|
الفصل الواحد والثلاثون حب اللّه
وقد جعل بعض هذا أوَّل باب من أبواب الأحوال التي هي خالية من مشقَّة السعي والاجتهاد، فإنَّ المحبَّ يتبع المحبوب بالجذب والانقياد، ويكون سيره مقروناً باللذة والبهجة، ولا يحسُّ العبد فيه بمشقَّة السعي وجهده. قال تعالى : 1ـ (يا أيها الذين آمنوا من يرتدّ منكم عن دينه فسوف يأتي اللَّه بقوم يحبّهم ويحبّونه أذلّة على المؤمنين أعزّة على الكافرين يجاهدون في سبيل اللَّه ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء واللَّه واسع عليم). 2ـ (ومن الناس من يتّخذ من دون اللَّه أنداداً يحبّونهم كحبّ اللَّه والذين آمنوا أشدّ حبّاً للَّه...). 3ـ (قل إن كنتم تحبّون اللَّه فاتبعوني يحببكم اللَّه ويغفر لكم ذنوبكم واللَّه غفور رحيم). 4ـ (قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها احبّ إليكم من اللَّه ورسوله وجهاد في سبيله فتربّصوا حتّى يأتي اللَّه بأمره واللَّه لا يهدي القوم الفاسقين). آلهي من ذا الذي ذاق حلاوة محبّتك فرام منك بدلاً ؟ ! ومن ذا الذي أنس بقربك فابتغى عنك حولا ؟ ! . ورد في مصباح الشريعة عن الصادق عليه السلام : حبُّ اللَّه إذا أضاء على سرِّ عبد أخلاه عن كلِّ شاغل وكلِّ ذكرٍ سوى اللَّه عند ظلمة. والمحبُّ أخلص الناس سرَّاً للَّه، وأصدقهم قولاً، وأوفاهم عهداً، وأزكاهم عملاً، وأصفاهم ذكراً، وأعبدهم نفساً، تتباهى الملائكة عند مناجاته، وتفتخر برؤيته، و به يعمر اللَّه - تعالى - بلاده، وبكرامته يكرم عباده يعطيهم إذا سألوا بحقِّه، ويدفع عنهم البلايا برحمته. فلو علم الخلق ما محلُّه عند اللَّه ومنزلته لديه، ما تقرَّبوا إلى اللَّه إلّا بتراب قدميه. قال أميرالمؤمنين عليه السلام : حبُّ اللَّه نار لا يمرُّ على شيء إلّا احترق . ونور اللَّه لا يطَّلع على شيء إلّا أضاء. وسحاب اللَّه ما يظهر من تحته شيء إلّا غطّاه. وريح اللَّه ما تهبُّ في شيء إلّا حرَّكته. وماء اللَّه يحيي به كلّ شيء، وأرض اللَّه ينبت منها كلُّ شيء. فمَنْ أحبَّ اللَّه أعطاه كلَّ شيء من المال والملك. قال النبيُّ صلى الله عليه واله : إذا أحبَّ اللَّه عبداً من أُمَّتي قذف في قلوب أصفيائه وأرواح ملائكته وسكان عرشه محبَّته؛ ليحبُّوه، فذلك المحبُّ حقّاً، طوبى له ثُمَّ طوبى له، وله عند اللَّه شفاعةٌ يوم القيامة. إنّ مصدر الطاعة حينما يكون هو العلم بالمبدأ والمعاد الناتج من تقليد الآباء أو العلماء أو غيرهم، كما هو الحال لدى كثير من العوام، أو الناتج من البرهان كما هو الحال عند آخرين، تراه يختلف عمَّا إذا كان مصدر الطاعة بعد العلم هو الحبُّ للَّه تعالى، وأقصد بذلك : بعض المراتب العالية من الحبِّ دون أدنى الحبِّ الذي لا ينفكُّ عنه مسلم. ومَظهرُ هذا الاختلاف أُمورٌ ثلاثة : الأوَّل - أنَّ مصدريَّة العلم للطاعة كثيراً ما تتخلَّف عن المقصود، كما ترى ذلك في كثير من الفسقة الذين يعصون على رغم علمهم بالمبدأ والمعاد، ولكن مصدريَّة الحبِّ للطاعة إذا كان في الدرجات العالية لا تنفصم ولا تتخلَّف؛ ولذا ترى أنَّ الأبوين - مثلاً - لشدَّة تعلقهما بالطفل وحبِّهما له قد يلتزمان بتهيئة مطاليب الطفل التي لا تضرُّ به أكثر من التزامهما بطاعة اللَّه الذي تجب عقلاً إطاعته، وإن هو إلّا لكون الطفل أحبّ إليهما من اللَّه. وقد رُوي عن الصادق عليه السلام أ نَّه قال : ما أحبَّ اللَّه - عزَّ وجلَّ - مَنْ عصاه. ثُمَّ تمثَّل فقال : تعصي الإله وأنت تُظْهِرُ حبَّه هذا محالٌ في الفعال بديعُ لو كان حبُّك صادقاً لأطعتهُ إنَّ المحبَّ لمن يحبُّ مطيعُ والثاني - أنَّ الطاعة التي تنتج من الحبِّ تكون طاعة الأحرار، وهم الذين يعبدون اللَّه تعالى؛ لأنَّه أهل للعبادة، في حين أنَّ الطاعة الناتجة من مجرد العلم تكون طاعة الأُجراء أو العبيد، وهم الذين يعبدون اللَّه - تعالى - طمعاً في جنَّته، أو خوفاً من ناره. وعن عليٍّ عليه السلام أ نَّه قال : إنَّ قوماً عبدوا اللَّه رغبة فتلك عبادة التجار، وإنَّ قوماً عبدوا اللَّه رهبةً فتلك عبادة العبيد، وإنَّ قوماً عبدوا اللَّه شكراً فتلك عبادة الأحرار. وفي حديث آخر عن الصادق عليه السلام : العِبادة ثلاثة : قوم عبدوا اللَّه - عزَّوجلَّ خوفاً فتلك عبادة العبيد، وقوم عبدوا اللَّه - تبارك وتعالى - طلب الثواب فتلك عبادة الأُجراء، وقوم عبدوا اللَّه - عزّوجلّ - حبَّاً له فتلك عبادة الأحرار، وهي أفضل العبادة. وأيضاً عن الصادق عليه السلام : إنَّ الناس يعبدون اللَّه على ثلاثة أوجه : فطبقة يعبدونه رغبةً إلى ثوابه فتلك عبادة ا لحرصاء، وهو : الطمع، وآخرون يعبدونه خوفاً من النار فتلك عبادة العبيد، وهي : الرهبة، ولكنِّي أعبده حبَّاً له فتلك عبادة الكرام، وهو : الأمن لقوله تعالى : (وهم من فزع يومئذٍ آمنون) )قل إن كنتم تحبون اللَّه فاتبعوني يحببكم اللَّه ويغفر لكم ذنوبكم..) فمَنْ أحبَّ اللَّه - عزَّوجلَّ - أحبَّه اللَّه، ومن أحبَّه اللَّه - عزّوجلّ - كان من الآمنين. والثالث - أنَّ الطاعة الناتجة من الحبِّ تكون مقترنةً بلذَّة فائقة، والطاعةُ الناتجة من العلم بحتاً تكون مقترنةً بالسأم والملل. ومثال ذلك مثال شخصين : أحدهما يصرف ساعات من وقته في غرفة انتظار مقابلة الطبيب، فهو يتألَّم ويملُّ؛ لأ نَّه تأخَّر عن أشغاله وأعماله الحياتيَّة، ولكنَّه مجبور على ذلك؛ لتحصيل شفائه من وراء فحص الطبيب إيَّاه، ووصفه للعلاج. فهذا حاله حال العباد الذين يعبدون اللَّه، ويرون أنفسهم مجبورين على ذلك تحصيلاً للثواب، وهرباً من العقاب، ولكنَّهم يسأمون ويملُّون من ساعات الصلاة؛ لأ نَّهم يحسُّون بذهاب الوقت الذي كانوا بحاجة إليه لأُمورهم المعيشية والحياتيَّة، إلّا أ نَّهم يصبرون على ذلك؛ لأجل الوجوب. وثانيهما يصرف ساعات من وقته في لقاء الأحبَّة، ومجلس الأُنس، وسهرة الليل، وتبادل الأحاديث معهم من كلِّ جانب، ويحسُّ في ذلك بلذَّة قصوى على رغم علمه بأنه يصرف وقته الذي كان بحاجة إليه للنوم والراحة، أو لطلب المعاش، أو ما إلى ذلك، ولا يحسُّ بملل أو سأم من صرفه لهذا الوقت. فهذا مثله مثل مَنْ يعبد اللَّه حبَّاً له وشوقاً إليه، فهو يحسُّ بلذَّة المناجاة وحلاوة الخلوة مع اللَّه مع فارق كبير بين الممثل والمثال؛ لأنَّ حبَّ الأوَّل لأصحابه حبٌّ دنيويٌّ ضعيف، وحبُّ الثاني للَّه حبٌّ حقيقي ناتج من جمال اللَّه وعظمته. وشتَّان ما بين الثرى والثريَّا. وقد ورد في مصباح الشريعة : ... ألا وإنَّك لو وجدت حلاوة عبادة اللَّه، ورأيت بركاتها، واستضأت بنورها، لم تصبر عنها ساعةً واحدةً ولو قُطِّعت إرْباً إرْباً.... وفي الحديث عن الصادق عليه السلام : إذا تخلَّى المؤمن من الدنيا سما ووجد حلاوة حبِّ اللَّه، وكان عند أهل الدنيا كأنَّه قد خُولِط، وانَّما خالط القوم حلاوة حبِّ اللَّه، فلم يشتغلوا بغيره. وما أشبه هذا التعبير في هذا الحديث الذي تلوناه بالتعبير الوارد عن أميرالمؤمنين عليه السلام في خطبة المتقين : ... لقد خولطوا ولقد خالطهم أمر عظيم.... قال الشاعر : أُحِبُّك حبَّين حبَّ الهوى وحبَّاً لأنَّك أهل لذاكا فأمَّا الذي هو حبُّ الهوى فشغلي بذكرك عمَّن سواكا وأمَّا الذي أنت أهلٌ له فكشفك لي الحجب حتّى أراكا فلا الحمد في ذا ولا ذاك لي ولكن لك الحمد في ذا وذاكا وقال الشاعر : كانت لقلبيَ أهواءٌ مفرَّقةٌ فاستجمعتْ مذ رأتك العينُ أهوائي فصار يحسدني مَنْ كنت أحسده فصرت مولى الورى مذ صرتَ مولائي تركتُ للناسِ دنياهم ودينَهمُ شغلاً بذكركَ يا ديني ودنيائي وعلى أيِّ حال، فهذا الحبُّ والالتذاذ لا يجتمعان مع الذنب. وعلى هذا الأساس ورد في بعض الروايات كون الذنوب سبباً للانحرام من صلاة الليل، أو الانحرام من لذَّة المناجاة، وكيف لا وإنَّ الذنوب تخلق حجاباً بين العبد والربِّ، وتهدم الحبَّ والشوق، وتغطِّي القلبَ، وترين عليه. وقد ورد في دعاء أبي حمزة ...