تُرى ما معنى ادخلي جنّتي اوليست الجنان كلُّها جنان اللَّه سبحانه وتعالى ؟ فايّ جنّة هذه التي اضافها اللَّه تعالى الى نفسه ؟ ! ! افلا تحدس معي انّ هذه جنّة الفوز بلقاء اللَّه بالمعنى المعقول من لقاء اللَّه وجنّة الرضوان ورضوان من اللَّه اكبر، وانّها اشارة الى تلك النِّعم المعنوية التي هي فوق تصوّراتنا، والتي يكون الالتذاذ بها فوق جميع الالتذاذات على الاطلاق. 3ـ لهم ما يشاؤون فيها ولدينا مزيد فاذا كان لهم ما يشاؤون ومن الطبيعي ان يشاؤوا كلَّ ما رات عين او سمعت اذن او خطر على قلب بشر فما معنى قوله تعالى : ولدينا مزيد اليس هذا اشارة اجمالية الى ما لم يكن يمكن شرحه وتفصيله او بيانه وتوضيحه ؟ ! امّا ما اشرنا اليه من انّ الايات المباركات ذكرت نعما مادية مزينة بنعم معنوية يدركها اهل الدنيا ولو في صورة مصغّرة، فقد قصدنا بتلك النّعم المعنوية ما يلي : 1ـ هم مكرَمون ، ففرق بين ان يُنعَم على احد بالفواكه والماكولات الشهية والمشروبات اللذيذة من دون حالة الاحترام والاجلال والاكبار، وان يُنعم على احد بتلك النّعم مقترنةً بتلك الحالة، ولا يقاس الالتذاذ في الفرض الثاني به في الفرض الاوّل. 2ـ الجلسة الاخوانية على سرر متقابلين، ولا يخفى على احد انّ التفكّه الاخواني في مجلس من هذا النمط التذاذه اشدّ من اصل الالتذاذ بالماديات الموجودة في المجلس. 3ـ اطّلاعهم على اهل الجحيم والعذاب الموجود فيه، فاللَّه يعلم ما يتداخلهم من السرور نتيجة المقايسة والتقابل بين ما هم فيه من النّعم العظيمة التي لا تتناهى، وعذاب الكفّار الذي لا يتناهى. ولتوضيح الكلام اكثر ممّا مضى في درجات الاخلاص نقول : انّه يمكن ان يذكر للإخلاص في العمل درجات : الدرجة الاولى - هو الاخلاص بالمعنى الذي يكون فقهيا مصححا للعبادة، وتوضيح الامر : انّه لا شكّ فقهيّا في اشتراط العبادة بالقربة، ومن هنا يقع الاشكال فيمن ياتي ببعض العبادات لهدف قضاء حاجة دنيوية : من شفاء مرض، او دفع عدوّ، او رفع فقر، او ما الى ذلك؛ اذ يقال : انّ الهدف من هذه العبادة لم يكن هو التقرّب الى اللَّه، بل كان هو قضاء الحاجات، بل انّ الاشكال يتّسع اكثر من ذلك ليشمل عبادة كلِّ من يعبد اللَّه التماسا لثواب الاخرة او هربا من عذاب اللَّه، ولم تكن عبادته عبادة الاحرار الذين يعبدون اللَّه لكونه اهلاً للعبادة، وهذا يعني : بطلان عبادة جميع العبّاد ما عدا النادر من المؤمنين كالمعصومين عليهم السلام ومن قارب العصمة. الا انّ هذا الاشكال له حلّ على مستوى الفقه، وهو ما يقال من انّ العبادة انّما تصدر عن المؤمن غير المرائي امتثالا لأمر اللَّه او للتقرب اليه، الا انّ الذي دعاه الى هذا التقرب او الى هذا الامتثال هو الوصول الى حاجته الدنيوية او الاخروية، فبرغم انّ الهدف النهائي كان عبارة عن تلك الحاجة الا انّ تلك الحاجة صارت من قبيل الداعي الى الداعي، والداعي الثاني الطولي هو داع القربة، وهذا كافٍ في تصحيح العبادة فقهيا. الدرجة الثانية - ان يكون هدف العامل هو اللَّه سبحانه وتعالى، الا انّ له هدفا جانبيا ايضا، وهو : قضاء الحاجة او الثواب الاخروي او النجاة من النار. ولا شكَّ انّ هذه الدرجة خير من الدرجة الاولى، الا انّه قد يفترض هذا - ايضا - ناقصا نتيجة عدم تمحضه في ذات اللَّه. الدرجة الثالثة - ان يكون هدفه - ايضا - هو اللَّه سبحانه وتحصيل رضاه، ولكن يسهم مع هذا الهدف في الغاية التذاذه برضوان اللَّه وبالتقرب اليه او الوصول اليه، لا الثواب او نفي العقاب او قضاء الحاجة. الدرجة الرابعة - ان يكون الهدف محضا هو اللَّه - سبحانه وتعالى - من دون ايّ نظر ولو جانبي : لا الى حاجة دنيوية، ولا الى الثواب والعقاب، ولا الى التذاذه بعبادة اللَّه وتحصيل رضوانه، او قربه، او الوصول اليه؛ وذلك لأنّه قد نسي ذاته، وقطع من نفسه جذور حبِّ الذات، فانحصر ما في نفسه في حبِّ اللَّه تعالى. الا انّ هناك اتّجاها يقول باستحالة انقطاع حبِّ الذات من النفس، الا بتبدّل هوية الانسان وحقيقته؛ لأنّ حبّ الذات ذاتيٌ للإنسان. والنقل شاهد لهذا الراي الاخير، لأنّ المعصومين عليهم السلام على رغم بلوغهم مستوى عبادة الاحرار وكون غايتهم القصوى رضوان اللَّه والتقرب اليه والذوب فيه والوصول اليه وفناءهم في ذات اللَّه تعالى وفي حبّه، نرى انّ الادعية الكثيرة الواردة عنهم عليهم السلام واضحة في طلب الجنّة وما فيها من النِّعم المادية، وطلب الابتعاد من النار. وحملها جميعا على التصنّع المحض؛ لغرض تعليمنا نحن الذين لم نصل الى تلك المستويات، في غاية الصعوبة والاشكال. وعليه، فمنتهى درجات الاخلاص او ما قد يُسمّى بالتهذيب ليس هو تهذيب النفس عن شائبة حبّ الثواب او حبّ الالتذاذ؛ فانّ هذا الحب ذاتي للإنسان، و نقصُ الانسان المانع عن الوصول الحقيقي الى اللَّه اي : الى كنه ذاته - ايضا - ذاتيٌّ للممكن، بل منتهى درجات التهذيب او الاخلاص هو : ان يصل الى مستوى كفاية حبّ اللَّه مُحرِّكا له الى ما اراده اللَّه، اي : انّه لولا الثواب والعقاب لكان يتحرك - ايضا - نحو ما يريده اللَّه؛ وعلامة ذلك انّ الانسان لن يحسّ - عندئذٍ - بالفتور والكسل في الطاعة او بحالة الاكراه عليها؛ لأنّ رضا اللَّه رضاه، وحبّه حبّه، فيفعل ما يفعل بكلِّ طواعية ورغبة لا كراها لخوف العقاب او لتحصيل الثواب. والنقطة المقابلة تماما لذلك هم المنافقون الذين قال اللَّه - تعالى عنهم : اذا قاموا الى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس ولا يذكرون اللَّه الا قليلا * مذبذبين بين ذلك لا الى هؤلاء ولا الى هؤلاء.... وقال تعالى ايضا : ... ولا ياتون الصلاة الا وهم كسالى ولا ينفقون الا وهم كارهون وفيما بين هاتين النقطتين المتقابلتين متوسّطات كثيرة. وان شئت نموذجا للإخلاص الكامل ولما شرحناه : من انّ الاخلاص الكامل لا يعني عدم الالتفات الى الثواب والعقاب، فانظر الى رواية ابي الدرداء، واليك نصّها : ورد عن عروة بن الزبير قال : (كنّا جلوسا في مجلس في مسجد رسول اللَّه صلى الله عليه واله فتذاكرنا اعمال اهل بدر وبيعة الرضوان، فقال ابو الدرداء : يا قوم الا اخبركم باقلّ القوم مالا، واكثرهم ورعا، واشدّهم اجتهادا في العبادة ؟ قالوا : مَنْ ؟ قال : امير لمؤمنين عليّ بن ابي طالب عليه السلام قال : فواللَّه ان كان في جماعة اهل المجلس الا معرض عنه بوجهه. ثُمّ انتدب له رجل من الانصار فقال له : يا عويمر لقد تكلّمت بكلمة ما وافقك عليها احد منذ اتيت بها، فقال ابو الدرداء : يا قوم انّي قائل ما رايت، وليقل كلّ قوم منكم ما راوا : شهدت عليَّ بن ابي طالب بشويحطات النّجار، وقد اعتزل عن مواليه، واختفى ممّن يليه، واستتر بمغيلات النخل، فافتقدته، وبعد عليّ مكانه، فقلت : لحق بمنزله، فاذا انا بصوت حزين ونغمة شجيّ وهو يقول : الهي كم من موبقة حَلِمت عن مقابلتها بنقمتك، وكم من جريرة تكرّمت عن كشفها بكرمك، الهي ان طال في عصيانك عمري، وعَظُمَ في الصحف ذنبي، فما انا بمؤمّل غير غفرانك، ولا انا براجٍ غير رضوانك. فشغلني الصوت، واقتفيت الاثر، فاذا هو عليّ بن ابي طالب عليه السلام بعينه، فاستترت له، واخملت الحركة، فركع ركعات في جوف الليل الغابر، ثُمّ فرغ الى الدعاء والبكاء والبثّ والشكوى، فكان ممّا به اللَّه ناجاه ان قال : الهي افكّر في عفوك فتهون عليّ خطيئتي، ثُمّ اذكر العظيم من اخذك فتعظم عليّ بلّيتي، ثُمّ قال : آه ان انا قرات في الصحف سيّئة انا ناسيها وانت محصيها فتقول : خذوه، فياله من ماخوذ لا تنجيه عشيرته، ولا تنفعه قبيلته، يرحمه الملأ اذا اذن فيه بالنداء، ثُمّ قال : آه من نار تنضج الاكباد والكلى، آه من نار نزّاعة للشوى آه من غمرة من ملهبات لظى، قال : ثُمّ انعم في البكاء فلم اسمع له حسّا ولا حركة، فقلت : غلب عليه النوم لطول السهر اوقظه لصلاة الفجر، قال ابو الدرداء : فاتيته فاذا هو كالخشبة الملقاة، فحرّكته فلم يتحرك، وزويته فلم ينزو، فقلت : انّا للَّه وانّا اليه راجعون مات واللَّه عليّ بن ابي طالب، قال : فاتيت منزله مبادرا انعاه اليهم، فقالت فاطمة عليها السلام : يا ابا الدرداء ما كان من شانه ومن قِصّته ؟ فاخبرتها الخبر فقالت : هي واللَّه يا ابا الدرداء الغشية التي تاخذه من خشية اللَّه ثُمّ اتوه بماء، فنضحوه على وجهه فافاق، فنظر اليّ وانا ابكي، فقال : ممّ بكاؤك يا ابا الدرداء ؟ فقلت : ممّا اراه تنزله بنفسك، فقال : يا ابا الدرداء فكيف ولو رايتني ودُعي بي الى الحساب، وايقن اهل الجرائم بالعذاب، واحتوشتني ملائكة غلاظ وزبانية فظاظ، فوقفت بين يدي الملك الجبّار قد اسلمني الاحبّاء، ورحمني اهل الدنيا، لكنت اشدّ رحمة لي بين يدي من لا تخفى عليه خافية، فقال ابو الدرداء : فواللَّه ما رايت ذلك لأحد من اصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه واله ). نختم حديثنا عن الاخلاص بذكر بعض روايات الباب : 1ـ عن داود بن سليمان، عن الرضا عليه السلام ، عن آبائه عليهم السلام قال : (قال اميرالمؤمنين عليه السلام : الدنيا كلّها جهل الا مواضع العلم، والعلمُ كلّه حجّة الا ما عمل به، والعمل كلّه رياء الا ما كان مخلصا، والاخلاص على خطر حتّى ينظر العبد بما يُختم له). 