فهرس الحلقة الثالثة

المكتبة الصوتية

المؤلفات

الصفحة الرئيسية

 

الفصل السابع ‏والعشرون

الإيثار

 

 قال اللَّه تعالى :

1ـ (والذين تبوّءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبّون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة ممّا أُوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شحّ نفسه فأُولئك هم المفلحون).

2ـ (لن تنالوا البرّ حتّى تنفقوا ممّا تحبون وما تنفقوا من شي‏ء فإن اللَّه به عليم).

 3ـ (يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شرّه مستطيرا * ويطعمون الطعام على حبّه مسكيناً ويتيماً وأسيراً * إنما نطعمكم لوجه اللَّه لا نريد منكم جزاءً ولا شكورا * إنّا نخاف من ربنا يوماً عبوساً قمطريراً).

 الإيثار تقديم غيرك من المؤمنين على نفسك في المال أو الراحة أو ما إلى ذلك من نعم اللَّه. وقد أُكّد عليه في الآيات والروايات. وهو من أعظم الصفات الحسنة. وهو على مستويين :

 الأوّل  الإيثار عن كرهٍ، بمعنى : أنَّ الشخص يحسّ بكلفة ومؤونة حينما يؤثر أخاه المؤمن على نفسه؛ وذلك نتيجةً لحبّ نفسه وحبّه لمصالحها، وصعوبة رفع اليد عنها في سبيل غيره؛ باعتبار ما لدى الإنسان من الشحّ الذي يكاد أن لا ينفكّ من الإنسان، كما يشهد له قوله في الآية الماضية : (ومن يوق شحّ نفسه...) فكأنَّ الشحّ ثابت مع كلِّ نفس، إلّا أ نَّه قد يقي اللَّه أحداً من شرّ شحّه، ويشهد لذلك - أيضاً - قوله تعالى : (... واُحضرت الأنفس الشحّ...) وهذا الإيثار نوع جهاد مع النفس وثوابه عظيم عند اللَّه.

 والثاني  الإيثار عن طوع ورضا ورغبة نفسية. وهذا أعظم وأثوب من الأوَّل. ولا يكون إلّا بعد تربية النفس تربية كبيرة، فيصل الإنسان نتيجة لصفاء النفس الذي حصل عليه بالتربية إلى مستوى فقدان الشحّ، فيؤثر غيره على نفسه طواعية.

 أمّا الآيات المباركات التي أوردناها في صدر الحديث :

 فالآية الأُولى وهي قوله : (... ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة...) قيل : إنَّها نزلت يوم انتصار المسلمين على يهود بني النضير، ووصول غنائمهم إلى رسول اللَّه  صلى الله عليه واله ، وكان المهاجرون أحوج إلى تلك الغنيمة من الأنصار؛ لأنَّهم جاءوا بالهجرة عن وطنهم متأخِّرين، فكانوا أبناء سبيل، في حين أنَّ الأنصار كانوا يعيشون في بيوتهم، فقال رسول اللَّه  صلى الله عليه واله  للأنصار : إن شئتم قسَّمتم للمهاجرين من أموالكم ودياركم، وتشاركونهم في هذه الغنيمة، وإن شئتم كانت لكم دياركم وأموالكم ولم يقسّم لكم شي‏ء من الغنيمة، فقال الأنصار : بل نقسِّم لهم من أموالنا وديارنا، ونؤثرهم بالغنيمة، ولا نشاركهم فيها فنزلت : (... ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة...(.

 وقيل : نزلت في سبعة عطشوا في يوم أُحد، فجي‏ء بماءٍ يكفي لأحدهم، فقال واحد منهم : ناول فلاناً حتّى طيف على سبعتهم، وماتوا ولم يشرب أحد منهم، فأثنى اللَّه - سبحانه - عليهم بهذه الآية .

 وقيل : أُهدي لبعض الصحابة رأسٌ مشويٌّ، وكان مجهوداً، فوجَّه به إلى جار له، فتداولته تسعة أنفس، ثُمَّ عاد إلى الأوّل، فنزلت : (... ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة...) .

