فهرس الحلقة الثالثة

المكتبة الصوتية

المؤلفات

الصفحة الرئيسية

 

الفصل الثلاثون

الانبساط

 

 ذكر عبداللَّه الأنصاري : الانبساط إرسال السجيَّة، والتحاشي من وحشة الحشمة، وهو السير مع الجبلَّة... إلى أن قال : الانبساط مع الحقِّ وهو أن لا يجنِّبك خوف، ولا يحجبك رجاء، ولا يحول بينك وبينه آدم وحوَّاء....

 وذكر شارح كتابه عبدالرزَّاق الكاشاني : الانبساط لايجتمع مع الخوف والرجاء؛ فإنَّ الخوف والرجاء في حال البداية ومقام النفس والاحتجاب، والانبساطُ حال العارفين وأرباب القلوب والتجلِّيات، والخوف يحكم بالتجنُّب والبُعد، والانبساطُ لا يكون إلّا مع القرب، وفي بعض النسخ (يعني : بعض نسخ كتاب منازل السائرين) : أن لا يحبسك خوف، وفي بعضها لا يجبِّنك من الجُبْن، وهي متقاربة في المعنى؛ فإنَّ الخوف يورث الجُبْن والإحجام والانقباض، وكلُّها تنافي الانبساط، وكيف لا تنافي وهو من عالم الجمال، والخوف وما يلازمه من عالم الجلال. وكذلك الرجاء؛ فإنَّ صاحب الرجاء متوقِّع شيئاً، فلابدَّ له من التملُّق حتى تقضى حاجته، فلا يستطيع أن ينبسط، وصاحب الانبساط مسترسل على حكم الجبلَّة والغريزة غير متكلِّف ولا متملِّق. ولا يحول بينك وبينه آدم وحوّاء أي : لا يتوسَّط بين صاحب الانبساط وبين ربِّه خَلْق؛ لغاية قربه، كقولهم ما للتراب وربِّ الأرباب، فهو بصفاء الفطرة في مقام القلب، مجرَّد عن مزاحمة أحكام النشأة والصفات البشريَّة والنفسانيَّة، متوسِّل بالاتِّصال الأزلي، فلا يتوسَّل إلى ربِّه إلَّا بربِّه، فأين هو من مزاحمة الماء والطين ؟.! انتهى ما أردنا نقله من كلام الكاشاني.

 وقد جعل عبداللَّه الأنصاري وكذلك الغزالي من أمثلة الانبساط قول موسى عليه السلام  : (... إن هي إلّا فتنتك تضلّ بها من تشاء وتهدي من تشاء...) إلّا أنَّ الشارح الآخر لكتاب منازل السائرين وهو عفيف الدِّين التلمساني تنبَّه إلى أنَّه متى ما حمل لفظ الفتنة على الاختبار لم يبقَ له ما يدلُّ على الانبساط.

 وقال الغزالي : اعلم أنَّ الخوف عبارة عن تأ لُّم القلب واحتراقه بسبب توقُّع مكروه في الاستقبال. وقد ظهر هذا في بيان حقيقة الرجاء. ومن أنس باللَّه، وملك الحقُّ قلبه، وصار ابن وقته مشاهداً لجمال الحقِّ على الدوام، لم يبقَ له التفات إلى المستقبل، فلم يكن له خوف ولا رجاء، بل صار حاله أعلى من الخوف والرجاء، فإنَّهما زمامان يمنعان النفس عن الخروج إلى رعوناتها. وإلى هذا أشار الواسطي حيث قال : الخوف حجاب بين اللَّه - تعالى - وبين العبد. وقال أيضاً : إذا ظهر الحقُّ على السرائر لا يبقى فيها فضلة لرجاء ولا لخوف. وبالجملة فالمحبُّ إذا شغل قلبه في مشاهدة المحبوب بخوف الفراق، كان ذلك نقصاً في الشهود، وإنَّما دوام الشهود غاية المقامات انتهى كلام الغزالي.

 أقول : قوله : الخوف حجاب بين اللَّه - تعالى - وبين العبد يقصد به : الحجاب النوري؛ فإنَّهم يقسِّمون الحجاب إلى قسمين : حجاب ظلماني كشهوات النفس، وحجاب نوراني كالخوف من اللَّه تعالى. وهم يقولون: إنَّ الخوف من مقامات العوام، وليس من مقامات أهل الخصوص.

