الصفحة 171


 

 

 

 

 

   المسألة الثانية  : في مدى دخل الانتخاب في الولاية أو عدم دخله  :

   تارة يفترض وجود دليل على صحّة انتخاب الأُمّة لمن يلي أمرها وفقاً لفقه الإسلام مع فرض الإطلاق في ذاك الدليل لما إذا كان المنتخب غير فقيه ، وغاية الأمر هي أن المنتخب لو كان غير فقيه يجب عليه الرجوع إلى فقيه بقدر ما يتّصل الأمر بالفقه ، فلو ثبت دليل على شرط الفقاهة كان ذلك تخصيصاً لدليل الانتخاب .

   وأُخرى يفترض أنّ أمر الولاية وإن كان منحصراً في الفقهاء ـ إمّا بدليل خاص أو من باب القدر المتيقّن ـ ولكن دليل الانتخاب دلّ على أنّ شخص الوليّ يتحدّد بالانتخاب ، وهو وإن لم يكن له إطلاق لانتخاب غير الفقيه ولكن أثره خروج كلّ فقيه آخر غير من انتخب من دائرة الولاية .

 

دليل الانتخاب مع إطلاق المنتخب  :

 

   أمّا الفرض الأوّل ـ وهو افتراض دليل مطلق على الانتخاب يشمل حتى انتخاب غير الفقيه ـ فهذا هو الظاهر من عبائر أُستاذنا


الصفحة 172


الشهيد (قدس سره) حيث كتب يقول  : « فخطّ الشهادة يتحمّل مسؤوليته
المرجع على أساس أنّ المرجعية امتداد للنبوة والإمامة على هذا الخط ... » إلى أن يشرح (قدس سره) اندماج خطّ الشهادة وخطّ الخلافة في شخص المرجع ما دامت الأُمّة محكومة للطاغوت ومقصيّة عن حقّها في الخلافة العامّة ثم يقول ما نصّه  :

   « وأما إذا حرّرت الأُمّة نفسها فخطّ الخلافة ينتقل إليها ، فهي التي تمارس القيادة السياسية والاجتماعية في الأُمّة بتطبيق أحكام اللّه وعلى أساس الركائز المتقدّمة للاستخلاف الربّاني ، وتمارس الأُمّة دورها في الخلافة في الإطار التشريعي للقاعدتين القرآنيتين التاليتين  :

   ( وأمرُهُمْ شُورَى بَينَهُمْ )(1) .

   ( والمؤمنون والمؤمنات بعضُهُمْ أولياءُ بعض يأمُرونَ بالمعروف وَينْهَوْنَ عن المُنكَر )(2) .

   فإنّ النصّ الأوّل يعطي للأُمّة صلاحية ممارسة أُمورها عن طريق الشورى ما لم يردْ نصّ خاصّ على خلاف ذلك ، والنصّ الثاني يتحدّث عن الولاية وأنّ كلّ مؤمن وليّ الآخرين ، ويريد بالولاية تولّى أُموره بقرينة تفريع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عليه ، والنصّ ظاهر في سريان الولاية بين كلّ المؤمنين والمؤمنات
بصورة متساوية .

____________

(1) سورة الشورى  : الآية 38 .

(2) سورة التوبة  : الآية 71 .


الصفحة 173


   وينتج عن ذلك الأخذ بمبدأ الشورى وبرأي الأكثرية عند
الاختلاف .

   وهكذا وزّع الإسلام في عصر الغيبة مسؤوليات الخطّين بين المرجع والأُمّة ، بين الاجتهاد الشرعي والشورى الزمنية ، فلم يشأ أن تمارس الأُمّة خلافتها بدون شهيد يضمن عدم انحرافها ، ويشرف على سلامة المسيرة ، ويحدّد لها معالم الطريق من الناحية
الإسلامية ، ولم يشأ من الناحية الأُخرى أن يحصر الخطّين معاً في فرد ما لم يكن هذا الفرد مطلقاً أي معصوماً »(1) .