وأ نَّك لا تحتجب عن خلقك إلّا أن تحجبهم الأعمال دونك....وفي الحديث عن الصادق عليه السلام : إنَّ الرجل ليكذب الكذبة فيحرم بها صلاة الليل... وأيضاً عن الصادق عليه السلام بسند تام قال : إنّ الرجل يذنب الذنب فيحرم صلاة الليل....وأيضاً ورد في الحديث : جاء رجل إلى أميرالمؤمنين عليه السلام فقال : إنِّي قد حرمت الصلاة بالليل، فقال أميرالمؤمنين عليه السلام : أنت رجل قد قيَّدتك ذنوبك.وأيضاً ورد عن موسى بن جعفر 8في و صيته لهشام بن الحكم أ نَّه قال : ... يا هشام، أوحى اللَّه إلى داود قل لعبادي : لا يجعلوا بيني وبينهم عالماً مفتوناً بالدنيا، فيصدُّهم عن ذكري، وعن طريق محبّتي ومناجاتي، أُولئك قُطَّاع الطريق من عبادي، إنَّ أدنى ما أنا صانع بهم أن أنزع حلاوة عبادتي ومناجاتي من قلوبهم....وفي حديث آخر : أوحى اللَّه إلى داود عليه السلام أنَّ أهون ما أنا صانع بعالم غير عامل بعلمه أشدّ من سبعين عقوبة أن أُخرج من قلبه حلاوة ذكري....وقد جعل بعض الحبَّ مركزاً للفضائل، فبلحاظ ما بعده يثمر المقامات اللاحقة كالشوق والرضا، وبلحاظ ما قبله تنتهي إليه المقامات السابقة كالتوبة والصبر والزهد. وبكلمة أُخرى : إن المحبَّة آخر منازل العامة، وأوَّل منازل الخاصَّة.وقد ظهر بكلِّ ما سردناه حتّى الآن أنَّ الإيمان الكامل هو : الإيمان البالغ درجة الحبِّ، كما ورد في الحديث الصحيح السند عن الصادق عليه السلام : ... وهل الإيمان إلّا الحبُّ والبغض، ثُمَّ تلا هذه الآية : (... حبّب إليكم الإيمان وزيّنه في قلوبكم وكرّه إليكم الكفر والفسوق والعصيان اُولئك هم الراشدون(.وورد - أيضاً - في الحديث الصحيح السند عن الصادق عليه السلام : هل الدين إلّا الحبُّ إنَّ اللَّه - عزَّوجلَّ - يقول : (قل إن كنتم تحبّون اللَّه فاتبعوني يحببكم اللَّه ...) .أمَّا عن الآية التي فتحنا بها الحديث وهي قوله سبحانه : (يا أيها الذين آمنوا من يرتدّ منكم عن دينه فسوف يأتي اللَّه بقوم يحبّهم ويحبّونه أذلّة على المؤمنين أعزّة على الكافرين يجاهدون في سبيل اللَّه ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء واللَّه واسع عليم) فقد ورد في التفاسير عِدَّة تطبيقات لها، وذلك من قبيل : - 1تطبيقها على أميرالمؤمنين عليه السلام في فتح خيبر، أو في محاربته للناكثين والقاسطين والمارقين؛ ولهذا ورد في الحديث في قِصَّة فتح خيبر قول رسول اللَّه صلى الله عليه واله بعد هروب مَنْ هرب : لأُعطينَّ الراية غداً رجلاً يحب اللَّه ورسوله، ويحبُّه اللَّه ورسوله، كرَّاراً غير فرَّارٍ، لايرجع حتى يفتح اللَّه على يده. فبات الناس يدوكون بجملتهم أيُّهم يعطاها، فلمَّا أصبح الناس غدوا على رسول اللَّه صلى الله عليه واله كلُّهم يرجون أن يعطاها، فقال : أين عليّ بن أبي طالب ؟ فقالوا : يا رسول اللَّه هو يشتكي عينيه، قال: فأرسِلوا إليه. فأُتي به، فبصق رسول اللَّه صلى الله عليه واله في عينيه، ودعا له فبرأ كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية فقال عليٌّ :يا رسول اللَّه أُقاتلهم حتّى يكونوا مثلنا ؟ قال : انفذ على رسلك حتّى تنزل بساحتهم، ثُمَّ ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حقِّ اللَّه، فواللَّه لأن يهدي اللَّه بك رجلاً واحداً خير من أن يكون لك حمر النعم. (قال سلمة) فبرز مرحب وهو يقول :قد علمت خيبر أنِّي مرحبشاكي السلاح بطل مجرَّب فبرز له عليٌّ عليه السلام وهو يقول :أنا الذي سمّتني أُمّي حيدرهكليث غابات كريه المنظرهاُوفيهمُ بالصاع كيل السندرهفضرب مرحباً ففلق رأسه، فقتله وكان الفتح على يده.وما أحلى أبيات حسَّان بن ثابت :وكان عليٌّ أرمد العين يبتغيدواءً فلمَّا لم يحسّ مداوياشفاه رسول اللَّه منه بتفلةفبورك مرقيَّاً وبورك راقياوقال : سأُعطي الراية اليوم صارماًكميَّاً محبَّاً للرسول مواليايحبُّ إلهي والإله يحبُّهبه يفتح اللَّه الحصون الأوابيافأصفى بها دون البريَّة كلِّهاعليَّاً وسمَّ-اه الوزير المؤاخيا - 2ورد أ نَّه سُئل رسول اللَّه صلى الله عليه واله عن هذه الآية، فضرب بيده على عاتق سلمان فقال : هذا وذووه. ثُمَّ قال : لو كان الدِّين معلَّقاً بالثريَّا لتناوله رجال من أبناء فارس. - 3وفي تفسير عليِّ بن إبراهيم : نزلت في القائم وأصحابه.ثُمَّ إنَّ ما ذكرنا من الامتيازات للطاعة الناتجة من الحبِّ الحقيقي الصادق في مقابل الطاعة الناتجة من العلم قد قصدنا بذلك : المقابلة بين العلم بمعنى الإيمان الجافِّ غير السيَّال في العواطف والعروق، وبين الحبِّ الحقيقي الذي لا يمكن أن ينفرد عن المعرفة بجمال اللَّه وعظمته التي لا تكون إلّا بعد العلم باللَّه. ولم نقصد المقابلة بين الحبِّ وحده والعلم وحده؛ فإنَّ أساس الحبِّ هو المعرفة الناتجة من العلم. ولايمكن أن يكون حبٌّ مورث للآثار الماضية بلا معرفة، فمتى ما أنتجت المعرفة الحبَّ الخالص الصادق، أصبحت عبادة المؤمن عبادة الأحرار، واقترنت بلذَّة لاتدانيها لذَّة، وعصمت صاحبها من أيِّ معصية أو ذنب.وقد ورد في مصباح الشريعة عن الصادق عليه السلام ما يلي : نجوى العارفين تدور على ثلاثة أُصول : الخوف، والرجاء، والحبُّ. فالخوف فرع العلم، والرجاء فرع اليقين، والحبُّ فرع المعرفة. فدليل الخوف الهرب، ودليل الرجاء الطلب، ودليل الحبِّ إيثار المحبوب على ما سواه. فإذا تحقق العلم في الصدر خاف، وإذا صحَّ الخوف هرب، وإذا هرب نجا، وإذا أشرق نور اليقين في القلب شاهد الفضل، وإذا تمكَّن من رؤية الفضل رجا، وإذا وجد حلاوة الرجاء طلب، وإذا وُفِّقَ للطلب وجد، وإذا تجلَّى ضياء المعرفة في الفؤاد هاج ريح المحبَّة، وإذا هاج ريح المحبَّة استأنس ظلال المحبوب، وآثر المحبوب على ما سواه، وباشر أوامره، واجتنب نواهيه، واختارهما على كلِّ شيء غيرهما، وإذا استقام على بساط الأُنس بالمحبوب مع أداء أوامره واجتناب نواهيه، وصل إلى روح المناجاة والقرب. ومثال هذه الأُصول الثلاثة كالحرم والمسجد والكعبة، فمَنْ دخل الحرم أمِن من الخَلْق، ومَنْ دخل المسجد أمِنت جوارحه أن يستعملها في المعصية، ومَنْ دخل الكعبة أمِن قلبه من أن يشغله بغير ذكر اللَّه.فانظر أ يُّها المؤمن فإن كانت حالتك حالة ترضاها لحلول الموت، فاشكر اللَّه على توفيقه وعصمته، وإن تكن الأُخرى فانتقل عنها بصحة العزيمة، واندم على ما سلف من عمرك في الغفلة، واستعن باللَّه على تطهير الظاهر من الذنوب وتنظيف الباطن من العيوب، واقطع زيادة الغفلة عن نفسك، وأطف نار الشهوة من نفسك.واعلم أنَّ الحبَّ ذو طرفين، وليس ذا طرف واحد، فكما أنَّ العبد المؤمن يحبُّ اللَّه عزَّوجلَّ كذلك اللَّه - عزَّوجلَّ - يحبُّ عبده المؤمن.وقد روى الكليني بسند قيل عنه : إنَّه تامٌّ عن أبان بن تغلب، عن أبي جعفر عليه السلام قال : لمَّا أُسري بالنبي صلى الله عليه واله قال : يا ربِّ ما حال المؤمن عندك ؟ قال : يا محمَّد صلى الله عليه واله مَنْ أهان لي وليَّاً فقد بارزني بالمحاربة، وأنا أسرع شيء إلى نصرة أوليائي، وما تردَّدت في شيء أنا فاعله كتردِّدي في وفاة المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته، وإنّ من عبادي المؤمنين مَنْ لا يصلحه إلّا الغنى، ولو صرفته إلى غير ذلك لهلك، وإنّ من عبادي المؤمنين من لا يصلحه إلّا الفقر، ولو صرفته إلى غير ذلك لهلك. وما يتقرَّب إليَّ عبد من عبادي بشيء أحبُّ إليَّ ممَّا افترضت عليه، وإنَّه ليتقرَّب إليَّ بالنافلة حتى أُحبَّه، فإذا أحببته كنت إذن سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ولسانه الذي ينطق به، ويده التي يبطش بها، إن دعاني أجبته، وإن سألني أعطيته.