الصفحة 59


سبيل نشر الحقّ قد أدّى ضمناً أيضاً إلى تلف النّفوس البريئة وخسارة الأرواح الطاهرة ، وعلى رأسها أرواح نفس المعصومين ـ جعل اللّه تعالى أرواحنا وأنفسنا لهم الفداء ـ ولولا قانون التزاحم لكان يجب عليهم حفظ النفوس البريئة .

 

شبهة الشكّ في القدرة  :

 

   وقد تقول  : إنّ الإطلاق مهما يتمّ فهو مشروط بالقدرة كما هو شأن كلّ خطاب ، ومهما أردنا العمل في سبيل تطبيق نظام الإسلام وإقامة الحكم فلا شكّ في أ نّه لا يحصل لنا منذ البدء العلم بالقدرة على تحصيل المطلوب ، ومع الشكّ فيها نشكّ في أصل الوجوب .

   أو تقول  : إنّنا عادةً نعلم قبل طيّ المقدّمات البعيدة بأ نّنا فعلا عاجزون عن إقامة الحكم الإسلامي ، فلا يبقى إلاّ فرض وجوب تحصيل المقدّمات البعيدة والعمل في سبيل تهيئة الأجواء إلى أن تحصل القدرة على إقامة الحكم ، ولكن هذا لا يجب ; لأنّ القدرة شرط الوجوب وليست شرط الواجب ، وتحصيل شرط الوجوب غير واجب .

   ولا أُريد أن أُناقش في التقريب الأوّل بما ذكر في علم الأُصول من أنّ الشكّ في القدرة لدى إحراز الملاك يوجب الاحتياط ، كما لا أُريد أن أشكّك في كون القدرة شرطاً للوجوب لا للواجب ـ فقد ثبت


الصفحة 60


في محلّه في الأُصول أنّ القدرة شرط للوجوب ـ لكنّني أُريد أن
أُلفت النظر إلى نكتتين  :

   الأُولى  : أنّ القدرة على تحصيل القدرة على الشيء قدرة على ذلك الشيء ، فمن يقدر على تهيئة المقدّمات التي بها يقدر على إقامة الحكم يكون قادراً على إقامة الحكم ، فليست القدرة المشروطة في كلّ خطاب عبارة عن معنىً خاصّ سمّي بالاستطاعة في باب الحجّ والذي لا يشمل القدرة على تحصيلها ، ولذا لم يجب على من يقدر على تحصيل الاستطاعة للحجّ تحصيلها ، وإنّما القدرة التي هي شرط لكلّ تكليف عبارة عن مجرّد الإمكانية ولو مع الوسائط .

   والثانية  : أنّ أدلّة وجوب نصرة اللّه ودينه والدفاع عن الحقّ ونصرة المظلومين ودفع المنكر وما إلى ذلك ليس المفهوم عرفاً منها هو إيجاب النتيجة فحسب ، بل المفهوم عرفاً من أمثال هذه الخطابات الاجتماعيّة هو الأمر بالمقدّمات بملاك احتمال انتهائها إلى ذي المقدّمة ، كما هو الحال أيضاً في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي قال عنه الفقهاء بأ نّه مشروط باحتمال التأثير لا بالقطع بذلك ، وهذه المقدّمات قد تنتهي إلى النتيجة وقد لا تنتهي ، كما كان الأمر كذلك في زمن المعصومين (عليهم السلام) ، فهذه المشكلة أيضاً ليست مخصوصة بزمن الغيبة .

   والخلاصة  : أنّ المرتكز عرفاً واجتماعيّاً في القضايا الاجتماعية السياسية أنّ الأمر ليس متوجّهاً إلى النتيجة فحسب ـ والتي هي غالباً غير مضمونة الحصول ـ وإنّما هو متوجّه إلى المقدّمات من باب


الصفحة 61


رجاء احتمال حصول النتيجة ، لا بمعنى كونه أمراً ظاهريّاً احتياطيّاً ، بل بمعنى أنّ الاحتياط من قبل نفس المولى ، فالمولى أوجب المقدّمات احتياطاً في موارد احتمال الانتهاء إلى النتيجة ولو في أجيال متأخّرة غير الجيل الذي هيّأ تلك المقدّمات البعيدة .

 

شواهد ضدّ إطلاق الأدلّة  :

 

   وفي مقابل ما ذكرناه من أنّ أجواء المدرسة الإسلاميّة تساعد على تكوّن الإطلاق في أدلّة الجهاد وأدلّة العمل في سبيل رفع راية الحقّ قد تبرز نكات وشواهد على خلاف ذلك ، إمّا بمعنى أنّ تلك النكات والشواهد تخلق أجواءً معاكسة لتلك الأجواء بحيث لا يتكوّن عندئذ ذاك الإطلاق ، أو بمعنى أ نّها تؤدّي إلى تقييد ذاك الإطلاق وإخراج زمن الغيبة عنه بالتخصيص ، ولعلّ تلك النكات منحصرة في أُمور ثلاثة  :

   الأوّل  : نفس غيبة الإمام صاحب الزمان عجّل اللّه فرجه ، فلو كانت إقامة الحكم الإسلاميّ ممكنة وواجبة كان أجدر الناس بذلك هو الإمام صاحب الزمان عجّل اللّه فرجه ، فهو إنّما غاب لأ نّه لم تكن من الوظيفة اليوم إقامة الحكم ، ولم تكن الظروف مؤاتية لذلك ، فكانت نتيجة حضوره أ نّه يقتل وينقطع بذلك آخر حبل ممدود بين السماء والأرض ، فشاءت الحكمة الإلهيّة أن يغيب كي يبقى محفوظاً من كيد الأعداء إلى أن تحين الفرصة لإحياء الحقّ وقطع



قبل |  بعد |  فهرست