   أقول  : الذي يبدو من هذا النصّ أ نّه (قدس سره) يؤمن بأنّ قوله تعالى  : ( وَأمرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ ) دليل على الانتخاب .

   وقد يورد على هذا الدليل بدعوى الإجمال في الآية ، حيث إنها لو كانت بصدد تشريع الانتخاب فهي لم تبيّن ما هو المقياس لدى الاختلاف ، هل المقياس كمّي أو كيفي ؟ أي لو فرض أنّ أكثرية السواد العامّ انتخبت شخصاً ، ولكن وجوه القوم المحنّكون كان أكثرهم ضمن الأقليّة التي انتخبت شخصاً آخر فأ يّهما هو المتعيّن للولاية في المقام ، هل الأوّل للترجيح الكمّي الموجود في ناخبيه ، أو الثاني للترجيح الكيفي الموجود في ناخبيه ؟ ولو أن الإسلام كان يتّجه إلى الانتخاب لكان عليه أن يوضّح المقياس في نفوذ الانتخاب ، هل هو الترجيح الكمّي أو الكيفي ؟

____________

(1) الإسلام يقود الحياة  : 160 ـ 161 .


الصفحة 174


   فكأنّ أُستاذنا الشهيد (قدس سره) كان بصدد الجواب على هذا الاعتراض ،
فأراد رفع الإجمال بضمّ آية أُخرى إلى آية الشورى وهي قوله تعالى  : ( والمؤمنون والمؤمنات بعْضُهُم أولياءُ بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ) فحمل (رحمه الله) الولاية في هذه الآية على تولّى الأُمور بقرينة تفريع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عليها ، وعندئذ فالنصّ ظاهر في سريان الولاية بالمعنى المطلوب في المقام بين كل المؤمنين والمؤمنات بصورة متساوية ، وهذا يعني عدم تأثير للترجيح الكيفي لبعض على بعض في الحساب ، فالمرجّح كمّي بحت .

   ولعلّه (رحمه الله) إنّما لم يستدلّ مستقلا على الانتخاب بقوله تعالى  : ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ) بأن يثبت بذلك الولاية الكاملة للأُمّة ـ وهذا لا يكون إلاّ بتأثير الكلّ في الانتخاب ـ بنكتة أنّ الإطلاق الشمولي في المحمول غير جار ، فلا يمكن إثبات الولاية الكاملة بالإطلاق في هذه الآية ، فلعلّها ولاية بقدر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثلا ، فرأى (رحمه الله) أنّ الأنسب هو الاستدلال بمجموع الآيتين بأن يقال  : إنّ تفريع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على ولاية بعضهم لبعض يناسب افتراض كبرى واسعة فرّع عليها هذا الفرع ، وتلك الكبرى الواسعة التي يسهل تصوّرها في المقام هي افتراض أنّ كلّ ولاية تثبت للمؤمنين فهي للكلّ ، أي أنّ الكلّ شركاء فيها ، فإذا ضممنا ذلك إلى ولاية الشورى المستفادة من قوله تعالى  : ( وأمرُهُمْ شورى بينهم ) ثبت أنّ هذه الولاية للكلّ ، وإذن فالعبرة تكون بالأكثرية الكميّة لا محالة .