 وقال الغزالي : اعلم أنَّ الأُنس إذا دام وغلب واستحكم، ولم يشوِّشه قلق الشوق، ولم ينغِّصه خوف التغير والحجاب، فإنَّه يثمر نوعاً من الانبساط في الأقوال والأفعال والمناجاة مع اللَّه تعالى. وقد يكون مُنكَر الصورة؛ لما فيه من الجرأة وقلّة الهيبة، ولكنَّه محتمل ممَّن أُقيم في مقام الأُنس. ومَنْ لم يقم في ذلك المقام، ويتشبَّه بهم في الفعل والكلام، هلك به، وأشرف على الكفر. ومثاله : مناجاة برخ الأسود الذي أمر اللَّه - تعالى - كليمه موسى عليه السلام  أن يسأله؛ ليستسقي لبني إسرائيل بعد أن قحطوا سبع سنين . وخرج موسى عليه السلام  ليستسقي لهم في سبعين ألفاً، فأوحى اللَّه - عزَّوجلَّ - إليه كيف أستجيب لهم وقد أظلمت عليهم ذنوبهم، سرائرهم خبيثة، يدعونني على غير يقين، ويأمنون مكري، ارجع إلى عبد من عبادي يقال له : برخ، فقل له : يخرج حتى أستجيب له. فسأل عنه موسى‏عليه السلام فلم يُعرَف، فبينما موسى ذات يوم يمشي في طريق إذا بعبد أسود قد استقبله بين عينيه تراب من أثر السجود، في شملة قد عقدها على عنقه، فعرفه موسى‏عليه السلام بنور اللَّه عزَّوجلَّ، فسلَّم عليه وقال له : ما اسمك ؟ فقال : اسمي برخ، قال : فأنت طلبتنا منذ حين، اخرج فاستسقِ لنا. فخرج فقال في كلامه : ما هذا من فعالك، ولا هذا من حلمك، وما الذي بدا لك. انقصت عليك عيونك (وفي نسخة أُخرى : تعصَّت عليك غيومك) أم عاندت الرياح عن طاعتك، أم نفد ماعندك، أم اشتدَّ غضبك على المذنبين، ألست كنت غفَّاراً قبل خَلْق الخطَّائين ؟.! خلقت الرحمة، وأمرت بالعطف، أم تُرينا أنَّك ممتنع، أم تخشى الفوت فتعجل بالعقوبة ! قال : فما برح حتّى اخضلَّت بنو إسرائيل بالقطر، وأنبت اللَّه - تعالى - العشب في نصف يوم حتى بلغ الركب. قال : فرجع برخ، فاستقبله موسى عليه السلام ، فقال : كيف رأيت حين خاصمت ربِّي، كيف أنصفني ؟ فهمَّ موسى عليه السلام  به، فأوحى - اللَّه تعالى - إليه : أنَّ برخاً يضحكني كلَّ يوم ثلاث مرّات. وعن الحسن قال.... كان أبو حفص يمشي ذات يوم، فاستقبله رستاقيٌّ مدهوش، فقال له أبو حفص : ما أصابك ؟ فقال : ضلَّ حماري، ولا أملك غيره. قال : فوقف أبو حفص وقال : وعزَّتك لا أخطو خطوة ما لم تردَّ عليه حماره، قال : فظهر حماره في الوقت، ومرَّ أبو حفص. فهذا وأمثاله يجري لذوي الأُنس، وليس لغيرهم أن يتشبَّه بهم. قال الجنيد : أهل الأُنس يقولون في كلامهم ومناجاتهم في خلواتهم أشياءَ هي كفر عند العامة. وقال مرَّةً : لو سمعها العموم لكفَّروهم، وهم يجدون المزيد في أحوالهم بذلك، وذلك يحتمل منهم ويليق بهم. وإليه أشار القائل :

 قومٌ تخالجُهم زهَو بسيِّدهم             والعبدُ يزهو على مقدارِ مولاهُ

 تاهوا برؤيته عمَّا سواه له             يا حسنَ رؤيتهم في  عزِّ ما تاهوا

 انتهى ما أردت نقله من كلام الغزالي.

