فهرس الحلقة الثالثة

المكتبة الصوتية

المؤلفات

الصفحة الرئيسية

 

الفصل ‏الثامن ‏عشر

التوكل

 

 قال اللَّه عزّوجلّ : ومن يتّق اللَّه يجعل له مخرجا * ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على اللَّه فهو حسبه ان اللَّه بالغ امره قد جعل اللَّه لكلّ شي‏ء  قدرا.

 روي عن معاوية بن وهب، عن الصادق عليه السلام  قال : (من اعطي ثلاثا لم يمنع ثلاثا : من اعطي الدعاء اعطي الاجابة، ومن اعطي الشكر اعطي الزيادة، ومن اعطي التوكّل اعطي الكفاية. ثُمّ قال : اتلوت كتاب اللَّه عزّوجلّ : ومن يتوكّل على اللَّه فهو حسبه... وقال : ... لئن شكرتم لأزيدنّكم... وقال : ادعوني استجب لكم....

 ورد في عرفان بعض العرفاء المنحرفين عن خطّ اهل البيت عليهم السلام  : انّ التوكّل كلة الامر كلّه الى مالكه والتعويل على وكالته. وهو من اصعب منازل العامّة عليهم، واوهى السبل عند الخاصّة : امّا كونه من اصعب منازل العامّة عليهم فلأنّهم غائصون في الاسباب الظاهرية والماديّة، ومنهمكون في ذواتهم، وغافلون عن المؤثّر الحقيقي الواحد الاحد، فمن الصعب عليهم ان يوكّلوا اللَّه سبحانه في امورهم ويعتمدوا عليه، لا على انفسهم، ولا على ما يحسّون به من الاسباب. وامّا كونه اوهى السبل لدى الخاصّة فلعلمهم بانّ  الحقَّ - تعالى - قد وكل الامور كلَّها الى نفسه، واياس العالم من ملك شي‏ء منها. واشرف الناس واكملهم وهو الرسول صلى الله عليه واله ، مُخاطَب بقوله : ليس لك من الامر شي‏ء... فكيف بادونهم واضعفهم، فاذا لم تكن امورهم بايديهم وكان الملك باسره له، فايّ شي‏ء يكلونه الى اللَّه ويسلّمونه اليه ؟ ! وفي ايّ شي‏ء يجعلونه وكيلاً لهم؟! فكان التوكّل اضعف السبل عندهم.

 ثُمّ قال : التوكّل على ثلاث درجات كلّها تسير مسير العامّة :

 الدرجة الاولى - التوكّل مع الطلب والسعي من وراء الاسباب، فبرغم انّ التوكّل يقتضي بذاته عدم الاهتمام بالاسباب، ولكنّه يريد ان يلهي نفسه بالاسباب وما لديه من صنعة، او تجارة، او عمل؛ كي يقع في طريق نفع الناس، ولينشغل بما هو خير، خشية ان لو بقي فارغا قد تَطلُب نفسه طرق الهوى، على ا نّه لو اكتفى بالتوكّل وكفاه اللَّه اموره من دون سعي وراء الاسباب، قد يحسن ظنّ الناس به، فيحصل عنده العجب والدعوى، ففي معاطاته للأسباب وتشبّهه بالعوام، الخلاص من هذه الامراض.

 والدرجة الثانية - التوكّل مع ترك الطلب وغضّ العين عن السبب : من صنعة، او تجارة، او ما الى ذلك من الامور؛ وذلك اجتهادا منه في تصحيح التوكّل؛ لأنّ من يسعى من وراء الاسباب قد يكون غير واصل الى مرتبة التوكّل، ولكنّه يتخيل الوصول اليها، امّا اذا انقطع عن السبب وابتلى بالفقر والعدم، فقد يتّضح له عدم تمامية مقام التوكّل عنده خصوصا لدى شدّة الجوع، فعليه ان يصحّح توكّله بانقطاعه عن الاسباب، هذا اضافة الى انّ تعلّقه بالاسباب الشريفة عند الناس : من تجارة، ومهنة محترمة، قد يجعل النفس طالبة للتشرف بذلك، والتعزّز به، ولحفظ ماء الوجه، في حين انّ تركه لهذه الاسباب يؤدّي الى قمع تشرّف النفس وكسرها من ناحية، والى التفرّغ لحفظ واجبات الطريقة من ناحية اخرى.