قوله : ما تردَّدت في شيء أنا فاعله كتردِّدي في وفاة المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته.إنَّ التردُّد بمعناه المألوف لدينا مستحيل على اللَّه سبحانه، إلّا أنَّ الشيخ البهائي رحمه الله ذكر في المقام عِدَّة توجيهات لهذه الجملة : - 1إنَّ في الكلام إضماراً وتقديراً، أي : لو جاز عليَّ التردُّد ما تردَّدت في شيء كتردّدي في وفاة المؤمن. - 2إنَّ هذا الكلام فيه استعارة تمثيليَّة، فهو يكنِّي عن توقير المؤمن واحترامه؛ باعتبار أنَّ الإنسان عادةً يتردَّد في عمل يوجب إساءة مَنْ يحترمه ويوقِّره كالصديق الوفيِّ والخلِّ الصفيِّ، بخلاف مَنْ لا يقدّره ولا يوقِّره كالعدو والحيَّة والعقرب. - 3إنَّه ورد في الحديث من طرق الخاصَّة والعامَّة : أنَّ اللَّه - سبحانه - يظهر للعبد المؤمن عند الاحتضار من اللُطف والكرامة والبِشارة بالجنَّة ما يزيل عنه كراهة الموت، ويوجب رغبته في الانتقال إلى دار القرار، فيقلُّ تأذِّيه به، ويصير راضياً بنزوله، راغباً في حصوله، فأشبهت هذه الحالة معاملة مَنْ يريد أن يؤلم حبيبه ألماً يتعقَّبه نفع عظيم، فهو يتردَّد في أنَّه كيف يوصل ذلك الألم إليه على وجه يقلُّ تأذِّيه به، فلا يزال يظهر له ما يرغِّبه فيما يتعقَّبه من اللذَّة الجسميَّة والراحة العظيمة إلى أن يتلقَّاه بالقبول، ويعدُّه من الغنائم المؤدِّية إلى إدراك المأمول.أقول : من جملة الروايات التي أشار إليها الشيخ البهائي رحمه الله ممَّا تدلُّ على أنَّ المؤمن لا يُكرَه على الموت، بل يُحبَّب إليه الموت إلى أن يرضى بذلك ما ورد عن أبي بصير قال :قلت لأبي عبداللَّه عليه السلام : جعلت فداك يستكره المؤمن على خروج نفسه ؟ قال : فقال : لا واللَّه. قال : قلت : وكيف ذلك ؟ قال : إنَّ المؤمن إذا حضرته الوفاة حضر رسول اللَّه صلى الله عليه واله وأهل بيته أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب وفاطمة والحسن والحسين وجميع الأئمّة عليهم الصلاة والسلام، ولكن أكنُّوا عن اسم فاطمة، ويحضره جبرئيل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل عليهم السلام ، قال : فيقول أميرالمؤمنين عليُّ بن أبي طالب عليه السلام : يا رسول اللَّه، إنَّه كان ممَّن يحبُّنا ويتولَّانا فأحبَّه، قال : فيقول رسول اللَّه صلى الله عليه واله : يا جبرئيل، إنَّه ممَّن كان يحبُّ عليَّاً وذرّيته فأحبَّه، وقال جبرئيل لميكائيل وإسرافيل عليهم السلام مثل ذلك، ثُمَّ يقولون جميعاً لملك الموت : إنَّه ممَّن كان يحبُّ محمَّداً وآله، ويتولَّى عليَّاً وذرِّيته، فارفق به، قال : فيقول ملك الموت : والذي اختاركم وكرَّمكم، واصطفى محمَّداً صلى الله عليه واله بالنبوَّة، وخصَّه بالرسالة، لأنا أرفق به من والد رفيق، وأشفق عليه من أخ شفيق، ثُمَّ قام إليه ملك الموت فيقول : يا عبداللَّه، أخذت فكاك رقبتك ؟ أخذت رهان أمانك ؟ فيقول : نعم، فيقول الملك : فبماذا ؟ فيقول : بحبِّي محمَّداً وآله، وبولايتي عليِّ بن أبي طالب وذرِّيته، فيقول : أمَّا ما كنت تحذر فقد آمنك اللَّه منه، وأمَّا ما كنت ترجو فقد أتاك اللَّه به، افتح عينيك فانظر إلى ما عندك، قال : فيفتح عينيه فينظر إليهم واحداً واحداً، ويفتح له باب إلى الجنّة، فينظر إليها فيقول له : هذا ما أعدَّ اللَّه لك، وهؤلاء رفقاؤك أفتحبُّ اللحاق بهم أو الرجوع إلى الدنيا ؟ قال : فقال أبوعبداللَّه عليه السلام : أما رأيت شخوصه ورفع حاجبيه إلى فوق من قوله : لا حاجة لي إلى الدنيا، ولا الرجوع إليها ! ويناديه منادٍ من بطنان العرش يسمعه ويسمع من بحضرته : يا أيتها النفس المطمئنَّة إلى محمَّد ووصيّه والأئمَّة من بعده، ارجعي إلى ربِّك راضية بالولاية مرضيَّة بالثواب، فادخلي في عبادي مع محمَّد وأهل بيته، وادخلي جنَّتي غير مشوبة.وللمجلسي رحمه الله توجيه رابع لتردُّد اللَّه في موت عبده المؤمن، وهو : توجيهه بمسألة البداء بالمعنى المعقول عندنا، فيكون التردُّد إشارةً إلى المحو والإثبات في لوحهما؛ فإنَّه يكتب أجله في زمان وآن فيدعو المؤمن لتأخيره، أو يتصدَّق فيمحو اللَّه ذلك، ويؤخِّره إلى وقت آخر، فهو يشبه فعل المتردِّد أُطلِق عليه التردُّد على وجه الاستعارة.وللسيّد الإمام الخميني رحمه الله توجيه خامس لذلك، وهو : حمله على نسبة تردُّد المؤمن إلى اللَّه على حدِّ (... ما رميت إذ رميت ولكن اللَّه رمى...) أي : أنَّ هذا من باب انتساب أفعال العبيد إلى اللَّه على أساس الأمر بين الأمرين ثُمَّ ذكر رحمه الله تكملةً للمطلب ببيان تفسير جديد للتردُّد بالنسبة للمؤمن، وهو : أنَّ العباد إمَّا أن يكونوا عرفاء وأولياء للَّه، وينخرطوا لدى سيرهم إلى اللَّه في مسلك أصحاب القلوب، فيكونون مجذوبين للحقِّ، وتوَّاقين لجماله الذي لا مثيل له، ومستقبلين ذاته المقدَّس في كلِّ تطلُّعاتهم وآمالهم، ولا يلتفتون إلى غيره سبحانه من العوالم، بل لا يفكِّرون في أنفسهم وكمالاتهم.وإمَّا أن ينغمروا في زخارف الدنيا، ويخوضوا في ظلمات حبِّ الجاه والمال، وتكون قلوبهم متجهةً نحو الأنانيّة والإنِّية من دون أن يعبأوا بالعالم الأقدس، ويأبهوا بالملكوت الأعلى، وهم الملحدون في أسماء اللَّه.والطائفة الثالثة هم الذين ينتبهون إلى العالم الأرفع نتيجة نور إيمانهم، ويكرهون الموت لالتفاتهم إلى هذا العالم، فعُبِّر عن هذا التجاذب بين المُلك والملكوت، والغيب والمادَّة، والآخرة والدنيا بالتردُّد، ونُسِبَ هذا التردُّد إلى اللَّه بالبيان الماضي.قوله : وإنَّ من عبادي المؤمنين من لا يصلحه إلّا الغنى... هذا المقطع ورد في نقل آخر بشكل أكثر شرحاً، فقال : ... وإنَّ من عبادي المؤمن لمن يريد الباب من العبادة فأكفُّه عنه؛ لئلَّا يدخله عُجب ويفسده، وإنَّ من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلّا بالفقر، ولو أغنيته لأفسده ذلك، وإنَّ من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلّا بالغنى، ولو أفقرته لأفسده ذلك، وإنَّ من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلّا بالسقم، ولو صححت جسمه لأفسده ذلك، وإنَّ من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلّا بالصحة، ولو أسقمته لأفسده ذلك. إنِّي أُدبِّر عبادي بعلمي بقلوبهم، فإنِّي عليم خبير.وحقَّاً أنَّ هذا المقطع يبرِّد قلب المؤمن على أ يَّة حال يكون ما دام يعلم يقيناً أنَّ اللَّه - تعالى - لا يريد إلّا الخير بعباده، فلو سُقِم أو أُفقر فلعلَّ الصحّة أو الغنى كان يوجب له البطر، ولو أُغني أو عوفي فلعلَّ الفقر أو السقم كان يوجب له الجزع وترك الصبر، وهكذا سائر الأُمور. فالمؤمن يعلم أ نَّه على أ يَّة حال قد روعيت مصلحته، ولوحظت الخيرات والبركات له.وقد ورد في حديث صحيح السند عن الفضيل بن يسار، عن الصادق عليه السلام :... يا فضيل بن يسار، إنَّ المؤمن لو أصبح له ما بين المشرق والمغرب كان ذلك خيراً له، ولو أصبح مُقطَّعاً أعضاؤه كان ذلك خيراً له. يا فضيل بن يسار، إنَّ اللَّه لا يفعل بالمؤمن إلّا ما هو خير له. يا فضيل بن يسار، لو عدلت الدنيا عند اللَّه - عزَّوجلَّ جناح بعوضة ما سقى عدوَّه منها شربة ماء. يا فضيل بن يسار، إنَّه مَنْ كان همُّه همَّاً واحداً كفاه اللَّه همَّه، ومَنْ كان همُّه في كلِّ وادٍ لم يبالِ اللَّه بأيِّ وادٍ هلك.