2ـ عن دارم، عن الرضا عليه السلام عن آبائه عليهم السلام قال : (قال رسول اللَّه صلى الله عليه واله : ما اخلص عبد للَّه - عزَّوجلَّ - اربعين صباحا الا جرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه). والمقصود باخلاص العبد : امّا هو اخلاصه لعمله للَّه فيصبح هو مخلصا بكسر اللام، او هو اخلاص نفسه للَّه فيصبح مخلَصا بالفتح، ولا يبعد ارادة كلتا الدرجتين، بل كلّ الدرجات بانّ يقال : كلّ درجة من الاخلاص لو دامت اربعين صباحا اوجبت انفجار ينبوع الحكمة من قلبه على لسانه بما يناسب تلك الدرجة. 3ـ روي انّ رجلاً قال لرسول اللَّه صلى الله عليه واله : (يا رسول اللَّه انّا نعطي اموالنا التماس الذكر، فهل لنا من اجر ؟ فقال رسول اللَّه صلى الله عليه واله : لا . قال : يا رسول اللَّه ! انّا نعطي التماس الاجر والذكر، فهل لنا اجر ؟ فقال رسول اللَّه صلى الله عليه واله : انّ اللَّه - تعالى - لا يقبل الا من اخلص له، ثُمّ تلا رسول اللَّه صلى الله عليه واله هذه الاية : الا للَّه الدين الخالص...). 4ـ وهذه الرواية تجسّد مثلاً رائعا عن اخلاص سيّد العارفين واميرالمؤمنين علي عليه الصلاة والسلام، وهي ما يلي : (لمّا ادرك عمرو بن عبد ودّ لم يضربه، فوقعوا في عليٍّ فردّ عنه حذيفة، فقال النبيّ صلى الله عليه واله : مه يا حذيفة، فانّ عليّا سيذكر سبب وقفته، ثُمّ انّه ضربه، فلما جاء ساله النبي صلى الله عليه واله عن ذلك، فقال : قد كان شتم امّي، وتفل في وجهي، فخشيت ان اضربه لحظّ نفسي، فتركته حتّى سكن ما بي، ثُمَّ قتلته في اللَّه). ولا يبعد ان يكون هذا المستوى من الاخلاص هو العامل المهمّ، او احد العوامل المهمّة في فرض رجحان ضربة علي عليه السلام على اعمال امّة رسول اللَّه صلى الله عليه واله جميعا، فقد رُوِي عن النبي صلى الله عليه واله ا نَّه قال لعليّ عليه السلام : (... ابشر يا علي، فلو وزن اليوم عملك بعمل امّة محمّد صلى الله عليه واله لرجح عملك بعملهم). وورد بسند سُنّي انّه قال رسول اللَّه صلى الله عليه واله : (لمبارزة علي بن ابي طالب لعمرو بن عبد ودّ يوم الخندق افضل من اعمال امّتي الى يوم القيامة). 5ـ عن مصباح الشريعة عن الصادق عليه السلام : (... وادنى حدّ الاخلاص بذل العبد طاقته، ثُمّ لا يجعل لعمله عند اللَّه قدرا، فيوجب به على ربّه مكافاة بعمله لعلمه ا نّه لو طالبه بوفاء حقّ العبودية لعجز. وادنى مقام المخلص في الدنيا السلامة من جميع الاثام، وفي الاخرة النجاة من النار والفوز بالجنّة). 6ـ عن الحسن بن عليّ الزكي عليه السلام ا نّه قال : (لو جُعِلت الدنيا كلَّها لقمة واحدة، ولقّمتها من يعبد اللَّه خالصا لرايت ا نّي مقصّر في حقّه، ولو منعت الكافر منها حتّى يموت جوعا وعطشا ثُمّ اذقته شربة من الماء لرايت ا نّي قد اسرفت). 