 والتفسير الأوَّل هو المناسب لسياق الآية المباركة، ويمكن أن تكون باقي الموارد من قبيل التطبيق، أو تكراراً في التنزيل.

 وقد روى الشيخ في أماليه بسند له عن أبي هريرة قال : جاء رجل إلى النبيّ صلى الله عليه واله ، فشكا إليه الجوع، فبعث رسول اللَّه  صلى الله عليه واله  إلى بيوت أزواجه، فقلن : ما عندنا إلّا الماء، فقال رسول اللَّه  صلى الله عليه واله  : مَنْ لهذا الرجل الليلة ؟ فقال عليّ بن أبي طالب عليه السلام  : أنا له يا رسول اللَّه، فأتى فاطمة عليهما السلام ، فقال لها : ما عندك يا ابنة رسول اللَّه ؟ فقالت : ما عندنا إلّا قوت الصبية، لكنَّا نؤثر ضيفنا، فقال عليّ عليه السلام  : يا ابنة محمّد نوّمي الصبية، وأطفي المصباح - كي يعتقد الضيف أنّ صاحب البيت يأكل معه  فلمَّا أصبح عليّ عليه السلام  غدا على رسول اللَّه  صلى الله عليه واله ، فأخبره الخبر، فلم يبرح حتّى أنزل اللَّه عزَّ وجلَّ : (... ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شحّ نفسه فأولئك هم المفلحون) .

 وعن الصادق عليه السلام  : بينا عليّ عليه السلام  عند فاطمة عليهما السلام  إذ قالت له : يا عليّ اذهب إلى أبي، فابغنا منه شيئاً، فقال : نعم، فأتى رسول اللَّه  صلى الله عليه واله ، فأعطاه ديناراً، وقال : يا عليّ اذهب فابتع لأهلك طعاماً. فخرج من عنده، فلقيه المقداد بن الأسود، وقاما ما شاء اللَّه أن يقوما، وذكر له حاجته، فأعطاه الدينار، وانطلق إلى المسجد، فوضع رأسه فنام، فانتظره رسول اللَّه  صلى الله عليه واله  فلم يأتِ، ثُمَّ انتظره فلم يأتِ، فخرج يدور في المسجد فإذا هو بعليّ عليه السلام  نائماً في المسجد، فحرّكه رسول اللَّه صلى الله عليه واله  فقعد، فقال له : يا عليّ ما صنعت ؟ فقال : يا رسول اللَّه خرجت من عندك فلقيني المقداد بن الأسود، فذكر لي ما شاء اللَّه أن يذكر، فأعطيته الدينار، فقال رسول اللَّه  صلى الله عليه واله أما إنَّ جبرئيل فقد أنبأني بذلك، وقد أنزل اللَّه كتاباً فيك : (...ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شحّ نفسه فأولئك هم المفلحون) .

 والآية الثانية قوله تعالى : (لن تنالوا البرّ حتّى تنفقوا ممّا تحبون...).

 والمقصود بالبِرِّ : إمَّا هو العمل البِرِّ، أي : لن تصلوا إلى العمل البِرِّ حتّى تنفقوا ممّا تحبون، أو هو الثواب البِرِّ، أي : لن تثابوا الثواب الواسع الحسن حتّى تنفقوا ممَّا تحبون. ولعلَّ التفسير الأوَّل أوضح. وإنَّما جاء الحصر في الآية؛ لأنَّ قيمة العمل تكون بمقدار التضحية، والتضحية إنَّما تكون في إنفاق ما يحبُّه الإنسان دون إنفاق ما لا يهمُّه.

 وقد روي عن أبي الطفيل قال : اشترى عليٌّ عليه السلام  ثوباً فأعجبه، فتصدَّق به، وقال : سمعت رسول اللَّه  صلى الله عليه واله  يقول : مَنْ آثر على نفسه آثره اللَّه يوم القيامة بالجنَّة، ومَنْ أحبّ شيئاً فجعله للَّه قال اللَّه تعالى يوم القيامة : قد كان العباد يكافؤون فيما بينهم بالمعروف، وأنا أُكافيك اليوم بالجنّة.