نعم، إنَّ اللَّه - تعالى - أقرب إلى عبده من حبل الوريد، ويعلم سرائره، وهو الذي خلقه وخلق كلَّ ما حوله من العالَم الذي جعله ضِمنه، فمن الطبيعي أن يكون أعرف بما يصلحه وما يفسده من نفس العبد.وعلى أيِّ حال، فلا يخفى أنَّ هذا المقطع وكذلك المقطع الذي قبله راجعان إلى المؤمن الاعتيادي لا إلى الكمّل من عباده ؛ وذلك - كما أفاده السيد الإمام الخميني رحمه الله - لأنَّ مَنْ يكره الموت، أو يعبث الغنى والفقر بقلبه إنَّما هو المؤمن العام دون الخواصِّ.قوله : وما يتقرَّب إليَّ عبد من عبادي بشيء أحبُّ إليَّ ممَّا افترضت عليه، وإنَّه يتقرَّب إليَّ بالنافلة حتّى أُحبُّه، فإذا أحببته كنت إذن سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ولسانه الذي ينطق به، ويده التي يبطش بها، إن دعاني أجبته، وإن سألني أعطيته.لايخفى أنَّ كون الفرائض أحبُّ إلى اللَّه من النوافل، لا ينافي كون بعض المستحبات أثوب عند اللَّه من الواجب، كما يقال في السَّلام وردِّ السَّلام؛ فإنَّ وجه أحبِّية الواجب اشتماله على المصلحة الملزمة؛ ولهذا يكون تركه مبغوضاً للَّه عزَّوجلَّ، في حين أنَّ المستحب ليست مصلحته إلزاميَّة؛ ولهذا يرخِّص الشارع في الترك. وهذا لاينافي أثوبيّة المستحب؛ فإنَّ الثواب لا يدور مدار المصلحة، بل يدور مدار مقدار التضحية والإخلاص، ولا شكَّ أنَّ التضحية الموجودة في الابتداء بالسلام أكثر من التضحية الموجودة في جواب السلام، بل على العموم إنَّ الالتزام بالمستحبات على رغم الإحساس بعدم الوجوب، يكون أثقل على النفس من الالتزام بالواجبات؛ لأنَّ الإحساس بوجوبها يكفي في انبعاث الداعي في نفس المؤمن الابتدائي إلى العمل، في حين أنَّ الالتزام بأمر غير واجب يكشف عن إخلاص أكثر وهمَّةٍ أقوى.وقد ذكر علماؤنا - رضوان اللَّه عليهم - تفاسير عديدة للتعبير ب كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به...:منها - ما قاله الشيخ البهائي رحمه الله : من أنَّ المراد - واللَّه العالم - أ نِّي إذا أحببت عبدي جذبته إلى محلِّ الأُنس، وصرفته إلى عالم القدس، وصيَّرت فكره مستغرقاً في أسرار الملكوت، وحواسَّه مقصورة على اجتلاء أنوار الجبروت، فيثبت - حينئذٍ في مقام القرب قدمه، ويمتزج بالمحبَّة لحمه ودمه إلى أن يغيب عن نفسه، ويذهل عن حسِّه، فيتلاشى الأغيار في نظره حتّى أكون له بمنزلة سمعه وبصره كما قال مَنْ قال :جنوني فيك لا يخفىوناري منك لا تخبوفأنت السمعُ والأبصارُوالأركانُ والقلبُأقول : وكما يُفهَم من هذا التفسير : إنَّ هذا المقام لا يحصل إلّا بجذب اللَّه - تعالى - لعبده إيَّاه بعد أن يحبَّ عبده، وإلَّا فالعبد قاصر عن الوصول إلى هذا المقام. ولنعم ما تمثَّل به السيد الإمام الخميني رحمه الله هنا من البيت الفارسي، وهو :تا كه از جانب معشوق نباشد كششىكوشش عاشق بى چاره بجائى نرسدأمَّا عن أقسام المحبَّة فأدنى أقسام المحبَّة هو :القسم الأول - للحبِّ وهو : الحب الحيوانيّ البحت، وهو : أنَّ الإنسان كالحيوان يحبُّ ما يوجب التذاذ قوَّة من قواه، كقوَّة الباصرة في المبصرات المحسَّنة، أو الذائقة في المذوقات الشهيَّة، أو الشامَّة في الروائح الطيِّبة، أو ما إلى ذلك ممَّا يعود في واقعه إلى حبِّه للذائذ نفسه، لا إلى حبِّه بالمعنى الحقيقي للكلمة لذاك المحبوب. وهذا الحبُّ مشترك بين الإنسان والحيوان بفرق : أنَّ الإنسان أدقُّ من الحيوان في التفنُّن في هذه الالتذاذات، وأوسع التذاذاً من الحيوان، فالإنسان يدرك من روائع الصور ما لا يدركه الحيوان، وكذلك من روائع المطعومات وما إلى ذلك، إلّا أنَّ هذا الفرق ليس فارقاً جوهريَّاً، وهذا الحبُّ لا قيمة أخلاقيَّة أو عرفانيَّة له على الإطلاق؛ لأ نَّه في الحقيقة لم يتجاوز حبَّ الذات، وكلُّ ما في الأمر إنَّما هو حبُّ التلذُّذ وبغض الألم.والقسم الثاني - للحبِّ هو : أنَّ الإنسان عادةً يحبُّ وجود نفسه وحياته، وذلك أمر فطريٌّ وجبلِّيٌّ للبشر، فإن أدَّى هذا الحبُّ إلى حبِّ واهب الوجود بنفس منطق حبِّ الالتذاذ بالوجود، رَجَعَ إلى القسم الأوَّل وإن أدَّى إلى حبِّ واهب الوجود بمنطق أنَّ المحسن إلينا يستحقُّ الحبَّ، رَجَعَ إلى ما سوف يأتي إن شاء اللَّه من القسم الثالث وإن أدَّى إلى حبِّ واهب الوجود باعتبار أنَّ وجودنا إن هو إلا وجوداً تعلقيَّاً بحتاً، وأنَّ الوجود الاستقلالي ليس إلّا للَّه تعالى، فهو المستحقُّ للحبِّ. فهذه درجة عالية من الحبِّ العرفاني الذي لا يناله إلا مَنْ له حظٌّ عظيم، ولا يدركه إلّا صاحب القلب المُرهَف، و (إلّا مَنْ أتى اللَّه بقلب سليم) ولايكفي في ذلك مجرد الإحساس العقلي والعلمي والبرهاني بانحصار الوجود الاستقلالي باللَّه تعالى، بل يحتاج إلى الإحساس بذلك بالضمير والوجدان وعين البصيرة. رزقنا اللَّه - تعالى - ذلك بحقِّ محمِّد وآله.ولعلَّ هذا أحد معاني مَنْ عرف نفسه فقد عرف ربَّه...أي : أنَّ الإنسان لا يعرف الوجود المستقل إلّا إذا عرف وجوده التعلقي، وأ نَّه ليس إلّا تعلُّقاً بحتاً.وبمناسبة حديث مَنْ عرف نفسه فقد عرف ربَّه أستذوق أن أنقل هنا كلمة لطيفة منسوبة إلى بعض العلماء، وكأ نَّه قصد بها تفسير هذا الحديث قال :الروح لطيفة لاهوتيَّة، في صفة ناسوتيَّة، دالَّة من عشرة أوجه على وحدانيَّة ربَّانيَّة : 1 ـ لمَّا حرَّكت الهيكل ودبَّرته علمنا أ نَّه لابدَّ للعالم من مُحرِّك ومُدبِّر. 2 ـ دلَّت وحدتها على وحدته. 3 ـ دلَّ تحريكها للجسد على قدرته. 4 ـ دلَّ اطلاعها على ما في الجسد على علمه. 5 ـ دلَّ استواؤها إلى الأعضاء على استوائه إلى خلقه. 6 ـ دلَّ تقدُّمها عليه وبقاؤها بعده على أزله و أبده. 7 ـ دلَّ عدم العلم بكيفيتها على عدم الإحاطة به. 8 ـ دلَّ عدم العلم بمحلِّها من الجسد على عدم أينيَّته. 9 ـ دلَّ عدم مسِّها على امتناع مسِّه. 10 ـ دلَّ عدم إبصارها على استحالة رؤيته.أقول : وقد دلَّت إحاطتها بمخلوقاتها الذهنية بالعلم الحضوري على إحاطة اللَّه بكلِّ الموجودات بالعلم الحضوري. وقد دلَّ ارتباط مخلوقاتها الذهنيَّة بإفاضته لها الوجود آناً فآناً (فلو قطعت النظر عنها لحظة واحدة لانعدمت) على ارتباط العالم أجمع باللَّه تعالى كذلك، فهو إنَّما يدوم بإفاضة اللَّه - سبحانه وتعالى - الوجود إيَّاهُ لحظة فلحظة، ولو قطع اللَّه الإفاضة عن العالم لانعدم العالم.وقد دلّ تحريكها للجسد بمجرد الإرادة على أ نَّه (إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون * فسبحان الذي بيده ملكوت كلّ شيء وإليه ترجعون(.والقسم الثالث - للحبِّ حبُّ من أحسن إلينا، وهذا الحبُّ أحد منشأيه : حبُّ الذات، ولكن ليس هو عين حبِّ الذات، كما كان كذلك في مثل حبِّ الصور الرائعة الحسيَّة، أو المطعومات الشهيَّة، أو الروائح العطرة، بل هنا قد تجاوز - حقاً الحبَّ إلى غير المحبِّ، وهو المحسن. ومنشأه الآخر إدراك الضمير لاستحقاق هذا المحسن الحبَّ حينما يكون إحسانه إلينا فعلاً حسناً في إدراك الضمير الُخلُقي. وهذا القسم من الحبِّ ينمو ويشتدَّ في العبد بالنسبة للَّه تعالى بقدر ازدياد اكتشاف العبد لنعم اللَّه ( الذي خلق السماوات والأرض وأنزلمن السماء ماءً فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم وسخّر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخّر لكم الأنهار * وسخّر لكم الشمس والقمر دائبين وسخّر لكم الليل والنهار * وآتاكم من كلّ ما سألتموه وإن تعدّوا نعمة اللَّه لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفّار) .