 والدرجة الثالثة - هي التشبّه بالمتوكّلين، وليس صاحبها متوكّلاً في الحقيقة ؛ وذلك لمعرفته لعلل التوكّل المؤدّية الى خلاصه من تلك العلّة؛ وذلك لأ نَّه علم انَّ الملك خالص للَّه لا يشاركه احد، وليس بيده شي‏ء كي يكله الى اللَّه تعالى. فهذا صاحب مقام فوق التوكّل، ولكنّه يشبه المتوكّل في قطع النظر عن الاسباب فقط. انتهى ملخصا.

 اقول : انّ توهّم انّ الالتفات الى ا نَّنا لانملك شيئا، وانّ الملك كلَّه للَّه لا يبقي مجالا للتوكّل يجب ان ينشا من احد امور، وكلُّها باطل :

 الاوّل - بيان انّه لئن كان كلُّ شي‏ء ملكا للَّه فما معنى توكيله في امر ما ؟ ! فانّ الموكّل انّما يتّخذ الوكيل فيما يملكه هو لا فيما يملكه موكّله.

 والجواب : انّ هذا انّما يبطل التوكّل بمعنى التوكيل الذي اعتبر في الفقه عقدا من العقود، امّا اذا قُصِدَ به مجرّد الاعتماد عليه فلا ياتي فيه هذا البيان. ويمكن ان يُسمَّى ذلك بالتوكيل الفقهي، ولكن مجازا باعتبار الملكية المجازية التي فرضها اللَّه لنا في الامور.

 والثاني - بيان انّ العبد لا معنى لإرادته لما في صالحه حتّى يتوكّل في تحقيق ذلك على اللَّه، بل المفروض بالعبد ان لا يريد الا ما اراده اللَّه.

 والجواب : انّ اصل حبِّ الذات وحبِّ المصلحة امر ذاتيّ  للإنسان، وفرضُ انفكاكه عنه خيالٌ طوبائي كما مرّت الاشارة اليه، نعم، له ان يفدي بذلك في سبيل ما يريده اللَّه، لكنّه يبقى تمنّي ان يكون ما يريده اللَّه مطابقا لمصلحته - كما هو الواقع - وفي ذلك يتوكّل على اللَّه.

 والثالث - بيان انّ العبد لا يملك اختيارا؛ لأنّ افعاله وتروكه تُنسب الى اللَّه مباشرة، او انّه مجبور في الاختيار، فهو على ايِّ حال لا يستطيع ان يفعل شيئا من تلقاء نفسه حتّى يتوكّل في ذلك على اللَّه، وانّما الفاعل المطلق هو اللَّه، وهو مفاد التوحيد في الفعل.

 فان كان هذا هو المقصود قلنا : انّ اساس هذا التوهّم هو : الغفلة عمّا اسماه ائمتنا سلام اللَّه عليهم بامر بين الامرين، والغافلون عن ذلك يكونون بين قائِل بالجبر ومنكر للاختيار وبين قائل بالجبر على الاختيار، وهو في روحه عين الجبر، ولا يصحّ معه ثواب ولا عقاب. امّا على مسلك الشيعة - اعزّهم اللَّه - التابعين لأئمتهم القائلين بالاختيار الذي هو امر بين الامرين، فقد بقي للعبد شي‏ء، وهو : الاختيار وان كان ما في هذا الشي‏ء من السلطة والقدرة مفوّضا اليه من اللَّه آنا فانا، وهو احد معاني الامر بين الامرين، واذا بقي له الاختيار بقي المجال الواسع للتوكّل. والتوكيل وشرح ذلك من زاوية التحليل العقلي يُطلب من حديثنا في باب الطلب والارادة في علم الاصول، ولكنَّني اذكر هنا عددا من الروايات المرويّة عن ائمّة اهل البيت عليهم السلام  :

 الاولى - صحيحة يونس بن عبدالرحمن عن غير واحد، عن ابي جعفر وابي عبداللَّه عليهما السلام  قالا : (ان اللَّه ارحم بخلقه من ان يجبر خلقه على الذنوب ثُمّ يعذّبهم عليها. واللَّه اعزّ من ان يريد امرا فلا يكون. قال : فسئلا عليهما السلام  هل بين الجبر والقدر منزلة ثالثة ؟ قالا : نعم، اوسع ممّا بين السماء والارض).

 اقول : ما نتصوّره : ان يكون مقصودا له عليه السلام ، ويكون اوسع ممّا بين السماء والارض هو احد امرين وكلاهما صحيح:

 الاوّل - انّ اللَّه زوّد البشر بكلِّ الطاقات التي ياتي بها الفعل او يتركه، وزوّده بالقدرة والسلطان، ويفيض عليه في كلِّ آن وجوده وطاقاته وقدرته وسلطانه، ثُمّ العبد هو الذي يُعمل سلطانه الذي زوّده اللَّه به وافاضه عليه حتّى في ساعة الفعل او الترك - يُعمِله - في جانب الفعل او الترك.

