فهرس الحلقة الثالثة

المكتبة الصوتية

المؤلفات

الصفحة الرئيسية

 

الفصل الرابع‏ والعشرون

الشكر

 

 قال اللَّه سبحانه وتعالى : ما يفعل اللَّه بعذابكم ان شكرتم وآمنتم وكان اللَّه شاكرا عليما.

 وقال عزّ من قائل : واذ تاذّن ربكم لئن شكرتم لأزيدنّكم ولئن كفرتم ان عذابي لشديد.

 اثبتت هاتان الايتان المباركتان خير اثَرين لشكر اللَّه سبحانه وتعالى :

 الاوّل : نفي العذاب عن الشاكر؛ اذ ورد في الاية الاولى : ما يفعل اللَّه بعذابكم ان شكرتم وامنتم....

 ومن الطريف في هذه الاية : انّ اللَّه - سبحانه - فرض بلطفه ورحمته انّ العبد المؤمن كا نّه يُسدي بطاعته وبشكره نعمة على المولى سبحانه وتعالى يستحقّ عليها الشكر فيقول : وكان اللَّه شاكرا عليما.

 والثاني : الزيادة في النعمة؛ اذ ورد في الاية الثانية : لئن شكرتم لأزيدنّكم....

 وفي الحديث عن الصادق عليه السلام  : (من اعطي اربعا لم يحرم اربعا : مَنْ اعطي الدعاء لم يحرم الاجابة، ومَنْ اعطي الاستغفار لم يحرم التوبة، الظاهر : انّ المقصود توبة اللَّه عليه، ومَنْ اعطي الشكر لم يحرم الزيادة، ومن اعطي الصبر لم يحرم الاجر).

 ووجوب شكر المنعم وجوب عقليّ قبل ان يكون واردا من الشرع، حتّى بالنسبة للمنعم المخلوق الذي لم يكن الا واسطة فيض من قبل الخالق وكان المنعم الحقيقي هو الخالق تبارك وتعالى.

 وفي الحديث عن عمّار الدُهني قال : (سمعت عليَّ بن الحسين عليهما السلام يقول : انّ اللَّه يحبّ كلَّ قلب حزين، ويحبّ كلَّ عبد شكور. يقول اللَّه تبارك وتعالى لعبد من عبيده يوم القيامة : اشكرت فلانا ؟ فيقول : بل شكرتك يا ربّ، فيقول : لم تشكرني اذ لم تشكره. ثُمّ قال : اشكركم للَّه اشكركم للناس).

 وعن الرضا عليه السلام  : (مَنْ لم يشكر المنعم من المخلوقين لم يشكر اللَّه عزّوجلّ).

 وحقيقة الشكر مكافاة المنعم عن نعمته، وذلك امّا ببذل نعمة له كالمال او - في الاقل - الثناء والحمد للَّه. واقلّ المراتب بعرفان النعمة بالقلب وبحبّه ايّاه.

 وعن الباقر عليه السلام  عن ابيه، عن جدّه قال : (قال عليّ عليه السلام  : حقٌ على من انعم عليه ان يحسن مكافاة المنعم، فان قصر عن ذلك وسعه فعليه ان يحسن الثناء، فان كلَّ عن ذلك لسانه فعليه معرفة النعمة ومحبّة المنعم بها، فان قصر عن ذلك فليس للنعمة باهل).

 فاذا وجب شكر المنعم المخلوق الذي لم يكن في واقع الامر الا واسطة لفيض النعمة والمفيض الحقيقي هو اللَّه فكيف لا يجب شكر اللَّه سبحانه وتعالى ؟ !

 الا انّ شكره سبحانه وتعالى بالنحو المالوف فيما بين المخلوقين انفسهم غير معقول. ويمكن بيان ذلك بعدّة تعابير :

1ـ انّ الشكر عبارة عن مكافاة المنعم بنعمه، ولا معنى لمكافاته سبحانه وتعالى؛ فانّه غنيّ عن العالمين، وهو المنعم على الخلق ولا يُنعم عليه، ولا ينفعه شكرنا ايّاه، بل تعود منفعة شكرنا ايّاه الينا.

2ـ انّ الشاكر لو اراد ان ينعم على المنعم بشي‏ء جزاءً لنعمته فعليه ان ينعم عليه بما يملكه، ولا اقلّ من الانعام عليه بلسانه بالثناء، او بقلبه بعرفان النعمة وببذل الحبّ، ولكنّا نحن لا نملك شيئا امام اللَّه سبحانه كي نبذله ايّاه، فلو شكرناه بلساننا فلساننا مملوك له، ولو شكرناه بقلبنا فقلبنا مملوك له. وليس لنا شي‏ء كي نكافئ اللَّه سبحانه به على نعمه.

3ـ ان تمكّنّا من الشكر ووُفِقنا له، فهو نعمة جديدة انعم اللَّه بها علينا، وبحاجة الى شكر جديد.

 وعن الصادق عليه السلام  : (ما انعم اللَّه على عبد بنعمة بالغة ما بلغ فحمد اللَّه عليها الا كان حمد اللَّه افضل من تلك النعمة واعظم واوزن).

 اذن فشكر اللَّه يجب ان ينتهي الى احد معنيين :

1ـ معرفة العبد : بانّ هذه النعمة من اللَّه، وبعجزه عن شكره، واقراره بذلك، وبالثناء عليه تبارك وتعالى برغم غناه عن ثنائنا.

 وعن الصادق عليه السلام  : (اوحى اللَّه الى موسى عليه السلام  : يا موسى اشكرني حقَّ شكري، فقال : يا ربّ كيف اشكرك وليس من شكر اشكرك به الا وانت انعمت به عليّ. فقال : يا موسى شكرتني حقَّ شكري حين علمت ان ذلك منّي).

2ـ ان يبذل العبد نعمه سبحانه وتعالى في طاعته، ولا يبذلها في معصيته.

 وعن الصادق عليه السلام  قال : (شكر النعمة اجتناب المحارم،وتمام الشكر قول الرجل : الحمد للَّه رب العالمين).

 ولا يعصي احد اللَّه سبحانه وتعالى الا بنعمته؛ فان عصى بلسانه فلسانه نعمة من اللَّه عليه، وان عصى بيده او بايّ جارحة من جوارحه فكلُّ الجوارح نعم اللَّه عليه، او بايّ قوّة من قواه فكلّها نعم اللَّه عليه، او بايّ مال من امواله فهي جميعا من نعم اللَّه عليه وان تعدّوا نعمة اللَّه لا تحصوها.... ومَثَلُ معصية اللَّه بنعمه مَثَلُ مَنْ انعم عليه شخص بسيف فضرب به وجه المنعم او ابنه.

 واختم الحديث هنا عن الشكر بذكر رواية عن الصادق عليه السلام ، عن آبائه عليهم السلام ، قال : (قال رسول اللَّه صلى الله عليه واله  : ضغطة القبر للمؤمن كفّارة لما كان منه من تضييع النعم).