 وقيل : أضاف أبو ذر الغفاري ضيفاً، فقال للضيف : إنّي مشغول، وإنَّ لي إبلاً، فاخرج واتني بخيرها. فذهب فجاء بناقة مهزولة، فقال له أبو ذرّ : خنتني بهذه !

 فقال : وجدت خير الإبل فحلها، فذكرت يوم حاجتكم إليه.

 فقال أبو ذر : إنَّ يوم حاجتي إليه ليومٌ أُوضع في حفرتي مع أنَّ اللَّه يقول : (لن تنالوا البرّ حتّى تنفقوا ممّا تحبون...) . وقال أبو ذر : في المال ثلاثة شركاء : القَدَر لا يستأمرك أن يذهب بخيرها أو شرِّها من هلك أو موت. والوارث ينتظرك أن تضع رأسك، ثُمَّ يستاقها وأنت ذميم. وأنت الثالث، فإن استطعت أن لاتكون أعجز الثلاثة فلا تكن، إنَّ اللَّه يقول : (لن تنالوا البرّ حتّى تنفقوا ممّا تحبون...(. وإنَّ هذا الجمل كان ممَّا أُحبُّ من مالي، فأحببت أن أُقدِّمه لنفسي.

 والآية الثالثة قوله تعالى : (... ويطعمون الطعام على حبّه مسكيناً ويتيماً وأسيراً).

 ويمكن أن يُجعل جمع الخصوصيات في هذه الآية : من النذر وإطعام المسكين واليتيم والأسير - وهي خصوصيات لا تجتمع في قِصَّة واحدة إلّا كصدفة - شاهداً عى كون الآية صريحة في الإشارة إلى قضيَّة خارجيَّة - على الرغم من أ نَّها في نفس الوقت تجري مجرى الشمس والقمر وتُعلِّم كبرى الإيثار كقضيَّة حقيقيَّة - ولم تذكر في التاريخ شيعة وسُنَّة قِصَّة مشتملة على مجموع هذه الخصوصيات، إلّا القِصَّة المعروفة عن أهل البيت عليهم السلام ، فكأنَّ الآية صريحة في هذه القِصَّة.

 ومن هنا يبدو خطأ رأي مَنْ قال : إنَّ الآيات نزلت في قِصَّة رجل أسود جاء إلى النبيّ صلى الله عليه واله ، وسأل عن التسبيح والتهليل، وقال له عمر : أكثرت السؤال على رسول اللَّه  صلى الله عليه واله ، فنزلت السورة. أو نزلت في قِصَّة رجل منْ الحبشة جاء إلى رسول اللَّه  صلى الله عليه واله  للسؤال، فقال له رسول اللَّه  صلى الله عليه واله  : اسأل وتعلَّم، قال : يا رسول اللَّه، أنتم أفضل منَّا في اللون والشكل والنبوَّة، فإن أمنتُ أنا بما آمنت أنت به، وعملتُ بما تعمل به هل سأكون معك في الجنَّة ؟ فقال رسول اللَّه  صلى الله عليه واله  : نعم، والذي نفسي بيده إنَّ بياض السود يبدو في الجنة من مسيرة ألف سنة. ثُمَّ ذكر رسول اللَّه ثواباً عظيماً لمن قال : لا إله إلّا اللَّه، وسبحان اللَّه، وبحمده، وهنا نزلت السورة.

 فباللَّه عليك أيّ مناسبة بين موردي النزول هذين والخصوصيات المفروضة في الآية : من النذر وإطعام المسكين واليتيم والأسير ؟ !

 والسورة أو - في الأقلِّ - الآيات المربوطة مدنيَّة بإجماع مفسّري الشيعة، وعلى المشهور لدى السنّة، ولكن تجد متعصبّاً يرى أ نَّها مكّية؛ كي ينكر نزولها بشأنهم عليهم السلام ؛ باعتبار أ نَّها لو كانت نازلة بشأنهم لكان نزولها بعد ميلاد الحسن والحسين   8فلابدَّ أن تكون مدنية. ولكن باللَّه عليك أين كان الأسير في مكّة ؟ ! أوليس ذكر الأسير شاهداً عى مدنيَّة الآيات ؟ !.