 والثاني - ما مضت الاشارة اليه في آخر النقطة الرابعة من الحلقة الاولى من هذا الكتاب من: انّ فعل العبد مستند بتبع نفس العبد الى اللَّه سبحانه بالاضافة الاشراقية وذلك لا ينافي الاختيار.

 والثانية - ايضا عن يونس، عن عدّة، عن ابي عبداللَّه عليه السلام  قال : (قال له رجل : جعلت فداك، اجبر اللَّه العباد على المعاصي ؟ فقال : اللَّه اعدل من ان يجبرهم على المعاصي ثُمّ يعذّبهم عليها. فقال له : جعلت فداك، ففوّض اللَّه الى العباد ؟ قال : فقال : لو فوّض اليهم لم يحصرهم بالامر والنهي، فقال له : جعلت فداك، فبينهما منزلة ؟ قال : فقال : نعم، اوسع ما بين السماء والارض.

 والثالثة - ما روي عن سهل بن زياد واسحاق بن محمّد وغيرهما رفعوه، قال : (كان اميرالمؤمنين عليه السلام  جالسا بالكوفة بعد منصرفه من صفّين اذ اقبل شيخ فجثا بين يديه، ثُمّ قال له : يا اميرالمؤمنين اخبرنا عن مسيرنا الى اهل الشام ابقضاء من اللَّه وقدر ؟.

 فقال اميرالمؤمنين عليه السلام  : اجل يا شيخ، ما علوتم تلعة، ولا هبطتم بطن واد الا بقضاء من اللَّه وقدر.

 فقال له الشيخ : عند اللَّه احتسب عنائي يا اميرالمؤمنين ؟

 فقال له : مَهْ يا شيخ ! فواللَّه لقد عظَّم اللَّه الاجر في مسيركم وانتم سائرون، وفي مقامكم وانتم مقيمون، وفي منصرفكم وانتم منصرفون، ولم تكونوا في شي‏ء من حالاتكم مكرهين ولا اليه مضطرين.

 فقال له الشيخ : وكيف لم نكن في شي‏ء من حالاتنا مكرهين ولا اليه مضطرين، وكان بالقضاء والقدر مسيرنا ومنقلبنا ومنصرفنا ؟ !

 فقال له : وتظنّ ا نّه كان قضاءً حتما وقدرا لازما ؟ انّه لو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب، والامر والنهي والزجر من اللَّه، وسقط معنى الوعد والوعيد، فلم تكن لائمة للمذنب، ولا محمدة للمحسن، ولكان المذنب اولى بالاحسان من المحسن، ولكان المحسن اولى بالعقوبة من المذنب. تلك مقالة اخوان عبدة الاوثان، وخصماء الرحمان، وحزب الشيطان، وقدرية هذه الامّة ومجوسها.

 ان اللَّه - تبارك وتعالى - كلّف تخييرا، ونهى تحذيرا، واعطى على القليل كثيرا، ولم يُعصَ مغلوبا، ولم يطع مكرها، ولم يملّك مفوّضا، ولم يخلق السماوات والارض وما بينهما باطلاً، ولم يبعث النبيين مبشرين ومنذرين عبثا. ذلك ظنّ الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار. فانشا الشيخ يقول :

 انت الامام الذي نرجو بطاعته        يومَ النجاةِ من الرحمنِ غفرانا

 اوضحتَ من امرنا ما كانَ ملتبسا     جزاك ربُّك بالاحسان احسانا)

 والرابعة - حديث الوشّا عن ابي الحسن الرضا عليه السلام  قال : (سالته، فقلت : اللَّه فوّض الامر الى العباد ؟ قال : اللَّه اعزّ من ذلك. قلت : فجبرهم على المعاصي ؟ قال : اللَّه اعدل واحكم من ذلك. قال : ثُمّ قال : قال اللَّه : يابن آدم انا اولى بحسناتك منك، وانت اولى بسيئاتك منّي. عملت المعاصي بقوّتي التي جعلتها فيك).

 انظر الى هذه الرواية الطريفة كيف تشير الى افاضة القدرة من اللَّه وانتساب الفعل الى العبد، وتقول عن لسان اللَّه تعالى : ( يابن ادم انا اولى بحسناتك منك ) ؛ لأنّ قدرتك عليها منّي. ( وانت اولى بسيئاتك منّي ) ؛ لأنَّ قدرتك التي اخذتها منّي صرفتها فيما هو مبغوض لي بحسب عالم التشريع.

