فهرس الحلقة الثالثة

المكتبة الصوتية

المؤلفات

الصفحة الرئيسية

 

الفصل الثالث‏ والعشرون

الرضا

 

 روي : ان الحسين عليه السلام  لمّا عزم على الخروج الى العراق قام خطيبا فقال : (الحمد للَّه، وما شاء اللَّه، ولا حول ولا قوّة الا باللَّه، وصلَّى اللَّه على رسوله وسلّم. خُطَّ الموت على ولد آدم مخطّ القلادة على جيد الفتاة. وما اولهني الى اسلافي اشتياق يعقوب الى يوسف، وخير لي مصرع انا لاقيه، كانّي باوصالي يتقطّعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلا، فيملأن منّي اكراشا جوفا واجربة سغبا، لا محيص عن يوم خطّ بالقلم، رضى اللَّه رضانا اهل البيت، نصبر على بلائه، ويوفّينا اجور  الصابرين...).

 قال بعض : انّ الرضا من اوائل مسالك اهل الخصوص واشقّها على العامّة ومن هنا يعتقد هذا الباحث : انّ مقام الرضا اعلى مرتبة من مقام الصبر؛ لأ نّه جَعَل الصبر في البحث الماضي من منازل العامّة. والظاهر : انّ مقصوده بالرضا في المقام هو : الرضا الذي يكون من ثمرات الحبِّ. ونحن وان لم نوافق فيما مضى على كون الصبر مخصوصا بالعامّة، ولكن من الصحيح هنا القول بانّ الرضا مقام فوق مقام الصبر؛ لأنّ الصبر قد يكون صبرا على مضض، ولكنّ الرضا يعني : عدم المضض، ويعني : حبّه لما يريده اللَّه تعالى كما مضى عن الحسين عليه السلام قوله : (... رضى اللَّه رضانا اهل البيت نصبر على بلائه ويوفّينا اجور الصابرين).

 والرضا على قسمين :

 الاوّل : الرضا الذي يكون من ثمار الحبّ، فانّ رضا المحبّ في رضا محبوبه، وان كان رضا محبوبه في موت المحبّ لأحبّ الموت، او في ابتلائه لأحبّ الابتلاء.

 وقد ورد في الحديث : (اذا احبّ اللَّه عبدا ابتلاه، فان صبر اجتباه، فان رضي اصطفاه).

 وفي‏حديث‏طريف‏نقلاًعن‏اميرالمؤمنين‏عليه السلام قال :(سالت‏النبيّ‏صلى الله عليه واله عن سُنّته فقال : المعرفة راس مالي، والعقل اصل ديني، والحبّ اثاثي، والشوق مركبي، وذكر اللَّه - عزّوجلّ - انيسي، والثقة كنزي، والحزن رفيقي، والعمل سلاحي، والصبر ردائي، والرضا غنيمتي، والفقر فخري، والزهد حرفتي، واليقين قوّتي، والصدق شفيعي، والطاعة جنّتي، والجهاد خُلُقي، وقرّة عيني في الصلاة).

 والرضا الذي هو من ثمرات الحبّ للَّه هو افضل قسمي الرضا.

 والثاني : قسم اخر للرضا اقلّ مرتبة من ذاك، وهو : الرضا الذي يكون من ثمرات العلم بانّ اللَّه - تعالى - لا يقدّر لعبده الا ما فيه خيره.

 وفي الحديث عن الصادق عليه السلام  : (قال اللَّه عزّوجلّ : عبدي المؤمن لا  اصرفه في شي‏ء الا جعلته خيرا له، فليرض بقضائي، وليصبر على بلائي، وليشكر نعمائي، اكتبه يا محمّد من الصديقين عندي).

 وايضا عن الصادق عليه السلام  بسند صحيح : (انّ فيما اوحى اللَّه - عزّوجلّ - الى موسى بن عمران عليه السلام  : يا موسى بن عمران. ما خلقت خلقا احبّ اليّ من عبدي المؤمن، فانّي انّما ابتليه لما هو خير له، واعافيه لما هو خير له، وازوي عنه ما هو شرّ له لما هو خير له. وانا اعلم بما يصلح عليه عبدي، فليصبر على بلائي، وليشكر نعمائي، وليرض بقضائي، اكتبه في الصدّيقين عندي اذا عمل برضائي واطاع  امري).