 أقول : من الطريف أنَّ الغزالي افترض أنَّ رجلاً معاصراً لموسى عليه السلام  اسمه برخ، كان أعلى مرتبة في الأُنس والشهود من موسى عليه السلام ، ومع ذلك لم يخصُّه اللَّه بالنبوَّة كما خصَّ موسى عليه السلام  بها، فكان هو أفضل من نبيِّ زمانه على رغم عدم نبوَّته وبرغم أنَّ ذاك النبيّ ليس نبيَّاً اعتياديَّاً، بل من أُولي العزم. وقد عرفت من القِصَّة الخُرافيَّة التي سردها :  أنَّ موسى لم يدرك أُنس برخ، وشهوده، وانبساطه، فهمَّ به، ولا أدري هل المقصود بقوله : همَّ به أنَّه أراد ضربه، أو أراد قتله، فتدارك اللَّه - تبارك وتعالى - الموقف بأن وضَّح لموسى عليه السلام أنَّ برخاً يُضحكه باليوم ثلاث مرَّات ! !

 وأنت إذا تأمَّلت في حالات ائمَّتنا المعصومين - صلوات اللَّه عليهم أجمعين - الذين لا يساوي كلُّ أقطاب العرفاء والصوفيَّة ظفراً من إبهامهم، لم ترَ عيناً ولا أثراً فيهم عليهم السلام  من الانبساط في الأقوال، والأفعال، والمناجاة مع اللَّه سبحانه وتعالى، أو رفع ستار الحشمة في التعابير، أو ترك الأدب فيها من سنخ ما نقلوه عن برخ في قِصَّتهم الخياليَّة، او ما إلى ذلك، بل ترى تعابيرهم العالية السامية، من قبيل ما يلي : إلهي أُفكِّر في عفوك فتهون عليَّ خطيئتي، ثُمَّ أذكر العظيم من أخذك فتعظم عليَّ بليَّتي.

 وقال ضرار في وصف عليٍّ عليه السلام  : ... ولو رأيته إذ مثل في محرابه وقد أرخى الليل سدوله، وغارت نجومه، وهو قابض على لحيته يتململ تململ السليم، ويبكي بكاء الحزين، وهو يقول : يا دنيا أبي تعرَّضت، أم إليَّ تشوَّقت، هيهات هيهات لا حاجة لي فيك، أبنتك ثلاثاً لا رجعة لي عليك، ثُمّ يقول : واه واه لبعد السفر، وقلَّة الزاد، وخشونة الطريق.

 وأيضاً من الطريف أنَّهم يقولون : إنَّ السالكين حينما يصلون إلى نهاية السفر الأوَّل يفترون عن الأعمال الشاقَّة، ويقتصرون على الفرائض والسُّنَن الرواتب؛ وذلك : أنَّهم يعتقدون أنَّ أمام السالك أسفاراً أربعة :

 السفر الأوَّل - هو السير إلى اللَّه سبحانه وتعالى، وبه يطوي السالك المنازل والأحوال والمقامات إلى أن يصل إلى اللَّه - سبحانه وتعالى - وصولَ عيانٍ، وليس وصول دليل وبرهان، ويفنى في اللَّه عزَّوجلَّ، ويبقى بعد الفناء بقاءً في اللَّه سبحانه وتعالى. وبانتهاء السفر الأوَّل يفترون عن الأعمال الشاقَّة، ويقتصرون على الفرائض والسُّنَن الرواتب؛ لما حصل لهم من الطمأنينة. قالوا : وأوَّل وصوله لا يخلو غالباً من اصطلام وسُكْر؛ لأنَّ لهذا الشهود سطوةً تقهر كلَّ شي‏ء؛ لفناء الكل فيه عند تجلِّيه، فإذا صحا واستأنس بشهوده رأى جمال الذات بعينه؛ إذ لا غير ثمَّة، فشهوده شهود للحقِّ بذاته، فكان الشاهد في قوله تعالى : (وشاهد ومشهود(عين المشهود.

 السفر الثاني - يبدأ بالبقاء في اللَّه. ويكون هذا السفر هو : السير في اللَّه، أي : في مراتب أفعاله، وصفاته، وأسمائه. والتنقل فيه يُسمَّى التلوين في التمكين. قالوا : والناس يعظِّمون صاحب السفر الأوَّل أكثر ممَّا يعظِّمون صاحب السفر الثاني؛ لبُعد الثاني عن إدراكهم.