 وكأنَّ في ذكر الأسير شاهداً على فضيلة الإيثار حتى إذا كان إيثاراً لكافر؛ وذلك على أساس عاطفة الإنسانية.

 وهناك نكتة في هذه الآيات الشريفة تلفت النظر، وهي : أنّ آيات القرآن الشارحة لنعم الجنّة بشي‏ء من التفصيل لا تخلو - عادة - من ذكر الحور العين، في حين أنّ هذه الآيات على شرحها الوافي لنعم الجنّة خلت من ذكرها، وكأنَّ ذلك بسبب أنَّ هذه الآيات وردت بشأن فاطمة وبعلها وبنيها، فوقع فيها التجنّب عن ذكر الحور العين إجلالاً و إعظاماً للزهراء سلام اللَّه عليها.

 وقد ورد في بعض الروايات : أنَّ جاريتهم فضّة - أيضاً - داخلة في هذه القِصَّة، ومشمولة للآيات المباركات ومن هنا قال الشيخ العارف باللَّه جوادي آملي حفظه اللَّه : إنَّ هذه الآيات يفترض بها أن تبيِّن مقاماً مناسباً حتّى لأدناهم في المستوى، وهي : خادمتهم فِضَّة، فإذن هذا المقام المذكور في هذه الآيات مقام خادمتهم، أمّا هم فمقامهم أعلى من ذلك.

 ونزول هذه الآيات بشأن أهل البيت مجمع عليه لدى الشيعة، ومشهور لدى السنة حتّى أنَّ إمامهم محمَّد بن إدريس الشافعي قال :

إلام إلام وحتى متى         أُعاتب في حبِّ هذا الفتى

وهل زوِّجت فاطم غيره      وفي غيره هل أتى هل أتى

 ثُمَّ إنَّ النكتة التي أشرنا إليها لافتراض الآية كالصريح في الإشارة إلى قضيَّة خارجيَّة وهي : قضيَّة أهل البيت عليهم السلام  - برغم أنّها في نفس الوقت تعطي كبرى كُلِّية  قد تسري في عدد من الآيات الاُخرى، وذلك من قبيل :

1ـ قوله تعالى : (إنما وليّكم اللَّه ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون).

 فما أكثر المزكُّون، وما أكثر المصلُّون والراكعون، ولكن تحقق الزكاة في حال الركوع إن هو إلّا صدفة، أفليس ذكر ذلك في الآية الشريفة قرينة واضحة على التفات الآية إلى قضيَّة خارجيَّة واقعة ؟ ! وتلك القضيَّة لم تعرف إلّا بشأن علي عليه السلام ، وذلك من دون منافاة بين دلالة الآية ضمناً على القضيَّة الحقيقيَّة، وكبرى الاهتمام بالصلاة والزكاة والركوع، وأمَّا تفسير الركوع بالخضوع بمناسبة دلالة عملية الركوع على الخضوع، فهو تفسير مجازي ويكون مخالفة للظاهر.

 ولقد أخطأ مَنْ تخيَّل : أنَّ الإقران العمدي بين الزكاة والركوع قد يوجب نزول آية بشأنه، فقال : - على ما نُقِل عنه - واللَّه لقد تصدَّقت بأربعين خاتماً وأنا راكع؛ لينزل فيّ ما نزل في عليّ بن أبي طالب فما نزل ولم يَعرِف هذا الرجل : أنَّ العمل لنزول آية غير العمل لوجه اللَّه، وأنَّ المهمّ في عمل أميرالمؤمنين عليه السلام  كان إخلاصه وعبوديته للَّه، ولم يفعل ما فعله بطمع نزول آية بشأنه. وقد ورد في بعض الأحاديث : كان في خاتمه عليه السلام الذي أعطاه للسائل : سبحان من فخري بأنِّي له عبد. فطبيعي أنَّ الآية تنزل بشأن من لا يفتخر بولايته ومقامه وعظمته، وانَّما يفتخر بعبوديته للَّه، ولا تنزل بشأن مَنْ يعمل بطمع نزول آية؛ كي يفتخر بها.