 وايضا عن ابن ابي يعفور بسند صحيح، عن الصادق عليه السلام  قال : (عجبت للمرء المسلم لا يقضي اللَّه - عزّوجلّ - له قضاءً الا كان خيرا له، وان قُرِّض بالمقاريض كان خيرا له، وان ملك مشارق الارض ومغاربها كان خيرا له).

 وبعد هذا المرور السريع بقسمي الرضا : ما كان من ثمار حبّ اللَّه عزّوجلّ، وما كان من ثمار العلم بحكمة اللَّه وموافقة  تقديره لصالح العبد، يناسب المرّ السريع - ايضا - برضوان اللَّه تعالى، والذي هو اكبر من نِعَم الجنّة المادّية بصريح القرآن، والذي هو من الغايات القصوى لأولياء اللَّه العارفين.

 قال اللَّه سبحانه وتعالى : وعد اللَّه المؤمنين والمؤمنات جنّات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها ومساكن طيّبة في‏جنات عدن ورضوان من اللَّه اكبر ذلك هو الفوز العظيم.

 وان اريد توضيح الفكرة بمستوى الفهم العادي قلنا : ربّ انسان يجتمع بحبيبه على مائدة فيها ما تشتهيه الانفس وتلذّ الاعين بالمقدار المتصوّر في الموائد الدنيوية، وفي بستان زاهر اورقت فيه الاشجار واينعت فيه الاثمار، وازدهرت فيه الورود، وعلى ماء جارٍ زلالٍ صافٍ كالزجاج والمراة، الا ا نّه كان يحتمل وجود كدورة ولو مختصرة عنه في قلب حبيبه وعلى الخصوص نفترض ذاك الحبيب وليّا لكثير من نعمه وعظيما في صفاته الخلقية والانسانية، ثُمّ تطرا على لسان هذا الحبيب كلمة تكشف عن رضاه عنه، فتراه يثلج قلبه، ويبرد فؤاده، ويلتذّ برضا حبيبه عنه لذّة تُنسيه كل ما كان غائرا فيها من تلك اللذائذ الاخرى، فكيف بالعبد المؤمن بالقياس الى اللَّه سبحانه وعلا، علما بانّ معرفته باللَّه في الجنّة لاتقاس بمعرفته به في الدنيا.

 وقد ورد في الحديث عن عليّ بن الحسين عليهما السلام  قال : (اذا صار اهل الجنّة في الجنّة، ودخل وليّ اللَّه الى جناته ومساكنه، واتّكى كلَّ مؤمن على اريكته، حفّته خدّامه، وتهدّلت عليه الاثمار، وتفجّرت حوله العيون، وجرت من تحته الانهار، وبسطت له الزرابيّ، ووضعت له النمارق، واتته الخدّام بما شاءت هواه من قبل ان يسالهم ذلك، قال : ويخرج عليه الحور العين من الجنان، فيمكثون بذلك ما شاء اللَّه، ثُمّ انّ الجبّار يشرف عليهم، فيقول لهم : اوليائي واهل طاعتي وسكّان جنّتي في جواري الا هل انبّئكم بخير مما انتم فيه ؟ فيقولون : ربّنا وايّ شي‏ء خير ممّا نحن فيه : فيما اشتهت انفسنا، ولذّت اعيننا من النعم في جوارك الكريم ؟ ! قال : فيعود عليهم القول فيقولون : ربّنا نعم، فاتنا بخير ممّا نحن فيه، فيقول لهم تبارك وتعالى : رضائي عنكم ومحبّتي لكم خير واعظم ممّا انتم فيه، قال : فيقولون : نعم يا ربّنا، رضاك عنّا ومحبّتك لنا خير واطيب لأنفسنا. ثُمّ قرا علي بن الحسين عليهما السلام  هذه الاية : وعد اللَّه المؤمنين والمؤمنات جنّات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها ومساكن طيّبة في جنّات عدن ورضوان من اللَّه اكبر ذلك هو الفوز العظيم ).