الصفحة 175


   أقول  : إنّ الاستشهاد بقوله تعالى  : ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياءُ بعض ) على المعنى الذي عرفت غير صحيح ، وذلك لأنّ كلمة الولاية وردت في اللغة بمعنيين  : بمعنى الأولويّة في التصرّف ونفوذ الأمر ، وبمعنى النصرة والمؤازرة ، وربط هذه الآية بما نحن فيه يتوقّف على حمل الولاية على المعنى الأوّل ; لأنّ مجرّد النصرة والمؤازرة أجنبية عن المقام ، وتفريع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما يناسب المعنى الأوّل كذلك يناسب المعنى الثاني أيضاً ، فإنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هو تسديد عن الخطأ نوع تآزر ونصرة ، وكأنّ التعبير بالأمر والنهي هو الذي يراه أُستاذنا قرينة على إرادة المعنى الأوّل للولاية ; لأنّ الأمر والنهي يتفرّعان على المولوية بذلك المعنى ، ولكنّ الواقع أنّ هذا ليس قرينة على إرادة المعنى الأوّل ، فإنّ الأمر والنهي لا يتوقّفان على فرض الولاية ونفوذ الكلمة بمعنى وجوب طاعته ، بل يكفي ـ مناسبةً للاستعلاء والتأمّر ـ أنّ الطرف المقابل إنسان منحرف قد نكب عن الطريق الصحيح ، فيستعلي عليه المؤمن ويأمره بالمعروف ويزجره عن المنكر .

   إلاّ أنّ الظاهر أنّ مشكلة إجمال آية الشورى وعدم وضوح كون المقياس في ولاية الشورى هو الترجيح الكمّي أو الكيفي في نفسها محلولة بلا حاجة إلى مراجعة آية الولاية ، وتأكيدنا على هذا الإشكال في كتاب أساس الحكومة الإسلامية في غير محلّه ، وذلك لأنّ المفهوم عرفاً من ولاية الشورى لو تمّت إنما هي ولاية


الصفحة 176


الأكثرية ، فإنها هي التي تصلح مقياساً منضبطاً عند العرف ، أما الترجيح الكيفي فهو لا ينضبط عادة ، فكلّ جهة أو فئة من النّاس قد تدعي الترجيح الكيفي لنفسها ، فلا معنى لافتراض ترجيح رأي الأقلية بحجة الترجيح الكيفي ، فإنّ في الأكثرية من ينكر الترجيح الكيفي في جانب الأقلية أو يدّعيه لنفسه ، فالضابط المعقول لحسم النزاع إنما هو الترجيح الكمّي لا الكيفي .

   إلاّ أنّ الشأن في أصل دلالة آية الشورى على ولاية الشورى ، وتوضيح ذلك  :

   أن الشورى  : تارة يُقصد بها تنفيذ رأي الأكثرية ، وهذا ما قد نعبّر عنه بولاية الشورى ، وأُخرى يُقصد بها مجرّد الاستضاءة بالأفكار والاستنارة بها من دون افتراض تضمّن الحجية ووجوب طاعة رأي الأكثرية ، وقد يقال  : أنّ قوله تعالى  : ( أمرُهُمْ شورى بينهمْ ) ظاهر في المعنى الأوّل بقرينة أنّ الضمير ظاهر في الرجوع إلى كل المؤمنين ، ولا يتصوّر معنىً للاستنارة في أمر ما بأفكار الكلّ ، فكأنّ المقصود ـ واللّه العالم ـ هو انتخاب الوليّ الذي هو أمر يمسّ الكلّ والذي لا يكون إلاّ بمعنى تحكيم رأي الأكثرية .

   إلاّ أنّ هذا الاستظهار لو تمّ في نفسه يقابله استظهار آخر ، وهو أنّ الآية الشريفة بصدد بيان صفات من ادّخر لهم متاع الحياة الآخرة ، قال اللّه تعالى  : ( فما أُوتيتُمْ منْ شيء فمتاعُ الحياة الدُّنيا وما عند اللّه خيرٌ وأبقى للذين آمنوا وعلى ربّهم يتوكّلون * والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون * والّذين استجابوا