 السفر الثالث - وبعد كمال السفر الثاني (وانتهاؤه القطبيَّة الوجوديَّة التي هي مركز المراكز، وصاحبها قطب الأقطاب) تكون بداية السفر الثالث، وهو : سفر المرسلين. ويُسمَّى السفر باللَّه إلى خلقه. وفيه يكون التنزُّل إلى مقادير العقول؛ لدعوتهم إلى اللَّه.

 السفر الرابع - هو : الرجوع إلى اللَّه عزَّوجلَّ، والبقاء باللَّه. ويُسمَّى سفراً بالموجود إلى الوجود. وأكثر ما يكون هذا السفر عند الموت. وإليه أشار رسول اللَّه  صلى الله عليه واله بقوله : اخترت الرفيق الأعلى قالوا : فهذه الأسفار الأربعة هي للرُسُل بطريق الأصل، وللأتباع بالوراثة والتبعيَّة.

 وذكر سماحة آية اللَّه الشيخ جوادي آملي حفظه اللَّه في بيان حقيقة السفر الرابع : أ نَّه بعد الرجوع من الوحدة إلى الكثرة (الذي هو السفر الثالث) يسير في الكثرة بمنظار الوحدة.

 وعبَّر السيد الإمام - رضوان اللَّه تعالى عليه - عن هذا السفر باسم السفر من الخلق إلى الخلق، في مقابل السفر من الخلق إلى الحق الذي هو السفر الأوَّل، ومن الحقِّ إلى الحقِّ بالحقِّ الذي هو السفر الثاني، ومن الحقِّ إلى الخلق الذي هو السفر الثالث.

 أقول : إنَّ ما ورد في شرح الكاشاني لمنازل السائرين من اتِّحاد الشاهد والمشهود إن كان من باب اعتقاد أ نَّه لا وجود إلّا للَّه تعالى، فهذا لو صحَّ في نفسه لكان ثابتاً منذ البدء، بلا حاجة إلى رياضة وتهذيب نفس.

 وإن كان بمعنى كشف ذلك فمن الذي ينكشف له ذلك ؟ ! هل الوجود، ولا وجود إلّا للَّه بحسب الفرض، وهو مطِّلع على الحقيقة منذ البدء، أو العدم وما معنى الانكشاف للعدم ؟ !

 وإن كان بمعنى حصول الاتِّحاد بين المخلوق وخالقه بعد أن كان غيره، فهذا عين الكفر.

 وإن كان بمعنى فناء العبد حقيقة من غير اتِّحاد، فمن الذي يواصل بعد ذلك هذه الأسفار ؟ ! فهل اللَّه - تعالى - هو الذي يسافر ويكتمل ؟ ! تعالى اللَّه عن ذلك علوَّاً كبيراً.

 ثُمَّ : ما هو المقصود بما ورد في شَرْحي منازل السائرين من أنَّ السالك حينما يصل إلى اللَّه يفتُر عن أعماله الشاقَّة ؟ ! وكأنَّهم افترضوا أنَّ الوصول له نهاية، فإذا انتهينا إلى نهاية الوصول فلا حاجة إلى الأعمال الشاقَّة، فلئن كان المقصود بالأعمال الشاقَّة : رياضات اختراعيَّة من عند أنفسهم، فهي لهم، وليست للأنبياء والأئمَّة ولأتباعهم،فهم لا يقتربون إليها منذ البدء، ولئن كان المقصود : الطاعات والعبادات والاحتراق ضمن حالات المناجاة والبكاء والتضرُّع وما إلى ذلك، فسيِّد الرسل  صلى الله عليه واله  وأوصياؤه لم يفتروا عن ذلك و(كانوا قليلاً من الليل ما  يهجعون * وبالأسحار هم يستغفرون) وكانت (تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعا...) وفي الحديث الصحيح سنداً عن الصادق عليه السلام  قال : كان رسول اللَّه  صلى الله عليه واله  إذا كان العشر الأواخر - يعني : من شهر رمضان - اعتكف في المسجد، وضُرِبت له قُبَّة من شعر، وشمَّر المئزر، وطوى فراشه....