ولنعم ما قاله حسّان بن ثابت :

أبا حسنٍ تفديك نفسي ومهجتي      وكلُّ بطي‏ءٍ في الهدى ومسارعِ

أيذهبُ مدحي والمحبّرُ ضائعٌ       وما المدحُ في جنبِ الإلهِ بضائعِ

فأنتَ الذي أعطيتَ إذ كنتَ راكعاً    فدتكَ نفوسُ القومِ يا خيرَ راكعِ

فأنزلَ فيك اللَّه خيرَ ولايةٍ          وبيّنها في محكماتِ الشرائعِ

2ـ قوله تعالى : (يا أيّها الرسول بلّغ ما أُنزل إليك من ربّك وإن لم تفعل فما بلّغت رسالته واللَّه يعصمك من الناس..).

 أفليس اجتماع الخصوصيات الثلاث في هذه الآية دليلاً على إشارتها إلى نصب إمامنا أميرالمؤمنين عليه السلام  وليّاً للمسلمين ؟ ! وهي : أوَّلاً أنَّ الشي‏ء الذي أمر اللَّه نبيّه بتبليغه شي‏ء كان يتثاقل النبيّ  صلى الله عليه واله  في تعجيله حتّى جاء هذا التأكيد الغريب من اللَّه - تعالى - على ذلك. وثانياً أنه سنخ أمر يكون عدم إبلاغه في حكم عدم إبلاغ الرسالة كلِّها. وثالثاً أنَّ اللَّه - تعالى - وعد رسوله بالأمن ممَّا كان يخافه  صلى الله عليه واله  من أذى الناس، وما عسى ما يمكن أن يكون هذا الحكم عدا تعيين الخلافة فيمن يخالفه هوى المنافقين؟!

3ـ قوله تعالى : (... اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا...).

 فباللَّه عليكم هل يمكن أن تكون حرمة الميتة أو لحم الخنزير التي وردت في سياق هذه الآية سبباً ليأس الذين كفروا من الدين، وموجباً لتكميل الدين، ولرضا اللَّه - سبحانه - بالإسلام ديناً ؟ ! أو أنَّ الشي‏ء الوحيد الذي يمكن أن تجتمع فيه هذه الخصوصيات هو : تعيين الخليفة الذي لولاه لتربّص الذين كفروا بموت النبيّ؛ كي لا يبقى بعده مَنْ يرعى الدين، فيقلبوا الساحة لصالح الكفر، ولولاه لكان دين الإسلام ناقصاً، وغير مرضيّ له سبحانه وتعالى.

 ولنعد إلى حديثنا عن الإيثار :

 فعن أبان بن تغلب، عن الصادق عليه السلام  قلت : أخبرني عن حقِّ المؤمن على المؤمن ؟

 فقال : يا أبان دعه لا ترده.

 قلت : بلى جعلت فداك. فلم أزل أُردّد عليه.

 فقال : يا أبان تقاسمه شطر مالك. ثُمَّ نظر إليّ فرأى ما دخلني فقال : يا أبان ألم تعلم أنَّ اللَّه - عزَّوجلَّ - قد ذكر المؤثرين على أنفسهم ؟ !

 قلت : بلى جعلت فداك.

 فقال : إذا قاسمته فلم تؤثره بعد إنَّما أنت وهو سواءٌ، إنَّما تؤثر إذا أعطيته من النصف الآخر.

 وعن جميل بن درّاج قال : سمعت أبا عبداللَّه عليه السلام  يقول : خياركم سمحاؤكم، وشراركم بخلاؤكم. ومنْ خالص الإيمان البرّ بالإخوان، والسعي في حوائجهم؛ فإن البارّ بالإخوان ليحبّه الرحمان، وفي ذلك مرغمة للشيطان، وتزحزح عن النيران، ودخول الجنان. يا جميل أخبر بهذا غرر أصحابك، قلت : جعلت فداك مَنْ غرر أصحابي ؟ قال : هم البارّون بالإخوان في العسر واليسر. ثُمَّ قال : يا جميل أما إنَّ صاحب الكثير يهون عليه ذلك. وقد مدح اللَّه - عزَّ وجلَّ - في ذلك صاحب القليل، فقال في كتابه : (... ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شحّ نفسه فاولئك هم المفلحون...) .