 والخامسة - الرواية المروية عن جعفر الصادق عليه السلام  ا نّه قال لقدريّ : (اقرا الفاتحة، فقرا، فلما بلغ قوله : اياك نعبد واياك نستعين. قال له جعفرعليه السلام  : على ماذا تستعين باللَّه وعندك انّ الفعل منك، وجميع ما يتعلّق بالاقدار والتمكين والالطاف قد حصلت وتمّت ؟ ! فانقطع القدري).

 امّا ما قاله صاحب منازل السائرين من: انّ الدرجة الثانية للتوكّل تشتمل على ترك الاسباب طلبا للاجتهاد في التوكّل، فهذا كلام باطل؛ وذلك لأنّ اللَّه تعالى وان كان هو المدبّر للأُمور يدبّر الامر من السماء الى الارض ثمّ يعرج اليه في يوم كان مقداره الف سنة ممّا تعدّون وهو الذي احسن كلّ شي‏ء خلقه....

 الا انّ تدبيره على نمطين :

 احدهما : تدبيره لما لا يعقل ولا يدرك ولا يريد ولا يختار كما في الجمادات والنباتات، فهو يدبّر امرها افضل تدبير من دون توسّط اختيار تلك الامور للأسباب التي خلقها اللَّه او التي جعلها اللَّه اسبابا؛ لأنَّ تلك الامور لا اختيار لها. فالنباتات - مثلاً - التي لا حظّ لها من الاختيار، لا تختار لنفسها اسباب النموّ، وانّما اللَّه - تعالى - يدبّر لها اسباب النموّ بشكل طبيعي كما في الغابات، او بالهام البشر للتعهد بذلك كما في النباتات الاهلية من دون جعل اختيارها ايّاها حلقة من حلقات تدبير امورها، بل وكذلك الحال في الطفل الذي لم يعطه اللَّه حولاً ولا طولاً للدفاع عن نفسه، فتراه تعالى يلهم اباه وامّه الدفاع عنه وتهيئة اسباب تنميته.

 وثانيهما : تدبيره للوجودات التي خلق لها العقل والارادة والقدرة والاختيار في الحدود التي زوّدها اللَّه بهذه الامور، فتدبيره لها في تلك الحدود عبارة عن نفس تزويده ايّاها بهذه الامور وتهيئة الاسباب الطبيعية لها. فلو انّ احدا ترك اسباب بقاء الحياة من كسب او اكل او شرب او ما الى ذلك ثُمّ مات، لم يكن له القول بانّ اللَّه لم يدبّر امري، او انّ التوكّل على اللَّه لم يفدني بتقصير من اللَّه. ولو انّ احدا استفاد من تلك الاسباب التي خلقها اللَّه او الاثار التي اودعها اللَّه فيها، واستفاد ممّا زوّده اللَّه به من عقل وعلم وقدرة ومشيئة وما الى ذلك، لم يكن معنى ذلك الخروج عن تدبير اللَّه والدخول في تدبير نفسه. ولو انّ احدا قال : انّي متكل على اللَّه وعلى تدبيره لأُموري، فترك الاستفادة من طريقة تدبير اللَّه تعالى لأُموره، وهي : تهيئة الاسباب له، وتزويده بقدرة الكسب والعمل والصنعة والتجارة، لم يكن هذا توكّلاً، بل هذا خبال وجنون؛ فانّ من يتوكّل على اللَّه ينهج المنهج الذي عيّنه اللَّه له في حصول التدبير معتمدا على اللَّه لا على ذلك المنهج، فانّ ابقاءه متمكّنا من ذاك المنهج وعدمه بيد اللَّه، وايصال ذاك المنهج الى الهدف المقصود وعدمه بيد اللَّه. فمن باب المثل نقول : نحن نعلم : انّ اللَّه هو الرزّاق ذو القوة المتين والذي هو يطعمني ويسقين ونحن نعلم -  ايضا   ان الشافي هو اللَّه واذا مرضت فهو يشفين ولكن هذا لايعني : انّني لو لم اسع في سبيل تحصيل الخبز او لم اراجع الطبيب فبقيت جوعانا او مريضا، انتظر - عندئذٍ - ان يطعمني او يشفيني، فانّ اطعامه ايّاي عبارة عن اقداره لي على كسب الخبز، كي اكسب الخبز واكله، وشفاؤه لي عبارة عن اقداري على مراجعة الطبيب، وتحصيل الدواء، وجعله للشفاء في ذاك الدواء.