 وأخيرا ما هو المقصود بالوصول إلى اللَّه - سبحانه وتعالى - في نهاية السفر الأول ؟ :

 إن كان المقصود الوصول إليه بمعنى الفناء واتِّحاد الشاهد والمشهود، فقد مضت الإشارة إلى جوابه أعلاه.

 وإن كان المقصود الوصول بالعلم والبرهان (وليس هذا هو المقصود)، فهذا أوَّل الطريق، وليس آخر الطريق، بل قد يثبت حتى للكفَّار الذين جحدوا بها واستيقنتها أنفسهم.

 وإن كان المقصود الوصول بمعنى التجلِّي والحضور والشهود، فلا نعرف أحداً من الأنبياء وصل إليه غير رسول اللَّه  صلى الله عليه واله .

 والذي نفهمه من الآية المباركة بشأن موسى على نبينا وآله وعليه الصلاة والسلام (واللَّه أعلم بمقصوده) أ نَّه عليه السلام  لم يكن قابلاً للتجلِّي فبتجلِّي اللَّه - تعالى - للجبل - لا له هو - خرَّ صَعِقاً، قال اللَّه تعالى (ولمّا جاء موسى لميقاتنا وكلّمه ربّه قال ربّ أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقرّ مكانه فسوف تراني فلمّا تجلّى ربّه للجبل جعله دكّاً وخرّ موسى صعقاً فلمّا أفاق قال سبحانك تبتُ إليك وأنا أول المؤمنين) فلئن كان هذا حال موسى عليه السلام الذي هو رسول اللَّه وكليمه، ويُعدُّ من الأنبياء أُولي العزم، فما ظنُّك بالعارفين الاعتياديين ؟ ! أفلا تستنتج معي أنَّه لو فُرِض تجلِّي اللَّه - تعالى - للعارف كان حظُّه الهلاك قبل الوصول ؟ ! ولنعم ما قيل بالفارسية :

 هر چند تو را راى جفا كارى نيست       در سينه تمنّاى دل آزارى نيست

 بى پرده بسوى عاشق خود مگذر         كش طاقت آنكه پرده بردارى نيست

 دى شانه زد آن ماه خم گيسو را             بر چهره نهاد زلف عنبر بورا

 پوشيد بدين حيله رخ نيكو را                تا هر كه نه محرم نشناسد اورا

 أمَّا ما ورد في كلمات أئمّتنا عليهم السلام  بالنسبة لعامَّة الناس من عنوان رؤية اللَّه تعالى، أو عنوان السفر إلى اللَّه تعالى، فهو محمول على المستويات النازلة المناسبة لعامَّة الناس؛ فإنَّ التجلِّي والشهود أو الحضور غير محتمل بشأن عموم الناس. ومثال ذلك :

1ـ ما عن إمامنا أميرالمؤمنين عليه السلام ، وقد سأله ذِعْلب اليماني : هل رأيت ربَّك يا أميرالمؤمنين ؟

 فقال عليه السلام  : أفأعبد ما لا أرى ؟ !

 فقال : وكيف تراه ؟

 قال عليه السلام  : لا تدركه العيون بمشاهدة العيان، ولكن تدركه القلوب بحقائق الإيمان....

 والدليل على كون هذه الرواية ناظرة إلى حال عامَّة الناس، وكون المقصود بالرؤية وإدراك القلب : مجرَّد العلم والإيمان الحاصل لكلِّ مؤمن هو : تعليقه عليه السلام العبادة على الرؤية، واستفهامه الاستنكاري من العبادة مع فرض عدم الرؤية. ومن الواضح : أ نَّه تكفي لوجوب العبادة الرؤية البرهانيَّة عن طريق رؤية آياته.

2ـ ما عن إمامنا زين العابدين عليه السلام  ... وأنَّ الرَّاحل إليك قريب المسافة. وأ نَّك لا تحتجب عن خلقك، إلّا أن تحجبهم الأعمال دونك....