 وأظهر الوجهين في مرجع الضمير المضاف إليه الحبّ في قوله تعالى : (...ويطعمون الطعام على حبّه...) أن يكون هو الطعام، فيدلُّ على الحاجة والجوع، فيكون ذلك من الإيثار الراقي، وأن لا يكون المرجع هو اللَّه سبحانه وتعالى؛ فإنَّ خصوصية كون العمل للَّه مفهومة من الآية التالية لهذه الآية، وهي قوله : (إنما نطعمكم لوجه اللَّه لا نريد منكم جزاءً ولا شكورا).

 وقد يقول قائل : إنَّ الأَوجه هو : رجوع الضمير إلى اللَّه؛ لأنَّ رجوعه إلى الطعام يعطي معنى حبّ الطعام الراجع إلى حبّ الذات، في حين أ نَّهم عليهم السلام ذائبون في حبِّ اللَّه، ولايفعلون شيئاً إلّا لحبِّ اللَّه، لا لحب أنفسهم.

 ولكنَّ الواقع : أنَّ حبَّ الذات إن فُسِّر بمعنى التألم بالألم؛ باعتبار ما يفترض في مورد الآية المباركة من ألم الجوع، فهذا أمر ذاتي للإنسان، ولا يتوقَّف على أيّة أنانيّة ينبغي ذوبانها في ذات اللَّه.

 وهناك معنى آخر للإيثار غير المعنى الذي بحثناه حتّى الآن، أو قلْ : مصداق آخر للإيثار غير تقديم الأخ المؤمن على نفسه، وهو : إيثار رضا اللَّه - تعالى - على رضا غيره. وهذا - أيضاً - مندمج في آيات سورة هل أتى حيث قال : (إنما نطعمكم لوجه اللَّه...) أي : أنَّ العمل كان لتحصيل رضا اللَّه تعالى. ومَنْ تكون أعماله لتحصيل رضا اللَّه فمن الطبيعي أ نَّه يقدّم رضا اللَّه على رضا غيره.

 وذكر بعض العرفاء المنحرفين عن عرفان أهل البيت عليهم السلام  - الذي هو العرفان الحقيقي - : أنَّ هناك درجة ثالثة للإيثار غير الإيثارين اللذين عرفتهما، وهو : إيثار الإيثار، أي : أن يترك فرض كونه قد آثر؛ لأنَّ ادِّعاء الإيثار يستدعي ادِّعاء الملك، فالذي آثر هو اللَّه تعالى وليس هو؛ لأنَّه المالك الحقيقي، ثُمَّ يترك رؤيته؛ لكون الإيثار إيثار اللَّه، ويترك الترك أيضاً؛ لأنَّ كلَّ هذا يعني : أن يرى لنفسه حظَّاً من الوجود وفعلاً أو تركاً، في حين أنّ اللَّه هو الفعّال لما يريد، وقد قال اللَّه - تعالى - : (ليس لك من الأمر شي‏ء...).

 أقول : إنَّ هذا النمط من الحديث يتفرَّع على الغفلة عن الوجود التبعي الذي هو عين التبعية والإشراق للوجود المستقل، وأنَّ أفعال هذا الوجود التبعي أفعال للوجود المستقل بالواسطة لا بالمباشرة. وهذا هو المعنى الدقيق للأمر بين الأمرين الذي غفل عنه المنحرفون عن خط أهل البيت عليهم السلام . ولتفصيل الكلام في ذلك مجال آخر. وقد مضى مقدار من الحديث عن ذلك في الحلقة الأُولى من هذا الكتاب. وأقول هنا : لو أنكرنا حتّى الوجود التبعي للمخلوق فإرسال الرسل وإنزال الكتب لماذا ؟ ! وتزكية النفس أو التربية العرفانية لمن ؟ !