 وهذا الذي قلناه يتمّ حتّى على المبنى الفاسد القائل بانّنا مجبورون على الاختيار، او المبنى الفاسد القائل بالجبر الصريح. فعلى كلِّ حال يكون المتوكّل في تناول الاسباب اختيارا او جبرا معتمدا على اللَّه، لا على الاسباب التي يكون اللَّه -  تعالى قادرا على خرقها. ولنذكر لك بعض الشواهد على المقصود من الروايات المروية عن اهل بيت العصمة عليهم السلام  :

1ـ عن الصادق عليه السلام  : (ليس منّا من ترك دنياه لآخرته، ولا آخرته لدنياه).

2ـ عن معلّى بن خنيس قال : (سئل ابو عبداللَّه عليه السلام  عن رجل وانا عنده، فقيل له : اصابته الحاجة. قال : فما يصنع اليوم ؟ قيل : في البيت يعبد ربّه. قال : فمن اين قوته ؟ قيل : من عند بعض اخوانه. فقال ابو عبداللَّه عليه السلام  : واللَّه للّذي يقوته اشدّ عبادة منه).

3ـ ما ورد عن عمر بن يزيد بسند تام قال : (قلت لأبي عبداللَّه عليه السلام  : رجل قال : لأقعدنّ في بيتي، ولأُصلّينّ، ولأصومنّ، ولأعبدنّ ربّي، فامّا رزقي فسياتيني، فقال ابو عبداللَّه عليه السلام  : هذا احد الثلاثة الذين لا يستجاب لهم).

4ـ ورد عن الوليد بن صبيح قال : (سمعته يقول : ثلاثة تردّ عليهم دعوتهم : رجل رزقه اللَّه مالا فانفقه في غير وجهه، ثُمّ قال : يا ربّ ارزقني، فيقال له : الم ارزقك. ورجل دعا على امراته وهو لها ظالم، فيقال له : الم اجعل امرها بيدك. ورجل جلس في بيته وقال : يا ربّ ارزقني فيقال له : الم اجعل لك السبيل الى طلب الرزق ؟ !).

 وبعد فقد اتّضح انّ التوكّل معناه : الاعتماد على اللَّه - سبحانه وتعالى - في تسيير الامور من دون منافاة ذلك لتعاطي الاسباب ولا مطلوبية عدم التعاطي، بل مع مطلوبية تعاطي الاسباب. ومن يدّعي التوكّل مع ترك الاسباب كان كمن يدّعي الرجاء مع ترك التوبة، وفعل المعاصي.

ومظاهر التوكّل امور اربعة :

 اوّلاً - انّ المتوكّل برغم تعاطيه للأسباب ليس اعتماده القلبي عليها، بل على مُسبِّب الاسباب القادر في ايّ لحظة على ان يحول بيننا وبين الاسباب، او بين الاسباب وبين تاثيرها واعلموا ان اللَّه يحول بين المرء وقلبه... فكيف لا يحول بين المرء والاسباب، او بين الاسباب وتاثيرها ؟ ! ووجودنا ووجود الاسباب وتوصّلنا الى الاسباب والى نتائج الاسباب كلّها بافاضة مستمرّة من اللَّه لحظة فلحظة.

 ثانيا - انّ المتوكّل حقّ التوكّل يكون صاحب نفس مطمئنّة، اي: لا يشوبه قلق او اضطراب اذا خانته الاسباب، او ابطات عن الانتاج او انحرم هو من الاسباب، او ابطا حصوله عليها (... ولعل الذي ابطا عنّي هو خير لي لعلمك بعاقبة الامور...) ولعلَّ هذا احد معاني الاطمئنان في قوله تعالى : يا ايّتها النفس المطمئنّة * ارجعي الى ربّك راضية مرضية * فادخلي في عبادي * وادخلي جنتي.

 ثالثا - انّ المتوكّل على اللَّه لا يتعاطى الاسباب المحرّمة، لأ نّه انّما يتعاطى الاسباب من باب انّ اللَّه امرنا بتعاطيها، واللَّه تعالى لم يامرنا بتعاطي الاسباب المحرّمة، فتركها لا يؤدّي الى الحرمان من حصول النتيجة او ابطائها الا اذا دخل في قوله: (... ولعلّ الذي ابطا عنّي هو خير لي...).

 رابعا - انّ تعاطي الاسباب من قبل المتوكّل لا يكون على شكل الحرص واللهوث وتحميل النفس ما يزيد على طاقتها الاعتيادية؛ لأنّ كلّ هذا غير مامور به. وقد قلنا : انّ المتوكّل انّما يتعاطى الاسباب لأجل ان الشريعة امرته بذلك.