 والدليل على كون المقصود هو السفر الثابت لعامَّة المؤمنين الملتزمين، وأ نَّه لا ينظر إلى الخواصِّ هو : أ نَّه حصر الحجاب بالأعمال، يعني : المعاصي، فإذن المقصود هو ذاك المستوى من الحجاب المرتفع عن بصيرة كلِّ مؤمن ملتزم دون اختصاص لذلك بالخواص. ولنعم ما قيل بالفارسية :

 كى رفته اى ز دل كه تمنّا كنم تو را      كى گشته پشت پرده كه حاشا كنم تو را

 با صد هزار جلوه برون آمدى كه من     با صد هزار ديده تماشا كنم تو را

 أمّا ما أشرنا إليه من إمكان الاعتقاد بوصول النبيِّ الخاتم  صلى الله عليه واله  إلى مرتبة الشهود والحضور، فهو أمر مستوحى من قوله سبحانه وتعالى : (علّمه شديد القوى * ذو مِرّة فاستوى * وهو بالأُفق الأعلى * ثم دنى فتدلّى * فكان قاب قوسين أو أدنى * فأوحى إلى عبده ما أوحى * ما كذب الفؤاد ما رأى * أفتمارونه على ما يرى * ولقد رآه نزلة اُخرى * عند سدرة المنتهى * عندها جنّة المأوى * إذ يغشى السدرة ما يغشى * ما زاغ البصر وما طغى * لقد رأى من آيات ربّه الكبرى) فقد ذُكِرَ لهذه الآيات المباركات تفسيران :

 التفسير الأوَّل - إرجاع الضمائر إلى جبرائيل. وأنَّ الاقتراب قاب قوسين أو أدنى كان بين النبيِّ  صلى الله عليه واله  وجبرائيل. وأنَّ الرؤية الواقعة مرَّتين هي : رؤية جبرائيل بصورته الأصليَّة.

 والتفسير الثاني - أنَّ الضمائر راجعة إلى اللَّه. وأنَّ الاقتراب لم يكن مادِّيَّاً، وكان اقتراباً من اللَّه. وأنَّ الرؤية رؤية بالفؤاد لا بالعين الباصرة. وعلى هذا الأساس قد يقال : إنَّ هذه عبارة عن المشاهدة الحضوريَّة.

 ولعلَّ أصحاب التفسير الأوَّل إنَّما ذهبوا إلى تفسيرهم : من رجوع الضمائر إلى جبرئيل، وحملوا الرؤية على رؤية جبرئيل؛ لأ نَّهم حملوا الرؤية على رؤية العين الباصرة. وهذا في اللَّه - سبحانه - مستحيل؛ إذ ليس جسماً، وليس مكانياً تعالى اللَّه عن ذلك علوَّاً كبيراً (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار...) (... أينما تولّوا فثم وجه اللَّه...) (... وهو معكم أينما كنتم...) في حين أنَّ الرؤية في المقام ليست رؤية بالعين، بل رؤية بالفؤاد، بدليل قوله تعالى : (ما كذب الفؤاد ما رأى) وأمَّا قوله تعالى : (ما زاغ البصروما طغى) فهذه رؤية بالباصرة راجعة إلى سدرة المنتهى، وجنّة المأوى، وآياته الكبرى.

 وقد ذكر بعض الأعلام لتضعيف التفسير الأوَّل، وتأييد التفسير الثاني وجوهاً، منها ما يلي :

1ـ الضمائر في جملة : (أوحى إلى عبده ما أوحى) تعود إلى اللَّه بلا شكٍّ. فكذلك باقي الجمل بمقتضى وحدة السياق.

2ـ قوله (علّمه شديد القوى) لايناسب تفسيره بجبرئيل؛ فإنَّه ليس معلِّماً لرسول اللَّه صلى الله عليه واله ، وإنَّما هو بمنزلة ساعي البريد في إنزال الوحي، ورسول اللَّه صلى الله عليه واله  أعلى درجة منه؛ ولذا صعد في المعراج إلى مرتبة عجز عنها جبرئيل، وقال : .. لو دنوت أنملة لاحترقت.

3ـ مشاهدة جبرئيل بصورته الأصليّة ليست لرسول اللَّه صلى الله عليه واله  منزلة عالية بحيث يهتمّ بها القرآن بمثل قوله : (ما كذب الفؤاد ما رأى * أفتمارونه على ما  يرى).

4ـ رؤية جبرئيل تناسب أن تكون رؤية بالباصرة لا بالفؤاد، في حين أنَّ اللَّه - تعالى - يقول : (ما كذب الفؤاد ما رأى).