الصفحة 177


لربّهم وأقاموا الصّلاة وأمرُهم شورى بينهم ومما رزقناهم
ينفقون * والّذين إذا أصابهم البغيُ هم ينتصرون )(1) ، وهي ظاهرة في صفات تقبل الفعلية في زمن صدور الآية ، وكلها فعلية وقتئذ إلاّ العمل بالشورى لو فسّر بمعنى الانتخاب وتحكيم رأي الأكثرية ، فهذا لا يمكن أن يكون فعلياً وقتئذ ; لأنّ من ضروريات الإسلام أ نّه لا معنى للانتخاب وتحكيم رأي الأكثرية في فرض وجود الوليّ المنصوب من قبل اللّه تعالى ، قال اللّه عزّ وجل  : ( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى اللّه ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم )(2) ، وقال عزّ من قائل  : ( النّبيُّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم 
)(3) ، فقد تكون هذه قرينة على حمل الآية على إرادة الاستضاءة بأفكار الآخرين بالشكل المعقول من دون إرادة الاستشارة مع الكلّ ; إذ هذا غير معقول في الاستضاءة بالأفكار ، فيصبح وزان الآية وزان آية أُخرى صريحة في هذا المعنى ، وهي قوله تعالى : ( فبما رحمة من اللّه لنت لهم ولو كنت فظّاً غليظ القلب لانفضّوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر
فإذا عزمت فتوكّل على اللّه إنّ اللّه يحبّ المتوكّلين )(4) فهذه الآية واضحة في عدم إرادة ولاية الشورى ; لأ نّها نسبت العزم إلى شخص

____________

(1) سورة الشورى  : الآية 36 ـ 39 .      (2) سورة الأحزاب  : الآية 36 .

(3) سورة الأحزاب  : الآية 6 .

        (4) سورة آل عمران  : الآية 159 .


الصفحة 178


الرسول (صلى الله عليه وآله) وقال  : ( فإذا عزمت فتوكّل على اللّه )فالمقصود بها
مجرّد الاستشارة والاستضاءة بالأفكار ولو بهدف تعويد الأُمّة على ذلك أو بهدف إشراكهم في المسؤولية وتحسيسهم بتحمّل العبء(1) .

   هذا ، وهناك وجهان آخران ـ غير دليل الشورى ـ يمكن فرض إطلاقهما لانتخاب غير الفقيه وهو ما سيأتي من الوجه الثالث والرابع من الوجوه التي سننقلها عن كتاب « دراسات في ولاية الفقيه » وستأتي مناقشتهما أيضاً .

____________

(1) إن قلت  : إنّ قوله  : ( أمرهم شورى بينهم ) يمكن حمله على ولاية الشورى مع افتراض قابلية هذا الوصف للفعلية وقتئذ ولو بلحاظ قضايا جزئية ، كجماعة اشتركوا في سفر أو مال أو في تجارة وما إلى ذلك ، فيكون ( أمرهم شورى بينهم ) ولو استحباباً ، وخصوص فرد من أفراد ولاية الشورى ـ وهو تعيين ولي الأمر بالشورى ـ تأجّل إلى زمان الغيبة ، وهذا لا يضرّ بظهور الآية في أصل قابلية هذا الوصف للفعلية وقتئذ ، وهذا الفرد بالذات غير قابل للحمل على الاستحباب ، فإنّ المنتخب للإمرة إما أن يكون وليّاً واجب الطاعة أو لا قيمة لأمره ، ولا يكون في سلطانه ـ لدى العمد والالتفات ـ إلاّ طاغوتاً ، أمّا احتمال الاستحباب في ذلك فغير وارد فقهياً .

قلت  : لا إشكال فقهياً في عدم ولاية الشورى في مثل موارد الاشتراك في أمر ، غاية الأمر أنهم إن أجمعوا جميعاً على رأي ولو على رأي الأخذ بما تصوّبه الأكثرية سلّمت شركتهم ، وإلاّ فسخوها لا محالة ، والمصداق المحتمل لولاية الشورى إنما هي القضايا الراجعة إلى السلطة والحكم وسن القوانين وما إلى ذلك .



قبل |  بعد |  فهرست