وأصل نعمة الوجود من اللَّه، ونعم الآفاق والأنفس من اللَّه، والنعم التي تصلنا من المخلوقين إن هي إلّا بتوفيق اللَّه وقدرته وإلهامه وتسهيله وتقديره، فالمنعم الحقيقي الكامل إن هو إلّا اللَّه، فهو المستحقُّ للحبِّ وللشكر والثناء. وهذا القسم من الحبِّ للَّه هو المناسب لمستوى عامَّة المؤمنين، وعلى هذا الأساس أُكِّد عليه في بعض الروايات، وذلك من قبيل : ما ورد عن جابر، عن الباقر عليه السلام قال : أوحى اللَّه - تعالى - إلى موسى عليه السلام أحببني وحبِّبني إلى خَلْقي، قال موسى : يا ربِّ، إنَّك لتعلم أ نَّه ليس أحد أحبَّ إليَّ منك، فكيف لي بقلوب العباد ؟ ! فأوحى اللَّه إليه فذكِّرهم نعمتي وآلائي، فإنَّهم لايذكرون منِّي إلّا خيراً.وعن النبيِّ صلى الله عليه واله قال : قال اللَّه - عزَّوجلَّ - لداود عليه السلام أحببني وحبِّبني إلى خَلْقي، قال : يا ربِّ، نعم أنا أُحبُّك، فكيف أُحبِّبك إلى خَلْقك ؟ قال : اذكر أياديَّ عندهم، فإنَّك إذا ذكرت ذلك لهم أحبُّوني.القسم الرابع - حبُّ مَنْ هو مستحقّ للحبِّ سواءٌ أحسن إلينا أو لا، وهو مَنْ يستجمع صفات فاضلة، والجمال الباطني والمعنوي، ولا جامع لجميع الكمالات والجمالات والفضائل إلّا اللَّه تعالى، وجميع جمال المخلُوقين وكمالهم إن هو إلّا ترشحاً من بحر جماله.قال آية اللَّه الشيخ المشكيني حفظه اللَّه : إنَّ أحد الشعراء قال : (حسن يوسف در دو عالم كس نديد) ثُمَّ عجز عن تكميل البيت، فطلب ممَّن كان أشعر منه تكميل البيت فأجابه : (حسن آن دارد كه يوسف آفريد(.اللَّهمّ إنِّي أسألك من جمالك بأجمله، وكلُّ جمالك جميل، اللَّهمَّ إنِّي أسألك بجمالك كلِّه.وهذا القسم من الحبِّ للَّه لا يوجد في مراتب عالية إلّا لدى العرفاء الكمّل.القسم الخامس - للحبِّ هو : الحبُّ الناشئ من القرب في سلسلة الوجود، كحبِّك لأولادك، أو لأبويك، أو لعشيرتك، ولا أقرب إليك في سلسلة الوجود من اللَّه سبحانه وتعالى الذي هو الخالق، وهو الواهب للحياة (ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين * ثمّ جعلناه نطفة في قرار مكين * ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحماً ثمّ أنشأناه خلقاً آخر فتبارك اللَّه أحسن الخالقين(.إلّا أنَّ الإحساس بذلك ووجدانه - أيضاً - خاصٌّ بالعرفاء باللَّه.القسم السادس - للحبِّ هو : الحبُّ الناشئ من الأُنس، فإذا أنست بجارك، أو بصاحب لك، أو بشريك لك في السفر، أو في التجارة، أو بصديق لك في مجلس، أو بزوجك في الحياة الزوجيَّة، أو ما إلى ذلك، أحببته.والأُنس باللَّه هو الذي يقوِّي لذَّة مناجاته، وهو خاصٌّ - أيضاً - بأولياء اللَّه وأصفيائه.الأُنس باللَّه لا يحويه بطَّالُوليس يدركه بالحول محتالوالآنسون رجال كلُّهم نجبٌوكلُّهم صفوة للَّه عمَّالوالآن أودُّ أن أتحدث بحديث مختصر عن علائم حبِّ اللَّه.قال اللَّه تعالى : (قل يا أ يّها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء للَّه من دون الناس فتمنّوا الموت إن كنتم صادقين * ولا يتمنّونه أبداً بما قدّمت أيديهم واللَّه عليم بالظالمين(.وقال عزَّوجلَّ : (قل إن كنتم تحبون اللَّه فاتبعوني يحببكم اللَّه ويغفر لكم ذنوبكم واللَّه غفور رحيم(.وقد مضى عن الصادق عليه السلام قوله :تعصي الإله وأنت تظهر حبَّههذا محالٌ في الفعالِ بديعُلوكان حبُّك صادقاً لأطعتهإنَّ المحبَّ لمن يحبُّ مطيعُقيل :لاتخدعنَّ فللمحبِّ دلائلٌولديه من تحف الحبيب وسائلمنها تنعّمه بمرِّ بلائهوسروره في كلِّ ما هو فاعلفالمنع منه عطيَّةٌ معروفةٌوالفقرُ إكرامٌ وبِرٌّ عاجلومن الدلائل أن ترى من عزمهطوعَ الحبيبِ وإن الحَّ العاذلومن الدلائل أن يُرى متبسّماًوالقلبُ فيه من الحبيب بلابلومن الدلائل أن يُرى متفهِّماًلكلام من يحظى لديه السائلووجدت في مكان آخر هذا البيت :ومن الدلائل أن يُرى من شوقهمثلَ السقيم وفي الفؤادِ علائلوقيل أيضاً :ومن الدلائل حزنُه ونحيبهُجوفَ الظلام فما له من عاذلومن الدلائل أن تراه مسافراًنحو الجهاد وكلُّ فعلٍ فاضلومن الدلائل زهده في ما يرىمن دار ذلٍّ والنعيم الزائلومن الدلائل أن تراه باكياًأن قد رآه على قبيح فعائلومن الدلائل أن تراه مسلّماكلَّ الأُمور إلى المليك العادلومن الدلائل أن تراه راضياًبمليكه في كلِّ حكم نازلومن الدلائل ضحكهُ بين الورىوالقلبُ محزونٌ كقلب الثاكلوقد ورد في الحديث : أوحى اللَّه إلى بعض الصدِّيقين : أنَّ لي عباداً من عبيدي يحبُّوني وأُحبُّهم ، ويشتاقون إليَّ وأشتاق إليهم، ويذكروني وأذكرهم، فإن أخذتَ طريقهم أحببتك، وإن عدلت عنهم مقتُّك، قال : يا ربِّ، وما علامتهم ؟ قال : يراعون الظلال بالنهار كما يراعي الشفيق غنمه، ويحنُّون إلى غروب الشمس كما تحنُّ الطير إلى أوكارها عند الغروب، فإذا جنَّهم الليل، واختلط الظلام، وفرشت الفرش، ونصبت الأسرَّة، وخلا كلُّ حبيب بحبيبه، نصبوا إليَّ أقدامهم،وافترشوا إليَّ وجوههم، وناجوني بكلامي، وتملَّقوني بأنعامي ما بين صارخ وباكٍ، وبين متأوِّه وشاك، وبين قائم وقاعد، وبين راكع وساجد، بعيني ما يتحمَّلون من أجلي، وبسمعي ما يشكون من حبِّي. أوَّل ما أعطيهم ثلاثاً : الأوَّل أقذف من نوري في قلوبهم، فيخبرون عنِّي كما أُخبر عنهم. والثاني لو كانت السماوات والأرضون وما فيهما من مواريثهم لاستقللتها لهم. والثالث أُقبل بوجهي عليهم، أفترى من أقبلت عليه بوجهي يعلم أحد ما أُريد أن أُعطيه ؟ !.والآية التي بدأنا بها الحديث وهي قوله تعالى. : (قل يا أ يّها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء للَّه من دون الناس فتمنّوا الموت..) يحتمل فيه احتمالان :أحدهما - أن يكون المقصود : زعمهم أنَّهم يحبُّون اللَّه فإن كانوا صادقين في زعمهم ف عليهم أن يتمنُّوا لقاء حبيبهم بالموت.والثاني - أن يكون المقصود : زعمهم أنَّ اللَّه يحبُّهم فإن كانوا صادقين في زعمهم ف عليهم أن يتمنُّوا الموت؛ كي يصلوا إلى ثواب مَنْ يحبُّهم.والاحتمال الثاني هو الأقوى؛ لما ورد في مورد آخر من القرآن خطاباً لليهود قوله تعالى : (قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند اللَّه خالصة من دون الناس فتمنّوا الموت إن كنتم صادقين * ولن يتمنّوه أبداً بما قدّمت أيديهم واللَّه عليم بالظالمين(.ويؤيِّد ذلك - أيضاً - قوله تعالى : (وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء اللَّه وأحبّاؤه قل فلِمَ يعذّبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممّن خلق يغفر لمن يشاء ويعذّب من يشاء...(.وعلى أيَّة حال، فمن علامات حبِّ اللَّه تعالى ما يلي : الأولى - تمنِّي الموت، إمَّا لأنَّه بالموت يحصل لقاء اللَّه تعالى، وإمَّا لأنه بالموت يصل إلى ما أعدَّ اللَّه له من الثواب الجزيل. ومن المحتمل أن يكون ممَّا يشير إلى هذه العلامة ما ورد في نهج البلاغة عن إمامنا أميرالمؤمنين عليه السلام : ...واللَّه لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي أُ مِّه....وورد - أيضاً - في الحديث : لمَّا اشتدَّ الأمر بالحسين بن علي بن أبي طالب نظر إليه مَنْ كان معه، فإذا هو بخلافهم؛ لأ نَّهم كُلَّما اشتدَّ الأمر تغيَّرت ألوانهم، وارتعدت فرائصهم، ووجلت قلوبهم، وكان الحسين عليه السلام وبعض من معه من خصائصه تشرق ألوانهم، وتهدأ جوارحهم، وتسكن نفوسهم، فقال بعضهم لبعض : انظروا لا يبالي بالموت، فقال لهم الحسين عليه السلام : صبراً بني الكرام فما الموت إلّا قنطرة تعبر بكم عن البؤس والضرّاء إلى الجنان الواسعة والنعيم الدائمة فأيّكم يكره أن ينتقل من سجن إلى قصر ؟ ! وما هو لأعدائكم إلّا كمن ينتقل من قصر إلى سجن وعذاب. إنَّ أبي حدّثني عن رسول اللَّه صلى الله عليه واله : أنَّ الدنيا سجن المؤمن وجنَّة الكافر، والموت جسر هؤلاء إلى جنانهم، وجسر هؤلاء إلى جحيمهم. ما كَذبت ولا كُذبت.وقد ورد في الصحيفة السجاديَّة عن إمامنا زين العابدين : ... واجعل لنا من صالح الأعمال عملاً نستبطئ معه المصير إليك، ونحرص له على وشك اللحاق بك، حتى يكون الموت مأنسنا الذي نأنس به، ومألفنا الذي نشتاق إليهِ، وحامَّتنا التي نحبُّ الدنو منها....ولا ينافي تمنِّي الموت وحبّه بهذا المعنى ما ورد في بعض الروايات من النهي عن تمنِّي سرعة حلول الموت، وذلك من قبيل المرسلة الواردة في دعوات الراوندي عن رسول اللَّه صلى الله عليه واله : لاتتمنُّوا الموت؛ فإنَّ هول المطَّلع شديد، وإن من سعادة المرء أن يطول عمره، ويرزقه اللَّه الإنابة إلى دار الخلودفإنَّ أصل حبِّ الموت يجتمع مع عدم تمنِّي اقترابه حينما يكون الأوَّل بروح لقاء اللَّه، أو لقاء ثوابه. والثاني بروح الإكثار من ثواب اللَّه، أو من مرضاته. وقد ورد في الأدعية المرويَّة عنهم عليهم السلام الدعاء بطول العمر، وذلك من قبيل ما ورد في بعض أدعية ليالي شهر رمضان: وأن تجعل فيما تقضي وتقدّر أن تطيل عمري في خير وعافيةدعاء ندعو به لأنفسنا في هذا المضمار ما عن إمامنا سيد الساجدين عليه السلام : ...عمّرني ما كان عمري بذلة في طاعتك، فإذا كان عمري مرتعاً للشيطان فاقبضني إليك قبل أن يسبق مقتك إليَّ، أو يستحكم غضبك عليّ....وبهذه المناسبة أروي قِصَّة منقولة عن المرحوم آية اللَّه الحاج أقا حسين القمِّي رحمه الله ، فقد رُوي أ نَّه حينما أحسَّ بقرب انتهاء مرجعيَّة الشيعة إليه طلب من عدد من علماء النجف الأشرف وأكابرهم أن يجتمعوا إليه في الحرم الشريف، فجمعهم في الإيوان تحت ميزاب الذهب، وقال لهم : إنِّي جمعتكم هنا لكي تؤمِّنوا على دعائي، فإنَّ المرجعيَّة كادت أن تنتهي إليَّ، ثُمَّ قال : اللَّهمَّ إن كان انتهاء المرجعيَّة إليَّ سيضر بديني، فاقبضني إليك. وطلب منهم أن يؤمِّنوا على هذا الدعاء، فلم يؤمِّنوا عليه، وانفضَّ المجلس، ثُمَّ التقى بهم بعد ذلك وقال لهم : ألستم تؤمنون بأنني فقيه ؟ فإنِّي افرض عليكم بحكم ولاية الفقيه أن تستجيبوا لي فيما أردته منكم، فجمعهم مرَّة أُخرى في المكان الشريف، ودعا بنفس الدعاء، وأمَّنوا على دعائه. وانتهت زعامة الشيعة إليه، ولكنَّه لم يعش إلّا فترة يسيرة، ثُمَّ تُوفِّي رضوان اللَّه تعالى عليه.وقيل : سُئل آية اللَّه العظمى السيد الخوئي رحمه الله ماذا رأيت من الحاج آقاحسين القمِّي حتّى أصبحت من مخلصيه ومتعلِّقيه ؟فأجاب : أنَّ هذا الرجل قد صدَّق حقيقةً بيوم الحشر.فقيل له : أفليس الآخرون مصدِّقين بيوم الحشر ؟ !فقال : بلى، ولكن الأمر ذو درجات، وكأنَّ إيمان الحاج آقا حسين القمِّي بذلك إيمانٌ عن مشاهدة وحسّ.الثانية - من علامات حبِّ اللَّه أن ينغمر في طاعة اللَّه، ويبتعد عن معصيته، كما مضى في البيتين المرويين عن الصادق عليه السلام ، وكما مضى في الآية الشريفة : (قل إن كنتم تحبون اللَّه فاتبعوني...) فإنَّ مَنْ يطيع اللَّه طمعاً في الثواب، أو خوفاً من العقاب، قد تغلب عليه المغريات، أو تضعف نفسه أمام الشهوات، فيغلبه الهوى، ويرجّح كفة اللذائذ العاجلة على النعيم الآجل، أو على الاحتراز من العذاب الآجل. أمَّا الذي ذاق طعم محبَّة اللَّه فلا شيء أطعم عنده من تحصيل رضاه، حتى ولو اجتمعت عليه المغريات جميعاً.وسلام اللَّه على إمامنا الذي قال : ... واللَّه لو أُعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي اللَّه في نملة أسلبها جلب شعيرة ما فعلته....نعم، إنَّ مَنْ ذاق طعم محبَّة اللَّه إلى حدّ العشق والهيام، أصبح معصوماً من الذنوب ما دام كذلك، ولذا ورد في دعاء كميل : ... واجعل لساني بذكرك لهجا، وقلبي بحبِّك متيَّما... (يعني : معبَّداً مذلَّلاً(.ولا يفوتني أن أُشير إلى أنَّ الإيمان بالجنَّة والنار لو وصل إلى مستوى ...فهم والجنَّة كمن قد رآها، فهم فيها منعّمون، وهم والنار كمن قد رآها فهم فيها معذّبون... كان - أيضاً - موجباً للعصمة من الذنوب ما دام كذلك. وسلام اللَّهعلى إمامنا الذي قال لأخيه : ... ثكلتك الثواكل يا عقيل ! أتئنُّ من حديدة أحماها إنسانها للعبه، وتجرُّني إلى نار سجّرها جبّارها لغضبه ! أتئنُّ من الأذى ولا أئنُّ من لظىً ؟ !....وقال سلام اللَّه عليه : واللَّه لأن أبيت على حسك السعدان مسهّدا وأُجرّ في الاغلال مصفّدا أحبّ إليَّ من أن ألقي اللَّه ورسوله يوم القيامة ظالماً لبعض العباد وغاصباً لشيء من الحطام وكيف أظلم أحداً لنفس يسرع إلى البلى قفولها ويطول في الثرى حلولها ؟ !....الثالثة - من علامات حبِّ اللَّه الالتزام بقيام الليل وصلاة الليل؛ فإنَّ المحبَّ يحبُّ خلوة حبيبه. ونحن نعلم أنَّ ظلام الليل، وسكون الأجراس والأنفاس يساعدان على تجمُّع الحواسّ، والقدرة على الاختلاء باللَّه سبحانه.وقد فُسِّرت الخلوة بمعنى : تفرُّد العبد في موضع يخلو فيه منجميع الشواغل ممّا سوى اللَّه من المحسوسات الظاهرة والباطنة، ويصرف فيه همَّته ونيَّته إلى الإقبال على اللَّه والتبتُّل إليه بالكلِّية، فيحصل له الأُنس به، والوحشة من غيره وفُسِّرت - أيضاً - بمعنى : محادثة السِّر مع الحقِّ حيثلا أحد ولا ملك.وقد ورد في الدعاء السابع والعشرين للصحيفة السجاديَّة : ... وفرِّغهم عن محاربتهم لعبادتك، وعن منابذتهم للخلوة بك؛ حتى لا يُعبد في بقاع الأرض غيرك، ولا تُعفَّر لأحد منهم جبهةٌ دونك....وقيل لبعض العُبَّاد : ما أصبرك على الوحدة فقال : ما أنا وحدي، أنا جليس اللَّه عزَّوجلَّ، إذا شئت أن يناجيني قرأت كتابه، وإذا شئت أن أُناجيه صلَّيت.وليس الهدف من نقلنا لهذه الكلمات التشجيع على ترك الأعمال الاجتماعيَّة والسياسيَّة في سبيل الإسلام، وإنَّما الهدف مجرد التنبيه على لذَّة الخلوة باللَّه التي لابدَّ منها في بعض آناء الليل أو النهار، والليل أنسب. وقد مضى منَّا في الأبحاث السابقة أنَّ الإسلام نظام ذو أبعاد : فمنها بُعد العرفان والانقطاع إلى اللَّه والاختلاء به، ومنها بُعد القضايا السياسيَّة والاجتماعيّة، ولا يصحُّ حذف بعضها من برنامج الحياة في سبيل بعض.وفي الحديث عن إمامنا الصادق عليه السلام قال : كان فيما ناجى اللَّه - عزَّوجلَّ به موسى بن عمران عليه السلام أنَّه قال : يابن عمران، كذب من زعم أنه يحبُّني فإذا جنَّه الليل نام عنِّي، أليس كلُّ محبٍّ يحبُّ خلوة حبيبه ؟ ! ها أنا ذا يابن عمران، مطَّلع على أحبَّائي، إذا جنَّهم الليل حوَّلت أبصارهم من قلوبهم، ومثَّلت عقوبتي بين أعينهم، يخاطبوني عن المشاهدة، ويكلِّموني عن الحضور، يابن عمران، هب لي من قلبك الخشوع، ومن بدنك الخضوع، ومن عينيكالدموع في ظلم الليل، وادعني، فإنَّك تجدني قريباً مجيباً.ومن الطريف أنَّ اللَّه - تعالى - عبَّر في كتابه عن تعامله مع المؤمنين بالشراء ؛ إذ قال : (إن اللَّه اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة...) في حين أ نَّه عبَّر في هذا الحديث القدسي عن تعامله مع المحبِّين بالهبة؛ إذ قال : ... هب لي من قلبك الخشوع، ومن بدنك الخضوع، ومن عينيك الدموع في ظلم الليل....ولعلَّ هذا إشارة إلى الفارق الكبير بين درجة الإيمان ودرجة الحبِّ، فالمؤمن الذي لم يصل بعدُ إلى مستوى الحبِّ الكامل يتعامل مع اللَّه بالبيع والشراء، فيعطيه نفسه وماله في مقابل الجنَّة، أمَّا المحبُّ فيهب للَّه ما لديه من دون توقُّع العوض.