5ـ المعنى المؤيد في الروايات إنَّما هو : التفسير الثاني لا الأوَّل، وذلك من قبيل ما رواه الشيخ الطوسي في الأمالي عن ابن عباس، عن رسول اللَّه صلى الله عليه واله : لما عرج بي إلى السماء دنوت من ربِّي - عزَّوجلَّ - حتى كان بيني وبينه قاب قوسين أو أدنى.

 وما رواه الصدوق في العلل عن هشام بن الحكم، عن موسى بن جعفر‑ : 8فلمَّا أُسري بالنبيِّ وكان من ربِّه قاب قوسين أو أدنى رفع له حجاب من حجبه.

 أقول : ومن هذا القبيل ما ورد في دعاء الندبة : (ثُمَّ دنى فتدلَّى * فكان قاب قوسين أو أدنى) دنوَّاً واقتراباً من العليِّ الأعلى.

 فإذن المناسب لكلِّ هذا هو التفسير الثاني. ويبدو أنَّ المقصود به هو : المشاهدة الحضوريَّة بالقلب التي لا يمكن أن تخطأ، ويكون ذلك - بلا تشبيه - من قبيل مشاهدتنا لأنفسنا ولحبِّنا وبغضنا وما إلى ذلك ممَّا هو حاضر لدى أنفسنا. وهذه مشاهدة مصونة عن الخطأ؛ ولذا قال تعالى: (أفتمارونه على ما يرى) ففرق بين العلم بالأُمور التي هي منفصلة عن النفس، والتي يمكن فيها الخطأ، والعلم بمشاهدة ما هو متصل بالنفس. والمثال الذي مثّلنا به من مشاهدتنا لأنفسنا ولحبِّنا وبغضنا وما إلى ذلك، إنَّما هو مثال بقدر عقولنا الناقصة وأفهامنا القاصرة، وإلّا فأين المشبَّه به من المشبَّه.

 ثُمَّ إنَّ تجلِّي اللَّه - سبحانه - لرسوله مرَّتين في حياته كما ورد في هذه الآيات، لا ينافي افتراض دوام التجلِّي له طيلة عمره المبارك؛ وذلك لإمكان حمل هاتين المرَّتين على مراتب عُلْيا من التجلِّي، وافتراض التجلِّي على مراتب متفاوتة.

 ومن جملة مراتبها المرتبتان التاليتان، واللتان لا نستطيع أن نفهم مغزاهما قبل أن نصل إليهما :

 إحداهما - ما يحصل لكلِّ أحد لدى الموت مؤمناً كان أو كافراً؛ ولهذا قد يُعبَّر عن الموت بلقاء اللَّه. وقد ورد عن عبدالصمد بن بشير، عن بعض أصحابه، عن الصادق عليه السلام قال : قلت : أصلحك اللَّه من أحبَّ لقاء اللَّه أحبَّ اللَّه لقاءه، ومَنْ أبغض لقاء اللَّه أبغض اللَّه لقاءه ؟

 قال : نعم.

 قلت : فواللَّه إنَّا لنكره الموت.

 فقال : ليس ذلك حيث تذهب، إنَّما ذلك عند المعاينة إذا رأى ما يحب فليس شي‏ء أحبُّ إليه من أن يتقدَّم، واللَّه تعالى يحبُّ لقاءه، وهو يحبُّ لقاء اللَّه حينئذٍ وإذا رأى ما يكره فليس شي‏ء أبغض إليه من لقاء اللَّه، واللَّه يبغض لقاءه.

 والثانية - ما تكون خاصَّة في يوم القيامة بالمؤمنين، قال اللَّه تعالى : (وجوه يومئذٍ ناضرة * إلى ربها ناظرة) فمن الواضح : أنَّ المقصود ليس هو النظر بالعين الباصرة؛ لأنَّ اللَّه ليس جسماً، وليس مكانيّاً تعالى اللَّه عن ذلك علوّاً كبيراً، كما أنَّ حمله على النظر إلى نعم اللَّه خلاف الظاهر جدَّاً. فالظاهر : أنَّ المقصود هو النظر بعين البصيرة، وفي مقابل ذلك قال اللَّه تعالى بشأن الكفَّار : (كلّا إنهم عن ربّهم يومئذٍ لمحجوبون).