|
الفصل الواحد والعشرون التسليم
قال اللَّه تعالى : فلا وربّك لا يؤمنون حتّى يحكّموك فيما شجر بينهم ثمّ لا يجدوا في انفسهم حرجا ممّا قضيت ويسلّموا تسليما. وقال عزّ من قائل : ولما راى المؤمنون الاحزاب قالوا هذا ما وعدنا اللَّه ورسوله وصدق اللَّه ورسوله وما زادهم الا ايمانا وتسليما. وقال عزّوجلّ : انّ اللَّه وملائكته يصلّون على النبيّ يا ايّها الذين امنوا صلّوا عليه وسلّموا تسليما. الظاهر : انّ التسليم في الاية الاولى والثالثة عبارة عن التسليم في الامور التشريعية. والتسليم في الاية الثانية عبارة عن التسليم بصدق وعد اللَّه ورسوله. ومن هنا يبدو انّ مصطلح التسليم الذي يعتبر من اخوة التوكّل والتفويض غير وارد في القرآن الكريم. ولو اردنا افتراض فرق بين التفويض والتسليم فلابدَّ ان يفترض انّ التفويض يشتمل على الفناء في قدرة اللَّه والاعتراف بالعجز، فالعبد - عندئذٍ - يبرا من حوله وقوّته الى حول اللَّه وقوّته. وامّا التسليم فيشتمل زائدا على ذلك على الفناء في علم اللَّه والاعتراف بالجهل. وعلى ايّة حال، فقد قال بعض العرفاء المنحرفين عن خط اهل البيت عليهم السلام : انّ الصفات الاربع الاخيرة اعني : التوكّل والتفويض والثقة والتسليم كلُّها من الدرجات الرفيعة لعامة الناس. وامّا الخاصّة فيتجاوزون هذه المقامات لما فيها من الاعتلال؛ لأ نّها جميعا مشتملة على نسبة الاشياء الى غير الحقِّ تعالى جهلاً بحقائق الامور؛ اذ لولم تنتسب الاشياء الى غير الحقِّ ففي ماذا يتحقّق التوكّل او التفويض او الثقة اوالتسليم ؟ ! الا انّ التوكّل يشتمل زائدا على ذلك على نقطة ضعف اخرى، وهي : انّ المتوكّل فرض مصالحَ لنفسه، فجعل الحقَّ وكيلاً عنه في تلك المصالح، فالتوكّل ادنى مرتبة من التفويض؛ لأنّ علله اكثر منه، كما انّ التفويض ادنى مرتبة من التسليم؛ لأنّ التسليم يشتمل على الفناء في علم اللَّه والاعتراف بالجهل، في حين انّ التفويض غير مشتمل على ذلك، فالتسليم اقرب الى التوحيد الذاتي. اقول : قد اتَّضح بطلان هذا الطرز من التفكير ممّا شرحناه في بحث التوكّل فلا نعيد. ونضيف هنا : انّ المقصود بالتوحيد الذاتي لو كان وحدة الوجود بالمعنى الذي ينكر الوجود المغاير لوجود اللَّه للممكنات حتّى بمعنى الوجود التبعي والتعلّقي وقد يُسمّى بوحدة الموجود، فهذا ما اوضحنا بطلانه في محله، وليس هنا مجال بحثه. |