وقد قيل : إنَّ أحد العُشَّاق بالعشق المجازي الذي يقع فيما بين الناس حصل من معشوقه على وعد الوصال في ليلة معيَّنة، وانتظره العاشق بُرهة من الليل إلى أن غلب عليه النوم فنام، ثُمَّ جاءه المعشوق فوجده نائماً، فجعل في جيبه عدداً من الجوز وانصرف، ثُمَّ أصبح الصباح، وقد انحرم العاشق من لُقيا المعشوق، فأرسل إليه : أ نَّك لماذا اخلفت الوعد، ولم تزرني الليلة الماضية. فأجابه المعشوق : أنِّي قد زرتك، ولكنِّي وجدتك نائماً، وشاهد صدق كلامي عدد من الجوز جعلته في جيبك إشارة إلى أ نَّك بعيد عن عالم العشق، ولو كنت عاشقاً لما كنت تنام، وأنت بعد طفل يجب أن تلاعب الأطفال بالجوز.وفي الحديث عن النبيِّ صلى الله عليه واله أ نَّه قال : ما زال جبرئيل يوصيني بقيام الليل حتّى ظننت أن خيار أُمَّتي لن يناموا. وأيضاً عنه صلى الله عليه واله أنَّه قال: أشراف أُمّتي حملة القرآن، وأصحاب الليل. وأيضاً ورد في الحديث أنه جاء جبرئيل عليه السلام إلى النبيِّ صلى الله عليه واله فقال: يا محمَّد، عش ما شئت فإنَّك ميِّت، وأحبب من شئت فإنَّك مفارقه، واعمل ما شئت فإنَّك مجزى به، واعلم أنَّ شرف الرجل قيامه باللَّيل، وعزّه استغناؤه عن الناس. وأيضاً ورد في الحديث عن زيد بن عليٍّ، عن أبيه، عن جدِّه قال: قال أميرالمؤمنين عليُّ بن أبي طالب عليه السلام : إنَّ في الجنَّة لشجرة يخرج من أعلاها الحلل، ومن أسفلها خيل بلق مسرَّجة ملجمة ذوات أجنحة لا تروث ولا تبول، فيركبها أولياء اللَّه، فتطير بهم في الجنَّة حيث شاؤا، فيقول الذين أسفل منهم: يا ربنا، ما بلغ بعبادك هذه الكرامة؟ فيقول اللَّه - جلَّ جلاله - إنَّهم كانوا يقومون بالليل ولا ينامون، ويصومون بالنهار ولايأكلون، ويجاهدون العدوَّ ولا يجبنون، ويتصدَّقون ولايبخلون. الرابعة - من علامات حبِّ اللَّه حبُّ الجهاد وتعشُّق الشهادة. وقد يكون ناظراً إلى هذا صدر الحديث الذي مضى ذكره قبل صفحات عن قِصَّة الحسين عليه السلام في وقعة كربلاء: كان الحسين عليه السلام وبعض مَن معه من خصائصه كُلَّما اشتدَّ الأمر تشرق ألوانهم، وتهدأ جوارحهم، وتسكن نفوسهم. والسرُّ في جعل هذه العلامة مستقلَّةً عن حبِّ الموت الذي مضى الحديث عنه هو: أنَّ هذا أعلى مستوىً من مستويات البذل في اللَّه والتضحية في سبيل اللَّه، فلا شيء لدى الإنسان من أُموره الدنيوية أغلى من نفسه وحياته: لا ماله، ولا أهله وعياله، ولا أصحابه وأحبَّاؤه، فإذا بذل مهجته في سبيل اللَّه متعشِّقا ذلك، كان هذا آية حبِّه للَّه تعالى. وقد ورد في الحديث : 1 ـ عن الصادق، عن أبيه ، عن آبائه عليهم السلام أنَّ النبي صلى الله عليه واله قال: فوق كلِّ ذي بِرٍّ برٌّ حتى يُقتل في سبيل اللَّه، فإذا قُتِلَ في سبيل اللَّه فليس فوقه بِرٌّ. وفوق كلِّ ذي عقوق عقوقٌ حتى يقتل أحد والديه، فليس فوقه عقوق. فالسر في كون القتل في سبيل اللَّه فوق كلِّ برٍّ، ما أشرنا إليه: من أنَّه أقوى درجات التضحية والبذل. والسرُّ في كون قتل أحد الوالدين فوق كلِّ عقوق: أَنَّ العقوق يحصل من هضم ذي الحقِّ حقَّه، ولا يوجد بحسب الحقوق البشريَّة فيما بين الناس أقوى ذي حقٍّ من الوالدين؛ لأنَّهما المنشأ المادِّي لوجود الشخص. ولايوجد عقوق لهما أشدّ من القتل؛ لأنه سلبٌ لأعزِّ الأشياء إليهما، وهي: الحياة والنفس. 2 ـ عن عليّ عليه السلام : ... إنَّ أفضل الموت القتل. والذي نفسي بيده لألف ضربة بالسيف أهون عليَّ من مِيتة على الفراش . 3 ـ عن سعد بن سعد الأشعري،عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: سألته عن قول أمير المؤمنين عليه السلام : لألف ضربة بالسيف أهون من موت على فراش ؟ فقال: في سبيل اللَّه. والسرُّ في مُفاد هذين الحديثين واضح، وهو: أَنَّ الموت الذي لابدَّ منه يوجب فقد الإنسان نفسه مجَّانا وبلا عوض؛ لأنَّه لم يبذلها، وفي نفس الوقت قد فقدها، ولابدَّ أن يفقدها، فما أحلى أن يكون ذلك بذلا في سبيل اللَّه؛ كي يكون أقلُّ ثواب عليه الجنَّة؛ لقوله تعالى: )إن اللَّه اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنَّة...(. 4 ـ عن زيد بن عليٍّ، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه واله : للشهيد سبع خصال من اللَّه: أوَّل قطرة من دمه مغفور له كلُّ ذنب. والثانية يقع رأسه في حجر زوجتيه من الحور العين، وتمسحان الغبار عن وجهه، وتقولان: مرحبا بك، ويقول هو مثل ذلك لهما. والثالثة يُكسى من كسوة الجنَّة. والرابعة تبتدره خزنة الجنَّة بكلِّ ريح طيِّبة أيهم يأخذه معه. والخامسة أن يرى منزله. والسادسة يُقال لروحه: اسرح في الجنَّة حيث شئت. والسابعة أن ينظر إلى وجه اللَّه، وإنَّها لراحة لكلِّ نبي وشهيد وطبعا ليس المقصود بالنظر لوجه اللَّه النظر المادِّي؛ لأنَّ اللَّه - سبحانه وتعالى - منزَّه عن المادَّة والتجسُم. ووزان هذا المقطع من الرواية وزان قوله تعالى: (وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربّها ناظرة). الخامسة - من علامات حبِّ اللَّه هو: بلوغ مرتبة الرضا التي هي فوق مرتبة الصبر؛ فإنَّ الحبيب يرضى بمايريده حبيبه، فبدلا عن أن يصبر على بلائه يرضى برضاه، فكأنَّه لا يحسُّ بمكروه كي يصبر عليه. وقد روي عن الباقر عليه السلام أنَّه ذهب إلى عيادة جابر في مرضه، وسأله: كيف حالك؟ قال جابر: يابن رسول اللَّه، أصبحت والمرض أحبُّ اليَّ من الصحّة. والفقر أحبُّ إليَّ من الغنى. والذلُّ أحبَّ إليَّ من العزِّ. فقال له عليه السلام : أمَّا نحن أهل البيت فلسنا كذلك. فاندهش جابر واضطرب، وسأل: فإذن كيف أنتم ؟ فقال عليه السلام : نحن نرضى بما يريده اللَّه: فإن أراد لنا الغنى أحببنا الغنى. وإن أراد لنا الفقر أحببنا الفقر. وإن أراد لنا المرض أحببنا المرض. وإن أراد لنا الصحة والسلامة أحببنا الصحة والسلامة. وإن أراد لنا الحياة أحببنا الحياة. وإن أراد لنا الموت أحببنا الموت. منها تنعُّمه بما يبلى به وسرورهُ في كلِّ ما هو فاعل فالمنع منه عطيّةٌ معروفةٌ والفقرُ إكرامٌ ولطفٌ عاجل بحلاوت بخورم زهر كه شاهد ساقى است به ارادت بكشم درد كه درمانم از اوست ومن هنا وقع الكلام لدى بعض العلماء في أَنَّه ما معنى الصبر الذي نُسِبَ في الروايات إلى أئمتنا المعصومين عليهم السلام ؟! وذلك من قبيل ما ورد بشأن الحسين عليه السلام : قد عجبت من صبرك ملائكة السماوات ... في حين أنَّهم عليهم السلام كانوا بالغين مرتبة الرضا، فتحمُّلهم للرزايا والمحن كان بحلاوة الرضا بقضآء اللَّه، كما ورد عن الحسين عليه السلام قوله: هوَّن عليَّ ما نزل بي أنَّه بعين اللَّه ... وقد مضى الحديث القائل بشأن الحسين وأصحابه: كانوا كُلَّما اشتدَّ الأمر تشرق ألوانهم، وتهدأ جوارحهم، وتسكن نفوسهم ومع تمكُّن الرضا من القلب لا يبقى موضع للصبر. وقد أجاب عن ذلك بعضهم الذي أشرنا إليه وهو: المرحوم الشيخ علي أكبر النهاونديرضى الله عنه بأجوبة لعلَّ أحسنها جوابان: الأوَّل - أن يكون المقصود بالصبر المعنى الأعمّ للصبر الشامل للرضا بالرزايا والمحن في جنب اللَّه تعالى. والثاني - أن يكون إطلاق مقام الرضا بشأنهم بلحاظ جنبتهم التي تلي الربّ، وهي: جنبة روحانيَّتهم ونورانيَّتهم. وإطلاق مقام الصبر بشأنهم بلحاظ جنبتهم التي تلي الخَلْق، وهي: جنبة البشريَّة. وأقول: إنَّ الجواب الثاني هو الأقوى؛ فإنَّ الإنسان الكامل هو الواجد لكلتا الجنبتين. وقد مضى منَّا في بحث الصبر توضيح أَنَّ الصبر لا ينافي مقام المحبَّة، والتي هي تنشئ الرضا. السادسة - من علامات حبِّ اللَّه حبُّ أحبَّاء اللَّه، فإنَّ مَنْ أحبَّ أحدا سرى حبُّه إلى أحبَّائه. وهذا هو معنى كون حبُّ أهل البيت عليهم السلام شرط الإيمان، وبغضهم علامة النفاق وقد ورد عن أبي الزبير المكّي قال: سألت جابر بن عبد اللَّه - يعني الأنصاري - فقلت: أخبرني أيُّ رجل كان عليُّ بن أبي طالب عليه السلام ؟ قال: فرفع حاجبيه عن عينيه - وقد كان سقط على عينيه - قال: فقال: ذلك خير البشر. أما واللَّه أن كُنّا لنعرف المنافقين على عهد رسول اللَّه صلى الله عليه واله ببغضهم إيّاه. وهذا هو السرُّ في أنَّ حبَّ عليّ عليه السلام وعدمه يكون مقياسا للنجاة وعدمها في عرصات يوم القيامة. وقد ورد في الحديث عن رسول اللَّه صلى الله عليه واله أنَّ عليَّ بن أبي طالب عليه السلام يجلس في يوم القيامة على كرسيٍّ من النور في الفردوس الذي هو أعلى درجات العلِّيين، وأمامه نهر من تسنيم - وهو شراب المقرَّبين الخالص لهم - ويشرف من هناك على عرصات القيامة. فَمَنْ كان معه حبُّ عليٍّ وأهل بيته أمرَ عليه السلام بإمراره على الصراط وإيصاله إلى الجنة. ومن لم يكن معه حبُّهم أمرَ به إلى النار. ان عليّا علا إلى شرفٍ لو رامه الوهمُ زلَّ مرقاه مَنْ لم يعاين سموَّ رتبته فإنَّ ضعفَ اليقينِ أعماه وهنا قد يغترُّ بعض ويتخيلُّ أَنَّه - إذن - يكفيه حبُّ عليّ عليه السلام وأهل البيت عليهم السلام عن كلِّ طاعة، فليفعل ما أراد من الفسق والمجون، ويغفل عن أَنَّ حبَّهم عليهم السلام إنَّما ينجيه في عرصات يوم القيامة بقدر صدق ذاك الحبِّ. ويكون حبُّهم صادقا بقدر طاعته لهم. وها هو رسول اللَّه صلى الله عليه واله يقول: ... ولو عصيت لهويت.... السابعة - من علامات حبِّ اللَّه انقطاع قلب المحبِّ إلى اللَّه. وقد ورد في مصباح الشريعة عن الصادق عليه السلام : العارفُ شخصُهُ مع الخَلْق، وقلبه مع اللَّه، لو سها قلبه عن اللَّه طرفة عين لمات شوقا إليه .... وقيل في الحب البشري المجازي التافه: إِنَّ الشيخ الرئيس أبا عليٍّ بن سينا كان في فترة من الزمن في جرجان لدى رجل فاضل عظيم، كان يحبُّ الحكماء، واسمه قابوس، واتَّفق أنَّه ابتلى أحد أقرباء قابوس بمرض مزمن عجزت عن معالجته الأطباء، فأمر قابوس بإحضار الشيخ الرئيس لدى هذا المريض، فحضر الشيخ الرئيس عند المريض، فرآه رجلا شابَّا، حسن الوجه، متناسب الأعضاء، ولكنَّه هزيل البدن، شاحب اللون. ففحص نبضه، وطلب رجلا يعرف محلَّات البلد ومواضعها معرفة جيِّدة، فأتوا له بإنسان من هذا النمط، فسأله الشيخ الرئيس عن أسماء محلّات البلد - وهو آخذ بيد المريض وقابض على نبضه - فذكر له ذلك الرجل أسماء محلّات البلد إلى أَن وصل إلى اسم معيَّن لتلك المحلَّات، فاضطرب نبض المريض بحركة فجائيَّة، فقال الشيخ لذاك الرجل: اذكر لي بيوت هذا المحلِّ، فذكر الرجل تلك البيوت واحدا واحدا إلى أن تحرّك نبض المريض حركة أُخرى، فقال الشيخ: اذكر لي أسماء الساكنين في هذا البيت، فذكر الأسماء واذا بنبض المريض تحرَّك مرة ثالثةً لدى ذكر اسم معيَّن من بنات هذه العائلة. وبهذا انتهى فحص الشيخ عن حال هذا المريض، وذكر لمعتمدي قابوس: أَنَّ هذا الشاب قد عشق بنتا اسمها كذا في المحلَّة الفلانيَّة والبيت الفلاني. ودواؤه وصال مَنْ أحبَّه. ففحصوا عن الأمر، وتبيَّن صدق الشيخ الرئيس في كلامه، فأخبروا قابوسا بذلك، فأحضر قابوس الشيخ، واستفسره عن طريقة كشفه لحقيقة الحال؟ فقال الشيخ: لمَّا نظرت في وجه هذا الشاب، وفحصت نبضه، علمت أنَّ مرضه مرض العشق الدفين، والذي أبقاه سرَّا في نفسه، فأنهكه السرُّ ثُمَّ اكتشفتُ الشخص المحبوب عن طريق ذكر أسماء المحلَّات والبيوت وأفراد العائلة، بعلامة اضطراب نبضه لدى ذكر اسم المحلَّة المخصوصة والبيت المخصوص والفرد المخصوص. فقال قابوس: إنَّ هذا ابن أختٍ لي، وتلك بنت أُختٍ لي، فأوقعوا النكاح بينهما. فإذا كان هذا حال العشق المجازي التافه بين الناس، فما حال الحبِّ الحقيقي للَّه سبحانه وتعالى؟! وفي الختام أُؤكّد أمرين: الأوّل - ليس المقصود بالانقطاع إلى اللَّه ما يشتمل على الانطواء عن حياة الدنيا، والاعتزال عن المجتمع كما قد يفهمه بعض الناس، فإنَّ من شأن محبَّة اللَّه أن يُطبِّق الإنسان ما أراده اللَّه تعالى من مسألة خلافة اللَّه على وجه الأرض، وإنَّما المقصود به أنَّ العارف باللَّه يتلوَّن - كلّ الحياة عنده - بلون اللَّه تعالى، فلا يفعل شيئا إلا للَّه، وبالطريقة التي فيها مرضاة اللَّه. ولنعم ما قاله استاذنا الشهيدرحمه الله نَّه تختلف الشريعة الإسلاميّة عن اتِّجاهين دينيين آخرين وهما: أولا - الاتِّجاه إلى الفصل بين العبادة والحياة. ثانيا - الاتِّجاه إلى حصر الحياة في إِطار ضيِّق من العبادة كما يفعله المترهبنون والمتصوِّفون. أمّا الاتِّجاه الأوَّل الذي يفصل بين العبادة والحياة: فيدع العبادة للأماكن الخاصَّة المقرَّرة لها، ويطالب الإنسان بأن يتواجد في تلك الأماكن؛ ليؤدِّي للَّه حقَّه، ويتعبَّد بين يديه حتى إذا خرج منها إلى سائر حقول الحياة ودَّع العبادة، وانصرف إلى شؤون دنياه إلى حين الرجوع ثانية إلى تلك الأماكن الشريفة. وهذه الثنائيَّة بين العبادة ونشاطات الحياة المختلفة تشلُّ العبادة، وتُعطِّل دورها التربوي البنَّاء في تطوير دوافع الإنسان، وجعلها موضوعية، وتمكينه من أن يتجاوز ذاته ومصالحه الضيِّقة في مختلف مجالات العمل .. . إلى أن قال - رحمه اللَّه - (وهذا هو المقطع الذي أردنا أن نستشهد به في المقام): وأمَّا الاتِّجاه الثاني الذي يحصر الحياة في إطار ضيِّق من العبادة، فقد حاول أن يحصر الإنسان في المسجد بدلا عن أن يمدِّد معنى المسجد ليشمل كلَّ الساحة التي تشهد عملا صالحا للإنسان. ويؤمن هذا الاتِّجاه بأنَّ الإنسان يعيش تناقضا داخليَّا بين روحه وجسده، ولايتكامل في أحد هذين الجانبين إلّا على حساب الجانب الآخر، فلكي ينمو ويزكو روحيَّا يجب أن يحرم جسده من الطيِّبات، ويقلِّص وجوده على مسرح الحياة، ويمارس صراعا مستمرَّا ضدَّ رغباته وتطلُّعاته إلى مختلف ميادين الحياة؛ حتى يتمّ له الانتصار عليها جميعا عن طريق الكفِّ المستمرِّ، والحرمان الطويل، والممارسة العباديَّة المحدَّدة. والشريعة الإسلاميَّة ترفض هذا الاتِّجاه أيضا؛ لأنّها تريد العبادات من أجل الحياة، فلا يمكن أن تصادر الحياة من أجل العبادات. وهي في الوقت نفسه تحرص على أن يسكب الإنسان الصالح روح العبادة في كلِّ تصرفاته ونشاطاته، ولكن لابمعنى أنَّه يكفُّ عن النشاطات المتعدّدة في الحياة، ويحصر نفسه بين جدران المعبد، بل بمعنى أن يحوِّل تلك النشاطات إلى عبادات، فالمسجد منطلق للإنسان الصالح في سلوكه اليومي، وليس محددا لهذا السلوك... والثاني - لا يتوهَّم أحد: أنَّنا إذا انتهينا إلى حبِّ اللَّه فقد استغنينا عن الطاعة؛ لأنَّ حبَّ اللَّه هو غاية الغايات بالقياس إلى مقامات عامَّة الناس؛ وذلك لأنَّ أهمَّ علائم حبِّ اللَّه وأوَّلها هو طاعته عزَّ وجلَّ، والمحبُّ مطيع لمن أحبَّه بقدر حبِّه، فبقدر ما يعصي قد ابتعد عن حبِّ اللَّه ؛ لأَنَّه خالف مرضاة اللَّه، واستحقَّ بذلك العذاب. وعن رسول اللَّه صلى الله عليه واله في خطبته التي خطبها في مرض وفاته: ... معاشر الناس ليس بين اللَّه وبين أحد شيء يعطيه به خيرا، أو يصرف عنه به شرا إلا العمل. أيُّها الناس لا يدَّعي مدَّعٍ، ولا يتمنّى متمنٍّ، والذي بعثني بالحقِّ نبيَّا لا يُنجي إلاَّ عمل مع رحمة، ولو عصيت لهويت، اللَّهم هل بلَّغت. هذا ، وبما أنَّ مقام المحبَّة هو آخر منازل العامَّة، وأوّل منازل الخاصَّة، وأنَّنا قد رتَّبنا هذا الكتاب باستثناء الحلقة الأُولى منه لعامَّة الناس، فالأولى بنا أن نختم الحديث هنا عن البحث العملي لتزكية النفس . وآخر دعوانا أنِ الحمد للَّه ربِّ العالمين. |