7ـ عن رجل، عن معاذ بن جبل قال : قلت : حدّثني بحديث سمعته عن رسول اللَّه صلى الله عليه واله حفظته وذكرته في كلِّ يوم من دقّة ما حدّثك به، قال : نعم، وبكى معاذ، فقلت : اسكت فسكت، ثُمّ نادى : بابي وامّي حدّثني وانا رديفه، قال : (فبينا نسير اذ يرفع بصره الى السماء فقال : الحمد للَّه الذي يقضي في خلقه ما احبّ. قال : يا معاذ قلت : لبيك يا رسول اللَّه امام الخير ونبيّ الرحمة، فقال : احدّثك ما حدّث نبيّ امّته ان حفظته نفعك عيشك، وان سمعته ولم تحفظه انقطعت حجّتك عند اللَّه. ثُمّ قال : انّ اللَّه خلق سبعة املاك قبل ان يخلق السماوات، فجعل في كلِّ سماء ملكا قد جلّلها بعظمته، وجعل على كلّ باب منها ملكا بوّابا، فتكتب الحفظة عمل العبد من حين يصبح الى حين يمسي، ثُمّ يرتفع الحفظة بعمله، له نور كنور الشمس حتّى اذا بلغ سماء الدنيا فيزكّيه ويكثره، فيقول له ملك سمآء الدنيا : قف، فاضرب بهذا العمل وجه صاحبه، انا ملك الغيبة، فمن اغتاب لا ادع عمله يجاوزني الى غيري، امرني بذلك ربّي. قال : ثُمّ يجيء من الغد ومعه عمل صالح، فيمرّ به ويزكّيه ويكثره حتّى يبلغ السماء الثانية، فيقول الملك الذي في السماء الثانية : قف، فاضرب بهذا العمل وجه صاحبه، ا نّما اراد بهذا العمل غرض الدنيا اظنّ انّ الصحيح عرض انا صاحب الدنيا، لا ادع عمله يتجاوزني الى غيري. قال : ثُمّ يصعد بعمل العبد مبتهجا بصدقة وصلاة، فتعجب الحفظة، ويجاوزه الى السماء الثالثة، فيقول الملك : قف، فاضرب بهذا العمل وجه صاحبه وظهره، انا ملك صاحب الكبر، فيقول : انّه عمل وتكبّر فيه على الناس في مجالسهم، امرني ربّي ان لا ادع عمله يتجاوزني الى غيري. قال : وتصعد الحفظة بعمل العبد يزهر كالكوكب الدري في السماء، له دويّ بالتسبيح والصوم والحجّ، فيمرّ به الى ملك السماء الرابعة، فيقول له : قف، فاضرب بهذا العمل وجه صاحبه وبطنه، انا ملك العُجْب، فانّه كان يعجب بنفسه، وانّه عمل وادخل نفسه العجب، امرني ربّي ان لا ادع عمله يتجاوزني الى غيري، واضرب به وجه صاحبه. قال : وتصعد الحفظة بعمل العبد كالعروس المزفوفة الى اهلها، فيمرّ به الى ملك السماء الخامسة بالجهاد والصلاة ما بين الصلاتين، ولذلك رنين كرنين الابل، عليه ضوء كضوء الشمس، فيقول الملك : قف، انا ملك الحسد، فاضرب بهذا العمل وجه صاحبه، وتحمّله على عاتقه ا نّه كان يحسد من يتعلّم، ويعمل للَّه بطاعته، فاذا راى لأحد فضلاً في العمل والعبادة حسده ووقع فيه، فيحمله على عاتقه ويلعنه عمله. قال : وتصعد الحفظة، فيمرّ بهم الى ملك السماء السادسة، فيقول الملك : قف، انا صاحب الرحمة اضرب بهذا العمل وجه صاحبه، واطمس عينيه؛ لأنّ صاحبه لم يرحم شيئا اذا اصاب عبدا من عباد اللَّه له ذنب للآخرة او ضرّ في الدنيا يشمت به، امرني ربّي ان لا ادع عمله يجاوزني الى غيري. وقال : وتصعد الحفظة بعمل العبد اعمالا بفقه واجتهاد وورع، له صوت كالرعد، وضوء كضوء البرق، ومعه ثلاثة آلاف ملك، فيمرّ بهم الى ملك السماء السابعة فيقول الملك : قف، واضرب بهذا العمل وجه صاحبه، انا ملك الحجاب احجب كلّ عمل ليس للَّه، انّه اراد رفعة عند القوّاد، وذكرا في المجالس، وصوتا في المدائن، امرني ربّي ان لا ادع عمله يجاوزني الى غيري ما لم يكن خالصا. قال : وتصعد الحفظة بعمل العبد مبتهجا به من خُلُق حسن وصمت وذكر كثير تشيّعه ملائكة السماوات السبعة بجماعتهم، فيطؤون الحجب كلّها حتّى يقوموا بين يديه، فيشهدوا له بعمل صالح ودعاء، فيقول اللَّه : انتم حفظة عمل عبدي، وانا رقيب على ما نفسه عليه، لم يردني بهذا العمل عليه لعنتي، فيقول الملائكة : عليه لعنتك ولعنتنا. قال : ثُمّ بكى معاذ، وقال : قلت : يا رسول اللَّه ما اعمل ؟ قال : اقتدِ بنبيّك يا معاذ في اليقين، قال : قلت: انّك انت رسول اللَّه وانا معاذ بن جبل، قال : وان كان في عملك تقصير يا معاذ فاقطع لسانك عن اخوانك وعن حملة القرآن، ولتكن ذنوبك عليك لا تحملها على اخوانك ولا تزكّ نفسك بتذميم اخوانك، ولا ترفع نفسك بوضع اخوانك، ولا تراءِ بعملك، ولا تدخل من الدنيا في الاخرة، ولا تفحّش في مجلسك؛ لكي يحذروك بسوء خلقك، ولا تناج مع رجل وعندك اخر، ولا تتعظّم على الناس فيقطع عنك خيرات الدنيا، ولا تمزّق الناس فتمزّقك كلاب اهل النار، قال اللَّه : والناشطات نشطا اتدري ما الناشطات ؟ كلاب اهل النار تنشط اللحم والعظم، قلت : من يطيق هذه الخصال ؟ قال : يا معاذ اما انّه يسير على من يسّر اللَّه عليه) قال : وما رايت معاذا يكثر من تلاوة القرآن كما يكثر تلاوة هذا الحديث. 8ـ عن ابن رئاب عن الصادق عليه السلام قال : (من احبّ للَّه، وابغض للَّه، واعطى للَّه، ومنع للَّه، فهو ممّن يكمل ايمانه). 9ـ وعنه عليه السلام قال : (من اوثق عرى الايمان ان تحبّ للَّه، وتبغض للَّه، وتعطي في اللَّه، وتمنع في اللَّه). 10 ـ عن النبيّ صلى الله عليه واله قال : (انّ اولى الناس ان يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد، فاتي به، فعرّفه نعمه فعرفها، قال : فما عملت فيها ؟ قال : قاتلت فيك حتّى استشهدت، قال : كذبت، ولكنّك قاتلت ليقال : جريء، فقد قيل ذلك. ثُمّ امر به، فسُحب على وجهه حتّى القي في النار. ورجل تعلّم العلم وعلّمه، وقرا القرآن، فاتي به، فعرّفه نعمه فعرفها، قال : فما عملت فيها ؟ قال : تعلّمت العلم وعلّمته، وقرات فيك القرآن قال : كذبت، ولكنّك تعلّمت ليقال : عالم، وقرات القرآن ليقال : قارئ القران، فقد قيل. ثُمّ امر به، فسحب على وجهه حتّى القي في النار). 11 ـ وقال صلى الله عليه واله : (انّما الاعمال بالنيات، وانّما لكلّ امرىً ما نوى : فمن كانت هجرته الى اللَّه ورسوله، فهجرته الى اللَّه ورسوله ومن كانت هجرته الى امر الدنيا يصيبها او امراة ينكحها، فهجرته الى ما هاجر اليه). 12 ـ وقال صلى الله عليه واله : (انّما يبعث الناس على نيّاتهم). 13 ـ وقال صلى الله عليه واله مخبرا عن جبرئيل عن اللَّه عزّوجلّ ا نّه قال : (الاخلاص سرّ من اسراري استودعته قلب من احببت من عبادي). 14 ـ وعن ابي جعفر الجواد عليه السلام قال : (افضل العبادة الاخلاص). 15 ـ وعن الصادق عليه السلام قال : (ما انعم اللَّه - عزّوجلّ - على عبد اجلّ من ان لايكون في قلبه مع اللَّه - عزّوجلّ - غيره). 16 ـ وعن سيّدة النساء صلوات اللَّه عليها قالت : (من اصعد الى اللَّه خالص عبادته اهبط اللَّه - عزّوجلّ - اليه افضل مصلحته). |